[فَصْلٌ وَمَا أُبِيحَ الْتِقَاطُهُ وَلَمْ يُمْلَكْ بِهِ وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّالِث ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ] .
الْمَالِ لِأَنَّهُمَا مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ.
[بَابُ حَدِّ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ]
ِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا - الْآيَةَ﴾ [المائدة: 33] .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: نَزَلَتْ فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ ﴿إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 34] وَالْكُفَّارُ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمْ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ وَقَبْلَهَا وَأَمَّا الْحَدُّ فَلَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ بَعْدَ وُجُوبِهِ (وَهُمْ الْمُكَلَّفُونَ الْمُلْتَزِمُونَ) مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ وَيُنْتَقَضُ بِهِ عَهْدُهُمْ (وَلَوْ) كَانَ الْمُكَلَّفُ الْمُلْتَزِمُ (أُنْثَى) لِأَنَّهَا تُقْطَعُ فِي السَّرِقَةِ فَلَزِمَهَا حُكْمُ الْمُحَارَبَةِ كَالرَّجُلِ بِجَامِعِ التَّكْلِيفِ (الَّذِينَ يَعْرِضُونَ لِلنَّاسِ بِسِلَاحٍ وَلَوْ) كَانَ سِلَاحُهُمْ (عَصًا أَوْ حَجَرًا فِي صَحْرَاءَ أَوْ بُنْيَانٍ أَوْ بَحْرٍ) لِعُمُومِ الْآيَةِ.
بَلْ ضَرَرُهُمْ فِي الْبُنْيَانِ أَعْظَمُ (فَيَغْصِبُونَ مَالًا مُحْتَرَمًا مُجَاهَرَةً) فَخَرَجَ الصَّغِيرُ وَالْمَجْنُونُ وَالْحَرْبِيُّ وَمَنْ يَعْرِضُ لِنَحْوِ صَيْدٍ أَوْ يَعْرِضُ لِلنَّاسِ بِلَا سِلَاحٍ، لِأَنَّهُمْ لَا يُمْنَعُونَ مِنْ قَصْدِهِمْ، وَخَرَجَ أَيْضًا مَنْ يَغْصِبُ نَحْوَ كَلْبٍ أَوْ سِرْجِينٍ نَجِسٍ أَوْ مَالِ حَرْبِيٍّ وَنَحْوِهِ، وَمَنْ يَأْخُذُ خِفْيَةً لِأَنَّهُ سَارِقٌ وَأَمَّا الْمُحَارِبُ فَيَعْتَصِمُ بِالْقِتَالِ دُونَ الْخِفْيَةِ
(وَيُعْتَبَرُ) لِوُجُوبِ حَدِّ الْمُحَارِبِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ أَحَدُهَا (ثُبُوتُهُ) أَيْ: قَطْعِ الطَّرِيقِ (بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ مَرَّتَيْنِ) كَالسَّرِقَةِ.
(وَ) الثَّانِي (الْحِرْزُ) بِأَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ يَدِ مُسْتَحِقِّهِ وَهُوَ بِالْقَافِلَةِ ; فَلَوْ وَجَدَهُ مَطْرُوحًا أَوْ أَخَذَهُ مِنْ سَارِقِهِ أَوْ غَاصِبِهِ أَوْ مُنْفَرِدًا عَنْ قَافِلَةٍ لَمْ يَكُنْ مُحَارِبًا.
(وَ) الثَّالِثُ (النِّصَابُ) الَّذِي يُقْطَعُ بِهِ السَّارِقُ
(فَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ) مِنْ الْمُحَارِبِينَ (وَقَدْ قَتَلَ) إنْسَانًا فِي الْمُحَارَبَةِ (وَلَوْ) كَانَ الْقَتْلُ بِمُثْقَلٍ أَوْ سَوْطٍ أَوْ عَصًا، أَوْ قَتْلَ (مَنْ لَا يُقَادُ بِهِ) الْمُحَارِبُ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ فِي غَيْرِ الْحِرَابَةِ (كَوَلَدِهِ وَقِنٍّ) يَقْتُلُهُ حُرٌّ (وَ) كَ (ذِمِّيٍّ) يَقْتُلُهُ مُسْلِمٌ، وَكَانَ قَتْلُ كُلٍّ مِمَّنْ ذُكِرَ (لِقَصْدِ مَالِهِ وَأَخَذَ مَالًا قُتِلَ حَتْمًا) لِوُجُوبِهِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ (ثُمَّ صُلِبَ قَاتِلُ مَنْ يُقَادُ بِهِ) لَوْ قَتَلَهُ فِي غَيْرِ الْمُحَارَبَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة: 33] (حَتَّى يُشْتَهَرَ) لِيَرْتَدِعَ غَيْرُهُ ثُمَّ يُنْزَلُ
وَيُغَسَّلُ وَيُكَفَّنُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْفَنُ، ذَكَرَهُ فِي الْإِقْنَاعِ (وَلَا يُقْطَعُ مَعَ ذَلِكَ) أَيْ: مَعَ الْقَتْلِ وَالصَّلْبِ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ مَعَهُمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادِهِ " إذَا قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَالَ، قُتِّلُوا وَصُلِّبُوا وَإِذَا قَتَلُوا وَلَمْ يَأْخُذُوا الْمَالَ قُتِّلُوا وَلَمْ يُصَلَّبُوا، وَإِذَا أَخَذُوا الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلُوا قُطِّعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ، وَإِذَا أَخَافُوا السَّبِيلَ وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالًا نُفُوا مِنْ الْأَرْضِ " وَرَوَى نَحْوَهُ مَرْفُوعًا، وَلِأَنَّ الْقَتْلَ وَالْقَطْعَ عُقُوبَتَانِ تَتَضَمَّنُ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، لِأَنَّ إتْلَافَ الْبَدَنِ يَتَضَمَّنُ إتْلَافَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ، فَاكْتُفِيَ بِقَتْلِهِ كَمَا لَوْ قَطَعَ يَدَ إنْسَانٍ وَرِجْلَهُ، ثُمَّ قَتَلَهُ فِي الْحَالِ
(وَلَوْ مَاتَ) مُحَارِبٌ قَتَلَ مَنْ يُكَافِئُهُ (أَوْ قُتِلَ قَبْلَ قَتْلِهِ لِلْمُحَارَبَةِ لَمْ يُصَلَّبْ) لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهِ وَهِيَ اشْتِهَارُ أَمْرِهِ فِي الْقَتْلِ فِي الْمُحَارَبَةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ فِيهَا، وَكَذَا قَاتِلُ مَنْ لَا يُكَافِئُهُ كَوَلَدِهِ وَذِمِّيٍّ وَقِنٍّ
(وَلَا يَتَحَتَّمُ قَوَدٌ فِيمَا دُونَ نَفْسٍ) عَلَى مُحَارِبٍ، فَإِنْ قَطَعَ يَدًا أَوْ رِجْلًا أَوْ نَحْوَهُمَا، فَلِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ الْقَوَدُ أَوْ الْعَفْوُ لِأَنَّ الْقَوَدَ إنَّمَا تَحَتَّمَ إذَا قَتَلَ لِأَنَّهُ حَدُّ الْمُحَارَبَةِ بِخِلَافِ الطَّرَفِ فَإِنَّهُ يُسْتَوْفَى قِصَاصًا لَا حَدًّا
(وَرِدْءُ) مُحَارِبٍ: مُبْتَدَأٌ، أَيْ: مُسَاعِدُهُ وَمُغِيثُهُ إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ (وَطَلِيعٍ) يَكْشِفُ لِلْمُحَارِبِ حَالَ الْقَافِلَةِ لِيَأْتُوا إلَيْهَا (كَمُبَاشِرٍ) خَبَرٌ كَاشْتِرَاكِ الْجَيْشِ فِي الْغَنِيمَةِ إذَا دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ وَبَاشَرَ بَعْضُهُمْ الْقِتَالَ وَوَقَفَ الْبَاقُونَ لِلْحِرَاسَةِ مِمَّنْ يَدْهَمُهُمْ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَكَذَا الْعَيْنُ الَّذِي يُرْسِلُهُ الْإِمَامُ لِيَعْرِفَ أَحْوَالَ الْعَدُوِّ، وَظَاهِرُهُ حَتَّى فِي الْمَالِ.
وَفِي الْمُغْنِي وَالْوَجِيزِ، إلَّا فِي ضَمَانِ الْمَالِ فَيَتَعَلَّقُ بِآخِذِهِ خَاصَّةً.
وَحَكَاهُ فِي الْفُرُوعِ بِقِيلَ (فَرِدْءٌ غَيْرُ مُكَلَّفٍ كَهُوَ) أَيْ: الْمُبَاشِرِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ فَيَضْمَنُ الرِّدْءُ الْمُكَلَّفُ مَا بَاشَرَ أَخْذَهُ غَيْرُ الْمُكَلَّفِ وَلَا حَدَّ لِأَنَّ الرِّدْءَ تَبَعٌ لِلْمُبَاشِرِ وَدِيَةُ قَتِيلِ غَيْرِ مُكَلَّفٍ عَلَى عَاقِلَتِهِ
(وَلَوْ قَتَلَ بَعْضُهُمْ) أَيْ الْمُحَارِبِينَ الْمُكَلَّفِينَ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا (ثَبَتَ حُكْمُ الْقَتْلِ فِي حَقِّ جَمِيعِهِمْ) فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ أَنْ يَتُوبُوا قَتَلَ مَنْ قَتَلَ وَمَنْ لَمْ يَقْتُلْ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الرِّدْءِ (وَإِنْ قَتَلَ بَعْضٌ) لِأَخْذِ الْمَالِ (وَأَخَذَ الْمَالَ بَعْضٌ) آخَرَ (تَحَتَّمَ قَتْلُ الْجَمِيعِ وَصَلْبُهُمْ) كَمَا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ كُلٌّ مِنْهُمْ
(وَإِنْ قَتَلَ) مُحَارِبٌ (فَقَطْ لِقَصْدِ الْمَالِ قُتِلَ حَتْمًا وَلَمْ يُصَلَّبْ) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِأَنَّ جِنَايَتَهُمْ بِالْقَتْلِ وَأَخْذِ الْمَالِ تَزِيدُ عَلَى جِنَايَتِهِمْ بِالْقَتْلِ وَحْدَهُ فَوَجَبَ اخْتِلَافُ الْعُقُوبَتَيْنِ
(وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ) مُحَارِبٌ (وَأَخَذَ نِصَابًا لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ) مِنْ بَيْنِ الْقَافِلَةِ (لَا مِنْ مُنْفَرِدٍ عَنْ قَافِلَةٍ قُطِعَتْ يَدُهُ) أَيْ: يَدُ كُلٍّ مِنْ الْمُحَارِبِينَ (الْيُمْنَى ثُمَّ رِجْلُهُ الْيُسْرَى) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ خِلَافٍ﴾ [المائدة: 33] وَرِفْقًا بِهِ فِي إمْكَانِ مَشْيِهِ (فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ حَتْمًا) فَلَا يُنْظَرُ بِقَطْعِ إحْدَاهُمَا انْدِمَالُ الْأُخْرَى لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِقَطْعِهِمَا بِلَا تَعَرُّضٍ لِلتَّأْخِيرِ وَالْأَمْرُ لِلْفَوْرِ فَتُقْطَعُ يُمْنَى يَدَيْهِ وَتُحْسَمُ ثُمَّ رِجْلُهُ الْيُسْرَى وَتُحْسَمُ (وَحُسِمَتَا) وُجُوبًا لِحَدِيثِ «اقْطَعُوهُ وَاحْسِمُوهُ» (وَيُخْلَى) سَبِيلُهُ لِاسْتِيفَاءِ مَا لَزِمَهُ كَالْمَدِينِ يُوفِي دَيْنَهُ (فَلَوْ كَانَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى مَفْقُودَةً) قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى فَقَطْ (أَوْ) كَانَتْ يَمِينُهُ شَلَّاءَ (أَوْ) كَانَتْ يَمِينُهُ (مَقْطُوعَةً أَوْ) كَانَتْ يَمِينُهُ (مُسْتَحَقَّةً فِي قَوَدٍ قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى فَقَطْ) لِئَلَّا تَذْهَبَ مَنْفَعَةُ جِنْسِ الْيَدِ (وَإِنْ عَدِمَ يُمْنَى يَدَيْهِ لَمْ تُقْطَعْ يُمْنَى رِجْلَيْهِ) بَلْ يُسْرَاهُمَا فَقَطْ كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ حَارَبَ) مَرَّةً (ثَانِيَةً) بَعْدَ قَطْعِ يُمْنَى يَدَيْهِ وَيُسْرَى رِجْلَيْهِ (لَمْ يُقْطَعْ مِنْهُ شَيْءٌ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي السَّارِقِ وَقِيَاسُهُ أَنْ يُحْبَسَ حَتَّى يَتُوبَ
(وَتَتَعَيَّنُ دِيَةٌ لِقَوَدٍ لَزِمَ بَعْدَ مُحَارَبَتِهِ) بِأَنْ قَتَلَ بَعْدَهَا عَمْدًا مُكَافِئًا (لِتَقْدِيمِهَا) أَيْ: الْمُحَارَبَةِ (بِسَبْقِهَا، وَكَذَا لَوْ مَاتَ) مُحَارِبٌ لَزِمَهُ قَوَدٌ بَعْدَ مُحَارَبَتِهِ (قَبْلَ قَتْلِهِ لِلْمُحَارَبَةِ) فَتَتَعَيَّنُ الدِّيَةُ لِفَوَاتِ مَحَلِّ الْقَوَدِ
(وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ) أَحَدٌ مِنْ الْمُحَارِبِينَ أَحَدًا (وَلَا أَخَذَ مَالًا) يَبْلُغُ نِصَابًا لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ مِنْ حِرْزِهِ (نُفِيَ وَشُرِّدَ وَلَوْ قِنًّا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33] وَمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَنَّ النَّفْيَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي هَذِهِ الْحَالِ، وَلِأَنَّ الْمُنَاسِبَ أَنْ يَكُونَ الْأَخَفُّ بِإِزَاءِ الْأَخَفِّ، وَمِنْهُ عُلِمَ أَنَّ أَوْ فِي الْآيَةِ لَيْسَتْ لِلتَّخْيِيرِ وَلَا لِلشَّكِّ بَلْ لِلتَّنْوِيعِ (فَلَا يُتْرَكُ يَأْوِي إلَى بَلَدٍ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ) عَنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ (وَتُنْفَى الْجَمَاعَةُ مُتَفَرِّقَةً) كُلٌّ إلَى جِهَةٍ لِئَلَّا يَجْتَمِعُوا عَلَى الْمُحَارَبَةِ ثَانِيًا
(وَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ) أَيْ: الْمُحَارِبِينَ بَعْدَ قُدْرَةٍ عَلَيْهِ سَقَطَ عَنْهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى (مِنْ صَلْبٍ وَقَطْعِ) يَدٍ أَوْ رِجْلٍ (وَنَفْيٍ وَتَحَتَّمَ قَتْلٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 34] (وَكَذَا خَارِجِيٌّ وَبَاغٍ وَمُرْتَدٌّ وَمُحَارِبٌ) تَابَ قَبْلَ قُدْرَةٍ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَنْ تَابَ مِنْهُمْ بَعْدَ قُدْرَةٍ عَلَيْهِ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ شَيْء مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ لِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 34] وَلِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِ مَنْ تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ أَنَّ تَوْبَتَهُ تَوْبَةُ إخْلَاصٍ، وَأَمَّا بَعْدَهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَوْبَةُ تَقِيَّةٍ مِنْ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ تَرْغِيبًا لَهُ فِيهَا بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ
إلَى تَرْغِيبِهِ فِيهَا
(وَيُؤْخَذُ غَيْرُ حَرْبِيٍّ) مِنْ ذِمِّيٍّ أَوْ مُعَاهَدٍ وَمُسْتَأْمَنٍ (أَسْلَمَ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى) إنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَالَ كُفْرِهِ كَنَذْرٍ وَكَفَّارَةٍ لَا حَدِّ زِنًا وَنَحْوِهِ (وَحَقِّ آدَمِيٍّ طَلَبَهُ) مِنْ قِصَاصٍ فِي نَفْسٍ أَوْ دُونَهَا، وَغَرَامَةِ مَالٍ وَدِيَةِ مَا لَا قِصَاصَ فِيهِ، وَحَدِّ قَذْفٍ كَمَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] وَحَدِيثِ «الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، فِي الْحَرْبِيِّينَ» أَوْ خَاصٌّ بِالْكُفْرِ ; جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ
(وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَدُّ سَرِقَةٍ أَوْ) حَدُّ (زِنًا أَوْ) حَدُّ (شُرْبٍ فَتَابَ) مِنْهُ (قَبْلَ ثُبُوتِهِ) عِنْدَ حَاكِمٍ (سَقَطَ) عَنْهُ (بِمُجَرَّدِ تَوْبَتِهِ قَبْلَ إصْلَاحِ عَمَلٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاَللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ [النساء: 16] وَقَوْلِهِ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِّ السَّارِقِ ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ، فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 39] وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» وَلِإِعْرَاضِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُقِرِّ بِالزِّنَا (حَتَّى أَقَرَّ أَرْبَعًا فَإِنْ ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ لَمْ يَسْقُطْ بِالتَّوْبَةِ " لِحَدِيثِ «تَعَافَوْا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ (كَ) مَا يَسْقُطُ حَدٌّ مُطْلَقًا (بِمَوْتٍ) لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ كَسُقُوطِ غُسْلِ مَا ذَهَبَ مِنْ أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ
[فَصْلٌ قُصِدَتْ نَفْسُهُ لِقَتْلٍ أَوْ يُفْعَلُ بِهَا الْفَاحِشَةُ]
. فَصْلٌ وَمَنْ أُرِيدَتْ أَيْ قُصِدَتْ (نَفْسُهُ) لِقَتْلٍ أَوْ يُفْعَلُ بِهَا الْفَاحِشَةُ (أَوْ) أُرِيدَتْ (حُرْمَتُهُ) كَأُمِّهِ وَأُخْتِهِ وَزَوْجَتِهِ وَنَحْوِهِنَّ لِزِنًا أَوْ قَتْلٍ (أَوْ) أُرِيدَ أَخْذُ (مَالِهِ وَلَوْ قَلَّ) مَا أُرِيدَ مِنْ مَالِهِ (أَوْ لَمْ يُكَافِئْ) مَنْ أُرِيدَتْ نَفْسُهُ أَوْ حُرْمَتُهُ أَوْ مَالُهُ (الْمُرِيدَ) لِذَلِكَ (فَلَهُ دَفْعُهُ) عَنْ نَفْسِهِ وَحُرْمَتِهِ وَمَالِهِ (بِأَسْهَلَ مَا) أَيْ: شَيْءٍ (يَظُنُّ انْدِفَاعَهُ بِهِ) لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى تَلَفِهِ وَأَذَاهُ وَتَسَلُّطِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فَيُفْضِي إلَى الْهَرَجِ وَالْمَرَجِ.
وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت إنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: فَلَا تُعْطِهِ.
قَالَ: أَرَأَيْت إنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: قَاتِلْهُ.
قَالَ: أَرَأَيْت إنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: فَأَنْتَ شَهِيدٌ.
قَالَ: أَرَأَيْت إنْ قَتَلْته؟ قَالَ: هُوَ فِي النَّارِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.
وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ
لَهُ أَوَّلًا: أَنْشِدْهُ اللَّهَ.
قَالَ فَإِنْ أَبَى عَلَيَّ قَالَ: قَاتِلْهُ وَلِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ ذَلِكَ الدَّفْعُ، فَإِنْ انْدَفَعَ بِالْأَسْهَلِ حَرُمَ الْأَصْعَبُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إلَّا بِقَتْلٍ أُبِيحَ) قَتْلُهُ (وَلَا شَيْء عَلَيْهِ) لِظَاهِرِ الْخَبَرِ (وَإِنْ قُتِلَ) الدَّافِعُ (كَانَ شَهِيدًا) لِلْخَبَرِ (وَمَعَ مَزْحٍ يُحَرَّمُ) عَلَى دَافِعٍ (قَتْلٌ وَيُقَادُ بِهِ) لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى الدَّفْعِ إذَنْ
(وَلَا يَضْمَنُ بَهِيمَةً صَالَتْ عَلَيْهِ) وَلَمْ تَنْدَفِعْ بِدُونِ قَتْلٍ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ أَوْ حُرْمَتِهِ أَوْ مَالِهِ، كَصَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ صَائِلٍ بِجَامِعِ الصَّوْلِ (وَلَا) يَضْمَنُ (وَمَنْ دَخَلَ مَنْزِلَهُ مُتَلَصِّصًا) إنْ لَمْ يَنْدَفِعْ بِدُونِ قَتْلٍ فَيَأْمُرُهُ رَبُّ الْمَنْزِلِ أَوَّلًا بِالْخُرُوجِ، فَإِنْ خَرَجَ لَمْ يَفْعَلْ بِهِ شَيْئًا لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ ضَرَبَهُ بِأَسْهَلَ مَا يَظُنُّ أَنَّهُ يَنْدَفِعُ بِهِ، فَإِنْ انْدَفَعَ بِالْعَصَا لَمْ يَضْرِبْهُ بِحَدِيدٍ، وَإِنْ وَلَّى هَارِبًا لَمْ يَقْتُلْهُ وَلَمْ يَتْبَعْهُ كَالْبُغَاةِ، وَإِنْ ضَرَبَهُ ضَرْبَةً غَلِيظَةً لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَرْشٌ لِأَنَّهُ كَفَى شَرَّهُ وَإِنْ ضَرَبَهُ فَقَطَعَ يَمِينَهُ فَوَلَّى هَارِبًا فَضَرَبَهُ فَقَطَعَ رِجْلَهُ ضَمِنَهَا بِخِلَافِ الْيَدِ، فَإِنْ مَاتَ بِسِرَايَةِ الْقَطْعِ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، فَإِنْ عَادَ إلَيْهِ بَعْدَ قَطْعِ رِجْلِهِ فَقَطَعَ يَدَهُ الْأُخْرَى ; فَالْيَدَانِ غَيْرُ مَضْمُونَتَيْنِ
(وَيَجِبُ) الدَّفْعُ (عَنْ حُرْمَتِهِ) إذَا أُرِيدَتْ نَصًّا فَمَنْ رَأَى مَعَ امْرَأَتِهِ أَوْ بِنْتِهِ وَنَحْوِهَا رَجُلًا يَزْنِي بِهَا أَوْ مَعَ وَلَدِهِ وَنَحْوَهُ رَجُلًا يَلُوطُ بِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ قَتْلُهُ إنْ لَمْ يَنْدَفِعْ بِدُونِهِ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي بِهِ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْكَفِّ عَنْ الْفَاحِشَةِ وَحَقَّ نَفْسِهِ بِالْمَنْعِ عَنْ أَهْلِهِ فَلَا يَسَعُهُ إضَاعَةُ الْحَقَّيْنِ (وَكَذَا) يَجِبُ الدَّفْعُ (فِي غَيْرِ فِتْنَةٍ عَنْ نَفْسِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] فَكَمَا يُحَرَّمُ عَلَيْهِ قَتْلُ نَفْسِهِ يُحَرَّمُ عَلَيْهِ إبَاحَةُ قَتْلِهَا (وَ) كَذَا يَجِبُ الدَّفْعُ فِي غَيْرِ فِتْنَةٍ عَنْ (نَفْسِ غَيْرِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ إيثَارُ الشَّهَادَةِ وَكَإِحْيَائِهِ بِبَذْلِ طَعَامِهِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ فَإِنْ كَانَ ثَمَّ فِتْنَةٌ لَمْ يَجِبْ الدَّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا نَفْسِ غَيْرِهِ لِقِصَّةِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
(لَا عَنْ مَالِهِ) أَيْ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُ مَنْ أَرَادَ مَالَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مِنْ الْمَحْذُورِ مَا فِي النَّفْسِ (وَلَا يَلْزَمُهُ) أَيْ: رَبَّ الْمَالِ (حِفْظُهُ عَنْ الضَّيَاعِ وَالْهَلَاكِ وَلَهُ بَذْلُهُ) لِمَنْ أَرَادَهُ مِنْهُ ظُلْمًا وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الدَّفْعِ عَنْهُ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ أَرَى دَفْعَهُ إلَيْهِ وَلَا يَأْتِي عَلَى نَفْسِهِ لِأَنَّهَا لَا عِوَضَ لَهَا وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ وَغَيْرُهُ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لَا يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ وَلَا يَنْتَصِرُ لَهَا
(وَيَجِبُ) عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ الدَّفْعُ (عَنْ حُرْمَةِ غَيْرِهِ وَكَذَا) عَنْ (مَالِهِ) أَيْ: الْغَيْرِ لِئَلَّا تَذْهَبَ الْأَنْفُسُ أَوْ الْأَمْوَالُ أَوْ تُسْتَبَاحَ الْحُرَمُ (مَعَ ظَنِّ سَلَامَتِهِمَا) أَيْ: الدَّافِعِ وَالْمَدْفُوعِ، قَالَ فِي الْمَذْهَبِ: أَمَّا دَفْعُ الْإِنْسَانِ عَنْ مَالِ غَيْرِهِ فَيَجُوزُ مَا لَمْ يُفْضِ إلَى الْجِنَايَةِ عَلَى نَفْسِ الطَّالِبِ أَوْ شَيْء مِنْ أَعْضَائِهِ (وَإِلَّا) تُظَنَّ سَلَامَتُهُمَا مَعَ الدَّفْعِ (حَرُمَ) لِإِلْقَائِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ
(وَيَسْقُطُ) وُجُوبُ دَفْعٍ حَيْثُ وَجَبَ (بِإِيَاسِهِ) مِنْ فَائِدَةِ دَفْعِهِ (لَا بِظَنِّهِ أَنَّهُ) أَيْ: دَفْعَهُ (لَا يُفِيدُ) لِتَيَقُّنِ الْوُجُوبِ فَلَا يُتْرَكُ بِالظَّنِّ وَكَرِهَ أَحْمَدُ الْخُرُوجَ إلَى صَيْحَةٍ لَيْلًا لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يَكُونُ
(وَمَنْ عَضَّ يَدَ شَخْصٍ وَحَرُمَ) الْعَضُّ بِأَنْ تَعَدَّى بِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَقْدِرْ الْعَاضُّ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْ مَعْضُوضٍ أَمْسَكَهُ مِنْ مَحَلٍّ يَتَضَرَّرُ بِإِمْسَاكِهِ مِنْهُ وَنَحْوِهِ إلَّا بِهِ وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ وَقَدْ مُقَدَّرَةٌ (فَانْتَزَعَهَا) أَيْ: يَدَهُ مِنْ فَمِ الْعَاضِّ (وَلَوْ) نَزَعَهَا (بِعُنْفٍ) أَيْ: شِدَّةٍ (فَسَقَطَتْ ثَنَايَاهُ) أَيْ الْعَاضِّ (فَ) هِيَ (هَدَرٌ) لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أَنَّ رَجُلًا عَضَّ رَجُلًا فَنَزَعَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ فَوَقَعَتْ ثَنِيَّتَاهُ فَاخْتَصَمَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَعَضُّ أَحَدُكُمْ يَدَ أَخِيهِ كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ؟ ، لَا دِيَةَ لَك» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا أَبَا دَاوُد وَلِإِتْلَافِهَا لِضَرُورَةِ دَفْعِ شَرِّ صَاحِبِهَا كَالصَّائِلِ (وَكَذَا) أَيْ: كَالْعَضِّ فِي حُكْمِهِ (مَا فِي مَعْنَى الْعَضِّ فَإِنْ عَجَزَ) مَعْضُوضٌ عَنْ انْتِزَاعِ يَدِهِ مِنْ عَاضِّهِ (دَفَعَهُ كَصَائِلٍ) عَلَيْهِ بِالْأَسْهَلِ فَالْأَسْهَلِ.
وَلَهُ عَصْرُ خُصْيَتَيْهِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فَلَهُ أَنْ يَبْعَجَ بَطْنَهُ.
وَرُوِيَ أَنَّ جَارِيَةً خَرَجَتْ مِنْ الْمَدِينَةِ تَحْتَطِبُ فَتَبِعَهَا رَجُلٌ فَرَاوَدَهَا عَنْ نَفْسِهَا فَرَمَتْهُ بِفِهْرٍ - أَيْ حَجَرٍ - فَقَتَلَتْهُ فَرُفِعَ إلَى عُمَرَ فَقَالَ هَذَا قَتِيلُ اللَّهِ وَاَللَّهُ لَا يُؤَدِّي أَبَدًا، وَمَعْنَى قَتِيلِ اللَّهِ أَنَّهُ أَبَاحَ قَتْلَهُ
(وَمَنْ نَظَرَ فِي بَيْتِ غَيْرِهِ مِنْ خَصَاصِ بَابٍ مُغْلَقٍ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: الْفُرُوجِ وَالْخُلُلِ الَّذِي فِيهِ (وَنَحْوِهِ) كَفُرُوجٍ بِحَائِطٍ أَوْ بَيْتِ شَعْرٍ وَكُوَّةٍ وَنَحْوِهَا (وَلَوْ لَمْ يَتَعَمَّدْ) النَّاظِرُ الِاطِّلَاعَ (لَكِنْ ظَنَّهُ) رَبُّ الْبَيْتِ (مُتَعَمِّدًا) وَسَوَاءٌ كَانَ فِي الدَّارِ نِسَاءٌ أَوْ لَا أَوْ كَانَ مَحْرَمًا أَوْ نَظَرَ مِنْ الطَّرِيقِ أَوْ مِلْكِهِ أَوْ لَا (فَخَذَفَ) بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَتَيْنِ (عَيْنَهُ أَوْ نَحْوَهَا) كَحَاجِبِهِ فَتَلِفَتْ (فَ) ذَلِكَ (هَدَرٌ) وَكَذَا لَوْ طَعَنَهُ بِعُودٍ لَا إنْ رَمَاهُ بِحَجَرٍ كَبِيرٍ أَوْ رَشَقَهُ بِسَهْمٍ أَوْ طَعَنَهُ بِحَدِيدَةٍ (وَلَا يَتْبَعُهُ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ اطَّلَعَ فِي بَيْتٍ فَفَقَئُوا عَيْنَهُ فَلَا دِيَةَ وَلَا قِصَاصَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ.
وَفِي رِوَايَةٍ «مَنْ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَئُوا عَيْنَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَلِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الصَّائِلِ لِأَنَّ الْمَسَاكِنَ حِمَى سَاكِنِهَا، وَالْقَصْدُ مِنْهَا سَتْرُ عَوْرَاتِهِمْ عَنْ النَّاسِ
وَالْعَيْنُ آلَةُ النَّظَرِ (بِخِلَافِ مُسْتَمِعٍ) أَعْمَى أَوْ بَصِيرٍ (وَضَعَ أُذُنَهُ فِي خَصَاصِهِ) أَيْ لِلْبَابِ الْمُغْلَقِ فَلَيْسَ لَهُ قَصْدُ أُذُنِهِ بِطَعْنٍ أَوْ نَحْوِهِ (قَبْلَ إنْذَارِهِ) ; اقْتِصَارًا عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ، وَلِأَنَّ النَّظَرَ أَبْلَغُ مِنْ السَّمْعِ فَإِنْ أَنْذَرَهُ فَأَبَى فَلَهُ طَعْنُهُ كَدَفْعِ الصَّائِلِ (وَ) بِخِلَافِ نَاظِرٍ (مِنْ) بَابٍ (مُنْفَتِحٍ) لِتَفْرِيطِ رَبِّهِ بِتَرْكِهِ مَفْتُوحًا.
[بَابُ قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ]
ِ أَيْ: الْجَوْرِ وَالظُّلْمِ وَالْعُدُولِ عَنْ الْحَقِّ.
وَالْبَغِيُّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ: الزَّانِيَةُ (وَهُمْ الْخَارِجُونَ عَلَى الْإِمَامِ وَلَوْ غَيْرَ عَدْلٍ بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ وَلَهُمْ شَوْكَةٌ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُطَاعٌ) سُمُّوا بُغَاةً لِعُدُولِهِمْ عَنْ الْحَقِّ وَمَا عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَالْأَصْلُ فِي قِتَالِهِمْ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 9] وَلِحَدِيثِ «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ وَيُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمِيتَتُهُ مِيتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَاتَلَ عَلِيٌّ أَهْلَ النَّهْرَوَانُ فَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ (وَمَتَى اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ) بِأَنْ لَمْ يَخْرُجُوا عَلَى إمَامٍ أَوْ خَرَجُوا عَلَيْهِ بِلَا تَأْوِيلٍ أَوْ بِتَأْوِيلٍ غَيْرِ سَائِغٍ أَوْ كَانُوا جَمْعًا يَسِيرًا لَا شَوْكَةَ لَهُمْ كَالْعَشَرَةِ (فَ) هُمْ (قُطَّاعُ طَرِيقٍ) وَتَقَدَّمَ حُكْمُهُمْ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ
(وَنَصْبُ الْإِمَامِ فَرْضُ كِفَايَةٍ) ; لِحَاجَةِ النَّاسِ لِذَلِكَ لِحِمَايَةِ الْبَيْضَةِ وَالذَّبِّ عَنْ الْحَوْزَةِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَاسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَيُخَاطَبُ بِذَلِكَ مَنْ تُوجَدُ فِيهِ شَرَائِطُ الْإِمَامَةِ حَتَّى يَنْتَصِبَ أَحَدُهُمْ لَهَا وَتَأْتِيَ شُرُوطُهَا، وَأَهْلُ الِاجْتِهَادِ حَتَّى يَخْتَارُوا وَشَرْطُهُمْ: الْعَدَالَةُ وَالْعِلْمُ الْمُوصِلُ إلَى مَعْرِفَةِ مُسْتَحِقِّ الْإِمَامَةِ وَأَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ الْمُؤَدِّيَيْنِ إلَى اخْتِيَارِ مَنْ هُوَ لِلْإِمَامَةِ أَصْلَحُ (وَيَثْبُتُ) نَصْبُ إمَامٍ (بِإِجْمَاعِ) أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ عَلَى اخْتِيَارِ صَالِحٍ لَهَا مَعَ إجَابَتِهِ كَخِلَافَةِ الصِّدِّيقِ فَيَلْزَمُ كَافَّةَ الْأُمَّةِ الدُّخُولُ فِي بَيْعَتِهِ وَالِانْقِيَادُ لِطَاعَتِهِ.
(وَ) يَثْبُتُ أَيْضًا (بِ) نَصٍّ أَيْ: عَهْدِ إمَامٍ بِالْإِمَامَةِ لِمَنْ يَصْلُحُ لَهَا نَاصًّا عَلَيْهِ بَعْدَهُ وَلَا يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلَى مُوَافَقَةِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ كَعَهْدِ أَبِي بَكْرٍ إلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي الْخِلَافَةِ (وَ) يَثْبُتُ أَيْضًا بِ (اجْتِهَادٍ) لِأَنَّ عُمَرَ جَعَلَ أَمْرَ الْإِمَامَةِ شُورَى بَيْنَ سِتَّةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فَوَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
(وَ) يَثْبُتُ أَيْضًا بِ (قَهْرِ) مَنْ يَصْلُحُ لَهَا غَيْرَهُ عَلَيْهَا فَتَلْزَمُ الرَّعِيَّةَ طَاعَتُهُ لِأَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ خَرَجَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَتَلَهُ وَاسْتَوْلَى عَلَى الْبِلَادِ وَأَهْلِهَا حَتَّى بَايَعُوهُ طَوْعًا وَكَرْهًا وَدَعَوْهُ إمَامًا وَلِأَنَّ فِي الْخُرُوجِ عَلَى مَنْ ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ بِالْقَهْرِ شَقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ وَإِرَاقَةَ دِمَائِهِمْ وَإِذْهَابَ أَمْوَالِهِمْ (لِقُرَشِيٍّ) مُتَعَلِّقٌ بِيَثْبُتُ لِقَوْلِ الْمُهَاجِرِينَ لِلْأَنْصَارِ إنَّ الْعَرَبَ لَا تَدِينُ إلَّا لِهَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ وَرَوَوْا لَهُمْ فِي ذَلِكَ الْأَخْبَارَ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا لَا يَكُونُ مِنْ غَيْرِ قُرَيْشٍ خَلِيفَةٌ (حُرٍّ) فَلَا يَكُونُ الْإِمَامُ رَقِيقًا وَلَا مُبَعَّضًا لِأَنَّ لَهُ الْوِلَايَةَ الْعَامَّةَ فَلَا يَكُونُ مُوَلًّى عَلَيْهِ (ذَكَرٍ) فَلَا وِلَايَةَ لِأُنْثَى كَالْقَاضِي وَأَوْلَى (عَدْلٍ) لِمَا سَبَقَ، وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ عَبْدُوسِ بْنِ مَالِكٍ الْعَطَّارِ: وَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِمْ بِالسَّيْفِ حَتَّى صَارَ خَلِيفَةً وَسُمِّيَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ إنْ يَبِيتَ وَلَا يَرَاهُ إمَامًا بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا (عَالِمٍ) بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى مُرَاعَاتِهَا فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ (كَافٍ ابْتِدَاءً وَدَوَامًا) أَيْ: قَائِمًا بِأَمْرِ الْحَرْبِ وَالسِّيَاسَةِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ لَا تَلْحَقُهُ رَأْفَةٌ فِي ذَلِكَ وَلِذَبٍّ عَنْ الْأُمَّةِ وَالْإِغْمَاءُ لَا يَمْنَعُ عَقْدَهَا وَلَا اسْتِدَامَتَهَا لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي مَرَضِهِ وَيَمْنَعُهَا الْجُنُونُ وَالْخَبَلُ الْمُطْبَقُ، وَكَذَا إنْ كَانَ فِي أَكْثَرِ زَمَانِهِ، وَلَا يَمْنَعُهَا ضَعْفُ الْبَصَرِ إنْ عَرَفَ بِهِ الْأَشْخَاصَ إذَا رَآهَا، وَلَا فَقْدُ الشَّمِّ وَذَوْقُ الطَّعَامِ ; لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لَهُمَا فِي الرَّأْيِ وَالْعَمَلِ، وَلَا تَمْتَمَةُ اللِّسَانِ، وَلَا ثِقَلُ السَّمْعِ مَعَ إدْرَاكِ الصَّوْتِ إذَا عَلَا وَلَا، فَقْدُ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ بِخِلَافِ قَطْعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ لِعَجْزِهِ عَمَّا يَلْزَمُهُ مِنْ حُقُوقِ الْأُمَّةِ مِنْ الْعَمَلِ بِالْيَدِ أَوْ النَّهْضَةِ بِالرِّجْلِ، وَإِنْ قَهَرَهُ مِنْ أَعْوَانِهِ مَنْ يَسْتَبِدُّ بِتَدْبِيرِ الْأُمُورِ مِنْ غَيْرِ تَظَاهُرٍ بِمَعْصِيَةٍ وَلَا مُجَاهَرَةٍ بِشِقَاقٍ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنْ اسْتِدَامَتِهِ، ثُمَّ إنْ جَرَتْ أَفْعَالُهُ عَلَى أَحْكَامِ الدِّينِ جَازَ إقْرَارُهُ عَلَيْهَا تَنْفِيذًا لَهَا وَإِمْضَاءً لِئَلَّا يَعُودَ الْأَمْرُ بِفَسَادٍ عَلَى الْأُمَّةِ، وَإِنْ خَرَجَتْ عَنْ أَحْكَامِ الدِّينِ لَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُ عَلَيْهَا وَلَزِمَهُ أَنْ يَسْتَنْصِرَ مِنْ يَقْبِضُ عَلَى يَدِهِ وَيُزِيلُ تَغَلُّبَهُ
(وَيُجْبَرُ) عَلَى إمَامَةٍ (مُتَعَيَّنٌ لَهَا) لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ حَاكِمٍ لِئَلَّا تَذْهَبَ حُقُوقُ النَّاسِ
(وَهُوَ) أَيْ: الْإِمَامُ (وَكِيلُ) الْمُسْلِمِينَ (فَلَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ) مُطْلَقًا كَسَائِرِ الْوُكَلَاءِ (وَلَهُمْ) أَيْ الْمُسْلِمِينَ (عَزْلُهُ إنْ سَأَلَهَا) أَيْ: الْعُزْلَةَ بِمَعْنَى الْعَزْلِ لَا الْإِمَامَةِ لِقَوْلِ الصِّدِّيقِ: أَقِيلُونِي أَقِيلُونِي، قَالُوا: لَا نُقِيلُك.
وَرَدَ فِي الْإِقْنَاعِ كَلَامُ التَّنْقِيحِ هُنَا كَمَا نَقَلْتُهُ فِي الْحَاشِيَةِ وَلَوْ حَمَلَهُ عَلَى مَا أَشَرْت إلَيْهِ لَمْ يُعَارِضْ كَلَامَهُ
كَلَامُ غَيْرِهِ (وَإِلَّا) يَسْأَلْ الْعَزْلَ (فَلَا) يَعْزِلُونَهُ سَأَلَ الْإِمَامَةَ أَوْ لَا لِمَا فِيهِ مِنْ شَقِّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ
(وَيَحْرُمُ قِتَالُهُ) أَيْ الْإِمَامِ لِحَدِيثِ «مَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي وَهُمْ جَمْعٌ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ»
(وَإِنْ تَنَازَعَهَا) أَيْ الْإِمَامَةَ (مُتَكَافِئَانِ) ابْتَدَءُوا دَوَامًا (أَقُرِعَ) بَيْنَهُمَا فَيُبَايَعُ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ (وَإِنْ بُويِعَا) وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ (فَالْإِمَامُ) هُوَ (الْأَوَّلُ) مِنْهُمَا (وَ) إنْ بُويِعَا (مَعًا أَوْ جُهِلَ السَّابِقُ) مِنْهُمَا (بَطَلَ الْعَقْدُ) لِامْتِنَاعِ تَعَدُّدِ الْإِمَامِ وَعَدَمِ الْمُرَجِّحِ لِأَحَدِهِمَا، وَصِفَةُ الْعَقْدِ أَنْ يَقُولَ لَهُ كُلٌّ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ: قَدْ بَايَعْنَاك عَلَى إقَامَةِ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ وَالْقِيَامِ بِفُرُوضِ الْأُمَّةِ وَلَا يُحْتَاجُ مَعَ ذَلِكَ إلَى صَفْقَةِ الْيَدِ فَإِذَا ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ لَزِمَهُ حِفْظُ الدِّينِ عَلَى أُصُولِهِ الَّتِي أَجْمَعَ عَلَيْهَا سَلْفُ الْأُمَّةِ فَإِنْ زَاغَ ذُو شُبْهَةٍ عَنْهُ بَيَّنَ لَهُ الْحُجَّةَ، وَأَخَذَهُ بِمَا يَلْزَمُهُ حِرَاسَةً لِلدِّينِ مِنْ الْخَلَلِ، وَتَنْفِيذُ الْأَحْكَامِ بَيْنَ الْمُتَشَاجِرِينَ وَقَطْعُ خُصُومَتِهِمْ وَحِمَايَةُ الْبَيْضَةِ وَالذَّبُّ عَنْ الْحَوْزَةِ ; لِيَتَصَرَّفَ النَّاسُ فِي مَعَايِشِهِمْ وَيَسِيرُوا فِي الْأَسْفَارِ آمِنِينَ، وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ لِتُصَانَ مَحَارِمُ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقُ عِبَادِهِ، وَتَحْصِينُ الثُّغُورِ بِالْعُدَّةِ الْمَانِعَةِ وَجِهَادُ مَنْ عَانَدَ الْإِسْلَامَ بَعْدَ الدَّعْوَةِ، وَجِبَايَةُ الْفَيْءِ وَالصَّدَقَاتِ عَلَى مَا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ وَتَقْدِيرُ مَا يُسْتَحَقُّ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ بِلَا سَرَفٍ وَلَا تَقْصِيرٍ وَدَفْعُهُ فِي وَقْتِهِ بِلَا تَقْدِيمٍ وَلَا تَأْخِيرٍ وَاسْتِكْفَاءُ الْأُمَنَاءِ وَتَقْلِيدُ النُّصَحَاءِ فِيمَا يُفَوِّضُهُ إلَيْهِمْ ضَبْطًا لِلْأَعْمَالِ وَحِفْظًا لِلْأَمْوَالِ، وَأَنْ يُبَاشِرَ بِنَفْسِهِ مُشَارَفَةَ الْأُمُورِ وَيَتَصَفَّحَ الْأَحْوَالَ لِيَنْهَضَ بِسِيَاسَةِ الْأُمَّةِ وَحِرَاسَةِ الْمِلَّةِ وَلَا يُعَوِّلُ عَلَى التَّفْوِيضِ فَرُبَّمَا خَانَ الْأَمِينُ وَغَشَّ النَّاصِحُ فَإِذَا قَامَ الْإِمَامُ بِحُقُوقِ الْأُمَّةِ فَلَهُ عَلَيْهِمْ حَقَّانِ: الطَّاعَةُ وَالنُّصْرَةُ (وَتَلْزَمُهُ مُرَاسَلَةُ بُغَاةٍ) لِأَنَّهَا طَرِيقٌ إلَى الصُّلْحِ وَرُجُوعِهِمْ إلَى الْحَقِّ.
وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا رَاسَلَ أَهْلَ الْبَصْرَةِ قَبْلَ وَقْعَةِ الْجَمَلِ، وَلَمَّا اعْتَزَلَتْهُ الْحَرُورِيَّةُ بَعَثَ إلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ فَوَاضَعُوهُ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَرَجَعَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ.
(وَ) تَلْزَمُهُ (إزَالَةُ شُبَهِهِمْ) لِيَرْجِعُوا إلَى الْحَقِّ (وَ) تَلْزَمُهُ إزَالَةُ (مَا يَدْعُونَهُ مِنْ مَظْلَمَةٌ) لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى الصُّلْحِ الْمَأْمُورِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: 9] فَإِنْ نَقَمُوا مِمَّا لَا يَحِلُّ فِعْلُهُ أَزَالَهُ، وَإِنْ نَقَمُوا مِمَّا يَحِلُّ فِعْلُهُ لِالْتِبَاسِ الْأَمْرِ فِيهِ عَلَيْهِمْ فَاعْتَقَدُوا مُخَالَفَتَهُ لِلْحَقِّ بَيَّنَ لَهُمْ دَلِيلَهُ وَأَظْهَرَ لَهُمْ وَجْهَهُ ; لِبَعْثِ عَلِيٍّ ابْنَ عَبَّاسٍ إلَى الْخَوَارِجِ لَمَّا تَظَاهَرُوا بِالْعِبَادَةِ وَالْخُشُوعِ وَحَمْلِ الْمَصَاحِفِ فِي أَعْنَاقِهِمْ لِيَسْأَلَهُمْ
عَنْ سَبَبِ خُرُوجِهِمْ وَبَيَّنَ لَهُمْ الْحُجَّةَ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِهَا فِي قِصَّةٍ مَشْهُورَةٍ
(فَإِنْ فَاءُوا) أَيْ رَجَعُوا عَنْ الْبَغْيِ وَطَلَبِ الْقِتَالِ تَرَكَهُمْ (وَإِلَّا) يَفِيئُوا (لَزِمَ) إمَامًا (قَادِرًا قِتَالُهُمْ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 9] . (وَ) يَجِبُ (عَلَى رَعِيَّتِهِ مَعُونَتُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59] وَحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا «مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَرِبْقَةُ الْإِسْلَامِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا اسْتِعَارَةٌ لِمَا يَلْزَمُ الْعُنُقَ مِنْ حُدُودِ الْإِسْلَامِ وَأَحْكَامِهِ (فَإِنْ اسْتَنْظَرُوهُ) أَيْ قَالُوا أَنْظِرْنَا (مُدَّةً) حَتَّى نَرَى رَأْيَنَا (وَرَجَا فَيْئَتَهُمْ) فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ (أَنْظَرَهُمْ) وُجُوبًا حِفْظًا لِدِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ (وَإِنْ خَافَ مَكِيدَةً) كَمَدَدٍ يَأْتِيهِمْ أَوْ تَحَيُّزِهِمْ إلَى فِئَةٍ تَمْنَعُهُمْ أَوْ يَكْثُرُ جَمْعُهُمْ وَنَحْوُهُ (فَلَا) يَجُوزُ لَهُ إنْظَارُهُمْ لِأَنَّهُ طَرِيقٌ إلَى قَهْرِ أَهْلِ الْحَقِّ (وَلَوْ أَعْطَوْهُ مَالًا أَوْ رَهْنًا) عَلَى تَأْخِيرِ الْقِتَالِ، أَذِنَ لِأَنَّ الرَّهْنَ يُخْلِي سَبِيلَهُ إذَا انْقَضَتْ الْحَرْبُ كَالْأُسَارَى وَإِنْ سَأَلُوهُ الْإِنْظَارَ أَبَدًا وَيَدَعُهُمْ وَمَا عَلَيْهِ وَيُكَفُّوا عَنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فَإِنْ قَوِيَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُمْ وَإِلَّا جَازَ
(وَيُحَرَّمُ قِتَالُهُمْ بِمَا يَعُمُّ إتْلَافُهُ) الْمُقَاتِلَ وَغَيْرَهُ وَالْمَالَ (كَمَنْجَنِيقِ وَنَارٍ) لِأَنَّ إتْلَافَ أَمْوَالِهِمْ وَغَيْرِ الْمُقَاتِلِ لَا يَجُوزُ إلَّا لِضَرُورَةٍ تَدْعُوهُ إلَيْهِ كَدَفْعِ الصَّائِلِ.
(وَ) يُحَرَّمُ (اسْتِعَانَةٌ) عَلَيْهِمْ (بِكَافِرٍ) لِأَنَّهُ تَسْلِيطٌ لَهُ عَلَى دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141] (إلَّا لِضَرُورَةٍ) كَعَجْزِ أَهْلِ الْحَقِّ عَنْهُمْ (وَكَفِعْلِهِمْ) بِنَا (إنْ لَمْ نَفْعَلْهُ) بِهِمْ فَيَجُوزُ رَمْيُهُمْ بِمَا يَعُمُّ إتْلَافُهُ إذَا فَعَلُوهُ بِنَا لَوْ لَمْ نَفْعَلْهُ وَكَذَا الِاسْتِعَانَةُ بِكَافِرٍ.
(وَ) يُحَرَّمُ (أَخْذُ مَالِهِمْ) لِأَنَّهُ مَالٌ مَعْصُومٌ.
(وَ) يُحَرَّمُ أَخْذُ وَقَتْلُ (ذُرِّيَّتِهِمْ) لِأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ لَا قِتَالَ مِنْهُمْ وَلَا بَغْيَ.
(وَ) يُحَرَّمُ (قَتْلُ مُدْبِرِهِمْ وَ) قَتْلُ (جَرِيحِهِمْ) وَلَوْ مِنْ نَحْوِ خَوَارِجَ، إنْ لَمْ نَقُلْ بِكُفْرِهِمْ وَمَا فِي الْإِقْنَاعِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِكُفْرِهِمْ كَمَا فِي الْكَافِي لِعِصْمَتِهِ وَزَوَالِ قِتَالِهِ وَرَوَى سَعِيدٌ عَنْ مَرْوَانَ قَالَ صَرَخَ صَارِخٌ لِعَلِيٍّ يَوْمَ الْجَمَلِ لَا يُقْتَلَنَّ مُدْبِرٌ وَلَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحٍ وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ وَعَنْ عَمَّارٍ نَحْوُهُ وَكَالصَّائِلِ وَلِأَنَّهُ قَتْلُ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ، قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: الْمُدْبِرُ: مَنْ انْكَسَرَتْ شَوْكَتُهُ إلَّا الْمُنْحَرِفَ إلَى مَوْضِعٍ.
(وَ) يُحَرَّمُ قَتْلُ (مَنْ تَرَكَ الْقِتَالَ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا قَوَدَ فِيهِ) أَيْ: فِي قَتْلِ مَنْ يُحَرَّمُ قَتْلُهُ مِنْهُمْ لِلشُّبْهَةِ
(وَيُضْمَنُ بِالدِّيَةِ) لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ (وَيُكْرَهُ) لِعَدْلٍ (قَصْدُ رَحْمَةِ الْبَاغِي) كَأَخِيهِ وَعَمِّهِ (بِقَتْلٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاك عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15] وَقَالَ الشَّافِعِيُّ «كَفَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةُ عَنْ قَتْلِ أَبِيهِ»
(وَتُبَاحُ اسْتِعَانَةٌ عَلَيْهِمْ) أَيْ الْبُغَاةِ (بِسِلَاحِ أَنْفُسِهِمْ وَخَيْلِهِمْ وَعَبِيدِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ لِضَرُورَةٍ فَقَطْ) لِعِصْمَةِ الْإِسْلَامِ أَمْوَالَهُمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ قِتَالُهُمْ لِرَدِّهِمْ إلَى الطَّاعَةِ وَأَمَّا جَوَازُهُ مَعَ الضَّرُورَةِ فَكَأَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ فِي الْمَخْمَصَةِ
(مَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ) أَيْ الْبُغَاةِ (وَلَوْ صَبِيًّا أَوْ أُنْثَى حُبِسَ حَتَّى مَنْ لَا شَوْكَةَ لَهُ وَلَا حَرْبَ) دَفْعًا لِضَرَرِهِمْ عَنْ أَهْلِ الْعَدْلِ ; لِأَنَّهُ رُبَّمَا تَحْصُلُ مِنْهُمْ مُسَاعَدَةُ الْمُقَاتِلَةِ وَفِي حَبْسِهِمْ كَسْرُ قُلُوبِ الْبُغَاةِ
(وَإِذَا انْقَضَتْ) الْحَرْبُ (فَمَنْ وَجَدَ مِنْهُمْ) أَيْ الْبُغَاةِ (مَالَهُ بِيَدِ غَيْرِهِ) مِنْ أَهْلِ عَدْلٍ وَبَغْيٍ (أَخَذَهُ) مِنْهُمْ لِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ كَأَمْوَالِ غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَجُوزُ اغْتِنَامُهَا لِبَقَاءِ مِلْكِهِمْ عَلَيْهَا، وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ الْجَمَلِ: مَنْ عَرَفَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ مَعَ أَحَدٍ فَلْيَأْخُذْهُ فَعَرَفَ بَعْضُهُمْ قِدْرًا مَعَ أَصْحَابِ عَلِيٍّ وَهُوَ يَطْبُخُ فِيهَا فَسَأَلَهُ إمْهَالَهُ حَتَّى يَنْضَجَ الطَّبِيخُ فَأَبَى وَكَبَّهُ وَأَخَذَهَا
(وَلَا يَضْمَنُ بُغَاةٌ مَا أَتْلَفُوهُ) عَلَى أَهْلِ عَدْلٍ حَالَ حَرْبٍ (كَ) مَا لَا يَضْمَنُ (أَهْلُ عَدْلٍ) مَا أَتْلَفُوهُ لِبُغَاةٍ حَالَ حَرْبٍ لِأَنَّ عَلِيًّا لَمْ يُضَمِّنْ الْبُغَاةَ مَا أَتْلَفُوهُ حَالَ الْحَرْبِ، مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ قَالَ الزُّهْرِيُّ هَاجَتْ الْفِتْنَةُ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَوَافِرُونَ فَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يُقَادُ وَاحِدٌ وَلَا يُؤْخَذُ مَالٌ عَلَى تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ إلَّا مَا وُجِدَ.
ذَكَرَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ مُحْتَجًّا بِهِ (وَيَضْمَنَانِ) أَيْ أَهْلُ الْعَدْلِ وَالْبُغَاةُ (مَا أَتْلَفَاهُ فِي غَيْرِ حَرْبٍ) أَيْ يَضْمَنُ كُلٌّ مَا أَتْلَفَهُ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ فِي غَيْرِ حَرْبٍ ; لِإِتْلَافِهِ مَعْصُومًا بِلَا حَقٍّ وَلَا ضَرُورَةِ دَفْعٍ
(وَمَا أَخَذُوا) أَيْ الْبُغَاةُ (حَالَ امْتِنَاعِهِمْ) عَنْ أَهْلِ الْعَدْلِ، أَيْ: حَالَ شَوْكَتِهِمْ (مِنْ زَكَاةٍ وَخَرَاجٍ وَجِزْيَةٍ اُعْتُدَّ بِهِ) لِدَافِعِهِ إلَيْهِمْ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ ثَانِيًا إذَا ظَفِرَ بِهِ أَهْلُ الْعَدْلِ لِأَنَّ عَلِيًّا لِمَا ظَفِرَ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ لَمْ يُطَالِبْهُمْ بِشَيْءٍ مِمَّا جَبَاهُ الْبُغَاةُ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَسَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ يَأْتِيهِمْ سَاعِي نَجْدَةَ الْحَرُورِيُّ فَيَدْفَعُونَ إلَيْهِ زَكَاتَهُمْ وَلِأَنَّ فِي تَرْكِ الِاحْتِسَابِ بِذَلِكَ ضَرَرًا عَظِيمًا عَلَى الرَّعَايَا
(وَيُقْبَلُ بِلَا يَمِينٍ) مِمَّنْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ (دَعْوَى دَفْعِ زَكَاةٍ إلَيْهِمْ) أَيْ الْبُغَاةِ كَدَعْوَى دَفْعِهَا إلَى الْفُقَرَاءِ وَلِأَنَّهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يُسْتَحْلَفُ عَلَيْهَا كَالصَّلَاةِ وَ (لَا)
تُقْبَلُ دَعْوَى دَفْعِ (خَرَاجٍ) إلَيْهِمْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ (وَلَا) دَعْوَى دَفْعِ (جِزْيَةٍ) إلَيْهِمْ (إلَّا بِبَيِّنَةٍ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عِوَضٌ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الدَّفْعِ
(وَهُمْ) أَيْ: الْبُغَاةُ (فِي شَهَادَتِهِمْ وَ) فِي (إمْضَاءِ حُكْمِ حَاكِمِهِمْ كَأَهْلِ الْعَدْلِ) لِأَنَّ التَّأْوِيلَ السَّائِغَ فِي الشَّرْعِ لَا يُفَسَّقُ بِهِ الذَّاهِبُ إلَيْهِ أَشْبَهَ الْمُخْطِئَ مِنْ الْفُقَهَاءِ فِي فَرْعٍ فَيَقْضِي بِشَهَادَةِ عُدُولِهِمْ وَلَا يَنْقُضُ حُكْمَ حَاكِمِهِمْ إلَّا مَا خَالَفَ نَصَّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إجْمَاعًا وَيَجُوزُ قَبُولُ كِتَابِهِ وَإِمْضَاؤُهُ إنْ كَانَ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ فَيُؤْخَذُ عَنْهُمْ الْعِلْمُ مَا لَمْ يَكُونُوا دُعَاةً ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ وَأَمَّا الْخَوَارِجُ وَأَهْلُ الْبِدَعِ إذَا خَرَجُوا عَنْ الْإِمَامِ فَلَا تُقْبَلُ لَهُمْ شَهَادَةٌ وَلَا يَنْفُذُ لِقَضَائِهِمْ حُكْمٌ لِفِسْقِهِمْ
(وَإِنْ اسْتَعَانُوا) أَيْ الْبُغَاةُ (بِأَهْلِ ذِمَّةٍ أَوْ أَهْلِ عَهْدٍ انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ وَصَارُوا كُلُّهُمْ أَهْلَ حَرْبٍ) لِقِتَالِهِمْ لَنَا كَمَا لَوْ انْفَرَدُوا بِهِ (إلَّا إنْ ادَّعَوْا) أَيْ أَهْلُ الذِّمَّةِ وَالْعَهْدِ (شُبْهَةً كَ) ظَنِّ (وُجُوبِ إجَابَتِهِمْ) أَيْ: الْبُغَاةِ لِكَوْنِهِمْ مُسْلِمِينَ وَقَالُوا لَا نَعْلَمُ الْبُغَاةَ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ أَوْ ظَنَنَّا أَنَّهُمْ أَهْلَ الْعَدْلِ وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا الْقِتَالُ مَعَهُمْ وَيُقْبَلُ مِنْهُمْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ سَبَبُ النَّقْضِ (وَيَضْمَنُونَ) أَيْ: أَهْلُ الذِّمَّةِ وَالْعَهْدِ (مَا أَتْلَفُوهُ) عَلَى الْمُسْلِمِينَ (مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ) كَمَا لَوْ انْفَرَدُوا بِإِتْلَافِهِ بِخِلَافِ الْبُغَاةِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْإِصْلَاحِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالتَّضْمِينُ يُنَافِيهِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّنْفِيرِ وَأَمَّا الْكُفَّارُ فَعَدَاوَتُهُمْ قَائِمَةٌ مَا دَامُوا كَذَلِكَ فَلَا ضَرَرَ فِي تَضْمِينِهِمْ
(وَإِنْ اسْتَعَانُوا) أَيْ الْبُغَاةُ (بِأَهْلِ حَرْبٍ وَأَمَّنُوهُمْ فَ) أَمَانُهُمْ (كَعَدَمِهِ) لِأَنَّهُمْ عَقَدُوهُ عَلَى قِتَالِنَا وَهُوَ مُحَرَّمٌ فَلَا يَكُونُ سَبَبًا لِعِصْمَتِهِمْ فَيُبَاحُ قَتْلُهُمْ مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ وَأَخْذُ أَمْوَالِهِمْ وَسَبْيُ ذَرَارِيِّهِمْ (إلَّا أَنَّهُمْ فِي أَمَانٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى بُغَاةٍ) لِأَنَّهُمْ أَمَّنُوهُمْ فَلَا يَغْدِرُونَهُمْ.
[فَصْلٌ أَظْهَرَ قَوْمٌ رَأْيَ الْخَوَارِجِ وَلَمْ يَخْرُجُوا عَنْ قَبْضَةِ الْإِمَامِ]
فَصْلٌ وَإِنْ أَظْهَرَ قَوْمٌ رَأْيَ الْخَوَارِجِ كَتَكْفِيرِ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ وَسَبِّ الصَّحَابَةِ (وَلَمْ يَخْرُجُوا عَنْ قَبْضَةِ الْإِمَامِ) أَيْ: لَمْ يَجْتَمِعُوا لِلْحَرْبِ (لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُمْ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا " كَانَ يَخْطُبُ فَقَالَ مَنْ بِبَابِ الْمَسْجِدِ: لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ ; تَعْرِيضًا لِلرَّدِّ عَلَيْهِ فِيمَا كَانَ مِنْ تَحْكِيمِهِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ
ثُمَّ قَالَ: لَكُمْ عَلَيْنَا ثَلَاثٌ: لَا نَمْنَعُكُمْ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ تَذْكُرُوا فِيهَا اسْمَ اللَّهِ، وَلَا نَمْنَعُكُمْ الْفَيْءَ مَا دَامَتْ أَيْدِيكُمْ مَعَنَا، وَلَا نَبْدَؤُكُمْ بِقِتَالٍ " (وَتَجْرِي الْأَحْكَامُ عَلَيْهِمْ كَأَهْلِ الْعَدْلِ) فِي ضَمَانِ نَفْسٍ وَمَالٍ وَوُجُوبِ حَدٍّ لِلُزُومِ الْإِمَامِ الْحُكْمَ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ فِي قَبْضَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِلَا اعْتِبَارٍ لِاعْتِقَادِهِ فِيهِ (وَإِنْ صَرَّحُوا بِسَبِّ إمَامٍ أَوْ) بِسَبِّ (عَدْلٍ أَوْ عَرَّضُوا بِهِ) أَيْ: بِسَبِّ إمَامٍ أَوْ عَدْلٍ (عُزِّرُوا) كَغَيْرِهِمْ
(وَمَنْ كَفَّرَ أَهْلَ الْحَقِّ وَالصَّحَابَةِ وَاسْتَحَلَّ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ) وَأَمْوَالَهُمْ (بِتَأْوِيلٍ فَ) هُمْ (خَوَارِجُ بُغَاةٌ فَسَقَةٌ) قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: نُصُوصُهُ صَرِيحَةٌ عَلَى عَدَمِ كُفْرِ الْخَوَارِجِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَإِنَّمَا كَفَّرَ الْجَهْمِيَّةَ لَا أَعْيَانَهُمْ، قَالَ: وَطَائِفَةٌ تَحْكِي عَنْهُ رِوَايَتَيْنِ فِي تَكْفِيرِ أَهْلِ الْبِدَعِ مُطْلَقًا حَتَّى الْمُرْجِئَةِ وَالشِّيعَةِ الْمُفَضِّلَةِ لِعَلِيٍّ (وَعَنْهُ) أَيْ: الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الَّذِينَ كَفَّرُوا أَهْلَ الْحَقِّ وَالصَّحَابَةَ وَاسْتَحَلُّوا دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ بِتَأْوِيلٍ أَوْ غَيْرِهِ (كُفَّارٌ) قَالَ (الْمُنَقَّحُ وَهُوَ أَظْهَرُ) . انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَهُوَ الصَّوَابُ وَاَلَّذِي نَدِينُ لِلَّهِ بِهِ.
انْتَهَى.
وَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الْحِمْصِيُّ عَنْ «أَهْلِ الْبِدَعِ الَّذِينَ أَخْرَجَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْإِسْلَامِ: الْقَدَرِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ وَالرَّافِضَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ فَقَالَ لَا تُصَلُّوا مَعَهُمْ وَلَا تُصَلُّوا عَلَيْهِمْ» وَنَقَلَ الْجَمَاعَةُ مَنْ قَالَ عِلْمُ اللَّهِ مَخْلُوقٌ كَفَرَ
(وَإِنْ اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ لِلْعَصَبِيَّةِ أَوْ) طَلَبِ (رِئَاسَةٍ فَ) هُمَا (ظَالِمَتَانِ تَضْمَنُ كُلٌّ) مِنْهُمَا (مَا أَتْلَفَتْ عَلَى الْأُخْرَى) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فَأَوْجَبُوا الضَّمَانَ عَلَى مَجْمُوعِ الطَّائِفَةِ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ عَيْنُ الْمُتْلِفِ (وَضَمِنَتَا) أَيْ: الطَّائِفَتَانِ (سَوَاءٌ مَا جُهِلَ مُتْلِفُهُ) مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ (كَمَا لَوْ قُتِلَ دَاخِلٌ بَيْنَهُمَا لِصُلْحٍ وَجُهِلَ قَاتِلُهُ) مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ، وَإِنْ عُلِمَ كَوْنُهُ مِنْ طَائِفَةٍ بِعَيْنِهَا وَجُهِلَ عَيْنُهُ ضَمِنَتْهُ وَحْدَهَا بِخِلَافِ الْمَقْتُولِ فِي زِحَامِ جَامِعٍ أَوْ طَوَافٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمَا تَعَدٍّ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
[بَابُ حُكْمِ الْمُرْتَدِّ]
ِّ (وَهُوَ) لُغَةً الرَّاجِعُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: 21]
وَشَرْعًا (مَنْ كَفَرَ وَلَوْ) كَانَ (مُمَيِّزًا) بِنُطْقٍ أَوْ اعْتِقَادٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ شَكٍّ (طَوْعًا وَلَوْ) كَانَ (هَازِلًا بَعْدَ إسْلَامِهِ وَلَوْ) كَانَ إسْلَامُهُ (كُرْهًا بِحَقٍّ) كَمَنْ لَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ إذَا قُوتِلَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ، وَوَلَدِ مُسْلِمَةٍ مِنْ كَافِرٍ إذَا أُكْرِهَ عَلَى النُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ فَنَطَقَ بِهِمَا ثُمَّ ارْتَدَّ، وَأَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ قَتْلِ الْمُرْتَدِّ إنْ لَمْ يَتُبْ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «: مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا مُسْلِمًا.
.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَغَيْرِهِمْ وَسَوَاءٌ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ لِعُمُومِ الْخَبَرِ.
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ «أَنَّ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا أُمُّ مَرْوَانَ ارْتَدَّتْ عَنْ الْإِسْلَامِ فَبَلَغَ أَمْرُهَا النَّبِيَّ فَأَمَرَ أَنْ تُسْتَتَابَ فَإِنْ تَابَتْ وَإِلَّا قُتِلَتْ» وَحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الْمَرْأَةِ الْكَافِرَةِ، فَالْمُرَادُ بِهِ الْأَصْلِيَّةُ، لِأَنَّهُ قَالَ حِينَ رَأَى امْرَأَةً مَقْتُولَةً وَكَانَتْ كَافِرَةً أَصْلِيَّةً، وَيُخَالِفُ الْكُفْرُ الْأَصْلِيُّ الطَّارِئَ ; إذْ الْمَرْأَةُ لَا تُجْبَرُ عَلَى تَرْكِ الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ بِضَرْبٍ وَلَا حَبْسٍ بِخِلَافِ الْمُرْتَدَّةِ
(فَمَنْ ادَّعَى النُّبُوَّةَ) أَوْ صَدَّقَ مَنْ ادَّعَاهَا كَفَرَ ; لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: 40] وَلِحَدِيثِ «لَا نَبِيَّ بَعْدِي» .
وَفِي الْخَبَرِ «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ ثَلَاثُونَ كَذَّابًا كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ» (أَوْ أَشْرَكَ) أَيْ كَفَرَ (بِاَللَّهِ تَعَالَى) كَفَرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: 48] (أَوْ سَبَّهُ) أَيْ اللَّهَ تَعَالَى (أَوْ) سَبَّ (رَسُولًا لَهُ أَوْ مَلَكًا) لَهُ كَفَرَ ; لِأَنَّهُ لَا يَسُبُّهُ إلَّا وَهُوَ جَاحِدٌ بِهِ (أَوْ جَحَدَ رُبُوبِيَّتَهُ) أَيْ اللَّهِ تَعَالَى (أَوْ) جَحَدَ (وَحْدَانِيَّتَهُ أَوْ) جَحَدَ (صِفَةً) ذَاتِيَّةً لَهُ تَعَالَى كَالْعِلْمِ وَالْحَيَاةِ كَفَرَ (أَوْ) جَحَدَ (رَسُولًا) مُجْمَعًا عَلَيْهِ أَوْ ثَبَتَ تَوَاتُرُ الْآحَادِ كَخَالِدِ بْنِ سِنَانٍ (أَوْ) جَحَدَ (كِتَابًا أَوْ مِلْكًا لَهُ) أَيْ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الرُّسُلِ أَوْ الْمَلَائِكَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِمْ كَفَرَ ; لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ وَلِأَنَّهُ جَحْدُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَجَحْدِ الْكُلِّ (أَوْ) جَحَدَ الْبَعْثَ أَوْ (وُجُوبَ عِبَادَةٍ مِنْ) الْعِبَادَاتِ (الْخَمْسِ) الْمُشَارِ إلَيْهَا بِحَدِيثِ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَحَجِّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا» (وَمِنْهَا) أَيْ: مِثْلُهَا (الطَّهَارَةُ) فَيَكْفُرُ مَنْ جَحَدَ وُجُوبَهَا وُضُوءًا كَانَتْ أَوْ غُسْلًا أَوْ تَيَمُّمًا (أَوْ) جَحَدَ (حُكْمًا ظَاهِرًا) بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ فَرْضِ السُّدُسِ لِبِنْتِ الِابْنِ مَعَ بِنْتِ الصُّلْبِ (مُجْمَعًا عَلَيْهِ إجْمَاعًا قَطْعِيًّا) لَا سُكُوتِيًّا لِأَنَّ فِيهِ شُبْهَةً (كَ) جَحْدِ (تَحْرِيمِ زِنًا أَوْ) جَحْدِ تَحْرِيمِ (لَحْمِ خِنْزِيرٍ أَوْ) جَحْدِ (حِلِّ خُبْزٍ وَنَحْوِهِ) كَلَحْمِ مُذَكَّاةِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَالدَّجَاجِ (أَوْ شَكٍّ فِيهِ) أَيْ فِي تَحْرِيمِ زِنًا وَلَحْمِ خِنْزِيرٍ أَوْ فِي حِلِّ خُبْزٍ وَنَحْوِهِ (وَمِثْلُهُ لَا يَجْهَلُهُ) لِكَوْنِهِ نَشَأَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ (أَوْ) كَانَ (يَجْهَلُهُ) مِثْلُهُ (وَعَرَفَ) حُكْمَهُ (وَأَصَرَّ) عَلَى الْجَحْدِ أَوْ الشَّكِّ كَفَرَ ; لِمُعَانَدَتِهِ لِلْإِسْلَامِ وَامْتِنَاعِهِ مِنْ قَبُولِ الْأَحْكَامِ غَيْرَ قَابِلٍ لِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ إجْمَاعًا قَطْعِيًّا أَيْ: لَا شُبْهَةَ فِيهِ نَحْوُ اسْتِحْلَالِ الْخَوَارِجِ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ فَإِنَّ أَكْثَرَ الْفُقَهَاءِ لَا يُكَفِّرُونَهُمْ لِادِّعَائِهِمْ أَنَّهُمْ يَتَقَرَّبُونَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ كَمَا.
قَالَ عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ يَمْدَحُ ابْنَ مُلْجَمٍ لِقَتْلِهِ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ
يَا ضَرْبَةً مِنْ تَقِيٍّ مَا أَرَادَ بِهَا ... إلَّا لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ رِضْوَانَا
إنِّي لَأَذْكُرُهُ يَوْمًا فَأَحْسَبُهُ ... أَوْفَى الْبَرِّيَّةِ عِنْدَ اللَّهِ مِيزَانَا
. بِخِلَافِ مَنْ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ بِلَا تَأْوِيلٍ (أَوْ سَجَدَ لِكَوْكَبٍ) كَشَمْسٍ أَوْ قَمَرٍ (أَوْ) سَجَدَ لِ (نَحْوِهِ) كَصَنَمٍ كَفَرَ لِأَنَّهُ أَشْرَكَ بِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى (أَوْ أَتَى بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ صَرِيحٍ فِي الِاسْتِهْزَاءِ بِالدِّينِ) كَفَرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاَللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 65] قَالَ فِي الْمُغْنِي وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُكْتَفَى مِنْ الْهَازِئِ بِذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الْإِسْلَامِ حَتَّى يُؤَدَّبَ أَدَبًا يَزْجُرُهُ عَنْ ذَلِكَ (أَوْ امْتَهَنَ الْقُرْآنَ) كِتَابَ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ (أَوْ ادَّعَى اخْتِلَافَهُ) أَوْ اخْتِلَاقَهُ (أَوْ) ادَّعَى (الْقُدْرَةَ عَلَى مِثْلِهِ أَوْ أَسْقَطَ حُرْمَتَهُ كَفَرَ) ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82] وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: 88] الْآيَةَ وَقَوْلِهِ: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: 21] وَكَذَا مَنْ اعْتَقَدَ قِدَمَ الْعَالَمِ أَوْ حُدُوثَ الصَّانِعِ أَوْ سَخِرَ بِوَعْدِ اللَّهِ وَوَعِيدِهِ أَوْ لَمْ يُكَفِّرْ مَنْ دَانَ بِغَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ كَأَهْلِ الْكِتَابِ أَوْ شَكَّ فِي كُفْرِهِمْ أَوْ صَحَّحَ مَذْهَبَهُمْ
(وَلَا) يَكْفُرُ (مَنْ حَكَى كُفْرًا سَمِعَهُ وَلَا يَعْتَقِدُهُ) وَمَنْ تَزَيَّا بِزِيِّ كُفْرٍ مِنْ لُبْسِ غِيَارٍ وَشَدِّ زُنَّارٍ وَتَعْلِيقِ صَلِيبٍ بِصَدْرِهِ حَرُمَ وَلَمْ يَكْفُرْ قَالَهُ فِي الِانْتِصَارِ (وَإِنْ تَرَكَ) مُكَلَّفٌ (عِبَادَةً مِنْ)
الْعِبَادَاتِ (الْخَمْسِ تَهَاوُنًا) مَعَ إقْرَارِهِ بِوُجُوبِهَا (لَمْ يَكْفُرْ) سَوَاءٌ عَزَمَ عَلَى أَنْ لَا يَفْعَلَهَا أَبَدًا أَوْ عَلَى تَأْخِيرِهَا إلَى زَمَنٍ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ إلَيْهِ لِحَدِيثِ مُعَاذٍ مَرْفُوعًا «مَا مِنْ عَبْدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ قَالَ مُعَاذٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَّا أُخْبِرُ بِهَا النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا قَالَ: إذَنْ يَتَّكِلُوا فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ مَنْ أَتَى بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ بِأَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ وَلَوْ كَفَرَ بِذَلِكَ لَمْ يُدْخِلْهُ فِي مَشِيئَةِ الْغُفْرَانِ لِأَنَّ الْكُفْرَ لَا يُغْفَرُ (إلَّا بِالصَّلَاةِ أَوْ بِشَرْطٍ) لَهَا (أَوْ رُكْنٍ لَهَا مُجْمَعٍ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى أَنَّهُ شَرْطٌ أَوْ رُكْنٌ لَهَا (إذَا اُدُّعِيَ) أَيْ: دَعَاهُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ (إلَى شَيْء مِنْ ذَلِكَ) الَّذِي تَرَكَهُ مِنْ الصَّلَاةِ أَوْ شَرْطِهَا أَوْ رُكْنِهَا الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ (وَامْتَنَعَ) مِنْ فِعْلِهِ حَتَّى تَضَايَقَ وَقْتُ الَّتِي بَعْدَ الصَّلَاةِ الَّتِي دُعِيَ لَهَا فَيُكَفَّرُ كَمَا تَقَدَّمَ تَوْضِيحُهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ لِأَنَّ فِي امْتِنَاعِهِ بَعْدَ دُعَاءِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ شَبَهًا بِالْخُرُوجِ عَنْ حَوْزَةِ الْمُسْلِمِينَ (وَيُسْتَتَابُ كَمُرْتَدٍّ) ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وُجُوبًا (فَإِنْ) تَابَ بِفِعْلِهَا خَلَّى سَبِيلَهُ (وَإِنْ أَصَرَّ قُتِلَ) كُفْرًا (بِشَرْطِهِ) وَهُوَ الِاسْتِتَابَةُ وَدِعَايَةُ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ لَهُ (وَيُقْتَلُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ الصَّلَاةِ وَشَرْطِهَا وَرُكْنِهَا الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ كَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ (حَدًّا) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ
(فَمَنْ ارْتَدَّ مُكَلَّفًا مُخْتَارًا) (وَلَوْ أُنْثَى دُعِيَ) إلَى الْإِسْلَامِ (وَاسْتُتِيبَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وُجُوبًا) لِحَدِيثِ أُمِّ مَرْوَانَ وَتَقَدَّمَ وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيّ عَنْ أَبِيهِ " أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ رَجُلٌ مِنْ قِبَلِ أَبِي مُوسَى فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: هَلْ كَانَ مِنْ مُغَرِّبَةِ خَبَرٍ قَالَ نَعَمْ رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إسْلَامِهِ فَقَالَ مَا فَعَلْتُمْ بِهِ قَالَ: قَرَّبْنَاهُ فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ قَالَ عُمَرُ: فَهَلَّا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثًا وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا وَأَسْقَيْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ أَوْ يُرَاجِعُ اللَّهَ، اللَّهُمَّ إنِّي لَمْ أَحْضُرْ وَلَمْ آمُرْ وَلَمْ أَرْضَ إذْ بَلَغَنِي " وَلَوْ لَمْ تَجِبْ الِاسْتِتَابَةُ لِمَا بَرِئَ مِنْ فِعْلِهِمْ وَأَحَادِيثِ الْأَمْرِ بِقَتْلِهِ تُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ (وَيَنْبَغِي أَنْ يَضِيقَ عَلَيْهِ) مُدَّةَ الِاسْتِتَابَةِ (وَيُحْبَسَ) لِقَوْلِ عُمَرَ فَهَلَّا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثًا وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا وَأَسْقَيْتُمُوهُ وَلِئَلَّا يَلْحَقَ بِدَارِ حَرْبٍ وَيَنْبَغِي أَنْ يُكَرِّرَ دِعَايَتَهُ لَعَلَّهُ
يُرَاجِعُ دِينَهُ (فَإِنْ تَابَ لَمْ يُعَزَّرْ) وَلَوْ بَعْدَ مُدَّةِ الِاسْتِتَابَةِ لِأَنَّ فِيهِ تَنْفِيرًا لَهُ عَنْ الْإِسْلَامِ (وَإِنْ أَصَرَّ) عَلَى رِدَّتِهِ (قُتِلَ بِالسَّيْفِ) وَلَا يُحْرَقُ بِالنَّارِ لِحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأُحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» وَحَدِيثِ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ وَلَا تُعَذِّبُوهُ بِعَذَابِ اللَّهِ - يَعْنِي النَّارَ -» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد (إلَّا رَسُولَ كُفَّارٍ) فَلَا يُقْتَلُ وَلَوْ مُرْتَدًّا (بِدَلِيلِ رَسُولِ مُسَيْلِمَةَ) حَارَبَهُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقُتِلَ عَلَى يَدِ وَحْشِيٍّ قَاتِلِ حَمْزَةَ وَكَانَ وَحْشِيًّا يَقُولُ قَتَلْت خَيْرَ النَّاسِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَيْ: جَاهِلِيَّتِهِ وَشَرَّهَا فِي الْإِسْلَامِ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ - بِكَسْرِ اللَّامِ - وَرَسُولَاهُ وَهُمَا ابْنُ النَّوَّاحَةِ وَابْنُ أُثَالٍ جَاءَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَقْتُلْهُمَا
(وَلَا يَقْتُلُهُ) أَيْ الْمُرْتَدَّ (إلَّا الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ) حُرًّا كَانَ الْمُرْتَدُّ أَوْ عَبْدًا ; لِأَنَّهُ قَتْلٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَكَانَ إلَى الْإِمَامِ كَرَجْمِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ وَلَا يُعَارِضُهُ حَدِيثُ «أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» لِأَنَّ قَتْلَ الْمُرْتَدِّ لِكُفْرِهِ لَا حَدًّا (فَإِنْ قَتَلَهُ) أَيْ الْمُرْتَدَّ (غَيْرُهُمَا) أَيْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ (بِلَا إذْنٍ) مِنْ أَحَدِهِمَا (أَسَاءَ وَعُزِّرَ) لِافْتِيَاتِهِ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ (وَلَا ضَمَانَ) بِقَتْلِ مُرْتَدٍّ (وَلَوْ كَانَ) قَتْلُهُ (قَبْلَ اسْتِتَابَتِهِ) لِأَنَّهُ مُهْدَرُ الدَّمِ وَرِدَّتُهُ أَبَاحَتْ دَمَهُ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَحْرِيمِ الْقَتْلِ الضَّمَانُ بِدَلِيلِ نِسَاءِ حَرْبٍ وَذُرِّيَّتِهِمْ (إلَّا أَنْ يَلْحَقَ) الْمُرْتَدُّ (بِدَارِ الْحَرْبِ فَ) يَجُوزُ (لِكُلِّ أَحَدٍ قَتْلُهُ وَأَخْذُ مَا مَعَهُ) مِنْ الْمَالِ لِأَنَّهُ صَارَ حَرْبِيًّا
(وَمَنْ أَطْلَقَ الشَّارِعُ) أَيْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كُفْرَهُ كَدَعْوَاهُ لِغَيْرِ أَبِيهِ وَمَنْ أَتَى عَرَّافًا) وَهُوَ الَّذِي يُحَدِّثُ وَيَتَخَرَّصُ (فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَهُوَ تَشْدِيدٌ) وَتَأْكِيدٌ نَقَلَ حَنْبَلٌ: كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ (لَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ الْإِسْلَامِ) انْتَهَى.
وَقِيلَ: كُفْرُ نِعْمَةٍ وَقَالَهُ طَوَائِفُ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ.
.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ وَقِيلَ: قَارَبَ الْكُفْرَ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي قَوْلِهِ " مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ " أَيْ: جَحَدَ تَصْدِيقَهُ بِكَذِبِهِمْ وَقَدْ يَكُونُ عَلَى هَذَا إذَا اعْتَقَدَ تَصْدِيقَهُمْ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِتَكْذِيبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ كُفْرًا حَقِيقَةً انْتَهَى.
قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ حَنْبَلٍ وَحَمَلَهَا بَعْضُهُمْ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ يَتَوَقَّى الْكَلَامَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ النُّصُوصِ تَوَرُّعًا وَيُمِرُّهَا كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَيْرِ تَفْسِيرٍ مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّ الْمَعَاصِيَ لَا تُخْرِجُ عَنْ الْمِلَّةِ
(وَيَصِحُّ إسْلَامُ مُمَيِّزٍ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى (يَعْقِلُهُ) أَيْ الْإِسْلَامَ بِأَنْ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَبُّهُ لَا شَرِيك لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إلَى النَّاسِ
كَافَّةً.
لِأَنَّ «عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَسْلَمَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَلَمْ يَمْتَنِعْ أَحَدٌ مِنْ الْقَوْلِ بِأَنَّ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الصِّبْيَانِ عَلِيٌّ وَمِنْ الرِّجَالِ أَبُو بَكْرٍ وَمَنْ النِّسَاءِ خَدِيجَةُ وَمَنْ الْعَبِيدِ بِلَالٌ.
وَلَوْ لَمْ يَصِحَّ إسْلَامُهُ لِمَا صَحَّ ذَلِكَ لَهُ.
وَرُوِيَ عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ: سَبَقْتُكُمْ إلَى الْإِسْلَامِ طَرًّا صَبِيًّا مَا بَلَغْت أَوَانَ حُلُمِي.
وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ فَصَحَّتْ مِنْ الصَّبِيِّ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَكَوْنِهِ يُوجَبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ مِنْ مَالِهِ لَا يَمْتَنِعُ مِنْهُ لِأَنَّهَا نَفْعٌ لَهُ وَكَذَا إيجَابُهُ عَلَيْهِ نَفَقَةَ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ، وَحِرْمَانُ مِيرَاثِهِ قَرِيبَهُ الْكَافِرَ.
لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُتَوَهَّمٌ مَجْبُورٌ بِمِيرَاثِهِ مِنْ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ وَسُقُوطِ نَفَقَةِ قَرِيبِهِ الْكَافِرِ ثُمَّ إنَّهُ ضَرَرٌ مَغْمُورٌ فِي جَنْبٍ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ سَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ.
(وَ) تَصِحُّ (رِدَّتُهُ) أَيْ الْمُمَيِّزِ كَإِسْلَامِهِ (فَإِنْ أَسْلَمَ) مُمَيِّزٌ يَعْقِلُهُ (حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكُفَّارِ) صَوْنًا لَهُ لِضَعْفِ عَقْلِهِ فَرُبَّمَا أَفْسَدُوهُ (فَإِنْ قَالَ بَعْدَ) إسْلَامِهِ (لَمْ أُرِدْ مَا قُلْته فَكَمَا لَوْ ارْتَدَّ) أَيْ: لَمْ يَبْطُلْ إسْلَامُهُ بِذَلِكَ وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَيَكُونُ كَالْبَالِغِ إذَا أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ
(وَلَا يُقْتَلُ هُوَ) أَيْ: الْمُمَيِّزُ حَيْثُ ارْتَدَّ (وَ) لَا (سَكْرَانُ ارْتَدَّا حَتَّى يُسْتَتَابَا) أَيْ: الصَّغِيرُ (بَعْدَ بُلُوغِهِ وَ) السَّكْرَانُ بَعْدَ (صَحْوِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) لِأَنَّ الْبُلُوغَ وَالصَّحْوَ أَوَّلُ زَمَنٍ صَارَ فِيهِ مِنْ أَهْلِ الْعُقُوبَةِ، أَمَّا الصَّبِيُّ فَلِأَنَّهُ مَرْفُوعٌ عَنْهُ الْقَلَمُ حَتَّى يَحْتَلِمَ لِلْخَبَرِ وَأَمَّا السَّكْرَانُ فَلِأَنَّ الْحَدَّ شُرِعَ لِلزَّجْرِ وَلَا يَحْصُلُ الزَّجْرُ فِي حَالِ سُكْرِهِ (وَإِنْ مَاتَ) مَنْ ارْتَدَّ وَهُوَ سَكْرَانُ (فِي سُكْرٍ) أَيْ: قَبْلَ أَنْ يَصْحُوَ مَاتَ كَافِرًا لِمَوْتِهِ قَبْلَ تَوْبَتِهِ فَلَا يَرِثُهُ قَرِيبُهُ الْمُسْلِمُ وَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يُدْفَنُ مَعَنَا (أَوْ) مَاتَ مُمَيِّزًا ارْتَدَّ (قَبْلَ بُلُوغٍ) وَقَبْلَ تَوْبَتِهِ (مَاتَ كَافِرًا) لِمَوْتِهِ فِي الرِّدَّةِ
(وَلَا تُقْبَلُ فِي) أَحْكَامِ الدُّنْيَا كَتَرْكِ قَتْلٍ وَثُبُوتِ أَحْكَامِ تَوْرِيثٍ وَنَحْوِهَا (تَوْبَةُ زِنْدِيقٍ وَهُوَ الْمُنَافِقُ الَّذِي يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ وَيُخْفِي الْكُفْرَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة: 160] وَالزِّنْدِيقُ لَا يُعْلَمُ تَبَيُّنُ رُجُوعِهِ وَتَوْبَتِهِ.
لِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ مِنْهُ بِالتَّوْبَةِ خِلَافُ مَا كَانَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَنْفِي الْكُفْرَ عَنْ نَفْسِهِ قَبْلَ ذَلِكَ وَقَلْبُهُ لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ (وَلَا) تُقْبَلُ فِي الدُّنْيَا تَوْبَةُ (مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: 137] وَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: 90] وَالِازْدِيَادُ يَقْتَضِي كُفْرًا مُتَجَدِّدًا وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ الْإِيمَانِ
عَلَيْهِ وَلِأَنَّ تَكْرَارَ رِدَّتِهِ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ عَقِيدَتِهِ وَقِلَّةِ مُبَالَاتِهِ بِالْإِسْلَامِ (أَوْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى) أَيْ صَرِيحًا لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ لِعِظَمِ ذَنْبِهِ جِدًّا فَيَدُلُّ عَلَى فَسَادِ عَقِيدَتِهِ (أَوْ) سَبَّ (رَسُولًا أَوْ مَلَكًا لَهُ) أَيْ لِلَّهِ تَعَالَى (صَرِيحًا أَوْ انْتَقَصَهُ) أَيْ: اللَّهَ تَعَالَى أَوْ رَسُولَهُ أَوْ وَاحِدًا مِنْ مَلَائِكَتِهِ فَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا) تُقْبَلُ تَوْبَةُ (سَاحِرٍ مُكَفَّرٍ) بِفَتْحِ الْفَاءِ مُشَدَّدَةً (بِسِحْرِهِ) كَاَلَّذِي يَرْكَبُ الْمِكْنَسَةَ فَتَسِيرُ بِهِ فِي الْهَوَاءِ.
لِحَدِيثِ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَرْفُوعًا «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبُهُ بِالسَّيْفِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
فَسَمَّاهُ حَدًّا وَالْحَدُّ بَعْدَ ثُبُوتِهِ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ وَلِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَنَا فِي عِلْمِ إخْلَاصِهِ فِي تَوْبَتِهِ لِأَنَّهُ يُضْمِرُ السِّحْرَ وَلَا يَجْهَرُ بِهِ.
وَقَوْلُهُ فِي الدُّنْيَا عُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ مُخْلِصًا قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ فِي الْآخِرَةِ لِعُمُومِ حَدِيثِ «التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» (وَمَنْ أَظْهَرَ الْخَيْرَ) مِنْ نَفْسِهِ (وَأَبْطَنَ الْفِسْقَ فَ) هُوَ فِي تَوْبَتِهِ مِنْ فِسْقِهِ (كَزِنْدِيقٍ فِي تَوْبَتِهِ) مِنْ كُفْرِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ بِالتَّوْبَةِ خِلَافُ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ إظْهَارِ الْخَيْرِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَنَحْوُهَا.
[فَصْلٌ تَوْبَةُ الْمُرْتَدّ]
فَصْلٌ وَتَوْبَةُ مُرْتَدٍّ إتْيَانُهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ (وَ) تَوْبَةُ (كُلِّ كَافِرٍ) مِنْ كِتَابِيٍّ وَغَيْرِهِ (إتْيَانُهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ) أَيْ: قَوْلِهِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَوْ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْكَنِيسَةَ فَإِذَا هُوَ بِيَهُودِيٍّ يَقْرَأُ عَلَيْهِمْ التَّوْرَاةَ فَقَرَأَ حَتَّى إذَا أَتَى عَلَى صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتِهِ فَقَالَ: هَذِهِ صِفَتُك وَصِفَةُ أُمَّتِك أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّك رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لُوا أَخَاكُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلِحَدِيثِ «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» وَإِذَا ثَبَتَ بِهِمَا إسْلَامُ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ فَكَذَا الْمُرْتَدُّ وَلَا يَلْزَمُ مَنْ جَعَلَ الْإِسْلَامَ اسْمًا لِلْخَمْسَةِ فِي حَدِيثِ " أَخْبِرْنِي عَنْ الْإِسْلَامِ " أَنْ لَا يَكُونَ مُسْلِمًا إلَّا بِفِعْلِ الْجَمِيعِ لِجَوَازِ أَنْ يَعْرِفَ الشَّارِعُ حَقِيقَةً وَيَجْعَلَ بَعْضَ أَجْزَائِهَا بِمَنْزِلَتِهَا فِي الْحُكْمِ فَفُرِّقَ بَيْنَ النَّظَرِ فِي الشَّيْء مِنْ حَيْثُ بَيَانُ حَقِيقَتِهِ وَالنَّظَرِ فِيهِ مِنْ حَيْثُ مَعْرِفَةُ مَا يُجْزِئُ مِنْهُ (مَعَ إقْرَارِ) مُرْتَدٍّ (جَاحِدٍ لِفَرْضٍ أَوْ) جَاحِدٍ لِ (تَحْلِيلِ) حَلَالٍ
(أَوْ) جَاحِدٍ (لِتَحْرِيمِ) حَرَامٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ (أَوْ) جَاحِدِ (نَبِيٍّ) مِنْ الْأَنْبِيَاءِ (أَوْ) جَاحِدِ (كِتَابٍ) مِنْ كُتُبِ اللَّهِ تَعَالَى (أَوْ) جَاحِدِ مَلَكٍ أَوْ جَاحِدِ (رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى غَيْرِ الْعَرَبِ بِمَا جَحَدَهُ) مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ كُفْرَهُ بِجَحْدِهِ مِنْ حَيْثُ التَّكْذِيبُ فَلَا بُدَّ مِنْ إتْيَانِهِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِهِ عَنْهُ.
(أَوْ قَوْلِهِ أَنَا مُسْلِمٌ فَهُوَ تَوْبَةٌ أَيْضًا لِلْمُرْتَدِّ وَلِكُلِّ كَافِرٍ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِالشَّهَادَتَيْنِ لِأَنَّهُ إذَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا تَضَمَّنَ الشَّهَادَتَيْنِ كَانَ مُخْبِرًا بِهِمَا) وَعَنْ الْمِقْدَادِ أَنَّهُ قَالَ «: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت إنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنْ الْكُفَّارِ فَقَاتَلَنِي فَضَرَبَ إحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ فَقَالَ: أَسْلَمْتُ، أَفَأَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ قَالَ: لَا تَقْتُلْهُ فَإِنْ قَتَلْته فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِك قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ وَإِنَّك بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَهَا» وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: «أَصَابَ الْمُسْلِمُونَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَقِيلٍ فَأَتَوْا بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إنِّي مُسْلِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ كُنْتَ قُلْتَ وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَك أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاحِ» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.
قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَيُحْتَمَل أَنَّ هَذَا فِي الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ أَوْ مَنْ جَحَدَ الْوَحْدَانِيَّةَ أَمَّا مَنْ كَفَرَ بِجَحْدِ نَبِيٍّ أَوْ كِتَابٍ أَوْ فَرِيضَةٍ وَنَحْوَ هَذَا فَلَا يَصِيرُ مُسْلِمًا بِذَلِكَ لِأَنَّهُ رُبَّمَا اعْتَقَدَ أَنَّ الْإِسْلَامَ مَا هُوَ عَلَيْهِ فَإِنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ كُلَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ هُمْ الْمُسْلِمُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ كَافِرٌ (وَلَا يُغْنِي قَوْلُهُ) أَيْ الْكَافِرِ (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ) أَيْ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ (وَلَوْ مِنْ مُقِرٍّ بِهِ) أَيْ: التَّوْحِيدِ.
لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ لَا تَتَضَمَّنُ الشَّهَادَةَ بِالتَّوْحِيدِ كَعَكْسِهِ فَلَا يَكْفِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «قُلْ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ كَلِمَةً، أَشْهَدُ لَك بِهَا عِنْدَ اللَّهِ» فَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا كِنَايَةٌ عَنْ الشَّهَادَتَيْنِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ
(وَمَنْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِرِدَّةٍ وَلَوْ) شُهِدَ أَنَّ رِدَّتَهُ (بِجَحْدِ) تَحْلِيلٍ أَوْ تَحْرِيمٍ أَوْ نَبِيٍّ أَوْ كِتَابٍ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ (فَأَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ) وَلَمْ يُنْكِرْ مَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ (لَمْ يُكْشَفْ عَنْ شَيْء) لِعَدَمِ الْحَاجَةِ مَعَ ثُبُوتِ إسْلَامِهِ إلَى الْكَشْفِ عَنْ صِحَّةِ رِدَّتِهِ (فَلَا يُعْتَبَرُ إقْرَارُهُ بِمَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ) مِنْ الرِّدَّةِ (لِصِحَّتِهِمَا) أَيْ: الشَّهَادَتَيْنِ (مِنْ مُسْلِمٍ وَمِنْهُ) أَيْ: الْمُرْتَدِّ (بِخِلَافِ تَوْبَتِهِ مِنْ بِدْعَةٍ) فَيُعْتَبَرُ إقْرَارُهُ بِهَا.
لِأَنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ لَا يَعْتَقِدُونَ مَا هُمْ عَلَيْهِ بِدْعَةً
(وَيَكْفِي جَحْدُهُ) أَيْ الْمُرْتَدِّ (الرِّدَّةَ أَقَرَّ بِهَا) وَلَمْ يُشْهَدْ بِهَا عَلَيْهِ كَرُجُوعِهِ عَنْ إقْرَارِهِ بِحَدٍّ وَ (لَا) يَكْفِي جَحْدُهُ لِرِدَّتِهِ (إنْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِهَا) أَيْ: الرِّدَّةِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الشَّهَادَتَيْنِ أَوْ
مَا يَتَضَمَّنهُمَا وَإِلَّا اُسْتُتِيبَ إِن قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ ثُمَّ قُتِلَ لِأَنَّ جَحْدَهُ الرِّدَّةَ تَكْذِيبٌ لِلْبَيِّنَةِ فَلَا يُقْبَلُ كَسَائِرِ الدَّعَاوَى
(وَإِنْ شَهِدَ) اثْنَانِ عَلَى مُسْلِمٍ (أَنَّهُ كَفَرَ) وَلَمْ يَذْكُرُوا كَيْفِيَّةً (فَادَّعَى الْإِكْرَاهَ) عَلَى مَا قَالَ مَثَلًا (قُبِلَ) مِنْهُ ذَلِكَ (مَعَ قَرِينَةٍ) دَالَّةٍ عَلَى صِدْقِهِ كَحَبْسٍ وَقَيْدٍ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْإِكْرَاهِ وَلَا يُكَلَّفُ مَعَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ (فَقَطْ) فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى الْإِكْرَاهِ مِنْهُ بِلَا قَرِينَةٍ.
لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ (وَلَوْ شُهِدَ عَلَيْهِ) بِأَنَّهُ نَطَقَ (بِكَلِمَةِ كُفْرٍ) كَقَوْلِهِ: هُوَ كَافِرٌ أَوْ يَهُودِيٌّ (فَادَّعَاهُ) أَيْ الْإِكْرَاهَ عَلَيْهَا (قُبِلَ) قَوْلُهُ (مُطْلَقًا) أَيْ: مَعَ قَرِينَةٍ وَعَدَمِهَا.
لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي مَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ.
وَتَقَدَّمَ لَا يُكَفَّرُ مَنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: 106]
(وَإِنْ أُكْرِهَ ذِمِّيٌّ عَلَى إقْرَارٍ بِإِسْلَامٍ) فَأَقَرَّ بِهِ (لَمْ يَصِحَّ) إقْرَارُهُ بِهِ فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى إسْلَامِهِ فَحُكْمُهُ كَالْكُفَّارِ وَإِنْ رَجَعَ إلَى دِينِ الْكُفَّارِ لَمْ يُقْتَلْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الْغَيِّ﴾ [البقرة: 256] وَإِنْ قَصَدَ الْإِسْلَامَ لَا دَفْعَ الْإِكْرَاهِ أَوْ وُجِدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَثُبُوتِهِ عَلَيْهِ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ فَمُسْلِمٌ.
(وَقَوْلُ مَنْ شُهِدَ عَلَيْهِ) بِرِدَّةٍ (أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ دِينٍ يُخَالِفُ دِينَ الْإِسْلَامِ أَوْ) قَوْلُهُ (أَنَا مُسْلِمٌ تَوْبَةٌ) كَمَنْ اعْتَرَفَ بِالرِّدَّةِ ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ.
(وَإِنْ كَتَبَ كَافِرٌ الشَّهَادَتَيْنِ صَارَ مُسْلِمًا) لِأَنَّ الْخَطَّ كَاللَّفْظِ (وَلَوْ قَالَ الْكَافِرُ أَسْلَمْت أَوْ أَنَا مُسْلِمٌ أَوْ أَنَا مُؤْمِنٌ صَارَ مُسْلِمًا) بِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِالشَّهَادَتَيْنِ لِمَا تَقَدَّمَ (فَلَوْ) عَادَ مَنْ تَلَفَّظَ بِالشَّهَادَتَيْنِ أَوْ كَتَبَهُمَا أَوْ تَلَفَّظَ بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ مِمَّا يَصِيرُ بِهِ مُسْلِمًا قَالَهُ أَوْ كَتَبَهُ وَ (قَالَ لَمْ أُرِدْ الْإِسْلَامَ أَوْ) قَالَ (لَمْ أَعْتَقِدْهُ) أَيْ: الْإِسْلَامَ (أُجْبِرَ عَلَى الْإِسْلَامِ قَدْ عُلِمَ مَا يُرَادُ مِنْهُ) فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ وَلَا يُخَلَّى وَيُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ.
(وَإِنْ قَالَ: أَنَا مُسْلِمٌ وَلَا أَنْطِقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِالشَّهَادَتَيْنِ) لِحَدِيثِ " أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ "
(وَ) مَنْ قَالَ لِكَافِرٍ (أَسْلِمْ وَخُذْ) مِنِّي (أَلْفًا وَنَحْوَهُ) كَفَرَسٍ أَوْ بَعِيرٍ (فَأَسْلَمَ فَلَمْ يُعْطِهِ) مَا وَعَدَهُ (فَأَبَى الْإِسْلَامَ قُتِلَ) بَعْدَ اسْتِتَابَتِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَعِدْهُ (وَيَنْبَغِي) لِمَنْ وَعَدَهُ (أَنْ يَفِيَ) بِوَعْدِهِ تَرْغِيبًا فِي الْإِسْلَامِ.
وَخُلْفُ الْوَعْدِ مِنْ آيَاتِ النِّفَاقِ قَالَ الْخَطَّابِيِّ: وَلَمْ يُشَارِطْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُؤَلَّفَةَ عَلَى أَنْ يُسْلِمُوا فَيُعْطِيَهُمْ جُعْلًا عَلَى الْإِسْلَامِ وَإِنَّمَا أَعْطَاهُمْ عَطَايَا بِأَنَّهُ يَتَأَلَّفُهُمْ
(وَمَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَقَلَّ مِنْ) الصَّلَوَاتِ (الْخَمْسِ) كَعَلَى صَلَاتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ (قُبِلَ مِنْهُ) الْإِسْلَامُ تَرْغِيبًا لَهُ فِيهِ (وَأُمِرَ بِالْخَمْسِ) كُلِّهَا كَغَيْرِهِ
(وَإِذَا مَاتَ مُرْتَدٌّ فَأَقَامَ وَارِثُهُ الْمُسْلِمُ بَيِّنَةً أَنَّهُ صَلَّى بَعْدَهَا) أَيْ رِدَّتِهِ (حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ) وَأُعْطِيَ مِيرَاثُهُ لِحَدِيثِ " مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا " الْخَبَرَ وَتَقَدَّمَ وَسَوَاءٌ صَلَّى جَمَاعَةً أَوْ مُنْفَرِدًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ حَرْبٍ بِخِلَافِ أَدَاءِ زَكَاةٍ وَحَجٍّ وَصَوْمٍ، فَلَا يَصِيرُ بِهِ مُسْلِمًا.
وَتَقَدَّمَ تَوْضِيحُهُ فِي الصَّلَاةِ لَهُ وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَأْتِيَ بِصَلَاةٍ يَتَمَيَّزُ بِهَا عَنْ صَلَاةِ الْكُفَّارِ بِأَنْ يَسْتَقْبِلَ قِبْلَتَنَا وَيَرْكَعَ وَيَسْجُدَ وَمَحَلُّهُ إنْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ ارْتَدَّ بَعْدَ صَلَاتِهِ وَتَكُونُ رِدَّتُهُ بِجَحْدِ فَرِيضَةٍ أَوْ كِتَابٍ أَوْ نَبِيٍّ أَوْ مَلَكٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ فَلَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِالصَّلَاةِ.
قَالَهُ فِي الْإِقْنَاعِ.
(وَلَا يَبْطُلُ إحْصَانُ مُرْتَدٍّ) بِرِدَّتِهِ فَإِذَا أَحْصَنَ فِي إسْلَامِهِ ثُمَّ زَنَى فِي إسْلَامِهِ أَوْ رِدَّتِهِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الرَّجْمُ وَلَوْ تَابَ، وَكَذَا إحْصَانُ قَذْفٍ فَلَا يَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْ قَاذِفِهِ بِرِدَّتِهِ بَعْدَ طَلَبٍ
(وَلَا) تَبْطُلُ (عِبَادَةٌ فَعَلَهَا قَبْلَ رِدَّتِهِ) وَلَا صُحْبَةَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إذَا تَابَ) لِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.﴾ [البقرة: 217] وَلِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ مِنْهَا بِفِعْلِهَا عَلَى وَجْهِهَا كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ، فَإِنْ مَاتَ مُرْتَدًّا بَطَلَتْ لِلْآيَةِ
[فَصْلُ وَمَنْ ارْتَدَّ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْ مَالِهِ بِمُجَرَّدِ رِدَّتِهِ]
ِ كَزِنَا الْمُحْصَنِ وَكَالْقَاتِلِ فِي الْمُحَارَبَةِ (وَيَمْلِكُ) مُرْتَدٌّ (بِتَمَلُّكٍ) مِنْ هِبَةٍ وَاحْتِشَاشٍ وَنَحْوِهِمَا كَغَيْرِهِ (وَيُمْنَعُ) مُرْتَدٌّ (التَّصَرُّفَ فِي مَالِهِ) كَبَيْعٍ وَهِبَةٍ وَوَقْفٍ وَإِجَارَةٍ لِلْحَجْرِ عَلَيْهِ لِحَقِّ الْمُسْلِمِينَ (وَتُقْضَى مِنْهُ دُيُونُهُ وَأُرُوشُ جِنَايَاتِهِ، وَلَوْ جَنَاهَا بِدَارِ حَرْبٍ أَوْ فِي فِئَةٍ) أَيْ: جَمَاعَةٍ (مُرْتَدَّةٍ مُمْتَنِعَةٍ) لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ تَحْتَ حُكْمِنَا بِخِلَافِ الْبُغَاةِ (وَيُنْفَقُ مِنْهُ) أَيْ: مَالِ الْمُرْتَدِّ (عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ) لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ شَرْعًا كَالدَّيْنِ (فَإِنْ أَسْلَمَ) الْمُرْتَدُّ فَمَالُهُ لَهُ (وَإِلَّا) يُسْلِمْ بِأَنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ مُرْتَدًّا (صَارَ) مَالُهُ (فَيْئًا مِنْ حِينِ مَوْتِهِ مُرْتَدًّا) لِأَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ مِنْ مُسْلِمٍ وَلَا غَيْرِهِ (وَإِنْ لَحِقَ) مُرْتَدٌّ (بِدَارِ حَرْبٍ فَهُوَ وَمَا مَعَهُ) مِنْ مَالِهِ (كَحَرْبِيٍّ) يُبَاحُ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ قَتْلُهُ وَأَخَذُ مَا مَعَهُ دَفْعًا لِفَسَادِهِ وَلِزَوَالِ الْعَاصِمِ لِلْمَالِكِ وَهُوَ دَارُ الْإِسْلَامِ.
(وَ) أَمَّا (مَا بِدَارِنَا) مِنْ مَالٍ فَهُوَ فَيْءٌ (مِنْ حِينِ مَوْتِهِ) وَمَا دَامَ حَيًّا فَمِلْكُهُ عَلَيْهِ بَاقٍ، لِأَنَّ حِلَّ دَمِهِ لَا يُوجِبُ تَوْرِيثَ مَالِهِ
كَالْحَرْبِيِّ الْأَصْلِيِّ وَيَتَصَرَّفُ فِيهِ الْحَاكِمُ بِمَا يَرَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ
(وَلَوْ ارْتَدَّ أَهْلُ بَلَدٍ وَجَرَى فِيهِ حُكْمُهُمْ) أَيْ الْمُرْتَدِّينَ كَالدُّرُوزِ (فَ) هُمْ كَأَهْلِ (دَارِ حَرْبٍ يُغْنَمُ مَالُهُمْ وَ) يُغْنَمُ (وَلَدٌ حَدَثَ) مِنْهُمْ (بَعْدَ الرِّدَّةِ) وَعَلَى الْإِمَامِ قِتَالُهُمْ لِأَنَّهُمْ أَحَقُّ بِهِ مِنْ الْكُفَّارِ الْأَصْلِيِّينَ لِأَنَّ تَرْكَهُمْ رُبَّمَا أَغْرَى أَمْثَالَهُمْ بِالتَّشَبُّهِ بِهِمْ، وَقَاتَلَ الصِّدِّيقُ بِجَمَاعَةِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَهْلَ الرِّدَّةِ وَإِذَا قَاتَلَهُمْ قَتَلَ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ وَيُقْتَلُ مُدْبِرُهُمْ وَيُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهِمْ
(وَيُؤْخَذُ مُرْتَدٌّ بِحَدٍّ) أَيْ: مَا يُوجِبُهُ كَزِنًا وَقَذْفٍ وَسَرِقَةٍ (أَتَاهُ فِي رِدَّتِهِ) وَإِنْ أَسْلَمَ نَصًّا لِأَنَّ الرِّدَّةَ لَا تَزِيدُهُ إلَّا تَغْلِيظًا
وَ (لَا) يُؤْخَذُ (بِقَضَاءِ مَا تَرَكَ فِيهَا) أَيْ الرِّدَّةِ (مِنْ عِبَادَةٍ) كَصَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَزَكَاةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] وَلَمْ يَأْمُرْ الصِّدِّيقُ الْمُرْتَدِّينَ بِقَضَاءِ مَا فَاتَهُمْ وَكَالْحَرْبِيِّ
(وَإِنْ لَحِقَ زَوْجَانِ مُرْتَدَّانِ بِدَارِ حَرْبٍ لَمْ يُسْتَرَقَّا) وَلَا أَحَدُهُمَا، لِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى كُفْرِهِ بَلْ يُقْتَلُ بَعْدَ الِاسْتِتَابَةِ (وَلَا) يُسْتَرَقُّ (مِنْ وَلَدِهِمَا) أَيْ: الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ رِدَّةٍ إذَا ارْتَدَّا وَلَحِقَا بِدَارِ حَرْبٍ (أَوْ) أَيْ: وَلَا يُسْتَرَقُّ (حَمْلٌ) مِنْهُمَا حَمَلَتْ بِهِ (قَبْلَ رِدَّةٍ) لِلْحُكْمِ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ قَبْلَ الرِّدَّةِ وَلَا يَتْبَعُهُمَا فِي الرِّدَّةِ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو، ثُمَّ إنْ ثَبَتُوا عَلَى الْإِسْلَامِ بَعْدَ كِبَرِهِمْ فَمُسْلِمُونَ (وَمَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ قُتِلَ) بَعْدَ أَنْ يُسْتَتَابَ كَآبَائِهِمْ (وَيَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ) الْوَلَدِ (الْحَادِثِ فِيهَا) أَيْ رِدَّةِ زَوْجَيْنِ لَحِقَا بِدَارٍ حَرْبٍ لِأَنَّهُ كَافِرٌ وُلِدَ بَيْنَ كَافِرَيْنِ وَلَيْسَ بِمُرْتَدٍّ نَصًّا (وَ) يَجُوزُ أَنْ (يُقَرَّ عَلَى كُفْرٍ بِجِزْيَةٍ) كَأَوْلَادِ الْحَرْبِيِّينَ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي جَوَازِ الِاسْتِرْقَاقِ انْتَهَى.
[فَصْلُ فِي السِّحْرِ]
ِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَهُوَ عُقَدٌ وَرُقًى وَكَلَامٌ يَتَكَلَّمُ بِهِ فَاعِلُهُ أَوْ يَكْتُبُهُ أَوْ يَعْمَلُ شَيْئًا يُؤَثِّرُ فِي بَدَنِ مَسْحُورٍ أَوْ قَلْبِهِ أَوْ عَقْلِهِ مِنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ لَهُ، وَلَهُ حَقِيقَةٌ فَمِنْهُ مَا يَقْتُلُ وَمِنْهُ مَا يُمْرِضُ وَمِنْهُ مَا يَأْخُذُ الرَّجُلَ عَنْ امْرَأَتِهِ فَيَمْنَعُهُ عَنْ وَطْئِهَا، وَمِنْهُ مَا يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، وَمَا يُبَغِّضُ أَحَدَهُمَا فِي الْآخَرِ وَيُحَبِّبُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: 102]- إلَى قَوْلِهِ - ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: 102] . وَحَدِيثِ عَائِشَةَ
«أَنَّ النَّبِيَّ سُحِرَ حَتَّى أَنَّهُ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ» . . وَرُوِيَ مِنْ أَخْبَارِ السَّحَرَةِ مَا لَمْ يُمْكِنْ التَّوَاطُؤُ عَلَى الْكَذِبِ فِيهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ إبْطَالُ مُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، لِأَنَّهُ لَا يَبْلُغُ مَا يَأْتُونَ بِهِ، فَلَا يَنْتَهِي إلَى أَنْ تَسْعَى الْعَصَا وَالْحِبَالُ، وَيُحَرَّمُ تَعَلُّمُ السِّحْرِ وَتَعْلِيمُهُ (وَسَاحِرٌ يَرْكَبُ الْمَكْنَسَةَ فَتَسِيرُ بِهِ فِي الْهَوَاءِ وَنَحْوِهِ) كَمُدَّعِي أَنَّ الْكَوَاكِبَ تُخَاطِبُهُ (كَافِرٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ [البقرة: 102]- أَيْ مَا كَانَ سَاحِرًا كَفَرَ بِسِحْرِهِ - ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: 102] . وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: 102] أَيْ: لَا تَتَعَلَّمْهُ فَتَكْفُرْ بِذَلِكَ (كَمُعْتَقِدٍ حِلَّهُ) لِلْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِهِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَ (لَا) يَكْفُرُ وَلَا يُقْتَلُ (مَنْ سَحَرَ بِأَدْوِيَةٍ وَتَدْخِينٍ وَسَقْيٍ شَيْئًا يَضُرُّ) لِأَنَّ الْأَصْلَ الْعِصْمَةُ وَلَمْ يَثْبُتْ مَا يُزِيلُهَا (وَيُعَزَّرُ) سَاحِرٌ بِذَلِكَ (بَلِيغًا) لِيَنْكَفَّ هُوَ وَمِثْلُهُ عَنْهُ (وَلَا) يَكْفُرُ (مَنْ يُعَزِّمُ عَلَى الْجِنِّ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ يَجْمَعُهَا وَتُطِيعُهُ) وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي السَّحَرَةِ الَّذِينَ يُقْتَلُونَ (وَلَا) يَكْفُرُ (كَاهِنٌ) أَيْ: مَنْ لَهُ رِدْءٌ مِنْ الْجِنِّ يَأْتِيهِ بِالْأَخْبَارِ (وَلَا) يَكْفُرُ (عَرَّافٌ) أَيْ مِنْ يَحْدُسُ أَوْ يَتَخَرَّصُ (وَلَا) يَكْفُرُ (مُنَجِّمٌ) أَيْ: نَاظِرٌ فِي النُّجُومِ يَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى الْحَوَادِثِ فَإِنْ أَوْهَمَ قَوْمًا بِطَرِيقَتِهِ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ فَلِلْإِمَامِ قَتْلُهُ لِسَعْيِهِ بِالْفَسَادِ.
(وَلَا يُقْتَلُ سَاحِرٌ كِتَابِيٌّ) نَصًّا (أَوْ) سَاحِرٌ (نَحْوُهُ) كَمَجُوسِيٍّ إلَّا أَنْ يَقْتُلَ بِسِحْرٍ يَقْتُلُ غَالِبًا فَيُقْتَلُ قِصَاصًا، «لِأَنَّ لَبِيدَ بْنَ الْأَعْصَمِ سَحَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَقْتُلْهُ» ، وَلِأَنَّ كُفْرَهُ أَعْظَمُ مِنْ سِحْرِهِ وَلَمْ يُقْتَلْ بِهِ، وَالْأَخْبَارُ فِي سَاحِرِ الْمُسْلِمِينَ إذَا كَفَرَ بِسِحْرِهِ (وَمُشَعْبِذٌ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَعَ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ جُمْلَةُ الشَّرْطِ (وَقَائِلٍ بِزَجْرِ طَيْرٍ وَضَارِبٌ بِحَصًى أَوْ) ضَارِبٌ بِ (شَعِيرٍ وَ) ضَارِبٌ بِ (قِدَاحٍ) جَمْعُ قِدْحٍ بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الدَّالِ: السَّهْمُ زَادَ فِي الرِّعَايَةِ وَالنَّظَرُ فِي أَكْتَافِ الْأَلْوَاحِ (إنْ لَمْ يَعْتَقِدْ إبَاحَتَهُ) أَيْ: فَعَلَ مَا سَبَقَ (وَ) لَمْ يَعْتَقِدْ (أَنَّهُ يَعْلَمُ بِهِ الْأُمُورَ الْمُغَيَّبَةَ عُزِّرَ) لِفِعْلِهِ مَعْصِيَةً (وَيُكَفُّ عَنْهُ وَإِلَّا) بِأَنْ اعْتَقَدَ إبَاحَتَهُ، وَأَنَّهُ يَعْلَمُ بِهِ الْأُمُورَ الْمُغَيَّبَةَ (كَفَرَ) فَيُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ (وَيَحْرُمُ طَلْسَمٌ) بِغَيْرِ الْعَرَبِيِّ (وَ) يَحْرُمُ (رُقْيَةٌ بِغَيْرِ الْعَرَبِيِّ) إنْ لَمْ يَعْرِفْ صِحَّةَ مَعْنَاهُ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ سَبًّا وَكُفْرًا وَكَذَا يُحَرَّمَانِ بِاسْمِ كَوْكَبٍ وَمَا وُضِعَ عَلَى نَجْمٍ مِنْ صُورَةٍ أَوْ غَيْرِهَا.
(وَيَجُوزُ الْحَلُّ) أَيْ: حَلُّ السِّحْرِ بِالْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَالْأَقْسَامِ وَالْكَلَامِ الَّذِي
لَا بَأْسَ بِهِ.
وَيَجُوزُ حَلُّهُ أَيْضًا (بِسِحْرٍ ضَرُورَةً) أَيْ: لِأَجَلِ الضَّرُورَةِ، وَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنْهُ وَسَأَلَهُ مُهَنَّا عَمَّنْ تَأْتِيهِ مَسْحُورَةً فَيُطْلِقُهُ عَنْهَا؟ قَالَ: لَا بَأْسَ.
قَالَ الْخَلَّالُ: إنَّمَا كَرِهَ فِعَالَهُ وَلَا يَرَى بِهِ بَأْسًا كَمَا بَيَّنَهُ مُهَنَّا.
(وَالْكُفَّارُ وَأَطْفَالُهُمْ) هُوَ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ بَدَلٌ مِنْ الْكُفَّارِ (وَمَنْ بَلَغَ مِنْهُمْ) أَيْ الْكُفَّارِ (مَجْنُونًا مَعَهُمْ) أَيْ الْكُفَّارِ أَيْ: آبَائِهِ (عَلَى النَّارِ) تَبَعًا لَهُمْ.
وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْجَنَّةِ كَأَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ بَلَغَ مِنْ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ مَجْنُونًا.
وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ تَكْلِيفَهُمْ فِي الْقِيَامَةِ لِلْأَخْبَارِ.
(وَمَنْ وُلِدَ أَعْمَى أَبْكَمَ أَصَمَّ فَ) هُوَ (مَعَ أَبَوَيْهِ كَافِرَيْنِ) كَانَا (أَوْ مُسْلِمَيْنِ وَلَوْ أَسْلَمَا بَعْدَ مَا بَلَغَ) نَصًّا.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُمَا، أَيْ: مَنْ بَلَغَ مَجْنُونًا مِنْ أَوْلَادِ الْكُفَّارِ، وَمَنْ وُلِدَ أَعْمَى أَبْكَمَ أَصَمَّ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَى، قَالَهُ شَيْخُنَا وَذُكِرَ فِي الْفُنُونِ عَنْ أَصْحَابِنَا لَا يُعَاقَبُ وَمَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَجَبَتْ شَرْعًا نَصًّا، وَهُوَ أَوَّلُ وَاجِبٍ لِنَفْسِهِ وَيَجِبُ قَبْلَهَا النَّظَرُ لِتَوَقُّفِهَا عَلَيْهِ، فَهُوَ أَوَّلُ وَاجِبٍ لِغَيْرِهِ وَلَا يَقَعَانِ ضَرُورَةً
[كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ]
(وَاحِدُهَا طَعَامٌ، وَهُوَ مَا يُؤْكَلُ وَيُشْرَبُ) قَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهْرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي، وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: 249] (وَأَصْلُهَا الْحِلُّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29] وَقَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: 168] وَقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: 5] (فَيَحِلُّ كُلُّ طَعَامٍ طَاهِرٍ) لَا نَجِسٍ أَوْ مُتَنَجِّسٍ (لَا مَضَرَّةَ فِيهِ) بِخِلَافِ نَحْوِ: سُمُومٍ (حَتَّى الْمِسْكِ وَنَحْوِهِ) مِمَّا لَا يُؤْكَلُ عَادَةً كَقِشْرِ بَيْضٍ وَقَرْنِ حَيَوَانٍ مُذَكًّى إذَا دُقَّا وَنَحْوِهِ
(وَيَحْرُمُ نَجِسٌ كَدَمٍ وَمَيْتَةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: 3] (وَ) يَحْرُمُ (مُضِرٌّ كَسُمٍّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] وَالسُّمُّ مِمَّا يَقْتُلُ غَالِبًا، وَلِذَا عُدَّ مُطْعِمُهُ لِغَيْرِهِ قَاتِلًا.
وَفِي الْوَاضِحِ الْمَشْهُورُ أَنَّ السُّمَّ نَجِسٌ وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِأَكْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الذِّرَاعِ الْمَسْمُومَةِ وَنَحْوِ السَّقَمُونْيَا وَالزَّعْفَرَانِ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى وَجْهٍ يَضُرُّ، وَيَجُوزُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّ لِقِلَّةٍ أَوْ إضَافَةِ مَا يُصْلِحُهُ (وَ) يَحْرُمُ (مِنْ حَيَوَانِ الْبَرِّ حُمُرٌ أَهْلِيَّةٌ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَفِيلٍ) قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ هُوَ مِنْ أَطْعِمَةِ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ مَسْخٌ، وَلِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِهَا نَابًا، وَلِأَنَّهُ مُسْتَخْبَثٌ فَيَدْخُلُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157] .
(وَ) يَحْرُمُ (مَا يَفْتَرِسُ بِنَابِهِ) أَيْ يَنْهَشُ (كَأَسَدٍ وَنَمِرٍ وَذِئْبٍ وَفَهْدٍ وَكَلْبٍ وَخِنْزِيرٍ وَقِرْدٍ وَدُبٍّ وَنِمْسٍ وَابْنِ آوَى وَابْنِ عِرْسٍ وَسِنَّوْرٍ مُطْلَقًا) أَيْ: أَهْلِيًّا كَانَ أَوْ بَرِّيًّا، وَمِنْ أَنْوَاعِهِ التَّفَّة لِلْحَدِيثَيْنِ (وَثَعْلَبٌ وَسِنْجَابٌ وَسَمُّورٌ وَفَنَكٌ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالنُّونِ لِأَنَّهَا مِنْ السِّبَاعِ ذَوَاتِ النَّابِ، فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّهْيِ (سِوَى ضَبُعٍ) لِعُمُومِ الرُّخْصَةِ فِيهِ عَنْ سَعْدٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ.
قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ " مَا زَالَتْ الْعَرَبُ تَأْكُلُ الضَّبُعَ لَا تَرَى بِأَكْلِهِ بَأْسًا " وَلِحَدِيثِ جَابِرٍ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَكْلِ الضَّبُعِ قُلْت هِيَ صَيْدٌ؟ قَالَ نَعَمْ.»
احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ.
.
وَرُوِيَ مِنْ طُرُقٍ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ تُؤَدِّي ذَلِكَ.
وَرَوَى بَعْضَهَا أَبُو دَاوُد وَبَعْضَهَا التِّرْمِذِيُّ.
وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ وَهَذَا يُخَصِّصُ النَّهْيَ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ وَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ الضَّبُعِ فَقَالَ: وَمَنْ يَأْكُلُ الضَّبُعَ؟» فَهُوَ حَدِيثٌ طَوِيلٌ يَرْوِيهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي الْمُخَارِقِ يَنْفَرِدُ بِهِ وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ لَكِنْ إنْ عُرِفَ بِأَكْلِ الْمَيْتَةِ فَكَالْجَلَّالَةِ.
(وَ) يَحْرُمُ (مِنْ طَيْرٍ مَا يَصِيدُ بِمِخْلَبِهِ كَعُقَابٍ وَبَازٍ وَصَقْرٍ وَبَاشِقٍ وَشَاهِينِ وَحِدَأَةٍ وَبُومَةٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ» وَحَدِيثِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ مَرْفُوعًا «حَرَامٌ عَلَيْكُمْ الْحُمُرُ الْأَهْلِيَّةُ وَكُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَكُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطُّيُورِ» رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد وَهُوَ مُخَصِّصُ عُمُومَ الْآيَاتِ.
(وَ) يَحْرُمُ مِنْ طَيْرٍ (مَا يَأْكُلُ الْجِيَفَ كَنِسْرٍ وَرَخَمٍ وَلَقْلَقٍ) طَائِرٌ نَحْوِ الْإِوَزَّة طَوِيلُ الْعُنُقِ يَأْكُلُ الْحَيَّاتِ (وَعَقْعَقٍ وَهُوَ الْقَاقُ) طَائِرٌ نَحْوُ الْحَمَامَةِ طَوِيلُ الذَّنَبِ فِيهِ بَيَاضٌ وَسَوَادٌ نَوْعٌ مِنْ الْغِرْبَانِ (وَغُرَابِ الْبَيْنِ وَالْأَبْقَعِ) قَالَ عُرْوَةُ وَمَنْ يَأْكُلُ الْغُرَابَ وَقَدْ سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسِقًا وَاَللَّهِ مَا هُوَ مِنْ الطَّيِّبَاتِ.
وَلِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَاحَ قَتْلَ الْغُرَابِ بِالْحَرَمِ وَلَا يَجُوزُ قَتْلُ صَيْدٍ مَأْكُولٍ فِي الْحَرَمِ.
(وَ) يَحْرُمُ كُلُّ (مَا تَسْتَخْبِثُهُ الْعَرَبُ ذَوُو الْيَسَارِ) وَهُمْ أَهْلُ الْحِجَازِ مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ لِأَنَّهُمْ أُولُو النُّهَى وَعَلَيْهِمْ نَزَلَ الْكِتَابُ وَخُوطِبُوا بِهِ وَبِالسُّنَّةِ فَرَجَعَ فِي مُطْلَقِ أَلْفَاظِهِمَا إلَى عُرْفِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ بِخِلَافِ الْجُفَاةِ مِنْ أَهْلِ الْبَوَادِي لِأَنَّهُمْ - لِلْمَجَاعَةِ - يَأْكُلُونَ كُلَّ مَا وَجَدُوهُ (كَوَطْوَاطٍ وَيُسَمَّى خُفَّاشًا وَخُشَافًا) قَالَ أَحْمَدُ وَمَنْ يَأْكُلُ الْخُشَافَ؟ (وَفَأْرٍ) لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِقَتْلِهِ فِي الْحَرَمِ وَلَا يَجُوزُ قَتْلُ صَيْدٍ مَأْكُولٍ فِي الْحَرَمِ (وَزُنْبُورٍ وَنَحْلٍ وَذُبَابٍ وَنَحْوِهَا) كَفَرَاشٍ لِأَنَّهَا مُسْتَخْبَثَةٌ غَيْرُ مُسْتَطَابَةٍ وَلِحَدِيثِ " إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ " حَيْثُ أَمَرَ بِطَرْحِهِ وَلَوْ جَازَ أَكْلُهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِطَرْحِهِ وَهُدْهُدٍ وَصُرَدٍ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنْ الدَّوَابِّ النَّمْلَةِ وَالنَّحْلَةِ وَالْهُدْهُدِ وَالصُّرَدِ»
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالصُّرَدُ بِضَمِّ الصَّادِ وَفَتْحِ الرَّاءِ طَائِرٌ ضَخْمُ الرَّأْسِ يَصْطَادُ الْعَصَافِيرَ وَهُوَ أَوَّلُ طَائِرٍ صَامَ لِلَّهِ تَعَالَى وَالْجَمْعُ صِرْدَانُ بِكَسْرِ الصَّادِ كَجُرْذٍ وَجُرْذَانٍ وَهُوَ الْفَأْرَةُ أَوْ الذَّكَرُ مِنْهَا (وَغُدَافٍ) وَهُوَ غُرَابُ الْغَيْطِ (وَخُطَّافٍ) طَائِرٌ أَسْوَدُ مَعْرُوفٌ (وَقُنْفُذٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «ذُكِرَ الْقُنْفُذُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ هُوَ خَبِيثَةٌ مِنْ الْخَبَائِثِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَمِثْلُهُ النَّيْصُ (وَحَيَّةٍ وَحَشَرَاتٍ) كَدِيدَانٍ وَجِعْلَانٍ وَبَنَاتِ وَرْدَانِ وَخَنَافِسَ وَوَزَغٍ وَحِرْبَاءَ وَعَقْرَبٍ وَجُرْدَانَ وَخُلْدٍ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ الْكَلِمَةِ وَهِيَ دُوَيْبَّةٌ سَوْدَاءُ كَالسَّمَكَةِ تَسْكُنُ الْبَرَّ إذَا رَأَتْ الْإِنْسَانَ غَابَتْ فَهِيَ حَرَامٌ.
(وَ) يَحْرُمُ (كُلُّ مَا أَمَرَ الشَّرْعُ بِقَتْلِهِ) كَالْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ (أَوْ نَهَى عَنْهُ) أَيْ: قَتْلِهِ وَمِنْهُ مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ (وَ) يَحْرُمُ (مَا تَوَلَّدَ مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ كَبَغْلٍ) مُتَوَلِّدٍ مِنْ خَيْلٍ وَحُمُرٍ أَهْلِيَّةٍ وَكَحِمَارٍ مُتَوَلِّدٍ بَيْنَ حِمَارٍ أَهْلِيٍّ وَوَحْشِيٍّ.
(وَ) كَ (سِمْعٍ) بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ (وَلَدِ ضَبُعٍ) بِفَتْحِ الضَّادِ وَضَمِّ الْبَاءِ وَيَجُوزُ إسْكَانُهَا وَجَمْعُهُ ضِبَاعٌ (مِنْ ذِئْبٍ وَعِسْبَارٍ وَلَدِ ذِئْبَةٍ مِنْ ضِبْعَانِ) بِكَسْرِ الضَّادِ وَسُكُونِ الْبَاءِ وَجَمْعُهُ ضُبَاعِينَ كَمَسَاكِينَ ذَكَرُ الضُّبَاعِ فَهُوَ عَكْسُ السِّمْعِ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ تَمَيَّزَ كَحَيَوَانٍ مِنْ نَعْجَةٍ وَكَلْبٍ نِصْفُهُ خَرُوفٌ وَنِصْفُهُ كَلْبٌ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ وَعُلِمَ مِنْهُ حِلُّ بَغْلٍ تَوَلَّدَ بَيْنَ خَيْلٍ وَحُمُرٍ وَحْشِيَّةٍ وَنَحْوِهِ
(وَمَا يَجْهَلُهُ الْعَرَبُ) مِنْ الْحَيَوَانِ (وَلَا ذُكِرَ فِي الشَّرْعِ يُرَدُّ إلَى أَقْرَبِ الْأَشْيَاءِ شَبَهًا بِهِ) بِالْحِجَازِ فَإِنْ أَشْبَهَ مُحَرَّمًا أَوْ حَلَالًا أُلْحِقَ بِهِ (وَلَوْ أَشْبَهَ) حَيَوَانًا (مُبَاحًا) وَحَيَوَانًا (مُحَرَّمًا غُلِّبَ التَّحْرِيمُ) احْتِيَاطًا لِحَدِيثِ «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» وَقَالَ أَحْمَدُ: كُلُّ شَيْءٍ اُشْتُبِهَ عَلَيْكَ فَدَعْهُ وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ شَيْئًا بِالْحِجَازِ فَمُبَاحٌ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام: 145] الْآيَةَ وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَابْنُ عَبَّاسٍ مَا سَكَتَ اللَّهُ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ
(وَمَا تَوَلَّدَ مِنْ مَأْكُولٍ طَاهِرٍ كَذُبَابِ بَاقِلَّا وَدُودِ خَلٍّ وَنَحْوِهِمَا) كَدُودِ جُبْنٍ وَنَبْقٍ (يُؤْكَلُ) جَوَازًا (تَبَعًا لَا أَصْلًا) أَيْ: لَا مُنْفَرِدًا وَقَالَ أَحْمَدُ فِي الْبَاقِلَاءِ الْمُدَوِّدَةِ تَجَنُّبُهُ أَحَبُّ إلَيَّ وَإِنْ لَمْ يَتَقَذَّرْهُ فَأَرْجُو، وَقَالَ عَنْ تَفْتِيشِ التَّمْرِ الْمُدَوَّدِ لَا بَأْسَ بِهِ (وَمَا أَحَدُ أَبَوَيْهِ الْمَأْكُولَيْنِ مَغْصُوبٌ فَكَأُمِّهِ) فَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ مَغْصُوبَةً لَمْ تَحِلَّ هِيَ وَلَا شَيْءَ مِنْ أَوْلَادِهَا لِغَاصِبٍ وَإِنْ كَانَ
الْمَغْصُوبُ الْفَحْلَ وَالْأُمُّ مِلْكٌ لِلْغَاصِبِ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَوْلَادِهَا.
[فَصْلٌ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ]
فَصْلٌ وَيُبَاحُ مَا عَدَا هَذَا الْمُتَقَدِّمَ تَحْرِيمُهُ لِعُمُومِ نُصُوصِ الْإِبَاحَةِ (كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) مِنْ إبِلٍ وَبَقَرٍ وَغَنَمٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: 1] (وَالْخَيْلِ) كُلِّهَا عِرَابِهَا وَبَرَاذِينِهَا نَصًّا وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ وَقَالَتْ أَسْمَاءُ «نَحَرْنَا فَرَسًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَكَلْنَاهُ وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَحَدِيثُ خَالِدٍ مَرْفُوعًا «حَرَامٌ عَلَيْكُمْ الْحُمُرُ الْأَهْلِيَّةِ وَخَيْلُهَا وَبِغَالُهَا» فَقَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ لَهُ إسْنَادٌ جَيِّدٌ (وَ) كَ (بَاقِي الْوَحْشِ كَزَرَافَةٍ) بِفَتْحِ الزَّايِ وَضَمِّهَا دَابَّةٌ تُشْبِهُ الْبَعِيرَ لَكِنَّ عُنُقَهَا أَطْوَلُ مِنْ عُنُقِهِ وَجِسْمَهَا أَلْطَفُ مِنْ جِسْمِهِ وَيَدَاهَا أَطْوَلُ مِنْ رِجْلَيْهَا لِعُمُومِ النُّصُوصِ الْمُبِيحَةِ وَاسْتِطَابَتِهَا.
(وَ) كَ (أَرْنَبٍ) أَكَلَهَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَرَخَّصَ فِيهَا أَبُو سَعِيدٍ وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ «أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا فَسَعَى الْقَوْمُ فَلَغَبُوا فَأَخَذْتُهَا فَجِئْتُ بِهَا إلَى أَبِي طَلْحَةَ فَذَبَحَهَا وَبَعَثَ بِوَرِكِهَا أَوْ قَالَ فَخِذِهَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبِلَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَوَبْرٍ) لِأَنَّهَا تُفْدَى فِي الْإِحْرَامِ وَالْحَرَمِ وَمُسْتَطَابٍ يَأْكُلُ النَّبَاتَ كَالْأَرْنَبِ (وَيَرْبُوعٍ) نَصًّا لِحُكْمِ عُمَرَ فِيهِ بِجَفْرَةٍ لَهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ (وَبَقَرِ وَحْشٍ) عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا كَأَيْلٍ وثيتل وَوَعَلٍ وَمَهَا (وَحُمُرِهِ) أَيْ: الْوَحْشِ (وَضَبٍّ) رُوِيَ حِلُّهُ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ «كُنَّا مَعْشَرَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأَنْ يُهْدَى إلَى أَحَدِنَا ضَبٌّ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ دَجَاجَةٍ وَأَكَلَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْظُرُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَظِبَاءٍ) وَهِيَ الْغِزْلَانُ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا لِأَنَّهَا تُفْدَى فِي الْإِحْرَامِ وَالْحَرَمِ.
(وَبَاقِي الطَّيْرِ كَنَعَامٍ وَدَجَاجٍ وَطَاوُوسٍ وَبَبَّغَاءَ) بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ (وَهِيَ الدُّرَّةُ وَزَاغٍ) طَائِرٌ صَغِيرٌ أَغْبَرُ (وَغُرَابِ زَرْعٍ) يَطِيرُ مَعَ الزَّاغِ يَأْكُلُ الزَّرْعَ أَحْمَرُ الْمِنْقَارِ وَالرِّجْلِ لِأَنَّ مَرْعَاهُمَا الزَّرْعُ أَشْبَهَا الْحَجَلَ وَكَالْحَمَامِ بِأَنْوَاعِهِ مِنْ فَوَاخِتَ وَقَمَارِيٍّ وَجَوَازِلَ وَرَقَطِيٍّ وَدُقَاسٍ وَحَجَلٍ وَقَطَا وَحُبَارَى قَالَ سَفِينَةُ «أَكَلْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُبَارَى» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَكَعَصَافِيرَ وَقَنَابِرَ وَكَرْكِيٍّ وَبَطٍّ وَإِوَزٍّ وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِمَّا يَلْتَقِطُ الْحَبَّ أَوْ يُفْدَى فِي الْإِحْرَامِ لِأَنَّ أَكْلَهُ مُسْتَطَابٌ فَيَتَنَاوَلُهُ عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف: 157] (وَيَحِلُّ كُلُّ حَيَوَانٍ
بَحْرِيٍّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: 96] وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سُئِلَ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» رَوَاهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ (غَيْرَ ضُفْدَعٍ) فَيَحْرُمُ نَصًّا وَاحْتُجَّ بِالنَّهْيِ عَنْ قَتْلِهِ وَلِاسْتِخْبَاثِهَا فَتَدْخُلُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157] (وَ) غَيْرَ (حَيَّةٍ) لِأَنَّهَا مِنْ الْمُسْتَخْبَثَاتِ (وَ) غَيْرَ (تِمْسَاحٍ) نَصًّا لِأَنَّ لَهُ نَابًا يَفْتَرِسُ بِهِ وَيُؤْكَلُ الْقِرْشُ كَخِنْزِيرِ الْمَاءِ وَكَلْبِهِ وَإِنْسَانِهِ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ " أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ رَكِبَ عَلَى سَرْجٍ عَلَيْهِ مِنْ جُلُودِ كَلْبِ الْمَاءِ "
(وَتَحْرُمُ الْجَلَّالَةُ الَّتِي أَكْثَرُ عَلَفِهَا نَجَاسَةٌ وَ) يَحْرُمُ (لَبَنُهَا وَبَيْضُهَا) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد وَنَهَى عَنْ رُكُوبِ جَلَّالَةِ الْإِبِلِ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شُرْبِ لَبَنِ الْجَلَّالَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَبَيْضُهَا كَلَبَنِهَا لِتَوَلُّدِهِ مِنْهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَكْثَرُ عَلَفِهَا النَّجَاسَةَ لَمْ تَحْرُمْ وَلَا لَبَنُهَا وَلَا بَيْضُهَا (حَتَّى تُحْبَسَ ثَلَاثًا) مِنْ اللَّيَالِي بِأَيَّامِهَا لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا أَرَادَ أَكْلَهَا يَحْبِسُهَا ثَلَاثًا (وَتُطْعَمُ الطَّاهِرَ فَقَطْ) لِزَوَالِ مَانِعِ حِلِّهَا (وَيُكْرَهُ رُكُوبُهَا) لِمَا تَقَدَّمَ (وَيُبَاحُ أَنْ يَعْلِفَ النَّجَاسَةَ مَا لَا يُذْبَحُ) قَرِيبًا (أَوْ) لَا (يَحْلِبُ قَرِيبًا) نَصًّا لِأَنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُهَا فِي الْمَرْعَى عَلَى اخْتِيَارِهَا وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا تَعْلِفُ النَّجَاسَةَ
قَالَهُ شَارِحُ الْمُحَرَّرِ (وَمَا سُقِيَ) مِنْ ثَمَرٍ وَزَرْعٍ بِنَجِسٍ (أَوْ سُمِّدَ) أَيْ جُعِلَ فِيهِ السَّمَادُ أَيْ السِّرْجِينُ بِرَمَادٍ (بِنَجِسٍ مِنْ زَرْعٍ وَثَمَرٍ مُحَرَّمٌ) نَصًّا لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «كُنَّا نُكْرِي أَرَاضِيَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَشْتَرِطُ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَدْخُلُوهَا بِعُذْرَةِ النَّاسِ» وَلَوْلَا تَأْثِيرُ ذَلِكَ لِمَا اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ تَرْكَهُ وَلِأَنَّهُ تَتَرَبَّى أَجْزَاؤُهُ بِالنَّجَاسَةِ كَالْجَلَّالَةِ وَقَوْلُهُ أَنْ لَا يَدْخُلُوهَا أَيْ: يَسْرِقُوهَا (حَتَّى يُسْقَى) الزَّرْعُ وَالثَّمَرُ (بَعْدَهُ) أَيْ: النَّجَسِ الَّذِي سُقِيَهُ أَوْ سُمِّدَ بِهِ (بِ) مَاءٍ (طَاهِرٍ) أَيْ: طَهُورٍ (يَسْتَهْلِكُ عَيْنَ النَّجَاسَةِ) فَيَطْهُرُ وَيَحِلُّ كَالْجَلَّالَةِ إذَا حُبِسَتْ وَأُطْعِمَتْ الطَّاهِرَاتِ
(وَيُكْرَهُ أَكْلُ تُرَابٍ وَفَحْمٍ وَطِينٍ) لَا يُتَدَاوَى بِهِ لِضَرَرِهِ نَصًّا بِخِلَافِ الْأَرْمِنِيِّ لِلدَّوَاءِ (وَ) أَكْلُ (غُدَّةٍ وَأُذُنِ قَلْبٍ) نَصًّا قَالَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ كَرِهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْلَ الْغُدَّةِ وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ نَهْيَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أُذُنِ الْقَلْبِ
(وَ) يُكْرَهُ أَكْلُ (بَصَلٍ وَثُومٍ وَنَحْوِهِمَا) كَكُرَّاثٍ وَفُجْلٍ (مَا لَمْ
يُنْضَجْ بِطَبْخٍ) قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ لَا يُعْجِبُنِي وَصَرَّحَ بِأَنَّهُ كَرِهَهُ لِمَكَانِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ
(وَ) يُكْرَهُ أَكْلُ (حَبٍّ دِيسَ بِحُمُرٍ) أَهْلِيَّةٍ نَصًّا وَقَالَ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَدُوسُوهُ بِهَا وَقَالَ حَرْبٌ كَرِهَهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ لَا يُبَاعُ وَلَا يُشْتَرَى، وَلَا يُؤْكَلُ حَتَّى يُغْسَلَ
(وَ) يُكْرَهُ (مُدَاوَمَةُ أَكْلِ لَحْمٍ) لِأَنَّهُ يُورِثُ قَسْوَةً
(وَ) يُكْرَهُ (مَاءُ بِئْرٍ بَيْنَ قُبُورٍ وَبَقْلُهَا وَشَوْكِهَا) قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ كَمَاءٍ سُمِّدَ بِنَجَسٍ وَالْجَلَّالَةِ
وَ (لَا) يُكْرَهُ (لَحْمٌ نِيءٌ وَمُنْتِنٍ) نَصًّا
وَيَحْرُمُ تِرْيَاقٌ فِيهِ مِنْ لُحُومِ الْحَيَّاتِ أَوْ الْحُمُرِ وَتَدَاوٍ بِأَلْبَانِ حُمُرٍ وَكُلُّ مُحَرَّمٍ غَيْرُ بَوْلِ إبِلٍ وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الْجُبْنِ فَقَالَ: يُؤْكَلُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ فَقِيلَ لَهُ عَنْ الْجُبْنِ الَّذِي تَصْنَعُهُ الْمَجُوسِ فَقَالَ مَا أَدْرِي وَذَكَرَ أَنَّ أَصَحَّ حَدِيثٍ فِيهِ حَدِيثُ عُمَرَ " أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْجُبْنِ وَقِيلَ لَهُ يُعْمَلُ فِيهِ إنْفَحَةُ الْمَيْتَةِ فَقَالَ سَمُّوا اسْمَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَكُلُوا ".
[فَصْلٌ اُضْطُرَّ بِأَنْ خَافَ التَّلَفَ إنْ لَمْ يَأْكُلْ]
. نَقَلَ حَنْبَلٌ إذَا عَلِمَ أَنَّ النَّفْسَ تَكَادُ تَتْلَفُ.
وَفِي الْمُنْتَخَبِ أَوْ مَرَضًا أَوْ انْقِطَاعًا عَنْ الرُّفْقَةِ أَيْ: بِحَيْثُ يَنْقَطِعُ فَيَهْلِكُ كَمَا فِي الرِّعَايَةِ (أَكَلَ وُجُوبًا) نَصًّا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] قَالَ مَسْرُوقٌ مَنْ اُضْطُرَّ فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ فَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ (مِنْ غَيْرِ سُمٍّ وَنَحْوِهِ) مِمَّا يَضُرُّ (مِنْ مُحَرَّمٍ مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ) أَيْ: بَقِيَّةُ رُوحِهِ أَوْ قُوَّتَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173] وَقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 3] (فَقَطْ) أَيْ: لَا يَزِيدُ عَلَى مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ فَلَيْسَ لَهُ الشِّبَعُ لِأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْمَيْتَةَ وَاسْتَثْنَى مَا اُضْطُرَّ إلَيْهِ فَإِذَا انْدَفَعَتْ الضَّرُورَةُ لَمْ تَحِلَّ كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ (إنْ لَمْ يَكُنْ فِي سَفَرٍ مُحَرَّمٍ) كَسَفَرٍ لِقَطْعِ طَرِيقٍ أَوْ زِنًا أَوْ لِوَاطٍ وَنَحْوِهِ (فَإِنْ كَانَ فِيهِ) أَيْ: السَّفَرِ الْمُحَرَّمِ (وَلَمْ يَتُبْ فَلَا) أَيْ: فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَكْلُ مَيْتَةٍ وَنَحْوِهَا لِأَنَّ أَكْلَهَا رُخْصَةٌ وَالْعَاصِي لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: 173]
(وَلَهُ) أَيْ الْمُضْطَرِّ فِي غَيْرِ سَفَرٍ مُحَرَّمٍ (التَّزَوُّدُ إنْ خَافَ) الْحَاجَةَ إنْ لَمْ يَتَزَوَّدْ كَجَوَازِ التَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ إنْ خَافَ عَطَشًا بِاسْتِعْمَالِهِ وَأَوْلَى
(وَيَجِبُ) عَلَى مُضْطَرٍّ (تَقْدِيمُ السُّؤَالِ عَلَى أَكْلِهِ) الْمُحَرَّمَ نَصًّا وَقَالَ لِلسَّائِلِ قُمْ قَائِمًا لِيَكُونَ لَكَ عُذْرٌ عِنْدَ اللَّهِ وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ
إنْ اُضْطُرَّ إلَى الْمَسْأَلَةِ فَهِيَ مُبَاحَةٌ فَإِنْ تَوَقَّفَ قَالَ مَا أَظُنُّ أَحَدًا يَمُوتُ مِنْ الْجُوعِ اللَّهُ يَأْتِيهِ بِرِزْقِهِ
(وَإِنْ وَجَدَ) مُضْطَرٌّ (مَيْتَةً وَطَعَامًا مَا يَجْهَلُ مَالِكَهُ) قَدَّمَ الْمَيْتَةَ لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا فِي غَيْرِ حَالِ الضَّرُورَةِ لِحَقِّ اللَّهِ.
وَفِي الِاخْتِيَارَاتِ إنْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ إلَى رَبِّهِ بِعَيْنِهِ كَالْمَغْصُوبِ وَالْأَمَانَاتِ لَا يَعْرِفُ أَرْبَابَهَا قَدَّمَ أَكْلَهُ عَلَى الْمَيْتَةِ (أَوْ) وَجَدَ مُضْطَرٌّ مُحَرَّمًا (مَيْتَةً وَصَيْدًا حَيًّا أَوْ) وَجَدَ مَيْتَةً وَ (بَيْضَ صَيْدٍ سَلِيمًا) أَيْ الْبَيْضَ (وَهُوَ مُحَرَّمٌ قَدَّمَ الْمَيْتَةَ) لِأَنَّ فِيهَا جِنَايَةً وَاحِدَةً وَهِيَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا (وَيُقَدِّمُ) مُضْطَرٌّ (عَلَيْهَا) أَيْ: الْمَيْتَةِ (لَحْمَ صَيْدٍ ذَبَحَهُ مُحْرِمٍ) خِلَافًا لِأَبِي الْخَطَّابِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ وَيَتَمَيَّزُ ذَبْحُ الْمُحَرَّمِ بِالِاخْتِلَافِ فِي كَوْنِهِ مُذَكًّى (وَيُقَدِّمُ) مُضْطَرٌّ مُحَرَّمًا (عَلَى صَيْدٍ حَيٍّ طَعَامًا يَجْهَلُ مَالِكَهُ) إنْ لَمْ يَجِدْ مَيْتَةً بِشَرْطِ ضَمَانِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ لِأَنَّهُ قَدْ يُبَاحُ لَهُ فِي حَالِ بَيْعِ مَالِكِهِ لَهُ وَنَحْوِهِ فَهُوَ أَخَفُّ حُكْمًا مِنْ الصَّيْدِ إذْ لَا يُبَاحُ لِلْمُحْرِمِ بِحَالٍ
(وَيُقَدِّمُ مُضْطَرٌّ مُطْلَقًا) مُحْرِمًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (مَيْتَةً مُخْتَلَفًا فِيهَا) كَمَتْرُوكَةِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا أَوْ ثَعْلَبٍ ذُبِحَ (عَلَى) مَيْتَةٍ (مُجْمَعٍ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْمُخْتَلَفَ فِيهَا مُبَاحَةٌ عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ) فَهِيَ أَحَقُّ (وَيَتَحَرَّى) مُضْطَرٌّ (فِي مُذَكَّاةٍ اشْتَبَهَتْ بِمَيْتَةٍ) لِأَنَّهُ غَايَةُ مَقْدُورِهِ حَيْثُ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا، وَيَكُفُّ عَنْهُمَا قَادِرٌ عَلَى غَيْرِهِمَا حَتَّى يَعْلَمَ الْمُذَكَّاةَ
(وَمَنْ لَمْ يَجِدْ) مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ (إلَّا طَعَامَ غَيْرِهِ فَرَبُّهُ الْمُضْطَرُّ أَوْ الْخَائِفُ أَنْ يُضْطَرَّ أَحَقُّ بِهِ) لِمُسَاوَاتِهِ الْآخَرِ فِي الِاضْطِرَارِ وَانْفِرَادِهِ بِالْمِلْكِ أَشْبَهَ غَيْرَ حَالَةِ الِاضْطِرَارِ (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ: رَبِّ الطَّعَامِ إذَا كَانَ كَذَلِكَ (إيثَارُهُ) أَيْ: غَيْرِهِ بِهِ لِئَلَّا يُلْقِيَ بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ.
وَفِي الْهَدْيِ فِي غَزْوَةِ الطَّائِفِ يَجُوزُ وَإِنَّهُ غَايَةُ الْجُودِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9] وَلِقَوْلِ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي فُتُوحِ الشَّامِ وَعُدَّ ذَلِكَ فِي مَنَاقِبِهِمْ ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ وَلَعَلَّهُ لِعِلْمِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ حُسْنَ التَّوَكُّلِ وَالصَّبْرِ (وَإِلَّا) يَكُنْ رَبُّ الطَّعَامِ مُضْطَرًّا وَلَا خَائِفًا أَنْ يُضْطَرَّ (لَزِمَهُ) أَيْ: رَبَّ الطَّعَامِ (بَذْلُ مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ) أَيْ: الْمُضْطَرِّ (فَقَطْ) لِأَنَّهُ إنْقَاذٌ لِمَعْصُومٍ مِنْ الْهَلَكَةِ كَإِنْقَاذِ الْغَرِيقِ وَالْحَرِيقِ (بِقِيمَتِهِ) أَيْ: الطَّعَامِ نَصًّا لَا مَجَّانًا (وَلَوْ فِي ذِمَّةِ مُعْسِرٍ) لِوُجُودِ الضَّرُورَةِ (فَإِنْ أَبَى) رَبُّ الطَّعَامِ بَذْلَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْهُ بِقِيمَتِهِ (أَخَذُهُ) مُضْطَرٌّ (بِالْأَسْهَلِ فَالْأَسْهَلِ ثُمَّ) إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَخْذِهِ بِالْأَسْهَلِ أَخَذَهُ مِنْهُ (قَهْرًا) لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ مَالِكِهِ لِاضْطِرَارِهِ إلَيْهِ (وَيُعْطِيهِ عِوَضَهُ) أَيْ:
مِثْلَهُ أَوْ قِيمَتَهُ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ فَوَاتُ الْعَيْنِ وَالْبَدَلِ وَتُعْتَبَرُ قِيمَةُ مُتَقَوِّمٍ (يَوْمَ أَخْذِهِ) لِأَنَّهُ وَقْتُ تَلَفِهِ (فَإِنْ مَنَعَهُ) رَبُّ الطَّعَامِ مِنْ أَخْذِهِ بِعِوَضِهِ (فَلَهُ) أَيْ: الْمُضْطَرِّ (قِتَالُهُ عَلَيْهِ) لِكَوْنِهِ صَارَ أَحَقَّ بِهِ مِنْهُ لِاضْطِرَارِهِ إلَيْهِ وَهُوَ يَمْنَعُهُ (فَإِنْ قُتِلَ الْمُضْطَرُّ ضَمِنَهُ رَبُّ الطَّعَامِ) لِقَتْلِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ (بِخِلَافِ عَكْسِهِ) بِأَنْ قُتِلَ رَبُّ الطَّعَامِ فَلَا يَضْمَنُهُ الْمُضْطَرُّ أَشْبَهَ الصَّائِلَ (وَإِنْ مَنَعَهُ) أَيْ: الطَّعَامَ مِنْ الْمُضْطَرِّ رَبُّهُ (إلَّا بِمَا فَوْقَ الْقِيمَةِ فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ بِذَلِكَ) الَّذِي طَلَبَهُ لِاضْطِرَارِهِ إلَيْهِ (كَرَاهَةَ أَنْ يَجْرِيَ بَيْنَهُمَا دَمٌ أَوْ عَجْزًا عَنْ قِتَالِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ) أَيْ: الْمُضْطَرَّ (إلَّا الْقِيمَةُ) لِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ بِالْبَدَلِ وَالزَّائِدِ أُكْرِهَ عَلَى الْتِزَامِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ فَإِنْ أَخَذَ مِنْهُ رَجَعَ بِهِ
(وَكَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْذُ الْمَاءِ مِنْ الْعَطْشَانِ وَ) كَانَ (عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَقِيَهُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ وَ) كَانَ (لَهُ طَلَبُ ذَلِكَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: 6]
وَمَتَى وَجَدَ مُضْطَرٌّ مَنْ يُطْعِمُهُ وَيَسْقِيه لَمْ يُبَحْ لَهُ الِامْتِنَاعُ وَلَا الْعُدُولُ إلَى الْمَيْتَةِ إلَّا أَنْ يَخَافَ أَنْ يُسَمَّ فِيهِ أَوْ كَانَ الطَّعَامُ مِمَّا يَضُرُّ أَكْلُهُ
وَإِذَا اشْتَدَّتْ الْمَخْمَصَةُ فِي سَنَةِ مَجَاعَةٍ وَعِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ قَدْرُ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ عِيَالِهِ فَقَطْ لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُ شَيْءٍ مِنْهُ لِلْمُضْطَرِّينَ وَلَيْسَ لَهُمْ أَخْذُهُ مِنْهُ كَرْهًا لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى وُقُوعِ الضَّرُورَةِ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَنْدَفِعَ عَنْ الْمُضْطَرِّينَ وَكَذَا إنْ كَانَ فِي سَفَرٍ وَمَعَهُ قَدْرُ كِفَايَتِهِ فَقَطْ كَمَا لَوْ أَمْكَنَهُ إنْجَاءُ غَرِيقٍ بِتَغْرِيقِ نَفْسِهِ
(وَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى نَفْعِ مَالِ الْغَيْرِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ) أَيْ: الْمَالِ كَثِيَابٍ لِدَفْعِ بَرْدٍ وَمَقْدَحَةِ وَنَحْوِهَا وَدَلْوٍ وَحَبْلٍ لِاسْتَقَاءَ مَاءٍ (وَجَبَ) عَلَى رَبِّ الْمَالِ (بَذْلُهُ) لِمَنْ اُضْطُرَّ لِنَفْعِهِ (مَجَّانًا) بِلَا عِوَضٍ لِأَنَّهُ تَعَالَى ذَمَّ عَلَى مَنْعِهِ بِقَوْلِهِ ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 7] وَمَا لَا يَجِبُ بَذْلُهُ لَا يُذَمُّ عَلَى مَنْعِهِ وَمَا وَجَبَ فِعْلُهُ لَا يَقِفُ عَلَى بَذْلِ الْعِوَضِ بِخِلَافِ الْأَعْيَانِ فَلِرَبِّهَا مَنْعُهَا بِدُونِ عِوَضٍ وَلَا يُذَمُّ عَلَى ذَلِكَ وَمَحَلُّ وُجُوبِ بَذْلِ نَحْوِ مَاعُونٍ (مَعَ عَدَمِ حَاجَتِهِ) أَيْ: رَبِّهِ (إلَيْهِ) فَإِنْ احْتَاجَ إلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ لِتَمَيُّزِهِ بِالْمِلْكِ
(وَمَنْ لَمْ يَجِدْ) مِنْ مُضْطَرِّينَ (إلَّا آدَمِيًّا مُبَاحَ الدَّمِ كَحَرْبِيٍّ وَزَانٍ مُحْصَنٍ) وَمُرْتَدٍّ (فَلَهُ قَتْلُهُ وَأَكْلُهُ) لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ فِي نَفْسِهِ أَشْبَهَ السِّبَاعَ وَكَذَا إنْ وَجَدَهُ مَيْتًا
وَ (لَا) يَجُوزُ لِلْمُضْطَرِّ (أَكْلُ مَعْصُومٍ مَيِّتٍ) وَلَوْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ كَالْحَيِّ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْحُرْمَةِ لِحَدِيثِ «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الْحَيِّ» وَسَوَاءٌ
كَانَ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا
(أَوْ) أَيْ: وَلَا يَجُوزُ لِلْمُضْطَرِّ أَكْلُ (عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ نَفْسِهِ) لِأَنَّهُ إتْلَافُ مَوْجُودٍ لِتَحْصِيلِ مَوْهُومٍ
وَكَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ قَتْلُ مَعْصُومٍ وَأَكْلُهُ وَإِتْلَافُ عُضْوٍ مِنْهُ لِأَنَّهُ مِثْلُ الْمُضْطَرِّ فَلَا يَجُوزُ لَهُ إبْقَاءُ نَفْسِهِ بِإِتْلَافِ مِثْلِهِ.
[فَصْلٌ مَرَّ بِثَمَرَةِ بُسْتَانٍ لَا حَائِطَ عَلَيْهِ وَلَا نَاظِرَ لَهُ]
فَصْلٌ وَمَنْ مَرَّ بِثَمَرَةِ بُسْتَانٍ لَا حَائِطَ عَلَيْهِ وَلَا نَاظِرَ لَهُ أَيْ: حَارِسَ (فَلَهُ أَكْلٌ) مِنْهَا سَاقِطَةً كَانَتْ أَوْ بِشَجَرِهَا (وَلَوْ بِلَا حَاجَةٍ) إلَى أَكْلِهَا (مَجَّانًا) بِلَا عِوَضٍ عَمَّا يَأْكُلُهُ لِمَا رَوَى ابْنُ أَبِي زَيْنَبَ التَّمِيمِيُّ قَالَ: " سَافَرْت مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ وَأَبِي بَرْزَةَ فَكَانُوا يَمُرُّونَ بِالثِّمَارِ فَيَأْكُلُونَ فِي أَفْوَاهِهِمْ " وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ عُمَرُ يَأْكُلُ وَلَا يَتَّخِذُ خُبْنَةً وَهُوَ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ التَّحْتِيَّةِ وَبَعْدَهَا نُونٌ مَا يَحْمِلُهُ فِي حِضْنِهِ وَكَوْنُ سَعْدٍ أَبَى الْأَكْلَ لَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَتْرُكُ الْمُبَاحَ غِنًى عَنْهُ أَوْ تَوَرُّعًا فَإِنْ كَانَ الْبُسْتَانُ مَحُوطًا لَمْ يَجُزْ الدُّخُولُ إلَيْهِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ إنْ كَانَ عَلَيْهَا حَائِطٌ فَهُوَ حِرْزٌ فَلَا تَأْكُلْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا حَائِطٌ فَلَا بَأْسَ وَكَذَا إنْ كَانَ ثَمَّ حَارِسٌ لِدَلَالَةِ ذَلِكَ عَلَى شُحِّ صَاحِبِهِ بِهِ وَعَدَمِ الْمُسَامَحَةِ
وَ (لَا) يَجُوزُ (صُعُودُ شَجَرِهِ) أَيْ الثَّمَرِ (وَلَا ضَرْبُهُ أَوْ رَمْيُهُ بِشَيْءٍ) نَصًّا وَلَوْ كَانَ الْبُسْتَانُ غَيْرَ مَحُوطٍ وَلَا حَارِسَ لِحَدِيثِ الْأَثْرَمِ «وَكُلْ مَا وَقَعَ أَشْبَعَكَ اللَّهُ وَأَرْوَاكَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَلِأَنَّ الضَّرْبَ وَالرَّمْيَ يُفْسِدُ الثَّمَرَ (وَلَا يَحْمِلُ) مِنْ الثَّمَرِ مُطْلَقًا كَغَيْرِهِ لِقَوْلِ عُمَرَ وَلَا تَتَّخِذْ خُبْنَةً
(وَلَا يَأْكُلُ) أَحَدٌ (مِنْ) ثَمَرٍ (مُجْنًى مَجْمُوعٍ إلَّا لِضَرُورَةٍ) بِأَنْ كَانَ مُضْطَرًّا كَسَائِرِ أَنْوَاعِ الطَّعَامِ (وَكَذَا) أَيْ: كَثَمَرَةِ الشَّجَرِ (زَرْعٌ قَائِمٌ) لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِأَكْلِ الْفَرِيكِ.
(وَ) كَذَا (شُرْبُ لَبَنِ مَاشِيَةٍ) لِحَدِيثِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ عَلَى مَاشِيَةٍ فَإِنْ كَانَ فِيهَا صَاحِبُهَا فَلْيَسْتَأْذِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدًا فَلْيَسْتَحْلِبْ وَيَشْرَبْ وَلَا يَحْمِلْ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ (وَأَلْحَقَ جَمَاعَةٌ) وَهُوَ الْمُوَفَّقُ وَمَنْ تَابَعَهُ (بِذَلِكَ) الزَّرْعِ الْقَائِمِ (بَاقِلَّا وَحِمْصًا أَخْضَرَيْنِ) وَشَبَهَهُمَا مِمَّا يُؤْكَلُ رَطْبًا.
قَالَ (الْمُنَقِّحُ وَهُوَ قَوِيٌّ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ.
وَهُوَ حَسَنٌ
بِخِلَافِ شَعِيرٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَمْ تَجْرِ عَادَةٌ بِأَكْلِهِ.
(وَيَلْزَمُ مُسْلِمًا) لَا ذِمِّيًّا لِمَفْهُومِ حَدِيثِ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ» (ضِيَافَةُ مُسْلِمٍ) لَا ذِمِّيٍّ (مُسَافِرٍ) لَا مُقِيمٍ (فِي قَرْيَةٍ) لَا مِصْرٍ (يَوْمًا وَلَيْلَةً قَدْرَ كِفَايَتِهِ مَعَ أُدْمٍ) لِحَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ مَرْفُوعًا «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ.
قَالُوا: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُؤْثِمَهُ.
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: كَيْفَ يُؤْثِمُهُ؟ قَالَ: يُقِيمُ عِنْدَهُ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَا يَقْرِيهِ» وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: «قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّكَ تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ لَا يَقْرُونَا فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ إنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَلَوْ لَمْ تَجِبْ الضِّيَافَةُ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْأَخْذِ وَاخْتَصَّ ذَلِكَ بِالْمُسْلِمِ وَبِالْمُسَافِرِ لِقَوْلِ عُقْبَةَ إنَّك تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلُ وَبِأَهْلِ الْقُرَى لِقَوْلِهِ: بِقَوْمٍ.
وَالْقَوْمُ إنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى الْجَمَاعَاتِ دُونَ أَهْلِ الْأَمْصَارِ وَلِأَنَّ أَهْلَ الْقُرَى مَظِنَّةُ الْحَاجَةِ إلَى الضِّيَافَةِ وَالْإِيوَاءِ لِبُعْدِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بِخِلَافِ الْمِصْرِ فَفِيهِ السُّوقُ وَالْمَسَاجِدُ.
(وَ) يَجِبُ عَلَيْهِ (إنْزَالُهُ) أَيْ: الضَّيْفِ (بِبَيْتِهِ مَعَ عَدَمِ مَسْجِدٍ وَغَيْرِهِ) كَخَانٍ وَرِبَاطٍ يَنْزِلُ فِيهِ لِحَاجَتِهِ إلَى الْإِيوَاءِ كَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ (فَإِنْ أَبَى) الْمُضِيفُ الضِّيَافَةَ (فَلِلضَّيْفِ طَلَبُهُ بِهِ) أَيْ: بِمَا وَجَبَ لَهُ (عِنْدَ الْحَاكِمِ) لِحَدِيثِ الْمِقْدَادِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد (فَإِنْ تَعَذَّرَ) عَلَى ضَيْفٍ مَنَعَهُ مُضِيفٌ حَقَّهُ طَلَبُهُ عِنْدَ حَاكِمٍ (جَازَ لَهُ الْأَخْذُ مِنْ مَالِهِ) بِقَدْرِ مَا وَجَبَ لَهُ لِحَدِيثِ عُقْبَةَ (وَتُسْتَحَبُّ) الضِّيَافَةُ (ثَلَاثًا) أَيْ: ثَلَاثَ لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا وَالْمُرَادُ يَوْمَانِ مَعَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ (وَمَا زَادَ) عَلَيْهَا (فَ) هُوَ (صَدَقَةٌ) لِحَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ (وَلَيْسَ لِضِيفَانٍ قِسْمَةُ طَعَامٍ قُدِّمَ لَهُمْ) لِأَنَّهُ إبَاحَةٌ لَا تَمْلِيكٌ وَلِلضَّيْفِ الشُّرْبُ مِنْ إنَاءِ رَبِّ الْبَيْتِ وَالِاتِّكَاءُ عَلَى وِسَادَةٍ وَقَضَاءُ الْحَاجَةِ بِمِرْحَاضِهِ بِلَا إذْنِهِ لَفْظًا كَطَرْقِ بَابِهِ وَحَلَقَتِهِ
(وَمَنْ امْتَنَعَ مِنْ الطَّيِّبَاتِ بِلَا سَبَبٍ شَرْعِيٍّ فَ) هُوَ (مُبْتَدِعٌ) مَذْمُومٌ قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ [البقرة: 172] فَإِنْ كَانَ لِسَبَبٍ شَرْعِيٍّ كَطَيِّبٍ فِيهِ شُبْهَةٌ أَوْ عَلَيْهِ فِيهِ كُلْفَةٌ فَلَا بِدَعَ (وَمَا نُقِلَ) أَيْ: نَقَلَهُ وُعَّاظُ الْعِرَاقِ (عَنْ) إمَامِنَا (أَحْمَدَ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (أَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ) أَكْلِ
(الْبِطِّيخِ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِكَيْفِيَّةِ أَكْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لِلْبِطِّيخِ (فَكَذِبٌ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى أَحْمَدَ قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
[بَابُ الذَّكَاةِ]
وَهِيَ تَمَامُ الشَّيْءِ وَمِنْهُ الذَّكَاةُ فِي السِّنِّ أَيْ: تَمَامِهِ سُمِّيَ الذَّبْحُ ذَكَاةً لِأَنَّهُ إتْمَامُ الزُّهُوقِ وَأَصْلُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿إلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3] أَيْ: أَدْرَكْتُمُوهُ وَفِيهِ حَيَاةٌ فَأَتْمَمْتُمُوهُ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي الذَّبْحِ سَوَاءٌ كَانَ بَعْدَ جُرْحٍ سَابِقٍ أَوْ ابْتِدَاءٍ ذَكَرَهُ الزَّجَّاجُ يُقَالُ ذَكَّى الشَّاةَ وَنَحْوَهَا تَذْكِيَةً أَيْ: ذَبَحَهَا وَالِاسْمُ الذَّكَاةُ وَالْمَذْبُوحُ ذَكِيٌّ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ (وَهِيَ) أَيْ: الذَّكَاةُ شَرْعًا (ذَبْحُ) حَيَوَانٍ (أَوْ نَحْرُ حَيَوَانٍ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ مُبَاحٌ أَكْلُهُ يَعِيشُ فِي الْبَرِّ لَا جَرَادٌ وَنَحْوُهُ) كَالدُّبَّاءِ (بِقَطْعِ حُلْقُومٍ وَمَرِيءٍ أَوْ عَقْرُ مُمْتَنِعٍ) لِأَنَّهُ تَعَالَى حَرَّمَ الْمَيْتَةَ وَمَا لَمْ يُذَكَّ فَهُوَ مَيْتَةٌ فَذَبْحُ نَحْوِ كَلْبٍ وَسَبُعٍ لَا يُسَمَّى ذَكَاةً.
(وَيُبَاحُ جَرَادٌ وَنَحْوُهُ) بِدُونِهَا (وَ) يُبَاحُ (سَمَكٌ وَمَا لَا يَعِيشُ إلَّا فِي الْمَاءِ بِدُونِهَا) أَيْ الذَّكَاةِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَسَوَاءٌ مَاتَ الْجَرَادُ بِسَبَبٍ كَكَبْسِهِ وَتَغْرِيقِهِ أَوْ لَا، وَلَا بَيْنَ الطَّافِي مِنْ السَّمَكِ وَغَيْرِهِ وَلَا بَيْنَ مَا صَادَهُ مَجُوسِيٌّ مِنْ سَمَكٍ وَجَرَادٍ وَصَادَهُ غَيْرُهُ.
وَ (لَا) يُبَاحُ (مَا يَعِيشُ فِيهِ) أَيْ الْمَاءِ (وَفِي بَرٍّ) كَسُلَحْفَاةٍ وَكَلْبِ مَاءٍ (إلَّا بِهَا) أَيْ: الذَّكَاةِ قَالَ أَحْمَدُ كَلْبُ الْمَاءِ نَذْبَحُهُ وَلَا أَرَى بَأْسًا بِالسُّلَحْفَاةِ إذَا ذُبِحَ إلْحَاقًا لِذَلِكَ بِحَيَوَانِ الْبَرِّ لِكَوْنِهِ يَعِيشُ فِيهِ احْتِيَاطًا.
(وَيَحْرُمُ بَلْعُ سَمَكٍ حَيًّا) ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ إجْمَاعًا (وَكُرِهَ شَيُّهُ) أَيْ السَّمَكِ (حَيًّا) لِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ لَهُ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ يَمُوتُ بِسُرْعَةٍ (لَا) شَيُّ (جَرَادٍ) حَيًّا لِأَنَّهُ لَا يَمُوتُ فِي الْحَالِ وَفِي مُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ كَعْبًا كَانَ مُحْرِمًا فَمَرَّتْ بِهِ رِجْلُ جَرَادٍ فَنَسِيَ وَأَخَذَ جَرَادَتَيْنِ فَأَلْقَاهُمَا فِي النَّارِ فَشَوَاهُمَا وَذَكَرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ فَلَمْ يُنْكِرْ عُمَرُ تَرْكَهَا فِي النَّارِ وَيَجُوزُ أَكْلُ سَمَكٍ وَجَرَادٍ فِيهَا بِأَنْ يُلْقَى أَوْ يُشْوَى بِلَا شَقِّ بَطْنٍ كَدُودِ فَاكِهَةٍ تَبَعًا.
(وَشُرُوطُ) صِحَّةِ (ذَكَاةٍ) ذَبْحًا كَانَتْ أَوْ نَحْرًا أَوْ عَقْرَ الْمُمْتَنِعِ (أَرْبَعَةٌ أَحَدُهَا كَوْنُ فَاعِلٍ) لِذَبْحٍ أَوْ نَحْرٍ أَوْ
عَقْرٍ (عَاقِلًا لِيَصِحَّ) مِنْهُ (قَصْدُ التَّذْكِيَةِ) فَلَا يُبَاحُ مَا ذَكَّاهُ مَجْنُونٌ أَوْ طِفْلٌ لَمْ يُمَيِّزْ لِأَنَّهُمَا لَا قَصْدَ لَهُمَا كَمَا لَوْ ضَرَبَ إنْسَانٌ بِسَيْفٍ فَقَطَعَ عُنُقَ شَاةٍ.
وَلِأَنَّ الذَّكَاةَ أَمْرٌ يُعْتَبَرُ لَهُ الدِّينُ فَاعْتُبِرَ فِيهِ الْعَقْلُ كَالْغُسْلِ فَتَصِحُّ ذَكَاةُ عَاقِلٍ (وَلَوْ) كَانَ (مُعْتَدِيًا) كَغَاصِبٍ فَيُبَاحُ مَغْصُوبٌ ذَكَّاهُ غَاصِبُهُ أَوْ غَيْرُهُ لِرَبِّهِ وَغَيْرُهُ سَهْوًا أَوْ عَمْدًا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ نَصًّا (أَوْ) كَانَ (مُكْرَهًا) بِأَنْ أَكْرَهَ مَالِكٌ عَاقِلًا عَلَى ذَكَاةٍ نَحْوِ شَاتِهِ فَذَكَّاهَا أَوْ أُكْرِهَ رَبُّهَا عَلَى ذَلِكَ فَفَعَلَهُ (أَوْ) كَانَ (مُمَيِّزًا) فَتَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ كَالْبَالِغِ (أَوْ) كَانَ (قِنًّا) فَتَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ كَالْحُرِّ (أَوْ) كَانَ (أُنْثَى) وَلَوْ حَائِضًا (أَوْ) كَانَ (جُنُبًا) لِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّهُ كَانَتْ لَهُمْ غَنَمٌ تَرْعَى بِسَلْعٍ فَأَبْصَرَتْ جَارِيَةٌ لَنَا بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا مَوْتًا فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا بِهِ فَقَالَ لَهُمْ: لَا تَأْكُلُوا حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ أُرْسِلَ إلَيْهِ فَأَمَرَ مَنْ سَأَلَهُ وَأَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فَفِيهِ إبَاحَةُ ذَبِيحَةِ الْمَرْأَةِ وَالْأَمَةِ وَالْحَائِضِ وَالْجُنُبِ.
لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَفْصِلْ عَنْهَا وَفِيهِ أَيْضًا إبَاحَةُ الذَّبْحِ بِالْحَجَرِ وَمَا خِيفَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ وَحِلُّ مَا يَذْبَحُهُ غَيْرُ مَالِكِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَإِبَاحَةُ ذَبْحِهِ عِنْدَ خَوْفِهِ عَلَيْهِ الْمَوْتَ.
وَكَذَا حِلُّ ذَكَاةِ الْأَقْلَفِ وَالْفَاسِقِ (أَوْ) كَانَ (كِتَابِيًّا وَلَوْ حَرْبِيًّا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: 5] قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " طَعَامُهُمْ ذَبَائِحُهُمْ " وَمَعْنَاهُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ (أَوْ) كَانَ الْكِتَابِيُّ (مِنْ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ) لِعُمُومِ الْآيَةِ وَ (لَا) تَحِلُّ ذَبِيحَةُ (مَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ غَيْرَ كِتَابِيٍّ) تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ (وَلَا) ذَبِيحَةُ (وَثَنِيٍّ وَلَا مَجُوسِيٍّ وَلَا زِنْدِيقٍ وَلَا مُرْتَدٍّ) لِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: 5] وَإِنَّمَا أُخِذَتْ مِنْ الْمَجُوسِ الْجِزْيَةُ ; لِأَنَّ لَهُمْ شُبْهَةَ كِتَابٍ تَقْتَضِي تَحْرِيمَ دِمَائِهِمْ فَلَمَّا غُلِّبَ التَّحْرِيمُ فِيهَا غُلِّبَ عَدَمُ الْكِتَابِ فِي تَحْرِيمِ ذَبَائِحِهِمْ وَنِسَائِهِمْ احْتِيَاطًا لِلتَّحْرِيمِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ (وَلَا) تَحِلُّ ذَبِيحَةُ (سَكْرَانٍ) لِأَنَّهُ لَا قَصْدَ لَهُ (فَلَوْ احْتَكَّ) حَيَوَانٌ (مَأْكُولٌ بِمُحَدَّدٍ بِيَدِهِ) أَيْ: السَّكْرَانِ أَوْ مَنْ لَمْ يَقْصِدْ التَّذْكِيَةَ فَانْقَطَعَ بِانْحِكَاكِهِ حُلْقُومُهُ وَمَرِيئُهُ (لَمْ يَحِلَّ) لِعَدَمِ قَصْدِ التَّذْكِيَةِ وَ (لَا) يُعْتَبَرُ فِي التَّذْكِيَةِ (قَصْدُ الْأَكْلِ) اكْتِفَاءً بِنِيَّةِ التَّذْكِيَةِ لِتَضَمُّنِهَا إيَّاهَا.
الشَّرْطُ (الثَّانِي الْآلَةُ) بِأَنْ يَذْبَحَ أَوْ يَنْحَرَ بِمُحَدَّدٍ يَقْطَعُ أَيْ: يَنْهَرُ الدَّمُ بِحَدِّهِ (فَتَحِلُّ) الذَّكَاةُ (بِكُلِّ مُحَدَّدٍ حَتَّى حَجَرٍ وَقَصَبٍ وَخَشَبٍ وَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَعَظْمٍ غَيْرَ سِنٍّ وَظُفُرٍ) نَصًّا لِحَدِيثِ «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ فَكُلْ لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ (وَلَوْ) كَانَ الْمُحَدَّدُ (مَغْصُوبًا) لِعُمُومِ الْخَبَرِ.
الشَّرْطُ (الثَّالِثُ قَطْعُ حُلْقُومٍ) أَيْ: مَجْرَى النَّفَسِ (وَمَرِيءٍ) بِالْمَدِّ أَيْ: مَجْرَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ سَوَاءٌ كَانَ الْقَطْعُ فَوْقَ الْغَلْصَمَةِ وَهُوَ الْمَوْضِعُ النَّاتِئُ مِنْ الْحَلْقِ أَوْ دُونَهَا وَ (لَا) يُعْتَبَرُ قَطْعُ (شَيْءٍ غَيْرِهِمَا) لِأَنَّهُ قَطْعٌ فِي مَحَلِّ الذَّبْحِ مَا لَا يَعِيشُ الْحَيَوَانُ مَعَ قَطْعِهِ أَشْبَهَ قَطْعَهُمَا مَعَ الْوَدَجَيْنِ وَهُمَا عِرْقَانِ مُحِيطَانِ بِالْحُلْقُومِ (وَلَا) يُشْتَرَطُ (إبَانَتُهُمَا) أَيْ: الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ بِالْقَطْعِ (وَلَا يَضُرُّ رَفْعُ يَدِهِ) أَيْ: الذَّابِحِ (إنْ أَتَمَّ الذَّكَاةَ عَلَى الْفَوْرِ) كَمَا لَوْ لَمْ يَرْفَعْهُمَا فَإِنْ تَرَاخَى وَوَصَلَ الْحَيَوَانُ إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ فَأَتَمَّهَا لَمْ يَحِلَّ (وَالسُّنَّةُ نَحْرُ إبِلٍ بِطَعْنٍ بِمُحَدَّدٍ فِي لَبَّتِهَا) وَهِيَ الْوَهْدَةُ بَيْنَ أَصْلِ الصَّدْرِ وَالْعُنُقِ (وَ) السُّنَّةُ (ذَبْحُ غَيْرِهَا) أَيْ: الْإِبِلِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2] وَقَالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: 67] وَثَبَتَ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحَرَ بَدَنَةً وَضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقَرْنَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَمَنْ عَكَسَ) أَيْ: ذَبَحَ الْإِبِلَ وَنَحَرَ غَيْرَهَا (أَجْزَأَهُ) ذَلِكَ لِحَدِيثِ «أَنْهِرْ الدَّمَ بِمَا شِئْتَ» وَقَالَتْ أَسْمَاءُ «نَحَرْنَا فَرَسًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَكَلْنَاهُ وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ» وَعَنْ عَائِشَةَ «نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَقَرَةً وَاحِدَةً» (وَذَكَاةُ مَا عُجِزَ عَنْهُ كَوَاقِعٍ فِي بِئْرٍ وَمُتَوَحِّشٍ بِجَرْحِهِ حَيْثُ كَانَ) أَيْ: فِي أَيْ: مَوْضِعٍ أَمْكَنَ جَرْحُهُ فِيهِ مِنْ بَدَنِهِ.
رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ لِحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ.
قَالَ «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَدَّ بَعِيرٌ وَكَانَ فِي الْقَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرُ فَطَلَبُوهُ فَأَعْيَاهُمْ فَأَهْوَى إلَيْهِ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ اللَّهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ كَذَا» .
وَفِي لَفْظٍ " فَمَا نَدَّ عَلَيْكُمْ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاعْتِبَارُ الْحَيَوَانِ بِحَالِ الذَّكَاةِ لَا بِأَصْلِهِ بِدَلِيلِ الْوَحْشِيِّ إذَا قُدِرَ عَلَيْهِ وَالْمُتَرَدِّي إذَا لَمْ يُقْدَرْ عَلَى تَذْكِيَتِهِ يُشْبِهُ الْوَحْشِيَّ فِي الْعَجْزِ عَنْ تَذْكِيَتِهِ (فَإِنْ أَعَانَهُ) أَيْ: الْجَارِحَ عَلَى قَتْلِهِ (غَيْرُهُ كَكَوْنِ رَأْسِهِ) أَيْ: الْوَاقِعِ فِي نَحْوِ بِئْرٍ (بِمَاءٍ وَنَحْوِهِ) مِمَّا يَقْتُلُ لَوْ انْفَرَدَ (لَمْ يَحِلَّ) لِحُصُولِ قَتْلِهِ بِمُبِيحٍ وَحَاظِرٍ فَغُلِّبَ الْحَظْرُ كَمَا لَوْ اشْتَرَكَ مُسْلِمٌ وَمَجُوسِيٌّ فِي ذَبْحِهِ (وَمَا ذُبِحَ مِنْ قَفَاهُ وَلَوْ عَمْدًا إنْ أَتَتْ الْآلَةُ) الَّتِي ذُبِحَ
بِهَا مِنْ نَحْوِ سِكِّينٍ (عَلَى مَحَلِّ ذَبْحِهِ) أَيْ: الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ (وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ حَلَّ) لِبَقَاءِ الْحَيَاةِ مَعَ الْجَرْحِ فِي الْقَفَا وَإِنْ كَانَ غَائِرًا مَا لَمْ يَقْطَعْ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ وَكَأَكِيلَةِ السَّبُعِ إذَا أُدْرِكْت وَفِيهَا حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فَذُبِحَتْ حَلَّتْ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَعِيشُ مَعَ ذَلِكَ غَالِبًا (وَإِلَّا) تَأْتِ الْآلَةُ عَلَى مَحَلِّ الذَّبْحِ وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ (فَلَا) يَحِلُّ وَتُعْتَبَرُ الْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةُ بِالْحَرَكَةِ الْقَوِيَّةِ.
فَإِنْ شُكَّ هَلْ فِيهَا حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ قَبْلَ قَطْعِ حُلْقُومٍ وَمَرِيءٍ؟ فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ بَقَاء ذَلِكَ لِحِدَّةِ الْآلَةِ وَسُرْعَةِ الْقَطْعِ حَلَّ وَإِنْ كَانَتْ الْآلَةُ كَالَّةً وَأَبْطَأَ قَطْعُهُ وَطَالَ تَعْذِيبُهُ لَمْ يُبَحْ.
(وَلَوْ أَبَانَ رَأْسَهُ) أَيْ: الْمَأْكُولِ مُرِيدًا بِذَلِكَ تَذْكِيَتَهُ (حَلَّ مُطْلَقًا) أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِهَةِ وَجْهِهِ أَوْ قَفَاهُ أَوْ غَيْرِهِمَا لِقَوْلِ عَلِيٍّ فِيمَنْ ضَرَبَ وَجْهَ ثَوْرٍ بِالسَّيْفِ تِلْكَ ذَكَاةٌ وَأَفْتَى بِأَكْلِهَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا.
وَلِأَنَّهُ اجْتَمَعَ قَطْعُ مَا لَا تَبْقَى مَعَهُ الْحَيَاةُ مَعَ الذَّبْحِ (وَ) حَيَوَانٌ (مُلْتَوٍ عُنُقُهُ كَمَعْجُوزٍ عَنْهُ) لِلْعَجْزِ عَنْ الذَّبْحِ فِي مَحَلِّهِ كَالْمُتَرَدِّيَةِ فِي بِئْرٍ (وَمَا أَصَابَهُ سَبَبُ الْمَوْتِ) مِنْ حَيَوَانٍ مَأْكُولٍ (مِنْ مُنْخَنِقَةٍ) الَّتِي تُخْنَقُ فِي حَلْقِهَا (وَمَوْقُوذَةٍ) أَيْ: مَضْرُوبَةٍ حَتَّى تُشْرِفَ عَلَى الْمَوْتِ (وَمُتَرَدِّيَةٍ) أَيْ: وَاقِعَةٍ مِنْ عُلْوٍ كَجَبَلٍ وَحَائِطٍ وَسَاقِطَةٍ فِي نَحْوِ بِئْرٍ (وَنَطِيحَةٍ) بِأَنْ نَطَحَتْهَا نَحْوُ بَقَرَةٍ (وَأَكِيلَةِ سَبُعٍ) أَيْ: حَيَوَانٍ مُفْتَرِسٍ بِأَنْ أَكَلَ بَعْضَهَا نَحْوُ نَمِرٍ أَوْ ذِئْبٍ (وَمَرِيضَةٍ وَمَا صِيدَ بِشَبَكَةٍ أَوْ شَرَكٍ أَوْ أُحْبُولَةٍ أَوْ فَخٍّ) فَأَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَصِلْ إلَى حَدٍّ لَا يَعِيشُ مَعَهُ (أَوْ أَنْقَذَهُ) أَيْ: حَيَوَانٌ (مِنْ مُهْلِكَةٍ) وَلَمْ يَصِلْ إلَى مَا لَا تَبْقَى الْحَيَاةُ مَعَهُ (فَذَكَّاهُ وَحَيَاتُهُ تُمْكِنُ زِيَادَتُهَا عَلَى حَرَكَةِ مَذْبُوحٍ حَلَّ) أَكْلُهُ.
وَلَوْ انْتَهَى قَبْلَ الذَّبْحِ إلَى حَالٍ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ مَعَهُ وَلَوْ مَعَ عَدَمِ تَحَرُّكِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3] مَعَ أَنَّ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أَسْبَابٌ لِلْمَوْتِ (وَالِاحْتِيَاطُ) أَنْ لَا يُؤْكَلَ مَا ذُبِحَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا (مَعَ تَحَرُّكِهِ وَلَوْ بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ طَرْفِ عَيْنٍ أَوْ مَصْعِ ذَنَبٍ) أَيْ: تَحَرُّكِهِ وَضَرْبِ الْأَرْضِ بِهِ (وَنَحْوِهِ) كَتَحْرِيكِ أُذُنِهِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ صَاحِبِ الْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ (وَمَنْ وُجِدَ مِنْهُ مَا يُقَارِبُ الْحَرَكَةَ الْمَعْهُودَةَ فِي الذَّبْحِ الْمُعْتَادِ بَعْدَ ذَبْحِهِ دَلَّ عَلَى إمْكَانِ الزِّيَادَةِ قَبْلَهُ) فَيَحِلُّ نَصًّا وَمَا لَمْ يَبْقَ فِيهِ إلَّا حَرَكَةُ الْمَذْبُوحِ لَا يَحِلُّ قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: وَعِنْدِي أَنَّ الْحَيَاةَ الْمُسْتَقِرَّةَ مَا ظُنَّ بَقَاؤُهَا زِيَادَةً عَلَى أَمَدِ حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ سِوَى أَمَدِ الذَّبْحِ (وَمَا قُطِعَ حُلْقُومُهُ أَوْ أُبِينَتْ حَشْوَتُهُ وَنَحْوُهَا) مِمَّا لَا تَبْقَى مَعَهُ حَيَاةٌ (فَوُجُودُ حَيَاتِهِ كَعَدَمِهَا) فَلَا يَحِلُّ بِذَكَاةٍ.
الشَّرْطُ (الرَّابِعُ قَوْلُ بِسْمِ اللَّهِ عِنْدَ حَرَكَةِ يَدِهِ) أَيْ: الذَّابِحِ (بِذَبْحٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: 121] وَالْفِسْقُ الْحَرَامُ وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: وَعِنْدَ الذَّبْحِ قَرِيبًا مِنْهُ وَلَوْ فَصَلَ بِكَلَامٍ كَالتَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّهَارَةِ وَاخْتُصَّ بِلَفْظِ اللَّهِ لِأَنَّ إطْلَاقَ التَّسْمِيَةِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ.
(وَيُجْزِي) أَنْ يُسَمِّيَ (بِغَيْرِ عَرَبِيَّةٍ وَلَوْ أَحْسَنَهَا) أَيْ: الْعَرَبِيَّةَ.
لِأَنَّ الْمَقْصُودَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَقِيَاسُهُ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ وَالتَّيَمُّمُ بِخِلَافِ التَّكْبِيرِ وَالسَّلَامِ.
فَإِنَّ الْمَقْصُودَ لَفْظُهُ.
(وَ) يُجْزِي (أَنْ يُشِيرَ أَخْرَسُ) بِالتَّسْمِيَةِ بِرَأْسِهِ أَوْ طَرَفِهِ إلَى السَّمَاءِ لِقِيَامِهَا مَقَامَ نُطْقِ النَّاطِقِ (وَيُسَنُّ مَعَهُ) أَيْ: مَعَ قَوْلِ بِسْمِ اللَّهِ (التَّكْبِيرُ) لِمَا ثَبَتَ «أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا ذَبَحَ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُ أَكْبَرُ» وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُهُ وَلَا خِلَافَ أَنَّ قَوْلَ بِسْمِ اللَّهِ يُجْزِيهِ وَ (لَا) يُسَنُّ (الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عِنْدَ الذَّبْحِ لِأَنَّهَا لَمْ تَرِدْ وَلَا تَلِيقُ بِالْمَقَامِ كَزِيَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (وَمَنْ بَدَا لَهُ ذَبْحُ غَيْرِ مَا سَمَّى عَلَيْهِ) بِأَنْ سَمَّى عَلَى شَاةٍ مَثَلًا ثُمَّ أَرَادَ ذَبْحَ غَيْرِهَا (أَعَادَ التَّسْمِيَةَ) فَإِنْ ذَبَحَ الثَّانِيَةَ بِتِلْكَ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا لَمْ تَحِلَّ سَوَاءٌ أَرْسَلَ الْأُولَى أَوْ ذَبَحَهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الثَّانِيَةَ بِتِلْكَ التَّسْمِيَةِ (وَتَسْقُطُ) التَّسْمِيَةُ (سَهْوًا لَا جَهْلًا) لِحَدِيثِ شَدَّادِ بْنِ سَعْدٍ مَرْفُوعًا «ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ حَلَالٌ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ» أَخْرَجَهُ سَعِيدٌ وَلِحَدِيثِ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ» وَالْآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْعَمْدِ جَمْعًا بَيْنَ الْإِخْبَارِ.
وَمَتَى لَمْ يُعْلَمْ هَلْ سَمَّى الذَّابِحُ أَوْ لَا فَالذَّبِيحَةُ حَلَالٌ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ قَوْمًا حَدِيثُو عَهْدٍ بِشِرْكٍ يَأْتُونَنَا بِلَحْمٍ لَا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَذْكُرُوا قَالَ سَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَيَضْمَنُ أَجِيرٌ تَرَكَهَا) أَيْ التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ (إنْ حَرُمَتْ) بِأَنْ تَرَكَهَا عَمْدًا قَالَ فِي النَّوَادِرِ لِغَيْرِ شَافِعِيٍّ لِحِلِّهَا لَهُ.
وَفِي الْفُرُوعِ يَتَوَجَّهُ تَضْمِينُهُ النَّقْصَ إنْ حَلَّتْ (وَمَنْ ذَكَرَ) عِنْدَ الذَّبْحِ (مَعَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى اسْمَ غَيْرِهِ حَرُمَ) عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ شِرْكٌ (وَلَمْ تَحِلَّ) الذَّبِيحَةُ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ.
[فَصْلٌ ذَكَاةُ الْجَنِينِ]
فَصْلٌ وَذَكَاةُ جَنِينٍ مُبَاحٍ احْتِرَازٌ عَنْ الْمُحَرَّمِ كَجَنِينِ فَرَسٍ مِنْ حِمَارٍ أَهْلِيٍّ وَجَنِينِ ضَبُعٍ مِنْ ذِئْبٍ (خَرَجَ) مِنْ