شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الحجصفحات 342-381

باب الْمَوَاقِيتِ

صفحات 342-381

" لَا يَدْخُلْ مَكَّةَ تَاجِرٌ، وَلَا طَالِبُ حَاجَةٍ إِلَّا وَهُوَ مُحْرِمٌ " رَوَاهُ سَعِيدٌ وَالْأَثْرَمُ وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: " لَا يَدْخُلَنَّ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ مَكَّةَ مِنْ أَهْلِهَا وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ غَيْرَ حَرَامٍ " رَوَاهُ حَرْبٌ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ، وَسَنَتَكَلَّمُ عَلَى أَثَرِ ابْنِ عُمَرَ.
وَأَيْضًا: مَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَطَاوُسٍ قَالَا: " «مَا دَخَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ إِلَّا وَهُمْ مُحْرِمُونَ» ". وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ أَظُنُّهُ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: " «مَا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ إِلَّا مُحْرِمًا إِلَّا عَامَ الْفَتْحِ» ". وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ: " «مَا نَعْلَمُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ مَكَّةَ قَطُّ إِلَّا وَهُمْ

مُحْرِمُونَ» " رَوَاهُنَّ سَعِيدٌ.
وَعَنْ خُصَيْفٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «لَا يُجَاوِزْ أَحَدٌ الْمِيقَاتَ إِلَّا وَهُوَ مُحْرِمٌ إِلَّا مَنْ كَانَ أَهْلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ» " ذَكَرَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ دُونَ الْمَوَاقِيتِ إِلَى مَكَّةَ، أَوْ يَكُونَ وَرَاءَ الْمَوَاقِيتِ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسِنْدِيٍّ: لَا يَدْخُلْ أَحَدٌ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ،

وَقَدْ أَرْخَصَ لِلْحَطَّابِينَ وَالرُّعَاةِ، وَنَحْوِ هَؤُلَاءِ أَنْ يَدْخُلُوا بِغَيْرِ إِحْرَامٍ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: ابْنُ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ بَلَغَ الْمِيقَاتَ فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ دَخَلَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ فَقَالَ: الْمِيقَاتُ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا رَجَعَ لِاضْطِرَابِ النَّاسِ وَالْفِتْنَةِ فَدَخَلَ كَمَا هُوَ.
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُشَدِّدُ فِي ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ: فَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَهَا عَامَ الْفَتْحِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ؟ فَقَالَ: ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الْحَرْبِ أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ: " «حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ» " وَهَذَا يَدْخُلُ مَعَ فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ فِي الرَّجُلِ يُقِيمُ بِمَكَّةَ مُتَمَتِّعًا أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهَا لِبَعْضِ الْحَاجَةِ، فَيُعْجِبُنِي أَنْ لَا يَدْخُلَهَا إِلَّا بِإِحْرَامٍ، وَأَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْهَا أَبَدًا حَتَّى يُوَدِّعَ الْبَيْتَ، فَقَدْ أُمِرَ بِالْإِحْرَامِ كُلُّ دَاخِلٍ إِلَيْهَا مِمَّنْ خَرَجَ عَنْهَا، أَوْ لَمْ يَخْرُجْ سَوَاءٌ كَانَ رُجُوعُهُ إِلَيْهَا مِنَ الْمِيقَاتِ أَوْ مِنْ فَوْقُ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِذَلِكَ تَعْظِيمُ الْحَرَمِ لِشَرَفِهِ وَكَرَامَتِهِ، وَذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ كُلُّ دَاخِلٍ إِلَيْهِ مِمَّنْ قَرُبَتْ دَارُهُ أَوْ بَعُدَتْ؛ وَلِهَذَا يَسْتَوِيَانِ فِي وُجُوبِ الْإِحْرَامِ إِذَا أَرَادَ الْحَجَّ أَوِ الْعُمْرَةَ.
وَأَمَّا نَفْسُ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ فَلَيْسَ بِمُوجِبٍ لِلْإِحْرَامِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ لَمْ يَقْصِدْ مَكَّةَ، وَإِنَّمَا قَصَدَ بَعْضَ أَمَاكِنِ الْحِلِّ.

فَأَمَّا إِنْ قَصَدَهَا مِنْ نَفْسِ الْحَرَمِ: فَلَا إِحْرَامَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَجِيجَ يَدْخُلُونَهَا مِنْ مِنًى بَعْدَ أَنْ حَلُّوا الْحِلَّ كُلَّهُ، وَلَا إِحْرَامَ عَلَيْهِمْ وَاجِبٌ وَلَا مُسْتَحَبٌّ، وَلِأَنَّ الْحَرَمَ كُلَّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ، فَأَشْبَهَ الِانْتِقَالَ فِي طُرُقَاتِ الْقَرْيَةِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ فِيهِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ عَلَى الْقَاطِنِينَ.
فَأَمَّا إِنْ أَرَادَ بَعْضَ مَوَاضِعِ الْحَرَمِ خَارِجَ مَكَّةَ، أَوْ أَرَادَ أَنْ يَخْتَرِقَ الْحَرَمَ ابْنُ سَبِيلٍ، أَوْ أَرَادَ أَنْ يَخْتَرِقَهَا مِنْ غَيْرِ مُقَامٍ .. . فَإِنْ دَخَلَ مَكَّةَ غَيْرَ مُحْرِمٍ لَزِمَهُ قَضَاءُ هَذَا الْإِحْرَامِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: فَإِنْ قَدِمَ مِنْ بَلْدَةٍ بَعِيدَةٍ تَاجِرٌ فَقَدِمَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ قَالَ: يَرْجِعُ إِلَى الْمِيقَاتِ فَيُهِلُّ بِعُمْرَةٍ إِنْ كَانَ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَجِّ، وَإِنْ كَانَ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ: أَهَلَّ بِحَجَّةٍ.
وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ، وَابْنُهُ وَأَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُمْ.
وَذَكَرَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ أَنَّهُ يَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ الدَّمُ، وَهُوَ إِنْ لَمْ يَكُنْ غَلَطًا فِي النُّسْخَةِ فَإِنَّهُ وَهْمٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ تَرَكَ إِحْرَامًا وَاجِبًا.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنُ عَقِيلٍ - فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ - وَغَيْرُهُمَا

مِنْ أَصْحَابِنَا لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَلَا دَمٌ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ مَفْعُولَةٌ لِحُرْمَةِ الْمَكَانِ، فَوَجَبَ أَلَّا تُقْضَى كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ يُرَادُ لِلدُّخُولِ فَإِذَا حَصَلَ الدُّخُولُ بِدُونِهِ لَمْ تُشْرَعْ إِعَادَتُهُ كَالْوُضُوءِ لِصَلَاةِ النَّافِلَةِ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مَشْرُوعَةٌ بِسَبَبٍ فَتَسْقُطُ عِنْدَ فَوَاتِ السَّبَبِ كَصَلَاةِ الْكُسُوفِ.
فَعَلَى هَذَا بِأَيِّ شَيْءٍ يَسْقُطُ؟ هَلْ يَسْقُطُ بِدُخُولِ الْحَرَمِ؟ وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ إِلَى الْمِيقَاتِ؟ فَإِنْ أَحْرَمَ دُونَهُ ... . وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: أَنَّهُ إِحْرَامٌ لَزِمَهُ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْهُ لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ كَالنَّذْرِ الْمُعَيَّنِ، وَلِأَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ عِبَادَةٌ، فَإِنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِفَوَاتِ وَقْتِهَا، بَلْ عَلَيْهِ إِعَادَتُهَا كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ مِنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ خُصُوصًا الْحَجَّ، وَهَذَا لِأَنَّ الْوَاجِبَ الثَّابِتَ فِي الذِّمَّةِ لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهِ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ؛ إِمَّا فِي وَقْتِهِ، وَإِمَّا بَعْدَ وَقْتِهِ، وَعَكْسُهُ مَا لَا يَجِبُ مِنَ النَّوَافِلِ، عَلَى أَنَّا نَقُولُ: النَّوَافِلُ الْمُؤَقَّتَةُ تُقْضَى، وَتَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ مَنْ يَسْتَدِيمُ الْمُكْثَ

وَبَيْنَ مَنْ يَخْرُجُ، فَعَلَى هَذَا ... . فَإِنْ قِيلَ: فَهُوَ إِذَا رَجَعَ إِلَى الْمِيقَاتِ لَزِمَهُ إِحْرَامٌ آخَرُ، قُلْنَا: إِنَّمَا يَلْزَمُهُ الدُّخُولُ بِإِحْرَامٍ سَوَاءٌ كَانَ وَجَبَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَجِبْ.
فَإِنْ أَدَّى بِهَذَا الْإِحْرَامِ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، أَوْ حَجَّةً مَنْذُورَةً فِي سَنَتِهِ أَجْزَأَ عَنْهُ مِنْ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ فِيمَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا، وَهُوَ مَنْصُوصُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ فِيمَنْ دَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، وَهُوَ يُرِيدُ الْحَجَّ فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ وَقْتٌ رَجَعَ إِلَى الْمِيقَاتِ فَأَهَلَّ مِنْهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ كَانَ مَأْمُورًا أَنْ يَدْخُلَ بِإِحْرَامٍ، وَلَوْ أَنَّهُ لِلْحَجِّ الْمَفْرُوضِ فَإِذَا عَادَ فَفَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ فَعَلَ مَا كَانَ مَأْمُورًا بِهِ، وَدُخُولُهُ حَلَالًا لَا يُوجِبُ عَلَيْهِ دَمًا كَمَا لَوْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرُ الْمُحْرِمِ، ثُمَّ رَجَعَ فَأَحْرَمَ مِنْهُ.
وَإِنْ أَخَّرَ الْحَجَّ إِلَى السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لَمْ تُجْزِهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ عَنْهُ، وَلَزِمَهُ حَجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ حَجَّهُ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ لَا يَسُدُّ مَسَدَّ الْإِحْرَامِ فِي

ذَلِكَ الْعَامِ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ الَّذِي لَزِمَهُ بِالدُّخُولِ لَا يُؤَدِّي بِهِ الْحَجَّ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ، وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يُجْزِئَهُ؛ لِأَنَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ تُسْقِطُ مَا عَلَيْهِ مِنْ نَذْرٍ، وَفَاسِدٌ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ عَمَّا وَجَبَ بِالدُّخُولِ: وَقَعَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَمَتَى اعْتَمَرَ فَإِنْ أَحْرَمَ هَذَا بِالْعُمْرَةِ أَوْ بِالْحَجِّ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ لَزِمَهُ دَمٌ، وَإِنَّمَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ بِالدُّخُولِ فَلَوْ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ.

(الْفَصْلُ الثَّانِي) أَنَّ مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ لِقِتَالٍ مُبَاحٍ فَإِنَّهُ لَا إِحْرَامَ عَلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَإِنَّمَا يَجِيءُ عَلَى أَصْلِنَا إِذَا كَانَ هُنَاكَ بُغَاةٌ أَوْ كُفَّارٌ أَوْ مُرْتَدَّةٌ قَدْ بَدَوْا بِالْقِتَالِ فِيهَا، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَبْدَءُوا بِقِتَالٍ لَمْ يَحِلَّ قِتَالُهُمْ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: اقْتُلُوهُ، قَالَ مَالِكٌ: وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَئِذٍ

مُحْرِمًا» " رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ وَلَفْظُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَرَوَاهُ بَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ إِلَّا الْبُخَارِيَّ، وَلَمْ يَقُولُوا بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، وَلِأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلُوا عَامَ الْفَتْحِ كَذَلِكَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا خَاصٌّ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ قَالَ: " «لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِيَ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ» ". قِيلَ: الَّذِي خُصَّ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَوَازُ ابْتِدَاءِ الْقِتَالِ فِيهَا، وَلَمَّا أُبِيحَ لَهُ ذَلِكَ تَرَكَ الْإِحْرَامَ، فَإِذَا أُبِيحَ نَوْعٌ مِنَ الْقِتَالِ لِغَيْرِهِ شَرَكَهُ فِي صِفَةِ الْإِبَاحَةِ ". وَأَيْضًا فَإِنَّ مَنْ أُبِيحَ لَهُ الْقِتَالُ قَدْ أُبِيحَ لَهُ بِهَا سَفْكُ الدَّمِ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ

الْمَحْظُورَاتِ فَلَأَنْ تُبَاحَ لَهُ سَائِرُ الْمَحْظُورَاتِ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى الدُّخُولِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، فَأَشْبَهَ الْحَطَّابَةَ.
وَكَذَلِكَ مَنْ دَخَلَهَا خَائِفًا لِفِتْنَةٍ عَرَضَتْ وَنَحْوِ ذَلِكَ، لِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ: " أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَقْبَلَ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِقُدَيْدٍ جَاءَهُ خَبَرٌ فَرَجَعَ فَدَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ ". وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: " خَرَجَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ مَكَّةَ يُرِيدُ الْمَدِينَةَ، فَلَمَّا بَلَغَ قُدَيْدًا بَلَغَهُ عَنْ جَيْشٍ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَرَجَعَ فَدَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ " رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَهَذَا الْجَيْشُ ... .

وَلِأَنَّ الْخَائِفَ وَلَمْ يَذْكُرِ الْقَاضِي وَ ... دُخُولُهَا إِلَّا لِقِتَالٍ مُبَاحٍ، أَوْ حَاجَةٍ تَتَكَرَّرُ، كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ، وَمُقْتَضَى كَلَامِهِمْ أَنَّ الْخَائِفَ الَّذِي لَا يُقَاتِلُ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا مُحْرِمًا، وَتَأَوَّلَ الْقَاضِي فِعْلَ ابْنِ عُمَرَ عَلَى أَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ، وَلَمْ يُحْرِمْ مِنْهُ وَإِنَّمَا أَحْرَمَ مِنْ دُونِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ قَصْدًا ابْتِدَاءً، وَإِنَّمَا تَأَوَّلَ هَذَا لِأَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ دَخَلَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، وَلَوْ بَلَغَهُ السِّيَاقُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ لَمْ يَتَأَوَّلْ هَذَا التَّأْوِيلَ.
وَأَمَّا مَنْ يَتَكَرَّرُ دُخُولُهُ إِلَى مَكَّةَ كُلَّ يَوْمٍ مِثْلَ الْحَطَّابِينَ وَالرُّعَاةِ وَنَحْوِهِمْ: فَإِنَّ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا بِغَيْرِ إِحْرَامٍ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: " لَا يَدْخُلَنَّ إِنْسَانٌ مَكَّةَ إِلَّا مُحْرِمًا إِلَّا الْجَمَّالِينَ وَالْحَطَّابِينَ وَأَصْحَابَ مَنَافِعِهَا " رَوَاهُ حَرْبٌ.

وَهَذَا يَقْتَضِي لِكَوْنِهِ يَنْتَفِعُونَ بِهِ لَا لِتَكْرَارِهِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِمُ الْإِحْرَامُ كُلَّمَا دَخَلُوا لَشَقَّ عَلَيْهِمْ مَشَقَّةً عَظِيمَةً، وَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ مَكَّةَ لِتَعَلُّقِ مَصَالِحِهِمْ بِهَا وَتَعَلُّقِ مَصَالِحِ الْبَلَدِ بِهِمْ ... . قَالَ أَصْحَابُنَا: وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا لَهُ صَنْعَةٌ بِالْحِلِّ يَتَرَدَّدُ إِلَيْهَا، وَكَذَلِكَ الْفُيُوجُ الَّذِي يَتَكَرَّرُ دُخُولُهُمْ، وَحَدُّ التَّكْرَارِ ... قَالَ حَرْبٌ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: الرَّجُلُ يَدْخُلُ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ؟ قَالَ: إِذَا كَانَ مِنَ الْحَطَّابَةِ وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَخْتَلِفُونَ كُلَّ يَوْمٍ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ فَقَيَّدَهُ بِيَوْمٍ.

(فَصْلٌ) وَإِنَّمَا يَجِبُ الْإِحْرَامُ عَلَى الدَّاخِلِ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِ الْحَجِّ، فَأَمَّا الْعَبْدُ وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ فَيَجُوزُ لَهُمُ الدُّخُولُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتُهُ، فَأَنْ لَا يَجِبَ مَا هُوَ مِنْ جِنْسِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، هَكَذَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا ابْنُ أَبِي مُوسَى وَالْقَاضِي وَغَيْرُهُمْ.

(الْفَصْلُ الثَّالِثُ) أَنَّ مَنْ جَازَ لَهُ مُجَاوَزَةُ الْمِيقَاتِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، إِمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ مَكَّةَ أَوْ قَصَدَهَا وَهُوَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ دُخُولُهَا بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، كَالْمُحَارِبِ وَذِي الْحَاجَةِ الْمُتَكَرِّرَةِ وَغَيْرِهِمْ إِذَا أَرَادَ النُّسُكَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ إِلَى الْمِيقَاتِ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ.

(فَصْلٌ) فَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَالْعَبْدُ إِذَا دَخَلُوا مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، ثُمَّ أَرَادُوا الْحَجَّ بِأَنْ يَأْذَنَ لِلصَّبِيِّ مَوْلَاهُ، وَلِلْعَبْدِ سَيِّدُهُ، أَوْ صَارُوا مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ فَإِنَّهُمْ يُحْرِمُونَ بِالْحَجِّ مِنْ حَيْثُ أَنْشَئُوهُ وَلَا دَمَ عَلَيْهِمْ، قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَذُكِرَ لَهُ قَوْلُ سُفْيَانَ فِي مَمْلُوكٍ جَاوَزَ الْمَوَاقِيتَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ مَنَعَهُ مَوَالِيهِ أَنْ يُحْرِمَ حَتَّى وَقَفَ بِعَرَفَةَ، قَالَ: يُحْرِمُ مَكَانَهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَمٌ لِأَنَّ سَيِّدَهُ مَنَعَهُ، قَالَ أَحْمَدُ: جَيِّدٌ حَدِيثُ أَبِي رَجَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّهُ جَازَ لَهُمْ مُجَاوَزَةُ الْمِيقَاتِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِمُ الْإِحْرَامُ حِينَ صَارُوا مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ فَصَارُوا كَالْمَكِّيِّ، وَلِأَنَّهُمَا لَا يَمْلِكَانِ الْإِحْرَامَ إِلَّا بِإِذْنِ الْوَلِيِّ، وَهَذَا فِيمَا إِذَا دَخَلُوا غَيْرَ مُرِيدِينَ لِلنُّسُكِ، أَوْ أَرَادَهُ وَمَنَعَهُمَا السَّيِّدُ وَالْوَلِيُّ مِنَ الْإِحْرَامِ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُمَا الْوَلِيُّ فِي الْإِحْرَامِ مِنَ الْمِيقَاتِ فَلَمْ يُحْرِمَا لَزِمَهُمَا دَمٌ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَأَمَّا الْكَافِرُ إِذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ، أَوْ دَخَلَ مَكَّةَ ثُمَّ أَسْلَمَ وَأَرَادَ الْحَجَّ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: أَحَدُهُمَا: عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْمِيقَاتِ فَيُحْرِمَ مِنْهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ وَعَلَيْهِ دَمٌ، قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ فِي نَصْرَانِيٍّ أَسْلَمَ

بِمَكَّةَ: يَخْرُجُ إِلَى الْمِيقَاتِ فَيُحْرِمُ، فَإِنْ خَشِيَ الْفَوَاتَ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ دَمٌ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي وَالشَّرِيفِ أَبِي جَعْفَرٍ وَأَبِي الْخَطَّابِ وَابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ وَتَمَكَّنَ مِنْهُ فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ بِتَرْكِهِ كَالْمُسْلِمِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكَافِرَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُسْلِمَ وَيُحْرِمَ وَهُوَ غَيْرُ مَعْذُورٍ فِي تَرْكِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الْإِحْرَامُ فِي حَالِ كُفْرِهِ فَأَشْبَهَ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ وَهُوَ مُحْدِثٌ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يُحْرِمُ مِنْ مَوْضِعِهِ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ، قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ فِي نَصْرَانِيٍّ أَسْلَمَ بِمَكَّةَ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَحُجَّ: هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ وُلِدَ بِمَكَّةَ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ فِي الذِّمِّيِّ يُسْلِمُ بِمَكَّةَ: يُحْرِمُ مِنْ مَكَّةَ أَوْ مِنْ مَوْضِعِ أَسْلَمَ، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الْإِحْرَامُ فَأَشْبَهَ الْمَجْنُونَ، وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَقَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَرَكَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ مِنَ الْوَاجِبَاتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] وَبِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: («الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ إِذَا عَتَقَ وَالصَّبِيِّ إِذَا بَلَغَ سَوَاءً، وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ

مُحْدِثًا فَإِنَّهُ هُنَاكَ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ مَا تَرَكَهُ مِنَ الْوَاجِبَاتِ فِي حَالِ حَدَثِهِ، وَهُنَا يُغْفَرُ لَهُ مَا تَرَكَهُ فِي حَالِ كُفْرِهِ حَتَّى يُخَاطَبَ بِالْوُجُوبِ مِنْ حِينِ الْإِسْلَامِ.
وَلِأَنَّ مَكَّةَ قَدِ اسْتَوْطَنَهَا أَقْوَامٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، فَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا دَخَلُوهَا بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، أَوْ بِإِحْرَامٍ لَا يَصِحُّ، ثُمَّ لَمَّا أَسْلَمُوا لَمْ يُؤْمَرُوا أَنْ يَخْرُجُوا إِلَى الْمِيقَاتِ فَيُحْرِمُوا مِنْهُ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ اسْتَوْطَنَهَا أُفُقِيٌّ بَعْدَ فَرْضِ الْحَجِّ.

الْفَصْلُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ إِنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرُ هَؤُلَاءِ وَأَرَادُوا النُّسُكَ لَزِمَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى الْمِيقَاتِ فَيُحْرِمُوا مِنْهُ، فَيَدْخُلُ فِي هَذَا كُلُّ مَنْ كَانَ مَقْصُودُهُ الْحَجَّ أَوِ الْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ مَقْصُودُهُ دُخُولَ مَكَّةَ لِتِجَارَةٍ أَوْ زِيَارَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَإِنْ قُلْنَا: يَسْقُطُ الْإِحْرَامُ بِالدُّخُولِ، أَوْ قُلْنَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ إِذَا أَرَادَ الْحَجَّ أَوِ الْعُمْرَةَ فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْمِيقَاتِ فَيُحْرِمَ مِنْهُ سَوَاءٌ كَانَ الْحَجُّ وَاجِبًا أَوْ تَطَوُّعًا، قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: فَأَمَّا الْمُسْلِمُ يَدْخُلُ مَكَّةَ لِتِجَارَةٍ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ ثُمَّ يُرِيدُ الْحَجَّ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ إِلَى الْمِيقَاتِ فَيُحْرِمُ مِنْهُ فَإِنْ خَشِيَ الْفَوْتَ أَحْرَمَ مِنْ مَكَانِهِ، وَكَانَ عَلَيْهِ دَمٌ قَوْلًا وَاحِدًا، ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ حَكَى فِي الذِّمِّيِّ إِذَا أَسْلَمَ بِمَكَّةَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، وَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ وَقْتٌ وَأَرَادَ الْحَجَّ رَجَعَ إِلَى الْمِيقَاتِ فَأَهَلَّ مِنْهُ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ، فَإِنْ خَافَ الْفَوْتَ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَمَنْ دَخَلَ مَكَّةَ وَالْحَجُّ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَلَمْ يُرِدْهُ .... ، وَهَذَا لِأَنَّ الْإِحْرَامَ مِنَ الْمِيقَاتِ وَاجِبٌ قَدْ أَمْكَنَ فِعْلُهُ فَلَزِمَهُمْ كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ.
وَإِذَا رَجَعُوا فَأَحْرَمُوا فَلَا دَمَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ أَتَوْا بِالْوَاجِبِ وَتِلْكَ الْمُجَاوَزَةُ لَيْسَتْ نُسُكًا، فَإِذَا لَمْ يَتْرُكُوا نُسُكًا وَلَمْ يَفْعَلُوا نُسُكًا فِي غَيْرِ وَقْتِهِ وَلَمْ يَفْعَلُوا فِي الْإِحْرَامِ مَحْظُورًا فَلَا وَجْهَ لِإِيجَابِ الدَّمِ.

قَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ: " رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَرُدُّهُمْ إِلَى الْمَوَاقِيتِ إِذَا جَاوَزُوهَا بِغَيْرِ إِحْرَامٍ " رَوَاهُ سَعِيدٌ.
فَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ بِحَيْثُ يَخَافُونَ - مِنَ الرُّجُوعِ - فَوْتَ الْحَجِّ، أَوْ لَمْ يُمْكِنِ الرُّجُوعُ لِتَعَذُّرِ الرُّفْقَةِ وَمَخَافَةِ الطَّرِيقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمُ الرُّجُوعُ، فَيُحْرِمُونَ مِنْ مَوْضِعِهِمْ وَعَلَيْهِمْ دَمٌ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَحْرَمُوا مِنْ دُونِهِ مَعَ إِمْكَانِ الْعَوْدَةِ فَعَلَيْهِمْ دَمٌ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ... وَلَا يَسْقُطُ الدَّمُ بِعَوْدِهِمْ إِلَى الْمِيقَاتِ.

[مَسْأَلَةٌ حكم الإحرام قبل الميقات]

مَسْأَلَةٌ: (وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يُحْرِمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ، فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ مُحْرِمٌ.
مَذْهَبُ أَحْمَدَ أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ لَا يُحْرِمَ بِالْحَجِّ وَلَا بِالْعُمْرَةِ حَتَّى يَبْلُغَ الْمِيقَاتَ، قَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَقَدْ سُئِلَ أَيُّمَا أَعْجَبُ إِلَيْكَ: يُحْرِمُ مِنَ الْمِيقَاتِ أَمْ قَبْلُ؟ فَقَالَ: مِنَ الْمِيقَاتِ أَعْجَبُ إِلَيَّ.
قِيلَ لَهُ وَسُئِلَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: إِنَّهُمْ كَانُوا يُحِبُّونَ أَنْ يُحْرِمَ الرَّجُلُ أَوَّلَ مَا يَحُجُّ مِنْ بَيْتِهِ، أَوْ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَوْ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ، فَقَالَ: وَجْهُ الْعَمَلِ الْمَوَاقِيتُ.
وَكَذَلِكَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي: كَانُوا يُحِبُّونَ أَنْ يُحْرِمَ الرَّجُلُ أَوَّلَ مَا يَحُجُّ مِنْ بَيْتِهِ أَوْ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَوْ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ، فَقَالَ: وَجْهُ الْعَمَلِ الْمَوَاقِيتُ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ هَارُونَ: إِذَا أَحْرَمَ الرَّجُلُ أَحْرَمَ مِنْ مِيقَاتٍ أَعْجَبُ إِلَيَّ، وَلَا يُحْرِمُ مِنْ قَبْلِ الْمِيقَاتِ فَإِنْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ انْعَقَدَ إِحْرَامُهُ.

قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ أَنَّهُ مُحْرِمٌ.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يُكْرَهُ الْإِحْرَامُ قَبْلَ الْمِيقَاتِ، وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: لَا يُكْرَهُ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ، قَالَ حَرْبٌ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: الرَّجُلُ يُحْرِمُ قَبْلَ الْمِيقَاتِ؟ قَالَ: قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ قَوْمٌ، وَكَأَنَّهُ سَهَّلَ فِيهِ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ: إِنْ قَوِيَ عَلَى ذَلِكَ أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ بَأْسٌ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجَّ حَجَّةَ الْوَدَاعِ هُوَ وَعَامَّةُ الْمُسْلِمِينَ،

وَاعْتَمَرَ عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ وَعُمْرَةَ الْقَضَاءِ هُوَ وَخَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ يُحْرِمُ هُوَ وَالْمُسْلِمُونَ مِنَ الْمِيقَاتِ وَلَمْ يَنْدُبْ أَحَدًا إِلَى الْإِحْرَامِ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَا رَغَّبَ فِيهِ وَلَا فَعَلَهُ أَحَدٌ عَلَى عَهْدِهِ، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ أَفْضَلَ لَكَانَ أَوْلَى الْخَلْقِ بِالْفَضَائِلِ أَفْضَلَ الْخَلَائِقِ وَخَيْرَ الْقُرُونِ وَلَوْ كَانَ خَيْرًا لَسَبَقُونَا إِلَيْهِ وَكَانُوا بِهِ أَوْلَى، وَبِفَضْلٍ - لَوْ كَانَ فِيهِ - أَحْرَى، وَلَنَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى ذَلِكَ كَمَا نَدَبَ إِلَى جَمِيعِ الْفَضَائِلِ؛ إِذْ هُوَ الْقَائِلُ: " «وَمَا تَرَكْتُ مِنْ شَيْءٍ يُقَرِّبُكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ إِلَّا وَقَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ، وَلَا مِنْ شَيْءٍ يُبَعِّدُكُمْ عَنِ النَّارِ إِلَّا وَقَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ» ". فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَيْسَرُ فَتَقْتَدِي الْأُمَّةُ بِهِ وَقَدْ يَخْتَارُ غَيْرَ الْأَفْضَلِ لِلتَّعْلِيمِ.

قِيلَ: قَدْ أَحْرَمَ عِدَّةَ مَرَّاتٍ مَعَ أَنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَجِبُ إِلَّا مَرَّةً فَقَدْ كَانَ الْجَوَازُ وَالْبَيَانُ يَحْصُلُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَمَّا أَحْرَمَ فِيهَا كُلِّهَا عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ عُلِمَ أَنَّهُ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ.
وَلِأَنَّهُ قَدْ كَرَّرَ الْعُمَرَ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا عُمْرَةٌ وَاحِدَةٌ، فَزِيَادَةُ مَوْضِعِ الْإِحْرَامِ لَوْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ أَوْلَى مِنْ ذَلِكَ وَأَيْسَرَ.
وَلِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْفِعْلِ الَّذِي يَتَكَرَّرُ، فَيَفْعَلُ الْمَفْضُولَ مَرَّاتٍ لِبَيَانِ الْجَوَازِ كَالصَّلَاةِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ، فَأَمَّا مَا لَا يَفْعَلُهُ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَخْتَارَ لِرَسُولِهِ أَدْنَى الْأَمْرَيْنِ وَيَدَّخِرَ لِمَنْ بَعْدَهُ أَفْضَلَهُمَا، وَفَاعِلُ هَذَا وَقَائِلُهُ يُخَافُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ.
وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ فَقَالَ: أَخَافُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةَ [قِيلَ لَهُ: وَأَيُّ فِتْنَةٍ] فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا هِيَ زِيَادَةُ أَمْيَالٍ؟ فَقَالَ: وَأَيُّ فِتْنَةٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَظُنَّ أَنَّكَ خُصِصْتَ بِأَمْرٍ لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ لَوْ كَانَ الْفَضْلُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ لَبَيَّنَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَلَدَلَّهُمْ عَلَيْهِ إِذْ هُوَ أَنْصَحُ الْخَلْقِ لِلْخَلْقِ،

وَأَرْحَمُ الْخَلْقِ بِالْخَلْقِ، كَمَا دَلَّهُمْ عَلَى الْأَعْمَالِ الْفَاضِلَةِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا مَشَقَّةٌ كَالْجِهَادِ وَغَيْرِهِ.
وَكَوْنُهُ أَيْسَرَ قَدْ يَكُونُ مُقْتَضِيًا لِفَضْلِهِ، كَمَا أَنَّ صَوْمَ شَطْرِ الدَّهْرِ أَفْضَلُ مِنْ صِيَامِهِ كُلِّهِ وَقِيَامَ اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنْ قِيَامِهِ كُلِّهِ، وَالتَّزَوُّجَ وَأَكْلَ مَا أَبَاحَهُ اللَّهُ أَفْضَلُ مِنْ تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - يُحِبُّ أَنْ يُؤْخَذَ بِرُخَصِهِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ» وَقَوْلُ الصَّحَابَةِ: «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ» أَمْرٌ بِالْإِهْلَالِ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ، وَهَذَا التَّوْقِيتُ يَقْتَضِي نَفْيَ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنِ الزِّيَادَةُ مُحَرَّمَةً فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ تَرْكُهَا أَفْضَلَ.
وَأَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَوْرَةَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:

(«لِيَسْتَمْتِعْ أَحَدُكُمْ بِحِلِّهِ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ فِي حُرْمَتِهِ») رَوَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ وَأَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِمِثْلِ إِسْنَادِهِ، لَكِنْ أَبُو سَوْرَةَ ضَعَّفُوهُ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَكَانَ أَحَدُ الْوَقْتَيْنِ، فَلَمْ يَكُنِ الْإِحْرَامُ قَبْلَهُ مُسْتَحَبًّا كَالزَّمَانِ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمُقَدَّرَاتِ مِنَ الْمَشْرُوعَاتِ كَإِعْدَادِ الصَّلَاةِ وَرَمْيِ الْجَمَرَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَا يُشْرَعُ كَالنَّقْصِ مِنْهُ، فَإِذَا لَمْ تَكُنِ الزِّيَادَةُ مَكْرُوهَةً فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهَا فَضْلٌ.

وَأَيْضًا فَإِنَّ التَّرَفُّهَ بِالْحِلِّ قَبْلَ الْمِيقَاتِ رُخْصَةٌ، كَالْأَكْلِ بِاللَّيْلِ فِي زَمَانِ الصَّوْمِ، وَاللَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُؤْخَذَ بِرُخَصِهِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ فِي زِيَادَةِ الْإِحْرَامِ عَلَى مَا وَجَبَ تَعْرِيضًا لِأَخْطَارِ الْإِحْرَامِ؛ مِنْ مُوَاقَعَةِ الْمَحْظُورَاتِ وَمَلَالَةِ النَّفْسِ، فَكَانَ الْأَوْلَى السَّلَامَةَ، كَمَا سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ رَجُلٍ قَلِيلِ الطَّاعَةِ قَلِيلِ الْمَعْصِيَةِ، وَرَجُلٍ كَثِيرِ الطَّاعَةِ كَثِيرِ الْمَعْصِيَةِ، فَقَالَ: " لَا أَعْدِلُ بِالسَّلَامَةِ شَيْئًا "، وَطَرْدُ هَذَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ لِلْمُتَمَتِّعِ قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ، وَإِنَّمَا اسْتَحْبَبْنَا لِلْمُعْتَمِرِ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْمَوَاقِيتِ فَيُحْرِمَ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ مِيقَاتٌ شَرْعِيٌّ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ اللَّهُ ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] قَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ: " تَمَامُهَا أَنْ تُحْرِمَ بِهَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ ". وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: («مَنْ أَهَلَّ مِنَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بِعُمْرَةٍ أَوْ بِحَجَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ») رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ: («مَنْ أَحْرَمَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ غُفِرَ لَهُ مَا

تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ») وَأَبُو دَاوُدَ وَلَفْظُهُ: («وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، أَوْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ») شَكَّ الرَّاوِي، وَابْنُ مَاجَهْ وَلَفْظُهُ: («مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ»).
وَقَدْ أَحْرَمَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ فَوْقِ الْمَوَاقِيتِ، فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّهُ أَحْرَمَ عَامَ الْحَكَمَيْنِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ " وَعَنْهُ: " أَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: لَوَدِدْتُ أَنِّي لَوْ جِئْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَأَحْرَمْتُ مِنْهُ ". وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ " أَنَّهُ أَحْرَمَ مِنَ الْعَقِيقِ " رَوَاهُمَا سَعِيدٌ.

وَقَدْ قِيلَ: أَهَلَّ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنَ الشَّامِ، وَأَهَلَّ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ مِنَ الْبَصْرَةِ، وَأَهَلَّ ابْنُ مَسْعُودٍ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: كَانُوا يُحِبُّونَ أَوَّلَ مَا يَحُجُّ الرَّجُلُ أَوْ يَعْتَمِرُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَرْضِهِ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْهَا، وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ عِبَادَةٌ، وَتَرْكَهُ عَادَةٌ، وَالْعِبَادَاتُ أَفْضَلُ مِنَ الْعَادَاتِ.
قِيلَ: أَمَّا أَثَرُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَدْ رَوَاهُ سَعِيدٌ وَحَرْبٌ وَغَيْرُهُمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] قَالَ: " إِنَّ إِتْمَامَهَا أَنْ تُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ " قَالَ حَرْبٌ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ يَقُولُ: قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ فِي تَفْسِيرِ الْحَدِيثِ: " أَنْ تُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ " قَالَ: هُوَ أَنْ يُنْشِئَ سَفَرَهَا مِنْ أَهْلِهِ، وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْحَكَمِ وَقَدْ سُئِلَ عَنِ الْحَدِيثِ " أَنْ تُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ " قَالَ: يُنْشِئُ لَهَا سَفَرًا مِنْ أَهْلِهِ؛ كَأَنَّهُ يَخْرُجُ لِلْعُمْرَةِ عَامِدًا، كَمَا يَخْرُجُ لِلْحَجِّ عَامِدًا، وَهَذَا مِمَّا يُؤَكِّدُ أَمْرَ الْعُمْرَةِ.

وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ مَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أُذَيْنَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: " أَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَسَأَلْتُهُ عَنْ تَمَامِ الْعُمْرَةِ فَقَالَ: ائْتِ عَلِيًّا فَسَلْهُ فَعُدْتُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: ائْتِ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَامُ فَسَلْهُ، فَأَتَيْتُ عَلِيًّا فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ رَكِبْتُ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ وَالسُّفُنَ، فَأَخْبِرْنِي عَنْ تَمَامِ الْعُمْرَةِ فَقَالَ: تَمَامُهَا أَنْ تُنْشِئَهَا مِنْ بِلَادِكَ، فَعُدْتُ إِلَى عُمَرَ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ: ائْتِ عَلِيًّا فَسَلْهُ، فَقُلْتُ: قَدْ سَأَلْتُهُ فَقَالَ: تَمَامُهَا أَنْ تُنْشِئَهَا مِنْ بِلَادِكَ، قَالَ: هُوَ كَمَا قَالَ " رَوَاهُ سَعِيدٌ وَذَكَرَهُ أَحْمَدُ، وَقَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: " أَحْرِمْ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ " فَقَدْ تَوَافَقَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَلَى أَنَّ تَمَامَهَا أَنْ يُنْشِئَهَا مِنْ بَلَدِهِ، فَيُسَافِرَ لَهَا سَفَرًا مُفْرَدًا كَسَفَرِ الْحَجِّ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ أَنْشَأَ لِعُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ وَالْقَضِيَّةِ سَفَرًا مِنْ بَلَدِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُنَا فَإِنَّ الْعُمْرَةَ الَّتِي يُنْشِئُ

لَهَا سَفَرًا مِنْ مِصْرِهِ أَفْضَلُ مِنْ عُمْرَةِ الْمُتَمَتِّعِ وَعُمْرَةِ الْمُحْرِمِ وَالْعُمْرَةِ مِنَ الْمَوَاقِيتِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي كَانَ يَقْصِدُهُ عُمَرُ بِنَهْيِهِمْ عَنِ الْمُتْعَةِ أَنْ يُنْشِئُوا لِلْعُمْرَةِ سَفَرًا آخَرَ.
فَأَمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ الدُّخُولُ فِي الْإِحْرَامِ مِنَ الْمِصْرِ فَكَلَّا؛ لِأَنَّ عُمَرَ قَدْ زَجَرَ عَنْ ذَلِكَ، وَعَلِيٌّ لَمْ يَفْعَلْهُ قَطُّ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، بَلْ لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَيْفَ يَكُونُ التَّمَامُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَحَدٌ مِنْ خُلَفَائِهِ وَلَا جَمَاهِيرُ أَصْحَابِهِ.
وَقَوْلُهُ: " أَنْ تُحْرِمَ مِنْ أَهْلِكَ " كَمَا يُقَالُ: تَحُجُّ مِنْ أَهْلِكَ وَتَعْتَمِرُ مِنْ أَهْلِكَ لِمَنْ سَافَرَ سَفَرَ الْحَجِّ، وَإِنْ كَانَ لَا يَصِيرُ حَاجًّا وَلَا مُعْتَمِرًا حَتَّى يُهِلَّ بِهِمَا كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: («لَا يَرْكَبِ الْبَحْرَ إِلَّا حَاجٌّ أَوْ مُعْتَمِرٌ أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»).

وَلِهَذَا كَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: " مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ هَذَا الْوَجْهَ فَلَا يَقُولَنَّ: إِنِّي حَاجٌّ وَلَكِنْ لِيَقُلْ: إِنِّي وَافِدٌ، فَإِنَّمَا الْحَاجُّ الْمُحْرِمُ " وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: " لَا يَقُولُ أَحَدُكُمْ إِنِّي حَاجٌّ وَإِنَّمَا الْحَاجُّ الْمُحْرِمُ، وَلَكِنْ يَقُولُ: أُرِيدُ الْحَجَّ، وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِنِّي صَرُورَةٌ فَإِنَّ الْمُسْلِمَ لَيْسَ بِصَرُورَةٍ ". وَعَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ قَالَ: " سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: لَا تَقُلْ إِنِّي حَاجٌّ حَتَّى تُهِلَّ، وَلَكِنْ لِتَقُلْ إِنِّي مُسَافِرٌ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي الْعَالِيَةِ فَقَالَ: صَدَقَ أَنَسٌ، أَوَلَيْسَ إِنْ شَاءَ رَجَعَ مِنَ الطَّرِيقِ " رَوَاهُمَا سَعِيدٌ.
تَقْدِيرُهُ أَنْ تَقْصِدَ الْإِحْرَامَ وَالْإِهْلَالَ مِنْ أَهْلِكَ وَتُنْشِئَ سَفَرَهُمَا مِنْ أَهْلِكَ.
وَأَمَّا حَدِيثُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَدْ قِيلَ: هُوَ مَخْصُوصٌ بِهِ فَيَكُونُ الْإِحْرَامُ

مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَفْضَلَ خُصُوصًا لِأَنَّهُ يُعَمِّرُ مَا بَيْنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بِالْعِبَادَةِ، وَهُمَا أَوْلَى مَسَاجِدِ الْأَرْضِ وَبَيْنَهُمَا كَانَ مَسْرَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُمَا الْقِبْلَتَانِ، وَمِنْهُمَا الْمَبْدَأُ وَالْمَعَادُ فَإِنَّ الْأَرْضَ دُحِيَتْ مِنْ تَحْتِ الْكَعْبَةِ وَتُعَادُ مِنْ تَحْتِ الصَّخْرَةِ، وَعَامَّةُ الْأَنْبِيَاءِ الْكِبَارِ بُعِثُوا مِنْ بَيْنِهِمَا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ إِهْلَالُ ابْنِ عُمَرَ مِنْهُ وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فِي حَجِّهِ وَعُمْرَتِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: إِنَّ الْإِحْرَامَ مِنَ الْمِيقَاتِ أَفْضَلُ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ ضَعَّفَ الْحَدِيثَ.
وَتَأَوَّلَهُ الْقَاضِي: عَلَى أَنْ يُنْشِئَ السَّفَرَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَيَكُونَ الْإِحْرَامُ مِنَ

الْمِيقَاتِ وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَأَمَّا مَنْ أَحْرَمَ مِنَ الصَّحَابَةِ قَبْلَ الْمَوَاقِيتِ فَأَكْثَرُ مِنْهُمْ عَدَدًا وَأَعْظَمُ مِنْهُمْ قَدْرًا لَمْ يُحْرِمُوا إِلَّا مِنَ الْمَوَاقِيتِ، وَقَدْ أَنْكَرُوهُ بِالْقَوْلِ، فَرَوَى الْحَسَنُ: " أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ أَحْرَمَ مِنَ الْبَصْرَةِ فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَغَضِبَ وَقَالَ: " يَتَسَامَعُ النَّاسُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْرَمَ مَنْ مِصْرِهِ ". وَعَنِ الْحَسَنِ: " أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ أَحْرَمَ مِنْ خُرَاسَانَ فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَامَهُ فِيمَا صَنَعَ وَكَرِهَهُ لَهُ " رَوَاهُمَا سَعِيدٌ.

قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَكَرِهَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ أَوْ كِرْمَانَ.
وَفِي رِوَايَةٍ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ: " فَقَدِمَ عَلَى عُمَرَ فَأَغْلَظَ لَهُ وَقَالَ: يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْرَمَ مِنْ مِصْرٍ مِنَ الْأَمْصَارِ ". وَعَنْ مُسْلِمٍ أَبِي سَلْمَانَ: " أَنَّ رَجُلًا أَحْرَمَ مِنَ الْكُوفَةِ فَرَأَى عُمَرُ سَيِّئَ الْهَيْئَةِ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ وَجَعَلَ يُدِيرُهُ فِي الْخَلْقِ وَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ وَقَدْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ ". وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: " اسْتَمْتِعُوا بِثِيَابِكُمْ فَإِنَّ رِكَابَكُمْ لَا تُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ

شَيْئًا رَوَاهُنَّ النَّجَّادُ.

[مَسْأَلَةٌ أشهر الحج]

مَسْأَلَةٌ: (وَأَشْهُرُ الْحَجِّ: شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ).
هَذَا نَصُّهُ وَمَذْهَبُهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ: أَشْهُرُ الْحَجِّ: شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ، وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ ... . وَيَوْمُ النَّحْرِ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَهُوَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ وَأَبِي طَالِبٍ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: " أَشْهُرُ الْحَجِّ: شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ " رَوَاهُ سَعِيدٌ وَأَبُو سَعِيدٍ

الْأَشَجُّ وَالنَّجَّادُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُمْ.
[وَعَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي قَوْلِهِ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197] قَالَ: شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ، رَوَاهُ سَعِيدٌ الْأَشَجُّ وَالنَّجَّادُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُمْ]، وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَقَوْلُهُ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197] وَهُوَ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ جَعَلَهُ اللَّهُ لِلْحَجِّ، وَسَائِرُ الشُّهُورِ لِلْعُمْرَةِ، فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُحْرِمَ أَحَدٌ بِالْحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ يُحْرِمُ بِهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ " رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْهُ.

وَعَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " أَشْهُرُ الْحَجِّ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
وَعَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " أَشْهُرُ الْحَجِّ: شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ " رَوَاهُ سَعِيدٌ وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَفِي لَفْظٍ: وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَهَذَا قَوْلُ

الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَمُجَاهِدٍ وَالضَّحَّاكِ وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ، وَمُرَادُهُمْ بِعَشْرٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ بِكَمَالِهِ، كَمَا قَدْ جَاءَ فِي رِوَايَاتٍ أُخْرَى.
وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ: اسْمٌ لِمَجْمُوعِ اللَّيَالِي وَأَيَّامِهَا، فَإِنَّ يَوْمَ النَّحْرِ مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: («مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ») وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: 2] وَيَوْمُ النَّحْرِ دَاخِلٌ فِيهَا، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: 142]

وَيَوْمُ النَّحْرِ هُوَ آخِرُ الْأَرْبَعِينَ، وَلَفْظُ الْعَشْرِ - وَإِنْ كَانَ فِي الْأَصْلِ اسْمًا لِلْمُؤَنَّثِ لِأَنَّهُ بِغَيْرِ هَاءٍ -: فَإِنَّمَا دَخَلَ فِيهِ الْيَوْمُ لِسَبَبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ فِي التَّارِيخِ إِنَّمَا يُؤَرِّخُونَ بِاللَّيَالِي؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُ الشَّهْرِ الْهِلَالِيِّ وَتَدْخُلُ الْأَيَّامُ تَبَعًا، وَلِهَذَا لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لَزِمَهُ اعْتِكَافُ يَوْمِ النَّحْرِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ يَجِيءُ هَذَا فِي صِفَةِ الْمُذَكِّرِ بِغَيْرِ هَاءٍ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - («مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ») وَقَوْلِهِ: (مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ).
وَأَيْضًا فَإِنَّ يَوْمَ النَّحْرِ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ أَشْهُرَ الْحَجِّ هِيَ الْأَشْهُرُ الَّتِي سَنَّ اللَّهُ فِيهَا الْحَجَّ وَشَرَعَهُ، وَالْحَجُّ لَهُ إِحْرَامٌ وَإِحْلَالٌ، فَأَشْهُرُهُ هِيَ: الْوَقْتُ الَّذِي يُسَنُّ فِيهِ الْإِحْرَامُ بِهِ وَالْإِحْلَالُ مِنْهُ.

جارٍ التحميل