شرح منتهى الإرادات = دقائق أولي النهى لشرح المنتهىصفحات 134-173
أهل الأثرالأرشيف العلمي

أَبِي مَحْذُورَةَ بَعْدَ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ؟ لِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي مَحْذُورَةَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ رَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمَدِينَةِ وَأَقَرَّ بِلَالًا عَلَى أَذَانِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ؟ (وَهِيَ) أَيْ الْإِقَامَةُ (إحْدَى عَشْرَةَ جُمْلَةً بِلَا تَثْنِيَةٍ) لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ.
وَلِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «إنَّمَا كَانَ الْأَذَانُ عَلَى عَهْدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَالْإِقَامَةُ مَرَّةً مَرَّةً، إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ «أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَفِيهِ إجْمَالٌ فَسَّرَهُ مَا سَبَقَ

(وَيُبَاحُ تَرْجِيعُهُ) أَيْ الْأَذَانُ.
لِحَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ (وَ) يُبَاحُ (تَثْنِيَتُهَا) أَيْ الْإِقَامَةِ لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ «كَانَ أَذَانُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَفْعًا فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ» فَالِاخْتِلَافُ فِي الْأَفْضَل (وَسُنَّ) أَذَانٌ (أَوَّلَ الْوَقْتِ) لِيُصَلِّيَ الْمُتَعَجِّلُ.
وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يَجُوزُ مُطْلَقًا مَا دَامَ الْوَقْتُ.
وَيَتَوَجَّهُ سُقُوطُ مَشْرُوعِيَّتِهِ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ (وَ) سُنَّ (تَرَسُّلٌ فِيهِ) أَيْ تَمَهُّلٌ فِي الْأَذَانِ، وَتَأَنٍّ فِيهِ مِنْ قَوْلِهِمْ: جَاءَ فُلَانٌ عَلَى رِسْلِهِ.
(وَ) سُنَّ (حَدْرُهَا) أَيْ إسْرَاعُ إقَامَةٍ.
لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبِلَالٍ «إذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ، وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْدُرْ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: إسْنَادُهُ مَجْهُولٌ.
وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لِلْمُؤَذِّنِ: " إذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ وَإِذَا أَقَمْت فَاحْدُرْ " وَأَصْلُ الْحَدْرِ فِي الشَّيْءِ: الْإِسْرَاعُ وَلِأَنَّ الْأَذَانَ إعْلَامُ الْغَائِبِينَ فَالتَّثَبُّتُ فِيهِ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ، وَالْإِقَامَةُ إعْلَامُ الْحَاضِرِينَ، فَلَا حَاجَةَ فِيهَا لَهُ.
(وَ) يُسَنُّ فِيهِمَا (الْوَقْفُ عَلَى كُلِّ جُمْلَةٍ) قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ شَيْئَانِ مَجْزُومَانِ كَانُوا لَا يُعْرِبُونَهُمَا: الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ.
وَقَالَ أَيْضًا: الْأَذَانُ جَزْمٌ وَمَعْنَاهُ: اسْتِحْبَابُ تَقْطِيعِ الْكَلِمَاتِ بِالْوَقْفِ عَلَى كُلِّ جُمْلَةٍ " تَتِمَّةٌ " لَا يَصِحُّ الْأَذَانُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ مُطْلَقًا.
(وَ) يُسَنُّ (قَوْلُ) مُؤَذِّنٍ (الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ.
بَعْدَ حَيْعَلَةِ أَذَانِ الْفَجْرِ) وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ قَبْلَ طُلُوعِهِ.
لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي مَحْذُورَةَ «فَإِذَا كَانَ أَذَانُ الْفَجْرِ فَقُلْ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
وَالْحَيْعَلَةُ: قَوْلُ " حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ " (وَيُسَمَّى) قَوْلُهُ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ (التَّثْوِيبُ) مِنْ ثَابَ إذَا رَجَعَ ; لِأَنَّ الْمُؤَذِّنَ دَعَا إلَى الصَّلَاةِ بِالْحَيْعَلَتَيْنِ ثُمَّ دَعَا إلَيْهَا بِالتَّثْوِيبِ.
وَيُكْرَهُ التَّثْوِيبُ فِي غَيْرِ أَذَانِ فَجْرٍ، وَبَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالنِّدَاءِ بِالصَّلَاةِ بَعْدَ الْأَذَانِ، وَنِدَاءُ الْأَمِيرِ بَعْدَ الْأَذَانِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: الصَّلَاةُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَنَحْوُهُ ; لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ.
وَكَذَا قَوْلُهُ قَبْلَهُ " {وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ

وَلَدًا} [الإسراء: 111] الْآيَةَ وَوَصَلَهُ بَعْدَهُ بِذِكْرٍ ذَكَرَهُ فِي الْعُمْدَةِ.
وَقَوْلُهُ قَبْلَ الْإِقَامَةِ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَنَحْوِهِ، وَكَذَا مَا يُفْعَلُ قَبْلَ الْفَجْرِ مِنْ التَّسْبِيحِ وَالنَّشِيدِ وَالدُّعَاءِ.
وَلَا بَأْسَ بِالنَّحْنَحَةِ قَبْلَهُمَا.

(وَ) يُسَنُّ (كَوْنُهُ قَائِمًا فِيهِمَا) أَيْ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبِلَالٍ " قُمْ فَأَذِّنْ " وَكَانَ مُؤَذِّنُو النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤَذِّنُونَ قِيَامًا وَالْإِقَامَةُ أَحَدُ الْأَذَانَيْنِ (فَيُكْرَهَانِ) أَيْ الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ (قَاعِدًا) أَيْ مِنْ قَاعِدٍ (لِغَيْرِ مُسَافِرٍ وَمَعْذُورٍ) لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ.
وَكَذَا رَاكِبًا وَمَاشِيًا وَمُضْطَجِعًا، وَصَحَّا مِنْ نَحْوِ قَاعِدٍ ; لِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِآكَدَ مِنْ الْخُطْبَةِ (وَ) يُسَنُّ كَوْنُهُ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ (مُتَطَهِّرًا) مِنْ الْحَدَثَيْنِ.
لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا يُؤَذِّنُ إلَّا مُتَوَضِّئٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ.
. وَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ أَصَحُّ.
وَالْإِقَامَةُ آكَدُ مِنْ الْأَذَانِ، لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى الصَّلَاةِ (فَيُكْرَهُ أَذَانُ جُنُبٍ) لَا مُحْدِثٍ نَصًّا.
(وَ) تُكْرَهُ (إقَامَةُ مُحْدِثٍ) لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالصَّلَاةِ بِالْوُضُوءِ (وَ) يُسَنُّ كَوْنُ أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ (عَلَى عُلْوٍ) أَيْ مَوْضِعٍ عَالٍ، كَمَنَارَةٍ، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ.
وَرُوِيَ عَنْ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ قَالَتْ: " كَانَ بَيْتِي مِنْ أَطْوَلِ بَيْتٍ حَوْلَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ عَلَيْهِ الْفَجْرَ، فَيَأْتِي بِسَحَرٍ، فَيَجْلِسُ عَلَى الْبَيْتِ، فَيَنْتَظِرُ إلَى الْفَجْرِ، فَإِذَا رَآهُ تَمَطَّى، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَعِينُك وَأَسْتَهْدِيك عَلَى قُرَيْشٍ أَنْ يُقِيمُوا دِينَك.
قَالَتْ: ثُمَّ يُؤَذِّنُ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَ) يُسَنُّ (كَوْنُهُ رَافِعًا وَجْهَهُ) إلَى السَّمَاءِ فِي أَذَانِهِ كُلِّهِ.
وَيُسَنُّ أَيْضًا كَوْنُهُ (جَاعِلًا سَبَّابَتَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ) لِقَوْلِ أَبِي جُحَيْفَةَ " إنَّ بِلَالًا وَضَعَ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَعَنْ سَعْدِ الْقَرَظِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَمَرَ بِلَالًا أَنْ يَجْعَلَ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، وَقَالَ: إنَّهُ أَرْفَعُ لِصَوْتِك» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
(وَ) يُسَنّ أَيْضًا كَوْنُهُ (مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ) لِفِعْلِ مُؤَذِّنِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ أَخَلَّ بِهِ كُرِهَ.
(وَ) يُسَنُّ كَوْنُهُ (يَتَلَفَّتْ) بِرَأْسِهِ وَعُنُقِهِ وَصَدْرِهِ (يَمِينًا لُحَيٌّ عَلَى الصَّلَاةِ، وَشِمَالًا لُحَيٌّ عَلَى الْفَلَاحِ) فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ (وَلَا يُزِيلُ قَدَمَيْهِ) لِقَوْلِ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: " رَأَيْت بِلَالًا يُؤَذِّنُ، فَجَعَلْت أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَهُنَا وَهَهُنَا، يَقُولُ يَمِينًا وَشِمَالًا: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَسَوَاءٌ كَانَ عَلَى مَنَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (وَ) سُنَّ أَيْضًا (أَنْ يَتَوَلَّاهُمَا) أَيْ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ رَجُلٌ (وَاحِدٌ) أَيْ أَنْ يَتَوَلَّى الْإِقَامَةَ مَنْ يَقُولُ الْأَذَانَ.
لِمَا فِي حَدِيثِ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ حِينَ أَذَّنَ قَالَ: فَأَرَادَ بِلَالٌ أَنْ يُقِيمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

«يُقِيمُ أَخُو صُدَاءٍ فَإِنَّهُ مَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَكَالْخُطْبَتَيْنِ وَيُسَنُّ أَيْضًا كَوْنُهُمَا (بِمَحَلٍّ وَاحِدٍ) بِأَنْ يُقِيمَ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي أَذَّنَ فِيهِ.
لِقَوْلِ بِلَالٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ» لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يُقِيمُ بِالْمَسْجِدِ لَمَا خَافَ أَنْ يَسْبِقَهُ بِهَا، كَذَا اسْتَنْبَطَهُ أَحْمَدُ وَاحْتَجَّ بِهِ.
وَلِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ " كُنَّا إذَا سَمِعْنَا الْإِقَامَةَ تَوَضَّأْنَا ثُمَّ خَرَجْنَا إلَى الصَّلَاةِ " وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ، وَكَالْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ (مَا لَمْ يَشُقَّ) ذَلِكَ عَلَى الْمُؤَذِّنِ، كَمَنْ أَذَّنَ فِي مَنَارَةٍ أَوْ كَانَ بَعِيدًا عَنْ الْمَسْجِدِ، فَيُقِيمُ فِيهِ، لِئَلَّا يَفُوتَهُ بَعْضُ الصَّلَاةِ، لَكِنْ لَا يُقِيمُ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ.
وَلَا تُعْتَبَرُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالصَّلَاةِ، إنْ أَقَامَ عِنْدَ إرَادَةِ الدُّخُولِ فِيهَا.
وَيَجُوزُ الْكَلَامُ بَعْدَ الْإِقَامَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ.
. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ.
(وَ) يُسَنُّ أَيْضًا (أَنْ يَجْلِسَ) مُؤَذِّنٌ (بَعْدَ أَذَانٍ مَا) أَيْ صَلَاةٍ (يُسَنُّ تَعْجِيلُهَا) كَمَغْرِبٍ (جِلْسَةً خَفِيفَةً، ثُمَّ يُقِيمُ) الصَّلَاةَ لِحَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَرْفُوعًا «يَا بِلَالُ اجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِكَ وَإِقَامَتِك نَفَسًا، يَفْرُغُ الْآكِلُ مِنْ طَعَامِهِ فِي مَهَلٍ، وَيَقْضِي حَاجَتَهُ فِي مَهَلٍ» رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ.
وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِبِلَالٍ «اجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِك وَإِقَامَتِك قَدْرَ مَا يَفْرُغُ الْآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ وَالشَّارِبُ مِنْ شُرْبِهِ، وَالْمُقْتَضِي إذَا دَخَلَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَلِيَتَمَكَّنَ الْآكِلُ مِنْ نَحْوِ إدْرَاكِ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ

(وَلَا يَصِحُّ) الْأَذَانُ (إلَّا مُرَتَّبًا) لِأَنَّهُ ذِكْرٌ يُعْتَدُّ بِهِ، فَلَمْ يَجُزْ الْإِخْلَالُ بِنَظْمِهِ.
كَأَرْكَانِ الصَّلَاةِ (مُتَوَالِيًا عُرْفًا) لِيَحْصُلَ الْإِعْلَامُ.
وَلِأَنَّ مَشْرُوعِيَّتَهُ كَانَتْ كَذَلِكَ (فَإِنْ تَكَلَّمَ) فِي أَثْنَاءِ أَذَانِهِ وَإِقَامَتِهِ (ب) كَلَامٍ (مُحَرَّمٍ) كَقَذْفٍ وَغِيبَةٍ.
بَطَلَ ; لِأَنَّهُ فَعَلَ مُحَرَّمًا فِيهِ، فَكَمَا لَوْ ارْتَدَّ فِي أَثْنَائِهِ لَا بَعْدَهُ.
وَلَا بِجُنُونِهِ إنْ أَفَاقَ سَرِيعًا وَأَتَمَّهُ (أَوْ سَكَتَ) سُكُوتًا (طَوِيلًا بَطَلَ) لِلْإِخْلَالِ بِالْمُوَالَاةِ.
وَكَذَا إنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، أَوْ نَامَ طَوِيلًا (وَكُرِهَ) فِي أَثْنَائِهِ كَلَامٌ (يَسِيرٌ غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ مُحَرَّمٍ.
وَصَحَّحَ فِي الْإِنْصَافِ بِرَدِّ السَّلَامِ بِلَا كَرَاهَةٍ.
(وَ) كُرِهَ أَيْضًا فِي أَثْنَائِهِ (سُكُوتٌ) يَسِيرٌ (بِلَا حَاجَةٍ) إلَيْهِ، وَكَذَا إقَامَةٌ، وَلَا يَصِحُّ الْأَذَانُ أَيْضًا إلَّا (مَنْوِيًّا) لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (مِنْ) شَخْصٍ (وَاحِدٍ) فَلَوْ أَذَّنَ وَاحِدٌ بَعْضَهُ وَكَمَّلَهُ آخَرُ.
لَمْ يَصِحَّ، قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: بِلَا خِلَافٍ أَعْلَمُهُ (عَدْلٍ) لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفَ الْمُؤَذِّنِينَ بِالْأَمَانَةِ، وَالْفَاسِقُ غَيْرُ أَمِينٍ.
وَأَمَّا مَسْتُورُ الْحَالِ فَيَصِحُّ أَذَانُهُ، قَالَ فِي الشَّرْحِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ، وَلَا يَصِحُّ الْأَذَانُ أَيْضًا لِغَيْرِ فَجْرٍ، إلَّا (فِي الْوَقْتِ) لِحَدِيثِ

«إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ» وَلِأَنَّهُ شُرِعَ لِلْإِعْلَامِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ (وَيَصِحُّ) الْأَذَانُ (لِفَجْرٍ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ) لِحَدِيثِ «أَنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلْيَتَهَيَّأْ جُنُبٌ وَنَحْوُهُ لِيُدْرِكَ فَضِيلَةَ أَوَّلِ الْوَقْتِ (وَيُكْرَهُ) أَذَانُ الْفَجْرِ (فِي رَمَضَانَ قَبْلَ) طُلُوعِ (فَجْرٍ ثَانٍ إنْ لَمْ يُؤَذِّنْ لَهُ بَعْدَهُ) لِئَلَّا يَغُرَّ النَّاسَ فَيَتْرُكُوا سُحُورَهُمْ.
وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَذَّنَ قَبْلَ الْفَجْرِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مَنْ يُؤَذِّنُ فِي الْوَقْتِ.
لِلْخَبَرِ.
وَأَنْ يَتَّخِذَ ذَلِكَ عَادَةً، لِئَلَّا يَغْتَرَّ النَّاسُ (وَرَفْعُ الصَّوْتِ) بِأَذَانٍ (رُكْنٌ لِيَحْصُلَ السَّمَاعُ) الْمَقْصُودُ لِلْإِعْلَامِ (مَا لَمْ يُؤَذِّنْ لِحَاضِرٍ) فَبِقَدْرِ مَا يُسْمِعُهُ، وَإِنْ شَاءَ رَفَعَ صَوْتَهُ وَهُوَ أَفْضَلُ، وَإِنْ خَافَتَ بِالْبَعْضِ جَازَ.
وَيُسْتَحَبُّ رَفْعُ صَوْتِهِ قَدْرَ طَاقَتِهِ، مَا لَمْ يُؤَذِّنْ لِنَفْسِهِ.
وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ فَوْقَ الطَّاقَةِ

(وَمَنْ جَمَعَ) بَيْنَ صَلَاتَيْنِ أَذَّنَ لِلْأُولَى وَأَقَامَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، سَوَاءٌ كَانَ الْجَمْعُ تَقْدِيمًا أَوْ تَأْخِيرًا لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (أَوْ قَضَى فَوَائِتَ أَذَّنَ لِلْأُولَى، وَأَقَامَ لِلْكُلِّ) لِحَدِيثِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ «إنَّ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ شَغَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ حَتَّى ذَهَبَ مِنْ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعِشَاءَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَلَفْظُهُ لَهُ وَقَالَ: لَيْسَ بِإِسْنَادِهِ بَأْسٌ، إلَّا أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ

(وَيُجْزِي أَذَانُ مُمَيِّزٍ) لِبَالِغِينَ لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ " كَانَ عُمُومَتِي يَأْمُرُونَنِي أَنْ أُؤَذِّنَ لَهُمْ وَأَنَا غُلَامٌ لَمْ أَحْتَلِمْ " وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ شَاهِدٌ لَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ، وَكَالْبَالِغِ و (لَا) يُجْزِئُ أَذَانُ (فَاسِقٍ) ظَاهِرِ الْفِسْقِ، لِمَا تَقَدَّمَ (وَ) لَا أَذَانُ (خُنْثَى) مُشْكِلٍ.
لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أُنْثَى، فَإِنْ اتَّضَحَتْ ذُكُورِيَّتُهُ صَحَّ.
(وَ) لَا أَذَانُ (امْرَأَةٍ) لِلنَّهْيِ عَنْ رَفْعِ صَوْتِهَا فَيَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ قُرْبَةً.
فَيَصِيرُ كَالْحِكَايَةِ (وَيُكْرَهُ) أَذَانُ (مُلْحِنٍ) بِأَنْ يُطْرِبَ فِيهِ، يُقَالُ: لَحَنَ فِي قِرَاءَتِهِ إذَا أَطْرَبَ بِهَا وَغَرَّدَ.
قَالَ أَحْمَدُ: كُلُّ شَيْءٍ مُحْدَثٍ أَكْرَهُهُ، كَالتَّطْرِيبِ.
وَيَصِحُّ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ (وَ) يُكْرَهُ الْأَذَانُ أَيْضًا (مَلْحُونًا) لَحْنًا لَا يُحِيلُ الْمَعْنَى.
كَرَفْعِ تَاءِ الصَّلَاةِ أَوْ نَصْبِهَا أَوْ حَاءِ الْفَلَاحِ.
(وَ) يُكْرَهُ الْأَذَانُ أَيْضًا (مِنْ ذِي لُثْغَةٍ فَاحِشَةٍ) كَالْمَلْحُونِ وَأَوْلَى، فَإِنْ لَمْ يَفْحُشْ لَمْ يُكْرَهْ (وَبَطَلَ) الْأَذَانُ (إنْ أُحِيلَ الْمَعْنَى) بِاللَّحْنِ أَوْ اللُّثْغَةِ مِثَالُ الْأَوَّلِ: مَدُّ هَمْزَةِ اللَّهِ، أَوْ

أَكْبَرُ أَوْ بَائِهِ، وَمِثَالُ الثَّانِي: إبْدَالُ الْكَافِ قَافًا أَوْ هَمْزَةً.
لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا يُؤَذِّنُ لَكُمْ مَنْ يُدْغِمُ قُلْنَا: كَيْفَ يَقُولُ؟ قَالَ: يَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْإِفْرَادِ.
وَفِيهِ إسْقَاطُ الْهَاءِ مِنْ كَلِمَةِ " اللَّهِ " وَيَحْرُمُ أَنْ يُؤَذِّنَ غَيْرُ الرَّاتِبِ بِلَا إذْنِهِ إلَّا إنْ خِيفَ فَوْتُ وَقْتِ التَّأْذِينِ وَمَتَى جَاءَ وَقَدْ أُذِّنَ قَبْلَهُ أَعَادَهُ اسْتِحْبَابًا.
(وَيُسَنُّ لِمُؤَذِّنٍ) مُتَابَعَةُ قَوْلِهِ سِرًّا بِمِثْلِهِ، لِيَجْمَعَ بَيْنَ إجْرَاءِ الْأَذَانِ وَالْمُتَابَعَةِ (وَ) سُنَّ أَيْضًا ل (سَامِعِهِ) أَيْ الْمُؤَذِّنِ مُتَابَعَةُ قَوْلِهِ سِرًّا: لِحَدِيثِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «إذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ فَقَالَ أَحَدُكُمْ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ فَقَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَقَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا دَخَلَ الْجَنَّةَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَلَوْ) سَمِعَ مُؤَذِّنًا (ثَانِيًا و) مُؤَذِّنًا (ثَالِثًا) حَيْثُ اُسْتُحِبَّ.
وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى جَمَاعَةً لِعُمُومِ الْخَبَرِ، فَإِنْ صَلَّى كَذَلِكَ لَمْ يَجِبْ.
لِأَنَّهُ لَيْسَ مَدْعُوًّا بِهَذَا الْأَذَانِ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ.
(وَ) سُنَّ أَيْضًا (لِمُقِيمِ) الصَّلَاةِ مُتَابَعَةُ قَوْلِهِ سِرًّا، لِيَجْمَعَ بَيْنَ أَجْرِهِمَا.
(وَ) سُنَّ أَيْضًا ل (سَامِعِهِ) أَيْ الْمُقِيمِ (وَلَوْ) كَانَ السَّامِعُ لِأَذَانٍ أَوْ إقَامَةٍ (فِي طَوَافٍ أَوْ قِرَاءَةٍ أَوْ) كَانَ السَّامِعُ لِمَفْهُومٍ (امْرَأَةً) لِعُمُومِ الْخَبَرِ

(مُتَابَعَةُ قَوْلِهِ) أَيْ الْمُؤَذِّنُ وَالْمُقِيمُ (سِرًّا بِمِثْلِهِ) أَيْ مِثْلِ قَوْلِهِ.
(وَلَا) تُسَنُّ الْإِجَابَةُ (مُصَلٍّ) لِاشْتِغَالِهِ بِهَا، فَإِنْ أَجَابَ بَطَلَتْ بِلَفْظِ الْحَيْعَلَةِ، وَصَدَقْتَ وَبَرِرْتَ فِي التَّثْوِيبِ.
لِأَنَّهُ خِطَابُ آدَمِيٍّ.
(وَ) لَا ل (مُتَخَلٍّ) لِاشْتِغَالِهِ بِقَضَاءِ حَاجَتِهِ (وَيَقْضِيَانِهِ) أَيْ يَقْضِي الْمُصَلِّي وَالْمُتَخَلِّي مَا فَاتَهُمَا إذَا فَرَغَا وَخَرَجَ الْمُتَخَلِّي مِنْ الْخَلَاءِ لِزَوَالِ الْمَانِعِ (إلَّا فِي الْحَيْعَلَةِ فَيَقُولَانِ) أَيْ الْمُؤَذِّنُ وَسَامِعُهُ أَوْ الْمُقِيمُ وَسَامِعُهُ (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ) لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ خِطَابٌ فَإِعَادَتُهُ عَبَثٌ، بَلْ سَبِيلُهُ الطَّاعَةُ وَسُؤَالُ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ، وَمَعْنَاهُمَا: إظْهَارُ الْعَجْزِ، وَطَلَبُ الْمَعُونَةِ مِنْهُ فِي كُلِّ الْأُمُورِ.
وَهُوَ حَقِيقَةُ الْعُبُودِيَّةِ (وَ) إلَّا (فِي التَّثْوِيبِ) وَهُوَ قَوْلُ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ فِي أَذَانِ فَجْرٍ، فَيَقُولَانِ (صَدَقْتَ وَبَرِرْتَ) بِكَسْرِ الرَّاءِ الْأُولَى.
(وَ) إلَّا (فِي لَفْظِ الْإِقَامَةِ) وَهُوَ قَوْلُ

الْمُقِيمِ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ، فَيَقُولُ هُوَ وَسَامِعُهُ (أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَنَّ بِلَالًا أَخَذَ فِي الْإِقَامَةِ، فَلَمَّا أَنْ قَالَ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا» وَقَالَ فِي سَائِرِ الْإِقَامَةِ كَنَحْوِ حَدِيثِ عُمَرَ فِي الْأَذَانِ (ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا فَرَغَ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ) بِفَتْحِ الدَّالِ، أَيْ دَعْوَةِ الْأَذَانِ (التَّامَّةِ) لِكَمَالِهَا وَعِظَمِ مَوْقِعِهَا وَسَلَامَتِهَا مِنْ نَقْصٍ يَتَطَرَّقُ إلَيْهَا.
وَلِأَنَّهَا ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى يُدْعَى بِهَا إلَى طَاعَةٍ (وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ) أَيْ الَّتِي سَتَقُومُ (آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ) مَنْزِلَةً عِنْدَ الْمَلِكِ، وَهِيَ مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ (وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْته) وَهُوَ الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى فِي مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ.
لِأَنَّهُ يَحْمَدَهُ فِيهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ.
وَالْحِكْمَةُ فِي سُؤَالِ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ مُحَقَّقَ الْوُقُوعِ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعَالَى: إظْهَارُ كَرَامَتِهِ، وَعِظَمِ مَنْزِلَتِهِ.
وَقَدْ وَقَعَ فِي الْحَدِيث مُنَكَّرًا تَأَدُّبًا مَعَ الْقُرْآنِ فَقَوْلُهُ: " الَّذِي وَعَدْته " نُصِبَ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ أَوْ عَلَى إضْمَارِ فِعْلٍ، وَرُفِعَ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا «إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ إلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْته، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (ثُمَّ يَدْعُو هُنَا) أَيْ بَعْدَ الْأَذَانِ.
لِحَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «الدُّعَاءُ لَا يُرَدُّ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ (وَ) يَدْعُو (عِنْدَ إقَامَةٍ) فَعَلَهُ أَحْمَدُ وَرَفَعَ يَدَيْهِ.
وَيَقُول عِنْدَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ " اللَّهُمَّ هَذَا إقْبَالُ لَيْلِك وَإِدْبَارُ نَهَارِك، وَأَصْوَاتُ دُعَاتِك فَاغْفِرْ لِي " لِلْخَبَرِ

(وَيَحْرُمُ خُرُوجُهُ) أَيْ خُرُوجُ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ أُذِّنَ لَهَا مَعَ صِحَّتِهَا مِنْهُ إذَنْ (مِنْ مَسْجِدٍ بَعْدَهُ) أَيْ الْأَذَانِ قَبْلَهَا (بِلَا عُذْرٍ أَوْ نِيَّةِ رُجُوعٍ) إلَى الْمَسْجِدِ، لِلْخَبَرِ، فَإِنْ كَانَ لِفَجْرٍ قَبْلَ وَقْتِهِ، أَوْ لِعُذْرٍ، أَوْ بِنِيَّةِ رُجُوعٍ قَبْلَ فَوْتِ الْجَمَاعَةِ لَمْ يَحْرُمْ.
وَلَا بَأْسَ بِأَذَانٍ عَلَى سَطْحِ بَيْتٍ قَرِيبٍ، فَإِنْ بَعُدَ كُرِهَ لِأَنَّهُ يُقْصَدُ، فَيَغْتَرُّ بِهِ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْمَسْجِدَ فَيُضَيِّعَ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ

لَا يَقُومَ عِنْدَ الْأَخْذِ فِي الْأَذَانِ، بَلْ يَصْبِرُ قَلِيلًا لِئَلَّا يَتَشَبَّهَ بِالشَّيْطَانِ.

[بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ]

ِ (مَا) أَيْ أَشْيَاءٌ (يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا) أَيْ الْأَشْيَاءِ (صِحَّتُهَا) أَيْ الصَّلَاةِ.
وَكَذَا سَائِرُ الْعِبَادَاتِ وَالْعُقُودِ تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهَا عَلَى شُرُوطِهَا إنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ يَعْجِزُ بِهِ عَنْ تَحْصِيلِ شَرْطٍ وَالشُّرُوطُ جَمْعُ شَرْطٍ كَفَلْسِ وَفُلُوسٍ، وَالشَّرَائِطُ جَمْعُ شَرِيطَةٍ.
كَفَرَائِضَ وَفَرِيضَةٍ، وَالْأَشْرَاطُ جَمْعُ شَرَطٍ، كَأَقْمَارٍ وَقَمَرٍ، وَهُوَ لُغَةً: الْعَلَامَةُ، وَعُرْفًا: مَا لَا يُوجَدُ الْمَشْرُوطُ مَعَ عَدَمِهِ.
وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يُوجَدَ عِنْدَ وُجُودِهِ (وَلَيْسَتْ) شُرُوطُ الصَّلَاةِ (مِنْهَا) أَيْ مِنْ الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ أَرْكَانِهَا (بَلْ تَجِبُ) شُرُوطُ الصَّلَاةِ (لَهَا قَبْلَهَا) فَتَسْبِقُهَا، وَتَسْتَمِرُّ فِيهَا وُجُوبًا إلَى انْقِضَائِهَا، بِخِلَافِ الْأَرْكَانِ.
قَالَ (الْمُنَقِّحُ: إلَّا النِّيَّةَ) فَتَكْفِي مُقَارَنَتُهَا لِلتَّحْرِيمَةِ، وَهُوَ الْأَفْضَلُ (وَهِيَ) أَيْ شُرُوطُ الصَّلَاةِ تِسْعَةٌ (إسْلَامٌ وَعَقْلٌ وَتَمْيِيزٌ) وَهَذِهِ شُرُوطٌ لِكُلِّ عِبَادَةٍ غَيْرِ الْحَجِّ فَيَصِحُّ مِمَّنْ لَمْ يُمَيِّزْ.
وَيَأْتِي.
(وَ) الرَّابِعُ: (طَهَارَةٌ) لِحَدِيثِ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا

(و) الْخَامِسُ (دُخُولُ وَقْتِ) صَلَاةٍ مُؤَقَّتَةٍ.
وَهَذَا الْمَقْصُودُ هُنَا وَعَبَّرَ عَنْهُ بَعْضُهُمْ: بِالْمَوَاقِيتِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: 78] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " دُلُوكُهَا إذَا فَاءَ الْفَيْءُ " وَقَالَ عُمَرُ " الصَّلَاةُ لَهَا وَقْتٌ شَرَطَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهَا لَا تَصِحُّ إلَّا بِهِ " وَهُوَ حَدِيثُ جِبْرِيلَ حِينَ أَمَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، ثُمَّ قَالَ " يَا مُحَمَّدُ هَذَا وَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِك " وَالْوَقْتُ أَيْضًا: سَبَبُ وُجُوبِ الصَّلَاةِ، لِأَنَّهَا تُضَافُ إلَيْهِ، وَتَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ، وَشَرْطٌ لِلْوُجُوبِ كَالْأَدَاءِ، وَغَيْرُهُ مِنْ الشُّرُوطِ شَرْطٌ لِلْأَدَاءِ فَقَطْ (وَهُوَ) أَيْ الْوَقْتُ (لِظُهْرٍ) . وَهُوَ لُغَةً الْوَقْتُ بَعْدَ الزَّوَالِ وَشَرْعًا: صَلَاةُ هَذَا الْوَقْتِ مُشْتَقٌّ مِنْ الظُّهُورِ لِأَنَّ فِعْلَهَا يَكُونُ ظَاهِرًا وَسَطَ النَّهَارِ، وَتُسَمَّى أَيْضًا: الْهَجِيرُ، لِفِعْلِهَا وَقْتَ الْهَاجِرَةِ (وَهِيَ الْأُولَى) لِبُدَاءَةِ جِبْرِيلَ بِهَا لَمَّا صَلَّى بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ هَذَا الدِّينَ ظَهَرَ أَمْرُهُ وَسَطَعَ نُورُهُ، وَخَتَمَ بِالْفَجْرِ، لِأَنَّهُ وَقْتُ ظُهُورٍ فِيهِ ضَعْفٌ (مِنْ الزَّوَالِ، وَهُوَ ابْتِدَاءُ طُولِ الظِّلِّ بَعْدَ تَنَاهِي قِصَرِهِ) لِأَنَّ الظِّلَّ يَكُونُ طَوِيلًا عِنْدَ ابْتِدَاءِ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَكُلَّمَا صَعِدَتْ قَصَرَ إلَى أَنْ تَنْتَهِيَ.
فَإِذَا أَخَذَتْ فِي النُّزُولِ مُغْرِبَةً

طَالَ، لِمُحَاذَاةِ الْمُنْتَصِبِ قُرْصَهَا، فَهَذَا أَوَّلُ وَقْتِ الظُّهْرِ.
وَيَقْصُرُ الظِّلُّ فِي الصَّيْفِ لِارْتِفَاعِهَا إلَى الْجَوِّ، وَيَطُولُ فِي الشِّتَاءِ (لَكِنْ لَا يَقْصُرُ الظِّلُّ فِي بَعْضِ بِلَادِ خُرَاسَانَ.
لِسَيْرِ الشَّمْسِ نَاحِيَةً عَنْهَا) فَصَيْفُهَا كَشِتَاءِ غَيْرِهَا.
فَيُعْتَبَرُ الْوَقْتُ بِالزَّوَالِ، وَهُوَ مَيْلُهَا لِلْغُرُوبِ (وَيَخْتَلِفُ) ظِلُّ الزَّوَالِ (بِالشَّهْرِ وَالْبَلَدِ) فَيَقْصُرُ فِي الصَّيْفِ.
وَكُلَّمَا قَرُبَ مِنْ الْبِلَاد مِنْ وَسَطِ الْفُلْكِ، وَيَطُولُ فِي ضِدِّ ذَلِكَ (فَأَقَلُّهُ) أَيْ أَقَلُّ ظِلِّ آدَمِيٍّ تَزُولُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ (بِإِقْلِيمِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ: قَدَمٌ وَثُلُثٌ) قَدَمٌ بِقَدَمِ ذَلِكَ الْآدَمِيِّ (فِي نِصْفِ حُزَيْرَانَ) وَسَابِعَ عَشَرَةَ أَطْوَلُ أَيَّامِ السَّنَةِ.
(وَيَتَزَايَدُ) بِقِصَرِ النَّهَارِ (إلَى عَشَرَةِ أَقْدَامٍ) (وَسُدُسِ) قَدَمٍ (فِي نِصْفِ كَانُونَ الْأَوَّلِ) وَسَابِعَ عَشَرَةَ أَقْصَرُ أَيَّامِ السَّنَةِ (وَيَكُونُ) الظِّلُّ (أَقَلَّ) قِصَرًا (وَأَكْثَرُ) طُولًا (فِي غَيْرِ ذَلِكَ) الْمُسَمَّى مِنْ الشُّهُورِ وَالْبُلْدَانِ (وَطُولُ كُلِّ إنْسَانٍ بِقَدَمِهِ) نَفْسِهِ (سِتَّةُ) أَقْدَامٍ (وَثُلُثَانِ تَقْرِيبًا) فَقَدْ يَزِيدُ أَوْ يَنْقُصُ يَسِيرًا، وَيَمْتَدُّ وَقْتُهَا مِنْ الزَّوَالِ (حَتَّى يَتَسَاوَى مُنْتَصِبٌ وَفَيْئُهُ) أَيْ ظِلُّهُ (سِوَى ظِلِّ الزَّوَالِ) فَإِذَا ضَبَطْت الظِّلَّ الَّذِي زَالَ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَبَلَغَتْ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ قَدْرَ الشَّاخِصِ، فَقَدْ انْتَهَى وَقْتُ الظُّهْرِ.
وَتَجِبُ الْفَرِيضَةُ عَلَى الْمُكَلَّفِ بِهَا بِأَوَّلِ وَقْتِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: 78] وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا إلَّا مَعَ الْعَزْمِ عَلَى فِعْلِهَا فِيهِ (وَالْأَفْضَلُ: تَعْجِيلُهَا) أَيْ الظُّهْرِ لِحَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ، الَّتِي تَدْعُونَهَا الْأُولَى، حِينَ تُدْحَضُ الشَّمْسُ» وَقَالَ جَابِرٌ «كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا (إلَّا مَعَ حَرٍّ مُطْلَقًا) سَوَاءٌ كَانَ الْبَلَدُ حَارًّا أَوْ لَا، صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ أَوْ مُنْفَرِدًا فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي بَيْتِهِ.
لِعُمُومِ حَدِيثِ «إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ فَإِنْ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» مُتَّفَق عَلَيْهِ، وَفَيْحُهَا غَلَيَانُهَا وَانْتِشَارُ لَهَبِهَا وَوَهَجِهَا.
فَتُؤَخَّرُ مَعَ حَرٍّ (حَتَّى يَنْكَسِرَ) الْحَرُّ لِلْخَبَرِ (وَ) إلَّا (مَعَ غَيْمٍ لِمُصَلٍّ جَمَاعَةً) لِمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ " كَانُوا يُؤَخِّرُونَ الظُّهْرَ وَيُعَجِّلُونَ الْعَصْرَ فِي الْيَوْمِ الْمَغِيمِ " فَتُؤَخَّرُ فِيهِ (لِقُرْبِ وَقْتِ الْعَصْرِ) طَلَبًا لِلسُّهُولَةِ.
لِأَنَّهُ يَخَافُ فِيهِ الْعَوَارِضَ مِنْ مَطَرٍ وَرِيحٍ فَيَشُقُّ الْخُرُوجُ بِتَكَرُّرِهِ، فَاسْتُحِبَّ تَأْخِيرُ الْأُولَى لِيَقْرُبَ وَقْتُ الثَّانِيَةِ، فَيَخْرُجُ لَهُمَا خُرُوجًا وَاحِدًا (فَيُسَنُّ) التَّأْخِيرُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
لِمَا تَقَدَّمَ (غَيْرِ جُمُعَةٍ فِيهِمَا) أَيْ فِي الْحَرِّ وَالْغَيْمِ، فَيُسَنُّ تَقْدِيمُهَا.
مُطْلَقًا لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ «مَا كُنَّا نُقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ»

وَقَوْلِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ «كُنَّا نَجْمَعُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَتَتَبَّعُ الْفَيْءَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
(وَتَأْخِيرُهَا) أَيْ الظُّهْرِ (لِمَنْ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ) كَعَبْدٍ (أَوْ) لِمَنْ (يَرْمِي الْجَمَرَاتِ حَتَّى يَفْعَلَا) أَيْ يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ وَيَرْمِيَ الْجَمَرَاتِ (أَفْضَلُ) مِنْ فِعْلِهَا قَبْلَهُمَا لِمَا يَأْتِي فِي الْجُمُعَةِ وَالْحَجِّ (وَيَلِيهِ) أَيْ وَقْتَ الظُّهْرِ: الْوَقْتُ (الْمُخْتَارُ لِلْعَصْرِ) فَلَا فَصْلَ، وَلَا اشْتِرَاكَ بَيْنَهُمَا (وَهِيَ) أَيْ الْعَصْرُ الصَّلَاةُ (الْوُسْطَى) لِلْخَبَرِ، بِلَا خِلَافٍ عَنْ الْإِمَامِ وَالْأَصْحَابِ فِيمَا أَعْلَمُهُ.
ذَكَرَهُ فِي الْإِنْصَافِ فَهِيَ بِمَعْنَى الْفُضْلَى وَالْمُتَوَسِّطَةُ بَيْنَ صَلَاةٍ نَهَارِيَّةٍ وَصَلَاةٍ لَيْلِيَّةٍ، أَوْ بَيْنَ رُبَاعِيَّتَيْنِ، وَيَمْتَدُّ الْوَقْتُ الْمُخْتَارُ لِلْعَصْرِ (حَتَّى يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، سِوَى ظِلِّ الزَّوَالِ) أَيْ ظِلِّ الشَّاخِصِ الَّذِي زَالَتْ الشَّمْسُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ لِأَنَّ جِبْرِيلَ " صَلَّاهَا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، وَقَالَ: الْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ " (ثُمَّ هُوَ) أَيْ الْوَقْتُ بَعْدَ أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ سِوَى ظِلِّ الزَّوَالِ (وَقْتُ ضَرُورَةٍ إلَى الْغُرُوبِ) مَصْدَرُ غَرَبَتْ الشَّمْسُ، بِفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا.
فَتَكُونُ الصَّلَاةُ فِيهِ أَدَاءً.
لِحَدِيثِ «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الْعَصْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَعْذُورِ وَغَيْرِهِ، إلَّا فِي الْإِثْمِ وَعَدَمِهِ فَيَحْرُمُ التَّأْخِيرُ إلَيْهِ بِلَا عُذْرٍ (وَتَعْجِيلُهَا) أَيْ الْعَصْرِ (مُطْلَقًا) أَيْ مَعَ حَرٍّ وَغَيْمٍ وَغَيْرِهِمَا (أَفْضَلُ) لِلْأَخْبَارِ (وَيَلِيهِ) أَيْ وَقْتَ الضَّرُورَةِ لِلْعَصْرِ الْوَقْتُ (لِلْمَغْرِبِ) وَأَصْلُهُ وَقْتُ الْغُرُوبِ، أَوْ مَكَانُهُ أَوْ هُوَ نَفْسُهُ، ثُمَّ صَارَ اسْمًا لِصَلَاةِ ذَلِكَ الْوَقْتِ كَنَظَائِرِهِ.
(وَهِيَ) أَيْ الْمَغْرِبُ (وِتْرُ النَّهَارِ) لِلْخَبَرِ لِقُرْبِهَا مِنْهُ وَاتِّصَالِهَا بِهِ.
وَيَمْتَدُّ وَقْتُهَا (حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ الْأَحْمَرُ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «وَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا أَيْضًا «الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ فَإِذَا غَابَ الشَّفَقُ وَجَبَتْ الْعِشَاءُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (وَالْأَفْضَلُ تَعْجِيلُهَا) أَيْ الْمَغْرِبِ لِحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ «كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا، وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِعْلُ جِبْرِيلَ لَهَا فِي الْيَوْمَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ دَلِيلٌ لِتَأْكِيدِ اسْتِحْبَابِ اسْتِعْجَالِهَا (إلَّا لَيْلَةَ جَمْعٍ) أَيْ مُزْدَلِفَةَ.
سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ فِيهَا.
وَهِيَ لَيْلَةُ يَوْمِ النَّحْرِ فَيُسَنُّ تَأْخِيرُهَا (لِمُحْرِمٍ) يُبَاحُ لَهُ الْجَمْعُ (قَصَدَهَا) أَيْ مُزْدَلِفَةَ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: إجْمَاعًا (إنْ لَمْ يُوَافِهَا) أَيْ مُزْدَلِفَةَ (وَقْتَ الْغُرُوبِ) فَيُصَلِّي الْمَغْرِبَ فِي وَقْتِهَا وَلَا يُؤَخِّرُهَا (وَ) لَا (فِي غَيْمٍ لِمُصَلٍّ جَمَاعَةً) فَيُسَنُّ تَأْخِيرُهَا لِقُرْبِ وَقْتِ الْعِشَاءِ (كَمَا تَقَدَّمَ) فِي الظُّهْرِ (وَ) لَا فِي (جَمْعِ تَأْخِيرٍ إنْ كَانَ جَمْعُ التَّأْخِيرِ أَرْفَقَ) لِمَنْ يُبَاحُ لَهُ.
وَلَا يُكْرَهُ تَسْمِيَةُ الْمَغْرِبِ بِالْعِشَاءِ (وَيَلِيهِ) أَيْ وَقْتَ الْمَغْرِبِ (الْمُخْتَارُ لِلْعِشَاءِ) وَهُوَ أَوَّلُ الظَّلَامِ وَعُرْفًا: صَلَاةُ هَذَا الْوَقْتِ يُقَالُ لَهَا: عِشَاءُ الْأَخِيرَة، وَيَمْتَدُّ وَقْتُهَا الْمُخْتَارُ (إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ) لِأَنَّ جِبْرِيلَ «صَلَّاهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ.
وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: الْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ «كَانُوا يُصَلُّونَ الْعَتَمَةَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَصَلَاتُهَا) أَيْ الْعِشَاءِ (آخِرَ الثُّلُثِ) الْأَوَّلِ مِنْ اللَّيْلِ (أَفْضَلُ) لِخَبَرِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا.
وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُؤَخِّرُوا الْعِشَاءَ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (مَا لَمْ يُؤَخَّرْ الْمَغْرِبُ) حَيْثُ جَازَ تَأْخِيرُهَا لِنَحْوِ جَمْعٍ فَتُقَدَّمُ الْعِشَاءُ (وَيُكْرَهُ التَّأْخِيرُ إنْ شَقَّ وَلَوْ عَلَى بَعْضِهِمْ) أَيْ الْمُسْلِمِينَ.
لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَانَ يَأْمُرُ بِالتَّخْفِيفِ " رِفْقًا بِالْمَأْمُومِينَ (وَ) يُكْرَهُ (النَّوْمُ قَبْلَهَا) أَيْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ مَنْ يُوقِظُهُ (و) يُكْرَهُ (الْحَدِيثُ بَعْدَهَا) أَيْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ.
لِحَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ.
وَفِيهِ «وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (إلَّا) حَدِيثًا (يَسِيرًا) وَإِلَّا حَدِيثًا مَعَ (أَهْلٍ) وَضَيْفٍ، لِأَنَّهُ خَيْرٌ نَاجِزٌ فَلَا يُتْرَكُ لِتَوَهُّمِ مَفْسَدَةٍ (ثُمَّ هُوَ) أَيْ الْوَقْتُ بَعْدَ ثُلُثِ اللَّيْلِ (وَقْتُ ضَرُورَةٍ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي) لِحَدِيثِ «لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ إنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ أَنْ تُؤَخِّرَ صَلَاةً إلَى أَنْ يَدْخُلَ وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلِأَنَّهُ وَقْتٌ لِلْوِتْرِ.
وَهُوَ مِنْ تَوَابِعِ الْعِشَاءِ (وَهُوَ) أَيْ الْفَجْرُ الثَّانِي الْمُسْتَطِيلُ (الْبَيَاضُ الْمُعْتَرَضُ بِالْمَشْرِقِ وَلَا ظُلْمَةَ بَعْدَهُ) وَيُقَالُ لَهُ: الْفَجْرُ الصَّادِقُ (و) الْفَجْرُ (الْأَوَّلُ) وَيُقَالُ لَهُ: الْكَاذِبُ (مُسْتَطِيلٌ) بِلَا اعْتِرَاضٍ (أَزْرَقُ لَهُ شُعَاعٌ ثُمَّ يُظْلِمُ) وَلِدِقَّتِهِ يُسَمَّى ذَنَبَ السِّرْحَانِ، وَهُوَ الذِّئْبُ (وَيَلِيهِ) أَيْ وَقْتَ الضَّرُورَةِ لِلْعِشَاءِ الْوَقْتُ (لِلْفَجْرِ) إجْمَاعًا، وَيَمْتَدُّ (إلَى الشُّرُوقِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «وَقْتُ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَتَعْجِيلُهَا) أَيْ الْفَجْرِ (مُطْلَقًا) أَيْ صَيْفًا وَشِتَاءً (أَفْضَلُ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَغْسِلُونَ بِالْفَجْرِ.
وَمُحَالٌ أَنْ يَتْرُكُوا

الْأَفْضَلَ وَهُمْ النِّهَايَةُ فِي إتْيَانِ الْفَضَائِلِ.
وَحَدِيثُ «أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ.
حَكَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ: أَنَّ مَعْنَى الْإِسْفَارِ أَنَّهُ يُضِيءُ الْفَجْرُ فَلَا يُشَكُّ فِيهِ.
وَيُسَنُّ جُلُوسُهُ بِمُصَلَّاهُ بَعْدَ عَصْرٍ إلَى الْغُرُوبِ وَبَعْدَ فَجْرِ الشُّرُوقِ، بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ.
وَيُكْرَهُ الْحَدِيثُ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ.
ذَكَرَهُ فِي الْإِقْنَاعِ (وَتَأْخِيرُ الْكُلِّ) أَيْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ (مَعَ أَمْنِ فَوْتِ) الْوَقْتِ بِأَنْ يَبْقَى مِنْهُ مَا يَتَّسِعُ لَهَا كُلِّهَا (لِمُصَلِّي كُسُوفٍ) لِشَمْسٍ أَوْ قَمَرٍ أَفْضَلُ لِئَلَّا يَفُوتَهُ الْكُسُوفُ.
(وَ) تَأْخِيرُ الْكُلِّ مَعَ أَمْنِ فَوْتٍ ل (مَعْذُورٍ، كَحَاقِنٍ) بِبَوْلٍ أَوْ نَحْوِهِ (وَتَائِقٍ) إلَى طَعَامٍ أَوْ نَحْوِهِ (أَفْضَلُ) لِيُزِيلَ ذَلِكَ، وَيَأْتِيَ الصَّلَاةَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ ، فَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ تَعَيَّنَتْ (وَلَوْ أَمَرَهُ بِهِ) أَيْ التَّأْخِيرِ (وَالِدُهُ لِيُصَلِّيَ بِهِ) الصَّلَاةَ الَّتِي طَلَبَ تَأْخِيرَهَا مَعَ سَعَةِ الْوَقْتِ (أَخَّرَ) لِيُصَلِّيَ بِهِ وَظَاهِرُهُ وُجُوبًا لِطَاعَةِ وَالِدِهِ.
وَأَنَّهُ إنْ أَمَرَهُ بِالتَّأْخِيرِ لِغَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يُؤَخِّرْ (فَ) يُؤْخَذُ مِنْهُ: أَنَّهُ (لَا يُكْرَهُ أَنْ يَؤُمَّ أَبَاهُ) وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(وَيَجِبُ) التَّأْخِيرُ (لِتَعَلُّمِ الْفَاتِحَةِ، و) تَعَلُّمِ (ذِكْرٍ وَاجِبٍ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ (وَتَحْصُلُ فَضِيلَةُ التَّعْجِيلِ بِالتَّأَهُّبِ) لِلصَّلَاةِ (أَوَّلَ الْوَقْتِ) بِأَنْ يَشْتَغِلَ بِالطَّهَارَةِ وَنَحْوِهَا عِنْدَ دُخُولِهِ ; لِأَنَّهُ لَا إعْرَاضَ مِنْهُ (وَيُقَدِّرُ لِلصَّلَاةِ أَيَّامَ الدَّجَّالِ) الطِّوَالِ، وَهِيَ يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ (قَدْرَ) الزَّمَنِ (الْمُعْتَادِ) لَا أَنَّهُ لِلظُّهْرِ بِالزَّوَالِ وَانْتِصَافِ النَّهَارِ، وَلَا لِلْعَصْرِ بِمَصِيرِ ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ.
وَهَكَذَا، بَلْ يُقَدِّرُ الْوَقْتَ بِزَمَنٍ يُسَاوِي الزَّمَنَ الَّذِي كَانَ فِي الْأَيَّامِ الْمُعْتَادَةِ، وَاللَّيْلَةُ فِي ذَلِكَ كَالْيَوْمِ إنْ طَالَتْ، قُلْت: وَقِيَاسُهُ الصَّوْمُ وَسَائِرُ الْعِبَادَاتِ.

[فَصْلٌ فِيمَا يُدْرَكُ بِهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَحُكْمُ قَضَائِهَا]

(أَدَاءُ الصَّلَاةِ، حَتَّى) صَلَاةُ (الْجُمُعَةِ يُدْرَكُ بِتَكْبِيرَةِ إحْرَامٍ) فِي الْوَقْتِ، سَوَاءٌ أَخَّرَهَا الْعُذْرُ أَوْ لَا.
لِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ أَوْ مِنْ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلِلْبُخَارِيِّ " فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ " وَكَإِدْرَاكِ الْمُسَافِرِ صَلَاةَ الْمُقِيمِ، كَإِدْرَاكِ الْجَمَاعَةِ (وَلَوْ) كَانَ الْوَقْتُ الَّذِي كَبَّرَ فِيهِ لِلْإِحْرَامِ (آخِرَ وَقْتِ ثَانِيَةٍ فِي جَمْعٍ) فَتَكُونُ الَّتِي أَحْرَمَ بِهَا فِيهِ أَدَاءً، كَمَا لَوْ

لَمْ يَجْمَعْ، فَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ الَّتِي أَحْرَمَ بِهَا لِخُرُوجِ وَقْتِهَا، بَلْ يُتِمُّهَا أَدَاءً (وَمَنْ جَهِلَ الْوَقْتَ) فَلَمْ يَدْرِ: أَدَخَلَ أَمْ لَا؟ (وَلَا تُمْكِنُهُ مُشَاهَدَةُ) مَا يُعْرَفُ بِهِ الْوَقْتُ لِعَمًى أَوْ مَانِعٍ مَا.
(وَلَا مُخْبِرَ عَنْ يَقِينٍ) بِدُخُولِ الْوَقْتِ (صَلَّى إذَا ظَنَّ دُخُولَهُ) أَيْ الْوَقْتِ، بِدَلِيلٍ: مِنْ اجْتِهَادٍ أَوْ تَقْدِيرِ الزَّمَنِ بِصَنْعَةٍ.
أَوْ قِرَاءَةٍ وَنَحْوِهِ ; لِأَنَّهُ أَمْرٌ اجْتِهَادِيٌّ.
فَاكْتَفَى فِيهِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ كَغَيْرِهِ.
وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهُ حَتَّى يَتَيَقَّنَ دُخُولَ الْوَقْتِ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ: فَإِنْ صَلَّى مَعَ الشَّكِّ أَعَادَ مُطْلَقًا، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ دُخُولِهِ.
وَإِنْ أَمْكَنَهُ الْمُشَاهَدَةُ أَوْ مُخْبِرٌ عَنْ يَقِينٍ عَمِلَ بِهِ دُونَ ظَنِّهِ (وَيُعِيدُ إنْ) اجْتَهَدَ وَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ (أَخْطَأَ) الْوَقْتَ (فَصَلَّى قَبْلَهُ) لِوُقُوعِهَا نَفْلًا وَبَقَاءِ فَرْضِهِ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّن لَهُ الْخَطَأُ، فَلَا إعَادَةَ (وَيُعِيدُ أَعْمَى عَاجِزٌ) عَنْ مَعْرِفَةِ الْوَقْتِ (عَدِمَ مُقَلَّدًا) بِفَتْحِ اللَّامِ أَيْ مَنْ يُقَلِّدُهُ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ (مُطْلَقًا) أَيْ أَخْطَأَ أَوْ أَصَابَ ; لِأَنَّ فَرْضَهُ التَّقْلِيدُ وَلَمْ يُوجَدْ.
وَفُهِمَ مِنْهُ: أَنَّهُ لَوْ قَدَرَ الْأَعْمَى عَلَى الِاسْتِدْلَالِ لِلْوَقْتِ فَفَعَلَ.
لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ: مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ الْخَطَأُ (وَيَعْمَلُ بِأَذَانِ ثِقَةٍ عَارِفٍ) بِأَوْقَاتِ الصَّلَاةِ بِالسَّاعَاتِ.
لِأَنَّ الْأَذَانَ شُرِعَ لِلْإِعْلَامِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ، فَلَوْ لَمْ يَجُزْ الْعَمَلُ بِهِ لَمْ تَحْصُلَ فَائِدَتُهُ.
وَلَمْ يَزَلْ النَّاسُ يَعْمَلُونَ بِالْأَذَانِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَكَذَا يُعْمَلُ بِأَذَانِهِ إذَا كَانَ يُقَلِّدُ عَارِفًا، قَالَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ.
وَفِي الْمُبْدِعِ: يَعْمَلُ بِالْأَذَانِ فِي دَارِنَا وَكَذَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، إنْ عَلِمَ إسْلَامَهُ (وَكَذَا إخْبَارُهُ) أَيْ الثِّقَةِ الْعَارِفِ بِالْوَقْتِ (بِدُخُولِهِ) عَنْ يَقِينٍ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ ; لِأَنَّهُ خَبَرٌ دِينِيٌّ، فَقَلَّ فِيهِ الْوَاحِدُ كَالرِّوَايَةِ، و (لَا) يُعْمَلُ بِإِخْبَارِهِ بِهِ (عَنْ ظَنٍّ) بَلْ يَجْتَهِدُ هُوَ حَيْثُ أَمْكَنَهُ فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ عُمِلَ بِقَوْلِهِ.
ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ (وَإِذَا دَخَلَ وَقْتُ صَلَاةٍ) مَكْتُوبَةٍ (بِقَدْرِ تَكْبِيرَةٍ) كَمَا لَوْ زَالَتْ الشَّمْسُ (ثُمَّ) بَعْدَ مُضِيِّ قَدْرِ تَكْبِيرَةٍ فَأَكْثَرَ (طَرَأَ مَانِعٌ) فِي الصَّلَاةِ (كَجُنُونٍ وَحَيْضٍ) ثُمَّ زَالَ (قُضِيَتْ) تِلْكَ الصَّلَاةُ الَّتِي أَدْرَكَ وَقْتَهَا، لِوُجُوبِهَا بِدُخُولِهِ عَلَى مُكَلَّفٍ، لَا مَانِعَ بِهِ وُجُوبًا مُسْتَقِرًّا، فَإِذَا قَامَ بِهِ مَانِعٌ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُسْقِطْهَا.
فَوَجَبَ قَضَاؤُهَا عِنْدَ زَوَالِهِ.
وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا بَعْدَهَا، وَلَوْ جَمَعَ إلَيْهَا (وَإِنْ طَرَأَ) عَلَى غَيْرِ مُكَلَّفٍ (تَكْلِيفٌ كَبُلُوغِ) صَغِيرٍ وَعَقْلِ مَجْنُونٍ (وَنَحْوِهِ) أَيْ طَرَأَ نَحْوُ التَّكْلِيفِ كَزَوَالِ مَانِعٍ مِنْ حَيْضٍ أَوْ كُفْرٍ (وَقَدْ بَقِيَ) مِنْ وَقْتِ مَكْتُوبَةٍ (بِقَدْرِهَا) أَيْ التَّكْبِيرَةِ (قُضِيَتْ) تِلْكَ الصَّلَاةُ (مَعَ مَجْمُوعَةٍ إلَيْهَا قَبْلَهَا) إنْ كَانَتْ، فَإِنْ طَرَأَ ذَلِكَ قُبَيْلَ الْعَصْرِ قَضَى الظُّهْرَ وَحْدَهَا، وَإِنْ كَانَ قُبَيْلَ الْغُرُوبِ قَضَى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ.
وَإِنْ كَانَ قُبَيْلَ الْعِشَاءِ قَضَى الْمَغْرِبَ، وَإِنْ كَانَ قُبَيْلَ الْفَجْرِ قَضَى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، وَإِنْ كَانَ قُبَيْلَ الشَّمْسِ قَضَى الْفَجْرَ فَقَطْ.
أَمَّا كَوْنُ الْوُجُوبِ يَتَعَلَّقُ بِقَدْرِ التَّكْبِيرَةِ مِنْ الْوَقْتِ: فَلِأَنَّهُ إدْرَاكٌ فَاسْتَوَى فِيهِ الْكَثِيرُ وَالْقَلِيلُ، كَإِدْرَاكِ الْمُسَافِرِ صَلَاةَ الْمُقِيمِ وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَتْ الرَّكْعَةُ فِي الْجُمُعَةِ لِلْمَسْبُوقِ ; لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطٌ لِصِحَّتِهَا.
فَاعْتُبِرَ إدْرَاكُ الرَّكْعَةِ فِي الْجَمَاعَةِ، لِئَلَّا يَفُوتَهُ الشَّرْطُ فِي أَكْثَرِهَا.
وَأَمَّا وُجُوبُ قَضَائِهَا مَعَ مَجْمُوعَةٍ إلَيْهَا قَبْلَهَا، فَلِأَنَّ وَقْتَ الثَّانِيَةِ وَقْتٌ لِلْأُولَى حَالَ الْعُذْرِ، فَإِذَا أَدْرَكَهُ الْمَعْذُورُ لَزِمَهُ فَرْضُهَا.
كَمَا يَلْزَمُهُ فَرْضُ الثَّانِيَةِ

(وَيَجِبُ) عَلَى مُكَلَّفٍ لَا مَانِعَ بِهِ (قَضَاءُ فَائِتَةٍ فَأَكْثَرَ) مِنْ الْخَمْسِ (مُرَتَّبًا) نَصًّا.
لِحَدِيثِ أَحْمَدَ «أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْأَحْزَابِ صَلَّى الْمَغْرِبَ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: هَلْ عَلِمَ أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنِّي صَلَّيْت الْعَصْرَ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَلَّيْتهَا.
فَأَمَرَ الْمُؤَذِّنَ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ أَعَادَ الْمَغْرِبَ وَقَدْ قَالَ صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَكَالْمَجْمُوعَتِي نِ (وَلَوْ كَثُرَتْ) الْفَوَائِتُ كَمَا لَوْ قَلَّتْ، فَإِنْ تَرَكَ تَرْتِيبَهَا بِلَا عُذْرٍ لَمْ تَصِحَّ، لِأَنَّهُ شَرْطٌ كَتَرْتِيبِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (إلَّا إذَا خَشِيَ) إنْ رَتَّبَ (فَوَاتَ) صَلَاةٍ (حَاضِرَةٍ) بِخُرُوجِ وَقْتِهَا، فَيُقَدِّمُهَا ; لِأَنَّهَا آكَدُ، وَتَرْكُهُ أَيْسَرُ مِنْ تَرْكِ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ (أَوْ) إلَّا إذَا خَشِيَ (خُرُوجَ وَقْتِ اخْتِيَارٍ) لِصَلَاةٍ ذَاتِ وَقْتَيْنِ فَيُصَلِّي الْحَاضِرَةَ فِي وَقْتِهَا الْمُخْتَار ; لِأَنَّهُ كَالْوَقْتِ الْوَاحِد فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّأْخِيرُ إلَيْهِ بِلَا عُذْرٍ.
فَإِنْ صَلَّى الْفَائِتَةَ مَعَ خَشْيَةِ فَوَاتِ الْوَقْتِ صَحَّتْ نَصًّا (وَلَا يَصِحُّ تَنَفُّلُهُ) بِرَاتِبَةٍ وَلَا غَيْرِهَا (إذَنْ) أَيْ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ أَوْ وَقْتَ الِاخْتِيَارِ لِتَحْرِيمِهِ، كَأَوْقَاتِ النَّهْيِ (أَوْ نَسِيَهُ) أَيْ التَّرْتِيبَ (بَيْنَ فَوَائِتَ حَالَ قَضَائِهَا) فَيَسْقُطُ بِالنِّسْيَانِ ; لِأَنَّهُ لَا أَمَارَةَ عَلَى الْمَنْسِيَّةِ تُعْلَمُ بِهَا فَجَازَ أَنْ يُؤَثِّرَ فِيهَا النِّسْيَانُ، كَالصِّيَامِ بِخِلَافِ الْمَجْمُوعَتَيْنِ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الْجَمْعِ، وَذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ مَعَ النِّسْيَانِ (أَوْ) إلَّا إذَا نَسِيَ التَّرْتِيبَ بَيْنَ (حَاضِرَةٍ وَفَائِتَةٍ حَتَّى فَرَغَ) مِنْ الْحَاضِرَةِ فَلَا تَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا نَصًّا.
وَأَمَّا حَدِيثُ: صَلَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْأَحْزَابِ السَّابِقِ: فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ ذَكَرَهَا فِي الصَّلَاةِ و (لَا) يَسْقُطُ التَّرْتِيبُ (إنْ جَهِلَ) مَنْ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ فَأَكْثَرُ (وُجُوبَهُ) أَيْ التَّرْتِيبَ لِأَنَّ الْجَهْلَ بِالْأَحْكَامِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْعِلْمِ لَا يُسْقِطُهَا، كَالْجَهْلِ بِتَحْرِيمِ الْأَكْلِ فِي الصَّوْمِ كَتَرْتِيبِ الْأَرْكَانِ وَالْمَجْمُوعَتَيْنِ

فَلَوْ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ الْفَجْرَ جَاهِلًا ثُمَّ الْعَصْرَ فِي وَقْتِهَا صَحَّتْ عَصْرُهُ لِاعْتِقَادِهِ أَنْ لَا صَلَاةَ عَلَيْهِ.
كَمَا لَوْ صَلَّاهَا أَيْ الْعَصْرَ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ بِلَا وُضُوءٍ.
وَيَجِبُ قَضَاءُ فَائِتَةٍ فَأَكْثَرَ (فَوْرًا) لِحَدِيثِ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (مَا لَمْ يَتَضَرَّرْ فِي بَدَنِهِ) بِضَعْفِهِ (أَوْ) مَا لَمْ يَتَضَرَّرْ فِي (مَعِيشَةٍ يَحْتَاجُهَا) لَهُ أَوْ لِعِيَالِهِ، دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ.
وَيُسَنُّ لَهُ التَّحَوُّلُ مِنْ مَوْضِعٍ نَامَ فِيهِ حَتَّى فَاتَتْهُ، لِفِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَوْ) مَا لَمْ (يَحْضُرْ لِصَلَاةِ الْعِيدِ) فَيُكْرَهُ لَهُ قَضَاءُ الْفَوَائِتِ بِمَوْضِعِهَا.
لِئَلَّا يُقْتَدَى بِهِ (وَلَا يَصِحُّ نَفْلٌ مُطْلَقٌ إذَنْ) أَيْ حَيْثُ جَازَ التَّأْخِيرُ لِشَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ، كَصَوْمِ نَفْلٍ مِمَّنْ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ.
وَفُهِمَ مِنْهُ: صِحَّةُ نَحْوِ وِتْرٍ وَرَوَاتِبَ (وَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ) لِقَضَاءِ الْفَائِتَةِ (لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، كَانْتِظَارِ رُفْقَةٍ، أَوْ) انْتِظَارِ (جَمَاعَةٍ لَهَا) لِفِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَحِينَ نَامَ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَلَا تَسْقُطُ فَائِتَةٌ بِحَجٍّ، وَلَا بِتَضْعِيفِ صَلَاةٍ فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ (وَإِنْ ذَكَرَ فَائِتَةً إمَامٌ أَحْرَمَ) (ب) مَكْتُوبَةٍ (حَاضِرَةٍ لَمْ يَضِقْ وَقْتُهَا) أَيْ الْحَاضِرَةِ عَنْهَا وَعَنْ الْفَائِتَةِ بِأَنْ اتَّسَعَ لَهُمَا (قَطَعَهَا) أَيْ قَطَعَ الْإِمَامُ الْحَاضِرَةَ الَّتِي أَحْرَمَ بِهَا وُجُوبًا ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْطَعْهَا كَانَتْ نَفْلًا.
وَالْمَأْمُومُونَ مُفْتَرِضُونَ خَلْفَهُ، ثُمَّ يَسْتَأْنِفُهَا الْمَأْمُومُونَ، فَإِنْ ضَاقَ وَقْتُ الْحَاضِرَةِ أَتَمَّهَا الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ: لِسُقُوطِ التَّرْتِيبِ إذَنْ (كَغَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْإِمَامِ، وَهُوَ الْمَأْمُومُ وَالْمُنْفَرِدُ إذَا أَحْرَمَ بِحَاضِرَةٍ ثُمَّ ذَكَرَ فَائِتَةً، فَيَقْطَعُهَا (إذَا ضَاقَ) الْوَقْتُ (عَنْهَا) أَيْ الصَّلَاةِ الَّتِي أَحْرَمَ بِهَا (وَعَنْ الْمُسْتَأْنَفَةِ) أَيْ الْفَائِتَةِ وَالْحَاضِرَةِ، فَإِنْ لَمْ يَتَّسِعْ لِغَيْرِهِمَا ; لِأَنَّهَا تَنْقَلِبُ نَفْلًا.
وَلَا يَصِحُّ النَّفَلُ إذَنْ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ عَنْ الَّتِي أَحْرَمَ بِهَا غَيْرُ الْإِمَامِ، وَعَنْ الْمُسْتَأْنَفَةِ بِأَنْ اتَّسَعَ لِذَلِكَ (أَتَمَّهَا) أَيْ الَّتِي أَحْرَمَ بِهَا غَيْرُ الْإِمَامِ أَرْبَعًا أَوْ رَكْعَتَيْنِ (نَفْلًا) اسْتِحْبَابًا لِيَحْصُلَ لَهُ ثَوَابُهَا، ثُمَّ يَقْضِي الْفَائِتَةَ، ثُمَّ يُصَلِّي الْحَاضِرَةَ، وَيَأْتِي: تُؤَخِّرُ فَجْرَ فَائِتَةٍ لِخَوْفِ فَوْتِ الْجُمُعَةِ.
وَلَا يَسْقُطُ التَّرْتِيبُ بِخَشْيَةِ فَوْتِ الْجَمَاعَةِ (وَمَنْ شَكَّ فِي) قَدْرِ (مَا عَلَيْهِ) مِنْ فَوَائِتَ (وَتَيَقَّنَ سَبْقَ الْوُجُوبِ) بِأَنْ عَلِمَ أَنَّهُ بَلَغَ مِنْ سَنَةِ كَذَا، وَصَلَّى الْبَعْضَ مِنْهَا، وَتَرَكَ الْبَعْضَ مِنْهَا (أَبْرَأَ ذِمَّتَهُ) أَيْ قَضَى مَا تَبْرَأُ بِهِ ذِمَّتُهُ (يَقِينًا) لِأَنَّ ذِمَّتَهُ اشْتَغَلَتْ بِيَقِينٍ.
فَلَا تَبْرَأُ إلَّا بِمِثْلِهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ وَقْتَ الْوُجُوبِ، بِأَنْ لَمْ يَدْرِ مَتَى بَلَغَ وَلَا مَا صَلَّى بَعْدَ بُلُوغِهِ (فَيَلْزَمُهُ) أَنْ يَقْضِيَ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ ذِمَّتَهُ بَرِئَتْ (مِمَّا تَيَقَّنَ وُجُوبَهُ) أَيْ

مِنْ الْفَرْضِ الَّذِي تَيَقَّنَ وُجُوبَهُ فَيَقْضِي مُنْذُ تَيَقَّنَ أَنَّهُ بَلَغَ لَا مَا زَادَ عَلَيْهِ لِأَجْلِ عَدَمِ وُجُوبِ أَدَائِهِ فَضْلًا عَنْ قَضَائِهِ، بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا فَإِنَّهُ تَحَقَّقَ الْوُجُوبَ وَشَكَّ فِي الْفِعْلِ.
وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ (فَلَوْ تَرَكَ) مُكَلَّفٌ (عَشْرَ سَجَدَاتٍ مِنْ صَلَاةِ شَهْرٍ) مَكْتُوبَةٍ (قَضَى صَلَاةَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ) لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ كُلُّ سَجْدَةٍ مِنْ يَوْمٍ (وَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً) وَاحِدَةً (مِنْ يَوْمٍ) وَلَيْلَةٍ (وَجَهِلَهَا) أَيْ عَيْنَ الْمَنْسِيَّةِ (قَضَى خَمْسًا) يَنْوِي بِكُلِّ وَاحِدَةٍ أَنَّهَا الْفَائِتَةُ ; لِأَنَّ الْيَقِينَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْمَكْتُوبَةِ وَلَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلَّا بِذَلِكَ.
فَلَزِمَهُ (وَ) مَنْ نَسِيَ (ظُهْرًا وَعَصْرًا مِنْ يَوْمَيْنِ، وَجَهِلَ السَّابِقَةَ) مِنْهُمَا بِأَنْ لَمْ يَدْرِ الظُّهْرَ مِنْ الْيَوْمِ وَالْعَصْرَ مِنْ الثَّانِي، أَوْ بِالْعَكْسِ (تَحَرَّى بِأَيِّهِمَا يَبْدَأُ) أَيْ اجْتَهَدَ أَيَّتَهُمَا نَسِيَ أَوَّلًا فَيَبْدَأُ بِهَا ثُمَّ يَقْضِي الْأُخْرَى نَصًّا، كَمَا لَوْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ (فَإِنْ اسْتَوَيَا) بِأَنْ تَحَرَّى، فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ شَيْءٌ (فَ) إنَّهُ يَبْدَأُ (بِمَا شَاءَ) مِنْهُمَا، لِأَنَّ التَّرْتِيبَ يَسْقُطُ لِلْعُذْرِ، كَمَا تَقَدَّمَ.
وَهَذَا مِنْهُ وَلَوْ تَرَكَ ظُهْرًا مِنْ يَوْمٍ وَأُخْرَى مِنْهُ، وَلَا يَدْرِي: هِيَ الْفَجْرُ أَمْ الْمَغْرِبُ؟ صَلَّى الْفَجْرَ، ثُمَّ الظُّهْرَ ثُمَّ الْمَغْرِبَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْدَأ بِالظُّهْرِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ بَرَاءَتَهُ مِمَّا قَبْلَهَا (وَلَوْ شَكَّ مَأْمُومٌ، هَلْ صَلَّى الْإِمَامُ بِهِ الظُّهْرَ أَوْ الْعَصْرَ؟ . اعْتَبَرَ بِالْوَقْتِ) فَإِنْ كَانَ وَقْتَ الظُّهْرِ فَهِيَ الظُّهْرُ.
وَإِنْ كَانَ وَقْتَ الْعَصْرِ فَهِيَ الْعَصْرُ، عَمَلًا بِالظَّاهِرِ (فَإِنْ أَشْكَلَ) الْوَقْتُ عَلَى الْمَأْمُومِ نَحْوُ غَيْمٍ (فَالْأَصْلُ عَدَمُ) وُجُوبِ (الْإِعَادَةِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ بِتِلْكَ الصَّلَاةِ.
" تَتِمَّةٌ " لَوْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ تَرَكَ فَرْضًا مِنْ إحْدَى طَهَارَتَيْهِ وَلَمْ يَعْلَمْ عَيْنَهَا لَزِمَهُ إعَادَةُ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاتَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَتَوَضَّأَ لِلثَّانِيَةِ تَجْدِيدًا لَزِمَهُ إعَادَةُ الْأُولَى خَاصَّةً.
لِأَنَّ الثَّانِيَةَ صَحِيحَةٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ.

[بَابُ سَتْرِ الْعَوْرَةِ]

ِ السَّتْرُ بِفَتْحِ السِّينِ مَصْدَرُ سَتَرَ، وَبِكَسْرِهَا: مَا يُسْتَرُ بِهِ (وَهِيَ) أَيْ الْعَوْرَةُ لُغَةً النُّقْصَانُ وَالشَّيْءُ الْمُسْتَقْبَحُ.
وَمِنْهُ كَلِمَةٌ عَوْرَاءُ، أَيْ قَبِيحَةٌ.
وَشَرْعًا (سَوْأَةُ الْإِنْسَانِ) أَيْ قُبُلُهُ أَوْ دُبُرُهُ (وَكُلُّ مَا يُسْتَحْيَا مِنْهُ) إذَا نُظِرَ إلَيْهِ، أَيْ مَا يَجِبُ سَتْرُهُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ.
سُمِّيَ بِذَلِكَ لِقُبْحِ ظُهُورِهِ (حَتَّى فِي نَفْسِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ (مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ) فَلَا تَصِحُّ صَلَاةُ مَكْشُوفِهَا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى سَتْرِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31] وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» وَحَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أَكُونُ فِي الصَّيْدِ وَأُصَلِّي فِي الْقَمِيصِ الْوَاحِدِ قَالَ: نَعَمْ وَازِرْهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ» رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَقَالَ فِيهِمَا: حَسَنٌ صَحِيحٌ وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ، فَلَوْ صَلَّى عُرْيَانًا خَالِيًا أَوْ فِي قَمِيصٍ وَاسِعِ الْجَيْبِ وَلَمْ يُزِرَّهُ وَلَمْ يَشُدَّ عَلَيْهِ وَسَطَهُ، وَكَانَ بِحَيْثُ يَرَى مِنْهُ عَوْرَةَ نَفْسِهِ فِي قِيَامِهِ أَوْ رُكُوعِهِ وَنَحْوِهِ: لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، كَمَا لَوْ رَآهَا غَيْرُهُ (وَيَجِبُ) سَتْرُ الْعَوْرَةِ (حَتَّى خَارِجَهَا، وَحَتَّى فِي خَلْوَةٍ، وَحَتَّى فِي ظُلْمَةٍ) لِحَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قَالَ: احْفَظْ عَوْرَتَكَ إلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ.
قَالَ قُلْتُ: فَإِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضَهُمْ فِي بَعْضٍ قَالَ: إنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَاهَا أَحَدٌ فَلَا تُرِيَنَّهَا قُلْت: فَإِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا؟ قَالَ: اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَحَسَّنَهُ.
و (لَا) يَجِبُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ (مِنْ أَسْفَلَ) أَيْ مِنْ جِهَةِ الرِّجْلَيْنِ، وَإِنْ تَيَسَّرَ النَّظَرُ مِنْ أَسْفَلَ، كَمَنْ صَلَّى عَلَى حَائِطٍ (بِمَا لَا يَصِفُ الْبَشَرَةَ) مُتَعَلِّقٌ ب يَجِبُ، أَمَّا لَوْنُهَا مِنْ بَيَاضٍ أَوْ سَوَادٍ وَنَحْوِهِ.
وَلَوْ كَانَ السَّاتِرُ صَفِيقًا (وَلَوْ) كَانَ السِّتْرُ (ب) غَيْرِ مَنْسُوجٍ مِنْ (نَبَاتٍ وَنَحْوِهِ) كَوَرِقٍ وَلِيفٍ وَجِلْدٍ وَمَضْفُورٍ مِنْ شَعْرٍ أَوْ جُلُودٍ، وَلَوْ مَعَ وُجُودِ ثَوْبٍ.
(وَ) لَوْ كَانَ السِّتْرُ (مُتَّصِلًا بِهِ) أَيْ الْمُصَلِّي (كَيَدِهِ) إذَا وَضَعَهَا عَلَى خَرْقٍ فِي ثَوْبِهِ (وَلِحْيَتِهِ) الْمُسْتَرْسِلَةِ عَلَى جَيْبِ ثَوْبِهِ الْوَاسِعِ، وَلَوَلَاهَا لَبَانَتْ عَوْرَتُهُ وَ (لَا) يَجِبُ السَّتْرُ ب (بَارِيَةٍ) وَهِيَ شِبْهُ الْحَصِيرِ مِنْ قَصَبٍ.
(وَ) لَا (حَصِيرٍ) ، و (نَحْوِهِمَا مِمَّا يَضُرُّهُ) كَالشَّرِيجَةِ وَلَوْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا.
لِأَنَّ الضَّرَرَ مَطْلُوبٌ زَوَالُهُ

شَرْعًا لَا حُصُولُهُ.
وَرُبَّمَا لَا يَتَمَكَّنُ الْمُصَلِّي فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ مِنْ جَمِيعِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ (وَ) لَا يَجِبُ السَّتْرُ (لَا بِحَفِيرَةٍ وَطِينٍ وَمَاءٍ كَدِرٍ لِعَدَمِ) غَيْرِهَا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسُتْرَةٍ.

(وَيُبَاحُ كَشْفُهَا) أَيْ الْعَوْرَةِ (لِتَدَاوٍ وَتَخَلٍّ وَنَحْوِهِمَا) كَاغْتِسَالٍ وَحَلْقِ عَانَةٍ وَخِتَانٍ وَمَعْرِفَةِ بُلُوغٍ وَبَكَارَةٍ وَثُيُوبَةٍ، لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
(وَ) يُبَاحُ كَشْفُهَا مِنْ أُنْثَى (لِمُبَاحٍ) لَهَا مِنْ زَوْجِهَا وَسَيِّدِهَا (و) يُبَاحُ لِذَكَرٍ كَشْفُ عَوْرَتِهِ (لِمُبَاحَةٍ لَهُ) مِنْ زَوْجَةٍ وَأَمَةٍ لِحَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ.
وَتَقَدَّمَ وَلَا يَحْرُمُ نَظَرُ عَوْرَتِهِ حَيْثُ جَازَ كَشْفُهَا وَلَا لَمْسُهَا (وَعَوْرَةُ ذَكَرٍ وَخُنْثَى) حُرَّيْنِ كَانَا أَوْ رَقِيقَيْنِ أَوْ مُبَعَّضَيْنِ (بَلَغَا) أَيْ اسْتَكْمَلَا (عَشْرًا) مِنْ السِّنِينَ مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ لِحَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا «لَا تُبْرِزْ فَخِذَك وَلَا تَنْظُرْ إلَى فَخِذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ.
وَلِحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ يَرْفَعُهُ «أَسْفَلَ السُّرَّةِ وَفَوْقَ الرُّكْبَتَيْنِ مِنْ الْعَوْرَةِ» وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا «مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ عَوْرَةٌ» رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيُّ.
قَالَ الْمَجْدُ: وَالِاحْتِيَاطُ لِلْخُنْثَى الْمُشْكِلِ: أَنْ يَسْتُرَ كَالْمَرْأَةِ.
(وَ) عَوْرَةُ (أَمَةٍ وَأُمِّ وَلَدٍ) وَمُدَبَّرَةٍ وَمُكَاتَبَةٍ (وَمُبَعَّضَةٍ) بَعْضُهَا حُرٌّ وَبَعْضُهَا رَقِيقٌ مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ ; لِأَنَّهَا دُونَ الْحُرَّةِ فَأُلْحِقَتْ بِالرَّجُلِ.
وَيُسْتَحَبُّ اسْتِتَارُهُنَّ كَالْحُرَّةِ الْبَالِغَةِ (وَ) عَوْرَةُ (حُرَّةٍ مُمَيِّزَةٍ) تَمَّ لَهَا سَبْعُ سِنِينَ.
(وَ) عَوْرَةُ (حُرَّةٍ مُرَاهِقَةٍ) قَارَبَتْ الْبُلُوغَ (مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ) لِمَفْهُومِ حَدِيثِ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» وَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّ السُّرَّةَ وَالرُّكْبَةَ لَيْسَا مِنْ الْعَوْرَةِ.
وَهَذَا كُلُّهُ فِي الصَّلَاةِ.
(وَ) عَوْرَةُ ذَكَرٍ وَخُنْثَى (ابْنِ سَبْعِ) سِنِينَ (الْفَرْجَانِ) لِقُصُورِهِ عَنْ ابْنِ عَشْرٍ ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ بُلُوغُهُ.
وَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّ مَنْ دُونَ سَبْعٍ لَا حُكْمَ لِعَوْرَتِهِ ; لِأَنَّ حُكْمَ الطُّفُولِيَّةِ مُنْجَرٌّ عَلَيْهِ إلَى التَّمْيِيزِ (وَالْحُرَّةُ الْبَالِغَةُ كُلُّهَا عَوْرَةٌ فِي الصَّلَاةِ) حَتَّى ظُفْرُهَا نَصًّا (إلَّا وَجْهَهَا) لِحَدِيثِ «الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَهُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِهَا تُرِكَ فِي الْوَجْهِ لِلْإِجْمَاعِ، فَيَبْقَى الْعُمُومُ فِيمَا عَدَاهُ وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31] قَالَا: (الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ) خَالَفَهُمَا ابْنُ مَسْعُودٍ.
فَقَالَ: " الثِّيَابُ " وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ لَا تَدْعُو إلَى كَشْفِ الْكَفَّيْنِ كَمَا تَدْعُو إلَى كَشْفِ الْوَجْهِ، وَقِيَاسًا لَهُمَا عَلَى الْقَدَمَيْنِ.
وَأَمَّا عَوْرَتُهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ: فَيَأْتِي بَيَانُهَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ النِّكَاحِ (وَيُسَنُّ صَلَاةُ رَجُلٍ) حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ (فِي ثَوْبَيْنِ) كَقَمِيصٍ وَرِدَاءٍ أَوْ إزَارٍ

وَسَرَاوِيلَ، ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ إجْمَاعًا.
قَالَ جَمَاعَةٌ: مَعَ سَتْرِ رَأْسِهِ وَالْإِمَامُ أَبْلَغُ ; لِأَنَّهُ يُقْتَدَى بِهِ.
وَلِأَحْمَدَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: «قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَتَسَرْوَلَونَ وَلَا يَأْتَزِرُونَ، فَقَالَ: تَسَرْوَلُوا وَاتَّزِرُوا، وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ» وَلَا تُكْرَهُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَالْقَمِيصُ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَبْلَغُ ثُمَّ الرِّدَاءُ، ثُمَّ الْمِئْزَرُ أَوْ السَّرَاوِيلُ (وَيَكْفِي سَتْرُ عَوْرَتِهِ) أَيْ الرَّجُلِ (فِي نَفْلٍ) لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ بَعْضُهُ عَلَى أَهْلِهِ» وَالثَّوْبُ الْوَاحِدُ لَا يَتَّسِعُ لِذَلِكَ مَعَ سَتْرِ الْمَنْكِبَيْنِ.
وَلِأَنَّ عَادَةَ الْإِنْسَان فِي بَيْتِهِ وَخَلَوَاتِهِ قِلَّةُ اللِّبَاسِ وَتَخْفِيفُهُ.
وَغَالِبُ نَفْلِهِ يَقَعُ فِيهِ، فَسُومِحَ فِيهِ لِذَلِكَ، كَمَا سُومِحَ فِيهِ بِتَرْكِ الْقِيَامِ وَنَحْوِهِ (وَشُرِطَ فِي فَرْضٍ) ظَاهِرَةٌ وَلَوْ فَرْضَ كِفَايَةٍ، مَعَ سَتْرِ عَوْرَةٍ (سَتْرُ جَمِيعِ أَحَدِ عَاتِقَيْهِ) أَيْ الرَّجُلِ، وَمِثْلُهُ الْخُنْثَى (بِلِبَاسٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا يُصَلِّي الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالْعَاتِقُ: مَوْضِع الرِّدَاءِ مِنْ الْمَنْكِبِ وَلَا فَرْقَ فِي اللِّبَاسِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِمَّا سَتَرَ بِهِ عَوْرَتَهُ أَوْ غَيْرَهُ (وَلَوْ وَصَفَ) اللِّبَاسُ (الْبَشَرَةَ) لِعُمُومِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» فَإِنَّهُ يَعُمُّ مَا يَسْتُرُ الْبَشَرَةَ وَمَا لَا يَسْتُرُ (وَتُسَنُّ صَلَاةُ حُرَّةٍ) بَالِغَةٍ (فِي دِرْعٍ) وَهُوَ الْقَمِيصُ (وَخِمَارٍ) وَهُوَ مَا تَضَعُهُ عَلَى رَأْسِهَا وَتُدِيرُهُ تَحْتَ حَلَقِهَا (وَمِلْحَفَةٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ ثَوْبٌ تَلْتَحِفُ بِهِ، وَتُسَمَّى جِلْبَابًا.
لِمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا " كَانَتْ تَقُومُ إلَى الصَّلَاةِ فِي الْخِمَارِ وَالْإِزَارِ وَالدِّرْعِ فَتُسْبِلُ الْإِزَارَ، فَتَتَجَلْبَبُ بِهِ، وَكَانَتْ تَقُولُ: ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ لَا بُدَّ لِلْمَرْأَةِ مِنْهَا فِي الصَّلَاةِ إذَا وَجَدَتْهَا: الْخِمَارُ وَالْجِلْبَابُ وَالدِّرْعُ " وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ أَوْفَى عَوْرَةً مِنْ الرَّجُلِ (وَتُكْرَهُ) صَلَاتُهَا (فِي نِقَابٍ وَبُرْقُعٍ) لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِمُبَاشَرَةِ الْمُصَلِّي بِالْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ، وَيُغَطِّي الْفَمَ.
وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّجُلَ عَنْهُ (وَيُجْزِئُ) امْرَأَةً (سَتْرُ عَوْرَتِهَا) قَالَ أَحْمَدُ: اتَّفَقَ عَامَّتُهُمْ عَلَى الدِّرْعِ وَالْخِمَارِ.
وَمَا زَادَ فَهُوَ خَيْرٌ وَأَسْتَرُ (وَإِذَا انْكَشَفَ) بِلَا قَصْدٍ (لَا عَمْدًا فِي صَلَاةٍ مِنْ عَوْرَةِ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى أَوْ خُنْثَى (يَسِيرٌ لَا يَفْحُشُ عُرْفًا) لِأَنَّهُ لَا تَحْدِيدَ فِيهِ شَرْعًا فَرُجِعَ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ كَالْحِرْزِ، فَإِنْ فَحُشَ وَطَالَ الزَّمَنُ بَطَلَتْ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرْجَيْنِ (وَغَيْرِهِمَا) لَكِنْ يُعْتَبَرُ (الْفُحْشُ فِي كُلِّ عُضْوٍ بِحَسَبِهِ،) إذْ يَفْحُشُ مِنْ الْمُغَلَّظَةِ مَا لَا يَفْحُشُ مِنْ غَيْرِهَا (فِي النَّظَرِ) مُتَعَلِّقٌ ب يَفْحُشُ، أَيْ لَوْ نُظِرَ إلَيْهِ.
(وَلَوْ) كَانَ الِانْكِشَافُ زَمَنًا (طَوِيلًا) لَمْ

تَبْطُلْ.
لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ الْجَرْمِيِّ قَالَ «انْطَلَقَ أَبِي وَافِدًا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ فَعَلَّمَهُمْ الصَّلَاةَ، وَقَالَ: يَؤُمُّكُمْ أَقْرَؤُكُمْ فَكُنْت أَقْرَأَهُمْ، فَقَدَّمُونِي فَكُنْت أَؤُمُّهُمْ، وَعَلَيَّ بُرْدَةٌ لِي صَفْرَاءُ صَغِيرَةٌ، فَكُنْت إذَا سَجَدْت انْكَشَفَتْ عَنِّي فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ النِّسَاءِ: وَارُوا عَنَّا عَوْرَةَ قَارِئِكُمْ فَاشْتَرَوْا لِي قَمِيصًا عُمَانِيًّا فَمَا فَرِحْت بَعْدَ الْإِسْلَامِ بِشَيْءٍ فَرَحِي بِهِ» . وَفِي لَفْظٍ «كُنْت أَؤُمُّهُمْ فِي بُرْدَةٍ مُوَصَّلَةٍ فِيهَا فَتْقٌ فَكُنْت إذَا سَجَدْت فِيهَا خَرَجَتْ اسْتِي» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَانْتَشَرَ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْكَرَهُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَلِأَنَّهُ يَشُقُّ الِاجْتِزَازُ مِنْهُ إذْ ثِيَابُ الْفُقَرَاءِ لَا تَخْلُو غَالِبًا مِنْ خَرْقٍ وَثِيَابُ الْأَغْنِيَاءِ مِنْ فَتْقٍ (أَوْ) انْكَشَفَتْ لَا عَمْدًا مِنْ عَوْرَةٍ (كَثِيرَةٍ فِي) زَمَنٍ (قَصِيرٍ) كَمَا لَوْ أَطَارَتْ الرِّيحُ سُتْرَتَهُ فَأَعَادَهَا سَرِيعًا (لَمْ تَبْطُلْ) الصَّلَاةُ قِيَاسًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ.
بَطَلَتْ.
لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ.
(وَمَنْ صَلَّى فِي غَصْبٍ) أَيْ مَغْصُوبٍ عَيْنًا أَوْ مَنْفَعَةً، وَمِثْلُهُ مَسْرُوقٌ وَنَحْوُهُ، وَمَا ثَمَنُهُ الْمُعَيَّنُ حَرَامٌ (وَلَوْ) كَانَ الْمَغْصُوبُ (بَعْضُهُ) مُشَاعًا أَوْ مُعَيَّنًا، فِي مَحَلِّ الْعَوْرَةِ أَوْ غَيْرِهَا ; لِأَنَّهُ يَتْبَعُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي الْبَيْعِ (ثَوْبًا) كَانَ الْمَغْصُوبُ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ (أَوْ بُقْعَةٍ) لَمْ تَصِحَّ.
وَيُلْحَقُ بِهِ لَوْ صَلَّى فِي سَابَاطٍ لَا يَحِلُّ إخْرَاجُهُ، أَوْ غَصَبَ رَاحِلَةً وَصَلَّى عَلَيْهَا، أَوْ لَوْحًا فَجَعَلَهُ سَفِينَةً.
أَوْ صَلَّى فِي مَنْسُوجٍ (ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، أَوْ) فِي حَرِيرٍ) كُلُّهُ (أَوْ) فِيمَا (غَالِبُهُ) حَرِيرٌ (حَيْثُ حُرِّمَ) الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالْحَرِيرُ، بِأَنْ كَانَ عَلَى ذَكَرٍ، وَلَمْ يَكُنْ الْحَرِيرُ لِحَاجَةٍ لَمْ تَصِحَّ (أَوْ حَجَّ بِغَصْبٍ) أَيْ بِمَالٍ مَغْصُوبٍ، أَوْ عَلَى حَيَوَانٍ مَغْصُوبٍ (عَالِمًا) بِأَنَّ مَا صَلَّى فِيهِ أَوْ حَجَّ بِهِ مُحَرَّمٌ (ذَاكِرًا) لَهُ وَقْتَ الْعِبَادَةِ (لَمْ يَصِحَّ) مَا فَعَلَهُ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» أَخْرَجُوهُ وَلِأَحْمَدَ «مَنْ صَنَعَ أَمْرًا عَلَى غَيْرِ أَمْرِنَا فَهُوَ مَرْدُودٌ» وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ وَالْحَجَّ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ، وَقِيَامُهُ وَقُعُودُهُ وَسَيْرُهُ بِمُحَرَّمٍ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَلَا يَكُونُ مُتَقَرِّبًا بِمَا هُوَ عَاصٍ بِهِ.
وَلَا مَأْمُورًا بِمَا هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.
فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا لِلْغَصْبِ وَنَحْوِهِ صَحَّ.
ذَكَرَهُ الْمَجْدُ إجْمَاعًا.
فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَحَدُهُمَا مُحَرَّمٌ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ أَيْضًا.
لِأَنَّ الْمُبَاحَ لَمْ يَتَعَيَّنْ سَاتِرًا، تَحْتَانِيًّا كَانَ أَوْ فَوْقَانِيًّا، إذْ أَيُّهُمَا قُدِّرَ عَدَمُهُ كَانَ الْآخَرُ سَاتِرًا (وَإِنْ غَيَّرَ هَيْئَةَ مَسْجِدٍ) غَصَبَهُ (فَكَغَصْبِهِ) لِمَكَانِ غَيْرِهِ فِي صَلَاتِهِ فِيهِ (لَا إنْ مَنَعَهُ) أَيْ الْمَسْجِدَ (غَيْرَهُ) بِأَنْ مَنَعَ الصَّلَاةَ فِيهِ وَأَبْقَاهُ عَلَى هَيْئَتِهِ فَلَيْسَ كَغَصْبِهِ

فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ فِيهِ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْمَنْعُ، وَكَذَا لَوْ زَحَمَهُ وَصَلَّى مَكَانَهُ.
وَيَأْتِي فِي الْجُمُعَةِ إذَا أَقَامَ غَيْرَهُ وَصَلَّى مَكَانَهُ

(وَلَا يُبْطِلُهَا) أَيْ الصَّلَاةَ (لُبْسُ عِمَامَةٍ وَخَاتَمٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُمَا) كَعِمَامَةِ حَرِيرٍ وَخَاتَمِ ذَهَبٍ، أَوْ غَصْبٌ (وَنَحْوِهِمَا) كَخُفٍّ وَتِكَّةٍ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَعُودُ إلَى شَرْطِ الصَّلَاةِ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا، كَمَا لَوْ غَصَبَ ثَوْبًا وَوَضَعَهُ بِكُمِّهِ وَيَصِحُّ الْأَذَانُ وَالصَّوْمُ وَالْوُضُوءُ وَالْبَيْعُ وَنَحْوُهُ بِغَصْبٍ، وَكَذَا صَلَاةُ مَنْ طُولِبَ بِرَدِّ وَدِيعَةٍ وَنَحْوِهَا قَبْلَهُ، وَعِبَادَةُ مَنْ تَقَوَّى عَلَيْهَا بِمُحَرَّمٍ (وَتَصِحُّ) الصَّلَاةُ (مِمَّنْ حُبِسَ بِغَصْبٍ) بِهِ.
(وَكَذَا) مِمَّنْ حُبِسَ (بِنَجِسَةٍ) وَيَرْكَعُ وَيَسْجُدُ بِيَابِسَةٍ لِأَنَّ السُّجُودَ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ وَمُجْمَعٌ عَلَى فَرِيضَتِهِ وَعَدَمِ سُقُوطِهِ بِخِلَافِ مُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ (وَيُومِئُ) مَنْ حُبِسَ بِبُقْعَةٍ نَجِسَةٍ (بِرَطْبَةٍ غَايَةَ مَا يُمْكِنُهُ، وَيَجْلِسُ عَلَى قَدَمَيْهِ) تَقْلِيلًا لِلنَّجَاسَةِ لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَعُلِمَ مِنْهُ: صِحَّةُ صَلَاتِهِ لِعَجْزِهِ عَنْ شَرْطِهَا وَهُوَ إبَاحَةُ الْبُقْعَةِ وَطَهَارَتُهَا.
(وَيُصَلِّي) عَاجِزٌ عَنْ سُتْرَةٍ مُبَاحَةٍ (عُرْيَانًا مَعَ) ثَوْبِ (غَصْبٍ) لِأَنَّهُ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ بِكُلِّ حَالٍ، وَلِأَنَّ تَحْرِيمَهُ لِحَقٍّ آدَمِيٍّ أَشْبَهَ مَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَاءً مَغْصُوبًا.
(وَ) يُصَلِّي (فِي) ثَوْبِ (حَرِيرٍ لِعَدَمِ) غَيْرِهِ وَلَوْ مُعَارًا، لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي لُبْسِهِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، كَالْحَكَّةِ وَضَرُورَةِ الْبَرْدِ وَعَدَمِ سُتْرَةٍ غَيْرِهِ، فَقَدْ زَالَتْ عِلَّةُ تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ فِيهِ (وَلَا إعَادَةَ) عَلَى مَنْ صَلَّى عُرْيَانًا مَعَ غَصْبٍ أَوْ فِي حَرِيرٍ، لِعَدَمٍ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) يُصَلِّي (فِي) ثَوْبٍ (نَجِسٍ لِعَدَمِ) غَيْرِهِ مَعَ عَجْزٍ عَنْ تَطْهِيرِهِ فِي الْوَقْتِ.
لِأَنَّ السُّتْرَةَ آكَدُ مِنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، لِوُجُوبِهِ فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجِهَا.
وَتَعَلُّقِ حَقِّ الْآدَمِيِّ بِهِ (وَيُعِيدُ) مَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ نَجِسٍ لِعَدَمٍ.
لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى اجْتِنَابِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْآكَدَ عِنْدَ التَّزَاحُمِ، فَإِذَا زَالَ الْمُزَاحِمُ بِوُجُودِ ثَوْبٍ طَاهِرٍ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ لِاسْتِدْرَاكِ مَا حَصَلَ مِنْ الْخَلَلِ، بِخِلَافِ الْمَحْبُوسِ بِمَكَانٍ نَجِسٍ، فَإِنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الِانْتِقَالِ عَنْهُ بِكُلِّ حَالٍ.
وَمَنْ عِنْدَهُ ثَوْبَانِ نَجِسَانِ صَلَّى فِي أَقَلِّهِمَا نَجَاسَةً، وَإِنْ كَانَ طَرَفُ الثَّوْبِ نَجِسًا وَأَمْكَنَهُ السَّتْرُ بِالطَّاهِرِ لَزِمَهُ (وَلَا يَصِحُّ نَفْلُ) صَلَاةِ (آبِقٍ) لِأَنَّ زَمَنَهُ مَغْصُوبٌ، بِخِلَافِ فَرْضِهِ فَإِنَّ زَمَنَهُ مُسْتَثْنًى شَرْعًا.
(وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ) أَوْ مَنْكِبَهُ فَقَطْ وَأَرَادَ الصَّلَاةَ سَتَرَهَا، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «مَنْ كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ فَلْيَتَّزِرْ وَلْيَرْتَدِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَوْبَانِ فَلْيَتَّزِرْ ثُمَّ لِيُصَلِّ،» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا

«وَإِذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حِقْوِكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَلِأَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ وَاجِبٌ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَفِيهَا أَوْلَى (أَوْ) لَمْ يَجِدْ إلَّا (مَا يَسْتُرُ الْفَرْجَيْنِ) سَتَرَهُمَا ; لِأَنَّهُمَا عَوْرَةٌ بِلَا خِلَافٍ وَأَفْحَشُ فِي النَّظَرِ (أَوْ) لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَسْتُرُ (أَحَدَهُمَا سَتَرَهُ، وَالدُّبُرُ أَوْلَى) مِنْ الْقُبُلِ ; لِأَنَّهُ أَفْحَشُ.
وَيَنْفَرِجُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (إلَّا إذَا كَفَتْ) السُّتْرَةُ عَوْرَتَهُ فَقَطْ، أَوْ (مَنْكِبَهُ وَعَجُزَهُ فَقَطْ) دُونَ دُبُرِهِ، قَالَهُ فِي شَرْحِهِ، وَالظَّاهِرُ دُونَ قُبُلِهِ (فَيَسْتُرُهُمَا) أَيْ الْمَنْكِبَ وَالْعَجُزَ وُجُوبًا ;. لِأَنَّ سَتْرَ الْمَنْكِبِ لَا بَدَلَ لَهُ، وَصَحَّ الْحَدِيثُ بِالْأَمْرِ بِهِ فَمُرَاعَاتُهُ أَوْلَى (وَيُصَلِّي جَالِسًا) نَدْبًا لِسَتْرِ الْعَوْرَةِ الْمُغَلَّظَةِ (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ الْعُرْيَانَ (تَحْصِيلُ سُتْرَةٍ بِثَمَنِ مِثْلِهَا) فِي مَكَانِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ.
وَكَذَا لَوْ وَجَدَهَا تُؤَجَّرُ، وَقَدَرَ عَلَى الْأُجْرَةِ فَاضِلَةً عَنْ حَاجَتِهِ (فَإِنْ زَادَ) ثَمَنُهَا عَنْ قِيمَةِ مِثْلِهَا فِي مَكَانِهَا (فَكَمَاءِ وُضُوءٍ) إنْ كَانَتْ يَسِيرَةً لَزِمَتْهُ، وَإِلَّا فَلَا.
وَيَلْزَمُهُ (قَبُولُهَا عَارِيَّةً) إنْ بُذِلَتْ لَهُ.
لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى سَتْرِ عَوْرَتِهِ بِمَا لَا تَكْثُرُ فِيهِ الْمِنَّةُ.
وَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ اسْتِعَارَتُهَا، و (لَا) قَبُولُهَا (هِبَةً) لِعِظَمِ الْمِنَّةِ فِيهِ (فَإِنْ عَدِمَ) السُّتْرَةَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا بِبَيْعٍ وَلَا إجَارَةٍ، وَلَمْ تُبْذَلْ لَهُ عَارِيَّةٌ (صَلَّى جَالِسًا نَدْبًا، يُومِئ) بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ (وَلَا يَتَرَبَّعُ) فِي جُلُوسِهِ (بَلْ يَنْضَمُّ) أَيْ يَضُمُّ إحْدَى فَخِذَيْهِ إلَى الْأُخْرَى.
لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا فِي قَوْمٍ انْكَسَرَتْ بِهِمْ مَرَاكِبُهُمْ فَخَرَجُوا عُرَاةً قَالَ: «يُصَلُّونَ جُلُوسًا يُومِئُونَ بِرُءُوسِهِمْ» وَلَمْ يُنْقَلْ خِلَافُهُ.
وَلِأَنَّ السَّتْرَ آكَدُ مِنْ الْقِيَامِ، لِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ فِي فَرْضٍ، وَلَا نَفْلٍ وَلَا يَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ، فَإِنْ صَلَّى قَائِمًا جَازَ، وَيَرْكَعُ وَيَسْجُدُ بِالْأَرْضِ (وَإِنْ وَجَدَهَا) أَيْ السُّتْرَةَ (مُصَلٍّ) عُرْيَانًا (قَرِيبَةً) مِنْهُ (عُرْفًا) أَيْ بِحَيْثُ تُعَدُّ فِي الْعُرْفِ قَرِيبَةً (سَتَرَ) بِهَا مَا وَجَبَ عَلَيْهِ سَتْرُهُ (وَبَنَى) عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ، قِيَاسًا عَلَى أَهْلِ قُبَاءَ، لَمَّا عَلِمُوا بِتَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ اسْتَدَارُوا إلَيْهَا وَأَتَمُّوا صَلَاتَهُمْ (وَإِلَّا) إنْ كَانَتْ بَعِيدَةً وَلَا يُمْكِنُهُ السَّتْرُ بِهَا إلَّا بِعَمَلٍ كَثِيرٍ وَزَمَنٍ طَوِيلٍ سَتَرَ، و (ابْتَدَأَ) صَلَاتَهُ لِبُطْلَانِهَا (وَكَذَا مَنْ عَتَقَتْ) فِيهَا أَيْ الصَّلَاةِ (وَاحْتَاجَتْ إلَيْهَا) أَيْ السُّتْرَةِ بِأَنْ لَمْ تَكُنْ مُسْتَتِرَةً كَحُرَّةٍ، فَإِنْ كَانَ الْخِمَارُ قَرِيبًا تَخَمَّرَتْ وَبَنَتْ، وَإِلَّا تَخَمَّرَتْ وَابْتَدَأَتْ، وَكَذَا مَنْ أَطَارَتْ الرِّيحُ ثَوْبَهَا فِيهَا، فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ بِالْعِتْقِ أَوْ وُجُوبِ السَّتْرِ، أَوْ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهَا مَعَ كَشْفِ مَا يَجِبُ سَتْرُهُ وَقُدْرَتِهَا عَلَيْهِ (وَيُصَلِّي الْعُرَاةُ جَمَاعَةً وَإِمَامُهُمْ وَسَطًا) أَيْ لَا

يَتَقَدَّمُهُمْ (وُجُوبًا فِيهِمَا) أَيْ فِي مَسْأَلَتَيْ وُجُوبِ الْجَمَاعَةِ عَلَيْهِمْ، وَكَوْنِ إمَامِهِمْ وَسَطَهُمْ، أَمَّا الْأُولَى: فَلِأَنَّهُمْ قَدَرُوا عَلَى الْجَمَاعَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ.
أَشْبَهُوا الْمُسْتَتِرِينَ وَكَحَالِ الْخَوْفِ وَأَوْلَى، وَلَا تَسْقُطُ الْجَمَاعَةُ بِفَوْتِ سُنَّةِ الْمَوْقِفِ، وَأَمَّا الثَّانِيَة، فَلِأَنَّهُ سِتْرٌ مِنْ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ تَقَدَّمَهُمْ بَطَلَتْ، إنْ لَمْ يَكُونُوا عُمْيَانًا أَوْ فِي ظُلْمَةٍ.
فَإِنْ كَانَ الْعُرَاةُ أَكْثَرَ مِنْ نَوْعٍ كَنِسَاءٍ وَرِجَالٍ، صَلَّى (كُلُّ نَوْعٍ جَانِبًا) لِأَنْفُسِهِمْ، حَتَّى لَا يَرَى بَعْضُهُمْ عَوْرَةَ بَعْضٍ إنْ اتَّسَعَ الْمَحَلُّ (فَإِنْ شَقَّ) ذَلِكَ لِنَحْوِ ضِيقٍ (صَلَّى الْفَاضِلُ) وَهُمْ الرِّجَالُ (وَاسْتَدْبَرَ مَفْضُولٌ) وَهُمْ النِّسَاءُ (ثُمَّ عَكَسَ) فَيُصَلِّي النِّسَاءُ وَيَسْتَدْبِرْهُنَّ الرِّجَالُ، لِأَنَّ النِّسَاءَ إنْ وَقَفْنَ مَعَ الرِّجَالِ صَفًّا مَعَ سَعَةِ الْمَحَلِّ أَخْطَأْنَ سُنَّةَ الْمَوْقِفِ، وَإِنْ صَلَّيْنَ خَلْفَهُمْ شَاهَدْنَ عَوْرَاتِهِمْ، وَرُبَّمَا اُفْتُتِنَّ بِهِمْ (وَمَنْ أَعَارَهُ) وَنَحْوُهُ (سُتْرَتَهُ) لِمَنْ يُصَلِّي فِيهَا (وَصَلَّى) أَيْ صَاحِبُهَا (عُرْيَانًا لَمْ تَصِحَّ) صَلَاتُهُ لِتَرْكِهِ السَّتْرَ مَعَ الْقُدْرَةِ.
(وَتُسَنُّ) إعَارَةُ السُّتْرَةِ لِلصَّلَاةِ (إذَا صَلَّى) رَبُّهَا لِتَكْمُلَ صَلَاةُ الْمُسْتَعِيرِ (وَيُصَلِّي بِهَا) بَعْدَ رَبِّهَا، إنْ تَعَدَّدَ الْعُرَاةُ (وَاحِدٌ فَآخَرُ) حَتَّى يَنْتَهُوا مَعَ سَعَةِ الْوَقْتِ، لِقُدْرَتِهِمْ عَلَى الصَّلَاةِ بِشَرْطِهَا.
(وَيُقَدَّمُ إمَامٌ مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ) وَيَقِفُ قُدَّامَهُمْ لِاسْتِتَارِ عَوْرَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّهَا صَلَّى وَصَلَحَ لِلْإِمَامَةِ صَلَّى بِهِمْ (وَالْمَرْأَةُ) الْعَارِيَّةُ (أَوْلَى) بِالسُّتْرَةِ تُعَارُ مِنْ الرَّجُلِ حَتَّى الْإِمَامِ ; لِأَنَّ عَوْرَتَهَا أَفْحَشُ وَسَتْرُهَا أَبْعَدُ مِنْ الْفِتْنَةِ.

فَصْلٌ فِي جُمْلَةٍ مِنْ أَحْكَامِ اللِّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا (كُرِهَ فِي صَلَاةٍ) فَقَطْ (سَدْلٌ وَهُوَ طَرْحُ ثَوْبٍ عَلَى كَتِفَيْهِ) أَيْ الْمُصَلِّي (وَلَا يَرُدُّ طَرَفَهُ) أَيْ الثَّوْبِ (عَلَى) الْكَتِفِ (الْأُخْرَى) سَوَاءٌ كَانَ تَحْتَهُ ثَوْبٌ أَوْ لَا.
وَالنَّهْيُ فِيهِ صَحِيحٌ عَنْ عَلِيٍّ وَخَبَرُ أَبِي هُرَيْرَةَ نُقِلَ هُنَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لَكِنْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ لَمْ يُضَعِّفْهُ أَحْمَدُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ.
وَإِنْ رَدَّ طَرَفَهُ عَلَى الْكَتِفِ الْأُخْرَى.
وَفِي الْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ: أَوْ ضَمَّ طَرَفَيْهِ بِيَدَيْهِ لَمْ يُكْرَهْ، وَلَا بَأْسَ بِطَرْحِ الْقَبَاءِ عَلَى كَتِفَيْهِ بِلَا إدْخَالِ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ.
(وَ) كُرِهَ أَيْضًا فِي صَلَاةٍ (اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ وَهُوَ أَنْ يَضْطَبِعَ بِثَوْبٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ بِالثَّوْبِ الْوَاحِدِ، لَيْسَ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ مِنْهُ، يَعْنِي شَيْءٌ» أَخْرَجُوهُ.

وَالِاضْطِبَاعُ: أَنْ يَجْعَلَ وَسَطَ الرِّدَاءِ تَحْتَ عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ وَطَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ.
فَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ ثَوْبٌ فَلَا كَرَاهَةَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَبَدَتْ عَوْرَتُهُ فِي الصَّلَاةِ بَطَلَتْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا، وَإِنْ احْتَبَى وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ جَازَ، وَإِلَّا حَرُمَ.
(وَ) كُرِهَ أَيْضًا فِي صَلَاةٍ (تَغْطِيَةُ وَجْهٍ، وَتَلَثُّمٌ عَلَى فَمٍ وَأَنْفٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُغَطِّيَ الرَّجُلُ فَاهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهَةِ تَغْطِيَةِ الْوَجْهِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى تَغْطِيَةِ الْفَمِ، وَقِيَاسُهُ: تَغْطِيَةُ الْأَنْفِ، وَفِي تَغْطِيَةِ الْوَجْهِ تَشَبُّهٌ بِالْمَجُوسِ عِنْدَ عِبَادَتِهِمْ النِّيرَانَ، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا مَنَعَ تَحْقِيقَ الْحُرُوفِ.
(وَ) كُرِهَ أَيْضًا فِي صَلَاةٍ (لَفُّ كُمٍّ) لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «وَلَا أَكُفَّ شَعَرًا وَلَا ثَوْبًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
زَادَ فِي الرِّعَايَةِ: وَتَشْمِيرُهُ وَمَحَلُّ كَرَاهَةِ تَغْطِيَةِ وَجْهٍ وَمَا بَعْدَهُ: إنْ كَانَ (بِلَا سَبَبٍ) قَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ بِتَغْطِيَةِ الْوَجْهِ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ.
وَقِيَاسُهُ: كَفُّ الْكُمِّ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ كَانَ السَّدْلُ وَمَا بَعْدَهُ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ لَمْ يُكْرَهْ.
(وَ) كُرِهَ (مُطْلَقًا) فِي صَلَاةٍ وَغَيْرِهَا (تَشَبُّهٌ بِكُفَّارٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَقَلُّ أَحْوَالِهِ أَيْ هَذَا الْحَدِيث أَنْ يَقْتَضِيَ تَحْرِيمَ التَّشَبُّهِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي كُفْرَ الْمُتَشَبَّهِ بِهِمْ.
وَقَالَ: وَلَمَّا صَارَتْ الْعِمَامَةُ الصَّفْرَاءُ وَالزَّرْقَاءُ مِنْ شِعَارِهِمْ: حَرُمَ لُبْسُهُمَا.
(وَ) كُرِهَ أَيْضًا مُطْلَقًا جَعْلُ صِفَةِ (صَلِيبٍ فِي ثَوْبٍ وَنَحْوِهِ) كَعِمَامَةٍ وَخَاتَمٍ ; لِأَنَّهُ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالنَّصَارَى.
وَظَاهِرُ نَقْلِ صَالِحٍ: تَحْرِيمُهُ، وَصَوَّبَهُ فِي الْإِنْصَافِ.
(وَ) كُرِهَ أَيْضًا مُطْلَقًا (شَدُّ وَسَطٍ) بِفَتْحِ السِّينِ (ب) شَيْءٍ (شِبْهِ) شَدِّ (زُنَّارٍ) بِوَزْنِ تُفَّاحٍ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْيَهُودِ وَقَدْ نَهَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّبِيُّ عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ.
فَقَالَ «لَا تَشْتَمِلُوا اشْتِمَالَ الْيَهُودِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
فَأَمَّا شَدُّ الرَّجُلِ وَسَطَهُ بِمَا لَا يُشْبِه ذَلِكَ.
فَقَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ بِهِ.
أَلَيْسَ قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ مُحْتَزِمٌ» وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ يُصَلِّي وَعَلَيْهِ الْقَمِيصُ، يَأْتَزِرُ بِالْمِنْدِيلِ؟ قَالَ: نَعَمْ فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ.
(وَ) كُرِهَ شَدُّ وَسَطِ (أُنْثَى مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ يُشْبِهُ شَدَّ زُنَّارٍ أَوْ لَا ; لِأَنَّهُ يُبَيَّنُ بِهِ حَجْمُ عَجِيزَتِهَا، وَتُبَيَّنُ بِهِ تَقَاطِيعُ بَدَنِهَا.
وَحَمَلَهُ صَاحِبُ الْإِقْنَاعِ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ فَقَطْ، دُونَ خَارِجِهَا.
وَاسْتَدَلَّ لَهُ (وَ) كُرِهَ أَيْضًا (مَشْيٌ بِنَعْلٍ وَاحِدَةٍ) لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَنَصُّهُ: وَلَوْ يَسِيرًا، لِإِصْلَاحِ الْأُخْرَى لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ

«إذَا انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَمْشِ فِي الْأُخْرَى حَتَّى يُصْلِحَهَا» وَأَيْضًا عَنْ جَابِرٍ، وَفِيهِ «وَلَا خُفٍّ وَاحِدٍ» وَلِأَنَّهُ مِنْ الشُّهْرَةِ.
وَيُسَنُّ كَوْنُ النَّعْلِ أَصْفَرَ وَالْخُفِّ أَحْمَرَ وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي مِنْ أَصْحَابِنَا أَوْ أَسْوَدَ.
وَيُسَنُّ تَعَاهُدُهَا عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ لِنَعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَالَانِ بِكَسْرِ الْقَافِ وَهُوَ السَّيْرُ بَيْنَ الْوُسْطَى وَاَلَّتِي تَلِيهَا، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَاسْتَحَبَّ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَغَيْرُهُ: الصَّلَاةَ فِي النَّعْلِ الطَّاهِرِ.
وَقَالَ صَاحِبُ النَّظْمِ: الْأَوْلَى حَافِيًا.
وَفِيَ الْإِقْنَاعِ: لَا يُكْرَهُ الِانْتِعَالُ قَائِمًا.
وَفِي النَّظْمِ: يُكْرَهُ لُبْسُ خُفٍّ وَإِزَارٍ وَسَرَاوِيلَ قَائِمًا، وَلَعَلَّهُ جَالِسًا أَوْلَى (وَ) كُرِهَ أَيْضًا مُطْلَقًا (لُبْسُهُ) أَيْ الرَّجُلِ لَا الْمَرْأَةِ (مُعَصْفَرًا) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فَقَالَ: إنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ، فَلَا تَلْبَسْهَا» وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى عَلَيْهِ رَيْطَةً مُضَرَّجَةً بِالْعُصْفُرِ.
فَقَالَ: مَا هَذِهِ؟ قَالَ: فَعَرَفْتُ مَا كَرِهَ.
فَأَتَيْت أَهْلِي وَهُمْ يَسْجُرُونَ تَنُّورَهُمْ، فَقَذَفْتهَا فِيهِ.
ثُمَّ أَتَيْته فَأَخْبَرْته، فَقَالَ: أَلَا كَسَوْتهَا بَعْضَ أَهْلِك؟ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِلنِّسَاءِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ.
(فِي غَيْرِ إحْرَامٍ) فَلَا يُكْرَهُ الْمُعَصْفَرُ فِيهِ نَصًّا (وَ) كُرِهَ أَيْضًا لُبْسُ رَجُلٍ (مُزَعْفَرًا) لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَهَى الرِّجَالَ عَنْ التَّزَعْفُرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَ) كُرِهَ أَيْضًا لُبْسُ رَجُلٍ (أَحْمَرَ مُصْمَتًا) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ عَلَيْهِ بُرْدَانِ أَحْمَرَانِ، فَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ» وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ بِطَانَةً، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُصْمَتًا أَيْ مُنْفَرِدًا، فَلَا كَرَاهَةَ وَعَلَيْهِ حُمِلَ لُبْسُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُلَّةَ الْحَمْرَاءَ.
(وَ) كُرِهَ أَيْضًا لُبْسُ رَجُلٍ (طَيْلَسَانًا، وَهُوَ الْمُقَوَّرُ) لِأَنَّهُ يُشْبِهُ لُبْسَ رُهْبَانِ الْمَلَكِيِّينَ مِنْ النَّصَارَى.
وَلَا يُكْرَهُ لُبْسُ غَيْرِ الْمُقَوَّرِ.
(وَ) يُكْرَهُ أَيْضًا لُبْسُهُ (جِلْدًا مُخْتَلَفًا فِي نَجَاسَتِهِ وَافْتِرَاشُهُ) مَعَ الْحُكْمِ بِطَهَارَتِهِ، خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، وَمَعَ الْحُكْمِ بِنَجَاسَتِهِ يَحْرُمُ، إلَّا مَا نَجِسَ بِمَوْتِهِ وَدُبِغَ، كَمَا سَبَقَ.
و (لَا) يُكْرَهُ (إلْبَاسُهُ) أَيْ الْجِلْدِ الْمُخْتَلَفِ فِي نَجَاسَتِهِ (دَابَّتَهُ) لِأَنَّ حُرْمَتَهَا لَيْسَتْ كَحُرْمَةِ الْآدَمِيِّ، وَيَحْرُمُ إلْبَاسُهَا ذَهَبًا وَفِضَّةً، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَحَرِيرًا.
(وَ) يُكْرَهُ (كَوْنُ ثِيَابِهِ) أَيْ الرَّجُلِ (فَوْقَ نِصْفِ سَاقِهِ) نَصًّا.
وَلَعَلَّهُ لِئَلَّا تَبْدُوَ عَوْرَتُهُ (أَوْ تَحْتَ كَعْبِهِ بِلَا حَاجَةٍ) لِلْخَبَرِ.
فَإِنْ كَانَ ثَمَّ حَاجَةٌ كَحُمُوشَةِ سَاقِهِ لَمْ يُكْرَهْ، إنْ لَمْ يَقْصِدْ التَّدْلِيسَ (وَ) يُبَاحُ (لِلْمَرْأَةِ زِيَادَةُ) ذَيْلِهَا (إلَى ذِرَاعٍ) لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ

«يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَصْنَعُ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ؟ قَالَ: يُرْخِينَ شِبْرًا، فَقَالَتْ: إذَنْ تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ قَالَ: فَيُرْخِينَ ذِرَاعًا لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (وَحَرُمَ أَنْ يُسْبِلَهَا) أَيْ ثِيَابَ الرَّجُلِ (بِلَا حَاجَةٍ خُيَلَاءَ) قَمِيصًا كَانَتْ أَوْ إزَارًا أَوْ سَرَاوِيلَ أَوْ عِمَامَةً، فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، لِحَدِيثِ «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إلَيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ لِحَاجَةٍ بِلَا خُيَلَاءَ (فِي غَيْرِ حَرْبٍ) وَفِيهِ: لَا يَحْرُمُ لِإِرْهَابِ الْعَدُوِّ.
(وَ) حَرُمَ (حَتَّى عَلَى أُنْثَى لُبْسُ مَا فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ وَتَعْلِيقُهُ، وَسَتْرُ جُدُرٍ بِهِ، وَتَصْوِيرُهُ) لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُقَالُ: لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» وَقَالَ «إنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ.
وَعَنْ جَابِرٍ «نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الصُّورَةِ فِي الْبَيْتِ، وَنَهَى أَنْ يُصْنَعَ ذَلِكَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَإِنْ أُزِيلَ مِنْ الصُّورَةِ مَا لَا يَبْقَى مَعَهُ حَيَاةٌ لَمْ يُكْرَه.
نَصًّا، وَمِثْلُهُ صُورَةُ شَجَرٍ وَنَحْوِهِ، وَكَذَا تَصْوِيرُهُ.
و (لَا) يَحْرُمُ (افْتِرَاشُهُ) أَيْ الْمُصَوَّرِ (وَجَعْلُهُ مِخَدًّا) وَلَا يُكْرَهُ، لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «اتَّكَأَ عَلَى مِخَدَّةٍ فِيهَا صُورَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
(وَ) حَرُمَ (عَلَى غَيْرِ أُنْثَى) مِنْ رَجُلٍ وَخُنْثَى (حَتَّى كَافِرٍ لُبْسُ مَا كُلُّهُ وَمَا غَالِبُهُ ظُهُورًا حَرِيرٌ، وَلَوْ) كَانَ (بِطَانَةً) لِحَدِيثِ عُمَرَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ، فَإِنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسهُ فِي الْآخِرَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَكَوْنُ عُمَرَ «بَعَثَ بِمَا أَعْطَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى أَخٍ لَهُ مُشْرِكٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي لُبْسِهَا.
وَقَدْ «بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَأُسَامَةَ» وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ إبَاحَةُ لُبْسِهِ، وَالْكُفَّارُ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ (وَ) وَحَرُمَ أَيْضًا عَلَى غَيْرِ أُنْثَى (افْتِرَاشُهُ) أَيْ الْحَرِيرِ لِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ «نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا أَوْ أَنْ نَلْبَسَ الْحَرِيرَ وَالدِّيبَاجَ، وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
و (لَا) يَحْرُمُ افْتِرَاشُهُ (تَحْتَ) حَائِلٍ (صَفِيقٍ) فَيَجُوزُ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى الْحَائِلِ (وَيُصَلِّيَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُفْتَرِشٌ لِلْحَائِلِ، مُجَانِبٌ لِلْحَرِيرِ.
(وَ) يَحْرُمُ أَيْضًا عَلَى غَيْرِ أُنْثَى (اسْتِنَادٌ إلَيْهِ، وَتَعْلِيقُهُ) أَيْ الْحَرِيرِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ: بُشْخَانَةٌ وَخَيْمَةٌ وَنَحْوُهُمَا، وَحَرُمَ الْأَكْثَرُ اسْتِعْمَالَهُ مُطْلَقًا، فَدَخَلَ فِيهِ: تِكَّةٌ وَشِرَابَةٌ مُفْرَدَةٌ، وَخَيْطُ مِسْبَحَةٍ.
(وَ) يَحْرُمُ أَيْضًا (كِتَابَةُ مَهْرٍ فِيهِ) أَيْ فِي الْحَرِيرِ.
وَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ.
(وَ) يَحْرُمُ أَيْضًا (سَتْرُ جُدُرٍ بِهِ) أَيْ بِالْحَرِيرِ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لَهُ، أَشْبَهَ لُبْسَهُ (غَيْرَ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ) زَادَهَا اللَّهُ تَعْظِيمًا وَتَشْرِيفًا فَيَجُوزُ سَتْرُهَا بِالْحَرِيرِ.
وَكَلَامُ أَبِي الْمَعَالِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَحَلُّ وِفَاقٍ وَمَحَلُّ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ الْحَرِيرِ.
إذَا كَانَ (بِلَا ضَرُورَةٍ) كَبَرْدٍ أَوْ حَكَّةٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ قَمْلٍ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ «أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرَ شَكَوْا الْقَمْلَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قَمِيصِ الْحَرِيرِ وَرَأَيْتُهُ عَلَيْهِمَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَمَا ثَبَتَ فِي حَقِّ صَحَابِيٍّ يَثْبُتُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ، وَقِسْ عَلَى الْقَمْلِ غَيْرَهُ مِمَّا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى لُبْسِ الْحَرِيرِ.
(وَ) حَرُمَ أَيْضًا عَلَى غَيْرِ أُنْثَى ثَوْبٌ (مَنْسُوجٌ) بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ (وَمُمَوَّهٌ بِذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ) إلَّا خُوذَةً أَوْ مِغْفَرًا أَوْ جَوْشَنًا وَنَحْوَهَا بِفِضَّةٍ، وَكَذَا مَا طُلِيَ أَوْ كُفِتَ أَوْ طُعِّمَ بِأَحَدِهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْآنِيَةِ، وَمَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ حَرُمَ تَمْلِيكُهُ وَتَمَلُّكُهُ لِذَلِكَ، وَعَمَلُ خِيَاطَتِهِ لِمَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ وَأُجْرَتُهُ، نَصًّا.
و (لَا) يَحْرُمُ (مُسْتَحِيلٌ لَوْنُهُ) مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ (وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ شَيْءٌ) لَوْ عُرِضَ عَلَى النَّارِ، لِزَوَالِ عِلَّةِ التَّحْرِيمِ مِنْ السَّرَفِ وَالْخُيَلَاءِ، وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ.
(وَ) لَا يَحْرُمُ أَيْضًا (حَرِيرٌ سَاوَى مَا نُسِجَ مَعَهُ) مِنْ قُطْنٍ أَوْ كَتَّانٍ أَوْ صُوفٍ وَنَحْوِهِ (ظُهُورًا) بِأَنْ كَانَ ظُهُورُهُمَا عَلَى السَّوَاءِ، وَلَوْ زَادَ الْحَرِيرُ وَزْنًا فَلَا يَحْرُمُ، لِأَنَّ الْغَالِبَ لَيْسَ بِحَرِيرٍ، فَيَنْتَفِي دَلِيلُ الْحُرْمَةِ.
وَيَبْقَى أَصْلُ الْإِبَاحَةِ (وَ) لَا يَحْرُمُ أَيْضًا (خَزٌّ) أَيْ ثَوْبٌ يُسَمَّى الْخَزَّ (وَهُوَ مَا سُدِيَ بِإِبْرَيْسَمٍ) أَوْ حَرِيرٍ (وَأُلْحِمَ بِصُوفٍ، أَوْ وَبَرٍ وَنَحْوِهِ) كَقُطْنٍ وَكَتَّانٍ.
لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «إنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الثَّوْبِ الْمُصْمَتِ مِنْ الْحَرِيرِ، أَمَّا عَلَمُ وَسَدَى الثَّوْبِ فَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْأَثْرَمُ.
وَأَمَّا مَا عُمِلَ مِنْ سَقَطِ الْحَرِيرِ وَمُشَاقَّتِهِ وَمَا يُلْقِيهِ الصَّانِعُ مِنْ فَمِهِ مِنْ تَقْطِيعِ الطَّاقَاتِ إذَا دُقَّ وَغُسِلَ وَنُسِجَ، فَهُوَ كَحَرِيرٍ خَالِصٍ فِي ذَلِكَ وَإِنْ سُمِّيَ الْآنَ خَزًّا، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ (أَوْ) أَيْ وَلَا يَحْرُمُ (خَالِصٌ) مِنْ حَرِيرٍ (لِمَرَضٍ أَوْ حَكَّةٍ) سَوَاءٌ أَثَّرَ فِي زَوَالِهَا أَوْ لَا لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ) خَالِصٌ (لِحَرْبٍ) مُبَاحٌ إذَا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ إلَى انْقِضَاءِ الْقِتَالِ (وَلَوْ بِلَا حَاجَةٍ) نَصًّا ; لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ لُبْسِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخُيَلَاءِ، وَهُوَ غَيْرُ مَذْمُومٍ فِي الْحَرْبِ (وَلَا) يَحْرُمُ (الْكَلُّ) وَهُوَ مَا فِيهِ صُورَةٌ وَالْحَرِيرُ وَالْمَنْسُوجُ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ (لِحَاجَةٍ) بِأَنْ عُدِمَ غَيْرُهُ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: مَنْ احْتَاجَ إلَى لُبْسِ الْحَرِيرِ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ تَحَصُّنٍ مِنْ عَدُوٍّ وَنَحْوِهِ أُبِيحَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يَجُوزُ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ الذَّهَبِ، كَدِرْعٍ مُمَوَّهٍ بِهِ لَا يُسْتَغْنَى عَنْ لُبْسِهِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ (وَحَرُمَ تَشَبُّهُ رَجُلٍ بِأُنْثَى وَعَكْسِهِ) وَهُوَ تَشَبُّهُ أُنْثَى

بِرَجُلٍ (فِي لِبَاسٍ وَغَيْرِهِ) لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَعَنَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ «وَلَعَنَ أَيْضًا الرَّجُلَ يَلْبَسُ لُبْسَ الْمَرْأَةِ وَالْمَرْأَةَ تَلْبَسُ لُبْسَ الرَّجُلِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: إسْنَادُهُ صَحِيحٌ.
فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا الْعَصَائِبُ الْكِبَارُ الَّتِي تُشْبِهُ عَمَائِمَ الرِّجَالِ.
(وَ) حَرُمَ أَيْضًا عَلَى وَلِيٍّ (إلْبَاسُ صَبِيٍّ مَا حَرُمَ عَلَى رَجُلٍ) فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ فِيهِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي» وَلِقَوْلِ جَابِرٍ «كُنَّا نَنْزِعُهُ عَنْ الْغِلْمَانِ وَنَتْرُكُهُ عَلَى الْجَوَارِي» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَكَوْنِ الصِّبْيَانِ مَحَلًّا لِلزِّينَةِ مَعَ تَحْرِيمِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهِمْ أَبْلَغَ فِي التَّحْرِيمِ (فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ فِيهِ) ، أَيْ فِي الثَّوْبِ الْحَرِيرِ.
(وَيُبَاحُ مِنْ حَرِيرٍ كَيْسُ مُصْحَفٍ) تَعْظِيمًا لَهُ، وَلِأَنَّهُ يَسِيرٌ (وَ) يُبَاحُ أَيْضًا (أَزْرَارٌ وَخِيَاطَةٌ بِهِ) أَيْ الْحَرِيرِ.
لِأَنَّهُ يَسِيرٌ.
(وَ) يُبَاحُ أَيْضًا مِنْ حَرِيرٍ (حَشْوُ جِبَابٍ وَفُرُشٍ) لِأَنَّهُ لَا فَخْرَ فِيهِ، وَلَا عُجْبَ وَلَا خُيَلَاءَ.
وَلَيْسَ لُبْسًا لَهُ وَلَا افْتِرَاشًا (وَ) يُبَاحُ أَيْضًا مِنْ حَرِيرٍ (عَلَمُ ثَوْبٍ وَهُوَ طِرَازُهُ) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَيُبَاحُ أَيْضًا مِنْ حَرِيرٍ (لَبِنَةُ جَيْبٍ، وَهُوَ الزِّيقُ) أَيْ الْمُحِيطُ بِالْعُنُقِ (وَالْجَيْبُ مَا يُفْتَحُ عَلَى نَحْرٍ أَوْ طَوْقٍ) . وَفِي الْقَامُوسِ: وَجَيْبُ الْقَمِيصِ وَنَحْوُهُ بِالْفَتْحِ: طَوْقُهُ (وَ) يُبَاحُ أَيْضًا مِنْ حَرِيرٍ (رِقَاعٌ وَسِجْفُ فِرَاءٍ) وَنَحْوِهَا قَدْرَ أَرْبَعِ أَصَابِعَ فَمَا دُونُ.
و (لَا) يُبَاحُ مِنْ ذَلِكَ (فَوْقَ أَرْبَعِ أَصَابِعَ مَضْمُومَةٍ) لِحَدِيثِ عُمَرَ «نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْحَرِيرِ إلَّا مَوْضِعَ أُصْبُعَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَإِذَا لَبِسَ ثِيَابًا فِي كُلِّ ثَوْبٍ مِنْ الْحَرِيرِ مَا يُعْفَى عَنْهُ وَلَوْ جُمِعَ صَارَ ثَوْبًا فَفِي الْمُسْتَوْعِبِ وَابْنِ تَمِيمٍ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَفِي الرِّعَايَةِ.
لَا يَحْرُمُ، بَلْ يُكْرَهُ.
" تَتِمَّةٌ " يُسَنُّ أَنْ يَأْتَزِرَ الرَّجُلُ فَوْقَ سُرَّتِهِ وَيَشُدَّ سَرَاوِيلَهُ فَوْقَهَا، وَسَعَةُ كَمِّ قَمِيصِ الْمَرْأَةِ يَسِيرًا وَقِصَرُهُ، وَطُولُ كَمِّ قَمِيصِ الرَّجُلِ عَنْ أَصَابِعِهِ قَلِيلًا دُونَ سَعَتِهِ كَثِيرًا، فَلَا تَتَأَذَّى الْيَدُ بِحَرٍّ وَلَا بَرْدٍ، وَلَا تَمْنَعُهَا خِفَّةَ الْحَرَكَةِ وَالْبَطْشِ.
وَيُبَاحُ ثَوْبٌ مِنْ صُوفٍ وَوَبَرٍ وَشَعْرٍ مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ.
وَيُكْرَهُ رَقِيقٌ يَصِفُ الْبَشَرَةَ وَخِلَافُ زِيِّ أَهْلِ بَلَدِهِ بِلَا عُذْرٍ، وَمُزْرِيَةٌ وَكَثْرَةُ الْإِرْفَاهِ.
وَزِيُّ أَهْلِ الشِّرْكِ وَثَوْبُ شُهْرَةٍ مَا يَشْتَهِرُ بِهِ عِنْدَ النَّاسِ وَيُشَارُ إلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ لِئَلَّا يَحْمِلَهُمْ عَلَى غَيْبَتِهِ فَيُشَارِكَهُمْ فِي الْإِثْمِ.
وَيُبَاحُ لُبْسُ السَّوَادِ وَالْقَبَاءِ، حَتَّى لِلنِّسَاءِ وَالْمَشْيُ فِي قُبْقَابٍ خَشَبٍ.
قَالَ أَحْمَدُ: إنْ كَانَ حَاجَةً، وَيُكْرَهُ لُبْسُ نَعْلٍ صَرَّارَةٍ نَصًّا.
وَقَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يُلْبَسَ لِلْوُضُوءِ.
وُفِيَ الرِّعَايَةِ: يُسَنُّ التَّوَاضُعُ فِي اللِّبَاسِ، وَلُبْسُ الْبَيَاضِ وَالنَّظَافَةُ فِي بَدَنِهِ وَثَوْبِهِ،

وَمَجْلِسِهِ، وَالتَّطَيُّبُ فِي بَدَنِهِ وَثَوْبِهِ، وَالتَّحَنُّكُ وَالذُّؤَابَةُ وَإِرْسَالُهَا خَلْفَهُ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَإِطَالَتُهَا كَثِيرًا مِنْ الْإِسْبَالِ، وَيُسَنُّ لِمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا قَوْلُ " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ " وَأَنْ يَتَصَدَّقَ بِالْخَلَقِ الْعَتِيقِ النَّافِعِ.

[بَابُ اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ]

ِ (وَهِيَ) أَيْ النَّجَاسَةُ لُغَةً: ضِدُّ الطَّهَارَةِ وَشَرْعًا (عَيْنٌ) كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ (أَوْ صِفَةٌ) كَأَثَرِ بَوْلٍ بِمَحَلٍّ طَاهِرٍ (مَنَعَ الشَّرْعُ مِنْهَا بِلَا ضَرُورَةٍ، لَا لِأَذًى فِيهَا طَبْعًا) احْتِرَازًا عَنْ نَحْوِ السُّمِّيَّاتِ مِنْ النَّبَاتِ، فَإِنَّهُ مَمْنُوعٌ مِمَّا يَضُرُّ مِنْهَا فِي بَدَنٍ أَوْ عَقْلٍ لِأَذَاهَا و (لَا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى) احْتِرَازًا عَنْ صَيْدِ الْحَرَمِ، أَوْ عَنْ صَيْدِ الْبَرِّ لِلْمُحْرِمِ (أَوْ) لِحَقِّ (غَيْرِهِ شَرْعًا) احْتِرَازًا عَنْ مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَيَحْرُمُ تَنَاوُلُهُ لِمَنْعِ الشَّرْعِ مِنْهُ لِحَقِّ مَالِكِهِ زَادَ بَعْضُهُمْ: وَلَا لِحُرْمَتِهَا، احْتِرَازًا عَنْ مَيْتَةِ الْآدَمِيِّ وَلَا لِاسْتِقْذَارِهَا، احْتِرَازًا عَنْ نَحْوِ مَنِيٍّ وَمُخَاطٍ (حَيْثُ لَمْ يُعْفَ عَنْهَا) مُتَعَلِّقٌ بِاجْتِنَابِ (بَدَنَ مُصَلٍّ) مَنْصُوبٌ بِاجْتِنَابٍ (وَثَوْبَهُ وَبُقْعَتَهُمَا) مَعْطُوفٌ عَلَى بَدَنٍ (وَعَدَمِ حَمْلِهَا) عَطْفٌ عَلَى اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ: قَوْلُهُ (شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: 4] وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «تَنَزَّهُوا مِنْ الْبَوْلِ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ» وَقَوْلِهِ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ دَمِ الْحَيْضِ يَكُونُ فِي الثَّوْبِ «اُقْرُصِيهِ وَصَلِّي فِيهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا «وَأَمَرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَبِّ ذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ، إذْ بَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ» وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فِيهَا، وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ.
وَالنَّهْيُ عَنْهُ فِي الْعِبَادَاتِ يَقْتَضِي الْفَسَادَ (فَتَصِحُّ) الصَّلَاةُ (مِنْ حَامِلٍ مُسْتَجْمِرًا) لِأَنَّ أَثَرَ الِاسْتِجْمَارِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ فِي مَحَلِّهِ (أَوْ) مِنْ حَامِلٍ (حَيَوَانًا طَاهِرًا) كَالْهِرِّ، لِأَنَّ مَا بِهِ مِنْ نَجَاسَةٍ فِي مَعِدَتِهَا فَهِيَ كَالنَّجَاسَةِ فِي جَوْفِ الْمُصَلِّي و «صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَامِلًا أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ» (وَ) تَصِحُّ (مِمَّنْ مَسَّ ثَوْبُهُ ثَوْبًا) نَجِسًا (أَوْ حَائِطًا نَجِسًا لَمْ يَسْتَنِدْ إلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِثَوْبِهِ وَلَا بَدَنِهِ.
فَإِنْ اسْتَنَدَ إلَيْهِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالْبُقْعَةِ لَهُ (أَوْ) أَيْ وَتَصِحُّ مِمَّنْ (قَابَلَهَا) أَيْ النَّجَاسَةَ (رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا وَلَمْ يُلَاقِهَا) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِصَلَاتِهِ وَلَا مَحْمُولًا فِيهَا.
وَكَذَا لَوْ كَانَتْ بَيْنَ

رِجْلَيْهِ وَلَمْ يُصِبْهَا، فَإِنْ لَاقَاهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ (أَوْ صَلَّى عَلَى مَحَلٍّ طَاهِرٍ مِنْ) حَصِيرٍ أَوْ بِسَاطٍ (مُتَنَجِّسٍ طَرَفُهُ) فَتَصِحُّ (وَلَوْ تَحَرَّكَ) الْمُتَنَجِّسُ (بِحَرَكَتِهِ مِنْ غَيْرِ مُتَعَلِّقٍ يَنْجَرُّ بِهِ) وَكَذَا لَوْ كَانَ تَحْتَ قَدَمِهِ حَبْلٌ طَاهِرٌ مَشْدُودٌ فِي نَجَاسَةٍ.
لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَامِلٍ لِلنَّجَاسَةِ وَلَا مُصَلٍّ عَلَيْهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّى عَلَى أَرْضٍ طَاهِرَةٍ مُتَّصِلَةٍ بِأَرْضٍ نَجِسَةٍ، فَإِنْ كَانَ النَّجَسُ مُتَعَلِّقًا بِالْمُصَلِّي بِحَيْثُ يَنْجَرُّ مَعَهُ إذَا مَشَى، كَمَا لَوْ كَانَ بِيَدِهِ أَوْ وَسَطِهِ حَبْلٌ مَشْدُودٌ فِي نَجَاسَةٍ، أَوْ حَيَوَانٌ نَجِسٌ أَوْ سَفِينَةٌ صَغِيرَةٌ فِيهَا نَجَاسَةٌ بِحَيْثُ تَنْجَرُّ مَعَهُ إذَا مَشَى لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ ; لِأَنَّهُ مُتَتَبِّعٌ لِلنَّجَاسَةِ.
أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ حَامِلَهَا، فَإِنْ كَانَتْ السَّفِينَةُ كَبِيرَةً، أَوْ الْحَيَوَانُ كَبِيرًا، لَا يَقْدِرُ عَلَى جَرِّهِ إذَا اسْتَعْصَى عَلَيْهِ صَحَّتْ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَّبِعٍ لَهَا.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: أَنَّ مَا لَا يَنْجَرُّ تَصِحُّ لَوْ انْجَرَّ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ خِلَافُهُ وَهُوَ أَوْلَى.
وَلَوْ كَانَ بِيَدِهِ حَبْلٌ طَرَفُهُ عَلَى نَجَاسَةٍ يَابِسَةٍ.
فَمُقْتَضَى كَلَامِ الْمُوَفَّقِ: الصِّحَّةُ.
وَفِي الْإِقْنَاعِ: لَا تَصِحُّ (أَوْ سَقَطَتْ عَلَيْهِ) نَجَاسَةٌ (فَزَالَتْ) سَرِيعًا (أَوْ أَزَالَهَا سَرِيعًا) فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ.
لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ «فَبَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَخَلَعَ النَّاسُ نِعَالَهُمْ.
فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، قَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إلْقَاءِ نِعَالِكُمْ؟ قَالُوا: رَأَيْنَاك أَلْقَيْت نَعْلَك فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا، قَالَ: إنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهَا قَذَرًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَلِأَنَّ مِنْ النَّجَاسَةِ مَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهَا فَعُفِيَ عَنْ يَسِيرِ زَمَنِهَا.
كَكَشْفِ الْعَوْرَةِ و (لَا) تَصِحُّ صَلَاتُهُ (إنْ عَجَزَ عَنْ إزَالَتِهَا) أَيْ النَّجَاسَةِ (عَنْهُ) سَرِيعًا، لِإِفْضَائِهِ إلَى اسْتِصْحَابِ النَّجَاسَةِ فِي الصَّلَاةِ زَمَنًا طَوِيلًا.
أَوْ لِعَمَلٍ كَثِيرٍ.
إنْ أَخَذَ يُطَهِّرُهَا (أَوْ نَسِيَهَا) أَيْ النَّجَاسَةَ (أَوْ جَهِلَ عَيْنَهَا) بِأَنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ لَا يَعْلَمُهُ طَاهِرًا أَوْ نَجِسًا، ثُمَّ عَلِمَ نَجَاسَتَهُ (أَوْ) جَهِلَ (حُكْمَهَا) بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ إزَالَتَهَا شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ (أَوْ) جَهِلَ (أَنَّهَا كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ عَلِمَ) تَصِحُّ صَلَاتُهُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ وَنَحْوِهَا، لِأَنَّ اجْتِنَابَ النَّجَاسَةِ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِالنِّسْيَانِ وَلَا بِالْجَهْلِ، كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ وَعَنْهُ: تَصِحُّ صَلَاتُهُ إذَا نَسِيَ، أَوْ جَهِلَ النَّجَاسَةَ.
قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهِيَ الصَّحِيحَةُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُتَأَخِّرِينَ (أَوْ حَمَلَ قَارُورَةً) بَاطِنُهَا نَجِسٌ وَصَلَّى، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ (أَوْ) حَمَلَ (آجُرَّةً) وَاحِدَةً الْآجُرُّ، وَهُوَ الطُّوبُ الْمَشْوِيُّ (بَاطِنُهَا نَجِسٌ أَوْ) حَمَلَ (بَيْضَةً فِيهَا فَرْخٌ مَيِّتٌ، أَوْ) حَمَلَ بَيْضَةً (مَذِرَةً، أَوْ)

(عُنْقُودًا) مِنْ عِنَبٍ (حَبَّاتُهُ مُسْتَحِيلَةٌ خَمْرًا) لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ لِحَمْلِهِ نَجَاسَةً فِي غَيْرِ مَعِدَتِهَا أَشْبَهَ مَا لَوْ حَمَلَهَا فِي كَمِّهْ.
(وَإِنْ طَيَّنَ) أَرْضًا (نَجِسَةً) وَصَلَّى عَلَيْهَا (أَوْ بَسَطَ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى أَرْضٍ نَجِسَةٍ طَاهِرًا صَفِيقًا أَوْ رَطْبَةٍ وَلَمْ تَنْفُذْ إلَى ظَاهِرِهِ (أَوْ) بَسَطَ (عَلَى حَيَوَانٍ نَجِسٍ) طَاهِرًا صَفِيقًا (أَوْ) بَسَطَ عَلَى (حَرِيرٍ طَاهِرًا صَفِيقًا) لَا خَفِيفًا أَوْ مُهَلْهَلًا (أَوْ غَسَلَ وَجْهَ آجُرٍّ وَصَلَّى عَلَيْهِ، أَوْ صَلَّى عَلَى بِسَاطٍ بَاطِنُهُ فَقَطْ نَجِسٌ) وَظَاهِرُهُ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ طَاهِرٌ (أَوْ) صَلَّى عَلَى (عُلْوٍ سُفْلُهُ غَصْبٌ، أَوْ) صَلَّى عَلَى (سَرِيرٍ تَحْتَهُ نَجِسٌ كُرِهَتْ) صَلَاتُهُ، لِاعْتِمَادِهِ عَلَى مَا لَا تَصِحُّ عَلَيْهِ (وَصَحَّتْ) لِأَنَّهُ لَيْسَ حَامِلًا لِلنَّجَاسَةِ وَلَا مُبَاشِرًا لِمَا لَا تَصِحُّ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ خِيطَ جُرْحٌ أَوْ جُبِرَ عَظْمٌ) مِنْ آدَمِيٍّ (ب) خَيْطٍ (نَجِسٍ أَوْ عَظْمٍ نَجِسٍ فَصَحَّ) الْجُرْحُ أَوْ الْعَظْمُ (لَمْ تَجِبْ إزَالَتُهُ) أَيْ النَّجِسِ مِنْهُمَا (مَعَ) خَوْفِ (ضَرَرٍ) عَلَى نَفْسٍ أَوْ عُضْوٍ أَوْ حُصُولِ مَرَضٍ ; لِأَنَّ حِرَاسَةَ النَّفْسِ وَأَطْرَافِهَا وَاجِبٌ وَأَهَمُّ مِنْ رِعَايَةِ شَرْطِ الصَّلَاةِ وَلِهَذَا لَا يَلْزَمُهُ شِرَاءُ مَاءٍ وَلَا سُتْرَةٍ بِزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ، وَإِذَا جَازَ تَرْكُ شَرْطٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ لِحِفْظِ مَالِهِ، فَتَرْكُ شَرْطٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ لِحِفْظِ بَدَنِهِ أَوْلَى، فَإِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا لَزِمَهُ (وَ) حَيْثُ لَمْ تَجِبْ إزَالَتُهُ (لَا يَتَيَمَّمُ لَهُ) أَيْ الْخَيْطِ أَوْ الْعَظْمِ النَّجِسِ (إنْ غَطَّاهُ اللَّحْمُ) لِإِمْكَانِ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ فِي جَمِيعِ مَحَلِّهَا، فَإِنْ لَمْ يُغَطِّهِ اللَّحْمُ تَيَمَّمَ لَهُ لِعَدَمِ إمْكَانِ غَسْلِهِ (وَمَتَى وَجَبَتْ) إزَالَتُهُ (فَمَاتَ) قَبْلَ إزَالَتِهِ (أُزِيلَ) وُجُوبًا لِقِيَامِ مَنْ يَلِيه مَقَامَهُ (إلَّا مَعَ الْمُثْلَةِ) بِإِزَالَتِهِ فَتَسْقُطُ لِلضَّرَرِ بِهَا، كَالْحَيِّ (وَلَا يَلْزَمُ شَارِبَ خَمْرٍ قَيْءٌ) لِلْخَمْرِ، لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَى مَحَلٍّ يَسْتَوِي فِيهِ الطَّاهِرُ وَالنَّجِسُ.
وَكَذَا سَائِرُ النَّجَاسَاتِ تَحْصُلُ بِالْجَوْفِ (وَإِنْ أُعِيدَتْ سِنُّ) آدَمِيٍّ قُلِعَتْ (أَوْ) أُعِيدَتْ (أُذُنٌ) مِنْهُ قُطِعَتْ (أَوْ) أُعِيدَ (نَحْوُهُمَا) مِنْ أَعْضَائِهِ فَأَعَادَهَا بِحَرَارَتِهَا (فَثَبَتَتْ) أَوْ لَمْ تَثْبُتْ (فَ) هِيَ (طَاهِرَةٌ) لِأَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ جُمْلَةٍ، فَحُكْمُهُمَا حُكْمُهُ.
وَتَقَدَّمَ: مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ كَمَيْتَتِهِ.

[فَصْلٌ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهَا]

مُطْلَقًا وَمَا يَصِحّ فِيهِ النَّفَلُ دُونَ الْفَرْضِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ (وَلَا تَصِحُّ تَعَبُّدًا صَلَاةُ) فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ (فِي مَقْبَرَةٍ) قَدِيمَةٍ أَوْ حَدِيثَةٍ تَقَلَّبَتْ أَوْ لَا، وَهِيَ مَدْفَنُ الْمَوْتَى.
لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

«لَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ (وَلَا يَضُرُّ) صِحَّةَ الصَّلَاةِ (قَبْرَانِ وَلَا مَا دُفِنَ بِدَارِهِ) وَلَوْ زَادَ عَلَى ثَلَاثَةِ قُبُورٍ ; لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَقْبَرَةً، بَلْ هِيَ ثَلَاثَةُ قُبُورٍ فَأَكْثَرُ، نَقَلَهُ فِي الِاخْتِبَارَاتِ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَبُنِيَ لَفْظُهَا مِنْ الْقَبْرِ لِأَنَّ الشَّيْءَ إذَا كَثُرَ بِمَكَانٍ جَازَ أَنْ يُبْنَى لَهُ اسْمٌ مِنْ اسْمِهِ كَمَسْبَعَةٍ وَمَضْبَعَةٍ لِمَا كَثُرَ فِيهِ مِنْ السِّبَاعِ وَالضِّبَاعِ، وَأَمَّا الْخَشْخَاشَةُ وَتُسَمَّى الْفَسْقِيَّةَ فِيهَا أَمْوَاتٌ كَثِيرُونَ، فَهِيَ قَبْرٌ وَاحِدٌ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ بَحْثًا.
(وَ) لَا تَصِحُّ أَيْضًا تَعَبُّدًا صَلَاةٌ (فِي حَمَّامٍ) لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إلَّا الْحَمَّامَ وَالْمَقْبَرَةَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَ) لَا تَصِحُّ أَيْضًا (فِيمَا يَتْبَعُهُ فِي بَيْعٍ) لِتَنَاوُلِ اسْمِهِ لَهُ.
فَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَكَانِ الْغُسْلِ وَالْمَسْلَخِ وَالْأَتُونِ وَكُلِّ مَا يُغْلَقُ عَلَيْهِ بَابُهُ (وَ) لَا تَصِحُّ أَيْضًا تَعَبُّدًا صَلَاةٌ فِي (حَشٍّ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَضْمِهَا فَيُمْنَعُ مِنْ الصَّلَاةِ دَاخِلَ بَابِهِ، وَلَوْ غَيْرَ مَوْضِعِ الْكَنِيفِ، وَلَوْ مَعَ طَهَارَتِهِ مِنْ النَّجَاسَةِ لِأَنَّهُ لَمَّا مَنَعَ الشَّرْعُ مِنْ الْكَلَامِ وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ، كَانَ مَنْعُ الصَّلَاةِ أَوْلَى، وَهُوَ لُغَةً الْبُسْتَانُ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى مَحَلِّ قَضَاءِ الْحَاجَةِ: لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَقْضُونَ حَوَائِجَهُمْ فِي الْبُسْتَانِ، وَهِيَ الْحُشُوشُ: فَسُمِّيَتْ الْأَخْلِيَةُ فِي الْحَضَرِ حُشُوشًا بِذَلِكَ.
(وَ) لَا تَصِحُّ أَيْضًا تَعَبُّدًا صَلَاةٌ فِي (أَعْطَانِ إبِلٍ) جَمْعُ عَطَنٍ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَهِيَ الْمَعَاطِنُ جَمْعُ مَعْطِنٍ بِكَسْرِهَا لِحَدِيثِ «صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ وَلَا تُصَلُّوا فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: لَمْ نَرَ خِلَافًا بَيْنَ عُلَمَاءِ الْحَدِيث أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ صَحِيحٌ " وَهِيَ " أَيْ الْأَعْطَانُ (مَا تُقِيمُ فِيهَا) الْإِبِلُ (وَتَأْوِي إلَيْهَا) طَاهِرَةً كَانَتْ أَوْ نَجِسَةً، فِيهَا إبِلٌ حَالَ الصَّلَاةِ أَوْ لَا لِعُمُومِ الْخَبَرِ.
وَأَمَّا مَا تَبِيتُ فِيهِ الْإِبِلُ فِي مَسِيرهَا أَوْ تَنَاخُ فِيهِ لِعَلَفِهَا أَوْ سَقْيِهَا، فَلَا يُمْنَعُ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَطَنٍ.
(وَ) لَا تَصِحُّ صَلَاةٌ أَيْضًا (فِي مَجْزَرَةٍ) مَكَانَ الذَّبْحِ (وَ) لَا فِي (مَزْبَلَةٍ) مَلْقَى الزُّبَالَةِ.
(وَ) لَا فِي (قَارِعَةِ الطَّرِيقِ) أَيْ مَحَلِّ قَرْعِ الْأَقْدَامِ مِنْ الطَّرِيقِ.
وَهِيَ الْمَحَجَّةُ، سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا سَالِكٌ أَوْ لَا.
لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «سَبْعُ مَوَاطِنَ لَا تَجُوزُ فِيهَا الصَّلَاةُ: ظَهْرُ بَيْتِ اللَّهِ، وَالْمَقْبَرَةُ، وَالْمَزْبَلَةُ، وَالْمَجْزَرَةُ، وَالْحَمَّامُ، وَمَعْطِنُ الْإِبِلِ، وَمَحَجَّةُ الطَّرِيقِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: لَيْسَ إسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ.
وَرَوَاهُ

اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا.
وَتَصِحُّ فِي طَرِيقِ أَبْيَاتٍ قَلِيلَةٍ (وَ) لَا تَصِحُّ صَلَاةٌ تَعَبُّدًا أَيْضًا عَلَى (أَسْطِحَتِهَا) أَيْ أَسْطِحَةِ تِلْكَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهَا ; لِأَنَّ الْهَوَاءَ تَابِعٌ لِلْقَرَارِ لِمَنْعِ الْجُنُبِ مِنْ اللُّبْثِ بِسَطْحِ الْمَسْجِدِ، وَحَنِثَ مَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا بِدُخُولِ سَطْحِهَا (وَ) لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ أَيْضًا قَصْدًا فِي (سَطْحِ نَهْرٍ) وَكَذَا سَابَاطٌ وَجِسْرُهَا عَلَيْهِ.
قَالَ السَّامِرِيُّ: لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ كَالطَّرِيقِ قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَجَزَمَ ابْنُ تَمِيمٍ بِالصِّحَّةِ، وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ: صِحَّةُ الصَّلَاةِ فِي الْمَدْبَغَةِ (سِوَى صَلَاةِ جِنَازَةٍ فِي مَقْبَرَةٍ) فَتَصِحُّ لِصَلَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْقَبْرِ فَيَكُونُ مُخَصَّصًا لِلنَّهْيِ السَّابِقِ (وَسِوَى جُمُعَةٍ وَعِيدٍ وَجِنَازَةٍ وَنَحْوِهَا) كَصَلَاةِ كُسُوفٍ وَاسْتِسْقَاءٍ (بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ) بِأَنْ ضَاقَ الْمَسْجِدُ أَوْ الْمُصَلَّى وَاضْطُرُّوا لِلصَّلَاةِ فِي الطَّرِيقِ لِلْحَاجَةِ (وَ) سِوَى جُمُعَةٍ وَعِيدٍ وَجِنَازَةٍ وَنَحْوِهَا بِمَوْضِعِ (غَصْبٍ) أَيْ مَغْصُوبٍ.
نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجُمُعَةِ ; لِأَنَّهُ إذَا صَلَّاهَا الْإِمَامُ فِي الْغَصْبِ وَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَهُ فَاتَتْهُمْ، وَلِذَلِكَ صَحَّتْ الْجُمُعَةُ خَلْفَ الْخَوَارِجِ وَالْمُبْتَدِعَةِ فِي الطَّرِيقِ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا.
وَكَذَلِكَ الْأَعْيَادُ وَالْجِنَازَةُ (وَ) سِوَى الصَّلَاةِ (عَلَى رَاحِلَةٍ بِطَرِيقٍ) عَلَى التَّفْصِيلِ الْآتِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ مُوَضَّحًا (وَتَصِحُّ) الصَّلَاةُ (فِي الْكُلِّ) أَيْ كُلِّ الْأَمَاكِنِ الْمُتَقَدِّمَةِ (لِعُذْرٍ) كَمَا لَوْ حُبِسَ فِيهَا، بِخِلَافِ خَوْفِ فَوْتِ الْوَقْتِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ (وَتُكْرَهُ) الصَّلَاةُ (إلَيْهَا) لِحَدِيثِ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ مَرْفُوعًا «لَا تُصَلُّوا إلَى الْقُبُورِ وَلَا تَجْلِسُوا إلَيْهَا» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَأُلْحِقَ بِذَلِكَ بَاقِي الْمَوَاضِعِ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ تَعَبُّدِيٌّ.
فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ (بِلَا حَائِلٍ) فَإِنْ كَانَ حَائِلٌ لَمْ تُكْرَهْ الصَّلَاةُ (وَلَوْ) كَانَ (كَمُؤَخَّرَةِ رَحْلٍ) كَسُتْرَةِ الْمُتَخَلِّي، فَلَا يَكْفِي الْخَطُّ، وَيَكْفِي حَائِطُ الْمَسْجِدِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ أَنَّ مُرَادَهُمْ: لَا يَضُرُّ بَعْدَ كَثِيرٍ عُرْفًا لَا أَثَرَ لَهُ فِي مَارٍّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي.
و (لَا) تُكْرَهُ الصَّلَاةُ (فِيمَا عَلَا عَنْ جَادَّةِ الْمُسَافِرِ يَمْنَةً وَيَسَرَةً) نَصًّا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَجَّةٍ (وَلَوْ غُيِّرَتْ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، مَوَاضِعُ النَّهْيِ (بِمَا يُزِيلُ اسْمَهَا) كَجَعْلِ حَمَّامٍ دَارًا (أَوْ مَسْجِدًا وَصَلَّى فِيهِ صَحَّتْ) لِزَوَالِ الْمَانِعِ.
وَكَذَا لَوْ نُبِشَتْ قُبُورٌ غَيْرُ مُحْتَرَمَةٍ وَحُوِّلَ مَا فِيهَا مِنْ الْمَوْتَى، وَجُعِلَتْ مَسْجِدًا لِقِصَّةِ مَسْجِدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " (وَكَمَقْبَرَةٍ) فِي الصَّلَاةِ

فِيهَا (مَسْجِدٌ حَدَثَ بِهَا) أَيْ الْمَقْبَرَةِ فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهِ، سِوَى صَلَاةِ جِنَازَةٍ أَوْ لِعُذْرٍ.
قَالَ الْآمِدِيُّ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْجِدِ الْقَدِيمِ وَالْحَدِيث انْتَهَى.
وَإِنْ حَدَثَتْ الْقُبُورُ بَعْدَهُ، حَوْلَهُ أَوْ فِي قِبْلَتِهِ، كُرِهَتْ الصَّلَاةُ إلَيْهَا بِلَا حَائِلٍ، وَفِي الْهَدْيِ: لَوْ وُضِعَ الْقَبْرُ وَالْمَسْجِدُ مَعًا.
لَمْ يَجُزْ وَلَمْ يَصِحَّ الْوَقْفُ وَلَا الصَّلَاةُ اهـ. وَلَوْ حَدَثَ طَرِيقٌ بَعْدَ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ صَحَّتْ فِيهِ (وَلَا يَصِحُّ فَرْضُ) الصَّلَاةِ (فِي الْكَعْبَةِ وَلَا عَلَى ظَهْرِهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144] وَالشَّطْرُ: الْجِهَةُ وَالْمُصَلِّي فِيهَا أَوْ عَلَى سَطْحِهَا غَيْرُ مُسْتَقْبِلٍ لِجِهَتِهَا، وَلِأَنَّهُ يَسْتَدْبِرُ مِنْ الْكَعْبَةِ مَا لَوْ اسْتَقْبَلَهُ مِنْهَا خَارِجَهَا صَحَّتْ، وَلِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى ظَهْرِهَا وَرَدَ صَرِيحًا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ السَّابِقِ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا، لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْمَعْنَى وَالْجِدَارُ لَا أَثَرَ لَهُ إذْ الْمَقْصُود الْبُقْعَةُ ; لِأَنَّهُ يُصَلِّي إلَيْهَا حَيْثُ لَا جِدَارَ (إلَّا إذَا وَقَفَ) الْمُصَلِّي (عَلَى مُنْتَهَاهَا بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ وَرَاءَهُ شَيْءٌ) مِنْهَا (أَوْ) وَقَفَ (خَارِجَهَا) أَيْ الْكَعْبَةِ (وَسَجَدَ فِيهَا) فَيَصِحُّ فَرْضُهُ، لِأَنَّهُ مُسْتَقْبِلٌ لِطَائِفَةٍ مِنْ الْكَعْبَةِ غَيْرُ مُسْتَدْبِرٍ لِشَيْءٍ مِنْهَا، كَمَا لَوْ صَلَّى إلَى أَحَدِ أَرْكَانِهَا (وَتَصِحُّ نَافِلَةٌ) فِي الْكَعْبَةِ وَعَلَيْهَا.
(وَ) تَصِحُّ (مَنْذُورَةٌ فِيهَا وَعَلَيْهَا) وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ شَاخِصٌ مُتَّصِلٌ بِهَا، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيْتَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ فَلَمَّا فَتَحُوا كُنْت أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ، فَلَقِيت بِلَالًا، فَسَأَلْته: هَلْ صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْكَعْبَةِ؟ قَالَ: رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ، عَنْ يَسَارِك إذَا دَخَلْت، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى فِي وَجْهِ الْكَعْبَةِ رَكْعَتَيْنِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ، وَلَا يُعَارِضُهُ رِوَايَتُهُمَا أَيْضًا عَنْ أُسَامَةَ، وَلَا رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُصَلِّ فِي الْكَعْبَةِ» ; لِأَنَّ الدُّخُولَ كَانَ مَرَّتَيْنِ، فَلَمْ يُصَلِّ فِي الْأَوْلَى وَصَلَّى فِي الثَّانِيَةِ، كَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ.
وَأُلْحِقَ النَّذْرُ بِالنَّفْلِ، وَفِي الِاخْتِيَارَاتِ: النَّذْرُ الْمُطْلَقُ يُحْذَى بِهِ حَذْوَ الْفَرَائِضِ (مَا لَمْ يَسْجُدْ عَلَى مُنْتَهَاهَا) أَيْ الْكَعْبَةِ فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ مُطْلَقًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَقْبِلْهَا فِيهِ (وَيُسَنُّ نَفْلُهُ) أَيْ تَنَفُّلُهُ بِالصَّلَاةِ (فِيهَا) أَيْ الْكَعْبَةِ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) يُسَنُّ أَيْضًا نَفْلُهُ (فِي الْحِجْرِ، وَهُوَ مِنْهَا) أَيْ الْكَعْبَةِ نَصًّا.
لِخَبَرِ عَائِشَةَ (وَقَدْرُهُ) أَيْ الْحِجْرِ الدَّاخِلِ فِي حُدُودِ الْبَيْتِ (سِتَّةُ أَذْرُعٍ وَشَيْءٌ) فَلَا يَصِحُّ

اسْتِقْبَالُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ، لَكِنْ يَطُوفُ مِنْ وَرَائِهِ جَمِيعِهِ احْتِيَاطًا (وَيَصِحُّ التَّوَجُّهُ إلَيْهِ) أَيْ الْحِجْرِ (مُطْلَقًا) أَيْ مِنْ مَكِّيٍّ وَغَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ مِنْ الْكَعْبَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الصَّلَاةُ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا (وَالْفَرْضُ فِيهِ) أَيْ الْحِجْرِ (كَدَاخِلِهَا) أَيْ الْكَعْبَةِ، لَا يَصِحُّ إلَّا إذَا وَقَفَ عَلَى مُنْتَهَاهُ وَلَمْ يَبْقَ وَرَاءَهُ شَيْءٌ.
أَوْ وَقَفَ خَارِجَهُ وَسَجَدَ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْكَعْبَةِ.
قَالَ أَحْمَدُ: الْحِجْرُ مِنْ الْبَيْتِ (وَتُكْرَهُ) الصَّلَاةُ (بِأَرْضِ الْخَيْفِ) لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ مَسْخُوطٌ عَلَيْهِ، وَكَذَا كُلُّ بُقْعَةٍ نَزَلَ بِهَا عَذَابٌ، كَأَرْضِ بَابِلَ وَالْحِجْرِ وَمَسْجِدِ الضِّرَارِ، وَتُكْرَهُ أَيْضًا فِي مَقْصُورَةٍ تُحْمَى نَصًّا.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لِأَنَّهَا كَانَتْ تَخْتَصُّ بِالظَّلَمَةِ وَقَالَ أَحْمَدُ مَا سَمِعْت فِي الرَّحَى بِشَيْءٍ، وَتَصِحُّ فِي أَرْضِ السِّبَاخِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَلَا تُكْرَهُ (بِبَيْعَةٍ وَكَنِيسَةٍ) وَلَوْ مَعَ صُوَرٍ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَيْسَتْ مِلْكًا لِأَحَدٍ وَلَيْسَ لَهُمْ مَنْعُ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ، لِأَنَّا صَالَحْنَاهُمْ عَلَيْهِ، وَلَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ.
وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ، وَلَوْ مَزْرُوعَةً، أَوْ عَلَى مُصَلَّاهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، بِلَا غَصْبٍ وَلَا ضَرَرٍ.

[بَابٌ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ]

ِ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: «وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ» قَالَ عَلِيٌّ: شَطْرُهُ قِبَلُهُ.
وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغْ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ» وَلِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي أَهْلِ قُبَاءَ لَمَّا حُوِّلَتْ الْقِبْلَةُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَأَصْلُ الْقِبْلَةِ لُغَةً: الْحَالَةُ الَّتِي يُقَابِلُ الشَّيْءَ غَيْرُهُ عَلَيْهَا، كَالْجِلْسَةِ ثُمَّ صَارَتْ كَالْعَلَمِ لِلْجِهَةِ الَّتِي يَسْتَقْبِلُهَا الْمُصَلِّي لِإِقْبَالِ النَّاسِ عَلَيْهَا، «وَصَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِالْمَدِينَةِ نَحْوَ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا» اُخْتُلِفَ فِي صَلَاتِهِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَقَدْ ذَكَرْت بَعْضَهُ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ (مَعَ الْقُدْرَةِ) عَلَيْهِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ كَالْمَرْبُوطِ وَالْمَصْلُوبِ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ وَالْعَاجِزِ عَنْ الِالْتِفَاتِ لِلْقِبْلَةِ، لِمَرَضٍ أَوْ مَنْعِ مُشْرِكٍ وَنَحْوِهِ عِنْدَ الْتِحَامِ حَرْبٍ، أَوْ هَرَبٍ مِنْ عَدُوٍّ، أَوْ سَيْلٍ أَوْ سَبُعٍ وَنَحْوِهِ سَقَطَ الِاسْتِقْبَالُ وَصَلَّى عَلَى حَالِهِ لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (إلَّا فِي نَفْلِ مُسَافِرٍ وَلَوْ) كَانَ

(مَاشِيًا) فَيُصَلِّي لِجِهَةِ سَيْرِهِ عَلَى مَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ لِلْخَبَرِ فِي الرَّاكِبِ وَيَأْتِي.
وَأُلْحِقَ بِهِ الْمَاشِي، لِمُسَاوَاتِهِ لَهُ فِي خُسُوفِ الِانْقِطَاعِ عَنْ الْقَافِلَةِ فِي السَّفَرِ (سَفَرًا مُبَاحًا) أَيْ غَيْرَ مَكْرُوهٍ وَلَا مُحَرَّمٍ.
لِأَنَّ نَفْلَهُ كَذَلِكَ رُخْصَةٌ، وَهِيَ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي (وَلَوْ) كَانَ السَّفَرُ (قَصِيرًا) نَصَّ عَلَيْهِ، فِيمَا دُونَ فَرْسَخٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 115] قَالَ ابْنُ عُمَرَ " نَزَلَتْ فِي التَّطَوُّعِ خَاصَّةً " وَلِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ يُومِئُ بِرَأْسِهِ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِلْبُخَارِيِّ " إلَّا الْفَرَائِضَ " وَلِأَنَّ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ فِي التَّطَوُّعِ، لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى تَقْلِيلِهِ أَوْ قَطْعِهِ فَاسْتَوَيَا فِيهِ.
و (لَا) يَسْقُطُ الِاسْتِقْبَالُ فِي نَفْلِ رَاكِبٍ (تَعَاسِيفَ) وَهُوَ رُكُوبُ الْفَلَاةِ وَقَطْعِهَا عَلَى غَيْرِ صَوْبٍ، كَمَا لَا يَقْصُرُ وَلَا يُفْطِرُ بِرَمَضَانَ (لَكِنْ إنْ لَمْ يُعْذَرْ مَنْ عَدَلَتْ بِهِ دَابَّتُهُ) إلَى غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ، بِأَنْ عَلِمَ بِعُدُولِهَا وَقَدَرَ عَلَى رَدِّهَا وَلَمْ يَفْعَل بَطَلَتْ.
(أَوْ عَدَلَ هُوَ إلَى غَيْرِهَا) أَيْ لِقِبْلَةٍ (عَنْ جِهَةِ سَيْرِهِ مَعَ عِلْمِهِ) بِعُدُولِهِ بَطَلَتْ، لِأَنَّهُ تَرَكَ قِبْلَتَهُ عَمْدًا، وَسَوَاءٌ طَالَ عُدُولُهُ أَوْ لَا (أَوْ عُذِرَ) مَنْ عَدَلَتْ بِهِ دَابَّتُهُ، لِعَجْزِهِ عَنْهَا لِجِمَاحِهَا أَوْ نَحْوِهِ، أَوْ عُذِرَ مَنْ عَدَلَ إلَى غَيْرِهَا لِغَفْلَةٍ أَوْ نَوْمٍ أَوْ جَهْلٍ أَوْ ظَنَّ أَنَّهَا جِهَةُ سَيْرِهِ (وَطَالَ) عُدُولُ دَابَّتِهِ أَوْ عُدُولُهُ عُرْفًا (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ ; لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَمَلِ الْكَثِير مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ، فَيُبْطِلُهَا عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ.
فَإِنْ كَانَ عُذْرٌ وَلَمْ يَطُلْ لَمْ تَبْطُلْ ; لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَمَلِ الْيَسِيرِ، وَإِنْ كَانَ عُذْرُهُ لِسَهْوٍ سَجَدَ لَهُ وَيُعَايَا بِهَا، فَيُقَالُ: شَخْصٌ سَجَدَ بِفِعْلِ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ إمَامًا لَهُ، وَإِنْ كَانَ الْعُدُولُ إلَى الْقِبْلَةِ لَمْ تَبْطُلْ أَيْضًا ; لِأَنَّ التَّوَجُّهَ إلَيْهَا هُوَ الْأَصْلُ، وَإِذَا دَاسَ نَجَاسَةً عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، لَا إنْ دَاسَهَا مَرْكُوبُهُ (وَإِنْ وَقَفَ) الْمُسَافِرُ الْمُتَنَفِّلُ لِجِهَةِ سَيْرِهِ (لِتَعَبِ دَابَّتِهِ، أَوْ) وَقَفَ (مُنْتَظِرًا رُفْقَةً، أَوْ) وَقَفَ لِكَوْنِهِ (لَمْ يَسِرْ لِسَيْرِهِمْ) أَيْ الرُّفْقَةِ (أَوْ نَوَى النُّزُولَ بِبَلَدٍ دَخَلَهُ، أَوْ نَزَلَ فِي أَثْنَائِهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (اسْتَقْبَلَ) الْقِبْلَةَ (وَيُتِمُّهَا) أَيْ الصَّلَاةَ كَالْخَائِفِ يَأْمَنُ فِي أَثَنَاء الصَّلَاةِ (وَيَصِحُّ) أَيْ يَنْعَقِدُ (نَذْرُ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا) أَيْ الرَّاحِلَةِ، بِأَنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ مَثَلًا عَلَى رَاحِلَتِهِ فَيَنْعَقِدُ نَذْرُهُ (وَإِنْ رَكِبَ مَاشٍ) مُتَنَفِّلٌ (فِي نَفْلٍ أَتَمَّهُ) رَاكِبًا ; لِأَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ حَالَةٍ مُخْتَلَفٍ فِي التَّنَفُّلِ فِيهَا إلَى حَالَةٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِيهَا، مَعَ كَوْنِ

كُلٍّ مِنْهَا حَالَةَ سَيْرٍ (وَتَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِرُكُوبِ غَيْرِهِ) أَيْ الْمَاشِي، فَلَوْ تَنَفَّلَ النَّازِلُ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ، وَرَكِبَ فِي أَثَنَاءِ نَفْلِهِ.
بَطَلَ، سَوَاءٌ كَانَ يُصَلِّي قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا ; لِأَنَّ حَالَتَهُ حَالَةُ إقَامَةٍ، فَرُكُوبُهُ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ (وَ) يَجِبُ (عَلَى) مُسَافِرٍ (مَاشٍ) يَتَنَفَّلُ (إحْرَامٌ إلَى الْقِبْلَةِ وَرُكُوعٌ وَسُجُودٌ إلَيْهَا) بِالْأَرْضِ، لِتَيَسُّرِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَيَفْعَلُ مَا سِوَاهُ إلَى جِهَةِ سَيْرِهِ.
وَصَحَّحَ الْمَجْدُ: يُومِئُ بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ إلَى جِهَةِ سَيْرِهِ كَرَاكِبٍ (وَيَسْتَقْبِلُ) الْقِبْلَةَ مُتَنَفِّلٌ (رَاكِبٌ) فِي كُلِّ صَلَاتِهِ (وَيَرْكَعُ وَيَسْجُدُ) وُجُوبًا (إنْ أَمْكَنَ) ذَلِكَ (بِلَا مَشَقَّةٍ) كَرَاكِبِ الْمِحَفَّةِ الْوَاسِعَةِ وَالسَّفِينَةِ وَالرَّاحِلَةِ الْوَاقِفَةِ ; لِأَنَّهُ كَالْمُقِيمِ فِي عَدَمِ الْمَشَقَّةِ.
فَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَدُورَ فِي السَّفِينَةِ وَالْمِحَفَّةِ إلَى الْقِبْلَةِ فِي الْفَرْضِ لَزِمَهُ نَصًّا، غَيْرَ مَلَّاحٍ لِحَاجَتِهِ.
وَإِنْ أَمْكَنَهُ الِافْتِتَاحُ إلَى الْقِبْلَةِ دُونَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، أَتَى بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ وَأَوْمَأَ بِهِمَا لِحَدِيثِ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا سَافَرَ، فَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ الْقِبْلَةَ، فَكَبَّرَ، ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ وَجَّهَهُ رِكَابُهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ، كَرَاكِبِ بَعِيرٍ مَقْطُورٍ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الِاسْتِدَارَةُ بِنَفْسِهِ، أَوْ رَاكِبِ حَرُونٍ تَصْعُبُ عَلَيْهِ إدَارَتُهُ، وَلَا يُمْكِنُهُ رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ (فَ) يُحْرِمُ (إلَى جِهَةِ سَيْرِهِ وَيُومِئُ) بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ.
(وَيَلْزَمُ قَادِرًا) عَلَى الْإِيمَاءِ (جَعْلُ سُجُودِهِ أَخْفَضَ) مِنْ رُكُوعِهِ.
لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَاجَةٍ فَجِئْت وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَالسُّجُودُ أَخْفَضُ مِنْ الرُّكُوعِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (و) تَلْزَمُهُ (الطُّمَأْنِينَةُ) لِأَنَّهَا رُكْنٌ قَدَرَ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ فَلَزِمَهُ، كَمَا لَوْ كَانَ بِالْأَرْضِ.
وَتَجُوزُ صَلَاةُ النَّافِلَةِ مِنْ وِتْرٍ وَغَيْرِهِ لِلْمُسَافِرِ عَلَى الْبَعِيرِ وَالْفَرَسِ وَالْبَغْلِ وَالْحِمَارِ وَنَحْوِهَا.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ «رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ، وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إلَى خَيْبَرَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ طَهَارَةُ مَا تَحْتَ الرَّاكِبِ مِنْ نَحْوِ بَرْذَعَةِ، وَإِنْ كَانَ الْحَيَوَانُ نَجِسَ الْعَيْنِ وَلَا كَرَاهَةَ هُنَا لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ كَمَا صَحَّحَهُ الْمَجْدُ، وَلِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ «أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي عَلَى حِمَارِهِ: النَّفَلَ» وَرَاكِبُ الْقُمَارِيَّةِ يَدُورُ فِيهَا إلَى الْقِبْلَةِ فِي الْفَرْضِ، كَرَاكِبِ السَّفِينَةِ.

[فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا يَجِبُ اسْتِقْبَالُهُ وَأَدِلَّةُ الْقِبْلَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا]

(وَفَرْضُ مَنْ قَرُبَ مِنْهَا) أَيْ الْكَعْبَةِ: وَهُوَ مَنْ يُمْكِنُهُ الْمُشَاهَدَةُ أَوْ مَنْ يُخْبِرُهُ عَنْ يَقِينٍ إصَابَةُ عَيْنِ الْكَعْبَةِ بِبَدَنِهِ، بِحَيْثُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ عَنْهَا، فَإِنْ كَانَ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، أَوْ عَلَى ظَهْرِهِ، فَظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ خَارِجَهُ فَإِنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ بِنَظَرِهِ أَوْ عِلْمِهِ، أَوْ خَبَرِ عَالِمٍ بِهِ، فَإِنَّ مَنْ نَشَأَ بِمَكَّةَ أَوْ أَقَامَ بِهَا كَثِيرًا يُمْكِنُهُ الْيَقِينُ فِي ذَلِكَ، وَلَوْ مَعَ حَائِلٍ حَادِثٍ كَالْأَبْنِيَةِ (أَوْ) أَيْ وَفَرْضُ مَنْ قَرُبَ (مِنْ مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إصَابَةُ الْعَيْنِ بِبَدَنِهِ) لِأَنَّ قِبْلَتَهُ مُتَيَقَّنَةُ الصِّحَّةِ ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُقِرُّ عَلَى الْخَطَأِ.
وَرَوَى أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ «أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ قِبَلَ الْقِبْلَةِ وَقَالَ: هَذِهِ الْقِبْلَةُ» قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ صَلَاةَ الصَّفِّ الْمُسْتَطِيلِ فِي مَسْجِدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَحِيحَةٌ مَعَ خُرُوجِ بَعْضِهِمْ عَنْ اسْتِقْبَالِ عَيْنِ الْكَعْبَةِ، لِكَوْنِ الصَّفِّ أَطْوَلَ مِنْهَا.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُقِرُّ عَلَى الْخَطَأِ: صَحِيحٌ لَكِنْ إنَّمَا الْوَاجِبُ عَلَيْهِ اسْتِقْبَالُ الْجِهَةِ، وَقَدْ فَعَلَهُ، وَهُوَ الْجَوَابُ عَنْ الْحَدِيث الْمَذْكُورِ انْتَهَى.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِمْ: فَرْضُهُ: اسْتِقْبَالُ الْعَيْنِ، أَيْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا قَرُبَ مِنْهُ الِانْحِرَافُ عَنْهُ يَمْنَةً وَلَا يَسْرَةً، كَمَنْ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ; لِأَنَّ قِبْلَتَهُ بِالنَّصِّ فَلَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ: قَالَ النَّاظِمُ: وَفِي مَعْنَاهُ أَيْ مَسْجِدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّ مَوْضِعٍ ثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِيهِ إذَا ضُبِطَتْ جِهَتُهُ (وَلَا يَضُرُّ عُلُوٌّ) عَنْ الْكَعْبَةِ، كَالْمُصَلِّي عَلَى جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ.
(وَ) لَا يَضُرُّ (نُزُولٌ) عَنْهَا، كَمَنْ فِي حُفْرَةٍ فِي الْأَرْضِ، فَنَزَلَ بِهَا عَنْ مُسَامَتَتِهَا، لِأَنَّ الْجِدَارَ لَا أَثَرَ لَهُ، وَالْمَقْصُود الْبُقْعَةُ وَهَوَاؤُهَا.
وَلِذَلِكَ يُصَلِّي إلَيْهَا حَيْثُ لَا جِدَارَ (إلَّا إنْ تَعَذَّرَ) عَلَى مَنْ قَرُبَ مِنْ الْكَعْبَةِ إصَابَةُ عَيْنِهَا (بِحَائِلٍ أَصْلِيٍّ كَجَبَلٍ) كَالْمُصَلِّي خَلْفَ أَبِي قُبَيْسٍ (فَ) إنَّهُ (يَجْتَهِدُ إلَى عَيْنِهَا) لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . وَالْأَعْمَى أَوْ الْغَرِيبُ إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ بِنَحْوِ دَارٍ بِمَكَّةَ: فَرْضُهُ الْخَبَرُ عَنْ يَقِينٍ.
وَلَيْسَ لَهُ الِاجْتِهَادُ، كَالْحَاكِمِ يَجِدُ النَّصَّ (وَ) فَرْضُ (مَنْ بَعُدَ) عَنْ الْكَعْبَةِ وَمَسْجِدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ و (هُوَ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمُعَايَنَةِ) كَذَلِكَ و (لَا) يَقْدِرُ (عَلَى مَنْ يُخْبِرُهُ) بِالْيَقِينِ (عَنْ عِلْمِ إصَابَةِ الْجِهَةِ) أَيْ جِهَةِ الْكَعْبَةِ (بِالِاجْتِهَادِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ»

رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَلِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الِاثْنَيْنِ الْمُتَبَاعِدَيْنِ يَسْتَقْبِلَانِ قِبْلَةً وَاحِدَةً وَعَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الصَّفِّ الطَّوِيلِ عَلَى خَطٍّ مُسْتَوٍ لَا يُقَالُ: مَعَ الْبُعْدِ يَتَّسِعُ الْمُحَاذِي لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَّسِعُ مَعَ التَّقَوُّسِ، لَا مَعَ عَدَمِهِ (وَيُعْفَى عَنْ انْحِرَافٍ يَسِيرٍ) يَمْنَةً وَيَسْرَةً، لِلْخَبَرِ، وَإِصَابَةُ الْعَيْنِ بِالِاجْتِهَادِ مُتَعَذِّرَةٌ.
فَسَقَطَتْ وَأُقِيمَتْ الْجِهَةُ مَقَامَهَا لِلضَّرُورَةِ (فَإِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ) أَيْ مَعْرِفَةُ فَرْضِهِ، مِنْ عَيْنٍ أَوْ جِهَةٍ (بِخَبَرِ مُكَلَّفٍ عَدْلٍ ظَاهِرًا وبَاطِنًا) حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً (عَنْ يَقِينٍ) وَلَوْ أَخْبَرَهُ بِالْمَشْرِقِ أَوْ الْمَغْرِبِ، أَوْ نَجْمٍ، فَأَخَذَ الْقِبْلَةَ مِنْهُ لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِهِ وَلَمْ يَجْتَهِدْ كَالْحَاكِمِ يَجِدُ النَّصَّ.
وَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِخَبَرِ صَغِيرٍ، وَلَا فَاسِقٍ وَلَا عَدْلٍ أَخْبَرَ عَنْ اجْتِهَادٍ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: يَصِحُّ التَّوَجُّهُ إلَى قِبْلَتِهِ ; أَيْ الْفَاسِقِ فِي بَيْتِهِ.
وَفِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: قُلْت: إنْ كَانَ هُوَ عَمِلَهَا فَهُوَ كَإِخْبَارِهِ بِهَا وَإِنْ شَكَّ فِي حَالِهِ قُبِلَ فِي قَوْلِهِ فِي الْأَصَحِّ.
لَا إنْ شَكَّ فِي إسْلَامِهِ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ (أَوْ) أَمْكَنَهُ (الِاسْتِدْلَال) عَلَى الْقِبْلَةِ (بِمَحَارِيبَ عُلِمَ أَنَّهَا لِلْمُسْلِمِينَ) عُدُولًا كَانُوا أَوْ فُسَّاقًا (لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِهِ) لِأَنَّ اتِّفَاقَهُمْ عَلَيْهَا مَعَ تَكْرَارِ الْأَعْصَارِ إجْمَاعٌ عَلَيْهَا.
وَإِنْ وَجَدَ مَحَارِيبَ وَلَمْ يَعْلَمْهَا لِلْمُسْلِمِينَ لَمْ يَعْمَلْ بِهَا، وَإِنْ كَانَ بِقَرْيَةٍ وَلَمْ يَجِدْ مَحَارِيبَ يَعْمَلُ بِهَا لَزِمَهُ السُّؤَالُ.
(وَمَتَى اشْتَبَهَتْ) الْقِبْلَةُ (سَفَرًا) وَحَانَ وَقْتُ الصَّلَاةِ (اُجْتُهِدَ فِي طَلَبِهَا) وُجُوبًا (بِالدَّلَائِلِ) جَمْعِ دَلِيلٍ بِمَعْنَى دَالٍّ، لِأَنَّ مَا وَجَبَ اتِّبَاعُهُ عِنْدَ وُجُودِهِ وَجَبَ الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ عِنْدَ خَفَائِهِ، كَالْحَاكِمِ فِي الْحَادِثَةِ (وَيُسْتَحَبُّ تَعَلُّمُهَا) أَيْ أَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ (مَعَ أَدِلَّةِ الْوَقْتِ) وَلَمْ يَجِبْ لِنُدْرَتِهِ (فَإِنْ دَخَلَ) الْوَقْتُ (وَخَفِيَتْ عَلَيْهِ) أَدِلَّةُ الْقِبْلَةِ (لَزِمَهُ) تَعَلُّمُهَا لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ مَعَ قِصَرِ زَمَنِهِ، فَإِنْ صَلَّى قَبْلَهُ لَمْ تَصِحَّ، ذَكَرَهُ فِي الشَّارِحِ (وَيُقَلِّدُ لِضَيْقِهِ) أَيْ الْوَقْتِ عَنْ تَعَلُّمِ الْأَدِلَّةِ.
وَلَا يُعِيدُ: لِأَنَّ الِاسْتِقْبَالَ يَجُوزُ تَرْكُهُ لِلضَّرُورَةِ كَشِدَّةِ الْخَوْفِ، بِخِلَافِ الطَّهَارَةِ، وَالدَّلِيلُ هُنَا: أُمُورٌ، أَصَحُّهَا النُّجُومُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: 16] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿جَعَلَ لَكُمْ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا﴾ [الأنعام: 97] وَقَالَ عُمَرُ " تَعَلَّمُوا مِنْ النُّجُومِ مَا تَعْرِفُونَ بِهِ الْقِبْلَةَ وَالطَّرِيقَ " وَقَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَحْمَدَ: مَا تَرَى فِي تَعَلُّمِ هَذِهِ النُّجُومِ، الَّتِي يُعْلَمُ بِهَا

كَمْ مَضَى مِنْ النَّهَارِ، وَكَمْ يَبْقَى؟ فَقَالَ: مَا أَحْسَنَ تَعَلُّمَهَا (وَأَثْبَتُهَا الْقُطْبُ) بِتَثْلِيثِ الْقَافِ، حَكَاهُ ابْنُ سِيدَهْ لِأَنَّهُ لَا يَزُولُ عَنْ مَكَانِهِ وَيُمْكِنُ كُلُّ أَحَدٍ مَعْرِفَتُهُ، وَيَلِيه الْجَدْيُ (وَهُوَ) أَيْ الْقُطْبُ (نَجْمٌ) خَفِيٌّ شَمَالِيٌّ يَرَاهُ حَدِيدُ الْبَصَرِ إذَا لَمْ يَقْوَ نُورُ الْقَمَرِ وَحَوْلَهُ أَنْجُمٌ دَائِرَةٌ كَفَرَاشَةِ الرَّحَا فِي أَحَدِ طَرَفَيْهَا الْفَرْقَدَانِ، وَفِي الْأُخْرَى الْجَدْيُ، وَحَوْلَهَا بَنَاتُ نَعْشٍ مِمَّا يَلِي الْفَرْقَدَيْنِ، تَدُورُ حَوْلَهَا (يَكُونُ) الْقُطْبُ (وَرَاءَ ظَهْرِ الْمُصَلِّي بِالشَّامِ وَمَا حَاذَاهَا) كَالْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ وَسَائِرِ الْجَزِيرَةِ لَا تَتَفَاوَتُ فِي ذَلِكَ إلَّا تَفَاوُتًا يَسِيرًا مَعْفُوًّا عَنْهُ، ذَكَرَهُ الْمَجْدُ (وَ) يَكُونُ الْقُطْبُ مِنْ الْمُصَلِّي (خَلْفَ أُذُنِهِ الْيُمْنَى بِالْمَشْرِقِ) ، وَيَكُونُ الْقُطْبُ مِنْ الْمُصَلِّي (عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ بِمِصْرَ وَمَا وَالَاهَا) مِنْ الْبِلَاد (وَ) مِنْ دَلِيلِ الْقِبْلَةِ (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَمَنَازِلُهُمَا وَمَا يَقْتَرِنُ بِهَا) أَيْ بِمَنَازِلِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ (وَمَا يُقَارِبُهَا، كُلُّهَا تَطْلُعُ مِنْ الْمَشْرِقِ وَتَغْرُبُ بِالْمَغْرِبِ) وَالْمَنَازِلُ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ شَامِيَّةً تَطْلُعُ مِنْ وَسَطِ الْمَشْرِقِ مَائِلَةً عَنْهُ إلَى الشِّمَالِ أَوَّلُهَا السَّرَطَانُ، وَآخِرُهَا السِّمَاكُ.
وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ يَمَانِيَّةٌ، تَطْلُعُ مِنْ الْمَشْرِقِ مَائِلَةً إلَى الْيَمِينِ، وَلِكُلِّ نَجْمٍ مِنْ الشَّامِيَّةِ رَقِيبٌ مِنْ الْيَمَانِيَّةِ، إذَا طَلَعَ أَحَدُهُمَا غَابَ رَقِيبُهُ.
فَأَوَّلُ الْيَمَانِيَّةِ وَآخِرُ الشَّامِيَّةِ يَطْلُعُ مِنْ وَسَطِ الْمَشْرِقِ، وَلِكُلِّ نَجْمٍ مِنْ هَذِهِ النُّجُومِ نُجُومٌ تُقَارِبُهُ وَتَسِيرُ بِسَيْرِهِ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، يَكْثُرُ عَدَدُهَا، فَحُكْمُهَا حُكْمُهُ، يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَيْهِ.
وَعَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
(وَ) مِنْ دَلَائِلِ الْقِبْلَةِ (الرِّيَاحُ) قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: الِاسْتِدْلَال بِهَا ضَعِيفٌ (وَأُمَّهَاتُهَا) أَيْ الرِّيَاحِ (أَرْبَعٌ) أَحَدهَا (الْجَنُوبُ، وَمَهَبُّهَا: قِبْلَةُ أَهْلِ الشَّامِ مِنْ مَطْلَعِ سُهَيْلٍ) وَهُوَ نَجْمٌ كَبِيرٌ مُضِيءٌ يَطْلُعُ مِنْ مَهَبِّ الْجَنُوبِ ثُمَّ يَسِيرُ حَتَّى يَصِيرَ فِي قِبْلَةِ الْمُصَلِّي، وَيَتَجَاوَزَهَا حَتَّى يَغْرُبَ بِقُرْبِ مَهَبِّ الدَّبُورِ (إلَى مَطْلَعِ الشَّمْسِ فِي الشِّتَاءِ.
و) مَهَبُّهَا (بِالْعِرَاقِ إلَى بَطْنِ كَتِفِ الْمُصَلِّي الْيُسْرَى مَارَّةً إلَى يَمِينِهِ، و) الثَّانِيَةُ مِنْ أُمَّهَاتِ الرِّيَاحِ (الشَّمَالُ: مُقَابِلَتُهَا) أَيْ الْجَنُوبِ، تَهُبُّ إلَى مَهَبّه (وَمَهَبُّهَا) أَيْ الشَّمَالِ (مِنْ الْقُطْبِ إلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ فِي الصَّيْفِ، وَ) الثَّالِثَةُ مِنْ أُمَّهَاتِ الرِّيَاحِ (الصَّبَا، وَتُسَمَّى الْقَبُولَ) لِأَنَّهَا تُقَابِلُ بَابَ الْكَعْبَةِ.
وَمَهَبُّهَا (مِنْ يَسْرَةِ الْمُصَلِّي بِالشَّامِ.
لِأَنَّهُ) أَيْ مَهَبُّهَا (مِنْ مَطْلَعِ الشَّمْسِ صَيْفًا إلَى مَطْلَعِ الْعَيُّوقِ) نَجْمٌ أَحَمَرُ مُضِيءٌ فِي طَرَفِ الْمَجَرَّةِ

الْأَيْمَنِ، يَتْلُو الثُّرَيَّا لَا يَتَقَدَّمُهَا (وَ) مَهَبُّهَا (بِالْعِرَاقِ إلَى خَلْفِ أُذُنِ الْمُصَلِّي الْيُسْرَى، مَارَّةً إلَى يَمِينِهِ، وَ) الرَّابِعَةُ مِنْ أُمَّهَاتِ الرِّيَاحِ (الدَّبُورُ مُقَابِلَتُهَا) أَيْ الصَّبَا سُمِّيَتْ دَبُورًا ; لِأَنَّ مَهَبَّهَا مِنْ دُبُرِ الْكَعْبَةِ (لِأَنَّهَا تَهُبُّ) بِالشَّامِ (بَيْنَ الْقِبْلَةِ وَالْمَغْرِبِ وَ) تَهُبُّ (بِالْعِرَاقِ مُسْتَقْبِلَةً شَطْرَ وَجْهِ الْمُصَلِّي الْأَيْمَنِ) وَبَيْنَ كُلِّ رِيحَيْنِ مِنْ الْأَرْبَعِ: رِيحٌ تُسَمَّى النَّكْبَاءَ.
لِتَنَكُّبِهَا طَرِيقَ الرِّيَاحِ الْمَعْرُوفَةِ، وَلِكُلٍّ مِنْ هَذِهِ الرِّيَاحِ: صِفَاتٌ وَخَوَّاصٌ تُمَيِّزُهَا عِنْدَ ذَوِي الْخِبْرَةِ بِهَا، وَإِنَّمَا يَسْتَدِلُّ بِهَا مَنْ عَرَفَهَا فِي الصَّحَارِي وَالْقِفَارِ لَا بَيْنَ الْبُنْيَانِ وَالدُّورِ ; لِأَنَّهَا تَخْتَبِطُ، وَلَا يَنْتَظِمُ دَوَرَانُهَا عَلَى مَهَبِّهَا الْأَصْلِيِّ (وَلَا يَتْبَعُ مُجْتَهِدٌ مُجْتَهِدًا خَالَفَهُ) بِأَنْ ظَهَرَ لِكُلٍّ مِنْهَا جِهَةٌ غَيْرُ الَّتِي ظَهَرَتْ لِلْآخَرِ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَعْتَقِدُ خَطَأَ الْآخَرِ.
فَأَشْبَهَا الْمُجْتَهِدَيْنِ فِي الْحَادِثَةِ إذَا اخْتَلَفَا فِيهَا وَالْمُجْتَهِدَ الْعَالِمَ بِأَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ وَإِنْ جَهِلَ أَحْكَامَ الشَّرْعِ.
(وَلَا يَقْتَدِي) أَيْ لَا يَأْتَمُّ مُجْتَهِدٌ (بِهِ) ، أَيْ بِمُجْتَهِدٍ خَالَفَهُ جِهَةً، كَمَا لَوْ خَرَجَ رِيحٌ مِنْ أَحَدِ اثْنَيْنِ، وَاعْتَقَدَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ مِنْ الْآخَرِ (إلَّا إنْ اتَّفَقَا) فِي الْجِهَةِ.
وَلَوْ مَالَ أَحَدُهُمَا يَمِينًا وَالْآخَرُ شِمَالًا لِلْعَفْوِ عَنْهُ (فَإِنْ) اجْتَهَدَ، أَوْ اتَّفَقَتْ جِهَتُهُمَا وَائْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ ثُمَّ (بَانَ لِأَحَدِهِمَا الْخَطَأُ) فِي اجْتِهَادِهِ (انْحَرَفَ) إلَى الْجِهَةِ الَّتِي تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ إلَيْهَا إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا ; لِأَنَّهَا تَرَجَّحَتْ فِي ظَنِّهِ (وَأَتَمَّ) صَلَاتَهُ، وَلَا يَسْتَأْنِفُهَا ; لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ الْأَوَّلَ لَا يُبْطِلُ الثَّانِيَ (وَيَتْبَعُهُ مَنْ قَلَّدَهُ) فَيَنْحَرِفُ إلَى مَا انْحَرَفَ إلَيْهِ ; لِأَنَّ فَرْضَهُ التَّقْلِيدُ لِعَجْزِهِ عَنْ الِاجْتِهَادِ لِنَفْسِهِ.
وَإِنْ قَلَّدَ اثْنَيْنِ لَمْ يَرْجِعْ بِرُجُوعِ أَحَدِهِمَا (وَيَنْوِي الْمُؤْتَمُّ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ مُجْتَهِدَيْنِ ائْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، ثُمَّ بَانَ لِأَحَدِهِمَا الْخَطَأُ (الْمُفَارَقَةَ) لِإِمَامِهِ لِلْعُذْرِ (وَيَتْبَعُ وُجُوبًا جَاهِلٌ) بِأَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ عَاجِزٌ عَنْ تَعَلُّمِهَا قَبْلَ خُرُوج وَقْتٍ: الْأَوْثَقَ عِنْدَهُ، وَيَتْبَعُ وُجُوبًا و (أَعْمَى، الْأَوْثَقَ عِنْدَهُ) ; لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إصَابَةٍ فِي نَظَرِهِ (وَلَا مَشَقَّةَ) عَلَيْهِ فِي مُتَابَعَتِهِ، بِخِلَافِ تَقْلِيدِ الْعَامِّيِّ الْأَعْلَمِ فِي الْأَحْكَامِ فَإِنْ فِيهِ حَرَجًا وَتَضْيِيقًا.
وَمَا زَالَ عَوَامُّ كُلِّ عَصْرٍ يُقَلِّدُ أَحَدُهُمْ مُجْتَهِدًا فِي مَسْأَلَةٍ، وَآخَرَ فِي أُخْرَى.
وَهَلُمَّ جَرًّا إلَى مَا لَا يُحْصَى وَلَمْ يُنْقَلْ إنْكَارُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ; وَلِأَنَّهُمْ أُمِرُوا بِتَحَرِّي الْأَعْلَمِ وَالْأَفْضَلِ فِي نَظَرِهِمْ.
وَإِنْ أَمْكَنَ أَعْمَى اجْتِهَادٌ بِنَهْرٍ كَبِيرٍ أَوْ رِيحٍ أَوْ جَبَلٍ.
لَزِمَهُ وَلَمْ يُقَلِّدْ (وَيُخَيَّرُ) جَاهِلٌ وَأَعْمَى وَجَدَ مُجْتَهِدَيْنِ فَأَكْثَرَ (مَعَ تَسَاوٍ) بِأَنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ أَفْضَلِيَّةَ وَاحِدٍ عَلَى غَيْرِهِ، فَيَتْبَعُ أَيَّهُمَا شَاءَ (ك) مَا يُخَيَّرُ (عَامِّيٌّ فِي الْفُتْيَا) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ صَلَّى بَصِيرًا حَضَرًا فَأَخْطَأَ، أَوْ) صَلَّى (أَعْمَى بِلَا دَلِيلٍ) مِنْ اسْتِخْبَارِ بَصِيرٍ ; أَوْ اسْتِدْلَالٍ بِلَمْسِ مِحْرَابٍ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْقِبْلَةِ (أَعَادَا) أَيْ الْبَصِيرُ وَالْأَعْمَى وَلَوْ اجْتَهَدَ الْمُخْطِئُ وَلَوْ لَمْ يُخْطِئْ الْقِبْلَةَ ; لِأَنَّ الْحَضَرَ لَيْسَ بِمَحَلِّ الِاجْتِهَادِ، لِقُدْرَةِ مَنْ فِيهِ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِالْمَحَارِيبِ وَنَحْوِهَا، وَلِوُجُودِ الْمُخْبِرِ عَنْ يَقِينٍ غَالِبًا.
فَهُوَ مُفَرِّطٌ، وَكَذَلِكَ الْأَعْمَى ; لِأَنَّ فَرْضَهُ التَّقْلِيدُ أَوْ الِاسْتِدْلَال، وَقَدْ تَرَكَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ (فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لِمُجْتَهِدٍ جِهَةٌ) فِي السَّفَرِ، بِأَنْ تَعَادَلَتْ عِنْدَهُ الْأَمَارَاتُ، وَكَذَا لَوْ مَنَعَهُ مِنْ الِاجْتِهَادِ رَمَدٌ وَنَحْوُهُ، صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ.
وَلَا إعَادَةَ، لِحَدِيثِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَلَمْ نَدْرِ أَيْنَ الْقِبْلَةُ، فَصَلَّى كُلُّ رَجُلٍ حِيَالَهُ فَلَمَّا أَصْبَحْنَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 115] » رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ ; وَلِأَنَّ خَفَاءَ الْقِبْلَةِ فِي الْأَسْفَارِ لِوُجُودِ نَحْوِ غَيْمٍ يَكْثُرُ.
فَيَشُقُّ إيجَابُ الْإِعَادَةِ (أَوْ لَمْ يَجِدْ أَعْمَى) مَنْ يُقَلِّدُهُ (أَوْ) لَمْ يَجِدْ (جَاهِلٌ) بِأَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ (مَنْ يُقَلِّدُهُ، فَتَحَرَّيَا) وَصَلَّيَا.
فَلَا إعَادَةَ ; لِأَنَّهُمَا أَتَيَا بِمَا أُمِرَا بِهِ عَلَى وَجْهِهِ.
فَسَقَطَتْ عَنْهُمَا الْإِعَادَةُ، كَالْعَاجِزِ عَنْ الِاسْتِقْبَالِ (أَوْ أَخْطَأَ مُجْتَهِدٌ قَلَّدَ) جَاهِلٌ مُجْتَهِدًا (فَأَخْطَأَ مُقَلَّدَهُ) بِفَتْحِ اللَّامِ (سَفَرًا) فَصَلَّى إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ (فَلَا إعَادَةَ) عَلَيْهِ ; لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مَنْ قَلَّدَهُ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ حَضَرًا وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلِاجْتِهَادِ (وَيَجِبُ) عَلَى عَالِمٍ بِأَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ (تَحَرٍّ لِكُلِّ صَلَاةٍ) ; لِأَنَّهَا وَاقِعَةٌ مُتَجَدِّدَةٌ.
فَتَسْتَدْعِي طَلَبًا جَدِيدًا، كَطَلَبِ الْمَاءِ فِي التَّيَمُّمِ، وَكَالْحَادِثَةِ لِمُفْتٍ وَمُسْتَفْتٍ (فَإِنْ تَغَيَّرَ) اجْتِهَادُهُ (وَلَوْ فِيهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (عَمِلَ بِ) الِاجْتِهَادِ (الثَّانِي) ; لِأَنَّهُ تَرَجَّحَ فِي ظَنِّهِ.
فَيَسْتَدِيرُ إلَى الْجِهَةِ الَّتِي ظَهَرَتْ لَهُ، (وَبَنَى) عَلَى مَا مَضَى مِنْ الصَّلَاةِ.
نَصًّا وَلَيْسَ مِنْ نَقْضِ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ، بَلْ عَمِلَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا.
كَمَا قَالَ عُمَرُ فِي الْمُشَرَّكَةِ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ " ذَاكَ عَلَى مَا قَضَيْنَاهُ.
وَهَذَا عَلَى مَا نَقْضِي " (وَإِنْ ظَنَّ الْخَطَأَ) بِأَنْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ يُصَلِّي إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ (فَقَطْ) بِأَنْ لَمْ تَظْهَرْ لَهُ جِهَةُ الْقِبْلَةِ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ اسْتِدَامَتُهَا إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ جِهَةٌ يَتَوَجَّهُ إلَيْهَا.
فَتَعَذَّرَ إتْمَامُهَا (وَمَنْ أُخْبِرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (فِيهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (بِالْخَطَأِ) لِلْقِبْلَةِ، وَكَانَ الْإِخْبَارُ (يَقِينًا) وَالْمُخْبِرُ ثِقَةٌ (لَزِمَهُ قَبُولُهُ) أَيْ الْخَبَرِ، فَيَعْمَلُ بِهِ وَيَتْرُكُ الِاجْتِهَادَ كَمَا لَوْ أَخْبَرَهُ قَبْلَهُ

فصول الكتاب · 2 فصل · 691 صفحة
جارٍ التحميل