«وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ ; فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا وَتَقَدَّمَ " «الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ» " وَكَذَا الْبَيَاضُ فَوْقَهُمَا (فَمَتَى غَطَّاهُ) أَيْ الرَّأْسَ بِلَاصِقٍ مُعْتَادٍ كَبُرْنُسٍ وَعِمَامَةٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَلَوْ بِقِرْطَاسٍ بِهِ دَوَاءٌ أَوْ لَا دَوَاءَ بِهِ، أَوْ غَطَّاهُ بِطِينٍ أَوْ نُورَةٍ أَوْ حِنَّاءٍ، أَوْ عَصَبَهُ وَلَوْ يَسِيرًا) حَرُمَ بِلَا عُذْرٍ وَفَدَى، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إحْرَامُ الرَّجُلِ فِي رَأْسِهِ وَإِحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا» وَهِيَ أَنْ يَشُدَّ الرَّجُلُ رَأْسَهُ بِالسَّبْرِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَنَقَلَهُ فِي الشَّرْحِ (أَوْ) سَتَرَهُ بِغَيْرِ لَاصِقٍ، بِأَنْ (اسْتَظَلَّ فِي مَحْمَلٍ وَنَحْوَهُ) كَمِحَفَّةٍ أَوْ اسْتَظَلَّ (بِثَوْبٍ وَنَحْوِهِ) كَخُوصٍ أَوْ رِيشٍ يَعْلُو الرَّأْسَ وَلَا يُلَاصِقُهَا (رَاكِبًا أَوْ لَا حَرُمَ بِلَا عُذْرٍ وَفَدَى) لُزُومًا، لِأَنَّهُ قَصَدَهُ بِمَا يَقْصِدُ بِهِ التَّرَفُّهَ أَوْ لِأَنَّهُ سَتَرَهُ بِمَا يَسْتَلْزِمُ وَيُلَازِمُهُ غَالِبًا أَشْبَهَ مَا لَوْ سَتَرَهُ بِشَيْءٍ يُلَاقِيهِ بِخِلَافِ نَحْوِ خَيْمَةٍ وَ (لَا) يُحْرِمُ وَلَا يُفْدَى مُحْرِمٌ (إنْ حَمَلَ عَلَيْهِ) أَيْ رَأْسِهِ شَيْئًا كَطَبَقٍ وَمِكْتَلٍ (أَوْ نَصَبَ) مُحْرِمٌ (بِحِيَالِهِ) أَيْ حِذَائِهِ وَمُقَابَلَتِهِ (شَيْئًا) يَسْتَظِلُّ بِهِ لِأَنَّهُ لَا يَقْصِدُ اسْتِدَامَته أَشْبَهَ الِاسْتِظْلَالَ بِالْحَائِطِ (أَوْ اسْتَظَلَّ بِخَيْمَةٍ أَوْ شَجَرَةٍ) وَلَوْ بِطَرْحِ شَيْءٍ عَلَيْهَا يَسْتَظِلُّ بِهِ تَحْتَهَا (أَوْ بَيْتٍ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ «وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعْرٍ فَضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَأَتَى عَرَفَةَ فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بِهَا حَتَّى إذَا زَاغَتْ الشَّمْسُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (أَوْ غَطَّى) مُحْرِمٌ ذَكَرٌ (وَجْهَهُ) فَلَا إثْمَ وَلَا فِدْيَةَ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ سُنَّةُ التَّقْصِيرِ مِنْ الرَّجُلِ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ سُنَّةُ التَّخْمِيرِ كَبَاقِي بَدَنِهِ
(الرَّابِعُ: لُبْسُ) ذَكَرٍ (الْمَخِيطَ) فِي بَدَنِهِ أَوْ بَعْضِهِ وَهُوَ مَا عُمِلَ عَلَى قَدْرِ مَلْبُوسٍ عَلَيْهِ، وَلَوْ دِرْعًا مَنْسُوجًا أَوْ لِبْدًا مَعْقُودًا وَنَحْوَهُ (وَ) لُبْسُ (الْخُفَّيْنِ) لِأَنَّهُمَا مِنْهُ (إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ) الْمُحْرِمُ (إزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ، أَوْ) لَا يَجِدُ (نَعْلَيْنِ فَيَلْبَسُ خُفَّيْنِ أَوْ نَحْوَهُمَا) أَيْ الْخُفَّيْنِ (كران) وسرموذة لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «سُئِلَ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ فَقَالَ: لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلَا الْعِمَامَةَ، وَلَا الْبُرْنُسَ وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ وَلَا زَعْفَرَانٌ وَلَا الْخُفَّيْنِ، إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ نَعْلَيْنِ فَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِ اللُّبْسِ وَكَثِيرِهِ.
قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: وَلَوْ غَيْرَ مُعْتَادٍ كَجَوْرَبٍ فِي كَفٍّ وَخُفٍّ فِي رَأْسٍ (وَيَحْرُمُ قَطْعُهُمَا) أَيْ الْخُفَّيْنِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «سَمِعْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ يَقُولُ: مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا فَلْيَلْبَسْ السَّرَاوِيلَ لِلْمُحْرِمِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ رَوَاهُ الْأَثْبَاتُ
وَلَيْسَ فِيهِ " بِعَرَفَةَ " وَلَمْ يَذْكُرْهَا إلَّا شُعْبَةُ
وَتَابَعَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو وَلِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا مِثْلُهُ وَلَيْسَ فِيهِ " يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ " وَلَمْ يُذْكَرْ فِي الْحَدِيثَيْنِ قَطْعُ الْخُفَّيْنِ قَالَ عَلِيٌّ " قَطْعُ الْخُفَّيْنِ فَسَادٌ " وَلِأَنَّ قَطْعَهُمَا لَا يَخْرُجُهُمَا عَنْ حَالَةِ الْحَظْرِ، إذْ لُبْسُ الْمَقْطُوعِ كَلُبْسِ الصَّحِيح مَعَ الْقُدْرَةِ وَفِيهِ إتْلَافُ مَالِيَّةِ الْخُفِّ وَأُجِيبَ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِأَنَّ زِيَادَةَ الْقَطْعِ اُخْتُلِفَ فِيهَا فَإِنْ صَحَّتْ فَهِيَ بِالْمَدِينَةِ لِرِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنْهُ سَمِعْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ فَذَكَرَهُ وَخَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِعَرَفَاتٍ فَلَوْ كَانَ الْقَطْعُ وَاجِبًا لَبَيِّنَهُ لِلْجَمْعِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَمْ يَحْضُرْ أَكْثَرُهُمْ ذَلِكَ بِالْمَدِينَةِ وَقَوْلُ الْمُخَالِفِ: الْمُطْلَقُ يَقْضِي عَلَيْهِ الْمُقَيَّدُ: مَحِلُّهُ إذَا لَمْ يُمْكِنْ تَأْوِيلُهُ وَعَنْ قَوْلِهِ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ زِيَادَةُ لَفْظٍ لِأَنَّ خَبَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ فِيهِمَا زِيَادَةُ حُكْمٍ، هُوَ جَوَازُ اللِّبْسِ بِلَا قَطْعٍ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ دَعْوَى النَّسْخِ (حَتَّى إزَارًا أَوْ نَعْلَيْنِ، وَلَا فِدْيَةَ) لِظَاهِرِ الْخَبَرِ وَإِنْ لَبِسَ خُفًّا مَقْطُوعًا دُونَ الْكَعْبَيْنِ مَعَ وُجُودِ نَعْلٍ حَرُمَ وَفَدَى نَصًّا وَإِنْ شَقَّ إزَارَهُ وَشَدَّ كُلَّ نِصْفٍ عَلَى سَاقٍ فَكَسَرَاوِيلَ وَإِنْ وَجَدَ نَعْلًا لَا يُمْكِنُهُ لُبْسُهَا فَلَبِسَ الْخُفَّ فَدَى نَصًّا قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: هَذَا الْمَذْهَبُ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَاخْتَارَ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ لَا فِدْيَةَ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ (وَلَا يَعْقِدُ مُحْرِمٌ عَلَيْهِ رِدَاءً وَلَا غَيْرَهُ) وَلَا يُخَلِّلُهُ بِنَحْوِ شَوْكَةٍ، وَلَا يَزُرُّهُ فِي نَحْوِ عُرْوَةٍ وَلَا يَغْرِزُهُ فِي إزَارِهِ فَإِنْ فَعَلَ أَثِمَ وَفَدَى لِأَنَّهُ كَمَخِيطٍ وَلِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ لِمُحْرِمٍ " وَلَا تَعْقِدْ عَلَيْك شَيْئًا " رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْأَثْرَمُ قَالَ أَحْمَدُ فِي مُحْرِمٍ حَزَمَ عِمَامَتَهُ عَلَى وَسَطِهِ: لَا يَعْقِدْهَا وَيُدْخِلُ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ (إلَّا إزَارَهُ) فَلَهُ عَقْدُهُ لِحَاجَتِهِ لِسِتْرِ عَوْرَتِهِ (وَ) إلَّا (مِنْطَقَةً وَهِمْيَانًا فِيهِمَا نَفَقَةٌ) وَلِقَوْلِ عَائِشَةَ " أَوْثِقْ عَلَيْك نَفَقَتَك ". وَرُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَلِحَاجَتِهِ لِسَتْرِ نَفَقَتِهِ (مَعَ حَاجَةٍ لِعَقْدِ) الْمَذْكُورَاتِ فَإِنْ ثَبَتَ هِمْيَانٌ بِغَيْرِ عَقْدٍ بِأَنْ أَدْخَلَ السُّيُورَ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ، لَمْ يَعْقِدْهُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ ; وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مِنْطَقَةٍ أَوْ هِمْيَانٍ نَفَقَةٌ لَمْ يَعْقِدْهُمَا فَإِنْ فَعَلَ وَلَوْ لَبِسَهُمَا لِحَاجَةٍ أَوْ وَجَعٍ فَدَى (وَيَتَقَلَّدُ) مُحْرِمٌ (بِسَيْفٍ لِحَاجَةٍ) لِقِصَّةِ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ رَوَاهَا الْبُخَارِيُّ وَلَا يَجُوزُ بِلَا حَاجَةٍ نَصًّا لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ " لَا يَحْمِلُ الْمُحْرِمُ السِّلَاحَ فِي الْحَرَمِ " قَالَ الْمُوَفَّقُ: وَالْقِيَاسُ إبَاحَتُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى اللِّبْسِ قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ: وَلَا يَجُوزُ حَمْلُ السِّلَاحِ بِمَكَّةَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ (وَيَحْمِلُ) مُحْرِمٌ (جِرَابَهُ) بِكَسْرِ الْجِيمِ فِي عُنُقِهِ كَهَيْئَةِ الْقِرْبَةِ قَالَ أَحْمَدُ: أَرْجُو لَا بَأْسَ (وَ) يَحْمِلُ (قِرْبَةَ الْمَاءِ فِي عُنُقِهِ لَا) فِي
(صَدْرِهِ) نَصًّا أَيْ لَا يُدْخِلُ حَبْلَهَا فِي صَدْرِهِ (وَلَهُ) أَيْ الْمُحْرِمُ (أَنْ يَأْتَزِرَ) بِقَمِيصٍ فَيَجْعَلَهُ مَكَانَ الْإِزَارِ.
(وَ) أَنْ (يَلْتَحِفَ بِقَمِيصٍ) أَيْ يَتَغَطَّى بِهِ (وَ) أَنْ (يَرْتَدِيَ بِهِ) أَيْ الْقَمِيصِ فَيَجْعَلَهُ مَكَان الرِّدَاءِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلُبْسِ مَخِيطٍ مَصْنُوعٍ لِمِثْلِهِ (وَ) أَنْ يَرْتَدِيَ (بِرِدَاءٍ مُوَصَّلٍ) لِأَنَّ الرِّدَاءَ لَا يُعْتَبَرُ كَوْنُهُ صَحِيحًا (وَإِنْ طَرَحَ مُحْرِمٌ عَلَى كَتِفَيْهِ قَبَاءً فَدَى) وَلَوْ لَمْ يُدْخِلْ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ لِنَهْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لُبْسِهِ لِلْمُحْرِمِ رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وَلِأَنَّهُ عَادَةُ لُبْسِهِ كَالْقَمِيصِ (وَإِنْ غَطَّى خُنْثَى مُشْكِلٌ وَجْهَهُ وَرَأْسَهُ) فَدَى لِتَغْطِيَةِ رَأْسِهِ إنْ كَانَ ذَكَرًا أَوْ لِتَغْطِيَةِ الْوَجْهِ إنْ كَانَ أُنْثَى وَ (لَا) يَفْدِي خُنْثَى مُشْكِلٌ (إنْ لَبِسَهُ) أَيْ الْمَخِيطَ وَلَمْ يُغَطِّ وَجْهَهُ (أَوْ غَطَّى وَجْهَهُ وَجَسَدَهُ بِلَا لُبْسِ) مَخِيطٍ لِلشَّكِّ
(الْخَامِسُ: الطِّيبُ) إجْمَاعًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ وَلَا زَعْفَرَانٌ» وَأَمْرُهُ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ بِغَسْلِ الطِّيبِ وَقَوْلُهُ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ دَابَّتُهُ " لَا تُحَنِّطُوهُ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا وَلِمُسْلِمٍ «لَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ» (فَمَتَى طَيَّبَ مُحْرِمٌ ثَوْبَهُ أَوْ بَدَنَهُ) أَوْ شَيْئًا مِنْهُمَا حَرُمَ وَفَدَى (أَوْ اسْتَعْمَلَ) مُحْرِمٌ (فِي أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ ادِّهَانٍ أَوْ اكْتِحَالٍ أَوْ اسْتِعَاطٍ أَوْ احْتِقَانٍ طِيبًا يَظْهَرُ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ) فِي الْمَذْكُورَاتِ حَرُمَ وَفَدَى (أَوْ قَصَدَ) مُحْرِمٌ (شَمَّ دُهْنٍ مُطَيَّبٍ أَوْ قَصَدَ شَمَّ مِسْكٍ أَوْ شَمَّ كَافُورٍ أَوْ عَنْبَرٍ أَوْ زَعْفَرَانٍ أَوْ وَرْسٍ) نَبَاتٍ أَصْفَرَ كَالسِّمْسِمِ بِالْيَمَنِ تُتَّخَذُ مِنْهُ الْحُمْرَةُ لِلْوَجْهِ حَرُمَ وَفَدَى وَلَوْ جَلَسَ عِنْدَ عَطَّارٍ أَوْ فِي مَوْضِعٍ لِيَشُمَّ الطِّيبَ (أَوْ) قَصَدَ شَمَّ (بَخُورِ عُودٍ وَنَحْوِهِ) كَعَنْبَرٍ، وَلَوْ حَالَ تَجْمِيرِ الْكَعْبَةِ حَرُمَ وَفَدَى (أَوْ) قَصَدَ شَمَّ (مَا يُنْبِتُهُ آدَمِيٌّ لِطِيبٍ وَيُتَّخَذُ مِنْهُ) الطِّيبَ (كَوَرْدٍ وَبَنَفْسَجٍ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالنُّونِ وَالسِّينِ مُعَرَّبٌ (وَمَنْثُورٍ) وَهُوَ الْخَيْرِيُّ (وَلَيْنَوْفَرَ وَيَاسَمِينٍ وَنَحْوِهِ) كَبَانٍ وَزَنْبَقٍ (وَشَمَّهُ) حَرُمَ وَفَدَى (أَوْ مَسَّ مَا يَعْلَقُ بِهِ) أَيْ الْمَمْسُوسِ (كَمَاءِ وَرْدٍ حَرُمَ وَفَدَى) نَصًّا لِأَنَّهُ شَيْءٌ حَرُمَ بِالْإِحْرَامِ فَوَجَبَتْ بِهِ الْفِدْيَةُ كَاللِّبَاسِ وَ (لَا) إثْمَ وَلَا فِدْيَةَ (إنْ شَمَّ) مُحْرِمٌ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ (بِلَا قَصْدٍ) كَمَنْ دَخَلَ سُوقًا أَوْ الْكَعْبَةَ لِلتَّبَرُّكِ وَمُشْتَرِي الطِّيبِ لِنَحْوِ تِجَارَةٍ وَلَمْ يَمَسُّهُ وَلَهُ تَقْلِيبُهُ، وَحَمْلُهُ وَلَوْ ظَهَرَ رِيحُهُ لِعُسْرِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ (أَوْ مَسَّ) مُحْرِمٌ مِنْ طِيبِ (مَا لَا يَعْلَقُ) بِهِ كَقِطَعِ عَنْبَرٍ وَكَافُورٍ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ لِلطِّيبِ (أَوْ شَمَّ) مُحْرِمٌ (وَلَوْ قَصْدًا فَوَاكِهَ) مِنْ نَحْو تُفَّاحٍ، وَأُتْرُجٍّ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ طِيبًا (أَوْ) شَمَّ وَلَوْ قَصْدًا (عُودًا) لِأَنَّهُ لَا يُتَطَيَّبُ بِهِ بِالشَّمِّ وَإِنَّمَا يَقْصِدُ بَخُورَهُ
(أَوْ) شَمَّ وَلَوْ قَصْدًا (نَبَاتَ صَحْرَاءَ كَشِيحٍ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ (وَنَحْوِهِ كَخُزَامَى) وَقَيْصُومٍ (أَوْ مَا يُنْبِتُهُ آدَمِيٌّ لَا بِقَصْدِ طِيبٍ كَحِنَّاءٍ وَعُصْفُرٍ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ (وَقُرُنْفُلٍ) وَيُقَالُ: قُرُنْفُولٌ، ثَمَرَةُ شَجَرَةٍ بِسَفَالَةِ الْهِنْدِ أَفْضَلُ الْأَفَاوِيهِ الْحَارَّةِ وَأَذْكَاهَا (وَدَارِ صِينِيٍّ وَنَحْوِهَا) وَمِنْ أَنْوَاعِهِ الْقِرْفَةُ كَالزَّرْنَبِ (أَوْ) شَمَّ مَا يُنْبِتُهُ آدَمِيٌّ (لِقَصْدِهِ) أَيْ الطِّيبِ (وَلَا يُتَّخَذُ مِنْهُ طِيبٌ كَرَيْحَانٍ فَارِسِيٍّ وَهُوَ الْحَبَقُ) يُشْبِهُ النَّمَّامَ نَبْتٌ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ وَالرَّيْحَانُ عِنْدَ الْعَرَبِ الْآسُ وَلَا فِدْيَةَ فِي شَمِّهِ (وَكَنَمَّامٍ وَبَرَمٍ وَهُوَ ثَمَرُ الْعُصَاةِ كَأُمِّ غِيلَانَ وَنَحْوِهَا، وَكَنَرْجِسِ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِهَا وَكَسْرِ الْجِيمِ فِيهِمَا (وَكَمَرْزَنْجُوشَ) وَهُوَ الْمَرْدَقُوشُ وَعَرَبِيَّتُهُ السَّمْسَقُ نَافِعٌ لِعُسْرِ الْبَوْلِ وَالْمَغَصِ وَلَسْعَةِ الْعَقْرَبِ (وَنَحْوِهَا) كَالنِّسْرِينِ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ (أَوْ ادَّهَنَ) مُحْرِمٌ (بِ) دُهْنٍ (غَيْرِ مُطَيِّبٍ) كَشَيْرَجٍ وَزَيْتٍ نَصًّا (وَلَوْ فِي رَأْسِهِ أَوْ بَدَنِهِ) فَلَا إثْمَ وَلَا فِدْيَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَالْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ
(السَّادِسُ: قَتْلُ صَيْدِ الْبَرِّ) إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95] (وَاصْطِيَادُهُ) أَيْ صَيْدُ الْبَرِّ، وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْهُ أَوْ يَجْرَحْهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96] (وَهُوَ) أَيْ صَيْدُ الْبَرِّ (الْوَحْشِيُّ الْمَأْكُولُ وَالْمُتَوَلِّدُ مِنْهُ) أَيْ الْوَحْشِيِّ الْمَأْكُولِ (وَمِنْ غَيْرِهِ) كَمُتَوَلِّدٍ بَيْنَ وَحْشِيٍّ وَأَهْلِيٍّ وَمَأْكُولِ وَحْشِيٍّ وَغَيْرِهِ، كَسِمْعٍ، تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ (وَالِاعْتِبَارُ) فِي كَوْنِهِ وَحْشِيًّا أَوْ أَهْلِيًّا (بِأَصْلِهِ فَحَمَامٌ وَبَطٌّ) وَهُوَ الْإِوَزُّ (وَحْشِيٌّ) وَلَوْ اسْتَأْنَسَ يَحْرُمُ قَتْلُهُ وَاصْطِيَادُهُ وَيَجِبُ جَزَاؤُهُ وَإِنْ تَوَحَّشَ أَهْلِيٌّ مِنْ إبِلٍ وَبَقَرٍ وَنَحْوِهِمَا لَمْ يَحْرُمْ أَكْلُهُ وَلَا جَزَاءَ فِيهِ قَالَ أَحْمَدُ فِي بَقَرَةٍ صَارَتْ وَحْشِيَّةً لَا شَيْءَ فِيهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهَا الْإِنْسِيَّةُ (فَمَنْ أَتْلَفَهُ) أَيْ صَيْدَ الْبَرِّ وَالْمُتَوَلَّدَ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ (أَوْ تَلِفَ) مَا ذُكِرَ (بِيَدِهِ) كُلُّهُ (أَوْ بَعْضُهُ بِمُبَاشَرَةِ إتْلَافِهِ أَوْ سَبَبٍ وَلَوْ) كَانَ السَّبَبُ (بِجِنَايَةِ دَابَّةِ مُحْرِمٍ مُتَصَرِّفٍ فِيهَا) بِأَنْ يَكُونَ رَاكِبًا أَوْ سَائِقًا أَوْ قَائِدًا فَيَضْمَنُ مَا أَتْلَفَتْ بِيَدِهَا وَفِيهِمَا، لَا مَا نَفَحَتْ بِرِجْلِهَا وَإِنْ انْفَلَتَتْ لَمْ يَضْمَنْ مَا أَتْلَفَتْهُ (أَوْ بِإِشَارَةِ مُحْرِمٍ لِمُرِيدِ صَيْدٍ أَوْ دَلَالَتُهُ) أَيْ الْمُحْرِمِ لِمَنْ يُرِيدُ صَيْدَهُ (أَنْ لَمْ يَرَهُ) صَائِدُهُ (أَوْ بِإِعَانَتِهِ) أَيْ الْمُحْرِمِ لِمَنْ يُرِيدُ صَيْدَهُ (وَلَوْ بِمُنَاوَلَتِهِ آلَتَهُ) أَيْ الصَّيْدِ أَوْ إعَارَتِهَا لَهُ كَرُمْحٍ، وَسِكِّينٍ، وَلَوْ كَانَ مَعَ الصَّائِدِ آلَتُهُ وَإِنْ دَلَّهُ أَوْ أَشَارَ إلَيْهِ بَعْدَ رُؤْيَةِ
صَائِدٍ لَهُ، أَوْ ضَحِكَ الْمُحْرِمُ، أَوْ اسْتَشْرَفَ عِنْدَ رُؤْيَةِ الصَّيْدِ فَفَطِنَ لَهُ غَيْرُهُ، أَوْ أَعَارَهُ آلَةً لِغَيْرِ الصَّيْدِ فَاسْتَعْمَلَهَا فِيهِ فَلَا إثْمَ وَلَا ضَمَانَ (وَيَحْرُمُ) عَلَى الْمُحْرِمِ (ذَلِكَ) الْمَذْكُورُ مِنْ الْإِشَارَةِ وَالدَّلَالَةِ وَالْإِعَانَةِ لِأَنَّهُ مَعُونَةٌ عَلَى مُحَرَّمٍ أَشْبَهَ الْإِعَانَةَ عَلَى قَتْلِ آدَمِيٍّ مَعْصُومٍ وَلَا تَحْرُمُ (دَلَالَةُ) مُحْرِمٍ (عَلَى طِيبٍ وَلِبَاسٍ) لِأَنَّهُ لَا ضَمَانَ فِيهِمَا بِالسَّبَبِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا حُكْمٌ يَخْتَصُّ بِالدَّالِّ عَلَيْهِمَا بِخِلَافِ الصَّيْدِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الدَّالِّ أَكْلُهُ مِنْهُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ، وَقَوْلُهُ (فَعَلَيْهِ) أَيْ مَنْ أَتْلَفَهُ بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ سَبَبٍ (الْجَزَاءُ) جَوَابُ: فَمَنْ أَيْ جَزَاءُ الصَّيْدِ الَّذِي أَتْلَفَهُ أَوْ تَلِفَ بِيَدِهِ بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ سَبَبٍ مِنْ دَلَالَةٍ أَوْ غَيْرِهَا لِخَبَرِ أَبِي قَتَادَةَ لَمَّا صَادَ الْحِمَارَ الْوَحْشِيَّ وَأَصْحَابُهُ مُحْرِمُونَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «هَلْ أَشَارَ إلَيْهِ إنْسَانٌ مِنْكُمْ، أَوْ أَمَرَهُ بِشَيْءٍ؟ قَالُوا: لَا» وَفِيهِ «أَبْصَرُوا حِمَارًا وَحْشًا فَلَمْ يُؤْذِنُونِي، وَأَحَبُّوا لَوْ أَنِّي أَبْصَرْته فَالْتَفَتّ فَأَبْصَرْته ثُمَّ رَكِبْت وَنَسِيت السَّوْطَ وَالرُّمْحَ فَقُلْت لَهُمْ: نَاوِلُونِي السَّوْطَ وَالرُّمْحَ قَالُوا: وَاَللَّهِ لَا نُعِينُك عَلَيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرَوَى النَّجَّادُ الضَّمَانَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي مُحْرِمٍ أَشَارَ (إلَّا أَنْ يَقْتُلَهُ) أَيْ الصَّيْدَ (مُحْرِمٌ) وَيَكُونَ الدَّالُّ وَنَحْوُهُ مُحْرِمًا (فَ) جَزَاؤُهُ (بَيْنَهُمَا) أَيْ الْقَاتِلِ وَالدَّالِّ وَنَحْوِهِ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي التَّحْرِيمِ فَكَذَلِكَ فِي الْجَزَاءِ (وَلَوْ دَلَّ وَنَحْوَهُ) بِأَنْ أَشَارَ أَوْ أَعَانَ (حَلَالٌ) مُحْرِمًا عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ الْمُحْرِمُ (ضَمِنَهُ مُحْرِمٌ وَحْدَهُ) أَيْ دُونَ الْحَلَالِ الدَّالِّ أَوْ نَحْوه (كَشَرِكَةِ غَيْرِهِ) أَيْ الْمُحْرِمِ (مَعَهُ) بِأَنْ اشْتَرَكَ حَلَالٌ وَمُحْرِمٌ فِي قَتْلِ صَيْدٍ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْحَلَالِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِضَمَانِهِ وَيَضْمَنُهُ الْمُحْرِمُ كُلَّهُ تَغْلِيبًا لِلْإِيجَابِ، كَصَيْدِ بَعْضِهِ بِالْحِلِّ وَبَعْضِهِ بِالْحَرَمِ وَكَشَرِكَةِ نَحْو سَبُعٍ وَإِنْ سَبَقَ حَلَالٌ أَوْ نَحْوُ سَبُعٍ إلَى صَيْدٍ فَجَرَحَهُ ثُمَّ قَتَلَهُ الْمُحْرِمُ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ مَجْرُوحًا وَإِنْ جَرَحَهُ مُحْرِمٌ ثُمَّ قَتَلَهُ حَلَالٌ ضَمِنَ الْمُحْرِمُ أَرْشَ جُرْحِهِ فَقَطْ وَإِنْ جَرَحَهُ مُحْرِمٌ ثُمَّ قَتَلَهُ مُحْرِمٌ فَعَلَى الْأَوَّلِ أَرْشُ جُرْحِهِ وَعَلَى الثَّانِي تَتِمَّةُ الْجَزَاءِ (وَلَوْ دَلَّ حَلَالٌ حَلَالًا عَلَى صَيْدٍ بِالْحَرَمِ فَقَتَلَهُ فَكَدَلَالَةِ مُحْرِمٍ مُحْرِمًا) فَالْجَزَاءُ بَيْنَهُمَا نَصًّا (وَإِنْ نَصَبَ) حَلَالٌ (شَبَكَةً وَنَحْوَهَا) كَفَخٍّ (ثُمَّ أَحْرَمَ أَوْ أَحْرَمَ ثُمَّ حَفَرَ بِئْرًا بِحَقٍّ) كَمَا لَوْ حَفَرَهَا فِي دَارِهِ أَوْ لِلْمُسْلِمِينَ فِي طَرِيقٍ وَاسِعٍ أَوْ بِمَوَاتٍ (لَمْ يَضْمَنْ مَا حَصَلَ مِنْ تَلَفِ صَيْدٍ بِسَبَبِهِ) أَيْ نَصْبِ الشَّبَكَةِ وَنَحْوِهَا وَحَفْرِ الْبِئْرِ لِعَدَمِ تَعَدِّيهِ (إلَّا أَنْ) (يَتَحَيَّلَ) عَلَى الصَّيْدِ فِي الْإِحْرَامِ بِنَصْبِ نَحْوِ الشَّبَكَةِ قَبْلَ إحْرَامِهِ لِيَأْخُذَهُ بَعْدَ
تَحَلُّلِهِ مِنْهُ فَيَضْمَنُ عُقُوبَةً لَهُ بِضِدِّ قَصْدِهِ كَنَصْبِ الْيَهُودِ الشَّبَكَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَأَخْذِهِمْ يَوْمَ الْأَحَدِ مَا سَقَطَ فِيهَا فَإِنْ حَفَرَ بِئْرًا بِغَيْرِ حَقٍّ كَطَرِيقٍ ضَيِّقٍ ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهِ مُطْلَقًا لِتَعَدِّيهِ، كَتَلَفِ آدَمِيٍّ بِهَا (وَحَرُمَ أَكْلُهُ) أَيْ الْمُحْرِمِ (مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ) أَيْ مَا صَادَهُ أَوْ دَلَّ أَوْ أَعَانَ عَلَيْهِ أَوْ أَشَارَ إلَيْهِ وَنَحْوِهِ لِمَفْهُومِ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ (وَكَذَا مَا ذُبِحَ) لِلْمُحْرِمِ (أَوْ صِيدَ لِأَجْلِهِ) نَصًّا لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «إنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ أَهْدَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِمَارًا وَحْشِيًّا فَرُدَّ عَلَيْهِ فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْك إلَّا أَنَّا حُرُمٌ» وَكَذَا مَا أَخَذَهُ مِنْ بَيْضِ الصَّيْدِ وَلَبَنِهِ لِأَجَلِهِ (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ الْمُحْرِمَ (بِأَكْلِهِ) أَيْ مَا صِيدَ أَوْ ذُبِحَ لِأَجْلِهِ (الْجَزَاءُ) أَيْ جَزَاءُ مَا أَكَلَهُ مِمَّا ذُبِحَ أَوْ صِيدَ لَهُ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ مُنِعَ مِنْهُ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ أَشْبَهَ قَتْلَ الصَّيْدِ وَمَا قَتَلَهُ الْمُحْرِمُ ثُمَّ أَكَلَهُ ضَمِنَهُ لِقَتْلِهِ لَا لِأَكْلِهِ نَصًّا لِأَنَّهُ مَيْتَةٌ وَهِيَ لَا تُضْمَنُ (وَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ) أَيْ الْمُحْرِمِ (لِدَلَالَةٍ) عَلَيْهِ أَوْ إعَانَةٍ عَلَيْهِ (أَوْ صِيدَ أَوْ ذُبِحَ لَهُ) أَيْ الْمُحْرِمِ (لَا يَحْرُمُ عَلَى مُحْرِمٍ غَيْرِهِ كَ) مَا لَا يَحْرُمُ (عَلَى حَلَالٍ) لِمَا رَوَى مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ عَنْ عُثْمَانَ " أَنَّهُ أَتَى بِلَحْمِ صَيْدٍ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا: فَقَالُوا أَلَا تَأْكُلُ؟ فَقَالَ إنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إنَّمَا صِيدَ لِأَجْلِي " (وَإِنْ نَقَلَ) مُحْرِمٌ (بَيْضَ صَيْدٍ سَلِيمًا فَفَسَدَ) بِنَقْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَاضَ عَلَى فِرَاشِهِ أَوْ مَتَاعِهِ وَنَقَلَهُ بِرِفْقٍ ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ مَكَانه لِتَلَفِهِ بِسَبَبِهِ (أَوْ أَتْلَفَ) مُحْرِمٌ بَيْضَ صَيْدٍ (غَيْرَ مُذْرٍ) غَيْرَ (مَا فِيهِ فَرْخٌ مَيِّتٌ) ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ مَكَانَ إتْلَافِهِ إيَّاهُ فَإِنْ كَانَ مَذِرًا أَوْ فِيهِ فَرْخٌ مَيِّتٌ فَلَا ضَمَانَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ (إلَّا) مَا كَانَ مِنْ (بَيْضِ النَّعَامِ) فَيَضْمَنُهُ (لِأَنَّ لِقِشْرِهِ قِيمَةً) فَيَضْمَنُهَا وَإِنْ فَسَدَ مَا فِيهِ (أَوْ حَلَبَ) مُحْرِمٌ (صَيْدًا) صَادَهُ فِي إحْرَامِهِ وَلَوْ بَعْدَ حِلِّهِ أَوْ مَحِلٌّ مَا صَادَهُ بِالْحَرَمِ وَلَوْ بَعْدَ إخْرَاجِهِ إلَى الْحِلِّ (ضَمِنَهُ) أَيْ الْحَلِيبَ (بِقِيمَتِهِ نَصًّا مَكَانه) أَيْ الْإِتْلَافِ أَمَّا الْبَيْضُ فَلِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ " فِي بَيْضِ النَّعَامِ قِيمَتُهُ " وَلِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ فَوَجَبَتْ فِيهِ الْقِيمَةُ وَحَدِيثُ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «فِي بَيْضِ النَّعَامِ ثَمَنُهُ» الْمُرَادُ قِيمَتُهُ وَأَمَّا اللَّبَنُ فَلِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكَانَ فِيهِ قِيمَتُهُ، يَفْعَلُ بِهَا كَجَزَاءِ صَيْدٍ لِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ وَإِنْ كَسَرَ بَيْضَةً فَخَرَجَ مِنْهَا فَرْخٌ وَعَاشَ فَلَا شَيْءَ فِيهَا لِأَنَّهُ لَمْ يُتْلِفْ شَيْئًا (وَلَا يَمْلِكُ مُحْرِمٌ صَيْدًا ابْتِدَاءً) أَيْ مِلْكًا مُتَجَدِّدًا (بِغَيْرِ إرْثٍ) فَلَا يَمْلِكُهُ بِشِرَاءٍ وَلَا هِبَةٍ وَنَحْوِهِمَا، وَلَوْ بِوَكِيلِهِ أَوْ نَصَبَ أُحْبُولَةً قَبْلَ إحْرَامِهِ، فَوَقَعَ فِيهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ لِخَبَرِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ السَّابِقِ وَلِأَنَّ الصَّيْدَ لَيْسَ مَحَلًّا لِتَمَلُّكِ الْمُحْرِمِ لِتَحْرِيمِهِ عَلَيْهِ كَالْخَمْرِ، وَيَمْلِكُهُ بِالْإِرْثِ لِأَنَّهُ لَا فِعْلَ مِنْهُ
فِيهِ فَيُشْبِهُ الِاسْتِدَامَةَ وَفِي مَعْنَى الْإِرْثِ تَنَصُّفُ الصَّدَاقِ وَسُقُوطُهُ وَإِنْ رُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ أَوْ خِيَارٍ لَزِمَهُ إرْسَالُهُ (فَلَوْ قَبَضَهُ) أَيْ الصَّيْدَ (مُحْرِمٌ هِبَةً أَوْ رَهْنًا أَوْ بِشِرَاءٍ لَزِمَهُ رَدُّهُ) إلَى مَنْ أَقْبَضَهُ إيَّاهُ لِفَسَادِ الْعَقْدِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ قَابِضِهِ الْمُحْرِمِ (إنْ تَلِفَ) الصَّيْدُ (قَبْلَهُ) أَيْ الرَّدِّ (الْجَزَاءُ) لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ (مَعَ قِيمَتِهِ) لِمَالِكِهِ (فِي هِبَةٍ وَشِرَاءٍ) لِوُجُودِ مُقْتَضَى الضَّمَانَيْنِ وَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ لِمَالِكِهِ فِي رَهْنٍ لِأَنَّهُ لَا ضَمَانَ فِي صَحِيحِهِ وَلِذَا قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: لَا يَضْمَنُهُ لَهُ فِي الْهِبَةِ وَإِنْ أَرْسَلَهُ وَلَمْ يَرُدَّهُ فَضَمِنَهُ لِمَالِكِهِ وَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ وَإِنْ رَدَّهُ لِرَبِّهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا (وَإِنْ أَمْسَكَهُ) أَيْ الصَّيْدَ (مُحْرِمًا) بِالْحَرَمِ أَوْ الْحِلِّ (أَوْ) أَمْسَكَهُ (حَلَالًا بِالْحَرَمِ فَذَبَحَهُ الْمُحْرِمُ وَلَوْ بَعْدَ حِلِّهِ) مِنْ إحْرَامِهِ (أَوْ) ذَبَحَهُ مُمْسِكُهُ بِالْحَرَمِ وَلَوْ بَعْدَ (إخْرَاجِهِ مِنْ الْحَرَامِ إلَى الْحِلِّ ضَمِنَهُ) لِأَنَّهُ تَلِفَ بِسَبَبٍ كَانَ فِي إحْرَامِهِ أَوْ فِي الْحَرَمِ كَمَا لَوْ جَرَحَهُ فَمَاتَ بَعْدَ حِلِّهِ أَوْ بَعْدَ خُرُوجه مِنْ الْحَرَمِ (وَكَانَ مَا ذَبَحَ لِغَيْرِ حَاجَةِ أَكْلِهِ مَيْتَةً) نَصًّا وَلَوْ لِصَوْلِهِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ، لِمَعْنًى فِيهِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَذَبِيحَةِ الْمَجُوسِيِّ فَسَاوَاهُ فِيهِ وَإِنْ خَالَفَهُ فِي غَيْرِهِ وَمَفْهُومُهُ إنْ كَانَ لِحَاجَةِ أَكْلِهِ فَمُزَكًّى لِحِلِّ فِعْلِهِ وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ تَوْجِيهًا وَقَالَ الْقَاضِي: مَيْتَةٌ (وَإِنْ ذَبَحَ مُحِلٌّ صَيْدَ حَرَمٍ فَكَالْمُحْرِمِ) فَمَا لِغَيْرِ حَاجَةِ أَكْلِهِ مَيْتَةٌ (وَإِنْ كَسَرَ الْمُحْرِمُ بَيْضَ صَيْدٍ حَلَّ لِمَحَلِّ) أَكْلُهُ كَلَبَنِ صَيْدٍ حَلَبَهُ مُحْرِمٌ، لِأَنَّ حِلَّهُ لِلْمُحَلِّ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى حَلْبٍ وَلَا كَسْرٍ وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِمَا أَهْلِيَّةُ فَاعِلٍ وَكَمَا لَوْ كَسَرَهُ أَوْ حَلَبَهُ مَجُوسِيٌّ وَعُلِمَ مِنْهُ حُرْمَتُهُمَا عَلَى مُحْرِمٍ بَاشَرَ الْحَلْبَ وَالْكَسْرَ أَوْ لَمْ يُبَاشِرْهُمَا (وَمَنْ أَحْرَمَ وَبِمِلْكِهِ صَيْدٌ لَمْ يَزُلْ) مِلْكُهُ عَنْهُ لِقُوَّةِ الِاسْتِدَامَةِ (وَلَا) تَزُولُ عَنْهُ (يَدُهُ الْحُكْمِيَّةُ) الَّتِي لَا يُشَاهِدُهَا، كَبَيْتِهِ وَنَائِبِهِ الْغَائِبِ عَنْهُ (وَلَا يَضْمَنُهُ) أَيْ الصَّيْدَ (مَعَهَا) أَيْ يَدِهِ الْحُكْمِيَّةِ إذَا تَلِفَ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إزَالَتُهَا، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ سَبَبٌ فِي تَلَفٍ وَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِنَحْوِ بَيْعٍ وَهِبَةٍ (وَمَنْ غَصَبَهُ) أَيْ الصَّيْدَ مِنْ يَدِ مُحْرِمٍ حُكْمِيَّةٍ (لَزِمَهُ رَدُّهُ) إلَيْهَا، لِاسْتِدَامَتِهَا عَلَيْهِ (وَمَنْ أَدْخَلَهُ) أَيْ الصَّيْدَ مِنْ مُحْرِمٍ أَوْ حَلَالٍ (الْحَرَمَ) الْمَكِّيَّ لَزِمَهُ إرْسَالُهُ (أَوْ أَحْرَمَ) رَبُّ صَيْدٍ (وَهُوَ بِيَدِهِ الْمُشَاهَدَةِ) كَخَيْمَتِهِ أَوْ رَحْلِهِ أَوْ قَفَصٍ مَعَهُ أَوْ حَبْلٍ مَرْبُوطٍ بِهِ (لَزِمَهُ إزَالَتُهَا) أَيْ الْيَدِ الْمُشَاهَدَةِ عَنْهُ (بِإِرْسَالِهِ) فِي مَوْضِعٍ يَمْتَنِعُ فِيهِ لِئَلَّا يَكُونَ مُمْسِكًا لَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ عَلَيْهِ، كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ (وَمِلْكُهُ) أَيْ الْمُحْرِمِ عَلَى صَيْدٍ بِيَدِهِ (بَاقٍ) عَلَيْهِ بَعْدَ إرْسَالِهِ لِعَدَمِ مَا يُزِيلُهُ (فَيَرُدُّهُ)
أَيْ الصَّيْدَ (آخِذُهُ) عَلَى مَالِكِهِ إذَا حَلَّ (وَيَضْمَنُهُ قَاتِلُهُ) بِقِيمَتِهِ لَهُ لِبَقَاءِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ وَزَوَالُ الْيَدِ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ كَالْغَصْبِ وَالْعَارِيَّةِ وَإِذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ) الْمُحْرِمُ أَوْ مَنْ دَخَلَ الْحَرَمَ بِهِ مِنْ إرْسَالِ صَيْدٍ بِيَدِهِ، بِأَنْ نَفَرَهُ فَلَمْ يَذْهَبْ (وَتَلِفَ) بِغَيْرِ فِعْلِهِ (لَمْ يَضْمَنْهُ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُفَرِّطٍ وَلَا مُتَعَدٍّ وَإِذَا تَمَكَّنَ) مِنْ إرْسَالِهِ وَلَمْ يَفْعَلْ (ضَمِنَهُ) بِالْجَزَاءِ (وَإِنْ لَمْ يُرْسِلْهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى مُرْسِلِهِ مِنْ يَدِهِ قَهْرًا) لِزَوَالِ حُرْمَةِ يَدِهِ الْمُشَاهَدَةِ وَلِأَنَّهُ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ اسْتَمَرَّ مُمْسِكًا لَهُ حَتَّى حَلَّ فَمِلْكُهُ بَاقٍ لِأَنَّهُ لَا يَزُولُ بِالْإِحْرَامِ (وَمَنْ قَتَلَ) وَهُوَ مُحْرِمٌ (صَيْدًا صَائِلًا) عَلَيْهِ (دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ) لَمْ يَحِلَّ وَلَمْ يَضْمَنْهُ لِأَنَّهُ الْتَحَقَ بِالْمُؤْذِيَاتِ طَبْعًا، كَالْكَلْبِ الْعَقُورِ، وَكَالْآدَمِيِّ الصَّائِلِ، وَسَوَاءٌ خَشِيَ مَعَهُ تَلَفًا أَوْ ضَرَرًا بِجَرْحِهِ أَوْ إتْلَافِ مَالِهِ، أَوْ بَعْضِ حَيَوَانَاتِهِ أَوْ أَهْلِهِ (أَوْ) قَتَلَ صَيْدًا (بِتَخْلِيصِهِ مِنْ سَبُعٍ أَوْ شَبَكَةٍ لِيُطْلِقَهُ) لَمْ يَحِلَّ وَلَمْ يَضْمَنْهُ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ لِحَاجَةِ الْحَيَوَانِ (أَوْ قَطَعَ) مُحْرِمٌ (مِنْهُ) أَيْ الصَّيْدِ (عُضْوًا مُتَآكِلًا فَمَاتَ لَمْ يَحِلَّ وَلَمْ يَضْمَنْهُ) لِأَنَّهُ لِمُدَاوَاتِهِ الْحَيَوَانَ أَشْبَهَ مُدَاوَاةَ الْوَلِيِّ مَحْجُورَهُ وَلَيْسَ بِمُتَعَمِّدٍ قَتْلَهُ فَلَا تَتَنَاوَلُهُ الْآيَةُ (وَلَوْ أَخَذَهُ) أَيْ الصَّيْدَ الضَّعِيفَ مُحْرِمٌ (لِيُدَاوِيَهُ فَوَدِيعَةٌ) لَا يَضْمَنُهُ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا تَأْثِيرَ لِحَرَمٍ أَوْ إحْرَامٍ فِي تَحْرِيمِ) حَيَوَانٍ (إنْسِيٍّ) كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَدَجَاجٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ وَقَدْ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْبَحُ الْبُدْنَ فِي إحْرَامِهِ فِي الْحَرَمِ تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقَالَ: «أَفْضَلُ الْحَجِّ: الْعَجُّ وَالثَّجُّ» أَيْ إسَالَةُ الدِّمَاءِ بِالذَّبْحِ وَالنَّحْرِ (وَلَا) تَأْثِيرَ لِحَرَمٍ وَإِحْرَامٍ (فِي مُحَرَّمِ الْأَكْلِ) كَكَلْبٍ وَخِنْزِيرٍ وَنَمِرٍ وَأَسَدٍ وَذِئْبٍ وَفَهْدٍ (إلَّا الْمُتَوَلِّدَ) بَيْنَ أَهْلِيٍّ وَوَحْشِيٍّ، أَوْ بَيْنَ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ، كَسِمْعٍ فَيَحْرُمُ قَتْلُهُ فِي الْإِحْرَامِ وَالْحَرَمِ، تَغْلِيبًا لِلْحَظْرِ وَيَفْدِي (وَيَحْرُمُ بِإِحْرَامٍ قَتْلُ قَمْلٍ وَصِئْبَانِهِ) مِنْ رَأْسِهِ أَوْ بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ (وَلَوْ بِرَمْيِهِ) لِمَا فِيهِ مِنْ التَّرَفُّهِ بِإِزَالَتِهِ أَشْبَهَ قَطْعَ الشَّعْرِ (وَلَا جَزَاءَ فِيهِ) أَيْ الْقَمْلِ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ أَشْبَهَ الْبَرَاغِيثَ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ وَ (لَا) يَحْرُمُ قَتْلُ (بَرَاغِيثَ وَقُرَادٍ وَنَحْوِهِمَا) كَدَلَمٍ وَبَقٍّ وَبَعُوضٍ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَرَّدَ بَعِيرَهُ بِالسُّقْيَا أَيْ نَزَعَ الْقُرَادَ مِنْهُ فَرَمَاهُ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ (وَيُسَنُّ مُطْلَقًا) أَيْ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ وَمَعَ وُجُودِ أَذًى وَدُونَهُ (قَتْلُ كُلِّ مُؤْذٍ غَيْرِ آدَمِيٍّ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «أَمَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ خَمْسِ فَوَاسِقَ فِي الْحَرَمِ: الْحِدَأَةِ، وَالْغُرَابِ، وَالْفَأْرَةِ، وَالْعَقْرَبِ، وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي مَعْنَاهَا كُلُّ مُؤْذٍ وَأَمَّا الْآدَمِيُّ
غَيْرُ الْحَرْبِيِّ فَلَا يَحِلُّ قَتْلُهُ إلَّا بِإِحْدَى الثَّلَاثِ لِلْخَبَرِ (وَيُبَاحُ) لِمُحْرِمٍ وَغَيْرِهِ (لَا بِالْحَرَمِ: صَيْدُ مَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ كَسَمَكٍ، وَلَوْ عَاشَ فِي بَرٍّ أَيْضًا، كَسُلَحْفَاةٍ وَسَرَطَانٍ) لِقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: 96] وَأَمَّا الْبَحْرُ بِالْحَرَمِ فَيَحْرُمُ صَيْدُهُ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ فِيهِ لِلْمَكَانِ فَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ صَيْدِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (وَطَيْرُ الْمَاءِ بَرِّيٌّ) لِأَنَّهُ يَبِيضُ وَيُفْرِخُ فِي الْبَرِّ فَيَحْرُمُ عَلَى مُحْرِمٍ صَيْدُهُ وَفِيهِ الْجَزَاءُ (وَيُضْمَنُ جَرَادٌ) إذَا أَتْلَفَهُ مُحْرِمٌ بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ سَبَبٍ لِأَنَّهُ يُرَى مُشَاهَدٌ طَيَرَانُهُ فِي الْبَرِّ وَيُهْلِكُهُ الْمَاءُ إذَا وَقَعَ فِيهِ كَالْعَصَافِيرِ (بِقِيمَتِهِ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مِثْلِيٍّ (وَلَوْ بِمَشْيِ مُحْرِمٍ عَلَى) جَرَادٍ (مُفْتَرِشٍ بِطَرِيقٍ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ غَيْرُهُ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ اُضْطُرَّ إلَيْهِ (وَكَذَا بَيْضُ طَيْرٍ أَتْلَفَهُ مُحْرِمٌ لِحَاجَةِ مَشْيٍ) عَلَيْهِ (فَيَضْمَنُهُ) (وَلِمُحْرِمٍ احْتَاجَ إلَى فِعْلِ مَحْظُورٍ وَفَعَلَهُ يُفْدَى) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: 196] الْآيَةَ وَحَدِيثُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ وَأُلْحِقَ بَاقِي الْمَحْظُورَاتِ وَمَنْ بِبَدَنِهِ شَيْءٌ لَا يُحِبُّ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ أَحَدٌ لَبِسَ وَفَدَى نَصًّا (وَكَذَا لَوْ اُضْطُرَّ كَمَنْ بِالْحَرَمِ) إذَا (اُضْطُرَّ لِذَبْحِ صَيْدٍ) فَلَهُ ذَبْحُهُ وَأَكْلُهُ (مَيْتَةً فَيَحِقُّ غَيْرُهُ فَلَا يُبَاحُ إلَّا لِمَنْ يُبَاحُ لَهُ أَكْلُهَا) أَيْ الْمَيْتَةِ بِأَنْ يَكُونَ مُضْطَرًّا وَإِنْ رَمَى مَحَلَّ صَيْدًا ثُمَّ أَحْرَمَ قَبْلَ إصَابَتِهِ ضَمِنَهُ، لَا إنْ رَمَاهُ مُحْرِمًا ثُمَّ حَلَّ قَبْلَ إصَابَتِهِ اعْتِبَارًا بِحَالَةِ الْإِصَابَةِ فِيهِمَا
(السَّابِعُ: عَقْدُ النِّكَاحِ) فَيَحْرُمُ وَلَا يَصِحُّ مِنْ مُحْرِمٍ فَلَوْ تَزَوَّجَ مُحْرِمٌ، أَوْ زَوَّجَ، أَوْ كَانَ وَلِيًّا، أَوْ وَكِيلًا فِيهِ لَمْ يَصِحَّ نَصًّا تَعَمَّدَهُ أَوْ لَا لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ عُثْمَانَ مَرْفُوعًا «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ» وَلِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ: إنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَهُوَ مُحْرِمٌ فَرَدَّ عُمَرُ نِكَاحَهُ وَعَنْ عَلِيٍّ وَزَيْدٍ مَعْنَاهُ رَوَاهُمَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ يَمْنَعُ الْوَطْءَ وَدَوَاعِيهِ، فَيَمْنَعُ عَقْدَ النِّكَاحِ كَالْعِدَّةِ (إلَّا فِي حَقِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَلَيْسَ مَحْظُورًا لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «تَزَوَّجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لَكِنْ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عَنْ مَيْمُونَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ قَالَ: وَكَانَتْ خَالَتِي وَخَالَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ» وَلِأَبِي دَاوُد «وَتَزَوَّجَنِي وَنَحْنُ حَلَالَانِ بِسَرِفٍ» وَلِأَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ عَنْ أَبِي رَافِعٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ حَلَالًا وَبَنَى بِهَا حَلَالًا وَكُنْت الرَّسُولَ بَيْنَهُمَا» . قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: إنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَوْهَلَ، أَوْ قَالَ: أَوْهَمَ رَوَاهُمَا الشَّافِعِيُّ أَيْ سَبَقَ وَهْمُهُ إلَى ذَلِكَ وَكَذَا
نَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ أَخْطَأَ ثُمَّ قِصَّةُ مَيْمُونَةَ مُعَارَضَةٌ، وَحَدِيثُ عُثْمَانَ لَا مُعَارِضَ لَهُ فَإِنْ ثَبَتَ فِعْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ خَاصٌّ بِهِ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ (وَلَا فِدْيَةَ فِيهِ) لِأَنَّهُ عَقْدٌ فَاسِدٌ لِلْإِحْرَامِ كَشِرَاءِ الصَّيْدِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْإِحْرَامُ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا (وَتُعْتَبَرُ حَالَتُهُ) أَيْ الْعَقْدِ، لَا حَالَةَ تَوْكِيلٍ (فَلَوْ وَكَّلَ مُحْرِمٌ حَلَالًا صَحَّ عَقْدُهُ) أَيْ الْوَكِيلِ (بَعْدَ حِلِّ مُوَكِّلِهِ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا حَلَالٌ حَالَ الْعَقْدِ (وَلَوْ وَكَّلَهُ) أَيْ الْحَلَالُ فِي الْعَقْدِ (حَلَالًا، فَأَحْرَمَ مُوَكِّلٌ فَعَقَدَهُ الْوَكِيلُ حَالَ إحْرَامِهِ) أَيْ الْمُوَكِّلِ (لَمْ يَصِحَّ) الْعَقْدُ لِلْخَبَرِ (وَلَمْ يَنْعَزِلْ وَكِيلُهُ) أَيْ الْحَلَالُ فِي الْعَقْدِ (بِإِحْرَامِهِ) أَيْ الْمُوَكِّلِ (فَإِذَا حَلَّ عَقَدَهُ) وَكِيلُهُ لِزَوَالِ الْمَانِعِ (وَلَوْ) وَقَعَ الْعَقْدُ ثُمَّ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فَ (قَالَ) الزَّوْجُ (عَقَدَ قَبْلَ إحْرَامِي) وَقَالَتْ الزَّوْجَةُ بَعْدَهُ (قُبِلَ) قَوْلُ الزَّوْجِ لِدَعْوَاهُ صِحَّةَ الْعَقْدِ ثُمَّ إنْ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَكَانَ أَقْبَضَهَا نِصْفَ الْمَهْرِ لَا رُجُوعَ لَهُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَقْبَضَهَا فَلَا طَلَبَ لَهَا بِهِ لِتَضَمُّنِ دَعْوَاهَا أَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّهُ لِفَسَادِ الْعَقْدِ (وَكَذَا إنْ عَكَسَ) فَقَالَتْ: عَقَدَ قَبْلَ إحْرَامِك، وَقَالَ: بَعْدَهُ، فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَمْلِكُ فَسْخَهُ فَقُبِلَ إقْرَارُهُ بِهِ (لَكِنْ يَلْزَمُ نِصْفُ الْمَهْرِ) فِي الثَّانِيَةِ لِأَنَّ إقْرَارَهُ عَلَيْهَا غَيْرُ مَقْبُولٍ (وَيَصِحُّ) النِّكَاحُ (مَعَ جَهْلِهِمَا) أَيْ الزَّوْجَيْنِ (وُقُوعَهُ) بِأَنْ جَهِلَا هَلْ وَقَعَ حَالَ إحْرَامِ أَحَدِهِمَا أَوْ إحْلَالِهِمَا لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ عُقُودِ الْمُسْلِمِينَ الصِّحَّةُ (وَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ: تَزَوَّجْتُك وَقَدْ حَلَلْت، وَقَالَتْ: بَلْ وَأَنَا مُحْرِمَةٌ صُدِّقَ) الزَّوْجُ لِمَا تَقَدَّمَ (وَتُصَدَّقُ هِيَ فِي نَظِيرَتِهَا فِي الْعِدَّةِ) بِأَنْ قَالَ الزَّوْجُ: تَزَوَّجْتُك بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِك، وَقَالَتْ لَهُ: بَلْ قَبْلَهُ، وَلَمْ تُمَكِّنْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَقَوْلُهَا لِأَنَّهَا مُؤْتَمَنَةٌ عَلَى نَفْسِهَا (وَمَتَى أَحْرَمَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ امْتَنَعَتْ مُبَاشَرَتُهُ) أَيْ الْمُحْرِمِ مِنْهُمَا (لَهُ) أَيْ: النِّكَاحِ لِلْخَبَرِ فَلَا يَعْقِدُهُ لِنَفْسِهِ وَ (لَا) بِوِلَايَةٍ عَامَّةٍ وَلَا تَمْتَنِعُ مُبَاشَرَةُ (نُوَّابِهِ) لِلنِّكَاحِ بِإِحْرَامِهِ (بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ) فَلَهُمْ إذَا كَانُوا حَلَالًا تَزْوِيجُ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ فِيهِ حَرَجٌ بِخِلَافِ نَائِبِهِ فِي تَزْوِيجِ نَحْوِ ابْنَتِهِ فَلَيْسَ لَهُ عَقْدُهُ بَعْدَ إحْرَامِهِ حَتَّى يَحِلَّ وَأَمَّا تَزْوِيجُ نُوَّابِهِ لِنَحْوِ بَنَاتِهِمْ وَأَخَوَاتِهِمْ إذَا كَانُوا حَلَالًا فَصَحِيح لِأَنَّهُ لَا نِيَابَةَ لَهُمْ عَنْهُ فِيهِ (وَتُكْرَهُ خِطْبَةُ مُحْرِمٍ) بِكَسْرِ الْخَاءِ أَيْ أَنْ يَخْطُبَ امْرَأَةً أَوْ يَخْطُبَ حَلَالٌ مُحْرِمَةً لِحَدِيثِ عُثْمَانَ مَرْفُوعًا «لَا يُنْكَحُ لِمُحْرِمٍ وَلَا يَنْكِحُ وَلَا يَخْطُبُ» (كَ) مَا يُكْرَهُ لَهُ (خِطْبَةُ عُقْدَةٍ) أَيْ النِّكَاحِ وَتَأْتِي لِدُخُولِهَا فِي عُمُومِ " وَلَا
يَخْطُبُ " (وَ) كَمَا يُكْرَهُ لَهُ (حُضُورُهُ وَشَهَادَتُهُ فِيهِ) أَيْ النِّكَاحِ بَيْنَ حَلَالَيْنِ نَقَلَ حَنْبَلٌ لَا يَخْطُبُ قَالَ مَعْنَاهُ: لَا يَشْهَدُ النِّكَاحَ وَ (لَا) تُكْرَهُ (رَجْعَتُهُ) أَيْ الْمُحْرِمِ لِمُطَلَّقَتِهِ الرَّجْعِيَّةِ لِأَنَّهَا إمْسَاكٌ وَلِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ مُبَاحَةٌ قَبْلَ الرَّجْعَةِ فَلَا إحْلَالَ، وَكَالتَّكْفِيرِ لِلْمُظَاهِرِ (وَلَا شِرَاءُ أَمَةٍ لِوَطْءٍ) لِأَنَّ الشِّرَاءَ وَاقِعٌ عَلَى عَيْنِهَا، وَهِيَ تُرَادُ لِلْوَطْءِ وَغَيْرِهِ وَلِذَلِكَ صَحَّ شِرَاءُ نَحْوِ الْمَجُوسِيَّةِ بِخِلَافِ عَقْدِ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ عَلَى مَنْفَعَةِ الْبُضْعِ خَاصَّةً وَلِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ نِكَاحُ نَحْوِ مَجُوسِيَّةٍ
(الثَّامِنُ: وَطْءٌ يُوجِبُ الْغُسْلَ) وَهُوَ تَغْيِيبُ حَشَفَةٍ أَصْلِيَّةٍ فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ، قُبُلًا كَانَ أَوْ دُبُرًا مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة: 197] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الْجِمَاعُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: 187] (وَهُوَ) أَيْ الْوَطْءُ (يُفْسِدُ النُّسُكَ قَبْلَ تَحَلُّلٍ أَوَّلَ) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا وَلَوْ بَعْدَ وُقُوفٍ نَصًّا لِأَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ قَضَوْا بِفَسَادِ الْحَجِّ وَلَمْ يَسْتَفْصِلُوا وَحَدِيثُ «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» أَيْ قَارَبَهُ وَأَمِنَ فَوَاتَهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ عَامِدٍ وَنَاسٍ وَجَاهِلٍ وَعَالِمٍ وَمُكْرَهٍ وَغَيْرِهِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَعَلَيْهِمَا) أَيْ الْوَاطِئِ وَالْمَوْطُوءَةِ (الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ) أَيْ النُّسُكِ وَلَا يُخْرَجُ مِنْهُ بِالْوَطْءِ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَحُكْمُهُ كَالْإِحْرَامِ الصَّحِيح لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] وَرُوِيَ مَرْفُوعًا " أُمِرَ الْمُجَامِعُ بِذَلِكَ " وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يَجِبُ بِهِ الْقَضَاءُ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ كَالْفَوَاتِ فَيُفْعَلُ بَعْدَ الْإِفْسَادِ كَمَا كَانَ يُفْعَلُ قَبْلَهُ مِنْ وُقُوفٍ وَغَيْرِهِ وَيَجْتَنِبُ مَا يَجْتَنِبُهُ قَبْلَهُ مِنْ وَطْءٍ وَغَيْرِهِ، وَيُفْدَى لِمَحْظُورٍ فَعَلَهُ بَعْدَهُ (وَيَقْضِي) مَنْ فَسَدَ نُسُكُهُ بِالْوَطْءِ، كَبِيرًا كَانَ أَوْ صَغِيرًا نَصًّا، وَاطِئًا أَوْ مَوْطُوءًا فَرْضًا كَانَ الَّذِي أَفْسَدَهُ أَوْ نَفْلًا (فَوْرًا) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ " فَإِذَا أَدْرَكْت قَابِلًا حُجَّ وَاهْدِ " وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مِثْلُهُ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْأَثْرَمُ وَزَادَ " وَحِلَّ إذَا حَلُّوا فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ فَاحْجُجْ أَنْتَ وَامْرَأَتَك وَاهْدِيَا هَدْيًا فَإِنْ لَمْ تَحُجُّوا فَصُومَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمَا " (إنْ كَانَ) الْمُفْسِدُ نُسُكَهُ (مُكَلَّفًا) لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ فِي التَّأْخِيرِ (وَإِلَّا) يَكُنْ مُكَلَّفًا، بَلْ بَلَغَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحِجَّةِ الْفَاسِدَةِ (فَيَقْضِي بَعْدَ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ فَوْرًا) لِزَوَالِ عُذْرِهِ وَيُحْرِمُ مَنْ أَفْسَدَ نُسُكَهُ فِي الْقَضَاءِ (مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ أَوَّلًا) بِمَا فَسَدَ (إنْ كَانَ) إحْرَامُهُ بِهِ (قَبْلَ مِيقَاتٍ) لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ وَلِأَنَّ دُخُوله فِي النُّسُكِ سَبَبٌ لِوُجُوبِهِ فَيَتَعَلَّقُ
بِمَوْضِعِ الْإِيجَابِ كَالنَّذْرِ (وَإِلَّا) يَكُنْ أَحْرَمَ بِمَا فَسَدَ قَبْلَ مِيقَاتٍ، بَلْ أَحْرَمَ مِنْهُ أَوْ دُونَهُ إلَى مَكَّةَ (فَ) إنَّهُ يُحْرِمُ (مِنْهُ) أَيْ الْمِيقَاتِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ مُجَاوَزَتُهُ بِلَا إحْرَامٍ
(وَمَنْ أَفْسَدَ الْقَضَاءَ) فَوَطِئَ فِيهِ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ (قَضَى الْوَاجِبَ) الَّذِي عَلَيْهِ بِإِفْسَادِ الْأَوَّلِ وَ (لَا) يَقْضِي (الْقَضَاءَ) كَقَضَاءِ صَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ أَفْسَدَهُ وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَزْدَادُ بِقُوَّتِهِ بَلْ يَبْقَى عَلَى مَا كَانَ (وَنَفَقَةُ قَضَاءِ) نُسُكِ (مُطَاوِعَةٍ) عَلَى وَطْءٍ (عَلَيْهَا) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ " وَاهْدِيَا هَدْيًا " أَضَافَ الْفِعْلَ إلَيْهِمَا وَقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَهْدِ نَاقَةً وَلْتُهْدِ نَاقَةً " وَلِإِفْسَادِهَا نُسُكًا بِمُطَاوَعَتِهَا أَشْبَهَتْ الرَّجُلَ.
(وَ) نَفَقَةُ قَضَاءِ نُسُكِ (مُكْرَهَةٍ عَلَى مُكْرِهٍ) وَلَوْ طَلَّقَهَا لِإِفْسَادِهِ نُسُكِهَا كَنَفَقَةِ نُسُكِهِ وَقِيَاسُهُ: لَوْ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَ نَائِمٍ فَعَلَيْهَا نَفَقَةُ قَضَائِهِ
(وَسُنَّ تَفَرُّقُهُمَا) أَيْ وَاطِئٍ وَمَوْطُوءَةٍ (فِي قَضَاءٍ مِنْ مَوْضِعِ وَطْءٍ فَلَا يَرْكَبُ مَعَهَا فِي مَحْمَلٍ وَلَا يَنْزِلُ مَعَهَا فِي فُسْطَاطٍ) أَيْ بَيْتِ شَعْرٍ (وَلَا نَحْوِهِ) كَخَيْمَةٍ (إلَى أَنْ يَحِلَّا) مِنْ إحْرَامِ الْقَضَاءِ لِحَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «أَنَّ رَجُلًا جَامَعَ امْرَأَتَهُ وَهُمَا مُحْرِمَانِ فَسَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهَا: أَتِمَّا حَجَّكُمَا ثُمَّ ارْجِعَا وَعَلَيْكُمَا حِجَّةٌ أُخْرَى مِنْ قَابِلٍ، حَتَّى إذَا كُنْتُمَا فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَصَبْتهَا فَأَحْرِمَا وَتَفَرَّقَا وَلَا يُؤَاكِلُ أَحَدٌ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ ثُمَّ أَتِمَّا مَنَاسِكَكُمَا وَاهْدِيَا» وَرَوَى سَعِيدٌ وَالْأَثْرَمُ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ.
(وَ) الْوَطْءُ (بَعْدَهُ) أَيْ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ (لَا يُفْسِدُ نُسُكَهُ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رَجُلٍ أَصَابَ أَهْلَهُ قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ يَوْمَ النَّحْرِ " يَنْحَرَانِ جَزُورًا بَيْنَهُمَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ حَجٌّ مِنْ قَابِلٍ " رَوَاهُ مَالِكٌ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ
(وَعَلَيْهِ) أَيْ الْوَاطِئِ بَعْدَ تَحَلُّلٍ أَوَّلَ (شَاةٌ) لِفَسَادِ إحْرَامِهِ (وَ) عَلَيْهِ (الْمُضِيُّ لِلْحِلِّ فَيُحْرِمُ) مِنْهُ يَجْمَعُ فِي إحْرَامِهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ (لِيَطُوفَ) لِلزِّيَارَةِ (مُحْرِمًا) لِأَنَّ الْحَجَّ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ لِأَنَّهُ رُكْنٌ ثُمَّ يَسْعَى إنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى قَبْلَ الْحَجِّ وَتَحَلَّلَ (وَعُمْرَةٌ) وَطِئَ فِيهَا (كَحَجٍّ) فِيمَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ (فَيُفْسِدُهَا) وَطْءٌ (قَبْلَ تَمَامِ سَعْيٍ لَا بَعْدَهُ) أَيْ السَّعْيِ (وَقَبْلَ حَلْقٍ) لِأَنَّهُ بَعْدَ تَحَلُّلٍ أَوَّلَ (وَعَلَيْهِ) بِوَطْئِهِ فِي عُمْرَةٍ (شَاةٌ) لِنَقْصِ حُرْمَةِ إحْرَامِهَا عَنْ الْحَجِّ، لِنَقْصِ أَرْكَانِهَا وَدُخُولِهَا فِيهِ إذَا جَامَعَتْهُ، سَوَاءٌ وَطِئَ قَبْلَ تَمَامِ السَّعْيِ أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ الْحَلْقِ (وَلَا فِدْيَةَ عَلَى مُكْرَهَةٍ) فِي وَطْءٍ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ لِحَدِيثِ «وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» وَمِثْلُهَا النَّائِمَةُ وَلَا يَلْزَمُ الْوَاطِئَ أَنْ يَفْدِيَ عَنْهُمَا أَيْ النَّائِمَةِ وَالْمُكْرَهَةِ
(التَّاسِعُ: الْمُبَاشَرَةُ)
مِنْ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ (فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ لِشَهْوَةٍ) لِلَذَّةٍ وَاسْتِدْعَاءِ الشَّهْوَةِ الْمُنَافِي لِلْإِحْرَامِ (وَلَا تُفْسِدُ) الْمُبَاشَرَةُ (النُّسُكَ) وَلَوْ أَنْزَلَ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ وَلَا إجْمَاعَ وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ لِأَنَّ نَوْعَهُ يُوجِبُ الْحَدَّ وَيَأْتِي تَفْصِيلُ مَا يَجِبُ بِهَا
[فَصْلٌ وَالْمَرْأَةُ إحْرَامُهَا فِي وَجْهِهَا]
لِحَدِيثِ «وَلَا تَتَنَقَّبُ الْمَرْأَةُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ (فَتُسْدِلُ) أَيْ تَضَعُ الثَّوْبَ فَوْقَ رَأْسِهَا وَتُرْخِيهِ عَلَى وَجْهِهَا (لِحَاجَةٍ) إلَى سَتْرِ وَجْهِهَا كَمُرُورِ أَجَانِبَ قَرِيبًا مِنْهَا لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا حَاذَوْنَا سَدَلَتْ إحْدَانَا جِلْبَابَهَا عَلَى وَجْهِهَا فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْأَثْرَمُ قَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا لَهَا أَنْ تُسْدِلَ عَلَى وَجْهِهَا مِنْ فَوْقُ وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَرْفَعَ الثَّوْبَ مِنْ أَسْفَلَ.
قَالَ الْمُوَفَّقُ: كَانَ الْإِمَامُ يَقْصِدُ أَنَّ النِّقَابَ مِنْ أَسْفَلِ وَجْهِهَا وَلَا يَضُرُّ مَسُّ الْمَسْدُولِ بَشَرَةِ وَجْهِهَا، خِلَافًا لِلْقَاضِي وَإِنَّمَا مُنِعَتْ مِنْ الْبُرْقُعِ وَالنِّقَابِ لِأَنَّهُ مُعَدٌّ لِسَتْرِ الْوَجْهِ وَمَتَى غَطَّتْهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ فَدَتْ
(وَتَحْرُمُ تَغْطِيَتُهُ) أَيْ وَجْهِ الْمُحْرِمَةِ وَيَجِبُ تَغْطِيَةُ رَأْسِهَا (وَلَا يُمْكِنُهَا تَغْطِيَةُ جَمِيعِ رَأْسِهَا إلَّا بِ) تَغْطِيَةِ (جُزْءٍ مِنْهُ) أَيْ الْوَجْهِ (وَلَا) يُمْكِنُهَا (كَشْفُ جَمِيعِهِ) أَيْ الْوَجْهِ (إلَّا بِ) كَشْفِ (جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ، فَسِتْرُ الرَّأْسِ كُلِّهِ أَوْلَى، لِكَوْنِهِ) أَيْ الرَّأْسِ (عَوْرَةً) فِي الْجُمْلَةِ (وَلَا يَخْتَصُّ سِتْرُهُ بِإِحْرَامٍ) وَكَشْفُ الْوَجْهِ بِخِلَافِهِ
(وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا) أَيْ الْمُحْرِمَةِ (مَا يَحْرُمُ عَلَى رَجُلٍ) مُحْرِمٍ، مِنْ إزَالَةِ شَعْرٍ وَظُفْرٍ وَطِيبٍ وَقَتْلِ صَيْدٍ وَغَيْرِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ لِأَنَّ الْخِطَابَ يَشْمَلُ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ (غَيْرَ لِبَاسٍ وَ) غَيْرَ (تَظْلِيلِ مَحْمِلٍ) لِحَاجَتِهَا إلَيْهِ لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ إلَّا وَجْهَهَا (وَيُبَاحُ لَهَا) أَيْ الْمُحْرِمَةِ (خَلْخَالٌ وَنَحْوُهُ مِنْ حُلِيٍّ) كَسِوَارٍ وَدُمْلُجٍ وَقُرْطٍ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَهَى النِّسَاءَ فِي إحْرَامِهِنَّ عَنْ الْقُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ، وَمَا مَسَّ الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ مِنْ الثِّيَابِ وَلْيَلْبَسْنَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحْبَبْنَ مِنْ أَلْوَانِ الثِّيَابِ مِنْ مُزَعْفَرٍ أَوْ حُلِيٍّ» (وَيُسَنُّ لَهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ (الْخِضَابُ) بِحِنَّاءٍ (عِنْدَ الْإِحْرَامِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «مِنْ السُّنَّةِ أَنْ تُدَلِّكَ الْمَرْأَةُ يَدَيْهَا فِي حِنَّاءٍ» وَلِأَنَّهُ مِنْ الزِّينَةِ فَاسْتُحِبَّ لَهَا كَالطِّيبِ (وَكُرِهَ) خِضَابٌ (بَعْدَهُ) أَيْ الْإِحْرَامِ مَا دَامَتْ مُحْرِمَةً لِأَنَّهُ مِنْ الزِّينَةِ أَشْبَهَ الْكُحْلَ بِالْإِثْمِدِ وَتُسْتَحَبُّ فِي غَيْرِ
إحْرَامٍ لِمُزَوَّجَةٍ
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَغَيْرِهَا: وَيُكْرَهُ لِأَيِّمٍ قَالَ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَجَمَاعَةٌ: وَلَا بَأْسَ بِهِ لِرَجُلٍ فِيمَا لَا تَشَبُّهَ فِيهِ بِالنِّسَاءِ (وَإِذَا شَدَّتْ يَدَيْهَا بِخَرِقَةٍ فَدَتْ) لِسِتْرِهَا لَهُمَا بِمَا يَخْتَصُّ بِهِمَا أَشْبَهَ الْقُفَّازَيْنِ، وَكَشَدِّ الرَّجُلِ شَيْئًا عَلَى جَسَدِهِ فَإِنْ لَفَّتْهُمَا مِنْ غَيْرِ شَدٍّ فَلَا فِدْيَةَ، لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ الشَّدُّ لَا التَّغْطِيَةُ كَبَدَنِ الرَّجُلِ (وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمَا) أَيْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ (لُبْسُ قُفَّازَيْنِ) لِلْخَبَرِ فِيهَا وَهُوَ أَوْلَى (وَهُمَا) أَيْ الْقُفَّازَانِ (شَيْءٌ يُعْمَلُ لِلْيَدَيْنِ) يُدْخَلَانِ فِيهِ لِيَسْتُرَهُمَا (كَمَا يُعْمَلُ لِلْبُزَاةِ وَيَفْدِيَانِ) أَيْ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ (بِلُبْسِهِمَا) أَيْ الْقُفَّازَيْنِ كَبَاقِي الْمَحْظُورَاتِ
(وَكُرِهَ لَهُمَا) أَيْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ (اكْتِحَالٌ بِإِثْمِدٍ وَنَحْوِهِ) مِنْ كُلِّ كُحْلٍ أَسْوَدَ (لِزِينَةٍ) لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ لِامْرَأَةٍ مُحْرِمَةٍ " اكْتَحِلِي بِأَيِّ كُحْلٍ شِئْتِ غَيْرَ الْإِثْمِدِ أَوْ الْأَسْوَدِ " وَ (لَا) يُكْرَهُ اكْتِحَالُهُمَا بِذَلِكَ (لِغَيْرِهَا) أَيْ الزِّينَةِ، كَوَجَعِ عَيْنٍ لِحَاجَةٍ (وَلَهُمَا) أَيْ لِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مُحْرِمَيْنِ (لُبْسُ مُعَصْفَرٍ) أَيْ مَصْبُوغٍ بِعُصْفُرٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ وَلَا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِهِ وَشَمِّهِ.
(وَ) لَهُمَا لُبْسُ (كُحْلِيٍّ) وَكُلِّ مَصْبُوغٍ بِغَيْرِ وَرْسٍ أَوْ زَعْفَرَانٍ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ، إلَّا مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَحْرِيمِهِ، أَوْ كَانَ فِي مَعْنَاهُ.
(وَ) لَهُمَا (قَطْعُ رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ بِغَيْرِ طِيبٍ) لِمَا تَقَدَّمَ، بَلْ هَذَا مَطْلُوبٌ (وَ) لَهُمَا (اتِّجَارٌ وَعَمَلُ صَنْعَةٍ مَا لَمْ يُشْغِلَا) أَيْ الِاتِّجَارُ وَعَمَلُ الصَّنْعَةِ (عَنْ وَاجِبٍ أَوْ مُسْتَحَبٍّ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ " كَانَتْ عُكَاظُ وَمِجَنَّةُ وَذُو الْمَجَازِ أَسْوَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَتَأَثَّمُوا أَنْ يَتَّجِرُوا فِي الْمَوَاسِمِ فَنَزَلَتْ ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: 198] فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
(وَ) لَهُمَا (نَظَرٌ فِي مِرْآةٍ لِحَاجَةٍ كَإِزَالَةِ شَعْرٍ بِعَيْنٍ) دَفْعًا لِضَرَرِهِ (وَكُرِهَ) نَظَرُهُمَا فِي مِرْآةٍ (لِزِينَةٍ) وَلَا يُصْلِحُ الْمُحْرِمُ شَعَثًا وَلَا يَنْفُضُ عَنْهُ غُبَارًا لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُبَاهِي الْمَلَائِكَةَ بِأَهْلِ عَرَفَةَ اُنْظُرُوا إلَى عِبَادِي، أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ
(وَلَهُ) أَيْ الرَّجُلِ الْمُحْرِمِ (لُبْسُ خَاتَمٍ) مُبَاحٍ مِنْ فِضَّةٍ أَوْ عَقِيقٍ وَنَحْوِهِ لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " لَا بَأْسَ بِالْهِمْيَانِ وَالْخَاتَمِ لِلْمُحْرِمِ ".
وَفِي رِوَايَةٍ " رُخِّصَ لِلْمُحْرِمِ الْهِمْيَانُ وَالْخَاتَمُ " وَلَهُ أَيْضًا خِتَانٌ، وَرَبْطُ جُرْحٍ، وَقَطْعُ عُضْوٍ عِنْدَ حَاجَةٍ وَحِجَامَةٌ (وَيَجْتَنِبَانِ) أَيْ الْمُحْرِمُ وَالْمُحْرِمَةُ وُجُوبًا (الرَّفَثَ) أَيْ الْجِمَاعَ كَمَا تَقَدَّمَ (وَالْفُسُوقَ) أَيْ السِّبَابَ وَقِيلَ: الْمَعَاصِي (وَالْجِدَالَ) وَهُوَ الْمِرَاءُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " هُوَ أَنْ تُمَارِيَ صَاحِبَكَ حَتَّى
تُغْضِبَهُ " (وَيُسَنُّ قِلَّةُ كَلَامِهِمَا) أَيْ الْمُحْرِمِ وَالْمُحْرِمَةِ (إلَّا فِيمَا يَنْفَعُ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْهُ مَرْفُوعًا «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ
[بَابُ الْفِدْيَةِ]
ِ وَبَيَانُ أَقْسَامِهَا وَأَحْكَامِهَا وَهِيَ مَصْدَرُ فَدَى يَفْدِي فِدَاءً وَشَرْعًا (مَا يَجِبُ بِسَبَبِ نُسُكٍ) كَدَمِ تَمَتُّعٍ أَوْ قِرَانٍ أَوْ وَاجِبٍ بِفِعْلٍ مَحْظُورٍ فِي إحْرَامٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ (أَوْ) بِسَبَبِ (حَرَمٍ) كَصَيْدِ الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ وَنَبَاتِهِ (وَهِيَ) أَيْ الْفِدْيَةُ (ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ) لَكِنَّ الثَّالِثَ لَا يَخْرُجُ عَنْ الضَّرْبَيْنِ قَبْلَهُ (ضَرْبٌ) يَجِبُ (عَلَى التَّخْيِيرِ وَهُوَ نَوْعَانِ نَوْعٌ) مِنْهُمَا (يُخَيَّرُ فِيهِ) خَرَجَ (بَيْنَ ذَبْحِ شَاةٍ، أَوْ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ إطْعَامِ سِتَّةِ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ) مِنْهُمْ (مُدُّ بُرٍّ، أَوْ نِصْفُ صَاعِ تَمْرٍ، أَوْ) نِصْفُ صَاعِ (شَعِيرٍ) أَوْ زَبِيبٍ أَوْ أَقِطٍ وَمِمَّا يَأْكُلُهُ أَفْضَلُ
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِإِدَامٍ (وَهِيَ فِدْيَةُ لُبْسِ مَخِيطٍ وَطِيبٍ وَتَغْطِيَةِ رَأْسِ) ذَكَرٍ، أَوْ وَجْهِ أُنْثَى (وَإِزَالَةِ أَكْثَرَ مِنْ شَعْرَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ظُفْرَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ ; فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196] وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ «لَعَلَّ أَذَاك هَوَامُّ رَأْسِك؟ قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: احْلِقْ رَأْسَك وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ أَوْ اُنْسُكْ شَاةً» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَفْظَةُ (أَوْ) لِلتَّخْيِيرِ وَخُصَّتْ الْفِدْيَةُ بِالثَّلَاثَةِ لِأَنَّهَا جَمْعٌ وَاعْتُبِرَتْ فِي مُوَاضِعَ بِخِلَافِ رُبْعِ الرَّأْسِ وَقِيسَ عَلَى الْحَلْقِ بَاقِي الْمَذْكُورَاتِ لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا فِيهِ لِلتَّرَفُّهِ أَشْبَهَتْ الْحَلْقَ، وَغَيْرُ الْمَعْذُورِ ثَبَتَ الْحُكْمُ فِيهِ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لَهُ
النَّوْعُ (الثَّانِي جَزَاءُ الصَّيْدِ يُخَيَّرُ فِيهِ) مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ (بَيْنَ) ذَبْحٍ (مِثْلِ) الصَّيْدِ مِنْ النَّعَمِ، وَإِعْطَائِهِ لِفُقَرَاءِ الْحَرَمِ، أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ فَلَا يَخْتَصُّ بِأَيَّامِ النَّحْرِ وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ حَيًّا (أَوْ تَقْوِيمُهُ) أَيْ الْمِثْلِ (بِمَحِلِّ التَّلَفِ لِلصَّيْدِ وَبِقُرْبِهِ) أَيْ مَحِلِّ التَّلَفِ (بِدَرَاهِمَ مَثَلًا يَشْتَرِي بِهَا) أَيْ الدَّرَاهِمِ الَّتِي هِيَ قِيمَةُ الْمِثْلِ (طَعَامًا) نَصًّا لِأَنَّ كُلَّ مِثْلِيٍّ قُوِّمَ إنَّمَا يُقَوَّمُ مِثْلُهُ، كَمَالِ الْآدَمِيِّ
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالدَّرَاهِمِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَذْكُورَاتِ فِي الْآيَةِ (يُجْزِئُ) إخْرَاجُهُ (فِي فِطْرَةٍ كَوَاجِبٍ فِي فِدْيَةِ أَذًى وَكَفَّارَةٍ) وَهُوَ الْبُرُّ، وَالشَّعِيرُ، وَالتَّمْرُ، وَالزَّبِيبُ وَالْأَقِطُ وَلَهُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ طَعَامٍ عِنْدَهُ يَعْدِلُ ذَلِكَ (فَيُطْعِمَ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدَّ بُرٍّ، أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ) مِنْ تَمْرٍ، أَوْ زَبِيبٍ، أَوْ شَعِيرٍ، أَوْ أَقِطٍ (أَوْ يَصُومَ عَنْ طَعَامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: 95] (وَإِنْ بَقِيَ دُونَهُ) أَيْ طَعَامِ مِسْكِينٍ (صَامَ) عَنْهُ (يَوْمًا) كَامِلًا لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَتَبَعَّضُ وَلَا يَجِبُ تَتَابُعُ الصَّوْمِ
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصُومَ عَنْ بَعْضِ الْجَزَاءِ وَيُطْعِمَ عَنْ بَعْضِهِ نَصًّا لِأَنَّهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ كَبَاقِي الْكَفَّارَاتِ (وَيُخَيَّرُ فِيمَا) أَيْ صَيْدٍ (لَا مِثْلَ لَهُ) مِنْ النَّعَمِ إذَا قَتَلَهُ (بَيْنَ إطْعَامٍ) مَا اشْتَرَاهُ بِقِيمَتِهِ، أَوْ إخْرَاجِهِ عَنْهَا مِنْ طَعَامِهِ مَا يَعْدِلُهَا (وَصِيَامٍ) كَمَا تَقَدَّمَ لِتَعَذُّرِ الْمِثْلِ
الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ الْفِدْيَةِ مَا يَجِبُ (مُرَتَّبًا وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ أَحَدُهَا: دَمُ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ فَيَجِبُ هَدْيٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] " وَقِيسَ عَلَيْهِ الْقَارِنُ وَتَقَدَّمَ وَإِذَا عَدِمَهُ) أَيْ الْهَدْيَ مُتَمَتِّعٌ، أَوْ قَارِنٌ بِأَنْ لَمْ يَجِدْهُ (أَوْ) عَدِمَ (ثَمَنَهُ
وَلَوْ وَجَدَ مَنْ يُقْرِضُهُ) نَصًّا لِأَنَّ الظَّاهِرَ اسْتِمْرَارُ عُسْرَتِهِ وَلَوْ قَدَرَ عَلَى الشِّرَاءِ بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِ، وَهُوَ مُوسِرٌ بِبَلَدِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَكَرَهُ فِي الْقَوَاعِدِ (صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ: ثَلَاثَةَ) أَيَّامٍ (فِي الْحَجِّ) أَيْ وَقْتِهِ لِأَنَّ الْحَجَّ أَفْعَالٌ لَا يُصَامُ فِيهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197] أَيْ فِيهَا (وَالْأَفْضَلُ كَوْنُ آخِرِهَا) أَيْ الثَّلَاثَةِ (يَوْمَ عَرَفَةَ) نَصًّا فَيُقَدِّمُ الْإِحْرَامَ لِيَصُومَهَا فِي إحْرَامِ الْحَجِّ وَاسْتُحِبَّ لَهُ هُنَا صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ لِمَوْضِعِ الْحَاجَةِ (وَلَهُ تَقْدِيمُهَا) أَيْ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ قَبْلَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ فَيَصُومُهَا (فِي إحْرَامِ الْعُمْرَةِ) لِأَنَّهُ أَحَدُ إحْرَامَيِ التَّمَتُّعِ فَجَازَ فِيهِ الصَّوْمُ كَإِحْرَامِ الْحَجِّ وَلِجَوَازِ تَقْدِيمِ الْوَاجِبِ عَلَى وَقْتِ وُجُوبِهِ إذَا وُجِدَ سَبَبُ الْوُجُوبِ، كَالْكَفَّارَةِ بَعْدَ الْحَلِفِ قَبْلَ الْحِنْثِ وَسَبَبُ الْوُجُوبِ هُنَا قَدْ وُجِدَ وَهُوَ الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَوْمُهَا، قَبْلَ إحْرَامِ عُمْرَةٍ
(وَوَقْتُ وُجُوبِهَا) أَيْ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَيْ صَوْمِهَا (كَ) وَقْتِ وُجُوبِ (هَدْيٍ) لِأَنَّهَا بَدَلُهُ وَتَقَدَّمَ: يَجِبُ بِطُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ.
(وَ) صَامَ (سَبْعَةَ) أَيَّامٍ (إذَا رَجَعَ لِأَهْلِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ [النساء: 92] أَيْ هَدْيًا ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ، تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: 196] (وَإِنْ صَامَهَا) أَيْ السَّبْعَةَ أَيَّامٍ
(قَبْلَ) رُجُوعِهِ إلَى أَهْلِهِ (بَعْدَ إحْرَامٍ بِحَجٍّ) وَفَرَاغِهِ مِنْهُ (أَجْزَأَهُ) صَوْمُهَا
وَالْأَفْضَلُ إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ (لَكِنْ لَا يَصِحُّ) صَوْمُ شَيْءٍ مِنْهَا (أَيَّامَ مِنًى) نَصًّا لِبَقَاءِ أَعْمَالٍ مِنْ الْحَجِّ قَالُوا: لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] أَيْ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ وَيَجُوزُ صَوْمُهَا بَعْدَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
قَالَ الْقَاضِي: إذَا كَانَ قَدْ طَافَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ وَيَصِحُّ فِي صَوْمِ الثَّلَاثَةِ أَيَّامِ مِنًى وَتَقَدَّمَ (وَمَنْ لَمْ يَصُمْ الثَّلَاثَةَ فِي أَيَّامِ مِنًى) وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ (صَامَ) بَعْدَ ذَلِكَ (عَشَرَةً) كَامِلَةً (وَعَلَيْهِ دَمٌ) لِتَأْخِيرِهِ وَاجِبًا مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ عَنْ وَقْتِهِ كَتَأْخِيرِ رَمْيِ جِمَارٍ عَنْهَا (مُطْلَقًا) أَيْ لِعُذْرٍ وَغَيْرِهِ (وَكَذَا إنْ أَخَّرَ الْهَدْيِ عَنْ أَيَّامِ النَّحْرِ بِلَا عُذْرٍ) فَيَلْزَمُهُ دَمٌ بِتَأْخِيرِهِ لِذَلِكَ لِمَا مَرَّ (وَلَا يَجِبُ تَتَابُعٌ وَلَا تَفْرِيقٌ فِي صَوْمِ الثَّلَاثَةِ وَلَا) فِي صَوْمِ (السَّبْعَةِ وَلَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَالسَّبْعَةِ إذَا قَضَاهَا)
وَكَذَا لَوْ صَامَ الثَّلَاثَةَ أَيَّامَ مِنًى وَأَتْبَعَهَا بِالسَّبْعَةِ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِهَا مُطْلَقٌ فَلَا يَقْتَضِي جَمْعًا وَلَا تَفْرِيقًا (وَلَا يَلْزَمُ مَنْ قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ بَعْدَ وُجُوبِ صَوْمٍ) بِأَنْ كَانَ يَعُدَّ يَوْمَ النَّحْرِ (انْتِقَالٌ عَنْهُ) أَيْ الصَّوْمِ (شُرِعَ فِيهِ) أَيْ الصَّوْمُ (أَوَّلًا) اعْتِبَارًا بِوَقْتِ الْوُجُوبِ، فَقَدْ اسْتَقَرَّ الصَّوْمُ فِي ذِمَّتِهِ فَإِنْ أَخْرَجَ الْهَدْيَ إذَنْ أَجْزَأَهُ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَإِنْ صَامَ قَبْلُ لِعُسْرَتِهِ ثُمَّ أَيْسَرَ وَقْتَ وُجُوبِهِ فَقَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: لَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ، وَإِطْلَاقُ الْأَكْثَرِينَ: يُخَالِفُهُ وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ تَصْرِيحٌ بِهِ ذَكَرَهُ فِي الْقَاعِدَةِ الْخَامِسَةِ
النَّوْعُ (الثَّانِي) مِنْ الضَّرْبِ الثَّانِي (الْمُحْصَرُ يَلْزَمُهُ هَدْيٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) هَدْيًا (صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ) بِنِيَّةِ التَّحَلُّلِ (ثُمَّ حَلَّ) قِيَاسًا عَلَى دَمِ تَمَتُّعٍ وَلَيْسَ لَهُ التَّحَلُّلُ قَبْلَ الذَّبْحِ أَوْ الصَّوْمِ (النَّوْعُ الثَّالِثُ) مِنْ الضَّرْبِ الثَّانِي (فِدْيَةُ الْوَطْءِ وَيَجِبُ بِهِ) أَيْ الْوَطْءِ (فِي حَجٍّ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ بَدَنَةٌ فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا) أَيْ الْبَدَنَةَ (صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ ثَلَاثَةً فِيهِ) أَيْ الْحَجِّ (وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ) أَيْ فَرَغَ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ، كَدَمِ مُتْعَةٍ، لِقَضَاءِ الصَّحَابَةِ (وَ) يَجِبُ بِوَطْءٍ (فِي عُمْرَةٍ شَاةٌ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ (وَالْمَرْأَةُ) إنْ طَاوَعَتْ (كَالرَّجُلِ) فِيمَا ذُكِرَ
(الضَّرْبُ الثَّالِثُ: دَمٌ وَجَبَ لِفَوَاتِ) الْحَجِّ إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ أَنَّ مَحَلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي (أَوْ) وَجَبَ لِ (تَرْكِ وَاجِبٍ) مِنْ وَاجِبَاتِ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَتَأْتِي (أَوْ) وَجَبَ (لِمُبَاشَرَةٍ دُونَ فَرْجٍ فَمَا أَوْجَبَ) مِنْهُ (بَدَنَةً كَمَا لَوْ بَاشَرَ دُونَ فَرْجٍ فَأَنْزَلَ أَوْ كَرَّرَ النَّظَرَ) فَأَنْزَلَ (أَوْ قَبَّلَ أَوْ لَمَسَ لِشَهْوَةٍ فَأَنْزَلَ)
أَيْ أَمْنَى (أَوْ اسْتَمْنَى فَأَمْنَى فَحُكْمُهَا) أَيْ الْبَدَنَةِ الْوَاجِبَةِ بِذَلِكَ (كَبَدَنَةِ وَطْءٍ) فِي فَرْجٍ قِيَاسًا عَلَيْهَا فَإِذَا وَجَدَهَا نَحَرَهَا، وَإِلَّا صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ ثَلَاثَةً فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ لِأَنَّهُ يُوجِبُ الْغُسْلَ، أَشْبَهَ الْوَطْءَ (وَمَا أَوْجَبَ) مِنْ ذَلِكَ (شَاةً، كَمَا لَوْ أَمَذَى بِذَلِكَ) أَيْ الْمُبَاشَرَةِ دُونَ الْفَرْجِ وَتَكْرَارُ النَّظَرِ وَالتَّقْبِيلِ وَاللَّمْسِ لِشَهْوَةٍ فَكَفِدْيَةٍ أَذًى (أَوْ بَاشَرَ وَلَمْ يُنْزِلْ، أَوْ أَمْنَى بِنَظْرَةٍ فَكَفِدْيَةِ أَذًى) لِمَا فِيهِ مِنْ التَّرَفُّهِ وَكَذَا لَوْ وَطِئَ فِي الْعُمْرَةِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَنْ وَقَعَ عَلَى امْرَأَةٍ فِي الْعُمْرَةِ قَبْلَ التَّقْصِيرِ " عَلَيْهِ فِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ " رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَكَذَا لَوْ وَطِئَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ فِي الْحَجِّ (وَخَطَأَ فِي الْكُلِّ) أَيْ كُلِّ مَا ذُكِرَ مِنْ مُبَاشَرَةٍ دُونَ فَرْجٍ، وَتَكْرَارِ نَظَرٍ، وَتَقْبِيلٍ وَلَمْسٍ لِشَهْوَةٍ، أَنْزَلَ أَوْ أَمَذَى أَوْ لَا (كَعَمْدٍ) فِي حُكْمِ الْفِدْيَةِ كَالْوَطْءِ (وَأُنْثَى مَعَ شَهْوَةٍ) فِيمَا سَبَقَ (كَرَجُلٍ) فِيمَا يَجِبُ مِنْ الْفِدْيَةِ كَالْوَطْءِ (وَمَا وَجَبَ) مِنْ فِدْيَةٍ (لِفَوَاتِ) حَجٍّ (أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ فَكَمُتْعَةٍ) تَجِبُ شَاةٌ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ لِأَنَّهُ تَرَكَ بَعْضَ مَا اقْتَضَاهُ إحْرَامُهُ أَشْبَهَ الْمُتَرَفِّهِ بِتَرْكِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ لَكِنْ لَا يُمْكِنُ فِي الْفَوَاتِ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ قَبْلَ النَّحْرِ ; لِأَنَّ الْفَوَاتَ إنَّمَا يَكُونُ بِطُلُوعِ فَجْرِهِ قَبْلَ الْوُقُوفِ (وَلَا شَيْءَ) أَيْ لَا فِدْيَةَ (عَلَى مَنْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ) لِحَدِيثِ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَتَكَلَّمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَا يُقَاسُ عَلَى تَكْرَارِ النَّظَرِ ; لِأَنَّهُ دُونَهُ فِي اسْتِدْعَاءِ الشَّهْوَةِ وَإِفْضَائِهِ إلَى الْإِنْزَالِ، وَيُخَالِفُهُ فِي التَّحْرِيمِ إذَا تَعَلَّقَ بِأَجْنَبِيَّةٍ، أَوْ فِي الْكَرَاهَةِ إذَا تَعَلَّقَ بِمُبَاحَةٍ فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ
[فَصْلٌ وَمَنْ كَرَّرَ مَحْظُورًا فِي إحْرَامِهِ]
ِ مِنْ جِنْسٍ غَيْرِ قَتْلِ صَيْدٍ (بِأَنْ حَلَقَ) شَعْرًا وَأَعَادَهُ (أَوْ قَلَّمَ) أَظْفَارَهُ وَأَعَادَهُ (أَوْ لَبِسَ) الْمَخِيطَ وَأَعَادَ لُبْسَهُ أَوْ غَيْرَهُ وَكَذَا لَوْ تَعَدَّدَ السَّبَبُ فَلَبِسَ لِبَرْدٍ ثُمَّ نَزَعَ أَوْ لَا ثُمَّ لَبِسَ لِنَحْوِ مَرَضٍ (أَوْ تَطَيَّبَ) وَأَعَادَهُ (أَوْ وَطِئَ وَأَعَادَهُ) بِالْمَوْطُوءَةِ أَوْ غَيْرِهَا (قَبْلَ التَّكْفِيرِ) عَنْ أَوَّلِ مَرَّةٍ فِي الْكُلِّ (فَ) عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ (وَاحِدَةٌ) لِلْكُلِّ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ لِحَلْقِ الرَّأْسِ فِدْيَةً وَاحِدَةً وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَا وَقَعَ فِي دُفْعَةٍ أَوْ دُفُعَاتٍ (وَإِلَّا) بِأَنْ كَفَّرَ لِلْمَرَّةِ الْأُولَى (لَزِمَهُ) كَفَّارَةٌ (أُخْرَى) لِلْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ لِعَدَمِ مَا يُسْقِطُهَا، كَمَا لَوْ حَلَفَ وَحَنِثَ وَإِذَا
لَبِسَ وَغَطَّى رَأْسَهُ وَلَبِسَ الْخُفَّ فَفِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّ الْجَمِيعَ جِنْسٌ وَاحِدٌ قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ.
(وَ) إنْ كَانَ الْمَحْظُورُ (مِنْ أَجْنَاسٍ) بِأَنْ حَلَقَ وَقَلَّمَ ظُفُرَهُ وَتَطَيَّبَ وَلَبِسَ مَخِيطًا (فَ) عَلَيْهِ (لِكُلِّ جِنْسٍ فِدَاءٌ) تَفَرَّقَتْ أَوْ اجْتَمَعَتْ لِأَنَّهَا مَحْظُورَاتٌ مُخْتَلِفَةُ الْأَجْنَاسِ، فَلَمْ تَتَدَاخَلْ أَجْزَاؤُهَا كَالْحُدُودِ الْمُخْتَلِفَةِ وَعَكْسُهُ إذَا كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ.
(وَ) عَلَيْهِ (فِي الصُّيُودِ وَلَوْ قُتِلَتْ مَعًا جَزَاءٌ بِعَدَدِهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] وَمِثْلُ الْمُتَعَدِّدِ لَا يَكُونُ مِثْلَ أَحَدِهَا
(وَيُكَفِّرُ) وُجُوبًا (مَنْ حَلَقَ) نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ مُكْرَهًا (أَوْ قَلَّمَ) أَظْفَارَهُ كَذَلِكَ (أَوْ وَطِئَ) أَوْ بَاشَرَ كَذَلِكَ وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا (أَوْ قَتَلَ صَيْدًا نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ مُكْرَهًا) أَوْ نَائِمًا قَلَعَ شَعْرَةً أَوْ صَوَّبَ رَأْسَهُ إلَى تَنُّورٍ فَأَحْرَقَ اللَّهَبُ شَعْرَهُ ; لِأَنَّهُ إتْلَافٌ فَاسْتَوَى عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ، كَإِتْلَافِ مَالِ آدَمِيٍّ وَلِأَنَّهُ تَعَالَى أَوْجَبَ الْفِدْيَةَ عَلَى مَنْ حَلَقَ لِأَذًى بِهِ وَهُوَ مَعْذُورٌ فَغَيْرُهُ أَوْلَى قَالَ الزُّهْرِيُّ: تَجِبُ الْفِدْيَةُ عَلَى قَاتِلِ الصَّيْدِ مُعْتَمِدًا بِالْكِتَابِ، وَعَلَى الْمُخْطِئِ بِالسُّنَّةِ
وَ (لَا) يُكَفِّرُ (مَنْ لَبِسَ) نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ مُكْرَهًا (أَوْ تَطَيَّبَ) فِي حَالٍ مِنْ ذَلِكَ (أَوْ غَطَّى رَأْسَهُ فِي حَالٍ مِنْ ذَلِكَ) لِحَدِيثِ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» وَلِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى رَدِّ هَذِهِ بِالْإِزَالَةِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهَا إتْلَافٌ (وَمَتَى زَالَ عُذْرُهُ) مِنْ نِسْيَانٍ أَوْ جَهْلٍ أَوْ إكْرَاهٍ (أَزَالَهُ) أَيْ اللِّبْسَ أَوْ الطِّيبَ أَوْ تَغْطِيَةَ الرَّأْسِ فَيَنْزِعُ مَا لَبِسَهُ وَيَغْسِلُ الطِّيبَ وَيَكْشِفُ رَأْسَهُ (فِي الْحَالِ) لِحَدِيثِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ وَفِيهِ «اخْلَعْ عَنْك هَذِهِ الْجُبَّةَ وَاغْسِلْ عَنْك أَثَرَ الْخَلُوقِ - أَوْ قَالَ - أَثَرَ الصُّفْرَةِ وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِك كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّك» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْفِدْيَةِ مَعَ سُؤَالٍ عَمَّا يَصْنَعُ وَتَأْخِيرُهُ الْبَيَانَ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ غَيْرُ جَائِزٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ عُذِرَ بِجَهْلِهِ وَالنَّاسِي فِي مَعْنَاهُ
(وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً لِغَسْلِ طِيبٍ) وَهُوَ مُحْرِمٌ (مَسَحَهُ) أَيْ الطِّيبَ بِنَحْوِ خِرْقَةٍ (أَوْ حَكَّهُ بِتُرَابٍ أَوْ نَحْوِهِ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ إزَالَتُهُ (حَسْبَ الْإِمْكَانِ) وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَعِينَ فِي إزَالَتِهِ بِخِلَالٍ لِئَلَّا يُبَاشِرَهُ الْمُحْرِمُ (وَلَهُ غَسْلُهُ بِيَدِهِ) لِعُمُومِ أَمْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَسْلِهِ، وَلِأَنَّهُ تَارِكٌ لَهُ.
(وَ) لَهُ غَسْلُهُ (بِمَائِعٍ) طَاهِرٍ لِمَا مَرَّ وَإِذَا أَخَّرَهُ) أَيْ غَسْلَ الطِّيبِ عَنْهُ (بِلَا عُذْرٍ فَدَى) لِلِاسْتِدَامَةِ أَشْبَهَ الِابْتِدَاءَ وَإِنْ وَجَدَ مَاءً لَا يَكْفِي لِوُضُوئِهِ وَغَسْلِ الطِّيبِ غَسَلَهُ بِهِ وَتَيَمَّمَ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى قَطْعِ رَائِحَتِهِ بِغَيْرِ الْمَاءِ (وَيَفْدِي مَنْ رَفَضَ إحْرَامَهُ ثُمَّ فَعَلَ مَحْظُورًا) لِلْمَحْظُورِ ; لِأَنَّ التَّحَلُّلَ مِنْ الْإِحْرَامِ إمَّا بِكَمَالِ
النُّسُكِ أَوْ عِنْدَ الْحَصْرِ، أَوْ بِالْعُذْرِ إذَا شَرَطَ وَمَا عَدَاهَا لَيْسَ لَهُ التَّحَلُّلُ بِهِ وَلَا يَفْسُدُ الْإِحْرَامُ بِرَفْضِهِ، كَمَا لَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِفَسَادِهِ فَإِحْرَامُهُ بَاقٍ وَتَلْزَمُهُ أَحْكَامُهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِرَفْضِ الْإِحْرَامِ لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ نِيَّةٍ لَمْ يُؤَثِّرْ شَيْئًا وَقَدَّمَ فِي الْفُرُوعِ يَلْزَمُهُ لَهُ دَمٌ (وَمَنْ تَطَيَّبَ قَبْلَ إحْرَامِهِ فِي بَدَنِهِ فَلَهُ اسْتِدَامَتُهُ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى وَبِيصِ الْمِسْكِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَبِي دَاوُد عَنْهَا «كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى مَكَّةَ فَنُضَمِّدُ جِبَاهَنَا بِالْمِسْكِ الْمُطَيَّبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ فَإِذَا عَرِقَتْ إحْدَانَا سَالَ عَلَى وَجْهِهَا فَيَرَاهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَنْهَاهَا» وَ (لَا) يَجُوزُ لِمُحْرِمٍ (لُبْسُ مُطَيَّبٍ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْإِحْرَامِ لِحَدِيثِ «لَا تَلْبَسُوا مِنْ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْوَرْسُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَإِذَا فَعَلَ) أَيْ لَبِسَ مُطَيَّبًا بَعْدَ إحْرَامِهِ فَدَى (أَوْ اسْتَدَامَ لُبْسَ مَخِيطٍ أَحْرَمَ فِيهِ وَلَوْ لَحْظَةً فَوْقَ) الْوَقْتِ (الْمُعْتَادِ مِنْ خَلْعِهِ فَدَى) ; لِأَنَّ اسْتِدَامَتَهُ كَابْتِدَائِهِ (وَلَا يَشُقُّهُ) لِحَدِيثِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ وَلِأَنَّهُ إتْلَافُ مَالٍ بِلَا حَاجَةٍ وَلَوْ وَجَبَ الشَّقُّ أَوْ الْفِدْيَةُ بِالْإِحْرَامِ فِيهِ لَبَيَّنَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَإِنْ لَبِسَ) مُحْرِمٌ (أَوْ افْتَرَشَ مَا كَانَ مُطَيَّبًا وَانْقَطَعَ رِيحُهُ) أَيْ الطِّيبِ مِنْهُ (وَيَفُوحُ) رِيحُهُ (بِرَشِّ مَاءٍ) عَلَى مَا كَانَ مُطَيَّبًا وَانْقَطَعَ رِيحُهُ (وَلَوْ) افْتَرَشَهُ (تَحْتَ حَائِلٍ غَيْرَ ثِيَابِهِ لَا يَمْنَعُ الْحَائِلُ رِيحَهُ وَلَا مُبَاشَرَتَهُ فَدَى) ; لِأَنَّهُ مُطَيَّبٌ اسْتَعْمَلَهُ، لِظُهُورِ رِيحِهِ عِنْدَ رَشٍّ، وَالْمَاءُ لَا رِيحَ لَهُ وَإِنَّمَا الرِّيحُ مِنْ الطِّيبِ الَّذِي فِيهِ وَإِنْ مَسَّ طِيبًا يَظُنُّهُ يَابِسًا فَبَانَ رَطْبًا فَفِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ وَجْهَانِ صَوَّبَ فِي الْإِنْصَافِ وَتَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي مَوْضِعٍ
[فَصْلٌ كُلُّ هَدْيٍ أَوْ إطْعَامٍ تَعَلَّقَ بِإِحْرَامٍ وَمَا وَجَبَ مِنْ فِدْيَةٍ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ]
فَصْلٌ وَكُلُّ هَدْيٍ أَوْ إطْعَامٍ تَعَلَّقَ بِحَرَمٍ أَوْ إحْرَامٍ كَجَزَاءِ صَيْدِ حَرَمٍ أَوْ إحْرَامٍ (وَمَا وَجَبَ) مِنْ فِدْيَةٍ (لِتَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ) لِ (فَوَاتِ) حَجٍّ (أَوْ) وَجَبَ (بِفِعْلٍ مَحْظُورٍ فِي حَرَمٍ) كَلُبْسٍ وَوَطْءٍ فِيهِ فَهُوَ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " الْهَدْيُ وَالْإِطْعَامُ بِمَكَّةَ " (وَ) كَذَا (هَدْيُ تَمَتُّعٍ وَقِرَانٍ) وَمَنْذُورٍ وَنَحْوِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 33] وَقَالَ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95] وَقِيسَ عَلَيْهِ الْبَاقِي (يَلْزَمُ ذَبْحُهُ) أَيْ الْهَدْيِ (فِي الْحَرَمِ) قَالَ أَحْمَدُ: مَكَّةُ
وَمِنًى وَاحِدٌ وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ بِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «كُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ «مِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ» وَإِنَّمَا أَرَادَ الْحَرَمَ لِأَنَّهُ كُلُّهُ طَرِيقٌ إلَيْهَا وَالْفَجُّ الطَّرِيقُ
(وَ) يَلْزَمُ (تَفْرِقَةُ لَحْمِهِ) أَيْ الْهَدْيِ الْمَذْكُورِ لِمَسَاكِينِهِ (أَوْ إطْلَاقُهُ لِمَسَاكِينِهِ) أَيْ الْحَرَمِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ ذَبْحِهِ بِالْحَرَمِ التَّوْسِعَةُ عَلَيْهِمْ وَلَا يَحْصُلُ بِإِعْطَاءِ غَيْرِهِمْ، وَكَذَا الْإِطْعَامُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " الْهَدْيُ وَالْإِطْعَامُ بِمَكَّةَ " وَلِأَنَّهُ يَنْفَعُهُمْ كَالْهَدْيِ (وَهُمْ) أَيْ مَسَاكِينُ الْحَرَمِ (الْمُقِيمُ بِهِ) أَيْ الْحَرَمِ (وَالْمُجْتَازُ) بِالْحَرَمِ (مِنْ حَاجٍّ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ لَهُ أَخْذُ زَكَاةٍ لِحَاجَةٍ) وَلَوْ تَبَيَّنَ غِنَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَكَزَكَاةٍ (وَالْأَفْضَلُ نَحْرُ مَا وَجَبَ بِحَجٍّ بِمِنًى ; وَنَحْرُ مَا وَجَبَ بِعُمْرَةٍ بِالْمَرْوَةِ) خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَالِكٍ وَمَنْ تَبِعَهُ
(وَإِنْ سَلَّمَهُ) أَيْ الْهَدْيَ حَيًّا (لَهُمْ) أَيْ مَسَاكِينِ الْحَرَمِ (فَنَحَرُوهُ أَجْزَأَهُ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ (وَإِلَّا) يَنْحَرُوهُ (اسْتَرَدَّهُ) وُجُوبًا (وَنَحَرَهُ) لِوُجُوبِ نَحْرِهِ وَإِذَا أَبَى) اسْتِرْدَادَهُ (أَوْ عَجَزَ) عَنْ اسْتِرْدَادِهِ (ضَمِنَهُ) لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ لِعَدَمِ بَرَاءَتِهِ (وَالْعَاجِزُ عَنْ إيصَالِهِ) أَيْ مَا وَجَبَ ذَبْحُهُ بِالْحَرَمِ (إلَى الْحَرَمِ) بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَنْ يُرْسِلُهُ مَعَهُ (يَنْحَرُهُ حَيْثُ قَدَرَ وَيُفَرِّقُهُ بِمَنْحَرِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] (وَتُجْزِئُ فِدْيَةُ أَذًى وَ) فِدْيَةُ (لُبْسٍ وَ) فِدْيَةُ (طِيبٍ وَنَحْوِهَا) كَتَغْطِيَةِ رَأْسٍ (وَ) سَائِرِ (مَا وَجَبَ بِفِعْلٍ مَحْظُورٍ فَعَلَهُ خَارِجَ الْحَرَمِ بِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِ " يُجْزِئُ " أَيْ الْحَرَمِ
(وَلَوْ) فَعَلَهُ (لِغَيْرِ عُذْرٍ) كَسَائِرِ الْهَدْيِ (وَ) يُجْزِئُ أَيْضًا (حَيْثُ وُجِدَ) الْمَحْظُورُ، لِأَمْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ بِالْفِدْيَةِ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَهِيَ مِنْ الْحِلِّ وَاشْتَكَى الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَأْسَهُ فَحَلَقَهُ عَلِيٌّ وَنَحَرَ عَنْهُ جَزُورًا بِالسُّقْيَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَالْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُمَا (وَدَمُ إحْصَارٍ حَيْثُ أُحْصِرَ) مِنْ حِلٍّ أَوْ حَرَمٍ نَصًّا لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَحَرَ هَدْيَهُ فِي مَوْضِعِهِ بِالْحُدَيْبِيَةِ» وَهِيَ مِنْ الْحِلِّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: 25] .
(وَ) يُجْزِئُ (صَوْمٌ وَحَلْقٌ بِكُلِّ مَكَان) لِأَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ إلَى أَحَدٍ فَلَا فَائِدَةَ فِي تَخْصِيصِهِ بِالْحَرَمِ، وَلِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ (وَالدَّمُ الْمُطْلَقُ كَأُضْحِيَّةٍ) أَيْ يُجْزِئُ فِيهِ مَا يُجْزِئُ فِيهَا فَإِنْ قُيِّدَ بِنَحْوِ بَدَنَةٍ تَقَيَّدَ (جِذْعُ ضَأْنٍ) لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ (أَوْ ثَنِيُّ مَعْزٍ) لَهُ سَنَةٌ (أَوْ سُبْعُ بَدَنَةٍ، أَوْ) سُبْعُ (بَقَرَةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي التَّمَتُّعِ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " شَاةٌ أَوْ
شَرَكٌ فِي دَمٍ " وَقَوْلُهُ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196] فَسَّرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ بِذَبْحِ شَاةٍ وَقِيسَ عَلَيْهَا الْبَاقِي
وَإِذَا ذَبَحَ) مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ دَمٌ مُطْلَقٌ (إحْدَاهُمَا) أَيْ بَدَنَةً أَوْ بَقَرَةً (فَ) هُوَ (أَفْضَلُ) مِمَّا تَقَدَّمَ لِأَنَّهَا أَوْفَرُ لَحْمًا وَأَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ (وَتَجِبُ كُلُّهَا) لِأَنَّهُ اخْتَارَ الْأَعْلَى لِأَدَاءِ فَرْضِهِ فَكَانَ كُلُّهُ وَاجِبًا كَالْأَعْلَى مِنْ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ إذَا اخْتَارَهُ (وَتُجْزِئُ عَنْ بَدَنَةٍ وَجَبَتْ وَلَوْ فِي) جَزَاءِ (صَيْدِ بَقَرَةٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ «كُنَّا نَنْحَرُ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ فَقِيلَ لَهُ: وَالْبَقَرَةُ؟ فَقَالَ: وَهَلْ هِيَ إلَّا مِنْ الْبُدْنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (كَعَكْسِهِ) أَيْ كَمَا تُجْزِئُ بَدَنَةٌ عَنْ بَقَرَةٍ وَجَبَتْ وَلَوْ فِي صَيْدٍ.
(وَ) يُجْزِئُ (عَنْ سَبْعِ شِيَاهٍ بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ مُطْلَقًا) أَيْ وَجَدَ الشِّيَاهَ أَوْ عَدِمَهَا فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ أَوْ غَيْرِهِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَشْتَرِكَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا فِي بَدَنَةٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ
[بَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ]
ِ تَفْصِيلًا وَهُوَ (مَا يُسْتَحَقُّ بَدَلُهُ) أَيْ الصَّيْدِ عَلَى مُتْلِفِهِ بِفِعْلٍ أَوْ سَبَبٍ (مِنْ مِثْلِهِ) أَيْ الصَّيْدِ (وَمُقَارِبِهِ وَشِبْهِهِ) وَلَوْ أَدْنَى مُشَابَهَةٍ عَلَى مَا يَأْتِي، وَمِنْ قِيمَةِ مَا لَا مِثْلَ لَهُ (وَيَجْتَمِعُ) عَلَى مُتْلِفِ صَيْدٍ (ضَمَانُ) قِيمَتِهِ لِمَالِكٍ (وَجَزَاءٌ) لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ (فِي) صَيْدٍ (مَمْلُوكٍ) لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ مَضْمُونٌ بِالْكَفَّارَةِ فَجَازَ اجْتِمَاعُهُمَا فِيهِ كَالْعَبْدِ (وَهُوَ) أَيْ الصَّيْدُ (ضَرْبَانِ مَا) أَيْ ضَرْبٌ (لَهُ مِثْلٌ) أَيْ شَبِيهٌ (مِنْ النَّعَمِ) خِلْقَةً لَا قِيمَةً (فَيَجِبُ فِيهِ) ذَلِكَ الْمِثْلُ (نَصًّا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] وَجَعَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الضَّبُعِ كَبْشًا
(وَهُوَ) أَيْ الصَّيْدُ الَّذِي لَهُ مِثْلٌ مِنْ النَّعَمِ (نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا: مَا قَضَتْ فِيهِ الصَّحَابَةُ) فَيَجِبُ فِيهِ مَا قَضَتْ بِهِ نَصًّا لِأَنَّهُمْ أَعْرَفُ، وَقَوْلُهُمْ أَقْرَبُ لِلصَّوَابِ.
وَفِي الْخَبَرِ «اقْتَدُوا بِاَلَّذِينَ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» وَفِيهِ «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 95] لَا يَقْتَضِي تَكْرَارَ الْحُكْمِ كَقَوْلِهِ: لَا تَضْرِبْ زَيْدًا وَمَنْ ضَرَبَهُ فَعَلَيْهِ دِينَارٌ، لَا يَتَكَرَّرُ الدِّينَارُ بِضَرْبٍ وَاحِدٍ (وَمِنْهُ) أَيْ مَا قَضَتْ فِيهِ الصَّحَابَةُ (فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ)
رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَزَيْدٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ لِأَنَّهَا تُشْبِهُهَا (وَفِي حِمَارِ الْوَحْشِ) بَقَرَةٌ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ.
(وَ) فِي (بَقَرِهِ) أَيْ الْوَحْشِ بَقَرَةٌ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ (وَ) فِي (أُيَّلٍ) بِوَزْنِ قُنَّبٍ وَخُلَّبٍ وَسُيَّدٍ وَهُوَ ذَكَرُ الْأَوْعَالِ قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ: بَقَرَةٌ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ (وَ) فِي (ثيتل) بِوَزْنِ جَعْفَرٍ،
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْوَعِلُ الْمَسُّ بَقَرَةٌ (وَ) فِي (وَعِلٍ) بِفَتْحِ الْوَاوِ مَعَ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا وَسُكُونِهَا تَيْسُ الْجَبَلِ قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ.
وَفِي الصِّحَاحِ: هُوَ الْأَرْوَى (بَقَرَةٌ) يُرْوَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي الْأَرْوَى: بَقَرَةٌ (وَفِي الضَّبُعِ كَبْشٌ) قَالَ الْإِمَامُ: حَكَمَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشٍ انْتَهَى.
وَقَضَى بِهِ عُمَرُ وَابْنُ عَبَّاسٍ (وَفِي غَزَالٍ شَاةٌ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَرَوَى جَابِرٌ مَرْفُوعًا «فِي الظَّبْيِ شَاةٌ» قَالَهُ فِي شَرْحِهِ.
وَفِي الْمُبْدِعِ: قَضَى بِهِ عُمَرُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ (وَفِي وَبْرٍ) بِسُكُونِ الْبَاءِ: جَدْيٌ وَهُوَ دُوَيْبَّةٍ كَحْلَاءَ دُونَ السِّنَّوْرِ لَا ذَنَبَ لَهَا (وَ) فِي (ضَبٍّ: جَدْيٌ) قَضَى بِهِ عُمَرُ وَأَرْبَدُ، وَالْوَبْرُ كَالضَّبِّ وَالْجَدْيُ الذَّكَرُ مِنْ أَوْلَادِ الْمَعْزِ لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ
(وَفِي يَرْبُوعٍ: جَفْرَةٌ لَهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ) رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرٍ (وَفِي أَرْنَبٍ عَنَاقٌ) أَيْ أُنْثَى مِنْ أَوْلَادِ الْمَعْزِ أَصْغَرُ مِنْ الْجَفْرَةِ يُرْوَى عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَضَى بِذَلِكَ (وَفِي حَمَامٍ) أَيْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُ (وَهُوَ) أَيْ الْحَمَامُ (كُلُّ مَا عَبَّ الْمَاءَ) أَيْ مَا وَقَعَ مِنْقَارُهُ فِيهِ وَكَرَعَ كَمَا تَكْرَعُ الشَّاةُ وَلَا يَأْخُذُ قَطْرَةً قَطْرَةً كَالدَّجَاجِ وَالْعَصَافِيرِ (وَهَدَرَ) أَيْ صَوَّتَ فَدَخَلَ فِيهِ فَوَاخِتُ وَوَرَاشِينُ وَقَطًا وَقُمْرِيٌّ وَدُبْسِيٌّ: طَائِرٌ لَوْنُهُ بَيْنَ السَّوَادِ وَالْحُمْرَةِ يُقَرْقِرُ، وَنَحْوِهَا (شَاةٌ) نَصًّا قَضَى بِهِ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَنَافِعُ بْنُ عَبْدِ الْحَارِثِ فِي حَمَامِ الْحَرَمِ وَقِيسَ عَلَيْهِ حَمَامُ الْإِحْرَامِ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَضَى بِهِ فِي حَمَامِ الْإِحْرَامِ (النَّوْعُ الثَّانِي: مَا لَمْ تَقْضِ فِيهِ الصَّحَابَةُ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَلَهُ مِثْلٌ مِنْ النَّعَمِ (وَيُرْجَعُ فِيهِ إلَى قَوْلِ عَدْلَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 95] (خَبِيرَيْنِ) لِيَحْصُلَ الْمَقْصُودُ بِهِمَا فَيَحْكُمَانِ فِيهِ بِأَشْبَهِ الْأَشْيَاءِ بِهِ مِنْ حَيْثُ الْخِلْقَةُ لَا الْقِيمَةُ كَقَضَاءِ الصَّحَابَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُمَا أَوْ أَحَدِهِمَا فَقِيهًا لِظَاهِرِ الْآيَةِ
(وَيَجُوزُ كَوْنُ الْقَاتِلِ) لِصَيْدٍ مَحْكُومٍ فِيهِ بِمِثْلٍ (أَحَدُهُمَا) أَيْ الْعَدْلَيْنِ (أَوْ هُمَا) فَيَحْكُمَانِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا بِالْمِثْلِ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَلِقَوْلِ عُمَرَ " اُحْكُمْ يَا أَرْبَدُ فِيهِ " أَيْ الضَّبِّ الَّذِي وَطِئَهُ أَرْبَدُ فَغَرَزَ ظَهْرَهُ رَوَاهُ
الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ.
قَالَ أَبُو الْوَفَاءِ عَلِيُّ بْنُ عَقِيلٍ) إنَّمَا يَحْكُمُ الْقَاتِلُ لِلصَّيْدِ إذَا قَتَلَهُ (خَطَأً أَوْ) قَتَلَهُ (لِحَاجَةِ) أَكْلِهِ (أَوْ) قَتَلَهُ (جَاهِلًا تَحْرِيمَهُ) لِعَدَمِ إثْمِهِ إذَنْ قَالَ (الْمُنَقِّحُ: وَهُوَ) أَيْ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ (قَوِيٌّ وَلَعَلَّهُ) أَيْ قَوْلَ ابْنِ عَقِيلٍ (مُرَادُهُمْ) أَيْ الْأَصْحَابِ (لِأَنَّ قَتْلَ الْعَمْدِ يُنَافِي الْعَدَالَةَ) إنْ لَمْ يَتُبْ وَهِيَ شَرْطُ الْحُكْمِ
(وَيُضْمَنُ صَغِيرٌ) بِمِثْلِهِ (وَكَبِيرٌ) بِمِثْلِهِ (وَصَحِيحٌ) بِمِثْلِهِ (وَمَعِيبٌ بِمِثْلِهِ (وَمَاخِضٌ) أَيْ حَامِلٌ مِنْ صَيْدٍ (بِمِثْلِهِ) مِنْ النَّعَمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] وَمِثْلُ الصَّغِيرِ صَغِيرٌ وَمِثْلُ الْمَعِيبِ مَعِيبٌ وَلِأَنَّ مَا ضُمِنَ بِالْيَدِ وَالْجِنَايَةِ يَخْتَلِفُ ضَمَانُهُ بِالصِّغَرِ وَالْعَيْبِ وَغَيْرِهِمَا كَالْبَهِيمَةِ وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] مُقَيَّدٌ بِالْمِثْلِ وَقَدْ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى إيجَابِ مَا لَا يَصْلُحُ هَدْيًا، كَالْجَفْرَةِ وَالْعَنَاقِ وَالْجَدْيِ وَإِنْ فُدِيَ الصَّغِيرُ أَوْ الْمَعِيبُ بِكَبِيرٍ صَحِيحٍ كَانَ أَفْضَلَ (وَيَجُوزُ فِدَاءُ) صَيْدٍ (أَعْوَرَ مِنْ عَيْنٍ) يُمْنَى أَوْ يُسْرَى.
(وَ) فِدَاءُ صَيْدٍ (أَعْرَجَ مِنْ قَائِمَةٍ) يُمْنَى أَوْ يُسْرَى (بِ) مِثْلِهِ مِنْ النَّعَمِ (أَعْوَرُ) عَنْ الْأَعْوَرِ مِنْ أُخْرَى، كَفِدَاءِ أَعْوَرِ يَمِينٍ بِأَعْوَرِ يَسَارٍ وَعَكْسِهِ.
(وَ) أَعْرَجَ مِنْ قَائِمَةٍ بِمِثْلِهِ (أَعْرَجَ مِنْ) قَائِمَةٍ (أُخْرَى) كَأَعْرَجِ يَمِينٍ بِأَعْرَجِ يَسَارٍ وَعَكْسِهِ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ يَسِيرٌ، وَنَوْعُ الْعَيْبِ وَاحِدٌ وَالْمُخْتَلِفُ مَحِلُّهُ
(وَ) يَجُوزُ فِدَاءُ (ذَكَرٍ بِأُنْثَى) بَلْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ فِدَائِهِ بِذَكَرٍ، كَمَا فِي الْإِقْنَاعِ لِأَنَّ لَحْمَهَا أَطْيَبُ وَأَرْطَبُ.
(وَ) يَجُوزُ (عَكْسُهُ) أَيْ فِدَاءُ أُنْثَى بِذَكَرٍ لِأَنَّ لَحْمَهُ أَوْفَرُ وَ (لَا) يَجُوزُ فِدَاءُ (أَعْوَرَ بِأَعْرَجَ وَنَحْوِ ذَلِكَ) مِمَّا اخْتَلَفَ نَوْعُ عَيْبِهِ لِعَدَمِ الْمُمَاثَلَةِ (الضَّرْبُ الثَّانِي) مِنْ الصَّيْدِ (مَا لَا مِثْلَ لَهُ) مِنْ النَّعَمِ (وَهُوَ بَاقِي الطَّيْرِ، وَ) يَجِبُ (فِيهِ وَلَوْ أَكْبَرَ مِنْ الْحَمَامِ) كَإِوَزٍّ (قِيمَتُهُ مَكَانَهُ) أَيْ الْإِتْلَافِ، كَإِتْلَافِ مَالِ آدَمِيٍّ
[فَصْلٌ وَإِنْ أَتْلَفَ مُحْرِمٌ أَوْ مَنْ بِالْحَرَمِ جُزْءًا مِنْ صَيْدٍ]
ٍ فَانْدَمَلَ) جُرْحُهُ (وَهُوَ) أَيْ الصَّيْدُ (مُمْتَنِعٌ وَلَهُ) أَيْ الصَّيْدُ (مِثْلٌ) مِنْ النَّعَمِ (ضَمِنَ) الْجَزَاءَ الْمُتْلِفُ (بِمِثْلِهِ مِنْ مِثْلِهِ) مِنْ النَّعَمِ (لَحْمًا) كَأَصْلِهِ وَلَا مَشَقَّةَ فِيهِ ; لِجَوَازِ عُدُولِهِ إلَى الْإِطْعَامِ وَالصَّوْمِ (وَإِلَّا) يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ مِنْ
النَّعَمِ (فَ) إنَّهُ يَضْمَنُهُ (بِنَقْصِهِ مِنْ قِيمَتِهِ) لِضَمَانِ جُمْلَتِهِ بِالْقِيمَةِ فَكَذَا جُزْؤُهُ
(وَإِنْ جَنَى) مُحْرِمٌ أَوْ مَنْ بِالْحَرَمِ (عَلَى حَامِلٍ، فَأَلْقَتْ مَيِّتًا ضَمِنَ نَقْصَهَا) أَيْ الْأُمِّ (فَقَطْ كَمَا لَوْ جَرَحَهَا) لِأَنَّ الْحَمْلَ زِيَادَةٌ فِي الْبَهَائِمِ وَإِنْ وَلَدَتْهُ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ فَقَالَ جَمَاعَةٌ: عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ وَقَيَّدَهُ جَمَاعَةٌ بِمَا إذَا كَانَ الْوَقْتُ يَعِيشُ لِمِثْلِهِ، وَإِلَّا فَكَالْمَيِّتِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ (وَمَا أَمْسَكَهُ) مُحْرِمٌ مِنْ صَيْدٍ (فَتَلِفَ فَرْخُهُ) أَوْ وَلَدُهُ ضَمِنَهُ (أَوْ نَفَرَ) مِنْ صَيْدٍ (فَتَلِفَ) حَالَ نُفُورِهِ وَلَوْ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ (أَوْ نَقَصَ حَالَ نُفُورِهِ ضَمِنَهُ) لِحُصُولِ تَلَفِهِ أَوْ نَقْصِهِ بِسَبَبٍ، لَا إنْ تَلِفَ بَعْدَ أَمْنِهِ
(وَإِنْ جَرَحَهُ) أَيْ الصَّيْدَ جُرْحًا (غَيْرَ مُوحٍ، فَغَابَ وَلَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ) ضَمِنَهُ بِمَا نَقَصَهُ (أَوْ وَجَدَهُ) أَيْ الصَّيْدَ بَعْدَ أَنْ جَرَحَهُ (مَيِّتًا وَلَمْ يَعْلَمْ مَوْتَهُ بِجِنَايَتِهِ قُوِّمَ) الصَّيْدُ (صَحِيحًا وَجَرِيحًا غَيْرَ مُنْدَمِلٍ ثُمَّ يُخْرَجُ بِقِسْطِهِ مِنْ مِثْلِهِ) فَإِنْ نَقَصَ رُبْعًا أُخْرِجَ رُبْعٌ مِثْلُهُ أَوْ سُدُسًا أُخْرِجَ كَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ فُعِلَ بِأَرْشِهِ مَا يُفْعَلُ بِقِيمَةِ مَا لَا مِثْلَ لَهُ لِأَنَّهُ مُوجِبٌ جِنَايَتَهُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ كُلُّهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ مَوْتُهُ بِفِعْلِهِ
(وَإِنْ وَقَعَ) صَيْدٌ جَرَحَهُ (فِي مَاءٍ) يَقْتُلُهُ مِثْلُهُ أَوْ لَا، فَمَاتَ ضَمِنَهُ (أَوْ تَرَدَّى) صَيْدٌ جَرَحَهُ مِنْ عُلُوٍّ (فَمَاتَ ضَمِنَهُ) جَارِحُهُ لِتَلَفِهِ بِسَبَبِهِ.
(وَ) يَجِبُ (فِيمَا انْدَمَلَ) جُرْحُهُ مِنْ الصُّيُودِ (غَيْرَ مُمْتَنِعٍ) مِنْ قَاصِدِهِ جَزَاءُ جَمِيعِهِ لِأَنَّهُ صَارَ فِي حُكْمِ الْمَيِّتِ (أَوْ) جُرِحَ (جُرْحًا مُوحِيًا) لَا تَبْقَى مَعَهُ حَيَاةٌ غَالِبًا (جَزَاءُ جَمِيعِهِ) لِمَا سَبَقَ (وَإِنْ نَتَفَ) مُحْرِمٌ أَوْ مَنْ بِالْحَرَمِ (رِيشَهُ) أَيْ الصَّيْدِ (أَوْ شَعْرَهُ أَوْ وَبَرَهُ فَعَادَ فَلَا شَيْءَ) عَلَيْهِ (فِيهِ) لِزَوَالِ نَقْصِهِ (وَإِنْ صَارَ) الصَّيْدُ بِمَا ذُكِرَ (غَيْرَ مُمْتَنِعٍ فَكَجُرْحٍ) صَارَ بِهِ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ فَعَلَيْهِ جَزَاءُ جَمِيعِهِ وَإِنْ نَتَفَهُ فَغَابَ وَلَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَهُ (وَكُلَّمَا قَتَلَ) مُحْرِمٌ أَوْ مَنْ بِالْحَرَمِ (صَيْدًا حُكِمَ عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] وَعُمَرُ وَغَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ حَكَمُوا فِي الْخَطَإِ وَفِيمَنْ قَتَلَ وَلَمْ يَسْأَلُوهُ هَلْ كَانَ قَتْلٌ أَوْ لَا؟ وَذَكَرَ فِي الْعُقُوبَةِ قَوْلَهُ ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: 95] لَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ
(وَعَلَى جَمَاعَةٍ اشْتَرَكُوا فِي قَتْلِ صَيْدٍ وَاحِدٍ جَزَاءٌ وَاحِدٌ) رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ وَابْنِ عَبَّاسٍ سَوَاءٌ كَفَّرُوا بِالصِّيَامِ أَوْ غَيْرِهِ لِلْآيَةِ وَالْجَمَاعَةُ إنَّمَا قَتَلُوا صَيْدًا وَاحِدًا فَلَزِمَهُمْ مِثْلُهُ وَإِذَا اتَّحَدَ الْجَزَاءُ فِي الْمِثْلِ اتَّحَدَ فِي الصَّوْمِ ; لِأَنَّهُ بَدَلُهُ وَالْجَزَاءُ بَيْنَ مُحْرِمٍ وَحَلَالٍ قَتَلَا صَيْدًا بِالْحَرَمِ نِصْفَيْنِ وَيَجُوزُ إخْرَاجُ الْجَزَاءِ بَعْدَ الْجَرْحِ وَقَبْلَ الْمَوْتِ
[بَابُ صَيْدِ الْحَرَمَيْنِ وَنَبَاتُهُمَا]
أَيْ حُكْمُ ذَلِكَ (وَحُكْمُ صَيْدِ حَرَمِ مَكَّةَ حُكْمُ صَيْدِ الْإِحْرَامِ) فَيَحْرُمُ حَتَّى عَلَى مُحَلٍّ إجْمَاعًا لِخَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «إنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» الْحَدِيثَ، وَفِيهِ «وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَيَضْمَنُ بَرِّيَّهُ بِالْجَزَاءِ نَصًّا، لِمَا سَبَقَ عَنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَيَدْخُلُهُ الصَّوْمُ، كَصَيْدِ الْإِحْرَامِ وَصَغِيرٌ وَكَافِرٌ كَغَيْرِهِمَا (حَتَّى فِي تَمَلُّكِهِ) فَلَا يَمْلِكُهُ ابْتِدَاءً بِغَيْرِ إرْثٍ (إلَّا أَنَّهُ) أَيْ الْحَرَمَ (يَحْرُمُ صَيْدُ بَحْرِيِّهِ) أَيْ الْحَرَمِ لِعُمُومِ الْخَبَرِ (وَلَا جَزَاءَ فِيهِ) أَيْ صَيْدِ بَحْرٍ بِالْحَرَمِ لِعَدَمِ وُرُودِهِ
(وَإِنْ قَتَلَ مُحِلٌّ مِنْ الْحِلِّ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ كُلِّهِ أَوْ جُزْئِهِ) ضَمِنَهُ لِعُمُومِ «وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا» وَتَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْحَظْرِ وَ (لَا) يَضْمَنُهُ مُحِلٌّ قَتَلَهُ إنْ كَانَ بِالْحَرَمِ (غَيْرُ قَوَائِمِهِ) أَيْ الصَّيْدِ (قَائِمًا) كَذَنَبِهِ وَرَأْسِهِ ; لِأَنَّهُ إذَا كَانَ قَائِمًا فِي الْحِلِّ بِقَوَائِمِهِ الْأَرْبَعِ لَمْ يَكُنْ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ، كَشَجَرَةٍ أَصْلُهَا بِالْحِلِّ وَأَغْصَانُهَا بِالْحَرَمِ وَإِنْ كَانَ رَأْسُهُ أَوْ ذَنَبُهُ بِالْحَرَمِ وَهُوَ غَيْرُ قَائِمٍ فَقَتَلَهُ (بِسَهْمٍ أَوْ كَلْبٍ) أَوْ غَيْرِهِمَا ضَمِنَهُ، تَغْلِيبًا لِلْحَظْرِ (أَوْ قَتَلَهُ) أَيْ الصَّيْدَ (عَلَى غُصْنٍ فِي الْحَرَمِ وَلَوْ أَنَّ أَصْلَهُ فِي الْحِلِّ) ضَمِنَهُ لِأَنَّهُ فِي الْحَرَمِ (أَوْ أَمْسَكَهُ) أَيْ الصَّيْدَ (بِالْحِلِّ فَهَلَكَ فَرْخُهُ) بِالْحَرَمِ (أَوْ) هَلَكَ (وَلَدُهُ بِالْحَرَمِ ضَمِنَهُ) لِأَنَّهُ تَلِفَ بِسَبَبِهِ (وَإِنْ قَتَلَهُ) أَيْ الصَّيْدَ (فِي الْحِلِّ مُحِلٌّ بِالْحَرَمِ وَلَوْ) كَانَ الصَّيْدُ (عَلَى غُصْنٍ) فِي هَوَاءِ الْحِلِّ (أَصْلُهُ) أَيْ الْغُصْنِ (بِالْحَرَمِ بِسَهْمٍ أَوْ كَلْبٍ أَوْ غَيْرِهِمَا لَمْ يَضْمَنْ أَوْ أَمْسَكَهُ) أَيْ الصَّيْدَ حَلَالٌ (بِالْحَرَمِ فَهَلَكَ فَرْخُهُ) فِي الْحِلِّ (أَوْ) هَلَكَ (وَلَدُهُ بِالْحِلِّ) لَمْ يَضْمَنْ ; لِأَنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْحِلِّ (أَوْ أَرْسَلَ) حَلَالٌ (كَلْبَهُ مِنْ الْحِلِّ عَلَى صَيْدٍ بِهِ) أَيْ الْحِلِّ (فَقَتَلَهُ) أَيْ الصَّيْدَ الَّذِي كَانَ بِالْحِلِّ فِي الْحَرَمِ (أَوْ) قَتَلَ (غَيْرَهُ) أَيْ الَّذِي أَرْسَلَ عَلَيْهِ الْكَلْبَ (فِي الْحَرَمِ) لَمْ يَضْمَنْ (أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِسَهْمِهِ) بِأَنْ رَمَى مُحِلٌّ بِهِ صَيْدًا بِالْحِلِّ (فَشَطَحَ) السَّهْمُ (فَقَتَلَ) صَيْدًا (فِي الْحَرَمِ) لَمْ يَضْمَنْ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَرْمِ وَلَمْ يُرْسِلْ كَلْبَهُ عَلَى صَيْدٍ بِالْحَرَمِ وَإِنَّمَا دَخَلَ الْكَلْبُ بِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ وَكَذَا سَهْمُهُ إذَا شَطَحَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ (أَوْ دَخَلَ سَهْمُهُ) أَيْ الرَّامِي لِصَيْدٍ فِي الْحِلِّ (أَوْ) دَخَلَ (كَلْبُهُ الْحَرَمَ ثُمَّ خَرَجَ) مِنْهُ (فَقَتَلَ صَيْدًا أَوْ جَرَحَهُ مُحَلٌّ بِالْحِلِّ) ثُمَّ دَخَلَ الصَّيْدُ الْحَرَمَ (فَمَاتَ بِالْحَرَمِ لَمْ يَضْمَنْ) لِأَنَّ الْقَتْلَ وَالْجَرْحَ بِالْحِلِّ (كَمَا لَوْ جَرَحَهُ) أَيْ الصَّيْدَ (ثُمَّ أَحْرَمَ ثُمَّ مَاتَ) الصَّيْدُ فِي إحْرَامِهِ فَلَا يَضْمَنُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْنِ عَلَيْهِ فِي إحْرَامِهِ، وَإِنْ رَمَاهُ حَلَالًا ثُمَّ أَحْرَمَ ثُمَّ أَصَابَهُ ضَمِنَهُ اعْتِبَارًا بِحَالِ الْإِصَابَةِ (وَلَا يَحِلُّ مَا) أَيْ صِيدَ (وُجِدَ سَبَبُ مَوْتِهِ بِالْحَرَمِ) تَغْلِيبًا لِلْحَظْرِ كَمَا لَوْ وُجِدَ سَبَبُهُ فِي الْإِحْرَامِ فَهُوَ مَيْتَةٌ وَيَحِلُّ مَا جَرَحَهُ مَنْ بِالْحِلِّ فِي الْحِلِّ وَمَاتَ فِي الْحَرَمِ كَمَا فِي الْإِقْنَاعِ
[فَصْلٌ قَلْعُ شَجَرِ حَرَمِ مَكَّةَ]
فَصْلٌ وَيَحْرُمُ قَلْعُ شَجَرِهِ أَيْ حَرَمِ مَكَّةَ الَّذِي لَمْ يَزْرَعْهُ آدَمِيٌّ إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا» .
(وَ) يَحْرُمُ قَلْعُ (حَشِيشِهِ) أَيْ الْحَرَمِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَلَا يُحَشُّ حَشِيشُهَا» (حَتَّى الشَّوْكُ وَلَوْ ضَرَّ) لِعُمُومِ «لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا» .
(وَ) حَتَّى (السِّوَاكُ وَنَحْوَهُ وَالْوَرَقُ) لِدُخُولِهِ فِي مُسَمَّى الشَّجَرِ (إلَّا الْيَابِسَ) مَنْ شَجَرٍ وَحَشِيشٍ لِأَنَّهُ كَمَيِّتٍ.
(وَ) إلَّا (الْإِذْخِرَ) لِقَوْلِ الْعَبَّاسِ «يَا رَسُولَ اللَّهِ إلَّا الْإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ قَالَ: إلَّا الْإِذْخِرَ» وَهُوَ نَبْتٌ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ وَالْقَيْنُ الْحَدَّادُ (وَ) إلَّا (الْكَمْأَةَ وَالْفَقْعَ) مَعْرُوفَانِ لِأَنَّهُمَا لَا أَصْلَ لَهُمَا (وَ) إلَّا (الثَّمَرَةَ) لِأَنَّهَا تَسْتَخْلِفُ
(وَ) إلَّا (مَا زَرَعَهُ) آدَمِيٌّ مِنْ زَرْعٍ وَبَقْلٍ وَرَيَاحِينَ إجْمَاعًا نَصًّا (حَتَّى مِنْ الشَّجَرِ) لِأَنَّهُ أَنْبَتَهُ آدَمِيٌّ كَزَرْعٍ وَعَوْسَجٍ وَلِأَنَّهُ مَمْلُوكُ الْأَصْلِ كَالْأَنْعَامِ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا» الْمُرَادُ: مَا لَا يَمْلِكُهُ أَحَدٌ ; لِأَنَّ هَذَا يُضَافُ إلَى مَالِكِهِ (وَيُبَاحُ رَعْيُ حَشِيشَةِ) أَيْ الْحَرَمِ لِأَنَّ الْهَدَايَا كَانَتْ تَدْخُلُ الْحَرَمَ فَتَكْثُرُ فِيهِ وَلَمْ يُنْقَلْ سَدُّ أَفْوَاهِهَا وَلِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ أَشْبَهَ قَطْعَ الْإِذْخِرِ بِخِلَافِ الِاحْتِشَاشِ لَهَا (وَ) يُبَاحُ (انْتِفَاعٌ بِمَا زَالَ) مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ (أَوْ انْكَسَرَ مِنْهُ بِغَيْرِ فِعْلِ آدَمِيٍّ وَلَوْ لَمْ يَبِنْ) أَيْ يَنْفَصِلْ لِتَلَفِهِ فَصَارَ
كَالظُّفْرِ الْمُنْكَسِرَةِ فَإِنْ قَطَعَهُ آدَمِيٌّ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ كَصَيْدٍ ذَبَحَهُ مُحْرِمٌ (وَتُضْمَنُ شَجَرَةٌ) قُلِعَتْ أَوْ كُسِرَتْ (صَغِيرَةً عُرْفًا بِشَاةٍ
وَ) يُضْمَنُ (مَا فَوْقَهَا) أَيْ الصَّغِيرَةِ مِنْ الشَّجَرِ، وَهِيَ الْمُتَوَسِّطَةُ وَالْكَبِيرَةُ (بِبَقَرَةٍ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ " فِي الدَّوْحَةِ بَقَرَةٌ وَفِي الْجِذْلَةِ شَاةٌ " قَالَ: وَالدَّوْحَةُ: الشَّجَرَةُ الْعَظِيمَةُ وَالْجِذْلَةُ الصَّغِيرَةُ (وَيُخَيَّرُ بَيْنَ ذَلِكَ) أَيْ الشَّاةِ وَالْبَقَرَةِ فَيَذْبَحُهَا وَيُفَرِّقُهَا أَوْ يُطْلِقُهَا لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ (وَبَيْنَ تَقْوِيمِهِ) أَيْ الْمَذْكُورِ مِنْ شَاةٍ أَوْ بَقَرَةٍ بِدَرَاهِمَ (وَيَفْعَلُ بِقِيمَتِهِ كَجَزَاءِ الصَّيْدِ) بِأَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا طَعَامًا يُجْزِئُ فِي فِطْرَةٍ فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدَّ بُرٍّ، أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ يَصُومُ عَنْ طَعَامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا.
(وَ) يُضْمَنُ (حَشِيشٌ وَوَرَقٌ بِقِيمَتِهِ) نَصًّا لِأَنَّهُ مُتَقَوِّمٌ وَيَفْعَلُ بِقِيمَتِهِ كَمَا سَبَقَ.
(وَ) يُضْمَنُ (غُصْنٌ بِمَا نَقَصَ) كَأَعْضَاءِ الْحَيَوَانِ وَكَمَا لَوْ جَنَى عَلَى مَالِ آدَمِيٍّ فَنَقَصَ وَيُفْعَلُ بِأَرْشِهِ كَمَا مَرَّ (فَإِنْ اسْتَخْلَفَ شَيْءٌ مِنْهَا) أَيْ الشَّجَرِ وَالْحَشِيشِ وَالْوَرَقِ وَنَحْوِهِ (سَقَطَ ضَمَانُهُ) كَرِيشِ صَيْدٍ نَتَفَهُ وَعَادَ (كَرَدِّ شَجَرَةٍ فَتَنْبُتُ وَيُضْمَنُ نَقْصُهَا) أَيْ الْمَرْدُودَةِ إنْ نَقَصَتْ بِالرَّدِّ
(وَلَوْ) قَلَعَ شَجَرَةً مِنْ الْحَرَمِ ثُمَّ (غَرَسَهَا فِي الْحِلِّ وَتَعَذَّرَ رَدُّهَا أَوْ يَبِسَتْ ضَمِنَهَا) لِإِتْلَافِهَا (فَلَوْ قَلَعَهَا) أَيْ الْمَنْقُولَةَ مِنْ الْحَرَمِ إلَى الْحِلِّ (غَيْرُهُ) أَيْ الْغَارِسِ لَهَا بِالْحِلِّ (ضَمِنَهَا) الْقَالِعُ (وَحْدَهُ) لِأَنَّهُ الْمُتْلِفُ لَهَا (وَيَضْمَنُ مُنَفِّرٌ صَيْدًا) مِنْ الْحَرَمِ (قُتِلَ بِالْحِلِّ) لِتَفْوِيتِهِ حُرْمَتَهُ وَلَا ضَمَانَ عَلَى قَاتِلِهِ بِالْحِلِّ (وَكَذَا مُخْرِجُهُ) أَيْ صَيْدِ الْحَرَمِ إلَى الْحِلِّ، فَيُقْتَلُ بِهِ فَيَضْمَنُهُ (إنْ لَمْ يَرُدَّهُ) إلَى الْحَرَمِ فَإِنْ رَدَّهُ إلَيْهِ فَلَا ضَمَانَ وَالْفَرْقُ: أَنَّ الشَّجَرَ لَا يَنْتَقِلُ بِنَفْسِهِ وَلَا تَزُولُ حُرْمَتُهُ بِإِخْرَاجِهِ وَيَجِبُ رَدُّهُ عَلَى مُخْرِجِهِ فَكَانَ جَزَاؤُهُ عَلَى مُتْلِفِهِ، بِخِلَافِ الصَّيْدِ فَإِنَّ تَنْفِيرَهُ يُفَوِّتُ حُرْمَتَهُ بِإِخْرَاجِهِ فَلَزِمَهُ جَزَاؤُهُ
(فَلَوْ فَدَاهُ) أَيْ الصَّيْدَ الَّذِي نَفَّرَهُ أَوْ أَخْرَجَهُ إلَى الْحِلِّ (ثُمَّ وَلَدَ) الصَّيْدُ وَقُتِلَ وَلَدُهُ (لَمْ يَضْمَنْ) مُنَفِّرٌ أَوْ مُخْرِجٌ (وَلَدَهُ) لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ (وَيُضْمَنُ غُصْنٌ) فِي هَوَاءِ الْحِلِّ (أَصْلُهُ) أَيْ الْغُصْنِ فِي الْحَرَمِ (أَوْ بَعْضُ أَصْلِهِ بِالْحَرَمِ) لِتَبَعِيَّتِهِ لِأَصْلِهِ، وَ (لَا) يَضْمَنُ (مَا) قَطَعَهُ مِنْ غُصْنٍ (بِهَوَاءِ الْحَرَمِ وَأَصْلُهُ بِالْحِلِّ) لِمَا سَبَقَ (وَكُرِهَ إخْرَاجُ تُرَابِ الْحَرَمِ وَإِخْرَاجُ حِجَارَتِهِ إلَى الْحِلِّ) نَصًّا قَالَ: لَا يُخْرِجُ مِنْ تُرَابِ الْحَرَمِ وَلَا يُدْخِلُ مِنْ الْحِلِّ، كَذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ
وَلَا يُخْرِجُ مِنْ حِجَارَةِ مَكَّةَ إلَى الْحِلِّ، وَالْخُرُوجُ أَشَدُّ كَرَاهَةً
وَ (لَا) يُكْرَهُ إخْرَاجُ (مَاءِ زَمْزَمَ) لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهَا كَانَتْ تَحْمِلُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، وَتُخْبِرُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَحْمِلُهُ» وَلِأَنَّهُ يَسْتَخْلِفُ كَالثَّمَرَةِ وَقَالَ أَحْمَدُ: أَخْرَجَهُ كَعْبٌ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ (وَلَا) يُكْرَهُ (وَضْعُ الْحَصَا بِالْمَسَاجِدِ) كَمَا فِي مَسْجِدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَنَهُ وَبَعْدَهُ (وَيَحْرُمُ إخْرَاجُ تُرَابِهَا) أَيْ الْمَسَاجِدِ (وَ) إخْرَاجُ (طِيبِهَا) فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ لِتَبَرُّكٍ وَغَيْرِهِ لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِالْمَوْقُوفِ فِي غَيْرِ جِهَتِهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: إذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَشْفِيَ بِطِيبِ الْكَعْبَةِ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا وَيَلْزِقُ عَلَيْهَا طِيبًا مِنْ عِنْدَهُ ثُمَّ يَأْخُذُهُ
[فَصْلٌ حَدُّ حَرَمِ مَكَّة]
فَصْلٌ وَحَدُّ حَرَمِ مَكَّةَ (مِنْ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ: ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ عِنْدَ بُيُوتِ السُّقْيَا) وَيُقَالُ: بُيُوتُ نِفَارٍ، بِنُونٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ فَاءٍ، دُونَ التَّنْعِيمِ (وَ) حَدُّهُ (مِنْ الْيَمَنِ: سَبْعَةُ) أَمْيَالٍ (عِنْدَ أَضَاةِ لِبْنٍ) أَضَاةُ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ عَلَى وَزْنِ قَنَاةٍ وَلِبْنٍ بِكَسْرِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ.
(وَ) حَدُّهُ (مِنْ الْعِرَاقِ كَذَلِكَ) أَيْ سَبْعَةُ أَمْيَالٍ (عَلَى ثَنِيَّةِ رِجْلٍ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ (جَبَلٌ) بِالْمُنْقَطِعِ (وَ) حَدُّهُ (مِنْ الطَّائِفِ وَبَطْنِ نَمِرَةَ كَذَلِكَ) أَيْ سَبْعَةُ أَمْيَالٍ (عَنْهُ طَرَفُ عَرَفَةَ وَ) حَدُّهُ (مِنْ) طَرِيقِ (الْجِعْرَانَةِ تِسْعَةُ) أَمْيَالٍ فِي (شِعْبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ) وَحَدُّهُ (مِنْ طَرِيقِ جُدَّةَ: عَشَرَةُ) أَمْيَالٍ (عِنْدَ مُنْقَطِعِ الْأَعْشَاشِ) بِشِينَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ، جَمْعُ عُشٍّ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ.
(وَ) حَدُّهُ (مِنْ بَطْنِ عُرَنَةَ: أَحَدَ عَشَرَ مِيلًا) وَعَلَى تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ أَنْصَابُ الْحَرَمِ، لَمْ تَزَلْ مَعْلُومَةً (وَحُكْمُ وَجٍ وَهُوَ وَادٍ بِالطَّائِفِ: كَغَيْرِهِ مِنْ الْحِلِّ) فَيُبَاحُ صَيْدُهُ وَشَجَرُهُ وَحَشِيشُهُ بِلَا ضَمَانٍ وَالْخَبَرُ فِيهِ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ وَالْأَزْدِيُّ: لَمْ يَصِحَّ حَدِيثُهُ
(وَتُسْتَحَبُّ الْمُجَاوَرَةُ بِمَكَّةَ وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ الْمَدِينَةِ) لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ ابْنِ الْحَمْرَاءِ: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ وَهُوَ وَاقِفٌ بِالْحَزُورَةِ فِي سُوقِ مَكَّةَ «وَاَللَّهِ إنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلَى اللَّهِ وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ قَالَ فِي الْفُنُونِ: الْكَعْبَةُ أَفْضَلُ مِنْ مُجَرَّدِ الْحُجْرَةِ فَأَمَّا
وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا فَلَا وَاَللَّهِ وَلَا الْعَرْشُ وَحَمَلَتُهُ وَالْجَنَّةُ ; لِأَنَّ بِالْحُجْرَةِ جَسَدًا لَوْ وُزِنَ بِهِ لَرَجَحَ (وَتُضَاعَفُ السَّيْئَةُ وَالْحَسَنَةُ بِمَكَانٍ) فَاضِلٍ (وَزَمَانٍ فَاضِلٍ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسُئِلَ أَحْمَدُ: هَلْ تُكْتَبُ السَّيِّئَةُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ قَالَ: لَا، إلَّا بِمَكَّةَ ; لِتَعْظِيمِ الْبَلَدِ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا بِعَدَنَ وَهَمَّ أَنْ يَقْتُلَ عِنْدَ الْبَيْتِ، أَذَاقَهُ اللَّهُ مِنْ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ
[فَصْلٌ صَيْدُ حَرَمِ الْمَدِينَةِ]
فَصْلٌ: وَيَحْرُمُ صَيْدُ حَرَمِ الْمَدِينَةِ وَتُسَمَّى: طِيبَةَ وَطَابَةَ لِلْخَبَرِ وَالْأَوْلَى أَنْ لَا تُسَمَّى يَثْرِبَ وَإِنْ صَادَهُ وَذَبَحَهُ صَحَّتْ تَذْكِيَتُهُ جَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ (وَ) يَحْرُمُ (قَلْعُ شَجَرِهِ وَحَشِيشِهِ) لِحَدِيثِ «إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لِأَهْلِهَا وَإِنِّي حَرَّمْت الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إبْرَاهِيمُ مَكَّةَ وَدَعَوْت فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثْلَيْ مَا دَعَا بِهِ إبْرَاهِيمُ لِأَهْلِ مَكَّةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (إلَّا لِحَاجَةِ الْمَسَانِدِ وَالْحَرْثِ وَالرَّحْلِ) مِنْ الشَّجَرِ.
(وَ) إلَّا (الْعَلَفَ) مِنْ الْحَشِيشِ (وَنَحْوِهَا) مِمَّا تَدْعُو إلَيْهِ الْحَاجَةُ لِحَدِيثِ أَحْمَدَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا حَرَّمَ الْمَدِينَةَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا أَصْحَابُ عَمَلٍ وَأَصْحَابُ نَضْحٍ، وَإِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَرْضًا غَيْرَ أَرْضِنَا فَرَخِّصْ لَنَا فَقَالَ: الْقَائِمَتَانِ وَالْوِسَادَةُ وَالْعَارِضَةُ وَالْمَسْنَدُ فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا يُعْضَدُ وَلَا يُخْبَطُ مِنْهَا شَيْءٌ» وَالْمَسْنَدُ: عُودُ الْبَكَرَةِ،
وَعَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا «الْمَدِينَةُ حَرَامٌ مَا بَيْنَ عِيرٍ إلَى ثَوْرٍ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلَا يَصْلُحُ أَنْ تُقْطَعَ مِنْهَا شَجَرَةٌ إلَّا أَنْ يَعْلِفَ رَجُلٌ بَعِيرَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَمَنْ أَدْخَلَهَا) أَيْ الْمَدِينَةَ (صَيْدًا فَلَهُ إمْسَاكُهُ وَذَبْحُهُ) نَصًّا لِحَدِيثِ «يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟» بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ طَائِرٌ صَغِيرٌ كَانَ يَلْعَبُ بِهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَلَا جَزَاءَ فِيمَا حَرُمَ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ صَيْدِهَا وَشَجَرِهَا وَحَشِيشِهَا
قَالَ أَحْمَدُ: لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ حَكَمُوا فِيهِ بِجَزَاءٍ (وَحَرَمُهَا: بَرِيدٌ فِي بَرِيدٍ) نَصًّا وَهُوَ (مَا بَيْنَ ثَوْرٍ) وَهُوَ (جَبَلٌ صَغِيرٌ يَضْرِبُ لَوْنُهُ إلَى الْحُمْرَةِ بِتَدْوِيرٍ) أَيْ لَا اسْتِطَالَةَ فِيهِ وَهُوَ
(خَلْفَ أُحُدٍ مِنْ جِهَةِ الشِّمَالِ وَعِيرٌ) وَهُوَ (جَبَلٌ مَشْهُورٌ بِهَا) أَيْ الْمَدِينَةِ لِحَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا «حَرَمُ الْمَدِينَةَ مَا بَيْنَ ثَوْرٍ إلَى عِيرٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَذَلِكَ) أَيْ الْحَدُّ الْمَذْكُورُ (مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّابَةُ: الْحَرَّةُ أَيْ أَرْضٌ تَرْكَبُهَا حِجَارَةٌ سُودٌ (وَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا حِمًى) رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْحِمَى: الْمَكَانُ الْمَمْنُوعُ مِنْ الرَّعْيِ
[بَابُ آدَابِ دُخُولِ مَكَّةَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ]
ِ مِنْ نَحْوِ طَوَافٍ وَسَعْيٍ (يُسَنُّ) دُخُولُهَا (نَهَارًا) لِلْخَبَرِ قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ هَانِئٍ لَا بَأْسَ بِهِ أَيْ لَيْلًا وَإِنَّمَا كَرِهَهُ مِنْ السُّرَّاقِ (مِنْ أَعْلَاهَا) أَيْ مَكَّةَ (مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَالدَّالِّ، مَمْدُودٌ مَهْمُوزٌ مَصْرُوفٌ وَغَيْرُ مَصْرُوفٍ ذَكَرَهُ فِي الْمَطَالِعِ وَالثَّنِيَّةُ: طَرِيقٌ بَيْنَ جَبَلَيْنِ (وَسُنَّ خُرُوجٌ مِنْ مَكَّةَ مِنْ أَسْفَلِهَا مِنْ ثَنِيَّةِ كُدًى) بِضَمِّ الْكَافِ وَالتَّنْوِينِ، عِنْدَ ذِي طُوًى، بِقُرْبِ شِعْبِ الشَّافِعِيِّينَ (وَسُنَّ دُخُولُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مَكَّةَ ارْتِفَاعَ الضُّحَى وَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ عِنْدَ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ ثُمَّ دَخَلَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ، وَيَقُولُ مَا وَرَدَ (فَإِذَا رَأَى الْبَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ) نَصًّا لِحَدِيثِ الشَّافِعِيِّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا رَأَى الْبَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ» وَأَمَّا إنْكَارُ جَابِرٍ لَهُ، فَقَدْ خَالَفَهُ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ (وَقَالَ) بَعْدَ رَفْعِ يَدَيْهِ: (اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، حَيِّنَا رَبِّنَا بِالسَّلَامِ) رَوَى الشَّافِعِيُّ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُهُ وَالسَّلَامُ الْأَوَّلُ اسْمُهُ تَعَالَى، وَالثَّانِي مَنْ أَكْرَمْته بِالسَّلَامِ ; أَيْ التَّحِيَّةِ، وَالثَّالِثُ مِنْ السَّلَامَةِ مِنْ الْآفَاتِ
(اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَعْظِيمًا) أَيْ تَبْجِيلًا (وَتَشْرِيفًا) أَيْ رِفْعَةً وَإِعْلَاءً (وَتَكْرِيمًا) تَفْضِيلًا (وَمَهَابَةً) تَوْقِيرًا وَإِجْلَالًا (وَبِرًّا) بِكَسْرِ الْبَاءِ، هُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِلْخَيْرِ (وَزِدْ مَنْ عَظَّمَهُ وَشَرَّفَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ وَاعْتَمَرَهُ تَعْظِيمًا وَتَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً وَبِرًّا) رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ مَرْفُوعًا (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كَثِيرًا كَمَا هُوَ أَهْلُهُ وَكَمَا يَنْبَغِي لِكَرَمِ وَجْهِهِ وَعِزِّ جَلَالِهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَلَّغَنِي بَيْتَهُ، وَرَآنِي لِذَلِكَ أَهْلًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ اللَّهُمَّ إنَّك دَعَوْتَ إلَى حَجِّ بَيْتِك الْحَرَامِ) سُمِّيَ بِهِ لِانْتِشَارِ حُرْمَتِهِ وَأُرِيدَ بِتَحْرِيمِهِ سَائِرُ الْحُرُمِ (وَقَدْ جِئْتُكَ لِذَلِكَ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي وَاعْفُ عَنِّي وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ) ذَكَرَهُ الْأَثْرَمُ وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ (يَرْفَعُ بِذَلِكَ) الدُّعَاءِ (صَوْتَهُ) لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ أَشْبَهَ التَّلْبِيَةَ
(ثُمَّ يَطُوفُ مُتَمَتِّعٌ لِلْعُمْرَةِ وَ) يَطُوفُ (مُفْرِدٌ) لِلْقُدُومِ (وَ) يَطُوفُ (قَارِنٌ لِلْقُدُومِ وَهُوَ الْوُرُودُ) فَتُسْتَحَبُّ الْبُدَاءَةُ بِالطَّوَافِ لِدَاخِلِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَهُوَ تَحِيَّةُ الْكَعْبَةِ، وَتَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ الصَّلَاةُ وَيُجْزِئُ عَنْهَا رَكْعَتَا الطَّوَافِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ «حَتَّى إذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا» وَعَنْ عَائِشَةَ " حِينَ «قَدِمَ مَكَّةَ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ الْبَيْتَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَابْنِهِ عُثْمَانَ وَغَيْرِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ (وَيَضْطَبِعُ) اسْتِحْبَابًا (غَيْرُ حَامِلِ مَعْذُورٍ) يَحْمِلُهُ بِرِدَائِهِ (فِي كُلِّ أُسْبُوعِهِ) نَصًّا بِأَنْ يَجْعَلَ وَسَطَ الرِّدَاءِ تَحْتَ عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ وَطَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَافَ مُضْطَبِعًا» وَرَوَيَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنْ الْجِعْرَانَةِ فَرَمَلُوا بِالْبَيْتِ وَجَعَلُوا أَرْدِيَتَهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ ثُمَّ قَذَفُوهَا عَلَى عَوَاتِقِهِمْ الْيُسْرَى» وَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَزَالَهُ
(وَيَبْتَدِئُهُ) أَيْ الطَّوَافَ (مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ) لِفِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَيُحَاذِيهِ) أَيْ الْحَجَرَ طَائِفٌ بِكُلِّ بَدَنِهِ وَيَسْتَقْبِلُهُ بِوَجْهِهِ (أَوْ) يُحَاذِي (بَعْضَهُ) أَيْ الْحَجَرِ (بِكُلِّ بَدَنِهِ) لِأَنَّ مَا لَزِمَ اسْتِقْبَالُهُ لَزِمَ بِجَمِيعِ الْبَدَنِ كَالْقِبْلَةِ (وَيَسْتَلِمُهُ) أَيْ يَمْسَحُ الْحَجَرَ (بِيَدِهِ الْيُمْنَى) وَالِاسْتِلَامُ مِنْ السَّلَامِ وَهُوَ التَّحِيَّةُ وَأَهْلُ الْيَمَنِ يُسَمُّونَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ الْمُحَيَّا لِأَنَّ النَّاسَ يُحَيُّونَهُ بِالِاسْتِلَامِ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مَرْفُوعًا «أَنَّهُ نَزَلَ مِنْ الْجَنَّةِ أَشَدَّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَنِ فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ»
وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ (وَيُقَبِّلُهُ) بِلَا صَوْتٍ يَظْهَرُ لِلْقُبْلَةِ لِحَدِيثِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَقَلَّ الْحَجَرَ وَوَضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ يَبْكِي طَوِيلًا ثُمَّ الْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَبْكِي فَقَالَ: يَا عُمَرُ هَهُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (وَيَسْجُدُ عَلَيْهِ) فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ
وَإِذَا شَقَّ) لِنَحْوِ زِحَامٍ اسْتِلَامُهُ وَتَقْبِيلُهُ (لَمْ يُزَاحِمْ وَاسْتَلَمَهُ بِيَدِهِ وَقَبَّلَهَا) رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَ يَدَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَإِذَا شَقَّ) اسْتِلَامُهُ بِيَدِهِ (فَ) إنَّهُ يَسْتَلِمُهُ (بِشَيْءٍ وَيُقَبِّلُهُ) أَيْ مَا اسْتَلَمَهُ بِهِ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا وَإِذَا شَقَّ) عَلَيْهِ اسْتِلَامُهُ أَيْضًا بِشَيْءٍ (أَشَارَ إلَيْهِ) أَيْ الْحَجَرِ (بِيَدِهِ الْيُمْنَى أَوْ بِشَيْءٍ) لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «طَافَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَعِيرٍ، فَلَمَّا أَتَى الْحَجَرَ أَشَارَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ وَكَبَّرَ» (وَلَا يُقَبِّلُهُ) أَيْ مَا أَشَارَ بِهِ إلَيْهِ (وَاسْتَقْبَلَهُ) أَيْ الْحَجَرَ، إذَا شَرَعَ فِي الطَّوَافِ (بِوَجْهِهِ وَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ إيمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِك، وَوَفَاءً بِعَهْدِك، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّك
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُهُ كُلَّمَا اسْتَلَمَهُ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ عِنْدَ اسْتِلَامِهِ» (ثُمَّ يَجْعَلُ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ) لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَافَ كَذَلِكَ وَقَالَ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» " وَلْيُقَرِّبْ جَانِبَهُ الْأَيْسَرَ لِلْبَيْتِ فَأَوَّلُ رُكْنٍ يَمُرُّ بِهِ يُسَمَّى الشَّامِيُّ، وَهُوَ جِهَةُ الشَّامِ ثُمَّ الْغَرْبِيُّ، وَهُوَ جِهَةُ الْمَغْرِبِ ثُمَّ الْيَمَانِيُّ، جِهَةُ الْيَمَنِ (وَيُرْمِلُ طَائِفٌ مَاشِيًا غَيْرَ حَامِلِ مَعْذُورٍ وَ) غَيْرُ (نِسَاءٍ، وَ) غَيْرُ (مُحْرِمٍ مِنْ مَكَّةَ أَوْ قُرْبَهَا فَيُسْرِعُ الْمَشْيَ، وَيُقَارِبُ الْخُطَى) جَمْعُ خُطْوَةٍ (فِي ثَلَاثَةِ أَشْوَاطٍ ثُمَّ بَعْدَهَا يَمْشِي أَرْبَعَةَ) أَشْوَاطٍ بِلَا رَمَلٍ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَتَقَدَّمَ، وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْهُ جَابِرٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ بِأَحَادِيثَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «رَمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عُمَرِهِ كُلِّهَا وَفِي حَجِّهِ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَالْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِهِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ
وَيَكُونُ الرَّمَلُ مِنْ الْحَجَرِ إلَى الْحَجَرِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ (وَلَا يَقْضِي فِيهَا) أَيْ الْأَرْبَعَةِ أَشْوَاطٍ (رَمَلَ فَاتَ) مِنْ الثَّلَاثَةِ قَبْلَهَا لِأَنَّهُ هَيْئَةٌ فَاتَ مَوْضِعُهَا فَسَقَطَ كَالْجَهْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ مِنْ مَغْرِبٍ وَعِشَاءٍ وَلِئَلَّا يَفُوتَهُ هَيْئَةُ الْمَشْيِ فِيهَا وَإِنْ تَرَكَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ أَتَى بِهِ فِيمَا بَقِيَ مِنْهَا.
(وَ) مَنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الرَّمَلِ مَعَ الدُّنُوِّ مِنْ الْبَيْتِ لِلزِّحَامِ وَأَمْكَنَهُ الرَّمَلُ إنْ طَافَ فِي
حَاشِيَةِ النَّاسِ فَ (الرَّمَلُ) فِي حَاشِيَةِ النَّاسِ (أَوْلَى لَهُ مِنْ الدُّنُوِّ مِنْ الْبَيْتِ) لِأَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى فَضِيلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِذَاتِ الْعِبَادَةِ، أَهَمُّ مِنْ فَضِيلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِمَكَانِهَا (وَالتَّأْخِيرُ) أَيْ تَأْخِيرُ الطَّوَافِ لِزَوَالِ الزِّحَامِ (لَهُ) أَيْ الرَّمَلِ (أَوْ لِلدُّنُوِّ) مِنْ الْبَيْتِ، أَيْ حَتَّى يَقْدِرَ عَلَيْهِمَا (أَوْلَى) مِنْ تَقْدِيمِ الطَّوَافِ مَعَ فَوَاتِ أَحَدِهِمَا لِيَأْتِيَ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ (وَكُلَّمَا حَاذَى) طَائِفٌ (الْحَجَرَ) الْأَسْوَدَ (وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ اسْتَلَمَهُمَا) نَدْبًا لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَدَعُ أَنْ يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ وَالْحَجَرَ فِي طَوَافِهِ» . قَالَ نَافِعٌ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد لَكِنْ لَا يُقَبِّلُ إلَّا الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ (أَوْ أَشَارَ إلَيْهِمَا) أَيْ الْحَجَرِ وَالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ إنْ شَقَّ اسْتِلَامُهُمَا وَ (لَا) يُسَنُّ اسْتِلَامُ الرُّكْنِ (الشَّامِيِّ وَهُوَ أَوَّلُ رُكْنٍ يَمُرُّ بِهِ وَلَا) اسْتِلَامُ الرُّكْنِ (الْغَرْبِيِّ وَهُوَ مَا يَلِيهِ) أَيْ الشَّامِيِّ نَصًّا لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَسْتَلِمُ إلَّا الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ وَقَالَ: مَا أَرَاهُ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحَجَرَ، إلَّا لِأَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ وَلَا طَافَ النَّاسُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ إلَّا لِذَلِكَ» وَأَيْضًا فَقَدْ أَنْكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى مُعَاوِيَةَ اسْتِلَامَهُمَا وَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21] فَقَالَ مُعَاوِيَةُ " صَدَقْت " (وَيَقُولُ) طَائِفٌ كُلَّمَا (حَاذَى الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ اللَّهُ أَكْبَرُ) فَقَطْ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «طَافَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَعِيرٍ كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ بِيَدِهِ وَكَبَّرَ» " (وَ) يَقُولُ (بَيْنَ) الرُّكْنِ (الْيَمَانِيِّ وَبَيْنَهُ) أَيْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) لِحَدِيثِ أَحْمَدَ فِي الْمَنَاسِكِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُهُ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «وُكِّلَ بِهِ - يَعْنِي الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ - سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ فَمَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ قَالُوا: آمِينَ» (وَيَقُولُ فِي بَقِيَّةِ طَوَافِهِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا وَذَنْبًا مَغْفُورًا رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَاهْدِنِي السَّبِيلَ الْأَقْوَمَ وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمُ وَأَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ) وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَقُولُ: " رَبِّ قِنِي شُحَّ نَفْسِي " وَعَنْ عُرْوَةَ «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ: لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ وَأَنْتَ تُحْيِي بَعْدَ مَا أَمَتَّ» (وَيَدْعُو وَيَذْكُرُ بِمَا أَحَبَّ) وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَدَعُ
الْحَدِيثِ، إلَّا ذِكْرًا أَوْ قِرَاءَةً، أَوْ أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ، وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ لِحَدِيثِ «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ فَمَنْ تَكَلَّمَ فَلَا يَتَكَلَّمُ إلَّا بِخَيْرٍ» (وَتُسَنُّ الْقِرَاءَةُ فِيهِ) أَيْ الطَّوَافِ نَصًّا لِأَنَّهَا أَفْضَلُ الذِّكْرِ لَا الْجَهْرُ بِهَا قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَقَالَ أَيْضًا: جِنْسُ الْقِرَاءَةِ أَفْضَلُ مِنْ الطَّوَافِ (وَلَا يُسَنُّ رَمَلٌ، وَلَا اضْطِبَاعٌ فِي غَيْرِ هَذَا الطَّوَافِ) لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ إنَّمَا رَمَلُوا وَاضْطَبَعُوا فِيهِ، حَتَّى لَوْ تَرَكَهُمَا فِيهِ لَمْ يَقْضِهِمَا فِيمَا بَعْدَهُ لِأَنَّهُ هَيْئَةُ عِبَادَةٍ لَا تُقْضَى فِي عِبَادَةٍ أُخْرَى (وَمَنْ طَافَ رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا لَمْ يُجْزِهِ) طَوَافُهُ كَذَلِكَ (إلَّا) إنْ كَانَ رُكُوبُهُ أَوْ حَمْلُهُ (لِعُذْرٍ) لِحَدِيثِ «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ» وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ فَلَمْ يَجُزْ فِعْلُهَا رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا لِغَيْرِ عُذْرٍ، كَالصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا طَافَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاكِبًا لِعُذْرٍ فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَوَى «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثُرَ عَلَيْهِ النَّاسُ، يَقُولُونَ: هَذَا مُحَمَّدٌ هَذَا مُحَمَّدٌ حَتَّى خَرَجَ الْعَوَاتِقُ مِنْ الْبُيُوتِ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُضْرَبُ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَمَّا كَثُرُوا عَلَيْهِ رَكِبَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَلَا يُجْزِئُ) الطَّوَافُ (عَنْ حَامِلِهِ) أَيْ الْمَعْذُورِ لِأَنَّ الْقَصْدَ هُنَا الْفِعْلُ وَهُوَ وَاحِدٌ فَلَا يَقَعُ عَلَى اثْنَيْنِ وَوُقُوعُهُ عَنْ الْمَحْمُولِ أَوْلَى لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهِ إلَّا لِنَفْسِهِ بِخِلَافِ الْحَامِلِ (إلَّا إنْ نَوَى) حَامِلٌ الطَّوَافَ (وَحْدَهُ) أَيْ دُونَ الْمَحْمُولِ (أَوْ نَوَيَا) أَيْ الْحَامِلُ وَالْمَحْمُولُ (جَمِيعًا) الطَّوَافَ (عَنْهُ) أَيْ الْحَامِلِ فَيُجْزِئُ عَنْهُ لِخُلُوصِ النِّيَّةِ مِنْهُمَا لِلْحَامِلِ (وَ) حُكْمُ سَعْيٍ (رَاكِبًا كَطَوَافٍ) رَاكِبًا نَصًّا فَلَا يَجْزِيهِ إلَّا لِعُذْرٍ (وَإِنْ طَافَ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ) تَوَجَّهَ الْإِجْزَاءُ، كَصَلَاتِهِ إلَيْهَا (أَوْ قَصَدَ فِي طَوَافِهِ غَرِيمًا وَقَصَدَ مَعَهُ طَوَافًا بِنِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ) أَيْ مُقَارِنَةٍ لِلطَّوَافِ (لَا حُكْمِيَّةٍ تَوَجَّهَ الْإِجْزَاءُ) فِي قِيَاسِ قَوْلِهِمْ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ - كَعَاطِسٍ قَصَدَ بِحَمْدِهِ قِرَاءَةً (قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ) وَالنِّيَّةُ الْحُكْمِيَّةُ: أَنْ يَنْوِيَهُ قَبْلُ، وَيَسْتَمِرُّ حُكْمُهَا وَهُوَ مَعْنَى اسْتِصْحَابُ حُكْمِهَا ذَكَرَهُ ابْنُ قُنْدُسٍ (وَيُجْزِئُ طَوَافٌ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ) نَحْوِ قُبَّةٍ وَ (لَا) يُجْزِئُ طَوَافُهُ (خَارِجَهُ) أَيْ الْمَسْجِدِ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ، وَلَا يَحْنَثُ بِهِ مَنْ حَلَفَ لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ (أَوْ مُنَكِّسًا) أَيْ لَوْ جَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَمِينِهِ وَطَافَ لَمْ يُجْزِئْهُ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَهُ عَنْ يَسَارِهِ فِي طَوَافِهِ وَقَالَ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (وَنَحْوَهُ) كَمَا لَوْ طَافَ الْقَهْقَرَى فَلَا يُجْزِئُهُ لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ) طَافَ (عَلَى جِدَارِ الْحِجْرِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ،
فَلَا يُجْزِئُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29] وَالْحِجْرُ مِنْهُ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «هُوَ مِنْ الْبَيْتِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ
(أَوْ) طَافَ عَلَى (شَاذَرْوَانَ الْكَعْبَةِ) بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ: وَهُوَ مَا فَضَلَ عَنْ جِدَارِهَا أَيْ عَرْضًا، فَلَا يُجْزِئُهُ، لِأَنَّهُ مِنْ الْبَيْتِ: فَإِذَا لَمْ يَطُفْ بِهِ لَمْ يَطُفْ بِكُلِّ الْبَيْتِ وَإِنْ مَسَّ الْجِدَارَ بِيَدِهِ فِي مُوَازَاةِ الشَّاذَرْوَانِ، صَحَّ طَوَافُهُ (أَوْ) طَافَ طَوَافًا (نَاقِصًا، وَلَوْ) نَقْصًا (يَسِيرًا) فَلَا يُجْزِئُهُ لِمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ طَافَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ وَالشَّاذَرْوَانِ: مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ (أَوْ) طَافَ (بِلَا نِيَّةٍ) لَمْ يُجْزِئْهُ، لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَكَالصَّلَاةِ (أَوْ) طَافَ (عُرْيَانًا) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعَثَهُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَ أَبَا بَكْرٍ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، يَوْمَ النَّحْرِ يُؤَذِّنُ: لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (أَوْ) طَافَ (مُحْدِثًا) أَكْبَرَ أَوْ أَصْغَرَ (أَوْ) طَافَ (نَجِسًا) لِحَدِيثِ «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ إلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ» وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ حِينَ حَاضَتْ «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» وَيَلْزَمُ النَّاسَ انْتِظَارُ حَائِضٍ فَقَطْ إنْ أَمْكَنَ وَيُسَنُّ فِعْلُ سَائِرِ الْمَنَاسِكِ عَلَى طَهَارَةٍ.
(وَ) إنْ طَافَ مُحْرِمٌ (فِيمَا لَا يَحِلُّ لِمُحْرِمٍ لُبْسُهُ) كَذَكَرٍ فِي مَخِيطٍ أَوْ مُطَيَّبٍ (يَصِحُّ طَوَافُهُ) لِعَوْدِ النَّهْيِ لِخَارِجٍ (وَيَفْدِي) لِفِعْلِ الْمَحْظُورِ (وَيَبْتَدِئُ الطَّوَافَ لِحَدَثٍ فِيهِ) تَعَمَّدَهُ أَوْ سَبَقَهُ بَعْدَ أَنْ يَتَطَهَّرَ كَالصَّلَاةِ (وَيَبْتَدِئُهُ لِقَطْعٍ طَوِيلٍ) عُرْفًا لِأَنَّ الْمُوَالَاةَ شَرْطٌ فِيهِ كَالصَّلَاةِ وَلِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالَى طَوَافَهُ وَقَالَ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»
(وَإِنْ كَانَ قَطَعَهُ يَسِيرًا أَوْ أُقِيمَتْ صَلَاةٌ) وَهُوَ فِي الطَّوَافِ (أَوْ حَضَرَتْ جِنَازَةٌ وَهُوَ فِيهِ صَلَّى وَبَنَى) عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ طَوَافِهِ لِحَدِيثِ «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» وَلِأَنَّ الْجِنَازَةَ تَفُوتُ بِالتَّشَاغُلِ وَيَبْتَدِئُ الشَّوْطَ (مِنْ الْحَجَرِ) الْأَسْوَدِ (فَلَا يَعْتَدُّ بِبَعْضِ شَوْطٍ قَطَعَ فِيهِ) قَالَهُ أَحْمَدُ وَكَذَا السَّعْيُ وَعُلِمَ مِمَّا سَبَقَ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِطَوَافٍ: عَقْلٌ وَنِيَّةٌ وَسَتْرُ عَوْرَةٍ، وَطَهَارَةٌ مِنْ حَدَثٍ لِغَيْرِ طِفْلٍ لَا يُمَيِّزُ، وَطَهَارَةٌ مِنْ خَبَثٍ، وَإِكْمَالُ السَّبْعِ، وَجَعْلُ الْبَيْتِ فِيهِ عَنْ يَسَارِهِ، وَكَوْنُهُ مَاشِيًا مَعَ قُدْرَةٍ، وَالْمُوَالَاةُ بَيْنَهُ، وَابْتِدَاؤُهُ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ بِحَيْثُ يُحَاذِيهِ وَكَوْنُهُ فِي الْمَسْجِدِ ; وَخَارِجَ الْبَيْتِ جَمِيعَهُ (فَإِذَا تَمَّ) طَوَافُهُ (تَنَفَّلَ بِرَكْعَتَيْنِ، وَالْأَفْضَلُ كَوْنُهُمَا خَلْفَ الْمَقَامِ) أَيْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ لِحَدِيثِ
جَابِرٍ فِي صِفَةِ حَجِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيهِ «ثُمَّ تَقَدَّمَ إلَى مَقَامِ إبْرَاهِيمَ فَقَرَأَ: ﴿وَاِتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125] فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ» الْحَدِيثَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ
وَلَا يُشْرَعُ تَقْبِيلُهُ وَلَا مَسْحُهُ فَسَائِرُ الْمَقَامَاتِ أَوْلَى وَكَذَا صَخْرَةُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (وَيَقْرَأُ فِيهِمَا بِ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] ، وَ) سُورَةَ (الْإِخْلَاصِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ) لِلْخَبَرِ (وَتُجْزِئُ مَكْتُوبَةٌ عَنْهُمَا) أَيْ عَنْ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ كَرَكْعَتَيْ الْإِحْرَامِ وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ (وَيُسَنُّ عَوْدُهُ) بَعْدَ الصَّلَاةِ (إلَى الْحَجَرِ) الْأَسْوَدِ (فَيَسْتَلِمُهُ) نَصًّا لِفِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَهُ جَابِرٌ فِي صِفَةِ حَجِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَ) يُسَنُّ (الْإِكْثَارُ مِنْ الطَّوَافِ كُلَّ وَقْتٍ) لَيْلًا وَنَهَارًا وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ نَصَّ أَنَّ الطَّوَافَ لِغَرِيبٍ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (وَلَهُ) أَيْ الطَّائِفِ (جَمْعُ أَسَابِيعَ بِرَكْعَتَيْنِ لِكُلِّ أُسْبُوعٍ) مِنْ تِلْكَ الْأَسَابِيعِ فَعَلَتْهُ عَائِشَةُ وَالْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ، وَكَوْنُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفْعَلْهُ لَا يُوجِبُ كَرَاهَةً لِأَنَّهُ لَمْ يَطُفْ أُسْبُوعَيْنِ وَلَا ثَلَاثَةً وَذَلِكَ غَيْرُ مَكْرُوهٍ بِالِاتِّفَاقِ وَلَا تُعْتَبَرُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ الطَّوَافِ وَالرَّكْعَتَيْنِ ; لِأَنَّ عُمَرَ صَلَّاهُمَا بِذِي طُوًى، وَأَخَّرَتْ أُمُّ سَلَمَةَ الرَّكْعَتَيْنِ حِينَ طَافَتْ رَاكِبَةً بِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَوْلَى أَنْ يَرْكَعَ لِكُلِّ أُسْبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ عَقِبَهُ (وَ) لِلطَّائِفِ (تَأْخِيرُ سَعْيِهِ عَنْ طَوَافِهِ بِطَوَافِ غَيْرِهِ) فَلَا تَجِبُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا وَلَا بَأْسَ أَنْ يَطُوفَ أَوَّلَ النَّهَارِ وَيَسْعَى آخِرَهُ
(وَإِنْ فَرَغَ مُتَمَتِّعٌ) مِنْ عُمْرَتِهِ وَحَجِّهِ (ثُمَّ عَلِمَ أَحَدَ طَوَافَيْهِ) لِلْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ كَانَ (بِلَا طَهَارَةٍ وَجَهِلَهُ) فَلَمْ يَدْرِ أَهُوَ طَوَافُ عُمْرَتِهِ أَوْ حَجِّهِ (لَزِمَهُ الْأَشَدُّ) أَيْ الْأَحْوَطُ مِنْهُمَا لِتَبْرَأَ ذِمَّتُهُ بِيَقِينٍ (وَهُوَ) أَيْ الْأَشَدُّ (جَعْلُهُ) أَيْ الطَّوَافَ بِلَا طَهَارَةٍ (لِلْعُمْرَةِ فَلَا يَحِلُّ مِنْهَا بِحَلْقٍ لِفَرْضِ) فَسَادِ طَوَافِهِ، فَكَأَنَّهُ حَلَقَ قَبْلَ طَوَافِ عُمْرَتِهِ (وَعَلَيْهِ بِهِ) أَيْ الْحَلْقِ (دَمٌ) لِأَنَّهُ مَحْظُورٌ فِي إحْرَامِهِ (وَيَصِيرُ قَارِنًا) بِإِدْخَالِ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ (وَيُجْزِئُهُ الطَّوَافُ لِلْحَجِّ) أَيْ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ (عَنْ النُّسُكَيْنِ) أَيْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ كَالْقَارِنِ ابْتِدَاءً
قُلْت: الِاحْتِيَاطُ: إعَادَةُ الطَّوَافِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ الَّذِي بِلَا طَهَارَةٍ فَلَا يَسْقُطُ فَرْضُهُ إلَّا بِيَقِينٍ (وَيُعِيدُ السَّعْيَ) لِوُقُوعِهِ بَعْدَ طَوَافٍ غَيْرِ مُعْتَدٍ بِهِ، لِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ بِلَا طَهَارَةٍ (وَإِنْ جَعَلَ) الطَّوَافَ بِلَا طَهَارَةٍ (مِنْ الْحَجِّ) أَيْ قَدَّرَ أَنَّهُ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ (فَيَلْزَمُهُ طَوَافُهُ) أَيْ الْحَجِّ (وَسَعْيُهُ) فَيُعِيدُ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ ثُمَّ يَسْعَى.
(وَ) يَلْزَمُهُ (دَمُ) التَّمَتُّعِ بِشُرُوطِهِ وَذَكَرْت فِي الْحَاشِيَةِ مَا فِي كَلَامِهِ فِي شَرْحِهِ (وَإِنْ كَانَ وَطِئَ)
الْمُتَمَتِّعُ (بَعْدَ حِلِّهِ مِنْ عُمْرَتِهِ) ثُمَّ عَلِمَ أَحَدَ طَوَافَيْهِ بِلَا طَهَارَةٍ وَفَرَضْنَاهُ طَوَافَ الْعُمْرَةِ (لَمْ يَصِحَّا) أَيْ الْحَجُّ وَلَا الْعُمْرَةُ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ حَجًّا عَلَى عُمْرَةٍ فَاسِدَةٍ لِوَطْئِهِ فِيهَا فَلَمْ يَصِحَّ وَيَلْغُو مَا فَعَلَهُ لِلْحَجِّ (وَتَحَلَّلَ بِطَوَافِهِ الَّذِي نَوَاهُ بِحَجِّهِ مِنْ عُمْرَتِهِ الْفَاسِدَةِ وَلَزِمَهُ) دَمَانِ (دَمٌ لِحَلْقِهِ) قَبْلَ إتْمَامِ عُمْرَتِهِ (وَدَمٌ لِوَطْئِهِ فِي عُمْرَتِهِ) وَلَوْ جُعِلَ مِنْ الْحَجِّ لَزِمَهُ طَوَافُهُ وَسَعْيُهُ وَدَمٌ فَقَطْ
[فَصْلٌ يَخْرُجُ لِلسَّعْيِ مِنْ بَابِ الصَّفَا فَيَرْقَى الصَّفَا]
فَصْلٌ ثُمَّ يَخْرُجُ لِلسَّعْيِ مِنْ بَابِ الصَّفَا (فَيَرْقَى الصَّفَا لِيَرَى الْبَيْتَ فَيَسْتَقْبِلُهُ وَيُكَبِّرُ ثَلَاثًا وَيَقُولُ ثَلَاثًا: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا هَدَانَا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، صَدَقَ وَعَدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ فِي صِفَةِ حَجِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «ثُمَّ خَرَجَ مِنْ الْبَابِ إلَى الصَّفَا فَلَمَّا دَنَا مِنْ الصَّفَا قَرَأَ ﴿" إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158] نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقَى عَلَيْهِ، حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَ وَقَالَ - وَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ - ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ وَقَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ " يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ " وَالْأَحْزَابُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ: قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ وَالْيَهُودُ (وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَتَى الصَّفَا فَعَلَا عَلَيْهِ، حَتَّى نَظَرَ إلَى الْبَيْتِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَدْعُو بِمَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَلَا يُلَبِّي) لِعَدَمِ نَقْلِهِ (ثُمَّ يَنْزِلُ) مِنْ الصَّفَا (فَيَمْشِي حَتَّى يَبْقَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَلَمِ نَحْوُ سِتَّةِ أَذْرُعٍ فَيَسْعَى مَاشٍ سَعْيًا شَدِيدًا إلَى الْعَلَمِ الْآخَرِ) مِيلٌ أَخْضَرُ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ حِذَاءَ دَارِ الْعَبَّاسِ (ثُمَّ يَمْشِي حَتَّى يَرْقَى الْمَرْوَةَ) مَكَانٌ مَعْرُوفٌ وَأَصْلُهَا الْحِجَارَةُ الْبَرَّاقَةُ الَّتِي يُقْدَحُ مِنْهَا النَّارُ (فَيَقُولُ) مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ (كَمَا قَالَ عَلَى الصَّفَا) مِنْ تَكْبِيرٍ وَتَهْلِيلٍ وَدُعَاءٍ (وَيَجِبُ اسْتِيعَابُ مَا بَيْنَهُمَا) أَيْ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ (فَيُلْصِقُ عَقِبَهُ) أَيْ عَقِبَ رِجْلَيْهِ (بِأَصْلِهِمَا) أَيْ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي ابْتِدَائِهِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا
وَيُلْصِقُ أَيْضًا أَصَابِعَهُ بِمَا يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا وَالرَّاكِبُ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِدَابَّتِهِ، فَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِمَّا بَيْنَهُمَا وَلَوْ دُونَ ذِرَاعٍ لَمْ يُجْزِئْهُ سَعْيُهُ (ثُمَّ يَنْزِلُ) مِنْ الْمَرْوَةِ (فَيَمْشِي فِي مَوْضِعِ مَشْيِهِ وَيَسْعَى فِي مَوْضِعِ سَعْيِهِ إلَى الصَّفَا يَفْعَلُهُ سَعْيًا ذَهَابُهُ سَعْيَةٌ وَرُجُوعُهُ سَعْيَةٌ) يَفْتَتِحُ بِالصَّفَا وَيَخْتِمُ بِالْمَرْوَةِ لِلْخَبَرِ (فَإِنْ بَدَأَ بِالْمَرْوَةِ لَمْ يُحْتَسَبْ بِذَلِكَ الشَّوْطُ) وَيُكْثِرُ مِنْ الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ.
قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ إذَا سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَالَ " رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَاعْفُ عَمَّا تَعْلَمُ، وَأَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ " وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنَّمَا جَعَلَ رَمْيَ الْجِمَارِ وَالسَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ
(وَيُشْتَرَطُ) لِلسَّعْيِ (نِيَّةٌ) لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (وَ) يُشْتَرَطُ لَهُ (مُوَالَاةٌ) قِيَاسًا عَلَى الطَّوَافِ (وَ) يُشْتَرَطُ (كَوْنُهُ بَعْدَ طَوَافِ) نُسُكٍ (وَلَوْ مَسْنُونًا) كَطَوَافِ الْقُدُومِ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «سَعَى بَعْدَ الطَّوَافِ، وَقَالَ: لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» فَلَوْ سَعَى بَعْدَ طَوَافِهِ ثُمَّ عَلِمَهُ بِلَا طَهَارَةٍ أَعَادَ السَّعْيَ وَلَا يُسَنُّ بَعْدَ كُلِّ طَوَافٍ (وَتُسَنُّ مُوَالَاتُهُ بَيْنَهُمَا) أَيْ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ بِأَنْ لَا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا طَوِيلًا.
(وَ) تُسَنُّ لَهُ (طَهَارَةٌ) مِنْ حَدَثٍ وَخَبَثٍ (وَسُتْرَةٌ) فَلَوْ سَعَى عُرْيَانًا أَوْ مُحْدِثًا أَجْزَأَهُ لَكِنْ سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَاجِبٌ مُطْلَقًا
وَ (لَا) يُسَنُّ فِيهِ (اضْطِبَاعٌ) نَصًّا (وَالْمَرْأَةُ لَا تَرْقَى) الصَّفَا وَلَا الْمَرْوَةَ لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ (وَلَا تَسْعَى سَعْيًا شَدِيدًا) لِأَنَّهُ لِإِظْهَارِ الْجَلَدِ وَلَا يُقْصَدُ ذَلِكَ فِي حَقِّهَا بَلْ الْمَقْصُودُ مِنْهَا السَّتْرُ وَذَلِكَ تَعَرُّضٌ لِلِانْكِشَافِ (وَتُسَنُّ مُبَادَرَةُ مُعْتَمِرٍ بِذَلِكَ) أَيْ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، لِفِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَ) يُسَنُّ (تَقْصِيرُهُ) أَيْ الْمُتَمَتِّعِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ (لِيَحْلِقَ) شَعْرَهُ (وَيَتَحَلَّلَ مُتَمَتِّعٌ) لِأَنَّ عُمْرَتَهُ تَمَّتْ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالتَّقْصِيرِ (لَمْ يَسُقْ هَدْيًا وَلَوْ لَبَّدَ رَأْسَهُ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «تَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ قَالَ: مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ أَحْرَمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ وَلِيَحِلَّ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَمَنْ مَعَهُ هَدْيٌ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا نَصًّا وَالْمُعْتَمِرُ غَيْرُ الْمُتَمَتِّعِ يَحِلُّ، سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ أَوْ لَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ غَيْرِهَا
وَإِنْ تَرَكَ الْحَلْقَ أَوْ التَّقْصِيرَ فِي عُمْرَتِهِ وَوَطِئَ قَبْلَهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَعُمْرَتُهُ صَحِيحَةٌ رُوِيَ أَنَّ