الْبَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ، فَأَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ، فَقَالَ: انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ، فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ رَجَعَ فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَذَكَرَ أَبُو طَالِبٍ أَنَّهُ: ثَنَا أَحْمَدُ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ رَجَعَ فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى» قَالَ: فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ، وَقَالَ: كَانَ أَحْمَدُ يَسْأَلُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «أَنَّهُ طَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ لَمْ يُحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَفَاضَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ أَهْدَى فَسَاقَ الْهَدْيَ مِنَ النَّاسِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَهَذَا الطَّوَافُ يُسَمِّيهِ الْحِجَازِيُّونَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ ; لِأَنَّهُ يَكُونُ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ مِنْ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى.
وَيُسَمِّيهِ الْعِرَاقِيُّونَ: طَوَافَ الزِّيَارَةِ.
وَيُسَمَّى طَوَافَ الْفَرْضِ، وَرُبَّمَا يُسَمَّى طَوَافَ الصَّدْرِ عَنْ مِنًى، لَا الصَّدْرِ عَنْ مَكَّةَ.
. . .
[مَسْأَلَةٌ سعي المتمتع مع طواف الزيارة]
مَسْأَلَةٌ: (ثُمَّ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا، أَوْ مِمَّنْ لَمْ يَسْعَ مَعَ طَوَافِ الْقُدُومِ).
لِمَا «رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: " فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " اجْعَلُوا إِهْلَالَكُمْ بِالْحَجِّ عُمْرَةً إِلَّا مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ، فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَأَتَيْنَا النِّسَاءَ وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ، وَقَالَ: مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، ثُمَّ أَمَرَنَا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أَنْ نُهِلَّ بِالْحَجِّ، وَإِذَا فَرَغْنَا مِنَ الْمَنَاسِكِ جِئْنَا طُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَقُدْتُمْ حَجَّنَا، وَعَلَيْنَا الْهَدْيُ» - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَعَنْ عُرْوَةَ «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ قَالَ: مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ مِنْهُمَا، فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَلَمَّا قَضَيْنَا حَجَّنَا أَرْسَلَنِي مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
أَبِي بَكْرٍ إِلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرْتُ، فَقَالَ: هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ، فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى، وَالَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ: «فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا».
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُتَمَتِّعِينَ طَافُوا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مَرَّتَيْنِ قَبْلَ التَّعْرِيفِ وَبَعْدَهُ ; لِأَنَّهَا إِنَّمَا عَنَتْ بِقَوْلِهَا: " ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ " الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ; لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ؛ وَلِأَنَّ الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ إِنَّمَا اقْتَصَرُوا عَلَى طَوَافٍ وَاحِدٍ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَمَّا الطَّوَافُ الْمُفْرَدُ فَقَدْ فَعَلُوهُ بَعْدَ عَرَفَةَ بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَافَ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ، وَكَانَ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ، وَهَذَا كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: " أَنَّهُ أَوْجَبَ عُمْرَةً ثُمَّ قَالَ: مَا شَأْنُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إِلَّا وَاحِدًا، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ جَمَعْتُ حَجَّةً مَعَ عُمْرَتِي، وَأَهْدَى هَدْيًا مُقَلَّدًا اشْتَرَاهُ بِقُدَيْدٍ، وَانْطَلَقَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يُحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَوْمَ النَّحْرِ، فَحَلَقَ وَنَحَرَ، وَرَأَى أَنَّهُ قَدْ قَضَى طَوَافَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَمَعْنَى قَوْلِهِ: " قَضَى طَوَافَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ، أَنَّهُ قَضَى الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَعْنِي: لَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مَرَّتَيْنِ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ لَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ بَعْدَ عَرَفَةَ.
وَلِأَنَّ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ لَا بُدَّ مِنْهُ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ بَيَانًا؛ لِأَنَّ الْقَارِنَ يُجْزِئُهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِحَجِّهِ وَعُمْرَتِهِ.
إِلَّا أَنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ الْقَارِنَ يُجْزِئُهُ طَوَافُهُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَبْلَ التَّعْرِيفِ، فَيُجْزِئُ طَوَافُ الْقُدُومِ عَنِ الرُّكْنِ، وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ.
. . .
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ «قَالَ جَابِرٌ: " لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا، طَوَافُهُ الْأَوَّلُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ مَعَ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ طُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُحْلِلْ، قَالَ: فَقُلْنَا: أَيُّ الْحِلِّ؟ قَالَ: الْحِلُّ كُلُّهُ، فَأَتَيْنَا النِّسَاءَ، وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ، وَمَسَسْنَا الطِّيبَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ، وَكَفَانَا الطَّوَافُ الْأَوَّلُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.
وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ لَا يَطُوفُ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا كَالْقَارِنِ وَالْمُفْرِدِ، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ
ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: " الْمُفْرِدُ وَالْقَارِنُ وَالْمُتَمَتِّعُ يُجْزِئُهُ طَوَافُهُ بِالْبَيْتِ وَسَعْيٌ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ". . . .
[مَسْأَلَةٌ التحلل الثاني]
مَسْأَلَةٌ: (ثُمَّ قَدْ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ).
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ: أَنَّهُ إِذَا طَافَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ، وَسَعَى السَّعْيَ الْمَشْرُوعَ عَقِبَهُ - فَقَدْ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.
فَأَمَّا قَبْلَ السَّعْيِ فَإِنْ قُلْنَا: السَّعْيُ رُكْنٌ أَوْ وَاجِبٌ، تَوَقَّفَ التَّحَلُّلُ الثَّانِي عَلَيْهِ، وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ سُنَّةٌ:.
. .، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّ السَّعْيَ مَعَ كَوْنِهِ فَرْضًا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ، وَلَا الثَّانِي.
. .
مَسْأَلَةٌ استحباب الشرب من ماء زمزم وصفته
مَسْأَلَةٌ: (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ لِمَا أَحَبَّ، وَيَتَضَلَّعُ مِنْهُ ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا وَاسِعًا، وَرِيًّا وَشِبَعًا، وَشِفَاءً مَنْ كُلِّ دَاءٍ، وَاغْسِلْ بِهِ قَلْبِي وَامْلَأْهُ مِنْ خَشْيَتِكَ وَحِكْمَتِكَ).
قَالَ جَابِرٌ - فِي حَدِيثِهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ، فَأَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَسْقُونَ
عَلَى زَمْزَمَ، فَقَالَ: انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ، فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ» ".
فَقَدْ شَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ زَمْزَمَ عَقِبَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ.
وَعَنِ الشَّعْبِيِّ «أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ حَدَّثَهُ قَالَ: " سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ زَمْزَمَ، فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، زَادَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ عَاصِمٌ: فَحَلَفَ عِكْرِمَةُ: مَا كَانَ يَوْمَئِذٍ إِلَّا عَلَى بَعِيرٍ ". وَلِمُسْلِمٍ: «فَأَتَيْتُهُ بِدَلْوٍ وَاسْتَسْقَى وَهُوَ عِنْدَ الْبَيْتِ».
وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ: «ثُمَّ أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَعَا بِسَجْلٍ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، فَشَرِبَ مِنْهُ وَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَالَ: انْزِعُوا يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ تُغْلَبُوا عَلَيْهَا لَنَزَعْتُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِ أَبِيهِ، وَهَذَا لَفْظُهُ وَإِسْنَادُهُ.
وَعَنْ جَابِرٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " رَمَلَ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْحَجَرِ، ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى زَمْزَمَ، فَشَرِبَ مِنْهَا وَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ رَجَعَ فَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الصَّفَا فَقَالَ: أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» رَوَاهُمَا.
. . .
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُؤَمَّلِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الزُّبَيْرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرًا.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ، إِنْ شَرِبْتَهُ تَسْتَشْفِي بِهِ شَفَاكَ اللَّهُ، وَإِنْ شَرِبْتَهُ لَشِبَعِكَ أَشْبَعَكَ اللَّهُ، وَإِنْ شَرِبْتَهُ لِقَطْعِ ظَمَئِكَ قَطَعَهُ اللَّهُ، وَهِيَ هَزْمَةُ جِبْرِيلَ وَسُقْيَا اللَّهِ إِسْمَاعِيلَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
وَفِي «حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ - فِي قِصَّةِ إِسْلَامِهِ - فَقَالَ - يَعْنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَتَى كُنْتَ هَاهُنَا؟ قَالَ: قُلْتُ: كُنْتُ هَاهُنَا مُنْذُ ثَلَاثِينَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ، قَالَ: فَمَنْ كَانَ يُطْعِمُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ، فَسَمِنْتُ حَتَّى
تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي، وَمَا أَجِدُ عَلَى بَطْنِي سَخْفَةَ جُوعٍ، قَالَ: إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ.
. .» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرَوَاهُ الطَّيَالِسِيُّ وَزَادَ فِيهِ: " وَشَفَا سُقْمٍ ".
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: «كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ جَالِسًا، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟ قَالَ: مِنْ زَمْزَمَ، قَالَ: فَشَرِبْتَ مِنْهَا كَمَا يَنْبَغِي؟ قَالَ: وَكَيْفَ؟ قَالَ: إِذَا شَرِبْتَ فَاسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، وَتَنَفَّسْ ثَلَاثًا، وَتَضَلَّعْ مِنْهَا، فَإِذَا فَرَغْتَ، فَاحْمَدِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " إِنَّ آيَةَ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُنَافِقِينَ، لَا يَتَضَلَّعُونَ مِنْ زَمْزَمَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَعَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذَا شَرِبَ مِنْ زَمْزَمَ قَالَ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا وَاسِعًا، وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
(فَصْلٌ)
وَيُسْتَحَبُّ الشُّرْبُ مِنْ شَرَابِ السِّقَايَةِ ; لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَ إِلَى السِّقَايَةِ فَاسْتَسْقَى، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا فَضْلُ، اذْهَبْ إِلَى أُمِّكَ فَأْتِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَرَابٍ مِنْ عِنْدِهَا، فَقَالَ: اسْقِنِي، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ، قَالَ: اسْقِنِي، فَشَرِبَ ثُمَّ أَتَى زَمْزَمَ وَهُمْ يَسْقُونَ وَيَعْمَلُونَ فِيهَا، فَقَالَ: اعْمَلُوا فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ، ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أَنْ تُغْلَبُوا لَنَزَلْتُ حَتَّى أَضَعَ الْحَبْلَ عَلَى هَذِهِ - يَعْنِي عَاتِقَهُ - وَأَشَارَ إِلَى عَاتِقِهِ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَعَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ قَالَ: " «كُنْتُ جَالِسًا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَأَتَاهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَا لِي أَرَى بَنِي عَمِّكُمْ يَسْقُونَ الْعَسَلَ وَاللَّبَنَ، وَأَنْتُمْ تَسْقُونَ النَّبِيذَ؟ أَمِنْ حَاجَةً بِكُمْ أَمْ مِنْ بُخْلٍ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَا بِنَا مِنْ
حَاجَةٍ وَلَا بُخْلٍ، قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى رَاحِلَتِهِ وَخَلْفَهُ أُسَامَةُ، فَاسْتَسْقَى، فَأَتَيْنَاهُ بِإِنَاءٍ مِنْ نَبِيذٍ، فَشَرِبَ وَسَقَى فَضْلَهُ أُسَامَةَ، وَقَالَ: أَحْسَنْتُمْ وَأَجْمَلْتُمْ كَذَا فَاصْنَعُوا، فَلَا نُرِيدُ بِغَيْرِ مَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» - ".
[بَابُ مَا يَفْعَلُهُ بَعْدَ الْحِلِّ]
[مَسْأَلَةٌ المبيت في منى بلياليها]
مَسْأَلَةٌ: (ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مِنًى وَلَا يَبِيتُ لَيَالِيَهَا إِلَّا بِهَا).
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ السُّنَّةَ لِلْحَاجِّ أَنْ لَا يَبِيتَ لَيَالِيَ التَّشْرِيقِ إِلَّا بِمِنًى ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَعَ إِلَى مِنًى فَبَاتَ بِهَا هُوَ وَجَمِيعُ مَنْ مَعَهُ، وَقَدْ قَالَ: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَهَذِهِ السُّنَّةُ الْمُوَرَّثَةُ عَنْهُ الَّتِي تَنَاقَلَتْهَا الْأُمَّةُ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، إِلَّا أَنَّ أَهْلَ السِّقَايَةِ الَّذِينَ يَسْقُونَ الْحَجِيجَ يُرَخَّصُ لَهُمْ فِي الْمَبِيتِ بِمَكَّةَ ; لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: «اسْتَأْذَنَ الْعَبَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ» وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَأَهْلُ السِّقَايَةِ هُمْ.
. .، وَسَوَاءٌ كَانُوا مِنْ وَلَدِ الْعَبَّاسِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَكَذَلِكَ يُرَخَّصُ لِلرِّعَاءِ لِحَدِيثِ أَبِي الْبَدَّاحِ الْآتِي ذِكْرُهُ.
[مَسْأَلَةٌ وقت رمي الجمار في أيام التشريق وصفته]
مَسْأَلَةٌ: (فَيَرْمِي بِهَا الْجِمَارَ بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْ أَيَّامِهَا، كُلُّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يَبْدَأُ بِالْجَمْرَةِ الْأُولَى، فَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَيَرْمِيهَا بِسَبْعٍ كَمَا يَرْمِي جَمْرَةً، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ فَيَقِفُ يَدْعُو اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ يَأْتِي الْوُسْطَى فَيَرْمِيهَا كَذَلِكَ، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَرْمِي فِي الْيَوْمِ الثَّانِي كَذَلِكَ).
فِي هَذَا الْكَلَامِ فُصُولٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْحَاجَّ يَرْمِي الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثَ أَيَّامَ مِنًى الثَّلَاثَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَهَذَا مِنَ الْعِلْمِ الْعَامِّ الَّذِي تَنَاقَلَتْهُ الْأُمَّةُ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ عَنْ نَبِيِّهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. . .، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " «أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنًى فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ يَرْمِي الْجَمْرَةَ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيَقِفُ عِنْدَ الْأُولَى وَعِنْدَ الثَّانِيَةِ فَيُطِيلُ الْقِيَامَ وَيَتَضَرَّعُ، وَيَرْمِي الثَّالِثَةَ وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " «رَمَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجِمَارَ حِينَ زَالَتِ
الشَّمْسُ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: " «رَمَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَأَمَّا بَعْدُ: فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ وَبَرَةَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ: مَتَى أَرْمِي الْجَمْرَةَ؟ قَالَ: إِذَا رَمَى إِمَامُكَ فَارْمِهِ، فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةَ، قَالَ: كُنَّا نَتَحَيَّنُ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
(الْفَصْلُ الثَّانِي) أَنَّهُ يَرْمِي كُلَّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَهَذَا مِنَ الْعِلْمِ الْعَامِّ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَقَدْ رَوَى جَابِرٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الِاسْتِجْمَارُ تَوٌّ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ تَوٌّ، وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تَوٌّ، وَالطَّوَافُ تَوٌّ، وَإِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَجْمِرْ بِتَوٍّ» يَعْنِي: الْوِتْرَ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْبَرْقَانِيُّ، وَزَادَ
عَنِ «التَّخَلِّي وَالْكُحْلِ تَوٌّ، يَعْنِي: ثَلَاثًا ثَلَاثًا» يُقَالُ: هُوَ الْوَتْرُ، يُقَالُ: " سَافَرَ سَفَرًا تَوًّا " إِذَا لَمْ يُعَرِّجْ فِي طَرِيقِهِ عَلَى مَكَانٍ، وَالتَّوُّ: الْجَبَلُ الْمَفْتُولُ طَاقًا وَاحِدًا.
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ) أَنْ يَبْتَدِئَ بِالْجَمْرَةِ الْأُولَى وَهِيَ أَقْرَبُهُنَّ إِلَى مَسْجِدِ الْخِيفِ، وَهِيَ الْجَمْرَةُ الصُّغْرَى، وَالْجَمْرَةُ الدُّنْيَا لِأَنَّهَا أَدْنَاهُنَّ إِلَى الْمَشَاعِرِ وَمَنَازِلُ أَكْثَرِ النَّاسِ، ثُمَّ بِالْجَمْرَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ الْجَمْرَةُ الْوُسْطَى، ثُمَّ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَهِيَ الْجَمْرَةُ الْكُبْرَى، وَهَذَا مِنَ الْعِلْمِ الْعَامِّ.
(الْفَصْلُ الرَّابِعُ)
أَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ عِنْدَ رَمْيِ الْأُولَيَيْنِ، هَكَذَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا الَّذِينَ قَالُوا: يَسْتَدْبِرُ الْقِبْلَةَ فِي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَالَّذِينَ قَالُوا: يَسْتَقْبِلُهَا - وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، قَالُوا: وَيَجْعَلُ الْجَمْرَةَ الْأُولَى عَنْ يُسْرَتِهِ، وَالثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ عَنْ يَمِينِهِ ; لِأَنَّ الرَّمْيَ مِنَ الطَّرِيقِ، وَمَتَى رَمَى مِنَ الطَّرِيقِ كَانَتِ الْأُولَى عَنْ يُسْرَتِهِ وَالْأُخْرَتَانِ عَنْ يَمِينِهِ.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: " أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَمَى الْوُسْطَى أَخَذَ ذَاتَ الشِّمَالِ فَيَسْهُلُ ".
(الْفَصْلُ الْخَامِسُ)
أَنَّهُ إِذَا رَمَى الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ تَقَدَّمَ قَلِيلًا إِلَى نَاحِيَةِ الْكَعْبَةِ حَيْثُ لَا يُصِيبُهُ الْحَصَى، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَوَقَفَ يَدْعُو اللَّهَ سُبْحَانَهُ ; لِمَا رُوِيَ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ عَلَى أَثَرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ حَتَّى يُسْهِلَ، فَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ قِيَامًا طَوِيلًا، وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَيَقُومُ طَوِيلًا، ثُمَّ الْجَمْرَةَ ذَاتَ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، وَيَقُولُ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهُ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ.
أَسْهَلَ: إِذَا صَارَ إِلَى الْأَرْضِ السَّهْلِ الْمُنْخَفِضَةِ عَمَّا فَوْقَهَا، كَمَا يُقَالُ: أَنْجَدَ وَأَتْهَمَ وَأَعْرَقَ وَأَشْاَمَ.
وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا رَمَى الْجَمْرَةَ الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ مِنًى يَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ ثُمَّ تَقَدَّمَ أَمَامَهَا، فَوَقَفَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو، وَكَانَ يُطِيلُ الْوُقُوفَ، ثُمَّ يَأْتِي الْجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ، ثُمَّ يَنْحَدِرُ ذَاتَ الْيَسَارِ مِمَّا يَلِي الْوَادِيَ، فَيَقِفُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو،
ثُمَّ يَأْتِي الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الْعَقَبَةِ فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ» ".
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ قِيَامِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَضَرُّعِهِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَأَنَّهُ كَانَ يُطِيلُ الْقِيَامَ بَيْنَ الْجَمْرَتَيْنِ.
وَأَمَّا مِقْدَارُ هَذَا الْقِيَامِ فَقَالَ حَرْبٌ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: كَمْ يَقُومُ الرَّجُلُ بَيْنَ الْجَمْرَتَيْنِ؟ قَالَ: يَقُومُ وَيَدْعُو وَيَبْتَهِلُ، وَلَمْ يُؤَقِّتْ وَقْتًا.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ -: فَإِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ وَزَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْتَ الْجَمْرَةَ الْأُولَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، تُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَتَقُولُ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا، وَتِجَارَةً لَنْ تَبُورَ، ثُمَّ امْشِ قَلِيلًا حَتَّى تَأْتِيَ مَوْضِعًا يُقَامُ عَنْ يَسَارِ الْجَمْرَةِ الَّتِي رَمَيْتَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَتَدْعُو بِدُعَائِكَ بِعَرَفَةَ وَتَزِيدُ: وَأَتْمِمْ لَنَا مَنَاسِكَنَا، ثُمَّ تَأْتِي الْجَمْرَةَ الْوُسْطَى كَذَلِكَ، ثُمَّ تَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَلَا تَقِفُ عِنْدَهَا، وَكُلَّ مَا دَعَوْتَ بِهِ أَجْزَأَكَ.
وَيُسْتَحَبُّ طُولُ الْقِيَامِ عِنْدَ الْجِمَارِ فِي الدُّعَاءِ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ.
فَصْلٌ: وَالسُّنَّةُ أَنْ يَمْشِيَ مِنْ مَنْزِلِهِ إِلَى الْجِمَارِ وَيَرْمِيَهَا وَاقِفًا، وَيَرْجِعَ إِلَى مَنْزِلِهِ ; لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي الْجِمَارَ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ بَعْدَ
النَّحْرِ مَاشِيًا ذَاهِبًا وَرَاجِعًا، وَيُخْبِرُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَهَذَا لَفْظُهُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَلَفْظُ أَحْمَدَ: أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ رَاكِبًا، وَسَائِرُ ذَلِكَ مَاشِيًا، وَيُخْبِرُهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ ".
فَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ فَلَا بَأْسَ بِالرُّكُوبِ، قَالَ حَرْبٌ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: فَالرُّكُوبُ إِلَى الْجِمَارِ؟ قَالَ: لِلنِّسَاءِ وَالضَّعَفَةِ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّمْيِ يَوْمَ النَّفْرِ وَقَبْلَهُ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْأَفْضَلِ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجَمَاعَةٌ: الْأَفْضَلُ أَنْ يَرْمِيَ الْجِمَارَ كُلَّهَا مَاشِيًا ; لِأَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا رَمَى الْجِمَارَ مَشَى إِلَيْهَا ذَاهِبًا وَرَاجِعًا» هَذَا لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: يَرْمِي يَوْمَ النَّحْرِ وَثَالِثَ أَيَّامِ مِنًى رَاكِبًا، وَالْيَوْمَيْنِ الْآخَرَيْنِ رَاجِلًا ; لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَمَى يَوْمَ النَّحْرِ رَاكِبًا، وَلِأَنَّ يَوْمَ النَّحْرِ يَجِيءُ رَاكِبًا مِنْ مُزْدَلِفَةَ، فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَفْتَتِحَ مِنًى بِالرَّمْيِ قَبْلَ نُزُولِهِ، وَيَوْمَ النَّفْرِ يَخْرُجُ مِنْ مِنًى، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُوَدِّعَهَا بِالرَّمْيِ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهَا وَهُوَ
رَاكِبٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى رُكُوبٍ بَعْدَ ذَلِكَ.
. . الْحَصْبَةُ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَهَذَا بَيَانٌ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ عَائِشَةَ صَارَتْ قَارِنَةً بِإِدْخَالِ الْحَجِّ عَلَى إِحْرَامِ الْعُمْرَةِ، وَأَنَّ طَوَافَهَا بَعْدَ التَّعْرِيفِ أَجْزَأَهَا عَنِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.
وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا؛ طَوَافَهُ الْأَوَّلَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «قَرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَطَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ مَاجَهْ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَافَ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ طَوَافًا وَاحِدًا».
وَعَنْ لَيْثٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لَمْ يَطُفْ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا لِعُمْرَتِهِمْ وَحَجِّهِمْ».
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " طَافَ طَوَافًا وَاحِدًا لِحَجِّهِ وَعُمْرَتِهِ».
وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ طَافُوا لِحَجِّهِمْ وَعُمْرَتِهِمْ طَوَافًا وَاحِدًا» رَوَاهُنَّ الدَّارَقُطْنِيُّ بِأَسَانِيدَ حِسَانٍ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا.
(فَصْلٌ) وَأَمَّا التَّمَتُّعُ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ طَوَافٍ لِلْعُمْرَةِ وَسَعْيٍ لَهَا، وَهَلْ عَلَيْهِ سَعْيٌ آخَرُ لِلْحَجِّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ مَنْصُوصَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: عَلَيْهِ سَعْيَانِ كَمَا عَلَيْهِ طَوَافَانِ، قَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: الْقَارِنُ يُجْزِئُهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ، وَالْمُتَمَتِّعُ طَوَافَانِ وَسَعْيَانِ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ - وَقَدْ سُئِلَ عَنِ الْقَارِنِ كَمْ يَطُوفُ وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ - فَقَالَ: يُجْزِئُهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ إِذَا دَخَلَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنْ دَخَلَ مُتَمَتِّعًا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ حَجَّ فَأَرَى أَنْ يَسْعَى سَعْيًا لِلْعُمْرَةِ وَسَعْيًا لِلْحَجِّ.
هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَكْفِيهِ سَعْيٌ وَاحِدٌ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: قُلْتُ لِأَبِي: الْمُتَمَتِّعُ كَمْ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؟ قَالَ: إِنْ طَافَ طَوَافَيْنِ فَهُوَ أَجْوَدُ، وَإِنْ طَافَ طَوَافًا وَاحِدًا فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ طَافَ طَوَافَيْنِ فَهُوَ أَعْجَبُ إِلَيَّ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ جَابِرٍ: «لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا؛ طَوَافَهُ الْأَوَّلَ».
وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: إِنْ شَاءَ الْقَارِنُ طَافَ طَوَافًا وَاحِدًا، وَإِنْ شَاءَ الْمُتَمَتِّعُ طَافَ طَوَافًا وَاحِدًا.
وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ بِلَا شَكٍّ ; لِحَدِيثِ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ، وَكَذَلِكَ عَامَّةُ الْأَحَادِيثِ، فِيهَا أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا طَافُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ، وَمَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا: إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مُتَمَتِّعًا.
فَهَذَا لَازِمٌ لَهُ ; لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ لَمْ تَخْتَلِفْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْعَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَأَنَّهُ لَمَّا طَافَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ لَمْ يَسْعَ بَعْدَهُ، وَهَذَا بَيِّنٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، وَجَابِرٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِنْ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى.
وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ مَعَ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ طُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُحْلِلْ، قَالَ: فَقُلْنَا: أَيُّ الْحِلِّ؟ قَالَ: الْحِلُّ كُلُّهُ.
فَأَتَيْنَا النِّسَاءَ، وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ، وَمَسَسْنَا الطِّيبَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ، وَكَفَانَا الطَّوَافُ الْأَوَّلُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ، وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّهُمْ تَمَتَّعُوا وَاكْتَفَوْا بِطَوَافٍ وَاحِدٍ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَحَدِيثُ عَائِشَةَ الَّذِي قَالَتْ فِيهِ: «فَطَافَ الَّذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِمْ، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا».
وَكَذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمِ: " وَلِأَنَّكُمْ قَدِ اسْتَحْبَبْتُمْ طَوَافَيْنِ، وَإِذَا كَانَ الصَّحَابَةُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدِ اقْتَصَرُوا عَلَى طَوَافٍ وَاحِدٍ، فَلَا مَعْنَى لِاسْتِحْبَابِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِمْ.
قُلْنَا: لَعَلَّ جَابِرًا أَخْبَرَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَمَتِّعِينَ، وَعَائِشَةُ أَخْبَرَتْ عَنْ بَعْضِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا خَلْقًا كَثِيرًا، فَأَخْبَرَ جَابِرٌ عَمَّا فَعَلَهُ هُوَ وَمَنْ يَعْرِفُهُ، وَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ عَمَّا فَعَلَهُ مَنْ تَعْرِفُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ، عَلَى أَنَّ أَحَادِيثَ جَابِرٍ وَأَصْحَابِهِ مُفَسَّرَةٌ وَاضِحَةٌ لَا احْتِمَالَ فِيهَا.
وَإِنَّمَا اسْتَحَبَّ أَحْمَدُ الطَّوَافَيْنِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ؛ وَلِأَنَّهُ أَحْوَطُ وَأَتَمُّ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمُتَمَتِّعَ إِنَّمَا يَفْعَلُ عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّهُ قَدْ أَدْخَلَ عَلَيْكُمْ فِي حَجِّكُمْ عُمْرَةً» فَهُوَ حَاجٌّ مِنْ حِينِ يُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ، بِخِلَافِ الْعُمْرَةِ الْمُفْرَدَةِ، فَذَلِكَ السَّعْيُ يُجْزِئُ عَنْ عُمْرَتِهِ وَحَجِّهِ.
[مَسْأَلَةٌ على القارن والمتمع دم]
مَسْأَلَةٌ: (لَكِنْ عَلَيْهِ وَعَلَى الْمُتَمَتِّعِ دَمٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196]. . . .
[مَسْأَلَةٌ طواف الوداع]
مَسْأَلَةٌ: (وَإِذَا أَرَادَ الْقُفُولَ، لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى يُوَدِّعَ الْبَيْتَ بِطَوَافٍ عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْ جَمِيعِ أُمُورِهِ حَتَّى يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ).
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَاجَّ إِذَا أَرَادَ الْقُفُولَ لَمْ يَنْفُرْ حَتَّى يُوَدِّعَ الْبَيْتَ بِطَوَافٍ، «قَالَتْ عَائِشَةُ فِي حَدِيثِهَا عَنْ عُمْرَتِهَا: " فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ، وَفَرَغْتُ مِنَ الطَّوَافِ جِئْتُهُ بِسَحَرٍ، قَالَ: هَلْ فَرَغْتُمْ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَآذَنَ بِالرَّحِيلِ فِي أَصْحَابِهِ، فَخَرَجَ فَمَرَّ بِالْبَيْتِ، فَطَافَ بِهِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
[مَسْأَلَةٌ اشتغل بعد طواف الوداع بتجارة]
مَسْأَلَةٌ: (فَإِنِ اشْتَغَلَ بَعْدَهُ بِتِجَارَةٍ أَعَادَهُ).
. .
[مَسْأَلَةٌ ما يشرع بعد طواف الوداع]
مَسْأَلَةٌ: (وَيُسْتَحَبُّ لَهُ إِذَا طَافَ أَنْ يَقِفَ فِي الْمُلْتَزَمِ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ فَيَلْتَزِمُ الْبَيْتَ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذَا بَيْتُكَ، وَأَنَا عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، حَمَلْتَنِي عَلَى مَا سَخَّرْتَ لِي مِنْ خَلْقِكَ، وَسَيَّرْتَنِي فِي بِلَادِكَ حَتَّى بَلَّغْتَنِي بِنِعْمَتِكَ إِلَى بَيْتِكَ، وَأَعَنْتَنِي عَلَى أَدَاءِ نُسُكِي، فَإِنْ كُنْتَ رَضِيتَ عَنِّي فَازْدَدْ عَنِّي رِضًا، وَإِلَّا فَمُنَّ الْآنَ قَبْلَ أَنْ تَنْأَى عَنْ بَيْتِكَ دَارِي، فَهَذَا أَوَانُ انْصِرَافِي إِنْ أَذِنْتَ لِي غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِكَ وَلَا بِبَيْتِكَ، وَلَا رَاغِبٍ عَنْكَ وَلَا عَنْ بَيْتِكَ، اللَّهُمَّ فَأَصْحِبْنِي الْعَافِيَةَ فِي بَدَنِي، وَالصِّحَّةَ فِي جِسْمِي، وَالْعِصْمَةَ فِي دِينِي، وَأَحْسِنْ مُنْقَلَبِي، وَارْزُقْنِي طَاعَتَكَ مَا أَبْقَيْتَنِي، وَاجْمَعْ لِي بَيْنَ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، ثُمَّ تُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -).
[مَسْأَلَةٌ حكم الخروج من غير وداع]
مَسْأَلَةٌ: (وَمَنْ خَرَجَ قَبْلَ الْوَدَاعِ رَجَعَ إِنْ كَانَ قَرِيبًا، وَإِنْ بَعُدَ، بَعَثَ بِدَمٍ) .. . . . .
[مَسْأَلَةٌ سقوط طواف الوداع عن الحائض والنفساء]
مَسْأَلَةٌ: (إِلَّا الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ فَلَا وَدَاعَ عَلَيْهِمَا، وَيُسْتَحَبُّ لَهُمَا الْوُقُوفُ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ وَالدُّعَاءُ بِهَذَا).
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا حَاضَتْ بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا أَنْ تَحْتَبِسَ حَتَّى تُوَدِّعَ الْبَيْتَ، بَلْ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ وَهِيَ حَائِضَةٌ مِنْ غَيْرِ وَدَاعٍ ; لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «حَاضَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ بَعْدَمَا أَفَاضَتْ، قَالَتْ: فَذَكَرَتْ حَيْضَهَا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا أَفَاضَتْ وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَاضَتْ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ، قَالَ: فَلْتَنْفِرْ إِذًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا قَالَتْ: «لَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَنْفِرَ، إِذَا
صَفِيَّةُ عَلَى بَابِ خِبَائِهَا كَئِيبَةٌ حَزِينَةٌ، قَالَ: " عَقْرَى حَلْقَى، إِنَّكِ لَحَابِسَتُنَا، ثُمَّ قَالَ لَهَا: أَكُنْتِ أَفَضْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَانْفِرِي».
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ ".
وَعَنْهُ أَيْضًا: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَخَّصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَصْدُرَ قَبْلَ أَنْ تَطُوفَ بِالْبَيْتِ إِذَا كَانَتْ قَدْ طَافَتْ فِي الْإِفَاضَةِ».
رَوَاهُ أَحْمَدُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَى يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، «عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ قَالَ: " سَأَلْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنِ الْمَرْأَةِ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ ثُمَّ تَحِيضُ؟ قَالَ: لِيَكُنْ آخِرُ عَهْدِهَا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ، قَالَ:
فَقَالَ الْحَارِثُ: كَذَلِكَ أَفْتَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: أَرِبْتَ عَنْ يَدَيْكَ، سَأَلْتَنِي عَنْ شَيْءٍ سَأَلْتَ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِكَيْمَا أُخَالِفُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ.
قِيلَ: الْحَارِثُ كَانَ قَدْ سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ مَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلْيَكُنْ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ، وَاللَّفْظُ ظَاهِرٌ فِي الْعُمُومِ، ثُمَّ سَأَلَ عُمَرَ عَنْ صُورَةٍ مِنْ صُوَرِ الْعُمُومِ، وَأَفْتَاهُ بِمَا يُطَابِقُ الْعُمُومَ، وَلَمْ يَعْلَمَا أَنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ مَخْصُوصَةٌ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْحَارِثُ أَنَّهُ اسْتَفْتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِعَيْنِهَا، يُبَيِّنُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عَنِ الْحَارِثِ هَذَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلْيَكُنْ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» فَبَلَغَ حَدِيثُهُ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ: خَرَرْتَ مِنْ يَدَيْكَ! سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ تُخْبِرْنَا بِهِ؟ " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
[بَابُ أَرْكَانِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ]
[مَسْأَلَةٌ أَرْكَانُ الْحَجِّ]
مَسْأَلَةٌ: (أَرْكَانُ الْحَجِّ: الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ).
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ أَرْكَانَ الْحَجِّ هِيَ أَبْعَاضُهُ وَأَجْزَاؤُهُ الَّتِي لَا يَتِمُّ إِلَّا بِهَا، فَمَنْ أَخَلَّ بِبَعْضِهَا لَمْ يَصِحَّ حَجُّهُ، سَوَاءٌ تَرَكَهَا لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِ عُذْرٍ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهَا، بِخِلَافِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّهَا تَجِبُ مَعَ الْقُدْرَةِ وَتَسْقُطُ مَعَ الْعَجْزِ، وَسَبَبُ الْفَرْقِ: أَنَّهُ مَتَى عَجَزَ عَنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ أَمْكَنَهُ الِاسْتِنَابَةُ فِيمَا عَجَزَ عَنْهُ فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ فَإِنَّهُ لَا نِيَابَةَ فِيهَا.
وَفِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ فُصُولٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ لَا يَتِمُّ الْحَجُّ إِلَّا بِهِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198] وَكَلِمَةُ " إِذَا " لَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي الْأَفْعَالِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهَا كَقَوْلِهِمْ: إِذَا احْمَرَّ الْبُسْرُ فَأْتِنِي، وَلَا يُقَالُ: إِنِ احْمَرَّ الْبُسْرُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا فِي الْأَصْلِ ظَرْفٌ لِمَا يَسْتَقْبِلْ مِنَ الْأَفْعَالِ، وَتَتَضَمَّنُ الشَّرْطَ فِي الْغَالِبِ، فَإِذَا جُوزِئَ بِهَا كَانَ مَعْنَاهُ إِيقَاعَ الْجَزَاءِ فِي الزَّمَنِ الَّذِي أُضِيفَ إِلَيْهِ الْفِعْلُ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مَوْجُودًا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَإِلَّا خَرَجَتْ عَنْ أَنْ تَكُونَ ظَرْفًا.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِفَاضَةَ مِنْ عَرَفَاتٍ مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ، فَالْإِخْبَارُ عَنْ وُجُودِهَا يَكُونُ أَمْرًا حَتْمًا بِإِيجَادِهَا نَحْوَ أَنْ يَتْرُكَ بَعْضُ النَّاسِ وَكُلُّهُمُ الْإِفَاضَةَ، وَصَارَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ: إِذَا صَلَّيْتَ الظُّهْرَ فَافْعَلْ كَذَا.
وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: 199] الْآيَةَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: " «كَانَتْ
قُرَيْشٌ وَمَنْ دَانَ دِينَهَا يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الْحُمْسَ، وَكَانَ سَائِرُ الْعَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أَنْ يَأْتِيَ عَرَفَاتٍ فَيَقِفَ بِهَا، ثُمَّ يُفِيضُ مِنْهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: " ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: 199]» " وَفِي لَفْظٍ: " «قَالَتْ: الْحُمْسُ هُمُ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: 199] قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يُفِيضُونَ مِنْ عَرَفَاتٍ، وَكَانَ الْحُمْسُ يُفِيضُونَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ، يَقُولُونَ: لَا نُفِيضُ إِلَّا مِنَ الْحَرَمِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: 199] رَجَعُوا إِلَى عَرَفَاتٍ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: " «أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي، فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاقِفًا مَعَ النَّاسِ بِعَرَفَةَ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا لَمِنَ الْحُمْسِ، فَمَا شَأْنُهُ هَاهُنَا، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُعَدُّ مِنَ الْحُمْسِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «كَانَتِ الْعَرَبُ يَدْفَعُ بِهِمْ أَبُو سَيَّارَةَ عَلَى حِمَارٍ عُرْيٍ، فَلَمَّا أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ لَمْ تَشُكَّ قُرَيْشٌ أَنَّهُ سَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ مَنْزِلُهُ ثَمَّ، فَأَجَازَ وَلَمْ يَعْرِضْ حَتَّى أَتَى عَرَفَاتٍ فَنَزَلَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قِيلَ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: 199] وَالْإِفَاضَةُ مِنْ
عَرَفَاتٍ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198].
قِيلَ: قَدْ قِيلَ: إِنَّهُ لِتَرْتِيبِ الْأَخْبَارِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ إِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ أَنْ تَذْكُرُوهُ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، ثُمَّ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ، وَتَرْتِيبُ الْأَمْرِ لَا يَقْتَضِي تَرْتِيبَ الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَإِنَّمَا أَمَرَ بِهَذَا بَعْدَ هَذَا لِأَنَّ الْأَوَّلَ أَمْرٌ لِجَمِيعِ الْحَجِيجِ، وَالثَّانِي: أَمْرٌ لِلْحُمْسِ خَاصَّةً، وَيُقَالُ: إِنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ﴾ [البقرة: 197] إِلَى قَوْلِهِ: فَاتَّقُوا.
. . ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ [البقرة: 199] وَيَكُونُ مَعْنَاهُ: فَمَنْ فَرَضَ الْحَجَّ فَلَا يَرْفُثُ وَلَا يَفْسُقُ، ثُمَّ بَعْدَ فَرْضِ الْحَجِّ يُفِيضُ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ، وَيَكُونُ الْكَلَامُ فِي بَيَانِ الْمَحْظُورَاتِ وَالْمَفْرُوضَاتِ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ ذَكَرَ لَفْظَ الْإِفَاضَةِ دُونَ الْوُقُوفِ؟
قِيلَ: لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: ثُمَّ قِفُوا حَيْثُ وَقَفَ النَّاسُ لَظُنَّ أَنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ يُجْزِئُ فِي كُلِّ وَقْتٍ بِحَيْثُ يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ، وَأَمَّا الْإِفَاضَةُ فَإِنَّهَا الدَّفْعُ بَعْدَ تَمَامِ الْوُقُوفِ، وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ وَقْتَ الدَّفْعِ هُوَ آخَرُ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَإِذَا أُمِرُوا بِالْإِفَاضَةِ مِنْهَا عُلِمَ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَقِفُوا بِهَا إِلَى وَقْتِ الْإِفَاضَةِ، وَأَنَّهَا غَايَةُ السَّيْرِ الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ الْحَاجُّ، فَلَا تُتَجَاوَزُ وَلَا يُقَصَّرُ عَنْهَا ; لِأَنَّ الْمُقَصِّرَ وَالْمُجَاوِزَ لَا يُفِيضَانِ مِنْهَا.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَى سُفْيَانُ وَشُعْبَةُ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَطَاءٍ اللَّيْثِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ الدِّيلِيِّ: " «أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، فَسَأَلُوهُ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: الْحَجُّ عَرَفَةُ، مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، أَيَّامَ مِنًى ثَلَاثَةً، فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَأَرْدَفَ رَجُلًا خَلْفَهُ يُنَادِي بِهِنَّ» " رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: هَذَا أَجْوَدُ حَدِيثٍ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِسَعِيدٍ: «مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ».
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «فَمَنْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ».
وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسِ بْنِ أَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ لَامٍ الطَّائِيِّ قَالَ: «أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمُزْدَلِفَةِ حِينَ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي جِئْتُ
مِنْ جَبَلِ طَيِّئٍ أَكْلَلْتُ رَاحِلَتِي وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي، وَاللَّهِ مَا تَرَكْتُ مِنْ جَبَلٍ إِلَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ، فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ صَحِيحَةٍ: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ وَوَقَفَ بِعَرَفَاتٍ»، وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ لِسَعِيدٍ: «مَنْ وَقَفَ مَعَنَا هَذَا الْمَوْقِفَ وَشَهِدَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ - يَعْنِي: صَلَاةَ الْفَجْرِ - أَفَاضَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ عَرَفَاتٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا - فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ».
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «أَفْرِحْ رَوْعَكَ، مَنْ أَدْرَكَ إِفَاضَتَنَا هَذِهِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ».
وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ.
. .
(فَصْلٌ) وَلِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ مَكَانٌ وَزَمَانٌ، فَأَمَّا حُدُودُ عَرَفَاتٍ فَقَدْ تَقَدَّمَ، وَأَمَّا زَمَانُ
الْوُقُوفِ: فَالْيَوْمُ التَّاسِعُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَلَيْلَةُ الْعَاشِرِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَتُسَمَّى لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ، وَلَيْلَةَ النَّحْرِ، وَلَيْلَةَ عَرَفَةَ.
فَمَنْ طَلَعَ الْفَجْرُ وَلَمْ يَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنْ عَرَفَةَ: فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: 198] وَإِذَا كَلِمَةُ تَوْقِيتٍ، وَتَحْدِيدٍ، فَأَشْعَرَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْإِفَاضَةَ لَهَا وَقْتٌ مَحْدُودٌ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ:.
. .، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْحَجُّ عَرَفَةُ مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ» "، وَهَذَا ذِكْرُهُ فِي مَعْرِضِ تَحْدِيدِ وَقْتِ الْوُقُوفِ، فَعُلِمَ أَنَّ مَنْ جَاءَهَا لَيْلًا فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، وَمَنْ لَمْ يُوَافِهَا حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا، أَوْ نَهَارًا ......». وَالصَّلَاةُ بِالْمُزْدَلِفَةِ: هِيَ أَوَّلَ مَا يَبْزُغُ الْفَجْرُ.
فَعُلِمَ أَنَّ وَقْتَ الْوُقُوفِ قَبْلَ مِيقَاتِ تِلْكَ الصَّلَاةِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا.
وَإِنَّمَا يَكُونُ هَذَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ.
وَهَذَا مِمَّا أُجْمِعَ عَلَيْهِ.
وَعَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: " مَنْ لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ
أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ مِنْ لَيْلَةِ الْمُزْدَلِفَةِ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ" رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ.
وَمَنْ لَمْ يُوَافِ عَرَفَةَ إِلَّا لَيْلًا أَجْزَأَهُ الْوُقُوفُ وَلَوْ لَحْظَةً فِي بَعْضِ جَوَانِبِهَا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ»، وَقَوْلِهِ: «وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا».
وَلَا دَمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ذَكَرَ أَنَّهُ يُدْرِكُ الْحَجَّ، وَأَنَّهُ قَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ، لَا سِيَّمَا فِي حُكْمٍ عَظِيمٍ أَرْدَفَ خَلْفَهُ مَنْ يُنَادِي بِهِ فِي النَّاسِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
وَمَنْ وَافَاهَا نَهَارًا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقِفَ إِلَى اللَّيْلِ - كَمَا سَيَأْتِي - لَكِنْ لَوْ لَمْ يَقِفْ إِلَى اللَّيْلِ إِمَّا بِأَنْ يَدْفَعَ مِنْهَا، أَوْ يَعْرِضَ مَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْوُقُوفِ مِنْ إِغْمَاءٍ أَوْ مَوْتٍ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ إِنْ وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ.
وَأَمَّا إِنْ وَقَفَ قَبْلَ الزَّوَالِ: فَفِيهِ رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: يُجْزِئُهُ الْوُقُوفُ فِي أَيَّةِ سَاعَةٍ كَانَ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَلَيْلَتِهَا مِنْ طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِهَا إِلَى طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ.
قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: قَالَ أَحْمَدُ: إِذَا كَانَ مَرِيضًا أَهَلَّ مِنَ الْمِيقَاتِ ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بِعَرَفَاتٍ فَلَمْ يَقِفْ حَتَّى أَصْبَحَ: فَلَا حَجَّ لَهُ، فَإِنْ أَفَاقَ وَلَوْ سَاعَةً إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ [مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَيُرْمَى عَنْهُ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: إِذَا عَقَلَ عِنْدَ الْمِيقَاتِ فَأَهَلَّ بِعَرَفَةَ سَاعَةً] قَالَ: قَدْ أَجْزَأَ عَنْهُ.
وَقَالَ حَنْبَلٌ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: كُلُّ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ وَلَوْ سَاعَةً، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ أَبِي مُوسَى، وَابْنِ حَامِدٍ، وَالْقَاضِي، وَأَصْحَابِهِ، قَالُوا: لَوْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَنَفَرَ مِنْهَا قَبْلَ الزَّوَالِ: أَسَاءَ، وَحَجُّهُ تَامٌّ، وَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يُجْزِئُهُ إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ بَطَّةِ، وَأَبِي حَفْصٍ الْعُكْبَرِيَّيْنِ، فَمَنْ لَمْ يَقِفْ - عِنْدَهُمْ - بَعْدَ الزَّوَالِ: فَحَجُّهُ بَاطِلٌ، قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي الْحَارِثِ - وَقَدْ سُئِلَ عَنِ الَّذِي يَشْرُدُ بِهِ بِعِيرُهُ بِعَرَفَةَ - فَقَالَ: كُلُّ مَنْ وَطِئَ عَرَفَةَ بِلَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ بَعْدَ أَنْ يَقِفَ النَّاسُ: فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ إِذَا أَتَى مَا يَجِبُ عَلَيْهِ.
وَيَدْخُلُ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: يُجْزِئُهُ حَجُّهُ إِذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ بِعَرَفَةَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى انْسَلَخَ عَنْهُ، فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ: أَنَّهُ يُجْزِئُهُ صَوْمُ رَمَضَانَ وَلَا يَقْضِي شَيْئًا مِنَ الصَّلَاةِ.
فَقَدْ قُيِّدَ الْوُقُوفُ الْمُجْزِئُ: أَنْ يَكُونَ بَعْدَ وُقُوفِ النَّاسِ بِهَا، وَأَوَّلُ وَقْتِ وُقُوفِ النَّاسِ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَهَذِهِ السُّنَّةُ الْمُوَرَّثَةُ عَنْهُ الْمَنْقُولَةُ نَقْلًا عَامًّا، فَلَوْ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَقْتَ وُقُوفٍ
لَوَقَفَ فِيهِ، وَلَمْ يَنْزِلْ بِنَمِرَةَ، وَهِيَ خَارِجَةٌ عَنِ الْمُعَرَّفِ، إِذِ الْمُسَارَعَةُ إِلَى الْعِبَادَةِ أَوْلَى مِنَ التَّأْخِيرِ.
وَلِأَنَّ مَوَاقِيتَ الْعِبَادَاتِ إِنَّمَا تُتَلَقَّى مِنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَوْ قَوْلِهِ.
وَإِنَّمَا وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ كَمَا رَمَى جِمَارَ أَيَّامِ مِنًى بَعْدَ الزَّوَالِ، وَكَمَا صَلَّى الظُّهْرَ وَغَيْرَهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ فِي مَوَاقِيتِهَا، وَالْعِبَادَةُ الْمَفْعُولَةُ قَبْلَ وَقْتِهَا لَا تَصِحُّ بِخِلَافِ الْمَفْعُولَةِ بَعْدَ وَقْتِهَا.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمِ: " «إِذَا كَانَ عَشِيَّةُ عَرَفَةَ بَاهَى اللَّهُ بِالْحَاجِّ» " فَمَنْ لَمْ يَقِفْ إِلَى الْعَشِيَّةِ لَمْ يُبَاهِ اللَّهُ بِهِ، فَلَا يَكُونُ مِنَ الْحَاجِّ.
وَلِأَنَّ الرَّمْيَ الْمَشْرُوعَ - بَعْدَ الزَّوَالِ -: لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى وَقْتِهِ، وَإِنْ جَازَ التَّأْخِيرُ عَنْهُ.
فَالْوُقُوفُ أَوْلَى وَأَحْرَى.
وَلِأَنَّ الْوُقُوفَ: عِبَادَةٌ مَشْرُوعَةٌ عَشِيَّةَ الْيَوْمِ، فَلَا يَجُوزُ فِعْلُهَا قَبْلَ الزَّوَالِ كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَهَذَا لِأَنَّ مَا بَيْنَ زَوَالِ الشَّمْسِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ: مَوَاقِيتُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ، فَجَازَ أَنْ يَجْعَلَهَا اللَّهُ مِيقَاتًا لِلْمَنَاسِكِ الَّتِي هِيَ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ صَدْرِ النَّهَارِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا، أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ».
وَقَضَاءُ التَّفَثِ بِالصَّلَاةِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَبِأَنْ يَقِفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا، أَوْ نَهَارًا، فَمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَأَفَاضَ إِلَى جَمْعٍ فَوَقَفَ بِهَا مَعَ الْإِمَامِ، فَقَدْ دَخَلَ فِي عُمُومِ الْحَدِيثِ.
وَلَوْ كَانَ وَقْتُ الْإِجْزَاءِ بَعْدَ الزَّوَالِ لَقَالَ: "وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا، أَوْ نَهَارًا بَعْدَ الزَّوَالِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا مَعْنَاهُ: بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا فَقَطْ، أَوْ نَهَارًا إِلَى اللَّيْلِ؛ لِأَنَّ
الْمُخَاطَبِينَ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ مَنْ وَقَفَ نَهَارًا وَصَلَ الْوُقُوفَ إِلَى اللَّيْلِ، وَالشَّكُّ إِنَّمَا كَانَ فِيمَنْ لَمْ يُدْرِكْهَا إِلَّا لَيْلًا، فَخَرَجَ كَلَامُهُ لِبَيَانِ مَا أَشْكَلَ بِدَلِيلِ أَنَّ الْوُقُوفَ إِلَى آخِرِ النَّهَارِ وَاجِبٌ، وَتَرْكَهُ مُوجِبٌ لِلدَّمِ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ دَمًا، وَمَنْ يَكُونُ قَدْ تَرَكَ وَاجِبًا لَا يَكُونُ حَجُّهُ تَامًّا إِلَّا بِإِخْرَاجِ الدَّمِ.
قِيلَ: أَوَّلًا هَذَا السُّؤَالُ إِنَّمَا يَصِحُّ مِمَّنْ يَقُولُ: إِنَّ الْوُقُوفَ بِاللَّيْلِ رُكْنٌ كَمَا قَالَ مَالِكٌ.
وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّ مَنْ دَفَعَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ صَحَّ حَجُّهُ، لَكِنْ عَلَيْهِ دَمٌ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَبَيَّنَ ضَعْفَ هَذَا: أَنَّهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ الْوَقْتُ الْمُعْتَبَرُ هُوَ اللَّيْلُ فَقَطْ، فَكَانَ يَكْفِي أَنْ يُقَالَ: وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا قَالَ: " وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا " عُلِمَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا وَقْتٌ لِلْوُقُوفِ عَلَى انْفِرَادٍ، وَحَجُّ مَنْ وَقَفَ فِي أَحَدِهِمَا تَامٌّ، وَتَفَثُهُ مَقْضِيٌّ، نَعَمْ قَدْ يَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ آخِرَ النَّهَارِ عَلَيْهِ دَمٌ كَمَا سَيَأْتِي.
وَأَيْضًا: فَقَوْلُهُ - فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ -: «أَفَاضَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ عَرَفَاتٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» يُبْطِلُ هَذَا التَّأْوِيلَ؛ لِأَنَّ مَنْ أَفَاضَ نَهَارًا لَمْ يَقِفْ إِلَى اللَّيْلِ.
. .
وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ: فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي الْحَارِثِ -: قَوْلُهُ: «الْحَجُّ عَرَفَةُ».
عَلَى السَّلَامَةِ، فَإِذَا هُوَ عَمِلَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ مِنْ طَوَافٍ يَوْمَ النَّحْرِ فَهُوَ الطَّوَافُ الْوَاجِبُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفِ النَّاسُ - عَلِمْنَا - أَنَّهُ مَنْ لَمْ يَطُفْ يَوْمَ النَّحْرِ أَنَّهُ يَرْجِعُ حَتَّى يَطُوفَ، وَلَوْ كَانَ قَدْ أَتَى أَهْلَهُ، وَذَلِكَ مُشْبِهُ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصَّلَاةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَهَا» ". فَإِذَا أَدْرَكَ رَكْعَةً أَفَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا عَلَى كَمَالِهَا، وَمَا أَفْسَدَ آخِرَهَا أَفْسَدَ أَوَّلَهَا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى كَمَالِهَا.
وَكَذَلِكَ الْوَاقِفُ بِعَرَفَةَ مَا لَمْ يَأْتِ بِرَمْيِ الْجِمَارِ، وَهَذِهِ الْأَشْيَاءِ: فَحَجُّهُ فَاسِدٌ إِذَا وَطِئَ قَبْلَ رَمْيِ الْجِمَارِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ قَائِمٌ عَلَيْهِ، وَإِذَا رَمَى الْجِمَارَ: فَقَدِ انْتَقَضَ إِحْرَامُهُ، وَحَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ.
(فَصْلٌ)
وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ كُلِّ طَوَافٍ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَفِي غَيْرِ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ عَشَرَةُ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا: النِّيَّةُ، وَهِيَ أَنْ يَقْصِدَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ، فَلَوْ دَارَ حَوْلَ الْبَيْتِ طَالِبًا لِرَجُلٍ، أَوْ مُتَرَوِّحًا بِالْمَشْيِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَوَافًا، كَمَا لَوْ أَمْسَكَ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ، وَلَمْ يَقْصِدِ الصَّوْمَ، أَوْ تَجَرَّدَ عَنِ الْمَخِيطِ وَلَبَّى، وَلَمْ يَقْصِدِ الْإِحْرَامَ، وَهَذَا أَصْلٌ مُسْتَقِرٌّ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ الْمَقْصُودَةِ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِنِيَّةٍ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5]، وَهَذَا لَمْ يَنْوِ الْعِبَادَةَ.
الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا مِنَ الْحَدَثِ، فَلَوْ كَانَ مُحْدِثًا أَوْ جُنُبًا، أَوْ حَائِضًا: لَمْ يَجُزْ لَهُ فِعْلُ الطَّوَافِ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، بَلْ هُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ
يُؤْمَرَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْحَرَامِ حَرَامٌ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَّ النُّفَسَاءَ وَالْحَائِضَ تَغْتَسِلُ وَتُحْرِمُ وَتَقْضِي الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفَ بِالْبَيْتِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، «عَنْ أَبِي بَكْرٍ: "أَنَّهُ خَرَجَ حَاجًّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَمَعَهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، فَوَلَدَتْ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَتَى أَبُو بَكْرٍ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَأْمُرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، ثُمَّ تُهِلَّ بِالْحَجِّ، وَتَصْنَعَ مَا يَصْنَعُ النَّاسُ إِلَّا أَنَّهَا لَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
«وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: " خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا نَذْكُرُ إِلَّا الْحَجَّ حَتَّى جِئْنَا سَرَفَ، فَطَمِثْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ خَرَجْتُ الْعَامَ، قَالَ: مَا لَكِ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي»، وَذَكَرَتِ الْحَدِيثَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «فَاقْضِ مَا يَقْضِي الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَغْتَسِلِي»، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْحَائِضُ تَقْضِي الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ».
وَهَذَا مُتَوَاتِرٌ فِي «حَدِيثِ عَائِشَةَ: أَنَّهَا حَاضَتْ لَمَّا قَدِمَتْ مَكَّةَ مَنَعَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الطَّوَافِ، وَأَمَرَهَا بِالْإِهْلَالِ بِالْحَجِّ، وَطَافَتْ لَمَّا رَجَعَتْ مِنْ عَرَفَاتٍ، ثُمَّ اعْتَمَرَتْ بَعْدَ الصَّدْرِ مِنْ مِنًى».
وَقَدْ تَقَدَّمَ - أَيْضًا - فِي «حَدِيثِ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ أَنَّهَا حَاضَتْ بَعْدَمَا أَفَاضَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "عَقْرَى حَلْقَى إِنَّكِ لَحَابِسَتُنَا" ثُمَّ قَالَ لَهَا: " أَكُنْتِ أَفَضْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَانْفِرِي»، وَرَخَّصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ مِنْ غَيْرِ وَدَاعٍ، وَلَوْ كَانَ لِلْحَائِضِ سَبِيلٌ إِلَى الطَّوَافِ بِجُبْرَانٍ، أَوْ غَيْرِ جُبْرَانٍ لَمْ يَحْبِسِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَجْلِهَا، بَلْ أَمَرَهَا بِالطَّوَافِ بِجُبْرَانٍ لَوْ كَانَ جَائِزًا، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ جَائِزًا لَمْ يُسْقِطْ عَنْهَا طَوَافُ الْوَدَاعِ، بَلْ أَمَرَهَا بِهِ وَبِجُبْرَانِهِ.
وَعَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَدِمَ: أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ طَاوُسٍ عَنْ رَجُلٍ قَدْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّمَا الطَّوَافُ صَلَاةٌ، فَإِذَا طُفْتُمْ فَأَقِلُّوا الْكَلَامَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الطَّوَافُ حَوْلَ الْبَيْتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ، إِلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ، فَلَا يَتَكَلَّمْ إِلَّا بِخَيْرٍ» قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا.
فَقَدْ جَعَلَهُ صَلَاةً، وَمِثْلَ الصَّلَاةِ إِلَّا فِي إِبَاحَةِ النُّطْقِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يُسَاوِي الصَّلَاةَ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ مِنَ الطَّهَارَتَيْنِ وَالزِّينَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، إِذْ لَوْ فَارَقَهَا فِي غَيْرِ الْكَلَامِ لَوَجَبَ اسْتِثْنَاؤُهُ، فَإِنَّ اسْتِثْنَاءَ هَذِهِ الصُّورَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا تَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ لَوْلَا الِاسْتِثْنَاءُ، وَإِذَا دَخَلَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ، فَدُخُولُ سَائِرِ الصُّوَرِ أَوْكَدُ.
وَعَلَى هَذَا فَالْمُحْدِثُ يُمْنَعُ مِنْهُ كَمَا يُمْنَعُ مِنَ الصَّلَاةِ.