شرح منتهى الإرادات = دقائق أولي النهى لشرح المنتهىصفحات 353-378
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ذَلِكَ.
فَإِذَا لَمْ يَحْفَظْهَا لَمْ يَفْعَلْ مَا الْتَزَمَهُ (كَحِرْزِ سَرِقَةٍ) أَيْ: فِي كُلِّ مَالٍ بِحَسْبِهِ.
وَيَأْتِي فِي بَابِهَا (فَإِنْ عَيَّنَهُ) أَيْ: الْحِرْزَ (رَبُّهَا) أَيْ: الْوَدِيعَةِ.
بِأَنْ قَالَ: احْفَظْهَا بِهَذَا الْبَيْتِ أَوْ الْحَانُوتِ (فَأَحْرَزَهَا بِدُونِهِ) أَيْ: دُونِ الْمُعَيَّنِ رُتْبَةً فِي الْحِفْظِ فَضَاعَتْ (ضَمِنَ) لِمُخَالَفَتِهِ.
وَلِأَنَّ بُيُوتَ الدَّارِ تَخْتَلِفُ: فَمِنْهَا مَا هُوَ أَسْهَلُ نَقْبًا وَنَحْوُهُ، (وَلَوْ رَدَّهَا إلَى) الْحِرْزِ (الْمُعَيَّنِ) بَعْدَ ذَلِكَ وَتَلِفَتْ فِيهِ فَيَضْمَنُهَا لِتَعَدِّيهِ بِوَضْعِهَا فِي الدُّونِ فَلَا تَعُودُ أَمَانَةً إلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ.
(وَ) إنْ أَحْرَزَهَا (بِمِثْلِهِ) أَيْ: الْحِرْزِ الْمُعَيَّنِ فِي الْحِفْظِ (أَوْ) أَحْرَزَهَا فِي حِرْزٍ (فَوْقَهُ) أَيْ: الْحِفْظِ مِنْهُ.
كَمَا لَوْ أَوْدَعَهُ خَاتَمًا وَقَالَ لَهُ: الْبَسْهُ فِي خِنْصَرِكَ فَلَبِسَهُ فِي بِنْصِرِهِ (وَلَوْ لِغَيْرِ حَاجَةٍ لَا يَضْمَنُ) الْوَدِيعَةَ إنْ تَلِفَتْ.
لِأَنَّ تَعْيِينَ الْحِرْزِ يَقْتَضِي الْإِذْنَ فِي مِثْلِهِ كَمَنْ اكْتَرَى أَرْضًا لِزَرْعِ بُرٍّ لَهُ زَرْعُهَا إيَّاهُ وَمِثْلُهُ ضَرَرًا وَاقْتَضَى الْإِذْنَ فِيمَا هُوَ أَحْفَظُ مِنْ بَابٍ أَوْلَى.
كَزَرْعِ مَا هُوَ دُونَ الْبُرِّ ضَرَرًا.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْجَعْلِ أَوَّلًا فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ وَبَيْنَ النَّقْلِ إلَيْهِ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ.
وَفِي التَّلْخِيصِ: وَأَصْحَابُنَا لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ تَلَفِهَا بِسَبَبِ النَّقْلِ وَبَيْنَ تَلَفِهَا بِغَيْرِهِ.
وَعِنْدِي إذَا حَصَلَ التَّلَفُ بِسَبَبِ النَّقْلِ كَانْهِدَامِ الْبَيْتِ الْمَنْقُولِ إلَيْهِ ضَمِنَ انْتَهَى.
وَإِنْ كَانَتْ عَيْنٌ فِي بَيْتِ رَبِّهَا وَقَالَ لِآخَرَ: احْفَظْهَا فِي مَوْضِعِهَا فَنَقَلَهَا مِنْهُ بِلَا خَوْفٍ ضَمِنَهَا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَدِيعٍ بَلْ وَكِيلٌ فِي حِفْظِهَا فَلَا يُخْرِجُهَا مِنْ مِلْكِ صَاحِبِهَا وَلَا مِنْ مَوْضِعٍ اسْتَأْجَرَهُ لَهَا إلَّا إنْ خَافَ عَلَيْهَا فَعَلَيْهِ إخْرَاجُهَا ; لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِحِفْظِهَا وَقَدْ تَعَيَّنَ حِفْظُهَا فِي إخْرَاجِهَا وَيُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ حَضَرَ رَبُّهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ لَأَخْرَجَهَا وَكَالْمُسْتَوْدَعِ إذَا خَافَ عَلَيْهَا (، وَإِنْ نَهَاهُ) رَبُّهَا (عَنْ إخْرَاجِهَا) مِنْ مَكَان عَيَّنَهُ لِحِفْظِهَا (فَأَخْرَجَهَا) وَدِيعٌ مِنْهُ (لِغَشَيَانٍ) أَيْ: وُجُودِ (شَيْءٍ الْغَالِبُ مِنْهُ الْهَلَاكُ) كَحَرِيقٍ وَنَهْبٍ فَتَلِفَتْ (لَمْ يَضْمَنْ) مَا تَلِفَ بِنَقْلِهَا (إنْ وَضَعَهَا فِي حِرْزِ مِثْلِهَا أَوْ فَوْقَهُ) لِتَعَيُّنِ نَقْلِهَا ; لِأَنَّ فِي تَرْكِهَا تَضْيِيعًا لَهَا، (فَإِنْ تَعَذَّرَ) عَلَيْهِ مِثْلُ حِرْزِهَا الْأَوَّلِ وَفَوْقَهُ (فَأَحْرَزَهَا فِي دُونِهِ) فِي الْحِفْظِ فَتَلِفَتْ بِهِ (لَمْ يَضْمَنْ) ; لِأَنَّهُ أَحْفَظُ لَهَا مِنْ تَرْكِهَا بِمَكَانِهَا وَلَيْسَ فِي وُسْعِهِ إذَنْ سِوَاهُ (وَإِنْ تَرَكَهَا إذَنْ) بِمَكَانِهَا مَعَ غَشَيَانِ مَا الْغَالِبُ مَعَهُ الْهَلَاكُ فَتَلِفَتْ ضَمِنَ لِتَفْرِيطِهِ وَيَحْرُمُ (أَوْ أَخْرَجَهَا) مِنْ حِرْزٍ نَهَاهُ مَالِكُهَا عَنْ إخْرَاجِهَا مِنْهُ (لِغَيْرِ خَوْفٍ فَتَلِفَتْ) بِالْأَمْرِ الْمَخُوفِ أَوْ غَيْرِهِ (ضَمِنَ) ، سَوَاءٌ أَخْرَجَهَا إلَى مِثْلِهِ أَوْ أَحْرَزَ مِنْهُ لِمُخَالَفَةِ رَبِّهَا بِلَا حَاجَةٍ وَيَحْرُمُ، (فَإِنْ قَالَ) لَهُ مَالِكُهَا: (لَا تُخْرِجْهَا وَإِنْ خِفْتَ عَلَيْهَا فَحَصَلَ خَوْفٌ وَأَخْرَجَهَا) خَوْفًا عَلَيْهَا (أَوْ لَا) أَيْ: لَوْ لَمْ

يُخْرِجْهَا مَعَ الْخَوْفِ (فَتَلِفَتْ) مَعَ إخْرَاجِهَا أَوْ تَرْكِهِ (لَمْ يَضْمَنْهَا) ; لِأَنَّهُ إنْ تَرَكَهَا فَهُوَ مُمْتَثِلٌ أَمْرَ صَاحِبِهَا لِنَهْيِهِ عَنْ إخْرَاجِهَا مَعَ الْخَوْفِ كَمَا لَوْ أَمَرَهُ بِإِتْلَافِهَا، وَإِنْ أَخْرَجَهَا فَقَدْ زَادَهُ خَيْرًا وَحِفْظًا كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ: أَتْلِفْهَا فَلَمْ يُتْلِفْهَا حَتَّى تَلِفَتْ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا بِلَا خَوْفٍ فَتَلِفَتْ ضَمِنَ كَمَا تَقَدَّمَ.

(وَإِنْ لَمْ يَعْلِفْ) وَدِيعٌ (بَهِيمَةً) أَوْ يُسْقِهَا (حَتَّى مَاتَتْ) جُوعًا أَوْ عَطَشًا (ضَمِنَهَا) ; لِأَنَّ عَلَفَهَا وَسَقْيَهَا مِنْ كَمَالِ الْحِفْظِ الَّذِي الْتَزَمَهُ بِالِاسْتِيدَاعِ بَلْ هُوَ الْحِفْظُ بِعَيْنِهِ، إذْ الْحَيَوَانُ لَا يَبْقَى عَادَةً بِدُونِهِمَا وَيَلْزَمَانِهِ، وَ (لَا) يَضْمَنُ (إنْ نَهَاهُ مَالِكٌ) عَنْ عَلْفِهَا وَسَقْيِهَا فَتَرَكَهَا حَتَّى مَاتَتْ لِامْتِثَالِهِ كَمَا لَوْ أَمَرَهُ بِقَتْلِهَا فَقَتَلَهَا، (وَيَحْرُمُ) تَرْكُ عَلْفِهَا وَسَقْيِهَا مُطْلَقًا لِحُرْمَتِهَا فِي نَفْسِهَا فَيَجِبُ إحْيَاؤُهَا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، (وَإِنْ أَمَرَهُ بِهِ) أَيْ: أَمَرَ رَبُّهَا الْوَدِيعَ بِعَلْفِهَا (لَزِمَهُ) لِمَا سَبَقَ ; وَلِأَنَّهُ أَخَذَهَا مِنْ مَالِكِهَا عَلَيْهِ.

(وَ) إنْ قَالَ رَبُّ وَدِيعَةٍ لِوَدِيعٍ (اُتْرُكْهَا فِي جَيْبِكَ فَتَرَكَهَا فِي يَدِهِ أَوْ فِي كُمِّهِ) ضَمِنَ ; لِأَنَّ الْجَيْبَ أَحْرَزُ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْسَى فَيَسْقُطُ الشَّيْءُ مِنْ يَدِهِ أَوْ كُمِّهِ (أَوْ) قَالَ لَهُ: اُتْرُكْهَا (فِي كُمِّكَ فَتَرَكَهَا فِي يَدِهِ أَوْ عَكْسِهِ) بِأَنْ قَالَ لَهُ: اُتْرُكْهَا فِي يَدِكَ فَتَرَكَهَا فِي كُمِّهِ ضَمِنَ ; لِأَنَّ سُقُوطَ الشَّيْءِ مِنْ الْيَدِ مَعَ النِّسْيَانِ أَكْثَرُ مِنْ سُقُوطِهِ مِنْ الْكُمِّ وَتَسَلُّطَ الطِّرَارَ بِالْبَطِّ عَلَى الْكُمِّ بِخِلَافِ الْيَدِ فَكُلٌّ مِنْهُمَا أَدْنَى مِنْ الْآخَرِ حِفْظًا مِنْ وَجْهٍ، (أَوْ أَخَذَهَا) أَيْ: الْوَدِيعَةَ (بِسُوقِهِ وَأُمِرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ أَيْ: أَمَرَهُ مَالِكُهَا (بِحِفْظِهَا فِي بَيْتِهِ فَتَرَكَهَا إلَى حِينِ مُضِيِّهِ) أَيْ: فَوْقَ مَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَمْضِيَ فِيهِ (فَتَلِفَتْ) قَبْلَ مُضِيِّهِ بِهَا إلَى بَيْتِهِ ضَمِنَ ; لِأَنَّ الْبَيْتَ أَحْفَظُ وَفِي تَرْكِهَا إلَى مُضِيِّهِ تَفْرِيطٌ (أَوْ قَالَ) لَهُ رَبُّهَا (: احْفَظْهَا فِي هَذَا الْبَيْتِ وَلَا تُدْخِلْهُ أَحَدًا فَخَالَفَ) وَأَدْخَلَهُ غَيْرَهُ (فَتَلِفَتْ بِحَرْقٍ أَوْ نَحْوِهِ) كَنَهْبٍ (أَوْ سَرِقَةٍ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ دَاخِلٍ) إلَى الْبَيْتِ (ضَمِنَ) ; لِأَنَّ الدَّاخِلَ رُبَمَا شَاهَدَهَا فِي دُخُولِهِ وَعَلِمَ مَوْضِعَهَا وَطَرِيقَ الْوُصُولِ إلَيْهَا فَسَرَقَهَا أَوْ دَلَّ عَلَيْهَا وَقَدْ خَالَفَ مَالِكُهَا بِإِدْخَالِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ نَهَاهُ عَنْ إخْرَاجِهَا فَأَخْرَجَهَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَ (لَا) يَضْمَنُ (إنْ قَالَ) لَهُ رَبُّهَا (: اُتْرُكْهَا فِي كُمِّك أَوْ) فِي (يَدِكَ فَتَرَكَهَا فِي جَيْبِهِ) لِأَنَّهُ أَحْرَزُ.
فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا غَيْرَ مَزْرُورٍ ضَمِنَ.
ذَكَرَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ.
وَكَذَا لَوْ أَمَرَهُ بِحِفْظِهَا وَلَمْ يُعَيِّنْ حِرْزًا فَتَرَكَهَا فِي جَيْبِهِ الضَّيِّقِ الْفَمِ أَوْ الْمَزْرُورِ أَوْ شَدَّهَا فِي كُمِّهِ أَوْ عَلَى عَضُدِهِ مِنْ جَانِبِ الْجَيْبِ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ تَرَكَهَا فِي كُمِّهِ بِلَا شَدٍّ وَهِيَ ثَقِيلَةٌ يَشْعُرُ بِهَا، أَوْ تَرَكَهَا فِي وَسَطِهِ وَشَدَّ عَلَيْهَا سَرَاوِيلَهُ، (أَوْ أَلْقَاهَا) وَدِيعٌ (عِنْدَ هُجُومِ نَاهِبٍ وَنَحْوِهِ) كَقَاطِعِ طَرِيقٍ (إخْفَاءً لَهَا) فَلَا يَضْمَنُ ; لِأَنَّهُ

عَادَةُ النَّاسُ فِي حِفْظِ أَمْوَالِهِمْ، وَإِنْ أَمَرَهُ بِحِفْظِهَا وَأَطْلَقَ فَشَدَّهَا عَلَى وَسَطِهِ فَهُوَ أَحَرَزُ لَهَا.
وَكَذَا إنْ تَرَكَهَا بِبَيْتِهِ فِي حِرْزِهَا.
وَإِنْ أَمَرَهُ بِحِفْظِهَا فِي صُنْدُوقٍ وَقَالَ: لَا تَقْفِلْ عَلَيْهَا وَلَا تَنَمْ فَوْقَهَا فَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ.
أَوْ قَالَ: لَا تَقْفِلْ عَلَيْهَا إلَّا قُفْلًا وَاحِدًا فَجَعَلَ عَلَيْهَا قُفْلَيْنِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي

. (وَإِنْ قَالَ مُودِعُ خَاتَمٍ) لِوَدِيعٍ: (اجْعَلْهُ فِي الْبِنْصِرِ فَجَعَلَهُ فِي الْخِنْصِرِ) بِكَسْرِ الصَّادِ فِيهِمَا فَضَاعَ (ضَمِنَهُ لَا عَكْسُهُ) بِأَنْ قَالَ: اجْعَلْهُ فِي الْخِنْصَرِ فَجَعَلَهُ فِي الْبِنْصِرِ فَلَا يَضْمَنُهُ لِأَنَّهَا أَغْلَظُ، فَهِيَ أَحَرَزُ (إلَّا إنْ انْكَسَرَ) الْخَاتَمُ (لِغِلَظِهَا) أَيْ: الْبِنْصِرِ فَيَضْمَنُهُ ; لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ بِمَا لَمْ يُؤْذِنْ فِيهِ مَالِكُهُ.
فَإِنْ جَعَلَهُ فِي الْوُسْطَى وَأَمْكَنَ إدْخَالُهُ فِي جَمِيعِهَا فَضَاعَ لَمْ يَضْمَنْهُ.
وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي جَمِيعِهَا فَجَعَلَهُ فِي بَعْضِهَا ضَمِنَ، لِأَنَّهُ أَدْنَى مِنْ الْمَأْمُورِ بِهِ

(وَإِنْ دَفَعَهَا) أَيْ: دَفَعَ مُسْتَوْدِعُ الْوَدِيعَةِ (إلَى مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ) أَيْ: الْمُسْتَوْدَعِ (عَادَةً كَزَوْجَتِهِ وَعَبْدِهِ وَنَحْوِهِمَا) كَخَازِنِهِ فَتَلِفَتْ لَمْ يَضْمَنْ ; لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ عَادَةً أَشْبَهَ مَا لَوْ سَلَّمَ الْمَاشِيَةَ إلَى الرَّاعِي (أَوْ) دَفَعَهَا (لِعُذْرٍ) كَمَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْ أَرَادَ السَّفَرَ.
وَلَيْسَ أَحْفَظَ لَهَا (إلَى أَجْنَبِيٍّ) ثِقَةٍ (أَوْ) حَاكِمٍ فَتَلِفَتْ (لَمْ يَضْمَنْ) ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ وَلَمْ يُفَرِّطْ (وَإِلَّا) يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ حِينَ دَفَعَهَا إلَى الْأَجْنَبِيِّ (ضَمِنَ) لِتَعَدِّيهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُودِعَ بِلَا عُذْرٍ (وَلِمَالِكِ) الْوَدِيعَةِ إذَنْ (مُطَالَبَةُ الْأَجْنَبِيِّ أَيْضًا) بِبَدَلِ الْوَدِيعَةِ ; لِأَنَّهُ قَبَضَ مَا لَيْسَ لَهُ قَبْضُهُ أَشْبَهَ الْمُودِعَ مِنْ الْغَاصِبِ، (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْأَجْنَبِيِّ (الْقَرَارُ) أَيْ: قَرَارُ الضَّمَانِ (إنْ عَلِمَ) الْحَالَ لِتَعَدِّيهِ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَعَلَى وَدِيعٍ أَوَّلَ، لِأَنَّهُ غَيْرُهُ

. (وَإِنْ دَلَّ) مُودَعٌ بِفَتْحِ الدَّالِ (لِصًّا) عَلَى وَدِيعَةٍ فَسَرَقَهَا (ضَمِنَا) أَيْ: الْمُودَعُ وَاللِّصُّ.
أَمَّا الْمُودَعُ فَلِمُنَافَاةِ دَلَالَتِهِ لِلْحِفْظِ الْمَأْمُورِ بِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ دَفَعَهَا لِغَيْرِهِ.
وَأَمَّا اللِّصُّ فَلِأَنَّهُ الْمُتْلِفُ لَهَا (وَعَلَى اللِّصِّ الْقَرَارُ) لِمُبَاشَرَتِهِ.

(وَمَنْ أَرَادَ سَفَرًا) وَبِيَدِهِ وَدِيعَةٌ (أَوْ) لَمْ يُرِدْ سَفَرًا، بَلْ (خَافَ عَلَيْهَا عِنْدَهُ) مِنْ نَهْبٍ أَوْ غَرَقٍ وَنَحْوَهُمَا (رَدَّهَا إلَى مَالِكهَا أَوْ) إلَى (مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ) أَيْ: مَالَ مَالِكِهَا (عَادَةً) كَزَوْجَتِهِ وَعَبْدِهِ (أَوْ) إلَى (وَكِيلِهِ) أَيْ: وَكِيلِ مَالِكِهَا (فِي قَبْضِهَا إنْ كَانَ) ; لِأَنَّ فِيهِ تَخَلُّصًا لَهُ مِنْ دَرْكِهَا وَإِيصَالًا لِلْحَقِّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ، فَإِنْ دَفَعَهَا إلَى حَاكِمٍ إذَنْ ضَمِنَ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى رَشِيدٍ حَاضِرٍ.
وَعَلَيْهِ مُؤْنَةُ رَدِّهَا لِتَعَدِّيهِ، (وَلَا يُسَافِرُ) الْوَدِيعُ (بِهَا) مَعَ حُضُورِ مَالِكِهَا أَوْ مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ أَوْ وَكِيلِهِ.
بِدُونِ إذْنِ رَبِّهَا (وَإِنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهَا) فِي السَّفَرِ، (أَوْ كَانَ) السَّفَرُ (أَحْفَظَ لَهَا) فَيَضْمَنُ لِتَفْرِيطِهِ ; لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ

عَلَى مَالِكِهَا إمْكَانَ اسْتِرْجَاعِهَا وَيُخَاطِرُ بِهَا.
لِحَدِيثِ " «إنَّ الْمُسَافِرَ وَمَالَهُ لَعَلَى فَلْتٍ إلَّا مَا وَقَى اللَّهُ» أَيْ: عَلَى هَلَاكٍ هَذَا مَا قَوَّاهُ فِي الْمُغْنِي قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمَذْهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَالْوَجِيزِ الْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ.
وَهُوَ الصَّوَابُ.
وَقَالَ (الْمُنَقِّحُ) فِي التَّنْقِيحِ بَعْدَ أَنْ قَدَّمَ مَعْنَى مَا سَبَقَ: (وَالْمَذْهَبُ بَلَى) أَيْ: لَهُ السَّفَرُ بِهَا (وَالْحَالَةُ هَذِهِ) أَيْ: إنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهَا فِي السَّفَرِ أَوْ كَانَ أَحْفَظَ لَهَا (وَنَصَّ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى أَنَّ لَهُ السَّفَرَ بِهَا (مَعَ حُضُورِهِ) أَيْ: مَالِكِهَا (انْتَهَى) ، فَلَا يَضْمَنُهَا إنْ تَلِفَتْ مَعَهُ، سَوَاءٌ كَانَ بِهِ ضَرُورَةٌ إلَى السَّفَرِ أَوْ لَا ; لِأَنَّهُ نَقَلَهُ إلَى مَوْضِعٍ مَأْمُونٍ كَمَا لَوْ نَقَلَهَا فِي الْبَلَدِ.
وَمَحِلُّهُ إنْ لَمْ يَنْهَهُ عَنْهُ كَمَا فِي الْفُرُوعِ.
وَفِي الْمُبْهِجِ وَالْمُوجَزِ وَالْغَالِبُ السَّلَامَةُ.
وَلَهُ مَا أَنْفَقَ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ قَالَهُ الْقَاضِي.
وَفِي الْفُرُوعِ.
وَيَتَوَجَّهُ كَنَظَائِرِهِ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ) أَيْ: يَجِدْ الْوَدِيعُ مَالِكَهَا، وَقَدْ أَرَادَ السَّفَرَ (وَلَا) وَجَدَ (وَكِيلَهُ) قُلْتُ: وَلَا مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ عَادَةً (حَمَلَهَا مَعَهُ) عَلَى الْقَوْلَيْنِ (إنْ كَانَ) السَّفَرُ (أَحْفَظَ) لَهَا (وَلَمْ يَنْهَهُ) مَالِكُهَا عَنْهُ ; لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ.
فَإِنْ تَلِفَتْ لَمْ يَضْمَنْهَا، فَإِنْ نَهَاهُ عَنْهُ مَالِكُهَا لَمْ يُسَافِرْ بِهَا وَيَضْمَنُ إنْ فَعَلَ إلَّا لِعُذْرٍ كَجَلَاءِ أَهْلِ الْبَلَدِ أَوْ هُجُومِ عَدُوٍّ أَوْ حَرْقٍ أَوْ غَرَقٍ فَلَا ضَمَانَ.
وَيَجِبُ الضَّمَانُ بِالتَّرْكِ (وَإِلَّا) يَكُنْ السَّفَرُ أَحْفَظَ، وَلَوْ اسْتَوَيَا أَوْ نَهَاهُ الْمَالِكُ عَنْهُ (دَفَعَهَا لِحَاكِمٍ) لِقِيَامِهِ مَقَامَ صَاحِبِهَا عِنْدَ غَيْبَتِهِ، (فَإِنْ تَعَذَّرَ) دَفْعُهَا لِحَاكِمٍ (فَلِثِقَةٍ كَمَنْ) أَيْ: كَمُودِعٍ (حَضَرَهُ الْمَوْتُ) ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْ السَّفَرِ وَالْمَوْتِ سَبَبٌ لِخُرُوجِ الْوَدِيعَةِ عَنْ يَدِهِ.
وَرُوِيَ «أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عِنْدَهُ وَدَائِعُ فَلَمَّا أَرَادَ الْهِجْرَةَ أَوْدَعَهَا عِنْدَ أُمِّ أَيْمَنَ وَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَرُدَّهَا إلَى أَهْلِهَا» (أَوْ دَفَنَهَا وَأَعْلَمَ) بِهَا (سَاكِنًا ثِقَةً) لِحُصُولِ الْحِفْظِ بِذَلِكَ، (فَإِنْ لَمْ يُعْلِمْهُ) فَضَاعَتْ (ضَمِنَهَا) أَيْ الْمُودَعُ لِتَفْرِيطِهِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَمُوتُ فِي سَفَرِهِ فَلَا تَصِلُ إلَى صَاحِبِهَا وَرُبَمَا نَسِيَ مَوْضِعَهَا أَوْ أَصَابَتْهَا آفَةٌ وَكَذَا إنْ أَعْلَمَ الْمُودَعَ بِهَا غَيْرَ ثِقَةٍ لِأَنَّهُ رُبَمَا أَخَذَهَا أَوْ دَلَّ عَلَيْهَا أَوْ أَعْلَمَ بِهَا غَيْرَ سَاكِنٍ فِي الدَّارِ لِأَنَّهُ لَمْ يُودِعْهُ إيَّاهَا وَلَا يُمْكِنُهُ حِفْظُهَا (وَلَا يَضْمَنُ مُسَافِرٌ أُودِعَ) وَدِيعَةً فِي سَفَرِهِ (فَسَافَرَ بِهَا فَتَلِفَتْ بِالسَّفَرِ) ; لِأَنَّ إيدَاعَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَقْتَضِي الْإِذْنَ فِي السَّفَرِ بِهَا

(وَإِنْ تَعَدَّى) وَدِيعٌ فِي وَدِيعَةٍ كَأَنْ كَانَتْ دَابَّةً (فَرَكِبَهَا لَا لِسَقْيِهَا) أَوْ عَلَفِهَا، وَلَهُ الِاسْتِعَانَةُ بِالْأَجَانِبِ فِي ذَلِكَ وَفِي الْحَمْلِ وَالنَّقْلِ (أَوْ) كَانَتْ ثِيَابًا فَ (لَبِسَهَا لَا لِخَوْفٍ) عَلَيْهَا (مِنْ عُثٍّ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ جَمْعُ عُثَّةٍ: سُوسَةٌ تَلْحَسُ الصُّوفَ

(وَنَحْوِهِ) كَافْتِرَاشِ فُرُشٍ لَا لِخَوْفٍ مِنْ عُثٍّ وَكَاسْتِعْمَالِ آلَةِ صِنَاعَةٍ مِنْ خَشَبٍ لَا لِخَوْفٍ مِنْ الْأَرَضَةِ (وَيَضْمَنُ) مُودَعُ ثِيَابٍ نَقْصَهَا بِعُثٍّ (إنْ لَمْ يَنْشُرْهَا) لِتَفْرِيطِهِ (أَوْ أَخْرَجَ الدَّرَاهِمَ) أَوْ الدَّنَانِيرَ الْمُودَعَةَ (لِيُنْفِقَهَا أَوْ لِيَنْظُرَ إلَيْهَا ثُمَّ رَدَّهَا) إلَى وِعَائِهَا وَلَوْ بِنِيَّةِ الْأَمَانَةِ (أَوْ كَسَرَ خَتْمَهَا أَوْ حَلَّ كِيسَهَا) بِلَا إخْرَاجٍ ضَمِنَهَا لِهَتْكِهِ الْحِرْزَ بِتَعَدِّيهِ (أَوْ جَحَدَهَا) أَيْ: الْوَدِيعَةَ مُودَعٌ (ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا) ضَمِنَهَا ; لِأَنَّهُ بِجَحْدِهِ خَرَجَ عَنْ الِاسْتِئْمَانِ فِيهَا فَلَمْ يَزُلْ عَنْهُ الضَّمَانُ بِإِقْرَارِهِ بِهَا لِعُدْوَانِ يَدِهِ (أَوْ خَلَطَهَا) أَيْ: الْوَدِيعَةَ بِمَا لَا تَتَمَيَّزُ عَنْهُ ضَمِنَهَا ; لِأَنَّهُ صَيَّرَهَا فِي حُكْمِ التَّالِفِ وَفَوَّتَ عَلَى نَفْسِهِ رَدَّهَا أَشْبَهَ مَا لَوْ أَلْقَاهَا فِي لُجَّةِ بَحْرٍ.
وَسَوَاءٌ كَانَ الْخَلْطُ بِمَالِ غَيْرِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ بِنَظِيرِهَا أَوْ أَجْوَدَ أَوْ أَدْنَى مِنْهَا وَ (لَا) يَضْمَنُهَا إنْ خَلَطَ (بِمُتَمَيِّزٍ) كَدَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ ; لِأَنَّهُ لَا يَعْجَزُ بِهِ عَنْ رَدِّهَا أَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَهَا بِصُنْدُوقٍ فِيهِ أَكْيَاسٌ لَهُ، (وَلَوْ) كَانَ التَّعَدِّي أَوْ الْجَحْدُ أَوْ الْخَلْطُ بِمَا لَا تَتَمَيَّزُ عَنْهُ (فِي إحْدَى عَيْنَيْنِ) بِأَنْ كَانَتْ الْوَدِيعَةُ كِيسَيْنِ فَفَعَلَ ذَلِكَ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ (بَطَلَتْ) الْأَمَانَةُ (فِيهِ) أَيْ: فِي الْكِيسِ مَثَلًا الَّذِي تَعَدَّى فِيهِ دُونَ الْآخَرِ، (وَوَجَبَ رَدُّهَا) أَيْ: الْوَدِيعَةِ حَيْثُ بَطَلَتْ (فَوْرًا) ; لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ مَحْضَةٌ وَقَدْ زَالَتْ بِالتَّعَدِّي (وَلَا تَعُودُ وَدِيعَةً) بِغَيْرِ عَقْدٍ مُتَجَدِّدٍ، (وَصَحَّ) قَوْلُ مَالِكٍ لِمُودَعٍ (كُلَّمَا خُنْتَ ثُمَّ عُدْتَ إلَى الْأَمَانَةِ فَأَنْتَ أَمِينٌ) لِصِحَّةِ تَعْلِيقِ الْإِيدَاعِ عَلَى الشَّرْطِ كَالْوَكَالَةِ وَإِنْ خَلَطَ إحْدَى وَدِيعَتَيْ زَيْدٍ بِالْأُخْرَى بِلَا إذْنٍ وَتَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ فَوَجْهَانِ.
ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَإِنْ اخْتَلَطَتْ الْوَدِيعَةُ بِلَا فِعْلِهِ ثُمَّ ضَاعَ الْبَعْضُ جُعِلَ مِنْ مَالِ الْمُودَعِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ.
ذَكَرَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ

(وَإِنْ أَخَذَ) مُودَعٌ مِنْ دَرَاهِمَ مُودَعَةٍ (دِرْهَمًا ثُمَّ رَدَّهُ) بِعَيْنِهِ (أَوْ) رَدَّ (بَدَلَهُ مُتَمَيِّزًا أَوْ أَذِنَ) مَالِكُهَا (فِي أَخْذِهِ) أَيْ: الدِّرْهَمِ (فَرَدَّ) الْآخِذُ (بَدَلَهُ بِلَا إذْنِهِ) أَيْ: الْمَالِكِ (فَضَاعَ الْكُلُّ) أَيْ: كُلُّ الدَّرَاهِمِ الْمُودَعَةِ (ضَمِنَهُ) أَيْ: الدِّرْهَمَ الْمَأْخُوذُ الْمُودَعُ (وَحْدَهُ) لِتَعَلُّقِ الضَّمَانِ بِالْأَخْذِ فَلَا يَضْمَنُ غَيْرَ مَا أَخَذَهُ كَمَا لَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ قَبْلَ رَدِّهِ (مَا لَمْ تَكُنْ) الدَّرَاهِمُ (مَخْتُومَةً أَوْ مَشْدُودَةً أَوْ) يَكُنْ (الْبَدَلُ غَيْرَ مُتَمَيِّزٍ فَيَضْمَنُ الْجَمِيعَ) لِهَتْكِهِ الْحِرْزَ فِي الْأَوَّلِيَّيْنِ وَلِخَلْطِهِ الْوَدِيعَةَ بِمَا لَا تَتَمَيَّزُ مِنْهُ فِي الثَّالِثَةِ، (وَيَضْمَنُ) وَدِيعٌ (بِخَرْقِ كِيسٍ) فِيهِ وَدِيعَةٌ (مِنْ فَوْقِ شَدٍّ) أَيْ: رِبَاطِ (أَرْشِهِ) أَيْ: (الْكِيسِ فَقَطْ) أَيْ: دُونَ مَا فِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَهْتِكْ حِرْزَهُ.
(وَ) يَضْمَنُ بِخَرْقِهِ (مِنْ تَحْتِهِ) أَيْ: الشَّدِّ (أَرْشَهُ وَمَا فِيهِ) إنْ ضَاعَ لِهَتْكِ الْحِرْزِ، وَلَا يَضْمَنُ بِمُجَرَّدِ نِيَّةِ التَّعَدِّي بَلْ

لَا بُدَّ مِنْ فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ

. (وَمَنْ أَوْدَعَهُ صَغِيرٌ وَدِيعَةً لَمْ يَبْرَأْ إلَّا بِرَدِّهَا لِوَلِيِّهِ) فِي مَالٍ كَدَيْنِهِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ (وَيَضْمَنُهَا) قَابِضُهَا مِنْ الصَّغِيرِ (إنْ تَلِفَتْ) لِتَعَدِّيهِ بِأَخْذِهَا (مَا لَمْ يَكُنْ) الصَّغِيرُ (مَأْذُونًا لَهُ) فِي الْإِيدَاعِ (أَوْ يَخَفْ) قَابِضُهَا مِنْ الصَّغِيرِ (هَلَاكَهَا مَعَهُ) إنْ تَرَكَهَا (كَضَائِعٍ وَمَوْجُودٍ فِي مَهْلَكَةٍ فَلَا) ضَمَانَ عَلَيْهِ بِأَخْذِهِ لِقَصْدِهِ بِهِ التَّخْلِيصَ مِنْ الْهَلَاكِ فَالْحَظُّ فِيهِ لِمَالِكِهِ

. (وَمَا أُودِعَ أَوْ أُعِيرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ: أَوْدَعَهُ مَالِكُهُ أَوْ أَعَارَهُ وَهُوَ جَائِزُ التَّصَرُّفِ (لِصَغِيرٍ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ سَفِيهٍ أَوْ قِنٍّ لَمْ يَضْمَنْ بِتَلَفٍ) فِي يَدِ قَابِضِهِ (وَلَوْ بِتَفْرِيطٍ) لِتَفْرِيطِ مَالِكِهِ بِدَفْعِهِ إلَى أَحَدِ هَؤُلَاءِ (وَيَضْمَنُ مَا أَتْلَفَهُ مُكَلَّفٌ غَيْرُ حُرٍّ) ; لِأَنَّهُ يَصِحُّ اسْتِحْفَاظُهُ وَدَخَلَ فِيهِ الْقِنُّ وَالْمُدَبَّرُ وَالْمُكَاتَبُ وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ (فِي رَقَبَتِهِ) ; لِأَنَّ إتْلَافَهُ مِنْ جِنَايَتِهِ، وَأَمَّا إتْلَافُ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ وَالسَّفِيهِ لِمَا أُودِعُوهُ أَوْ أُعِيرُوهُ فَهَدَرٌ ; لِأَنَّ مَالِكَهُ سَلَّطَهُمْ عَلَى مَالٍ كَمَا لَوْ دَفَعَ لِصَغِيرٍ أَوْ مَجْنُونٍ سِكِّينًا فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَمَاتَ فَإِنَّ دِيَتَهُ عَلَى عَاقِلَةِ الدَّافِعِ.

[فَصْلٌ وَالْمُودَعُ أَمِينٌ]

; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهَا أَمَانَةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58] (وَيُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ فِي رَدِّ) الْوَدِيعَةِ إلَى مَالِكِهَا أَوْ مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِي قَبْضِهَا.
أَشْبَهَ الْوَكِيلَ بِلَا جَعْلٍ، (وَلَوْ) ادَّعَى الْوَدِيعُ الرَّدَّ (عَلَى يَدِ قِنِّهِ) أَيْ: قِنِّ مُدَّعِي الرَّدِّ (أَوْ زَوْجَتِهِ أَوْ خَازِنِهِ) ; لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَهُ حِفْظُهَا بِنَفْسِهِ وَبِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ كَانَ لَهُ دَفْعُهَا كَذَلِكَ، وَكَذَا لَوْ ادَّعَى الرَّدَّ لِزَوْجَةِ رَبِّ الْمَالِ أَوْ مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ عَادَةً (أَوْ) كَانَتْ دَعْوَى الرَّدِّ مِنْ الْوَدِيعِ (بَعْدَ مَوْتِ رَبِّهَا إلَيْهِ) فَتُقْبَلُ بِيَمِينِهِ كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي حَيَاتِهِ (وَ) يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ (فِي قَوْلِهِ) لِمَالِكِهَا: (أَذِنْتَ لِي فِي دَفْعِهَا إلَى فُلَانٍ وَفَعَلْتُ) أَيْ: دَفَعْتُهَا لَهُ مَعَ إنْكَارِ مَالِكِهَا الْإِذْنَ نَصًّا لِأَنَّهُ ادَّعَى دَفْعًا يَبْرَأُ بِهِ مِنْ رَدِّ الْوَدِيعَةِ.
أَشْبَهَ مَا لَوْ ادَّعَى الرَّدَّ إلَى مَالِكِهَا.
وَلَا يَلْزَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِلْمَالِكِ غَيْرُ الْيَمِينِ مَا لَمْ يُقِرَّ بِالْقَبْضِ، وَكَذَا إنْ اعْتَرَفَ الْمَالِكُ بِالْإِذْنِ فِي الدَّفْعِ لَهُ، وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ دَفَعَ لَهُ إنْ كَانَ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ وَدِيعًا، وَإِنْ كَانَ دَائِنًا فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الضَّمَانِ مَا فِيهِ.
وَذَكَرَ الْأَزَجِيُّ: إنْ رَدَّ إلَى رَسُولِ مُوَكِّلٍ وَمُودِعٍ فَأَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ ضَمِنَ لِتَعَلُّقِ الدَّفْعِ بِثَالِثٍ.
وَيُحْتَمَلُ لَا.

(وَ) يُصَدَّقُ مُودَعٌ بِيَمِينِهِ فِي دَعْوَى (تَلَفِ) وَدِيعَةٍ

بِسَبَبٍ خَفِيٍّ كَسَرِقَةٍ لِتَعَذُّرِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ وَلِئَلَّا يَمْتَنِعَ النَّاسُ مِنْ قَبُولِ الْأَمَانَاتِ مَعَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَكَذَا إنْ لَمْ يَذْكُرْ سَبَبًا.
وَ (لَا) تُقْبَلُ دَعْوَاهُ التَّلَفَ (بِسَبَبٍ ظَاهِرٍ، كَحَرِيقٍ وَنَحْوِهِ) كَنَهْبِ جَيْشٍ (إلَّا مَعَ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِوُجُودِهِ) أَيْ: السَّبَبِ ثُمَّ يَحْلِفُ أَنَّهَا ضَاعَتْ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً بِالسَّبَبِ الظَّاهِرِ ضَمِنَ ; لِأَنَّهُ.
لَا تَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ.
(وَ) يُصَدَّقُ مُودَعٌ بِيَمِينِهِ فِي (عَدَمِ خِيَانَةٍ وَ) عَدَمِ (تَفْرِيطٍ) لِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهُ

. (وَإِنْ ادَّعَى) مُودَعٌ (رَدَّهَا) أَيْ الْوَدِيعَةَ (لِحَاكِمٍ أَوْ وَرَثَةِ مَالِكٍ) لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَأْتَمِنُوهُ (أَوْ) ادَّعَى (رَدًّا بَعْدَ مَطْلِهِ) أَيْ تَأْخِيرِ دَفْعِهَا إلَى مُسْتَحِقِّهِ (بِلَا عُذْرٍ أَوْ) ادَّعَى رَدًّا بَعْدَ (مَنْعِهِ) مِنْهَا لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ ; لِأَنَّهُ صَارَ كَالْغَاصِبِ.

(أَوْ) ادَّعَى (وَرَثَةُ) مُودَعٍ (رَدًّا) مِنْهُمْ أَوْ مِنْ مُوَرِّثِهِمْ (وَلَوْ لِمَالِكٍ لَمْ يُقْبَلْ) ذَلِكَ (إلَّا بِبَيِّنَةٍ) ; لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُؤْتَمَنِينَ عَلَيْهَا مِنْ قِبَلِ مَالِكِهَا، وَكَذَا لَوْ ادَّعَاهُ مُلْتَقِطٌ، أَوْ مَنْ أَطَارَتْ الرِّيحُ إلَى دَارِهِ ثَوْبًا وَنَحْوَهُ فَلَا يُقْبَلُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.

(وَإِنْ) أَنْكَرَ مُودَعٌ الْوَدِيعَةَ فَ (قَالَ: لَمْ تُودِعْنِي ثُمَّ أَقَرَّ) بِالْإِيدَاعِ (أَوْ ثَبَتَ) عَلَيْهِ (بِبَيِّنَةٍ فَادَّعَى رَدًّا أَوْ تَلَفًا سَابِقَيْنِ لِجُحُودِهِ لَمْ يُقْبَلْ) مِنْهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ صَارَ ضَامِنًا بِجُحُودِهِ مُعْتَرِفًا عَلَى نَفْسِهِ بِالْكَذِبِ الْمُنَافِي لِلْأَمَانَةِ (وَلَوْ) أَتَى عَلَيْهِ (بِبَيِّنَةٍ) فَلَا تُسْمَعُ لِتَكْذِيبِهِ لَهَا بِجُحُودِهِ (وَيَقْبَلَانِ) أَيْ: الرَّدَّ وَالتَّلَفَ إذَا ادَّعَاهُمَا (بِهَا) أَيْ بِالْبَيِّنَةِ (بَعْدَهُ) أَيْ: الْجُحُودِ لِعَدَمِ تَكْذِيبِهِ لَهَا إذَنْ.
فَإِذَا شَهِدَا بِرَدٍّ أَوْ تَلَفٍ وَلَمْ يُعَيِّنَا هَلْ هُوَ قَبْلَ جُحُودِهِ أَوْ بَعْدَهُ؟ لَمْ يَسْقُطْ الضَّمَانُ ; لِأَنَّ وُجُوبَهُ مُتَحَقِّقٌ فَلَا يَنْتَفِي بِأَمْرٍ مُتَرَدِّدٍ فِيهِ.
وَمَتَى ثَبَتَ التَّلَفُ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الضَّمَانُ حَيْثُ كَانَ بَعْدَ الْجُحُودِ كَالْغَاصِبِ.

(وَإِنْ قَالَ) مُدَّعًى عَلَيْهِ بِوَدِيعَةٍ لِمُدَّعِيهَا: (مَا لَكَ عِنْدِي شَيْءٌ) . أَوْ لَا حَقَّ لَكَ قِبَلِي وَنَحْوَهُ.
ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا وَادَّعَى تَلَفًا، أَوْ رَدًّا (قُبِلَا) مِنْهُ بِيَمِينِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُنَافٍ لِجَوَابِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ أَوْدَعَهُ ثُمَّ تَلِفَ عِنْدَهُ بِلَا تَفْرِيطٍ، أَوْ رَدَّهَا فَلَا يَكُونُ لَهُ عِنْدَهُ شَيْءٌ.
وَ (لَا) تُقْبَلُ مِنْهُ دَعْوَى (وُقُوعُهُمَا) أَيْ: الرَّدِّ أَوْ التَّلَفِ (بَعْدَ إنْكَارِهِ) لِاسْتِقْرَارِ الضَّمَانِ بِالْجُحُودِ فَيُشْبِهُ الْغَاصِبَ وَيَأْتِي فِي الْإِقْرَارِ وَلَوْ أَقَرَّ بِوَدِيعَةٍ، ثُمَّ ادَّعَى ظَنَّ بَقَائِهَا

. (وَإِنْ تَلِفَتْ) الْوَدِيعَةُ (عِنْدَ وَارِثِ) وَدِيعٍ (قَبْلَ إمْكَانَ رَدِّ) هَا إلَى رَبِّهَا لِنَحْوِ جَهْلٍ بِهَا أَوْ بِهِ (لَمْ يَضْمَنْهَا) إذَا لَمْ يُفَرِّطْ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ (وَإِلَّا) بِأَنْ تَلِفَتْ بَعْدَ إمْكَانَ رَدِّهَا (ضَمِنَ) لِتَأَخُّرِ رَدِّهَا مَعَ إمْكَانِهِ مَعَ حُصُولِهَا بِيَدِهِ بِلَا إيدَاعٍ، كَمَنْ أَطَارَتْ الرِّيحُ إلَى دَارِهِ ثَوْبًا وَنَحْوَهُ، وَبِخِلَافِ عَبْدٍ وَحَيَوَانٍ دَخَلَ دَارِهِ وَعَلَيْهِ أَنْ

يُخْرِجَهُ لِيَذْهَبَ كَمَا جَاءَ ; لِأَنَّ يَدَهُ لَمْ تَثْبُتْ عَلَيْهِمَا.
ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْقَوَاعِدِ

(وَمَنْ أَخَّرَ رَدَّهَا) أَيْ: الْوَدِيعَةِ (أَوْ) أَخَّرَ (مَالًا أُمِرَ بِدَفْعِهِ بَعْدَ طَلَبٍ) مِنْ مُسْتَحِقِّهَا (بِلَا عُذْرٍ) فِي تَأْخِيرٍ (ضَمِنَ) مَا تَلِفَ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ فَعَلَ مُحَرَّمًا بِإِمْسَاكِهِ مَالَ غَيْرِهِ بِلَا إذْنِهِ، أَشْبَهَ الْغَاصِبَ (وَيُمْهَلُ) مَنْ طُولِبَ بِوَدِيعَةٍ أَوْ بِمَالٍ أُمِرَ بِدَفْعِهِ إلَى مُسْتَحِقِّهِ (لِأَكْلٍ وَنَوْمٍ وَهَضْمِ طَعَامٍ وَنَحْوِهِ) كَصَلَاةٍ وَطَهَارَةٍ (بِقَدْرِهِ) أَيْ: الْمَذْكُورِ.
فَلَا يَضْمَنُ إنْ تَلِفَتْ زَمَنَ عُذْرِهِ، لِعَدَمِ عُدْوَانِهِ.
وَإِنْ أَمَرَهُ بِالرَّدِّ إلَى وَكِيلِهِ فَتَمَكَّنَ وَأَبَى ضَمِنَهَا.
وَلَوْ لَمْ يَطْلُبْهَا وَكِيلُهُ.
وَإِنْ طَلَبَهَا فِي وَقْتٍ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهَا لِبُعْدِهَا أَوْ مَخَافَةً فِي طَرِيقِهَا، أَوْ عَجْزٍ عَنْ حَمْلِهَا وَنَحْوَهُ.
. لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا بِتَرْكِ تَسْلِيمِهَا.
لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا.
وَإِنْ تَلِفَتْ لَمْ يَضْمَنْهَا لِعَدَمِ عُدْوَانِهِ.
وَلَيْسَ عَلَى وَدِيعٍ مُؤْنَةُ حَمْلِهَا وَرَدِّهَا لِمَالِكِهَا، قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ.
وَمَنْ اسْتَأْمَنَهُ أَمِيرٌ عَلَى مَالِ فَخَشَى مِنْ حَاشِيَتِهِ إنْ مَنَعَهُمْ مِنْ عَادَتِهِمْ الْمُتَقَدِّمَةِ لَزِمَهُ فِعْلُ مَا يُمْكِنُهُ وَهُوَ أَصْلُحُ لِلْأَمِيرِ مِنْ تَوَلِّيهِ غَيْرُهُ فَيَرْتَعُ مَعَهُمْ.
لَا سِيَّمَا وَلِلْآخِذِ شُبْهَةٌ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَتَثْبُتُ وَدِيعَةٌ بِإِقْرَارِ وَدِيعٍ، أَوْ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ بِإِقْرَارِ وَرَثَتِهِ بَعْدَهُ

(وَيَعْمَلُ) وَارِثٌ وُجُوبًا (بِخَطِّ مُوَرِّثِهِ عَلَى كِيسٍ وَنَحْوَهُ) كَصُنْدُوقٍ أَوْ كِتَابٍ (هَذَا وَدِيعَةٌ، أَوْ) هَذَا (لِفُلَانٍ) نَصًّا وَ (وَيَعْمَلُ بِخَطِّ مُوَرِّثِهِ) بِدَيْنٍ عَلَيْهِ (وُجُوبًا) فَيَجِبُ دَفْعُهُ إلَى مَنْ هُوَ مَكْتُوبٌ بِاسْمِهِ (أَوْ) بِدَيْنٍ (لَهُ عَلَى فُلَانٍ) فَيَعْمَلُ بِخَطِّ أَبِيهِ فِيهِ (وَ) يَجُوزُ لَهُ أَنْ (يَحْلِفَ) إذَا أَقَامَ بِهِ شَاهِدًا، إذَا عَلِمَ مِنْ مُوَرِّثِهِ الصِّدْقَ وَالْأَمَانَةَ، وَأَنَّهُ لَا يَكْتُبُ إلَّا حَقًّا.
فَيَجُوزُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى مَا لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِهِ

. (وَإِنْ ادَّعَاهَا) أَيْ: الْوَدِيعَةَ (اثْنَانِ فَأَقَرَّ) الْوَدِيعُ (لِأَحَدِهِمَا) بِهَا (فَ) هِيَ (لَهُ) أَيْ: لِلْمُقَرِّ لَهُ (بِيَمِينِهِ) ; لِأَنَّ الْيَدَ كَانَتْ لِلْمُودَعِ.
وَقَدْ نَقَلَهَا إلَى الْمُدَّعِي، فَصَارَتْ الْيَدُ لَهُ.
فَقُبِلَ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ.
فَلَوْ قَالَ الْوَدِيعُ: أَوْدَعَنِيهَا الْمَيِّتُ، وَقَالَ هِيَ لِفُلَانٍ فَقَالَ وَرَثَتُهُ: بَلْ هِيَ لَهُ، فَقَوْلُ وَدِيعٍ مَعَ يَمِينِهِ.
أَفْتَى بِهِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (وَيَحْلِفُ) الْمُودَعُ (لِلْآخَرِ) الَّذِي أَنْكَرَهُ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِدَعْوَاهُ وَتَكُونُ يَمِينُهُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ.
قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ.
فَإِنْ حَلَفَ انْقَطَعَتْ خُصُومَتُهُ مَعَهُ، وَإِلَّا غَرِمَ لَهُ بَدَلَهَا لِأَنَّهُ فَوَّتَهَا عَلَيْهِ.
وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بَعْدَ أَنْ أَقَرَّ بِهَا لِلْأَوَّلِ فَيُسَلِّمُهَا لِلْأَوَّلِ وَيَغْرَمُ قِيمَتَهَا لِلثَّانِي نَصًّا، (وَ) إنْ أَقَرَّ بِهَا (لَهُمَا فَ) هِيَ (لَهُمَا) كَمَا لَوْ كَانَتْ بِأَيْدِيهِمَا وَتَدَاعَيَاهَا (وَيَحْلِفُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا) يَمِينًا عَلَى نِصْفِهَا.
فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَزِمَهُ عِوَضُهَا،

يَقْتَسِمَانِهِ.
وَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ لَزِمَهُ لِمَنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَهُ عِوَضُ نِصْفِهَا (وَإِنْ قَالَ) جَوَابًا لِدَعْوَاهُمَا (لَا أَعْرِفُ صَاحِبَهَا) مِنْكُمَا (وَصَدَّقَاهُ) عَلَى عَدَمِ مَعْرِفَةِ صَاحِبِهَا (أَوْ سَكَتَا فَلَا يَمِينَ) عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ، وَتُسَلَّمُ لِأَحَدِهِمَا بِقُرْعَةٍ مَعَ يَمِينِهِ (وَإِنْ كَذَّبَاهُ) فَقَالَا: بَلْ تَعْرِفُ أَيَّنَا صَاحِبَهَا، (حَلَفَ) لَهُمَا (يَمِينًا وَاحِدَةً أَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ) ; لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَكَذَا إنْ كَذَّبَهُ أَحَدُهُمَا، فَإِنْ نَكَلَ قَضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ فَتُؤْخَذُ مِنْهُ الْقِيمَةُ وَالْعَيْنُ، فَيَقْتَرِعَانِ عَلَيْهِمَا أَوْ يَتَّفِقَانِ.
هَذِهِ طَرِيقَةُ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ وَجَمَاعَةٍ وَقَدَّمَهَا الْحَارِثِيُّ، (وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فِي الْحَالَتَيْنِ) أَيْ: حَالَةِ مَا إذَا صَدَّقَاهُ وَحَالَةِ مَا إذَا كَذَّبَاهُ وَحَلَفَ، (فَمَنْ قَرَعَ) أَيْ: خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ (حَلَفَ) أَنَّهَا لَهُ لِاحْتِمَالِ عَدَمِهِ (وَأَخَذَهَا) بِمُقْتَضَى الْقُرْعَةِ، وَكَذَا حُكْمُ عَارِيَّةٍ وَرَهْنٍ وَمَبِيعٍ مَرْدُودٍ بِعَيْبٍ أَوْ خِيَارٍ أَوْ غَيْرِهِمَا.
وَيَأْتِي بِأَوْضَحَ مِنْ هَذَا فِي بَابِ الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ

(وَإِنْ أَوْدَعَاهُ) أَيْ: أَوْدَعَ اثْنَانِ وَاحِدًا (مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا يَنْقَسِمُ) إجْبَارًا (فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ لِغَيْبَةِ شَرِيكَهُ أَوْ) مَعَ حُضُورِهِ (وَامْتِنَاعِهِ) مِنْ أَخْذِ نَصِيبِهِ وَمِنْ الْإِذْنِ لِشَرِيكِهِ فِي أَخْذِ نَصِيبِهِ (سَلَّمَ إلَيْهِ) أَيْ: الطَّالِبِ نَصِيبَهُ وُجُوبًا.
لِأَنَّهُ حَقٌّ مُشْتَرَكٌ يُمْكِنُ فِيهِ تَمْيِيزُ نَصِيبِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ نَصِيبِ الْآخَرِ بِغَيْرِ غَبْنٍ وَلَا ضَرَرٍ.
أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ مُتَمَيِّزًا.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ حَاكِمٍ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ فِي بَابِ الْقِسْمَةِ.
لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى قِسْمَةٍ وَيَفْتَقِرُ إلَى حُكْمٍ أَوْ اتِّفَاقٍ.
فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرَكُ غَيْرَ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ، أَوْ كَانَ كَذَلِكَ، لَكِنْ لَا يَنْقَسِمُ لِصِنَاعَةٍ فِيهِ كَآنِيَةِ نُحَاسٍ وَنَحْوِهَا وَحُلِيٍّ مُبَاحٍ أَوْ مُخْتَلِفِ الْأَجْزَاءِ وَنَحْوِهِ لَمْ يُسَلَّمْ إلَيْهِ إلَّا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ أَوْ حَاكِمٍ.
; لِأَنَّ قِسْمَتَهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا الْحَيْفُ لِافْتِقَارِهَا إلَى التَّقْوِيمِ وَهُوَ ظَنٌّ وَتَخْمِينٌ

(وَلِمُودِعٍ وَمُضَارِبٍ وَمُرْتَهِنٍ وَمُسْتَأْجِرٍ) قُلْتُ: وَمِثْلُهُمْ الْعَدْلُ بِيَدِهِ الرَّهْنُ وَالْأَجِيرُ عَلَى حِفْظِ عَيْنٍ وَالْوَكِيلُ فِيهِ وَالْمُسْتَعِيرُ وَالْمُجَاعِلُ عَلَى عَمَلِهَا (إنْ غُصِبَتْ الْعَيْنُ) أَيْ الْوَدِيعَةُ أَوْ مَالُ الْمُضَارَبَةِ أَوْ الرَّهْنُ أَوْ الْمُسْتَأْجَرَةُ (الْمُطَالَبَةُ بِهَا) مِنْ غَاصِبِهَا.
لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ حِفْظِهَا الْمَأْمُورِ بِهِ (وَلَا يَضْمَنُ مُودَعٌ أُكْرِهَ عَلَى دَفْعِهَا) أَيْ الْوَدِيعَةِ (لِغَيْرِ رَبِّهَا) كَمَا لَوْ أَخَذَهَا مِنْهُ قَهْرًا.
لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ عُذْرٌ يُبِيحُ لَهُ دَفْعَهَا.
وَإِنْ صَادَرَهُ سُلْطَانٌ لَمْ يَضْمَنْ.
قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ.
وَضَمَّنَّهُ أَبُو الْوَفَاءِ إنْ فَرَّطَ.
وَفِي فَتَاوَى ابْنِ الزَّاغُونِيِّ: مَنْ صَادَرَهُ سُلْطَانٌ وَنَادَى بِتَهْدِيدِ مَنْ لَهُ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ وَنَحْوُهَا وَلَمْ يَحْمِلْهَا إنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ أَوْ عَيَّنَهُ وَهَدَّدَهُ وَلَمْ يَنَلْهُ

بِعَذَابٍ أَثِمَ وَضَمِنَ وَإِلَّا فَلَا.
ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ، (فَإِنْ طَلَبَ يَمِينِهِ) أَيْ الْمُسْتَوْدَعَ أَنْ لَا وَدِيعَةَ لِفُلَانٍ عِنْدَهُ (وَلَمْ يَجِدْ بُدًّا) مِنْ الْحَلِفِ لِتَغَلُّبِ الطَّالِبِ عَلَيْهِ بِسَلْطَنَةٍ أَوْ تَلَصُّصٍ وَلَا يُمْكِنُهُ الْخَلَاصُ مِنْهُ إلَّا بِالْحَلِفِ، (حَلَفَ مُتَأَوِّلًا) وَلَمْ يَحْنَثْ لِتَأَوُّلِهِ، (فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ حَتَّى أُخِذَتْ) مِنْهُ (ضَمِنَهَا) لِتَفْرِيطِهِ بِتَرْكِ الْحَلِفِ، كَمَا لَوْ سَلَّمَهَا إلَى غَيْرِ رَبِّهَا ظَانًّا أَنَّهُ هُوَ فَتَبَيَّنَ خَطَؤُهُ، (وَيَأْثَمُ إنْ) حَلَفَ وَ (لَمْ يَتَأَوَّلْ) لِكَذِبِهِ (وَهُوَ) أَيْ: إثْمُ حَلِفِهِ بِدُونِ تَأْوِيلٍ (دُونَ إثْمِ إقْرَارِهِ بِهَا) لِأَنَّ حِفْظَ مَالِ الْغَيْرِ عَنْ الضَّيَاعِ آكَدُ مِنْ بِرِّ الْيَمِينِ، (وَيُكَفِّرُ) كَفَّارَةَ يَمِينٍ وُجُوبًا إنْ حَنِثَ وَلَمْ يَتَأَوَّلْ، وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى الْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ.
فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا تَنْعَقِدُ كَمَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى إيقَاعِ الطَّلَاقِ وَتَقَدَّمَ فِي الْمُضَارَبَةِ: لَوْ مَاتَ وَعِنْدَهُ وَدِيعَةٌ وَجُهِلَتْ فِي مَالِهِ وَلَمْ يُعْلَمْ بَقَاؤُهَا، فَإِنَّ رَبَّهَا يَكُونُ غَرِيمًا بِهَا.

[بَابُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ]

قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْمَوَاتُ: كَغُرَابِ الْمَوْتِ.
وَكَسَحَابٍ: مَا لَا رُوحَ فِيهِ، وَأَرْضٌ لَا مَالِكَ لَهَا، وَالْمَوَتَانُ بِالتَّحْرِيكِ خِلَافُ الْحَيَوَانِ، أَوْ أَرْضٌ لَمْ تُحْي بَعْدُ، وَبِالضَّمِّ مَوْتٌ يَقَعُ بِالْمَاشِيَةِ، وَيُفْتَحُ.
وَفِي الْمُغْنِي: الْمَوَاتُ هُوَ الْأَرْضُ الْخَرَابُ الدَّارِسَةُ وَتُسَمَّى مَيِّتَةً وَمَوَاتًا وَمَوْتَى بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْوَاوِ.
وَالْمَوْتَانُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ: الْمَوْتُ الذَّرِيعُ، وَرَجَلٌ مَوْتَانِ الْقَلْبِ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ يَعْنِي عَمِيُّ الْقَلْبِ لَا يَفْهَمُ.
(وَ) الْمَوَاتُ اصْطِلَاحًا: (هِيَ الْأَرْضُ الْمُنْفَكَّةُ عَنْ الِاخْتِصَاصَاتِ وَمِلْكِ مَعْصُومٍ) وَيَأْتِي مُحْتَرَزُهُ.
وَالْأَصْلُ فِي إحْيَائِهِ: حَدِيثُ جَابِرٍ مَرْفُوعًا " «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» " قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ مَرْفُوعًا «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» " حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَرَوَى مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ وَأَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهُوَ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ مُتَلَقَّى بِالْقَبُولِ عَنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَعَامَّةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ الْمَوَاتَ يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي شُرُوطِهِ (فَيُمْلَكُ بِإِحْيَاءِ كُلِّ مَا) أَيْ مَوَاتٍ (لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ مِلْكٌ لِأَحَدٍ، وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ أَثَرُ عِمَارَةٍ) قَالَ فِي الْمُغْنِي: بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِالْإِحْيَاءِ انْتَهَى لِلْأَخْبَارِ السَّابِقَةِ.

(وَإِنْ مَلَكَهُ) أَيْ: الْخِرَابَ (مَنْ لَهُ حُرْمَةٌ) مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَوْ مُسْتَأْمَنٍ (أَوْ شُكَّ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (فِيهِ) بِأَنْ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ مَالِكٌ وَشَكَّ فِي حَالِهِ هَلْ هُوَ مُحْتَرَمٌ أَوْ لَا؟ (فَإِنْ وُجِدَ) مَالِكُهُ (أَوْ) وُجِدَ (أَحَدٌ مِنْ وَرَثَتِهِ لَمْ يُمْلَكْ بِإِحْيَاءٍ) حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إجْمَاعًا.
وَالْمُرَادُ فِي غَيْرِ مَا مُلِكَ بِالْإِحْيَاءِ (وَكَذَا إنْ جُهِلَ) مَالِكُهُ بِأَنْ لَمْ تُعْلَمْ عَيْنُهُ مَعَ الْعِلْمِ بِجَرَيَانِ الْمِلْكِ عَلَيْهِ لِذِي حُرْمَةٍ.
فَلَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ نَصًّا.
لِمَفْهُومِ حَدِيثِ عَائِشَةَ " «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ» وَلِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ فَلَا يُمْلَكُ بِإِحْيَاءٍ، كَمَا لَوْ كَانَ مَالِكُهُ مُعَيَّنًا (وَإِنْ عُلِمَ) مَالِكُهُ وَمَوْتُهُ (وَلَمْ يُعَقِّبْ) أَيْ: لَمْ يَكُنْ لَهُ وَرَثَةٌ لَمْ يُمْلَكْ بِإِحْيَاءٍ، وَ (أَقْطَعَهُ الْإِمَامُ) لِمَنْ شَاءَ.
لِأَنَّهُ فَيْءٌ

(وَإِنْ مُلِكَ بِإِحْيَاءٍ ثُمَّ تُرِكَ حَتَّى دَثَرَ وَعَادَ مَوَاتًا لَمْ يُمْلَكْ بِإِحْيَاءٍ إنْ كَانَ لِمَعْصُومٍ) لِمَفْهُومِ حَدِيث «: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً لَيْسَتْ لِأَحَدٍ» " وَهُوَ مُقَيِّدٌ لِحَدِيثِ «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» وَلِأَنَّ مِلْكَ الْمُحْيِي أَوَّلًا لَمْ يَزُلْ عَنْهَا بِالتَّرْكِ كَسَائِرِ الْأَمْلَاكِ

. (وَإِنْ عُلِمَ مِلْكُهُ لِمُعَيَّنٍ غَيْرِ مَعْصُومٍ) ، وَهُوَ الْكَافِرُ الَّذِي لَا أَمَانَ لَهُ (فَإِنْ) كَانَ (أَحْيَاهُ بِدَارِ حَرْبٍ وَانْدَرَسَ كَانَ) ذَلِكَ (كَمَوَاتٍ أَصْلِيٍّ) مَلَكَهُ مَنْ أَحْيَاهُ، ; لِأَنَّ مِلْكَ مَنْ لَا عِصْمَةَ لَهُ كَعَدَمِهِ (وَإِنْ) لَمْ يَكُنْ بِهِ أَثَرُ مِلْكٍ، وَلَكِنْ (تَرَدَّدَ فِي جَرَيَانِ الْمِلْكِ عَلَيْهِ) مُلِكَ بِإِحْيَاءٍ.
لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ جَرَيَانِ الْمِلْكِ فِيهِ (أَوْ كَانَ بِهِ أَثَرُ مِلْكٍ غَيْرِ جَاهِلِيٍّ كَالْخَرِبِ) بِفَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَالْعَكْسِ، وَكِلَاهُمَا جَمْعُ خِرْبَةٍ بِسُكُونِ الرَّاءِ، وَهِيَ مَا تَهَدَّمَ مِنْ الْبُنْيَانِ (الَّتِي ذَهَبَتْ أَنْهَارُهَا وَانْدَرَسَتْ آثَارُهَا وَلَمْ يُعْلَمْ لَهَا مَالِكٌ) الْآنَ، مُلِكَ بِإِحْيَاءٍ لِلْخَبَرِ، سَوَاءٌ كَانَتْ بِدَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ الْحَرْبِ.
وَصَحَّحَ الْحَارِثِيُّ وَتَبِعَهُ فِي الْإِنْصَافِ التَّفْرِقَةَ بَيْنَهُمَا وَتَبِعَهُمَا فِي الْإِقْنَاعِ، (أَوْ) كَانَ بِهِ أَثَرُ مِلْكٍ (جَاهِلِيٍّ قَدِيمٍ أَوْ) أَثَرُ مِلْكٍ جَاهِلِيٍّ (قَرِيبٍ) (مُلِكَ بِإِحْيَاءٍ) ; لِأَنَّ أَثَرَ الْمِلْكِ الَّذِي بِهِ لَا حُرْمَةَ لَهُ.
وَالْجَاهِلِيُّ الْقَدِيمُ كَدِيَارِ عَادٍ وَثَمُودَ وَآثَارِ الرُّومِ.
وَفِي الْحَدِيثِ «عَادِيُّ الْأَرْضِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ثُمَّ هُوَ بَعْدُ لَكُمْ» رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ وَأَبُو عُبَيْدٍ فِي الْأَمْوَالِ

(وَمَنْ أَحْيَا) مِمَّا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ (وَلَوْ) كَانَ الْإِحْيَاءُ (بِلَا إذْنِ الْإِمَامِ أَوْ) كَانَ الْمُحْيِي (ذِمِّيًّا مَوَاتًا سِوَى مَوَاتِ الْحَرَمِ وَعَرَفَاتٍ، وَ) سِوَى (مَا أَحْيَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ أَرْضِ كُفَّارٍ صُولِحُوا عَلَى أَنَّهَا) أَيْ: الْأَرْضَ (لَهُمْ وَلَنَا الْخَرَاجُ عَنْهَا، وَ) سِوَى (مَا قَرُبَ مِنْ الْعَامِرِ) عُرْفًا (وَتَعَلَّقَ بِمَصَالِحِهِ كَطُرُقِهِ وَفِنَائِهِ وَمَسِيلِ مَائِهِ وَمَرْعَاهُ وَمُحْتَطَبِهِ وَحَرِيمِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَمَدْفِنِ مَوْتَاهُ وَمَطْرَحِ تُرَابِهِ (مَلَكَهُ) جَوَابُ " مَنْ "، أَمَّا كَوْنُ الْإِحْيَاءِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِ الْإِمَامِ فَلِعُمُومِ الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّ

الْمَوَاتَ عَيْنٌ مُبَاحَةٌ فَلَمْ يَفْتَقِرْ تَمَلُّكُهَا إلَى إذْنِ الْإِمَامِ، كَأَخْذِ الْمُبَاحِ.
وَأَمَّا كَوْنُ الذِّمِّيِّ فِيهِ كَالْمُسْلِمِ فَلِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ فَمَلَكَ بِالْإِحْيَاءِ كَالشِّرَاءِ وَكَتَمَلُّكِهِ مُبَاحَاتِهَا مِنْ حَشِيشٍ وَحَطَبٍ وَغَيْرِهِمَا.
وَأَمَّا مَنْعُ الْإِحْيَاءِ فِي مَوَاتِ الْحَرَمِ وَعَرَفَاتٍ، فَلِمَا فِيهِ مِنْ التَّضْيِيقِ عَلَى الْحُجَّاجِ وَاخْتِصَاصِهِ بِمَا يَسْتَوِي فِيهِ النَّاسُ.
وَأَمَّا مَنْعُ الْمُسْلِمِ مِنْ الْإِحْيَاءِ بِأَرْضِ كُفَّارٍ صُولِحُوا عَلَى أَنَّهَا لَهُمْ فَلِأَنَّهُمْ صُولِحُوا فِي بِلَادِهِمْ فَلَا يَجُوزُ التَّعَرُّضُ لِشَيْءٍ مِنْهَا عَامِرًا كَانَ أَوْ مَوَاتًا لِتَبَعِيَّةِ الْمَوَاتِ لِلْبَلَدِ، بِخِلَافِ دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهَا عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ.
وَأَمَّا مَنْعُ الْإِحْيَاءِ فِيمَا قَرُبَ مِنْ الْعَامِرِ وَتَعَلَّقَ بِمَصَالِحِهِ فَلِمَفْهُومِ حَدِيثِ «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ فَهِيَ لَهُ» وَلِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْمُلُوكِ فَأُعْطِيَ حُكْمَهُ وَيَمْلِكُهُ مُحْيِهِ (بِمَا فِيهِ مِنْ مَعْدِنٍ جَامِدٍ) بَاطِنٍ (كَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَحَدِيدٍ) وَنُحَاسٍ وَرَصَاصٍ (وَ) مِنْ مَعْدِنٍ جَامِدٍ (ظَاهِرٍ كَجَصٍّ وَكُحْلٍ) وَكِبْرِيتٍ وَزِرْنِيخٍ، لِأَنَّهُ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ فَتَبِعَهَا فِي الْمِلْكِ كَمَا لَوْ اشْتَرَاهَا، بِخِلَافِ الرِّكَازِ ; لِأَنَّهُ مُودَعٌ فِيهَا لِلنَّقْلِ وَلَيْسَ مِنْ أَجْزَائِهَا.
وَهَذَا فِي الْمَعْدِنِ الظَّاهِرِ إذَا ظَهَرَ بِإِظْهَارِهِ أَوْ حَفْرِهِ.
وَأَمَّا مَا كَانَ ظَاهِرًا فِيهَا قَبْلَ إحْيَائِهَا فَلَا يَمْلِكُ ; لِأَنَّهُ قَطْعٌ لِنَفْعٍ كَانَ وَاصِلًا لِلْمُسْلِمِينَ، بِخِلَافِ مَا ظَهَرَ بِإِظْهَارِهِ فَلَمْ يَقْطَعْ عَنْهُمْ شَيْئًا (وَعَلَى ذِمِّيٍّ خَرَاجُ مَا أَحْيَا مِنْ مَوَاتٍ عَنْوَةً) ; لِأَنَّهَا لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا تَقَرُّ فِي يَدِ غَيْرِهِمْ بِدُونِ خَرَاجٍ.
وَأَمَّا غَيْرُ الْعَنْوَةِ كَأَرْضِ الصُّلْحِ وَمَا أَسْلَمَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ فَالذِّمِّيُّ فِيهِ كَالْمُسْلِمِ

. (وَيُمْلَكُ بِإِحْيَاءٍ وَيُقْطَعُ) بِبِنَاءِ الْفِعْلَيْنِ لِلْمَفْعُولِ (مَا قَرُبَ مِنْ السَّاحِلِ مِمَّا إذَا حَصَلَ فِيهِ الْمَاءُ صَارَ مِلْحًا) ; لِأَنَّهُ لَا تَضْيِيقَ فِي تَمْهِيدِهِ وَفَتْحِ قَنَاةٍ إلَيْهِ تُصَبُّ الْمَاءَ فِيهِ لِيَتَهَيَّأَ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ

. (أَوْ) أَيْ: وَيَمْلِكُ بِإِحْيَاءِ مَا قَرُبَ (مِنْ الْعَامِرِ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِمَصَالِحِهِ) لِعُمُومِ «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» " «وَلِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْمُزَنِيّ الْعَقِيقَ» وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ بَيْنَ عِمَارَةِ الْمَدِينَةِ.

وَ (لَا) تُمْلَكُ وَلَا تُقْطَعُ (مَعَادِنُ مُنْفَرِدَةٌ) ، أَمَّا الظَّاهِرَةُ وَهِيَ الَّتِي يُتَوَصَّلُ إلَى مَا فِيهَا بِلَا مُؤْنَةٍ كَمَقَاطِعِ الطِّينِ وَالْمِلْحِ وَالْكُحْلِ فَلِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا بِالْمُسْلِمِينَ وَتَضْيِيقًا عَلَيْهِمْ، وَأَمَّا الْبَاطِنَةُ الَّتِي يُحْتَاجُ فِي إخْرَاجِهَا إلَى حَفْرٍ وَمُؤْنَةٍ كَمَعْدِنِ الْجَوَاهِرِ فَبِالْقِيَاسِ عَلَيْهَا

(وَلَا يُمْلَكُ مَا) أَيْ: مَكَانَ (نَضَبَ) أَيْ غَارَ (مَاؤُهُ) مِنْ الْجَزَائِرِ ; لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا، وَهُوَ أَنَّ الْمَاءَ يَرْجِعُ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ.
فَإِذَا وَجَدَهُ مَبْنِيًّا رَجَعَ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ فَأَضَرَّ بِأَهْلِهِ، وَلِأَنَّ الْجَزَائِرَ مَنْبَتُ الْكَلَإِ وَالْحَطَبِ، فَجَرَتْ مَجْرَى الْمَعَادِنِ

الظَّاهِرَةِ.
وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ " أَنَّهُ أَبَاحَ الْجَزَائِرَ " أَيْ: مَا نَبَتَ فِيهَا.
وَإِنْ غَلَبَ الْمَاءُ عَلَى مِلْكِ إنْسَانٍ ثُمَّ نَضَبَ عَنْهُ فَلَهُ أَخْذُهُ.
وَلَا يَزُولُ مِلْكُهُ بِغَلَبَةِ الْمَاءِ عَلَيْهِ.
وَإِنْ جَعَلَ مَا نَضَبَ مَاؤُهُ مَزْرَعَةً فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ لِتَحَجُّرِهِ.

(وَإِنْ ظَهَرَ فِيمَا أَحْيَا) مِنْ مَوَاتٍ (عَيْنُ مَاءٍ أَوْ مَعْدِنٍ جَارٍ) أَيْ: كُلَّمَا أُخِذَ مِنْهُ شَيْءٌ خَلَفَهُ غَيْرُهُ (كَنَفْطٍ وَقَارٍ أَوْ) ظَهَرَ فِيهِ (كَلَأٌ أَوْ شَجَرٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ) لِحَدِيثِ «مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ أَحَدٌ فَهُوَ لَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
. وَفِي لَفْظٍ " فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ " (وَلَا يَمْلِكُهُ) لِحَدِيثِ «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ، فِي: الْمَاءِ وَالْكَلَأِ وَالنَّارِ» رَوَاهُ الْخَلَّالُ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَزَادَ " فِيهِ «وَثَمَنُهُ حَرَامٌ» وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ فَلَمْ تُمْلَكْ بِمِلْكِهَا كَالْكَنْزِ

. (وَمَا فَضَلَ مِنْ مَائِهِ) الَّذِي لَمْ يُحَرِّزْهُ (عَنْ حَاجَتِهِ وَحَاجَةِ عِيَالِهِ وَمَاشِيَتِهِ وَزَرْعِهِ يَجِبُ بَذْلُهُ لِبَهَائِمِ غَيْرِهِ وَزَرْعِهِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ الْمَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ الْكَلَأَ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا «: مِنْ مَنَعَ فَضْلَ مَائِهِ أَوْ فَضْلَ كَلَئِهِ مَنَعَهُ اللَّهُ فَضْلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلَا يَتَوَعَّدُ عَلَى مَا يَحِلُّ (مَا لَمْ يَجِدْ) رَبُّ الْبَهَائِمِ أَوْ الزَّرْعِ مَاءً (مُبَاحًا) فَيَسْتَغْنِي بِهِ فَلَا يَجِبُ الْبَذْلُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (أَوْ يَتَضَرَّرُ بِهِ) الْبَاذِلُ، فَلَا يَلْزَمُهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ (أَوْ يُؤْذِيهِ) طَالِبُ الْمَاءِ (بِدُخُولِهِ) فِي أَرْضِهِ (أَوْ) يَكُونُ (لَهُ فِيهِ) أَيْ: الْبِئْرِ (مَاءُ السَّمَاءِ فَيَخَافُ عَطَشًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَمْنَعَهُ) دَفْعًا لِلْأَذَى وَحَيْثُ لَزِمَهُ بَذْلُهُ لَمْ يَلْزَمْهُ مَدُّ حَبْلٍ وَدَلْوٍ، لِأَنَّهُمَا يَتْلَفَانِ بِالِاسْتِعْمَالِ.

(وَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا بِمَوَاتٍ لِلسَّابِلَةِ) أَيْ: نَفْعِ الْمُجْتَازِينَ بِهَا كَمَنْ بَنَى مَسْجِدًا فَالنَّاسُ مُشْتَرِكُونَ فِي مَائِهَا وَالْحَافِرُ لَهَا كَأَحَدِهِمْ (فِي سَقْيِ زَرْعٍ وَشُرْبٍ) لِعَدَمِ الْمُخَصِّصِ (وَمَعَ ضِيقٍ) أَيْ: تَزَاحُمٍ (بِسَقْيِ آدَمِيٍّ) أَوْ لَا لِحُرْمَتِهِ (فَحَيَوَانٍ) ; لِأَنَّ لَهُ حُرْمَةً (فَزَرْعٍ، وَ) إنْ حَفَرَهَا فِي مَوَاتٍ (ارْتِفَاقًا) بِهَا (كَالسِّفَارَةِ) وَالْمُنْتَجِعِينَ يَحْفِرُونَ بِئْرًا (لِشُرْبِهِمْ وَ) شُرْبِ (دَوَابِّهِمْ فَهُمْ) أَيْ: الْحَافِرُونَ لَهَا (أَحَقُّ بِمَائِهَا) أَيْ الْبِئْرِ الَّتِي حَفَرُوهَا (وَقَامُوا) عَلَيْهَا.
وَلَا يَمْلِكُونَهَا لِجَزْمِهِمْ بِانْتِقَالِهِمْ عَنْهَا وَتَرْكِهَا لِمَنْ يَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُمْ، بِخِلَافِ الْمُتَمَلِّكِ (وَعَلَيْهِمْ) أَيْ: الْحَافِرِينَ لَهَا (بَذْلُ فَاضِلٍ) عَنْهُمْ مِنْ مَائِهَا (لِشَارِبٍ فَقَطْ) أَيْ: دُونَ نَحْوِ زَرْعٍ، (وَبَعْدَ رَحِيلِهِمْ) أَيْ: الْحَافِرِينَ لَهَا (تَكُونُ سَابِلَةً لِلْمُسْلِمِينَ) لِعَدَمِ أَوْلَوِيَّةِ أَحَدٍ مِنْ غَيْرِ الْحَافِرِينَ عَلَى غَيْرِهِ (فَإِنْ عَادُوا) أَيْ: الْحَافِرُونَ لَهَا (كَانُوا أَحَقَّ بِهَا) مِنْ غَيْرِهِمْ ; لِأَنَّهُمْ إنَّمَا حَفَرُوهَا لِأَنْفُسِهِمْ.
وَمِنْ عَادَتِهِمْ الرَّحِيلُ وَالرُّجُوعُ.
فَلَا تَزُولُ أَحَقِّيَّتُهُمْ بِهِ وَإِنْ حَفَرَ بِئْرًا بِمَوَاتٍ (تَمَلُّكًا فَ) هِيَ (مِلْكٌ لِحَافِرٍ) كَمَا لَوْ حَفَرَهَا بِمِلْكِ الْحَيِّ

[فَصْلٌ وَإِحْيَاءُ أَرْضٍ مَوَاتٍ يَجُوزُ بِحَائِطٍ مَنِيعٍ]

سَوَاءٌ أَرَادَهَا لِبِنَاءٍ أَوْ زَرْعٍ أَوْ حَظِيرَةٍ لِغَنَمٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ غَيْرِهِمَا نَصًّا.
لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى أَرْضٍ فَهِيَ لَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَلَهُمَا عَنْ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا مِثْلُهُ ; وَلِأَنَّ الْحَائِطَ حَاجِزٌ مَنِيعٌ وَلَا اعْتِبَارَ لِلْقَصْدِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَرَادَهَا حَظِيرَةً فَبَنَاهَا بِجِصٍّ وَآجُرٍّ وَقَسَّمَهَا بُيُوتًا، فَإِنَّهُ يَمْلِكُهَا وَقَوْلُهُ: " مَنِيعًا " أَيْ: يَمْنَعُ مَنْ وَرَاءَهُ وَلَا يُعْتَبَرُ مَعَ ذَلِكَ تَسْقِيفٌ وَلَا تَرْكِيبُ بَابٍ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْخَبَرِ (أَوْ) أَيْ: وَيَحْصُلُ إحْيَاؤُهَا (بِإِجْرَاءِ مَاءٍ) بِأَنْ يَسُوقَهُ إلَيْهَا مِنْ نَهْرٍ أَوْ بِئْرٍ (لَا تُزْرَعُ إلَّا بِهِ) أَيْ: بِالْمَاءِ الْمَسُوقِ إلَيْهَا (أَوْ مَنْعِ مَاءٍ لَا تُزْرَعُ مَعَهُ) كَأَرْضِ الْبَطَائِحِ الَّتِي يُفْسِدُهَا غَرَقُهَا بِالْمَاءِ لِكَثْرَتِهِ، فَإِحْيَاؤُهَا بِسَدِّهِ عَنْهَا وَجَعْلِهَا بِحَيْثُ يُمْكِنُ زَرْعُهَا ; لِأَنَّ بِذَلِكَ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهَا فِيمَا أَرَادَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى تَكْرَارِ ذَلِكَ فِي كُلِّ عَامٍ (أَوْ حَفْرِ بِئْرٍ) أَوْ نَهْرٍ نَصًّا.
وَيَصِلُ إلَى مَاءِ الْبِئْرِ.
قَالَ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ: وَإِنْ خَرَجَ الْمَاءُ اسْتَقَرَّ مِلْكُهُ إلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إلَى طَيٍّ، فَتَمَامُ الْإِحْيَاءِ طَيُّهَا (أَوْ غَرْسُ شَجَرٍ فِيهَا) أَيْ: الْمَوَاتِ بِأَنْ كَانَتْ لَا تَصْلُحُ لِغَرْسٍ لِكَثْرَةِ أَحْجَارِهَا وَنَحْوِهَا فَيُنَقِّيهَا وَيَغْرِسُهَا ; لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلْبَقَاءِ كَبِنَاءِ الْحَائِطِ.
وَلَا يَحْصُلُ إحْيَاءٌ بِحَرْثٍ وَزَرْعٍ.

(وَبِحَفْرِ بِئْرٍ) بِمَوَاتٍ وَاسْتِخْرَاجِ مَائِهَا (يَمْلِكُ) حَافِرٌ (حَرِيمَهَا وَهُوَ) أَيْ: حَرِيمِ الْبِئْرِ (مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فِي قَدِيمَةٍ) وَتُسَمَّى الْعَادِيَّةَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ نِسْبَةً لِعَادٍ، وَلَمْ يُرِدْ عَادًا بِعَيْنِهَا، لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ عَادٌ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ وَكَانَتْ لَهَا آثَارٌ فِي الْأَرْضِ نُسِبَ إلَيْهَا كُلُّ قَدِيمٍ (خَمْسُونَ ذِرَاعًا وَ) الْحَرِيمُ (فِي) بِئْرٍ (غَيْرِهَا) أَيْ الْقَدِيمَةِ (خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا) نَصًّا.
لِحَدِيثِ أَبِي عُبَيْدٍ فِي الْأَمْوَالِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ " السُّنَّةُ فِي حَرِيمِ الْقَلِيبِ الْعَادِيِّ خَمْسُونَ ذِرَاعًا وَالْبَدِيءُ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ "، وَرَوَى الْخَلَّالُ وَالدَّارَقُطْنِيّ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا.
وَالْبِئْرُ الَّتِي لَهَا مَاءٌ يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ لَيْسَ لِأَحَدٍ احْتِجَازُهُ كَالْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ

. (وَحَرِيمُ عَيْنٍ وَقَنَاةٍ) حُفِرَتَا بِمَوَاتٍ (خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ و) حَرِيمُ (نَهْرٍ) بِمَوَاتٍ (مِنْ جَانِبَيْهِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِطَرْحِ كِرَايَتِهِ) أَيْ: مَا يُلْقَى مِنْهُ لِيُسْرِعَ جَرْيُهُ (وَطَرِيقِ شَاوِيهِ) أَيْ قَيِّمُهُ.
قَالَ فِي شَرْحِهِ: وَالْكِرَايَةُ وَالشَّاوِي لَمْ أَجِدْ لَهُمَا أَصْلًا فِي اللُّغَةِ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَلَعَلَّهُمَا مُوَلَّدَتَانِ مِنْ قِبَلِ أَهْلِ الشَّامِ (وَنَحْوِهِمَا) أَيْ: نَحْوِ مَطْرَحِ كِرَايَتِهِ وَطَرِيقِ شَاوِيهِ مِنْ مَرَافِقِهِ وَمَا يَسْتَضِرُّ صَاحِبُهُ بِتَمَلُّكِهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَثُرَ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَإِنْ كَانَ بِجَنْبِهِ مُثَنَّاةٌ لِغَيْرِهِ

ارْتَفَقَ بِهَا فِي ذَلِكَ ضَرُورَةً.
وَلَهُ عَمَلُ أَحْجَارِ طَحْنٍ عَلَى النَّهْرِ وَنَحْوِهِ وَمَوْضِعِ غَرْسٍ وَزَرْعٍ وَنَحْوِهِمَا

. (وَ) حَرِيمُ (شَجَرَةٍ) غُرِسَتْ بِمَوَاتٍ (قَدْرُ مَدِّ أَغْصَانِهَا) حَوَالَيْهَا.
لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ «اُخْتُصِمَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَرِيمِ نَخْلَةٍ، فَأَمَرَ بِجَرِيدَةٍ مِنْ جَرَائِدِهَا فَذُرِعَتْ فَكَانَتْ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ أَوْ خَمْسَةَ أَذْرُعٍ فَقَضَى بِذَلِكَ»

(وَ) حَرِيمُ (أَرْضٍ تُزْرَعُ) مِنْ مَوَاتٍ (مَا) أَيْ: مَحَلٍّ (تَحْتَاجُ) إلَيْهِ (لِسَقْيِهَا وَرَبْطِ دَوَابِّهَا وَطَرْحِ سَبَخِهَا وَنَحْوِهِ) مِنْ مَرَافِقِ زُرَّاعِهَا كَمَصْرِفِ مَائِهَا عِنْدَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ.

(وَ) حَرِيمُ (دَارٍ مِنْ مَوَاتٍ حَوْلَهَا مَطْرَحُ تُرَابٍ وَكُنَاسَةٍ وَثَلْجٍ وَمَاءِ مِيزَابٍ وَمَمَرٍّ لِبَابٍ) ; لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ مِنْ مَرَافِقِ سَاكِنِهَا (وَلَا حَرِيمَ لِدَارٍ مَحْفُوفَةٍ بِمِلْكٍ) لِغَيْرِهِ مِنْ جَوَانِبِهَا ; لِأَنَّ الْحَرِيمَ مِنْ الْمَرَافِقِ وَلَا يَرْتَفِقُ بِمِلْكِ غَيْرِهِ (وَيَتَصَرَّفُ كُلٌّ مِنْهُمْ) أَيْ: مِنْ أَرْبَابِ الْأَمْلَاكِ الْمُتَلَاصِقَةِ (بِحَسَبِ عَادَةٍ) فَإِنْ تَعَدَّاهَا مُنِعَ (وَإِنْ وَقَعَ فِي) قَدْرِ (الطَّرِيقِ نِزَاعٌ وَقْتَ الْإِحْيَاءِ فَلَهَا سَبْعَةُ أَذْرُعٍ) لِلْخَبَرِ (وَلَا تُغَيَّرُ بَعْدَ وَضْعِهَا) أَيْ: الطَّرِيقِ ; لِأَنَّهَا لِلْمُسْلِمِينَ

. (وَمَنْ تَحَجَّرَ مَوَاتًا بِأَنْ أَدَارَ حَوْلَهُ أَحْجَارًا) أَوْ تُرَابًا أَوْ شَوْكًا أَوْ حَائِطًا غَيْرَ مَنِيعٍ لَمْ يَمْلِكْهُ، (أَوْ حَفَرَ بِئْرًا لَمْ يَصِلْ مَاءَهَا) لَمْ يَمْلِكْهَا نَصًّا (أَوْ سَقَى شَجَرًا مُبَاحًا) كَالزَّيْتُونِ وَالْخَرْنُوبِ.
قَالَ فِي حَاشِيَةِ التَّنْقِيحِ: الصَّوَابُ شَفَّا بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ أَيْ: قَطْعِ الْأَغْصَانِ الرَّدِيئَةَ لِتَخْلُفَهَا أَغْصَانٌ جَيِّدَةٌ (وَأَصْلَحَهُ وَلَمْ يُرْكِبْهُ) أَيْ: يُطْعِمْهُ لَمْ يَمْلِكْهُ، فَإِنْ طَعَّمَهُ مَلَكَهُ بِذَلِكَ (وَنَحْوِهِ) بِأَنْ حَرَثَ الْأَرْضَ أَوْ خَنْدَقَ حَوْلَهَا لَمْ يَمْلِكْهَا ; لِأَنَّ الْمُسَافِرَ قَدْ يَنْزِلُ مَنْزِلًا وَيُحَوِّطُ عَلَى رَحْلِهِ بِنَحْوِ ذَلِكَ (أَوْ أَقْطَعَهُ) أَيْ: أَقْطَعَهُ الْإِمَامُ مَوَاتًا لِيُحْيِيَهُ (لَمْ يَمْلِكْهُ) قَبْلَ إحْيَائِهِ ; لِأَنَّ الْمَوَاتَ إنَّمَا يُمْلَكَ بِالْإِحْيَاءِ وَلَمْ يُوجَدْ.
وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ لِلْإِمَامِ إقْطَاعَ الْمَوَاتِ لِمَنْ يُحْيِيهِ وَأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ بِالْإِقْطَاعِ بَلْ بِإِحْيَائِهِ (وَهُوَ) أَيْ: مَنْ تَحَجَّرَ الْمَوَاتَ أَوْ حَفَرَ الْبِئْرَ وَلَمْ يَصِلْ مَاءَهَا أَوْ سَقَى الشَّجَرَ الْمُبَاحَ وَلَمْ يَرْكَبْهُ وَنَحْوُهُ أَوْ أُقْطِعَهُ (أَحَقُّ بِهِ) مِنْ غَيْرِهِ لِحَدِيثِ «مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ» ". (وَ) كَذَا (وَارِثُهُ) مِنْ بَعْدِهِ بِهِ أَحَقُّ لِحَدِيثِ «مَنْ تَرَكَ حَقًّا أَوْ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ» ; وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لِلْمَوْرُوثِ فَقَامَ فِيهِ وَارِثُهُ مُقَامَهُ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ، (و) كَذَا (مَنْ يَنْقُلُهُ) الْمُتَحَجِّرُ وَنَحْوُهُ وَالْمُقَطَّعُ (إلَيْهِ) أَحَقُّ بِهِ مِمَّنْ سِوَاهُ ; لِأَنَّهُ أَقَامَهُ مَقَامَهُ فِيهِ

(وَكَذَا مَنْ نَزَلَ عَنْ أَرْضٍ خَرَاجِيَّةٍ بِيَدِهِ لِغَيْرِهِ أَوْ عَنْ وَظِيفَةٍ لِأَهْلٍ)

فَالْمَنْزُولُ لَهُ أَحَقُّ بِهَا مِنْ غَيْرِهِ فَلَا يَتَقَرَّرُ غَيْرُهُ أَيْ: إذَا كَانَ النُّزُولُ مُتَوَقِّفًا عَلَى الْإِمْضَاءِ لِشَرْطِ وَاقِفٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَالنُّزُولُ إذَا لَمْ يَتِمَّ فَهُوَ شَبِيهٌ بِالْمُتَحَجِّرِ إذْ الْمُتَحَجِّرُ لَا يَتِمُّ مِلْكُهُ إلَّا بِالْإِحْيَاءِ وَالنُّزُولُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْإِمْضَاءِ، وَحَقُّ الْمَنْزُولِ لَهُ قَائِمٌ بِهِ يَتَوَقَّفُ لُزُومُهُ عَلَى الْإِمْضَاءِ.
فَإِنْ وُجِدَ انْبَرَمَ وَتَمَّ النُّزُولُ لَهُ وَإِلَّا كَانَ الْمَنْزُولُ عَنْهُ لِلنَّازِلِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَرْغَبْ عَنْهُ رَغْبَةً مُطْلَقَةً بَلْ مُقَيَّدَةً بِحُصُولِهِ لِلْمَنْزُولِ لَهُ وَلَمْ يَحْصُلْ وَلَيْسَ لِلنَّاظِرِ التَّقْرِيرُ فِي مِثْلِ هَذَا إنَّمَا يُقَرِّرُ فِيمَا هُوَ خَالٍ عَنْ يَدِ مُسْتَحِقٍّ أَوْ فِي يَدِ مَنْ يَمْلِكُ انْتِزَاعَهُ مِنْهُ لِمُقْتَضًى شَرْعِيٍّ.
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ النُّزُولُ مَشْرُوطًا بِالْإِمْضَاءِ وَكَانَ الْمَنْزُولُ لَهُ أَهْلًا فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ عَاجِلًا بِقَبُولِهِ، فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَقْرِيرِ نَاظِرٍ وَلَا مُرَاجَعَتِهِ ; إذْ هُوَ حَقٌّ لَهُ نَقْلُهُ إلَى غَيْرِهِ وَهُوَ جَائِزُ التَّصَرُّفِ فِي حُقُوقِهِ قَالَهُ ابْنُ أَبِي الْمَجْدِ (أَوْ آثَرَ شَخْصًا بِمَكَانِهِ فِي الْجُمُعَةِ) ، فَالْمُؤْثَرُ بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ أَحَقُّ بِهِ (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ: لِمَنْ قُلْنَا إنَّهُ أَحَقُّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ السَّابِقِ (بَيْعُهُ) ; لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ كَحَقِّ الشُّفْعَةِ قَبْلَ الْأَخْذِ، وَكَمَنْ سَبَقَ إلَى مُبَاحٍ لَكِنَّ النُّزُولَ عَنْهُ بِعِوَضٍ لَا عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ جَائِزٌ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ قِيَاسًا عَلَى الْخُلْعِ (فَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ) أَيْ مُدَّةُ التَّحَجُّرِ وَنَحْوَهُ (عُرْفًا وَلَمْ يَتِمَّ إحْيَاؤُهُ وَحَصَلَ مُتَشَوِّقٍ لِإِحْيَائِهِ قِيلَ لَهُ) أَيْ: قَالَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ لِلْمُتَحَجِّرِ وَنَحْوِهِ: (إمَّا أَنْ تُحْيِيَهُ أَوْ تَتْرُكَهُ) لِغَيْرِكَ يُحْيِيهِ لِتَضْيِيقِهِ عَلَى النَّاسِ فِي حَقٍّ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمْ.
أَشْبَهَ مَنْ وَقَفَ فِي طَرِيقٍ ضَيِّق (فَإِنْ طَلَبَ) الْمُتَحَجِّرُ (الْمُهْلَةَ لِعُذْرٍ أُمْهِلَ مَا يَرَاهُ حَاكِمٌ مِنْ نَحْوِ شَهْرٍ أَوْ ثَلَاثَةٍ) لِيَحْصُلَ مَا يَحْتَاجُهُ لِإِحْيَائِهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ قِيلَ لَهُ: إمَّا أَنْ تُعَمِّرَ أَوْ تَرْفَعَ يَدَكَ، فَإِنْ لَمْ يُعَمِّرْهَا كَانَ لِغَيْرِهِ عِمَارَتُهَا (وَلَا يَمْلِكُ) الْمُتَحَجِّرُ (بِإِحْيَاءِ غَيْرِهِ فِيهَا) أَيْ: مُدَّةَ الْمُهْلَةِ لِأَنَّهُ إحْيَاءٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ.
أَشْبَهَ إحْيَاءَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَصَالِحُ مِلْكِ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ حَقَّ الْمُتَحَجِّرِ أَسْبَقُ فَكَانَ أَوْلَى.
فَإِنْ أَحْيَاهُ غَيْرُهُ بَعْدَ مُدَّةِ الْمُهْلَةِ مَلَكَهُ (وَكَذَا لَا يُقَرِّرُ) فِي أَرْضٍ خَرَاجِيَّةٍ أَوْ وَظِيفَةٍ مَنْزُولٍ عَنْهَا لِأَهْلٍ (غَيْرُ مَنْزُولٍ لَهُ) لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِذَلِكَ، (وَ) كَذَا (لَا) يَجُوزُ (لِغَيْرِ الْمُؤْثَرِ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ (أَنْ يَسْبِقَ) إلَى الْمَكَانِ الْمُؤْثَرِ بِهِ غَيْرُهُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُؤْثَرِ بِهِ

وَيَنْقَسِمُ الْإِقْطَاعُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: إقْطَاعُ تَمْلِيكٍ، وَإِقْطَاعُ اسْتِغْلَالٍ، وَإِقْطَاعُ إرْفَاقٍ.
وَقَسَّمَ الْقَاضِي الْأَوَّلَ إلَى: مَوَاتٍ وَعَامِرٍ وَمَعَادِنِ، وَجَعَلَ الثَّانِي عَلَى ضَرْبَيْنِ: خَرَاجٍ وَعُشْرٍ.
وَقَدْ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى الْأَخِيرِ بِقَوْلِهِ (: وَلِلْإِمَامِ إقْطَاعُ جُلُوسٍ بِطَرِيقٍ وَاسِعَةٍ وَرَحْبَةِ مَسْجِدٍ غَيْرِ مَحُوطَةٍ مَا لَمْ يَضِقْ عَلَى النَّاسِ) ; لِأَنَّ لَهُ فِي

ذَلِكَ اجْتِهَادًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجُلُوسُ إلَّا فِيمَا لَا يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ فِيهَا، فَلَهُ أَنْ يُجْلِسَ فِيهَا مَنْ لَا يَرَى أَنَّهُ يَضُرُّ بِجُلُوسِهِ (وَلَا يَمْلِكُهُ مُقْطَعٌ) بِهِ (بَلْ يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ) أَيْ: بِالْجُلُوسِ فِيهِ مِنْ غَيْرِهِ وَلَا يَزُولُ حَقُّهُ بِنَقْلِ مَتَاعِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ الْجُلُوسُ فِيهِ، بِخِلَافِ السَّابِقِ إلَيْهَا بِلَا إقْطَاعٍ كَمَا يَأْتِي ; لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ لَهَا يَسْبِقُهُ إلَيْهَا.
فَإِذَا انْتَقَلَ عَنْهَا زَالَ اسْتِحْقَاقُهُ، وَهُنَا اسْتِحْقَاقُهُ بِإِقْطَاعِ الْإِمَامِ لَهُ فَلَا يَزُولُ (مَا لَمْ يَعُدْ الْإِمَامُ فِي إقْطَاعِهِ) فَيُقْطَعُ بِعَوْدِهِ ; لِأَنَّ لَهُ اجْتِهَادًا فِي قَطْعِهِ كَمَا لَهُ اجْتِهَادٌ فِي ابْتِدَائِهِ.
فَإِنْ كَانَتْ رَحْبَةُ الْمَسْجِدِ مَحُوطَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ إقْطَاعُ الْجُلُوسِ فِيهَا ; لِأَنَّهَا مِنْ الْمَسْجِدِ (وَإِنْ لَمْ يُقْطِعْ) الْإِمَامُ الْجُلُوسَ بِطَرِيقٍ وَاسِعَةٍ أَوْ رَحْبَةِ مَسْجِدٍ غَيْرِ مَحُوطَةٍ، (فَالسَّابِقُ) إلَى الْجُلُوسِ فِيهَا (أَحَقُّ) بِهِ (مَا لَمْ يَنْقُلْ قُمَاشَهُ عَنْهَا) ; لِحَدِيثِ «مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» ; وَلِأَنَّهُ ارْتِفَاقٌ بِمُبَاحٍ بِلَا إضْرَارٍ فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ كَالِاجْتِيَازِ.
فَإِنْ قَامَ وَتَرَكَ مَتَاعَهُ لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهِ إزَالَتَهُ، وَإِنْ نَقَلَ مَتَاعَهُ كَانَ لِغَيْرِهِ الْجُلُوسُ فِيهِ وَلَوْ لَمْ يَأْتِ اللَّيْلُ وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى إذْنِ إمَامٍ (فَإِنْ أَطَالَهُ) أَيْ: الْجُلُوسَ بِلَا إقْطَاعٍ (أُزِيلَ) لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالتَّمَلُّكِ.
وَيَخْتَصُّ بِنَفْعٍ يُسَاوِيهِ غَيْرُهُ فِيهِ (وَلَهُ) أَيْ: الْجَالِسِ بِطَرِيقٍ وَاسِعٍ وَرَحْبَةِ مَسْجِدٍ غَيْرِ مَحُوطَةٍ بِإِقْطَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ (أَنْ يَسْتَظِلَّ بِمَا لَا يَضُرُّ كَكِسَاءٍ) لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (وَإِنْ سَبَقَ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ إلَيْهِ) أَيْ الْمَذْكُورِ مِنْ طَرِيقٍ أَوْ رَحْبَةٍ (أَوْ إلَى خَانٍ مُسْبَلٍ أَوْ رِبَاطٍ أَوْ مَدْرَسَةٍ أَوْ خَانِكَاهْ وَلَمْ يَتَوَقَّفْ) الِانْتِفَاعُ (بِهَا إلَى تَنْزِيلِ نَاظِرٍ) وَضَاقَ الْمَكَانُ عَنْ انْتِفَاعِ جَمِيعِهِمْ (أُقْرِعَ) لِاسْتِوَائِهِمْ، وَالْقُرْعَةُ مُمَيِّزَةٌ

(وَالسَّابِقُ إلَى مَعْدِنٍ أَحَقُّ بِمَا يَنَالُهُ) مِنْهُ بَاطِنًا كَانَ أَوْ ظَاهِرًا لِلْخَبَرِ (وَلَا يُمْنَعُ إذَا طَالَ مُقَامُهُ) لِلْخَبَرِ (وَإِنْ سَبَقَ عَدَدٌ) إلَى مَعْدِنٍ (وَضَاقَ الْمَحِلُّ عَنْ الْآخِذِ جُمْلَةً أُقْرِعَ) ; لِأَنَّهُ لَا مُرَجِّحَ غَيْرُهَا

(وَالسَّابِقُ إلَى) أَخْذِ (مُبَاحٍ كَصَيْدٍ وَعَنْبَرٍ وَحَطَبٍ وَثَمَرٍ) وَنَحْوِهِ (وَمَنْبُوذٍ رَغْبَةً عَنْهُ) كَالنِّثَارِ فِي الْأَعْرَاسِ وَنَحْوِهَا، وَمَا يَتْرُكُهُ حَصَّادٌ وَنَحْوُهُ مِنْ زَرْعٍ وَثَمَرٍ رَغْبَةً عَنْهُ وَكِسْرَةٍ وَلَحْمٍ عَلَى شَيْءٍ مِنْ عَظْمٍ (أَحَقُّ بِهِ) فَيَمْلِكُهُ بِأَخْذِهِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا (وَيُقَسَّمُ بَيْنَ عَدَدٍ) أَخَذُوهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً (بِالسَّوِيَّةِ) لِاسْتِوَائِهِمْ فِي السَّبَبِ وَإِمْكَانَ الْقِسْمَةِ

(وَلِلْإِمَامِ لَا غَيْرِهِ إقْطَاعُ غَيْرِ مَوَاتٍ تَمْلِيكًا وَانْتِفَاعًا لِلْمَصْلَحَةِ) لِفِعْلِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فِي سَوَادِ الْعِرَاقِ.
وَمَعْنَى الِانْتِفَاعِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ بِالزَّرْعِ وَالْإِجَارَةِ وَغَيْرِهِمَا مَعَ بَقَائِهِ لِلْمُسْلِمِينَ وَهُوَ إقْطَاعُ الِاسْتِغْلَالِ (وَ) أَيْ: لِإِمَامٍ (حَمْيُ مَوَاتٍ لِرَعْيِ دَوَابِّ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي يَقُومُ بِهَا مَا لَمْ يُضَيِّق) عَلَى النَّاسِ، لِقَوْلِ عُمَرَ

الْمَالُ مَالُ اللَّهِ وَالْعِبَادُ عِبَادُ اللَّهِ وَاَللَّهِ لَوْلَا مَا أَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا حَمَيْتُ مِنْ الْأَرْضِ شِبْرًا فِي شِبْرٍ " قَالَ مَالِكٌ " بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ فِي كُلِّ عَامٍ عَلَى أَرْبَعِينَ أَلْفًا مِنْ الظَّهْرِ ". وَرُوِيَ أَيْضًا أَنَّ عُثْمَانَ حَمَى، وَاشْتُهِرَ وَلَمْ يُنْكَرْ.
وَلِأَنَّ مَا كَانَ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ تَقُومُ فِيهِ الْأَئِمَّةُ مُقَامَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَدِيثِ «لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أُجِيبُ عَنْهُ: بِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَا يَحْمِيهِ الْإِمَامُ لِنَفْسِهِ، وَإِنْ ضَيَّقَ عَلَى النَّاسِ حُرِمَ لِعَدَمِ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ.
وَالْحِمَى الْمَنْعُ، يُقَالُ: حَمَى الْمَكَانَ إذَا جَعَلَهُ حِمًى لَا يُقْرَبُ.
وَلَمْ يَحْمِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا وَإِنَّمَا حَمَى لِلْمُسْلِمِينَ (وَلَهُ) أَيْ: الْإِمَامِ إذَا حَمَى مَحِلًّا (نَقْضُ مَا حَمَاهُ) ; لِأَنَّهُ قَدْ يَرَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ (أَوْ) أَيْ: وَلَهُ نَقْضُ مَا حَمَاهُ (غَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ) ; لِأَنَّهُ اجْتِهَادٌ فَلَهُ نَقْضُهُ بِاجْتِهَادٍ آخَرَ.
فَلَوْ أَحْيَاهُ إنْسَانٌ مَلَكَهُ.
قُلْتُ: وَلَيْسَ هَذَا مِنْ نَقْضِ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ، بَلْ عَمَلٌ بِكُلٍّ مِنْ الِاجْتِهَادَيْنِ فِي مَحِلِّهِ كَالْحَادِثَةِ إذَا حَكَمَ فِيهَا قَاضٍ بِحُكْمٍ ثُمَّ وَقَعَتْ مَرَّةً أُخْرَى وَتَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ كَقَضَاءِ عُمَرَ فِي الْمُشَرَّكَةِ.
وَ (لَا) يَنْقُضُ أَحَدٌ (مَا حَمَاهُ النَّبِيُّ) ; لِأَنَّ النَّصَّ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ (وَلَا يُمَلَّكُ) مَا حَمَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (بِإِحْيَاءٍ وَلَوْ لَمْ يُحْتَجْ إلَيْهِ) ، وَإِنْ كَانَ الْحِمَى لِكَافَّةِ النَّاسِ تَسَاوَى فِيهِ جَمِيعُهُمْ.
فَإِنْ خُصَّ بِهِ الْمُسْلِمُونَ اشْتَرَكَ فِيهِ غَنِيُّهُمْ وَفَقِيرُهُمْ وَمُنِعَ مِنْهُ أَهْلُ الذِّمَّةِ وَإِنْ خُصَّ بِهِ الْفُقَرَاءُ مُنِعَ مِنْهُ الْأَغْنِيَاءُ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ، وَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْأَغْنِيَاءِ أَوْ أَهْلِ الذِّمَّةِ.
وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَرْبَابِ الدَّوَابِّ عِوَضًا عَنْ مَرْعَى مَوَاتٍ أَوْ حِمًى لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرَكَ النَّاسَ فِيهِ.

[فَصْلٌ لِمَنْ فِي أَعْلَى مَاءٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ كَالْأَمْطَارِ أَنْ يَسْقِيَ وَيَحْبِسَهُ]

فَصْلٌ وَلِمَنْ فِي أَعْلَى مَاءٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ كَالْأَمْطَارِ وَالْأَنْهَارِ الصِّغَارِ أَنْ يَسْقِيَ وَيَحْبِسَهُ أَيْ: الْمَاءَ (حَتَّى يَصِلَ إلَى كَعْبِهِ، ثُمَّ يُرْسِلَهُ إلَى مَنْ يَلِيهِ) أَيْ: السَّاقِي أَوَّلًا (ثُمَّ هُوَ) أَيْ: الَّذِي يَلِي الْأَعْلَى يَفْعَلُ (كَذَلِكَ) أَيْ: يَسْقِي وَيَحْبِسُ حَتَّى يَصِلَ إلَى كَعْبِهِ، ثُمَّ يُرْسِلَهُ إلَى مَنْ يَلِيهِ، وَهَكَذَا (مُرَتَّبًا) الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى إلَى انْتِهَاءِ الْأَرَاضِي (إنْ فَضَلَ شَيْءٌ) عَمَّنْ لَهُ السَّقْيُ وَالْحَبْسُ (وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لِلْبَاقِي) أَيْ لِمَنْ بَعْدَهُ.
إذْ لَيْسَ لَهُ إلَّا مَا فَضَلَ كَالْعَصَبَةِ مَعَ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ فِي الْمِيرَاثِ.
لِحَدِيثِ عُبَادَةَ

«أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِي شُرْبِ النَّخْلِ مِنْ السَّيْلِ أَنَّ الْأَعْلَى يَشْرَبُ قَبْلَ الْأَسْفَلِ، وَيَتْرُكُ الْمَاءَ إلَى الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ يُرْسِلُ الْمَاءَ إلَى الْأَسْفَلِ الَّذِي يَلِيهِ وَكَذَلِكَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْحَوَائِطُ أَوْ يَفْنَى الْمَاءُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ.
وَلِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (فَإِنْ كَانَ لِأَرْضِ أَحَدِهِمْ أَعْلَى وَأَسْفَلُ) بِأَنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً فِي ذَلِكَ (سُقِيَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى حِدَتِهِ) أَيْ: انْفِرَادِهِ فِي مَحِلِّهِ، (وَلَوْ اسْتَوَى اثْنَانِ فَأَكْثَرُ فِي قُرْبٍ) مِنْ أَوَّلِ نَهْرٍ (قُسِّمَ) الْمَاءُ بَيْنَهُمْ (عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ) فَلَوْ كَانَ لِوَاحِدٍ جَرِيبٌ وَلِآخَرَ جَرِيبَانِ وَلِثَالِثٍ ثَلَاثَةٌ، فَلِلْأَوَّلِ سُدُسٌ وَلِلثَّانِي ثُلُثٌ وَلِلثَّالِثِ نِصْفٌ كَمَا لَوْ كَانُوا سِتَّةً لِكُلِّ وَاحِدٍ جَرِيبٌ، (إنْ أَمْكَنَ) قَسْمُهُ بَيْنَهُمْ (وَإِلَّا) يُمْكِنُ قَسْمُهُ (أُقْرِعَ) بَيْنَهُمْ فَيَسْقِي مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ بِقَدْرِ حَقِّهِ ثُمَّ يُقْرَعُ بَيْنَ الْآخَرِينَ فَيَسْقِي مِنْ قُرِعَ بِقَدْرِ حَقِّهِ وَيَتْرُكُهُ لِلْآخَرِ، (فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ) الْمَاءُ (عَنْ وَاحِدٍ) مَعَ التَّسَاوِي فِي الْقُرْبِ (سَقَى الْقَارِعُ بِقَدْرِ حَقِّهِ) لِمُسَاوَاتِهِ مَنْ لَمْ تَخْرُجْ لَهُ الْقُرْعَةُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَإِنَّمَا الْقُرْعَةُ لِلتَّقْدِيمِ فِي اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ لَا فِي أَصْلِ الْحَقِّ بِخِلَافِ الْأَعْلَى مَعَ الْأَسْفَلِ

. (وَإِنْ أَرَادَ إنْسَانٌ إحْيَاءَ أَرْضٍ يَسْقِيهَا مِنْهُ) أَيْ: السَّيْلِ أَوْ النَّهْرِ الصَّغِيرِ (لَمْ يُمْنَعْ) مِنْ الْإِحْيَاءِ ; لِأَنَّ حَقَّ أَهْلِ الْأَرْضِ الشَّارِبَةِ مِنْهُ فِي الْمَاءِ لَا فِي الْمَوَاتِ (مَا لَمْ يَضُرَّ بِأَهْلِ الْأَرْضِ الشَّارِبَةِ مِنْهُ) فَإِنْ ضَرَّهُمْ فَلَهُمْ مَنْعُهُ لِدَفْعِ ضَرَرِهِ عَنْهُمْ (وَلَا يَسْقِي قَبْلَهُمْ) إذَا لَمْ يَضُرَّ بِهِمْ وَأَحْيَى لِسَبْقِهِمْ لَهُ إلَى النَّهْرِ ; وَلِأَنَّهُمْ مَلَكُوا الْأَرْضَ بِحُقُوقِهَا وَمَرَافِقِهَا قَبْلَهُ فَلَا يَمْلِكُ إبْطَالَ حُقُوقِهَا وَسَبْقِهِمْ إيَّاهُ بِالسَّقْيِ مِنْ حُقُوقِهَا

. (وَلَوْ أَحْيَا سَابِقٌ) مَوَاتًا (فِي أَسْفَلِهِ) أَيْ النَّهْرِ (ثُمَّ) أَحْيَا (آخَرُ) مَحِلًّا (فَوْقَهُ) أَيْ: الْأَوَّلِ (ثُمَّ) أَحْيَا (ثَالِثٌ) مَحِلًّا (فَوْقَ ثَانٍ سَقَى الْمُحْيِي أَوَّلًا) وَهُوَ الْأَسْفَلُ.
ثُمَّ سَقَى ثَانٍ فِي الْإِحْيَاءِ، وَهُوَ الَّذِي فَوْقَ الْأَسْفَلِ (ثُمَّ) سَقَى (ثَالِثٌ) أَيْ: الَّذِي فَوْقَ الثَّانِي اعْتِبَارًا بِالسَّبْقِ إلَى الْإِحْيَاءِ لَا إلَى أَوَّلِ النَّهْرِ.
لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا مَلَكَ الْأَرْضَ مَلَكَهَا بِحُقُوقِهَا وَمَرَافِقِهَا

. (وَإِنْ حُفِرَ نَهْرٌ صَغِيرٌ وَسِيقَ مَاؤُهُ مِنْ نَهْرٍ كَبِيرٍ مَلَكَهُ) أَيْ: مَلَكَ الْحَافِرُ الْمَاءَ الدَّاخِلَ فِيهِ (وَهُوَ) أَيْ: النَّهْرُ (بَيْنَ جَمَاعَةٍ) اشْتَرَكُوا فِي حَفْرِهِ (عَلَى حَسَبِ عَمَلٍ وَنَفَقَةٍ) لِأَنَّهُ مُلِكَ بِالْعِمَارَةِ.
وَهِيَ الْعَمَلُ وَالنَّفَقَةُ (فَإِنْ) كَفَاهُمْ لِمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ فِيهَا فَلَا كَلَامَ.
وَإِنْ (لَمْ يَكْفِهِمْ وَتَرَاضَوْا عَلَى قِسْمَتِهِ) بِمُهَايَأَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (جَازَ) لِأَنَّهُ حَقُّهُمْ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ (وَإِلَّا) يَتَرَاضَوْا عَلَى قِسْمَتِهِ وَتَشَاحُّوا (قَسَمَهُ) أَيْ: الْمَاءَ بَيْنَهُمْ (حَاكِمٌ عَلَى قَدْرِ مِلْكِهِمْ) فِي النَّهْرِ، وَتَأْتِي الْقِسْمَةُ (فَمَا حَصَلَ لِأَحَدِهِمْ فِي سَاقِيَتِهِ تَصَرَّفَ فِيهِ بِمَا أَحَبَّ) لِانْفِرَادِهِ بِمِلْكِهِ، وَلَهُ أَنْ يَسْقِيَ بِهِ مَا شَاءَ مِنْ الْأَرْضِ.
سَوَاءٌ كَانَ لَهُمْ رَسْمُ شُرْبٍ مِنْهُ أَوْ لَا.
كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِهِ مِنْ أَصْلِهِ وَلَهُ عَمَلُ رَحًى عَلَيْهِ وَنَحْوِهِ (وَ) الْمَاءُ (الْمُشْتَرَكُ.
لَيْسَ لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِذَلِكَ) بِلَا إذْنِ شُرَكَائِهِ لَكِنَّ الْمَاءَ الْجَارِيَ الْمَمْلُوكَ وَغَيْرَهُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ لِشُرْبِهِ وَوُضُوئِهِ وَغُسْلِهِ وَغَسْلِ ثِيَابِهِ وَانْتِفَاعٍ بِهِ فِي أَشْبَاهِ ذَلِكَ.
مِمَّا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ بِلَا إذْنِ مَالِكِهِ مَا لَمْ يَدْخُلْ إلَيْهِ فِي مَكَان مَحُوطٍ عَلَيْهِ وَلَا يَحِلُّ لِصَاحِبِهِ الْمَنْعُ مِنْهُ.
لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ كَانَ يَفْضُلُ مَائَهُ فِي الطَّرِيقِ فَمَنَعَهُ ابْنَ السَّبِيلِ» الْحَدِيثُ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِخِلَافِ مَا يُؤَثِّرُ فِيهِ.
كَسَقْيِ مَاشِيَةٍ كَثِيرَةٍ وَنَحْوِهِ.
فَإِنْ فَضَلَ الْمَاءُ عَنْ حَاجَةِ رَبِّهِ لَزِمَهُ بَذْلُهُ لِذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا وَتَقَدَّمَ

(وَمَنْ سَبَقَ إلَى قَنَاةٍ لَا مَالِكَ لَهَا فَسَبَقَ آخَرُ إلَى بَعْضِ أَفْوَاهِهَا مِنْ فَوْقُ أَوْ) مِنْ (أَسْفَلُ فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا مَا سَبَقَ إلَيْهِ) لِلْخَبَرِ (وَلِمَالِكِ أَرْضٍ مَنْعُهُ مِنْ الدُّخُولِ بِهَا) أَيْ: بِأَرْضِهِ (وَلَوْ كَانَتْ رُسُومُهَا) أَيْ: الْقَنَاةِ (فِي أَرْضِهِ) لِأَنَّهَا مِلْكُهُ.
كَمَنْعِهِ مِنْ دُخُولِ دَارِهِ (وَلَا يَمْلِكُ) رَبُّ أَرْضٍ (تَضْيِيقَ مَجْرَى قَنَاةٍ فِي أَرْضِهِ خَوْفَ لِصٍّ) نَصًّا.
لِأَنَّهُ لِصَاحِبِهَا وَفِيهِ ضَرَرٌ عَلَيْهِ بِتَقْلِيلِ الْمَاءِ وَلَا يُزَالُ الضَّرَرُ بِالضَّرَرِ

(وَمَنْ سُدَّ لَهُ مَاءٌ لِجَاهِهِ) يَسْقِي بِهِ أَرْضَهُ (فَلِغَيْرِهِ السَّقْيُ مِنْهُ لِحَاجَةِ) السَّقْيِ لِمُسَاوَاتِهِ لَهُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ (مَا لَمْ يَكُنْ تَرْكُهُ يَرُدُّهُ عَلَى مَنْ سَدَّ عَنْهُ) فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يَتَسَبَّبُ فِي ظُلْمِ مَنْ سَدَّ عَنْهُ بِتَأْخِيرِ حَقِّهِ.

[بَابُ الْجَعَالَةِ]

ِ بِتَثْلِيثِ الْجِيمِ.
ذَكَرَهُ ابْنُ مَالِكٍ: مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْجُعْلِ.
بِمَعْنَى التَّسْمِيَةِ ; لِأَنَّ الْجَاعِلَ يُسَمِّي الْجُعْلَ لِلْعَامِلِ.
أَوْ مِنْ الْجَعْلِ بِمَعْنَى الْإِيجَابِ.
يُقَالُ: جَعَلْتُ لَهُ كَذَا أَيْ: أَوْجَبْتُ، وَيُسَمَّى مَا يُعْطَاهُ الْإِنْسَانُ عَلَى أَمْرٍ يَفْعَلُهُ: جُعْلًا وَجَعَالَةً وَجَعِيلَةً.
قَالَهُ ابْنُ فَارِسٍ.
وَيَدُلُّ لِمَشْرُوعِيَّتِهَا قَوْله تَعَالَى ﴿: وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72] وَحَدِيثُ اللَّدِيغِ.
وَلِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا وَهِيَ شَرْعًا (جَعْلُ) أَيْ: تَسْمِيَةُ (مَالٍ مَعْلُومٍ) فَلَا يَصِحُّ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَلَهُ نِصْفُهُ وَنَحْوُهُ (لَا) إنْ كَانَ (مِنْ مَالِ مُحَارِبٍ) أَيْ: حَرْبِيٍّ

(فَيَصِحُّ مَجْهُولًا) كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ (لِمَنْ يَعْمَلُ) مُتَعَلِّقٌ بِجَعْلٍ (لَهُ) أَيْ الْجَاعِلِ (عَمَلًا) مُبَاحًا، بِخِلَافِ نَحْوِ زَمْرٍ وَزِنًا، (وَلَوْ) كَانَ الْعَمَلُ (مَجْهُولًا) كَمَنْ خَاطَ لِي هَذَا الثَّوْبَ وَنَحْوَهُ فَلَهُ كَذَا (أَوْ) لِمَنْ يَعْمَلُ لَهُ (مُدَّةً وَلَوْ مَجْهُولَةً) كَمَنْ حَرَسَ زَرْعِي.
أَوْ أَذَّنَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ فَلَهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ كَذَا.
وَ (كَمَنْ رَدَّ لُقَطَتِي أَوْ بَنَى لِي هَذَا الْحَائِطَ أَوْ) مَنْ (أَقْرَضَنِي زِيدَ بِجَاهِهِ أَلْفًا.
أَوْ أَذَّنَ بِهَذَا الْمَسْجِدِ شَهْرًا.
فَلَهُ كَذَا.
أَوْ مَنْ فَعَلَهُ مِنْ مَدِينِي) أَيْ: مِمَّنْ لِي عَلَيْهِ دَيْنٌ (فَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ كَذَا) ; لِأَنَّ الْجِعَالَةَ جَائِزَةٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فَسْخُهَا فَلَا يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَلْزَمَهُ مَجْهُولٌ، وَالْجِعَالَةُ نَوْعُ إجَارَةٍ لِوُقُوعِ الْعِوَضِ فِي نَظِيرِ النَّفْعِ، وَتَتَمَيَّزُ بِكَوْنِ الْعَامِلِ لَمْ يَلْتَزِمْ الْعَمَلَ، وَكَوْنِ الْعَقْدِ قَدْ يَقَعُ مُبْهَمًا لَا مَعَ مُعَيَّنٍ، وَبِجَوَازِ الْجَمْعِ فِيهَا بَيْنَ تَقْدِيرِ الْمُدَّةِ وَالْعَمَلِ بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ.
وَصَحَّ مَا ذَكَرَ مَعَ كَوْنِهِ تَعْلِيقًا.
لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ.
لَا تَعْلِيقَ مَحْضٍ وَلِذَلِكَ اُشْتُرِطَ فِي الْجُعْلِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ مَالِ حَرْبِيٍّ.
لِأَنَّهُ يَسْتَقِرُّ بِتَمَامِ الْعَمَلِ كَالْأُجْرَةِ، وَإِنَّمَا صَحَّتْ فِي قَوْلِهِ: مَنْ أَقْرَضَنِي زِيدَ بِجَاهِهِ أَلْفًا.
لِأَنَّ الْجُعْلَ فِي مُقَابَلَةِ مَا بَذَلَهُ مِنْ جَاهِهِ مِنْ غَيْرِ تَعَلُّقٍ لَهُ بِالْقَرْضِ، وَاشْتِرَاطُ كَوْنِ الْعَمَلِ لِلْجَاعِلِ احْتِرَازٌ عَمَّنْ رَكِبَ دَابَّتَهُ وَنَحْوَهُ فَلَهُ كَذَا.
فَلَا يَصِحُّ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ لَهُ الْأَمْرَانِ (فَمَنْ بَلَغَهُ) الْجُعْلُ (قَبْلَ فِعْلِهِ) أَيْ: الْعَمَلِ الْمَجْعُولِ لَهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْعِوَضُ (اسْتَحَقَّهُ) أَيْ الْجُعْلَ (بِهِ) أَيْ: الْعَمَلِ بَعْدَهُ لِاسْتِقْرَارِهِ بِتَمَامِ الْعَمَلِ كَالرِّبْحِ فِي الْمُضَارَبَةِ.
فَإِنْ تَلِفَ فَلَهُ مِثْلُ مِثْلِهِ وَقِيمَةُ غَيْرِهِ، وَلَا يَحْبِسُ الْعَامِلُ الْعَيْنَ حَتَّى يَأْخُذَهُ (وَ) مَنْ بَلَغَهُ الْجَعْلُ (فِي أَثْنَائِهِ) أَيْ: الْعَمَلِ (فَ) لَهُ مِنْ الْجُعْلِ (حِصَّةُ تَمَامِهِ) أَيْ: بِقِسْطِ مَا عَمِلَهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ (إنْ أَتَمَّهُ بِنِيَّةِ الْجُعْلِ) ; لِأَنَّ عَمَلَهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ.
فَلَا يَسْتَحِقُّ عَنْهُ عِوَضًا لِتَبَرُّعِهِ بِهِ.
(وَ) مَنْ بَلَغَهُ (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَلِ (لَمْ يَسْتَحِقَّهُ) أَيْ: الْجُعْلَ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ لِمَا سَبَقَ (وَحُرِّمَ) عَلَيْهِ (أَخْذُهُ) إلَّا إنْ تَبَرَّعَ لَهُ بِهِ رَبُّهُ بَعْدَ إعْلَامِهِ بِالْحَالِ، وَإِنْ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي الْعَمَلِ اشْتَرَكُوا فِي الْجَعْلِ بِخِلَافِ مَنْ دَخَلَ هَذَا النَّقْبَ فَلَهُ دِينَارٌ.
فَكُلُّ مَنْ دَخَلَهُ اسْتَحَقَّ دِينَارًا لِدُخُولِهِ كَامِلَا.
بِخِلَافِ نَحْوِ رَدِّ لُقَطَةٍ فَلَمْ يَفْعَلْهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ كَامِلًا.
كَمَا لَوْ قَالَ مَنْ نَقَبَ السُّوَرَ فَلَهُ دِينَارٌ فَنَقَبَهُ ثَلَاثَةٌ اشْتَرَكُوا فِي الدِّينَارِ، وَإِنْ نَقَبَ كُلُّ وَاحِدٍ نَقْبًا اسْتَحَقَّ كُلُّ وَاحِدٍ دِينَارًا، وَإِنْ جَعَلَ لِزَيْدٍ عَلَى رَدِّ آبِقِهِ دِينَارًا، وَلِعَمْرٍو عَلَى رَدِّهِ دِينَارَيْنِ، وَلِبَكْرٍ ثَلَاثَةً.

فَرَدُّوهُ فَلِكُلٍّ ثُلُثُ مَا جُعِلَ لَهُ، وَإِنْ جَعَلَ لِزَيْدٍ عَلَى رَدِّهِ مَعْلُومًا وَلِآخَرَيْنِ مَجْهُولًا وَرَدُّوهُ فَلِزَيْدٍ ثُلُثُ مَا جَعَلَ لَهُ، وَلِلْآخَرَيْنِ أُجْرَةُ عَمَلِهِمَا، وَإِنْ جَعَلَ لِزَيْدٍ عَلَى رَدِّهِ مَعْلُومًا فَرَدَّهُ هُوَ وَآخَرَانِ مَعَهُ.
فَإِنْ قَصَدَا إعَانَةَ زَيْدٍ اسْتَحَقَّ زَيْدٌ الْجُعْلَ كُلَّهُ، فَإِنْ عَمِلَ غَيْرُهُ بِقَصْدِ الْجُعْلِ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَلِزَيْدٍ ثُلُثُ جُعْلِهِ، وَإِنْ قَالَ: مَنْ دَاوَى لِي هَذَا حَتَّى يَبْرَأَ مِنْ جُرْحِهِ أَوْ رَمَدِهِ فَلَهُ كَذَا.
لَمْ يَصِحَّ مُطْلَقًا

(وَ) إنْ قَالَ رَبُّ آبِقٍ (مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَلَهُ كَذَا وَهُوَ) أَيْ: الْمُسَمَّى (أَقَلُّ مِنْ دِينَارٍ أَوْ) أَقَلُّ (مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا) فِضَّةً (اللَّذَيْنِ قَدَّرَهُمَا الشَّارِعُ) فِي رَدِّ الْآبِقِ (فَقِيلَ: يَصِحُّ) ذَلِكَ (وَلَهُ) أَيْ: الرَّادُّ (بِرَدِّهِ) أَيْ: الْآبِقِ (الْجُعْلُ فَقَطْ) قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ رَدَّهُ عَلَى ذَلِكَ فَلَا يَسْتَحِقُّ غَيْرَهُ (وَقِيلَ: لَا) تَصِحُّ التَّسْمِيَةُ (وَلِلرَّادِّ مَا قَدَّرَهُ الشَّارِعُ) قَطَعَ بِهِ الْحَارِثِيُّ.
وَفِي الْمُبْدِعِ وَالْإِقْنَاعِ: لِاسْتِقْرَارِهِ عَلَيْهِ كَامِلًا بِوُجُودِ سَبَبِهِ.
وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الشَّارِعَ قَدَّرَ فِي رَدِّ الْآبِقِ دِينَارًا أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا.
قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: إنَّهُ الْمَذْهَبُ سَوَاءٌ كَانَ يُسَاوِيهِمَا أَوْ لَا لِئَلَّا يَلْتَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ يَشْتَغِلَ بِالْفَسَادِ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ مُرْسَلًا «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ فِي رَدِّ الْآبِقِ إذَا جَاءَ بِهِ خَارِجًا مِنْ الْحَرَمِ دِينَارًا» وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ جُعْلِ الْآبِقِ، فَقَالَ: لَا أَدْرِي.
قَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهِ.
لَمْ يَكُنْ عِنْدِي فِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ

(وَيَسْتَحِقُّ مَنْ) سُمِّيَ لَهُ جُعْلٌ عَلَى رَدِّ آبِقٍ وَ (رَدَّهُ مِنْ دُونِ) مَسَافَةٍ (مُعَيَّنَةِ الْقِسْطَ) مِنْ الْمُسَمَّى.
فَإِنْ كَانَ الْمَرْدُودُ مِنْهُ نِصْفَ الْمَسَافَةِ اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْمُسَمَّى.
وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ فَبِحِسَابِهِ.
(وَ) إنْ رَدَّهُ (مِنْ أَبْعَدَ) مِنْ الْمُسَمَّى.
(فَلَهُ الْمُسَمَّى فَقَطْ) لِتَبَرُّعِهِ بِالزَّائِدِ لِعَدَمِ الْإِذْنِ فِيهِ (وَ) يَسْتَحِقُّ (مَنْ رَدَّ أَحَدَ آبِقَيْنِ) جُعِلَ عَلَى رَدِّهِمَا (نِصْفَهُ) أَيْ: الْجُعْلِ عَنْ رَدِّهِمَا.
لِأَنَّهُ رَدَّ نِصْفَهُمَا وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْجِعَالَةَ عَقْدٌ جَائِزٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ.

(وَبَعْدَ شُرُوعِ عَامِلٍ) فِي عَمَلٍ (إنْ فَسَخَ جَاعِلٌ فَعَلَيْهِ) لِعَامِلٍ (أُجْرَةٌ) مِثْلُ (عَمَلِهِ) ; لِأَنَّهُ عَمَلٌ بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ لِمَا يَعْمَلُهُ بَعْدَ الْفَسْخِ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ.
(وَإِنْ فَسَخَ عَامِلٌ) قَبْلَ تَمَامِ عَمَلِهِ (فَلَا شَيْءَ لَهُ) لِإِسْقَاطِهِ حَقَّ نَفْسِهِ، حَيْثُ لَمْ يُوفِ مَا شُرِطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ زَادَ جَاعِلٌ فِي جُعْلٍ أَوْ نَقَصَ مِنْهُ قَبْلَ شُرُوعٍ فِي عَمَلٍ جَازَ وَعَمِلَ بِهِ.
لِأَنَّهُ عَقْدٌ جَائِزٌ كَالْمُضَارَبَةِ

(وَيَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَ تَقْدِيرِ مُدَّةٍ وَعَمَلٍ) فِي جِعَالَةٍ كَمَنْ بَنَى لِي هَذَا الْحَائِطَ فِي يَوْمٍ فَلَهُ كَذَا،

لِجَوَازِهَا مَعَ جَهَالَةِ الْمُدَّةِ، وَالْعَمَلِ لِلْحَاجَةِ، وَإِنْ نَادَى غَيْرُ رَبِّ الضَّالَّةِ: مَنْ رَدَّ ضَالَّةَ فُلَانٍ فَلَهُ كَذَا فَرُدَّتْ فَالْعِوَضُ عَلَى الْمُنَادِي.
لِأَنَّهُ ضَمِنَهُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ قَالَ رَبُّهَا: مَنْ رَدَّهَا فَلَهُ كَذَا

(وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ: الْجَاعِلُ وَالْعَامِلُ (فِي أَصْلِ جُعْلٍ فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُ مَنْ يَنْفِيهِ) مِنْهُمَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، (وَ) إنْ اخْتَلَفَا (فِي قَدْرِهِ) أَيْ: الْجُعْلِ (أَوْ) فِي قَدْرِ (مَسَافَتِهِ) بِأَنْ قَالَ: جَاعِلٌ جَعَلْتُهُ لِمَنْ رَدَّهُ مِنْ بَرِيدَيْنِ.
وَقَالَ عَامِلٌ: بَلْ مِنْ بَرِيدٍ (فَقَوْلُ جَاعِلٍ) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهُ مِمَّا لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ.
وَكَذَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي عَيْنِ الْمُجَاعَلِ عَلَيْهِ

. (وَإِنْ عَمِلَ) شَخْصٌ (وَلَوْ الْمُعَدُّ لِأَخْذِ أُجْرَةٍ) عَلَى عَمَلِهِ (لِغَيْرِهِ عَمَلًا بِلَا إذْنٍ.
أَوْ) بِلَا (جُعْلٍ) مِمَّنْ عَمِلَ لَهُ (فَلَا شَيْءَ لَهُ) لِتَبَرُّعِهِ بِعَمَلِهِ حَيْثُ بَذَلَهُ بِلَا عِوَضٍ وَلِئَلَّا يَلْزَمَ الْإِنْسَانُ مَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ، وَلَمْ تَطِبْ بِهِ نَفْسُهُ

. (إلَّا فِي تَخْلِيصِ مَتَاعِ غَيْرِهِ.
وَلَوْ) كَانَ الْمَتَاعُ (قِنًّا مِنْ بَحْرٍ) أَوْ فَمِ سَبُعٍ (أَوْ فَلَاةٍ) يُظَنُّ هَلَاكُهُ فِي تَرْكِهِ (فَ) لَهُ (أُجْرَةُ مِثْلِهِ) ; لِأَنَّهُ يَخْشَى هَلَاكَهُ وَتَلَفَهُ عَلَى مَالِكِهِ بِخِلَافِ اللُّقَطَةِ.
وَفِيهِ حَثٌّ وَتَرْغِيبٌ فِي إنْقَاذِ الْأَمْوَالِ مِنْ الْهَلَكَةِ

. (وَ) إلَّا فِي (رَدِّ آبِقٍ مِنْ قِنٍّ وَمُدَبَّرٍ وَأُمِّ وَلَدٍ إنْ لَمْ يَكُنْ) الرَّادُّ (الْإِمَامُ فَ) لِرَادِّهِ (مَا قَدَّرَهُ الشَّارِعُ) ، سَوَاءٌ رَدَّهُ مِنْ الْمِصْرِ أَوْ خَارِجِهِ، قَرُبَتْ الْمَسَافَةُ أَوْ بَعُدَتْ، وَلَوْ كَانَ الرَّادُّ زَوْجًا لِلرَّقِيقِ أَوْ ذَا رَحِمٍ فِي عِيَالِ الْمَالِكِ وَتَقَدَّمَ لِلْحَثِّ عَلَى حِفْظِهِ عَلَى سَيِّدِهِ وَصِيَانَتِهِ عَمَّا يَخَافُ مِنْهُ مِنْ لِحَاقِهِ بِدَارِ حَرْبٍ وَالسَّعْيِ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ وَالْمَتَاعِ (مَا لَمْ يَمُتْ سَيِّدُ مُدَبَّرٍ) خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ (أَوْ أُمُّ وَلَدٍ قَبْلَ وُصُولٍ.
فَيُعْتَقَا وَلَا شَيْءَ لَهُ) ; لِأَنَّ الْعَمَلَ لَمْ يَتِمَّ إذْ الْعَتِيقُ لَا يُسَمَّى آبِقًا (أَوْ يَهْرُبُ) الْآبِقُ مِنْ آخِذِهِ قَبْلَ وُصُولِهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَرُدَّ شَيْئًا.
وَكَذَا لَوْ جُعِلَ لَهُ عَلَى رَدِّ الْآبِقِ جُعْلٌ فَهَرَبَ مِنْهُ وَنَحْوُهُ أَوْ مَاتَ بِيَدِهِ.
فَلَا شَيْءَ لَهُ كَسَائِرِ مَنْ لَمْ يُسَلِّمْ عَمَلَهُ (وَيَأْخُذُ) وَاجِدُهُ (مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى دَابَّةٍ) يَجُوزُ الْتِقَاطُهَا (فِي قُوتٍ وَلَوْ هَرَبَ) أَوْ لَمْ يَسْتَحِقَّ جُعْلًا لِرَدِّهِ (مِنْ غَيْرِ بَلَدٍ سَمَّاهُ أَوْ لَمْ يَسْتَأْذِنْ مَالِكًا مَعَ قُدْرَتِهِ) عَلَى اسْتِئْذَانِهِ ; لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا.
وَلَا يَجُوزُ اسْتِخْدَامُهُ بِنَفَقَتِهِ كَالْمَرْهُونِ (وَيُؤْخَذَانِ) أَيْ: الْجُعْلُ وَالنَّفَقَةُ (مِنْ تَرِكَةِ) سَيِّدٍ (مَيِّتٍ) كَسَائِرِ الْحُقُوقِ عَلَيْهِ (مَا لَمْ يَنْوِ) الرَّادُّ (التَّبَرُّعَ) بِالْفِعْلِ وَالنَّفَقَةِ فَلَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ

. (وَلَهُ ذَبْحُ مَأْكُولٍ خِيفَ مَوْتُهُ وَلَا يَضْمَنُ مَا نَقَصَهُ) ; لِأَنَّ الْعَمَلَ فِي مَالِ الْغَيْرِ مَتَى كَانَ إنْقَاذًا لَهُ مِنْ التَّلَفِ الْمُشْرِفِ عَلَيْهِ كَانَ جَائِزًا بِغَيْرِ

إذْنِ مَالِكِهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُتَصَرِّفِ إنْ حَصَلَ بِهِ النَّقْصُ.
وَمَنْ وَجَدَ فَرَسًا لِغَيْرِهِ مَعَ الْبَدْوِ فَأَخَذَهُ مِنْهُمْ فَلَهُ بَيْعُهُ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا مَرِضَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَشْيِ وَيَحْفَظُ ثَمَنَهُ لِرَبِّهِ ذَكَرَهُ فِي الْإِقْنَاعِ عَنْ الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ

. (وَمَنْ وَجَدَ آبِقًا أَخَذَهُ) ; لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ لِحَاقُهُ بِدَارِ الْحَرْبِ وَارْتِدَادُهُ وَاشْتِغَالُهُ بِالْفَسَادِ بِخِلَافِ الضَّوَالِّ الَّتِي تَحْفَظُ نَفْسَهَا (وَهُوَ أَمَانَةٌ) عِنْدَ آخِذِهِ إنْ تَلِفَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ لَا ضَمَانَ فِيهِ.
وَلَيْسَ لِوَاجِدِهِ بَيْعُهُ وَلَا يَمْلِكُهُ بِتَعْرِيفِهِ لِأَنَّهُ يَتَحَفَّظُ بِنَفْسِهِ كَضَوَالِّ الْإِبِلِ.

(وَمَنْ ادَّعَاهُ) أَيْ: الْآبِقَ أَيْ: أَنَّهُ مِلْكُهُ بِلَا بَيِّنَةٍ (فَصَدَّقَهُ الْآبِقُ) الْمُكَلَّفُ (أَخَذَهُ) مِنْ وَاجِدِهِ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ بِوَصْفِهِ فَبِتَصْدِيقِهِ أَوْلَى

(وَلِنَائِبِ إمَامٍ) عِنْدَهُ آبِقٌ (بَيْعُهُ لِمَصْلَحَةٍ) لِانْتِصَابِهِ لِذَلِكَ (فَلَوْ قَالَ) سَيِّدُهُ (كُنْتُ أَعْتَقْتُهُ) قَبْلَ بَيْعِهِ (عَمِلَ بِهِ) أَيْ: بِقَوْلِهِ هَذَا وَيَلْغُو الْبَيْعَ لِأَنَّهُ لَا يَجُرُّ بِهِ إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا وَلَا يَدْفَعُ عَنْهَا ضَرَرًا وَلَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ مَا يُنَافِيهِ.

[بَابُ اللُّقَطَةِ]

ِ مُحَرَّكَةً وَكَحُزْمَةٍ وَهُمَزَةٍ وَثُمَامَةٍ مَا اُلْتُقِطَ.
قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ وَقَوْلُهُ مُحَرَّكَةً أَيْ: مَفْتُوحَةَ اللَّامِ وَالْقَافِ، وَعُرْفًا (مَالٌ) كَنَقْدٍ وَمَتَاعٍ (أَوْ مُخْتَصٌّ) كَخَمْرِ خِلَالٍ (ضَاعَ) كَسَاقِطٍ بِلَا عِلْمٍ (أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ) أَيْ الضَّائِعِ كَمَتْرُوكٍ قَصْدًا لِمَعْنًى يَقْتَضِيهِ، وَمَدْفُونٍ مَنْسِيٍّ (لِغَيْرِ حَرْبِيٍّ) فَإِنْ كَانَ لِحَرْبِيٍّ فَلِآخِذِهِ، كَمَا لَوْ ضَلَّ الْحَرْبِيُّ الطَّرِيقَ فَلِآخِذِهِ هُوَ وَمَا مَعَهُ.
وَالْأَصْلُ فِي الِالْتِقَاطِ: حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لُقَطَةِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ؟ فَقَالَ: اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْهَا وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ فَادْفَعْهَا إلَيْهِ، وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ؟ فَقَالَ مَا لَكَ وَمَا لَهَا؟ فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا وَسَأَلَهُ عَنْ الشَّاةِ فَقَالَ: خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ " مَعَهَا حِذَاءَهَا " أَيْ: خُفَّهَا لِأَنَّهُ لِقُوَّتِهِ وَصَلَابَتِهِ يَجْرِي مَجْرَى الْحِذَاءِ " وَسِقَاءَهَا " بَطْنَهَا تَأْخُذُ فِيهِ كَثِيرًا فَيَبْقَى مَعَهَا يَمْنَعُهَا الْعَطَشَ.
وَيَشْتَمِلُ الِالْتِقَاطُ عَلَى اكْتِسَابٍ وَائْتِمَانٍ وَاخْتُلِفَ فِي الْمُغَلَّبِ مِنْهُمَا وَصَحَّحَ الْحَارِثِيُّ أَنَّهُ الِائْتِمَانُ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إيصَالُ الشَّيْءِ إلَى أَهْلِهِ، وَلِأَجْلِهِ شُرِعَ الْحِفْظُ وَالتَّعْرِيفُ أَوَّلًا وَالتَّمَلُّكُ آخِرًا عِنْدَ ضَعْفِ رَجَاءِ الْمَالِكِ

(وَمَنْ أُخِذَ مَتَاعُهُ) فِي نَحْوِ حَمَّامٍ مِنْ ثِيَابٍ أَوْ مَدَاسٍ وَنَحْوَهُ (وَتُرِكَ) بِبِنَاءِ الْفِعْلَيْنِ لِلْمَجْهُولِ (بَدَلُهُ فِي) الْمَتْرُوكِ (كَلُقَطَةٍ) نَصًّا ; لِأَنَّ سَارِقَ الثِّيَابِ لَمْ يَجْرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِكِهَا مُعَاوَضَةٌ وَقِيلَ: لَا تَعْرِيفَ مَعَ دَلَالَةِ قَرِينَةٍ عَلَى الرِّقَّةِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهِ، وَصَوَّبَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَغَيْرِهِ (وَيَأْخُذُ) الْمَأْخُوذُ مَتَاعَهُ (حَقَّهُ مِنْهُ) أَيْ الْمَتْرُوكِ بَدَلَ مَتَاعِهِ (بَعْدَ تَعْرِيفِهِ) بِلَا رَفْعٍ لِحَاكِمٍ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الرِّفْقِ بِالنَّاسِ وَفِيهِ نَفْعٌ لِلْمَسْرُوقِ ثِيَابُهُ بِحُصُولِ عِوَضِهَا، وَنَفْعٌ لِلْآخِذِ بِالتَّخْفِيفِ عَنْهُ وَحِفْظِ هَذِهِ الثِّيَابِ عَنْ الضَّيَاعِ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ تَصَدَّقَ بِهِ.

(وَهِيَ) أَيْ: اللُّقَطَةُ (ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ) بِالِاسْتِقْرَاءِ: الْأَوَّلُ (مَا لَا تَتْبَعُهُ هِمَّةُ أَوْسَاطِ النَّاسِ) أَيْ: لَا يَهْتَمُّونَ فِي طَلَبِهِ (كَسَوْطٍ وَشِسْعٍ) بِتَقْدِيمِ الْمُعْجَمَةِ أَحَدُ سُيُورِ النَّعْلِ الَّذِي يَدْخُلُ بَيْنَ الْأُصْبُعَيْنِ (وَرَغِيفٍ) وَثَمَرَةٍ وَكُلِّ مَا لَا خَطَرَ لَهُ (فَيُمْلَكُ بِأَخْذِهِ) وَيُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ نَصًّا لِحَدِيثِ جَابِرٍ «رَخَّصَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعِصِيِّ وَالسَّوْطِ وَالْحَبْلِ يَلْتَقِطُهُ الرَّجُلُ يَنْتَفِعُ بِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَلَا يَلْزَمُهُ تَعْرِيفُهُ) لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُبَاحَاتِ (وَلَا) يَلْزَمُهُ (بَدَلُهُ إنْ وَجَدَ رَبَّهُ) الَّذِي سَقَطَ مِنْهُ لِمِلْكِ مُلْتَقِطِهِ لَهُ بِأَخْذِهِ.
وَظَاهِرُهُ إنْ بَقِيَ بِعَيْنِهِ لَزِمَهُ رَدُّهُ لِرَبِّهِ كَمَا فِي الْإِقْنَاعِ (وَكَذَا لَوْ لَقِيَ كَنَّاسٌ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ) كَمُقْلِشٍ (قِطَعًا صِغَارًا مُتَفَرِّقَةً) مِنْ فِضَّةٍ فَيَمْلِكُهَا بِأَخْذِهَا وَلَا يَلْزَمُهُ تَعْرِيفُهَا وَلَا بَدَلُهَا إنْ وَجَدَ رَبَّهَا (وَلَوْ كَثُرَتْ) بِضَمِّهَا لِأَنَّ وُجُودَهَا مُتَفَرِّقَةً يَدُلُّ عَلَى تَعْدَادِ أَرْبَابِهَا (وَمَنْ تَرَكَ دَابَّةً) لَا عَبْدًا أَوْ مَتَاعًا (بِمَهْلَكَةٍ أَوْ فَلَاةٍ لِانْقِطَاعِهَا) بِعَجْزِهَا عَنْ مَشْيٍ (أَوْ عَجْزِهِ) أَيْ: مَالِكِهَا (عَنْ عَلَفِهَا) بِأَنْ لَمْ يَجِدْ مَا يَعْلِفُهَا فَتَرَكَهَا (مَلَكَهَا آخِذُهَا) لِحَدِيثِ الشَّعْبِيِّ مَرْفُوعًا «مَنْ وَجَدَ دَابَّةً قَدْ عَجَزَ عَنْهَا أَهْلُهَا فَسَيَّبُوهَا فَأَخَذَهَا فَأَحْيَاهَا فَهِيَ لَهُ» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: فَقُلْتُ يَعْنِي لِلشَّعْبِيِّ " مَنْ حَدَّثَكَ بِهَذَا؟ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ.
وَفِي الْقَوْلِ يَمْلِكُهَا إحْيَاؤُهَا وَإِنْقَاذُهَا وَلِأَنَّهَا تُرِكَتْ رَغْبَةً عَنْهَا.
أَشْبَهَ سَائِرَ مَا يُتْرَكُ رَغْبَةً عَنْهُ (وَكَذَا مَا يُلْقَى) مِنْ سَفِينَةٍ (خَوْفَ غَرَقٍ) فَيَمْلِكُهُ آخِذُهُ لِإِلْقَاءِ صَاحِبِهِ لَهُ اخْتِيَارًا فِيمَا يَتْلَفُ بِتَرْكِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَلْقَاهُ رَغْبَةً عَنْهُ.
الْقِسْمُ (الثَّانِي: الضَّوَالُّ) جَمْعُ ضَالَّةٍ اسْمٌ لِلْحَيَوَانِ خَاصَّةً دُونَ سَائِرِ اللُّقَطَةِ وَيُقَالُ لَهَا: الَهَوَامِي وَالْهَوَافِي وَالْهَوَامِلُ (الَّتِي تَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ) كَذِئْبٍ وَابْنِ آوَى وَأَسَدٍ صَغِيرٍ وَامْتِنَاعِهَا إمَّا لِكِبَرِ جُثَّتِهَا (كَإِبِلٍ وَبَقَرٍ وَخَيْلٍ وَبِغَالٍ وَحَمِيرٍ) أَهْلِيَّةٍ

خِلَافًا لِلْمُوَفَّقِ فِيهَا (وَ) إمَّا لِسُرْعَةِ عَدْوِهَا كَ (ظِبَاءٍ وَ) إمَّا بِطَيَرَانِهَا كَ (طَيْرٍ وَ) إمَّا بِنَابِهَا كَ (فَهْدٍ وَنَحْوِهَا) كَنَعَامَةٍ وَفِيلٍ وَزَرَافَةٍ وَقِرْدٍ وَهِرٍّ وَقِنٍّ كَبِيرٍ، (فَغَيْرُ) الْقِنِّ (الْآبِقِ يَحْرُمُ الْتِقَاطُهُ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «مَا لَكَ وَلَهَا دَعْهَا فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا» " وَلِحَدِيثِ «لَا يُؤْوِي الضَّالَّةَ إلَّا ضَالٌّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ (وَلَا يُمْلَكُ) مَا حَرُمَ الْتِقَاطُهُ (بِتَعْرِيفٍ) لِعُدْوَانِهِ لِعَدَمِ إذْنِ الْمَالِكِ وَالشَّارِعِ فِيهِ.
أَشْبَهَ الْغَاصِبَ، وَسَوَاءٌ كَانَ بِزَمَنِ الْأَمْنِ أَوْ الْفَسَادِ وَالْإِمَامُ غَيْرُهُ (وَلِإِمَامٍ وَنَائِبِهِ أَخْذُهُ لِيَحْفَظَهُ لِرَبِّهِ) لَا عَلَى أَنَّهُ لُقَطَةٌ ; لِأَنَّ لَهُ نَظَرًا فِي حِفْظِ مَالِ الْغَائِبِ.
وَفِي أَخْذِهِ لَهَا لِذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِرَبِّهَا لِصِيَانَتِهَا (وَلَا يَلْزَمُهُ) أَيْ: الْإِمَامَ أَوْ نَائِبَهُ (تَعْرِيفُهُ) أَيْ: مَا أَخَذَهُ مِنْهَا لِيَحْفَظَهُ لِرَبِّهِ ; لِأَنَّ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ يُعَرِّفْ الضَّوَالَّ، وَلِأَنَّ رَبَّهَا يَجِيءُ إلَى مَوْضِعِ الضَّوَالِّ فَإِذَا عَرَفَهَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهَا وَأَخَذَهَا (وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ) أَيْ: الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ مَا أَخَذَهُ مِنْ الضَّوَالِّ لِحِفْظِهِ (بِوَصْفٍ) فَلَا يَكْفِي فِي الضَّالَّةِ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ ظَاهِرَةً لِلنَّاسِ حِينَ كَانَتْ بِيَدِ رَبِّهَا، فَلَا يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَةِ صِفَاتِهَا، وَتَمَكُّنِهِ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهَا لِظُهُورِهَا لِلنَّاسِ.
وَيَشْهَدُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ عَلَى مَا يَحْصُلُ عِنْدَهُ مِنْ الضَّوَالِّ وَيُسَمِّهَا.
ثُمَّ إنْ كَانَ لَهُ حِمًى تَرَكَهَا تَرْعَى فِيهِ، وَإِنْ رَأَى مَصْلَحَةً فِي بَيْعِهَا وَحِفْظِ ثَمَنِهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حِمًى بَاعَهَا بَعْدَ أَنْ يُحَلِّيَهَا وَيَحْفَظَ صِفَاتِهَا، وَحِفْظُ ثَمَنِهَا لِرَبِّهَا وَلَيْسَ لِغَيْرِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ أَنْ يَأْخُذَهَا لِيَحْفَظَهَا لِرَبِّهَا لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ (وَيَجُوزُ الْتِقَاطُ صَيُودٍ مُتَوَحِّشَةٍ لَوْ تُرِكَتْ رَجَعَتْ إلَى الصَّحْرَاءِ بِشَرْطِ عَجْزِ رَبِّهَا) عَنْهَا ; لِأَنَّ تَرْكَهَا إذَنْ أَضْيَعُ لَهَا مِنْ سَائِرِ الْأَمْوَالِ وَالْمَقْصُودُ حِفْظُهَا لِمَالِكِهَا لَا حِفْظُهَا فِي نَفْسِهَا (وَلَا يَمْلِكُهَا) آخِذُهَا (بِالتَّعْرِيفِ) لِأَنَّهُ يَحْفَظُهَا لِرَبِّهَا فَهُوَ كَالْوَدِيعِ.
وَ (لَا) يَجُوزُ الْتِقَاطُ (أَحْجَارِ طَوَاحِينَ وَقُدُورٍ ضَخْمَةٍ وَأَخْشَابٍ كَبِيرَةٍ) وَنَحْوِهَا مِمَّا يَتَحَفَّظُ بِنَفْسِهِ لِأَنَّهَا لَا تَكَادُ تَضِيعُ عَنْ صَاحِبِهَا وَلَا تَبْرَحُ مِنْ مَكَانِهَا فَهِيَ أَوْلَى بِعَدَمِ التَّعَرُّضِ لَهَا مِنْ الضَّوَالِّ لِتَعَرُّضِهَا فِي الْجُمْلَةِ لِلتَّلَفِ إمَّا بِسُبُعٍ أَوْ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ وَنَحْوِهِ بِخِلَافِ هَذَا (وَمَا حُرِّمَ الْتِقَاطُهُ) إنْ أَخَذَهُ (ضَمِنَهُ آخِذُهُ إنْ تَلِفَ أَوْ نَقَصَ كَغَاصِبٍ) لِعَدَمِ إذْنِ الشَّارِعِ فِيهِ وَ (لَا) يَضْمَنُ (كَلْبًا) مَعَ تَحْرِيمِ الْتِقَاطِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ (وَمَنْ) الْتَقَطَ مَا لَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهُ وَ (كَتَمَهُ) عَنْ رَبِّهِ ثُمَّ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ (فَتَلِفَ ف) عَلَيْهِ (قِيمَتُهُ مَرَّتَيْنِ) لِرَبِّهِ نَصًّا.
لِحَدِيثِ «فِي الضَّالَّةِ الْمَكْتُومَةِ غَرَامَتُهَا وَمِثْلُهَا مَعَهَا»

قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ: وَهَذَا حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يُرَدُّ (وَيَزُولُ ضَمَانُهُ) أَيْ الْمُحَرَّمِ الْتِقَاطُهُ (بِدَفْعِهِ إلَى الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ) ; لِأَنَّ لَهُ نَظَرًا فِي مَالِ الْغَائِبِ (أَوْ رَدَّهُ) أَيْ: الْمَأْخُوذِ مِنْ ذَلِكَ (إلَى مَكَانِهِ) الْمَأْخُوذِ مِنْهُ (بِأَمْرِهِ) أَيْ: الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ لِقَوْلِ عُمَرَ لِرَجُلٍ وَجَدَ بَعِيرًا " أَرْسِلْهُ حَيْثُ وَجَدْتَهُ " رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَلِأَنَّ أَمْرَهُ بِرَدِّهِ كَأَخْذِهِ مِنْهُ.
فَإِنْ رَدَّهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَتَلِفَ ضَمِنَهُ كَالْمَسْرُوقِ وَالْمَغْصُوبِ.
الْقِسْمُ (الثَّالِث: مَا عَدَاهُمَا) أَيْ: الْقِسْمَيْنِ السَّابِقَيْنِ (مِنْ ثَمَنٍ) أَيْ: نَقْدٍ (وَمَتَاعٍ) كَثِيَابٍ وَكُتُبٍ وَفُرُشٍ وَأَوَانٍ وَآلَاتِ حَرْثٍ وَنَحْوِهَا (وَغَنَمٍ وَفُصْلَانِ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا جَمْعُ فَصِيلٍ وَلَدُ النَّاقَةِ إذَا فُصِلَ عَنْ أُمِّهِ (وَعَجَاجِيلَ) جَمْعُ عِجْلٍ وَلَدُ الْبَقَرَةِ (وَأَفْلَاءٍ) بِالْمَدِّ جَمْعُ فِلْوٍ، بِوَزْنِ سِحْرٍ وَجَرْوٍ وَعَدُوٍّ وَسُمُوٍّ.
وَهُوَ الْجَحْشُ وَالْمُهْرُ إذَا فُطِمَا أَوْ بَلَغَا السَّنَةَ.
قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ (وَقِنٍّ صَغِيرٍ) وَمَرِيضٍ مِنْ كِبَارِ إبِلٍ وَنَحْوِهَا كَالصَّغِيرِ (وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَخَشَبَةٍ صَغِيرَةٍ وَقِطْعَةِ حَدِيدٍ وَنَحْوِهِ وَزِقِّ دُهْنٍ أَوْ عَسَلٍ وَغِرَارَةِ نَحْوِ بُرٍّ (فَيُحَرَّمُ عَلَى مَنْ لَا يَأْمَنُ نَفْسَهُ عَلَيْهَا) أَيْ: اللُّقَطَةِ مِمَّا ذَكَرَ (أَخْذُهَا) لِمَا فِيهِ مِنْ تَضْيِيعِهَا عَلَى رَبِّهَا كَإِتْلَافِهَا وَكَمَا لَوْ نَوَى تَمَلُّكَهَا فِي الْحَالِ أَوْ كِتْمَانَهَا (وَيَضْمَنُهَا بِهِ) أَيْ: بِأَخْذِهَا مَنْ لَا يَأْمَنُ نَفْسَهُ عَلَيْهَا إنْ تَلِفَتْ، فَرَّطَ أَوْ لَا، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ.
أَشْبَهَ الْغَاصِبَ (وَلَمْ يَمْلِكْهَا) مَنْ لَا يَأْمَنُ نَفْسَهُ عَلَيْهَا (وَلَوْ عَرَّفَهَا) لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُحَرِّمَ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ كَالسَّرِقَةِ، وَالْخَبَرُ مَخْصُوصٌ (وَإِنْ أَمِنَ) الْمُلْتَقِطُ (نَفْسَهُ) عَلَيْهَا (وَقَوِيَ عَلَى تَعْرِيفِهَا فَلَهُ أَخْذُهَا) لِلْخَبَرِ فِي النَّقْدَيْنِ وَالشَّاةِ، وَقِيسَ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُهُ مِمَّا ذُكِرَ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، وَسَوَاءٌ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ.
فَإِنْ عَجَزَ عَنْ تَعْرِيفِهَا فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهَا،، وَإِنْ أَخَذَهَا بِنِيَّةِ الْأَمَانَةِ ثُمَّ طَرَأَ قَصْدُ الْخِيَانَةِ فَاخْتَارَ الْمُوَفَّقُ لَا يَضْمَنُهُ وَصَحَّحَهُ الْحَارِثِيُّ (وَالْأَفْضَلُ) لِمَنْ أَمِنَ نَفْسَهُ عَلَيْهَا وَقَوِيَ عَلَى تَعْرِيفِهَا (تَرْكُهَا) أَيْ: اللُّقَطَةِ.
فَلَا يَتَعَرَّضُ لَهَا.
رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ (وَلَوْ) وَجَدَهَا (بِمَضْيَعَةٍ) ; لِأَنَّ فِيهِ تَعْرِيضًا لِنَفْسِهِ لِأَكْلِ الْحَرَامِ وَتَضْيِيعِ الْأَمَانَةِ فِيهَا (وَمَنْ أَخَذَهَا ثُمَّ رَدَّهَا إلَى مَوْضِعِهَا أَوْ فَرَّطَ) فِيهَا فَتَلِفَتْ (ضَمِنَهَا) لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ حَصَلَتْ فِي يَدِهِ فَلَزِمَهُ حِفْظُهَا كَسَائِرِ الْأَمَانَاتِ.
وَتَرْكُهَا وَالتَّفْرِيطُ فِيهَا تَضْيِيعٌ لَهَا (إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ بِرَدِّهَا) إلَى مَوْضِعِهَا فَيَبْرَأُ بِهِ.
وَكَذَا لَوْ دَفَعَهَا لِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ ; لِأَنَّ لَهُ نَظَرًا فِي الْمَالِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ مَالِكُهُ.
فَإِنْ تَلِفَتْ مِنْهُ فِي حَوْلِ التَّعْرِيفِ بِلَا تَفْرِيطٍ لَمْ يَضْمَنْهَا

فصول الكتاب · 2 فصل · 691 صفحة
جارٍ التحميل