شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الحجصفحات 346-385

باب الْإِحْرَامِ

صفحات 346-385

وَدَلِيلُ وُجُوبِهِ: أَنَّهُ وَجَبَ بَدَلًا عَنِ الْهَدْيِ، وَالْبَدَلُ لَا يَتَأَخَّرُ وُجُوبُهُ عَنْ وُجُوبِ الْمُبْدَلِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ.
وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُؤَخِّرَ صَوْمَهَا إِلَى أَنْ يَقْدَمَ؛ لِأَنَّهُ أَخْذٌ بِالرُّخْصَةِ، وَخُرُوجٌ مِنَ الْخِلَافِ، كَمَا قُلْنَا فِي صَوْمِ رَمَضَانَ وَأَوْلَى إِلَّا أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ.
فَإِنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ يَصُومُهُ مُقِيمًا فِي غَيْرِ وَطَنِهِ.

فَصْلٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَصُومَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ وَالسَّبْعَةِ مُتَفَرِّقًا، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَصُومَهُ مُتَتَابِعًا نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - أَطْلَقَهُ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالتَّتَابُعِ، فَيَبْقَى عَلَى مَا أَطْلَقَهُ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ -.

فَصْلٌ قَدْ قُلْنَا: إِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَصُومَ مِنْ حِينِ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ هَذَا إِذَا لَمْ يَجِدْ هَدْيًا حِينَئِذٍ، وَيَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَجِدُهُ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ، فَأَمَّا إِنْ غَلَبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُهُ يَوْمَ النَّحْرِ .. . .

فَإِذَا شَرَعَ فِي صَوْمِ الثَّلَاثَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ الِانْتِقَالُ إِلَى الْهَدْيِ، بَلْ يَمْضِي فِي صَوْمِهِ، وَإِنِ انْتَقَلَ إِلَيْهِ فَهُوَ أَفْضَلُ.
قَالَ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ - فِي الْمُتَمَتِّعِ إِذَا صَامَ أَيَّامًا، ثُمَّ أَيْسَرَ أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ الصِّيَامُ، وَيَمْضِيَ فِيهِ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ - فِي مُتَمَتِّعٍ لَمْ يَجِدْ مَا يَذْبَحُ، فَصَامَ ثُمَّ وَجَدَ يَوْمَ النَّحْرِ مَا يَذْبَحُ؛ فَمَتَى دَخَلَ فِي الصَّوْمِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ، وَنَقُولُ - فِي الْكَفَّارَاتِ كُلِّهَا -: إِذَا دَخَلَ فِي الصَّوْمِ يَمْضِي فِيهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا تَيَمَّمَ ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، فَلْيَمْضِ.
وَهَذَا أَصْلٌ مُطَّرِدٌ لَنَا فِي الْكَفَّارَاتِ كُلِّهَا: إِذَا قَدَرَ عَلَى التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الصِّيَامِ: لَمْ يَلْزَمْهُ الِانْتِقَالُ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَبْطُلُ بِوُجُودِ الرَّقَبَةِ وَالْهَدْيِ.
وَيَتَخَرَّجُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ - عَلَى وَجْهٍ - مِثْلُ ذَلِكَ الْكَفَّارَاتِ

أَنَّهُ إِذَا أَيْسَرَ فِي الصِّيَامِ انْتَقَلَ إِلَى الْمَالِ، وَالِانْتِقَالُ هُنَا أَوْجَهُ؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ إِنَّمَا يَسْتَقِرُّ وُجُوبُهُ وَإِنَّمَا يُجْزِئُ ذَبْحُهُ يَوْمَ النَّحْرِ بِخِلَافِ الْعِتْقِ فِي الْكَفَّارَاتِ فَإِنَّ اسْتِقْرَارَهُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ، نَعَمْ هُوَ يُشْبِهُ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ إِذَا قُلْنَا لَا تَسْتَقِرُّ إِلَّا بِالْوَطْءِ وَكَفَّرَ قَبْلَهُ.
وَقَدْ خَرَّجَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ الَّتِي بَعْدَ الشُّرُوعِ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ: الِاعْتِبَارُ فِي الْكَفَّارَاتِ بِأَغْلَظِ الْحَالَيْنِ.
وَهَذَا تَخْرِيجٌ غَيْرُ سَدِيدٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَجِيءُ فِيمَا إِذَا وَجَدَ الْهَدْيَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ، فَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فَلَمْ يَشْرَعْ فِيهِ حَتَّى وَجَدَ الْهَدْيَ: فَهَلْ يَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ إِلَيْهِ؟ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا فِيهِ رِوَايَتَيْنِ، أَصَحُّهُمَا لَا يَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ أَيْضًا، وَبَنَوْا ذَلِكَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْكَفَّارَةِ: هَلِ الْعِبْرَةُ بِحَالِ الْوُجُوبِ، أَوْ بِأَغْلَظِ الْحَالَيْنِ مِنْ حَالِ الْوُجُوبِ وَالْأَدَاءِ، وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى حَالِ وُجُوبِ الصَّوْمِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَجِبُ إِذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، وَكَانَ قَدْ أَحْرَمَ قَبْلَ النَّحْرِ بِأَيَّامٍ فَهَذِهِ صُورَةٌ مُسْتَقِيمَةٌ.
وَأَمَّا إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَا يَجِبُ الصَّوْمُ وَلَا الْهَدْيُ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ، أَوْ قُلْنَا: إِذَا أَحْرَمَ

بِالْحَجِّ فَلَمْ يُحْرِمْ بِهِ إِلَى الْيَوْمِ السَّابِعِ، أَوِ الثَّامِنِ، أَوِ التَّاسِعِ فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ لَا يَجِبُ وُجُوبَ اسْتِقْرَارٍ فِي الذِّمَّةِ، وَإِلَّا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُ الصَّوْمِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ بِلَا تَرَدُّدٍ، كَمَا قُلْنَا فِي الْمُظَاهِرِ يَجِبُ عَلَيْهِ إِخْرَاجُ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْوَطْءِ، وَإِنْ قُلْنَا لَا يَسْتَقِرُّ فِي ذِمَّتِهِ إِلَّا بِالْوَطْءِ، فَنَقُولُ عَلَى هَذَا: إِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاءُ الصَّوْمِ قَبْلَ النَّحْرِ بِثَلَاثِ لَيَالٍ، فَإِذَا وَجَدَ الْهَدْيَ بَعْدَ انْقِضَاءِ بَعْضِهَا مِنْ غَيْرِ صَوْمٍ، ثُمَّ وَجَدَ الْهَدْيَ فَهَذِهِ الصُّورَةُ: يَجِبُ أَنْ يَجِبَ فِيهَا الْهَدْيُ وَلَا يُجْزِئَهُ الصَّوْمُ، كَمَا لَوْ عَزَمَ الْمُظَاهِرُ عَلَى الْعَوْدِ، وَلَمْ يَصُمْ حَتَّى وَجَدَ الرَّقَبَةَ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ وَجَدَ الْهَدْيَ قَبْلَ أَنْ يَجِبَ الصَّوْمُ؛ فَإِنَّ الصَّوْمَ لَا يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ إِلَّا إِذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، أَوْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ.
وَوُجُوبُ أَدَائِهِ قَبْلَ ذَلِكَ .. . . وَأَمَّا إِنْ كَانَ فَرْضُهُ الصَّوْمَ وَدَخَلَ يَوْمُ النَّحْرِ وَلَمْ يَصُمْ، ثُمَّ وَجَدَ الْهَدْيَ فَهُنَا يُشْبِهُ مَسْأَلَةَ الْكَفَّارَاتِ إِلَّا أَنَّ الصَّوْمَ هُنَا فَاتَ وَقْتُهُ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ فِي الْكَفَّارَاتِ.
فَقَدْ فَرَّطَ بِتَفْوِيتِهِ، وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْهُ: فَعَنْهُ أَنَّهُ يُهْدِي هَدْيَانِ وَلَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ، وَعَنْهُ: يَقْضِي الصَّوْمَ وَيُهْدِي، وَعَنْهُ: يَقْضِيهِ مِنْ غَيْرِ هَدْيٍ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَإِنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَهَا مَأْخَذَانِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَدْ اسْتَقَرَّ الْبَدَلُ فِي الذِّمَّةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ فَوَّتَهُ.
وَأَمَّا التَّفْرِيقُ بَيْنَ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الْهَدْيِ، أَوْ لَا يَقْدِرَ .. . .

فَصْلٌ وَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ فَلَمْ يُهْدِ حَتَّى خَرَجَتْ أَيَّامُ الذَّبْحِ: فَفِيهِ ثَلَاثُ

رِوَايَاتٍ مَنْصُوصَاتٍ: - إِحْدَاهُنَّ: عَلَيْهِ هَدْيُ مُتْعَتِهِ، وَهَدْيٌ آخَرُ لِتَفْرِيطِهِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الشَّرِيفِ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ أَصْحَابُنَا: لِتَأْخِيرِهِ عَنْ وَقْتِ الذَّبْحِ.
قَالَ - فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ - إِذَا تَمَتَّعَ فَلَمْ يُهْدِ إِلَى قَابِلٍ يُهْدِي هَدْيَيْنِ هَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَإِذَا صَامَ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَإِنَّ عَلَيْهِ دَمَيْنِ، كَذَلِكَ نَقَلَ يَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ - فِي مُتَمَتِّعٍ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ وَلَمْ يَصُمْ حَتَّى جَازَ أَيَّامَ النَّحْرِ: صَامَ عَشَرَةً إِذَا رَجَعَ وَعَلَيْهِ دَمٌ قَدْ فَرَّطَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: مَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَمٌ فَلَمْ يَذْبَحْهُ حَتَّى جَازَ يَوْمَ النَّحْرِ: فَعَلَيْهِ دَمَانِ؛ دَمُ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ، وَدَمٌ لِمَا فَرَّطَ، قِيلَ لَهُ: تَقُولُ بِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ عَلَيْهِ دَمَانِ؛ دَمٌ لِمَا عَلَيْهِ، وَدَمٌ لِمَا أَخَّرَهُ.
وَلَا فَرْقَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ بَيْنَ الْمَعْذُورِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ اعْتَمَدَ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ فِي الْمَعْذُورِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَالْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ أَنَّ الْمَعْذُورَ وَغَيْرَهُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ إِذَا لَمْ يَجِدْ ثَمَنًا يَشْتَرِي بِهِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى هَاهُنَا عَلَيْهِ هَدْيَانِ وَهَذِهِ حَالَةُ عُذْرٍ.

وَذَلِكَ لِمَا احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ، عَنْ مَوْلًى لِابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَنْ تَمَتَّعَ فَلَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُهْدِ، قَالَ: " عَلَيْهِ دَمَانِ ". رَوَاهُ سَعِيدٌ وَرَوَاهُ النَّجَّادُ، وَلَفْظُهُ: عَنْ ابْنِ بَذِيمَةَ مَوْلًى لِابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " تَمَتَّعْتُ فَنَسِيتُ أَنْ أَنْحَرَ وَأَخَّرْتُ هَدْيِي فَمَضَيْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: أَهْدِ هَدْيَيْنِ؛ هَدْيًا .. .، وَهَدْيًا لِمَا أَخَّرْتَ ". وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ؛ وَلِأَنَّ الذَّبْحَ فِي وَقْتِهِ نُسُكٌ وَاجِبٌ فَمَتَى فَوَّتَ الْوَقْتَ فَقَدْ تَرَكَ مِنْ نُسُكِهِ، وَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ نُسُكِهِ: فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَعَكْسُهُ تَأْخِيرُ الْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ إِلَى وَقْتٍ يَجُوزُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَرْكُ وَاجِبٍ، وَلِأَنَّهُ لَوْ فَوَّتَ نَفْسَ الْحَجِّ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، فَكَذَلِكَ إِذَا فَوَّتَ بَعْضَ وَاجِبَاتِهِ الَّتِي يُمْكِنُ قَضَاؤُهَا: يَجِبُ أَنْ تَجِبَ فِيهِ الْكَفَّارَةُ إِلْحَاقًا لِأَجْزَاءِ الْعِبَادَةِ بِأَصْلِهَا، فَإِنَّهُ مِنْ أَجْلَى الْأَقْيِسَةِ.

وَلِأَنَّ مَا وَقَّتَهُ بِنَذْرِهِ إِذَا فَوَّتَ وَقْتَهُ: فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، فَمَا وَقَّتَهُ الشَّرْعُ أَحْرَى أَنْ تَجِبَ الْكَفَّارَةُ بِتَفْوِيتِ وَقْتِهِ.
وَلَا يَنْتَقِضُ هَذَا بِتَفْوِيتِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ ذَاكَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَجِبَ فِيهِ كَفَّارَةٌ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا هَدْيُ التَّمَتُّعِ فَقَطْ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ - فِي مُتَمَتِّعٍ لَمْ يَذْبَحْ حَتَّى رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ -: يَبْعَثُ بِالدَّمِ إِذَا كَانَ سَاهِيًا وَالْعَامِدُ: عَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ أَسَاءَ، وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَهَذَا الَّذِي نَصَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ؛ لِأَنَّهُ نُسُكٌ أَخَّرَهُ إِلَى وَقْتِ جَوَازِ فِعْلِهِ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ دَمٌ، كَمَا لَوْ أَخَّرَ الْوُقُوفَ إِلَى اللَّيْلِ، وَالطَّوَافَ عَنْ أَيَّامِ مِنًى، وَالْمَعْنَى بِجَوَازِ فِعْلِهِ أَجْزَاهُ، فَأَمَّا حِلُّ التَّأْخِيرِ: فَلَا، قَالَ الْقَاضِي: وَلِأَنَّهُ دَمٌ أَخَّرَهُ عَنْ وَقْتِ وُجُوبِهِ، فَلَا يَجِبُ بِتَأْخِيرِهِ دَمٌ كَسَائِرِ الدِّمَاءِ الْوَاجِبَاتِ مِنَ الْحِلَاقِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ، وَقَتْلِ الصَّيْدِ؛ وَلِأَنَّ تَأْخِيرَ الْعِبَادَةِ الْمُؤَقَّتَةِ عَنْ وَقْتِهَا إِذَا شُرِعَ قَضَاؤُهَا: لَا يُوجِبُ إِلَّا الْقَضَاءَ بِدَلِيلِ تَأْخِيرِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ: إِنْ أَخَّرَهُ لِعُذْرٍ لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا هَدْيٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ أَخَّرَهُ عَمْدًا فَعَلَيْهِ هَدْيَانِ.
قَالَ حَرْبٌ: قِيلَ لِأَحْمَدَ: رَجُلٌ حَجَّ وَعَلَيْهِ دَمٌ فَدَفَعَ نَفَقَتَهُ إِلَى رَجُلٍ وَغَابَ الرَّجُلُ فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يَذْبَحُ حَتَّى رَجَعَ إِلَى بِلَادِهِ؟ قَالَ: يَبْعَثُ بِدَمٍ إِذَا كَانَ لَهُ عُذْرٌ رَجَوْتُ أَنْ يُجْزِئَ عَنْهُ دَمٌ وَاحِدٌ، وَيُرْوَى عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ: عَلَيْهِ دَمَانِ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ، قِيلَ لَهُ: فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَبْعَثَ بِدَمٍ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي وَكَأَنَّهُ أَوْجَبَهُ عَلَيْهِ إِذَا وَجَدَ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ - فِي مُتَمَتِّعٍ رَجَعَ إِلَى بِلَادِهِ وَلَمْ يُهْدِ: يُجَزِّئُ عَنْهُ

دَمٌ وَاحِدٌ إِذَا كَانَ لَهُ عُذْرٌ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: عَلَيْهِ دَمَانِ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ.
قَالَ الْقَاضِي: الْعُذْرُ مِثْلُ أَنْ تَضِيقَ النَّفَقَةُ وَلَا يَجِدُ مَا يَشْتَرِي وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: الْعُذْرُ مِثْلُ أَنْ تَضِيعَ النَّفَقَةُ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ: الْعُذْرُ مِثْلُ النِّسْيَانِ وَنَحْوِهِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَوْ سَهَا عَنِ الْهَدْيِ إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى بَلَدِهِ لَزِمَهُ إِنْفَاذُ هَدْيٍ يُنْحَرُ بِالْحَرَمِ لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَهَذَا لِأَنَّ الْعِبَادَاتِ الْمُؤَقَّتَةَ: إِذَا أُخِّرَتْ عَنْ وَقْتِهَا تَعَذَّرَ، وَشُرِعَ قَضَاؤُهَا: لَمْ يَحْتَجْ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ مِثْلَ الصَّوْمِ إِذَا أَفْطَرَ لِمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ، وَالصَّلَاةِ إِذَا أَخَّرَهَا لِنَوْمٍ أَوْ نِسْيَانٍ، بِخِلَافِ مَنْ أَخَّرَهَا تَأْخِيرًا مُحَرَّمًا، فَإِنَّهُ يَأْثَمُ بِذَلِكَ فَيَحْتَاجُ إِلَى كَفَّارَةٍ مَاحِيَةٍ.
وَالْعُذْرُ هُنَا: مِثْلُ النِّسْيَانِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يُسْقِطُ.
فَأَمَّا ضِيقُ النَّفَقَةِ وَضَيَاعُهَا، أَوْ عَدَمُ النَّعَمِ - كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ - فَهَذَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْهَدْيِ، وَيَجْعَلُ فَرْضَهُ الصَّوْمَ، فَإِذَا لَمْ يَصُمْ فَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْآتِيَةُ وَإِنْ صَامَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ آخَرُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَاجِدًا حِينَ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَتَرَكَ الصَّوْمَ لِذَلِكَ فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ الذَّبْحِ: ضَاعَتِ النَّفَقَةُ، أَوْ عُدِمَتِ النَّعَمُ، أَوْ كَانَ قَدْ ابْتَاعَ هَدْيًا فَظَلَّ: فَهُنَا هُوَ مَعْذُورٌ بِتَرْكِ الصَّوْمِ وَالذَّبْحِ.
وَبِكُلِّ حَالٍ إِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ وَلَمْ يُهْدِ سَوَاءً كَانَ مُوسِرًا، أَوْ مُعْسِرًا بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ قَدِ اسْتَقَرَّ فِي ذِمَّتِهِ.
وَأَمَّا الصَّوْمُ؛ صَوْمُ الثَّلَاثَةِ إِذَا فَوَّتَهُ بَعْدَ وُجُوبِهِ، وَفَوَاتُهَا أَنْ لَا يَصُومَهَا قَبْلَ النَّحْرِ فِي رِوَايَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: أَنْ لَا يَصُومَهَا إِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، فَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ وَلَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ بِحَالٍ، كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ:

إِذَا صَامَ فَأَفْطَرَ يَوْمَ عَرَفَةَ فَإِنَّ عَلَيْهِ دَمَيْنِ؛ وَكَذَلِكَ نَقَلَ يَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ فِي الْمُتَمَتِّعِ إِذَا لَمْ يَصُمْ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ قَالَ: عَلَيْهِ هَدْيَانِ يَبْعَثُ بِهِمَا إِلَى مَكَّةَ، فَعَلَى هَذَا: إِنْ كَانَ قَدْ فَاتَ وَقْتُ الذَّبْحِ - أَيْضًا -: فَعَلَيْهِ هَدْيَانِ وَيَجِيءُ فِيهِمَا الرِّوَايَتَانِ الْأُخْرَيَانِ.
وَإِنْ كَانَ وَقْتُ الذَّبْحِ بَاقِيًا: فَعَلَيْهِ الذَّبْحُ إِنْ قُلْنَا: الْمُتَمَتِّعُ لَا يَصُومُ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَإِنْ قُلْنَا: يَصُومُهَا لَمْ يَفُتْ إِلَّا بِفَوَاتِ الذَّبْحِ.
اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ بَقِيَ يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ الذَّبْحُ، وَلَا يُمْكِنُ صَوْمُ الثَّلَاثَةِ بِحَالٍ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ عَلَيْهِ هَدْيَيْنِ بِكُلِّ حَالٍ؛ وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: " جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي تَمَتَّعْتُ فَلَمْ أَصُمِ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامِ فِي الْحَجِّ، قَالَ: وَجَبَ عَلَيْكَ الْهَدْيُ، قَالَ: لَا أَجِدُهُ، قَالَ: فَسَلْ فِي قَوْمِكَ، قَالَ: مَا أَرَى هَاهُنَا أَحَدًا مِنْ قَوْمِي، فَقَالَ عُمَرُ: يَا مُعَيْقِبُ، أَعْطِهِ ثَمَنَ شَاةٍ ". رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْهُ.
وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " الصَّوْمُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ يَقُولُ: فَإِنْ لَمْ يَصُمْ فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ ". رَوَاهُ سَعِيدٌ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
وَرُوِيَ عَنْ أَصْحَابِهِ وَهُمْ: عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةُ

نَحْوُ ذَلِكَ، وَقَدْ حَكَاهُ أَحْمَدُ - أَيْضًا - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَا يُعْرَفُ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ خِلَافُ ذَلِكَ إِلَّا قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ، وَمَنْ وَافَقَهُمَا: أَنْ يَصُومَ أَيَّامَ مِنًى، وَذَلِكَ اتِّفَاقٌ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصُومُهَا بَعْدَ أَيَّامِ مِنًى بِحَالٍ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا جَوَّزَ لَهُ الِانْتِقَالَ عَنِ الْهَدْيِ بِأَنْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، فَإِذَا لَمْ يَصُمْهَا فِي وَقْتِهَا: لَمْ يُجْزِهِ فِعْلُهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا كَسَائِرِ مَنَاسِكِ الْحَجِّ، فَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ؛ لِأَنَّ وَقْتَهُ قَدْ يَكُونُ بَاقِيًا، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مَالِيَّةٌ مِنْ وَجْهٍ فَتَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا أَقْرَبُ، وَلِأَنَّهُ هُوَ الْأَصْلُ، وَلِأَنَّ الصَّوْمَ رُخْصَةٌ فَلَا يُسْتَبَاحُ مَعَ الْمَعْصِيَةِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ خُيِّرَ بَيْنَ صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَبَيْنَ الْهَدْيِ، وَفَاتَ وَقْتُ الصَّوْمِ: لَتَعَيَّنَ الْهَدْيُ، فَلَأَنْ يَتَعَيَّنَ الْهَدْيُ إِذَا كَانَ هُوَ الْوَاجِبَ الْأَصْلِيَّ أَوْلَى وَأَحْرَى، وَلِأَنَّ الْعِبَادَةَ الْمُؤَقَّتَةَ إِذَا فَاتَتْ: فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجُوزُ الْقَضَاءُ إِلَّا بِأَمْرٍ جَدِيدٍ فَلَيْسَ فِي قَضَاءِ صَوْمِ الْمُتْعَةِ أَمْرٌ.
وَإِنْ قُلْنَا: يَقْضِي فَلِأَنَّ الْقَضَاءَ بَدَلٌ عَنِ الْأَدَاءِ يَسُدُّ مَسَدَّهُ، وَهُنَا قَدْ أَمْكَنَ إِبْدَالُ الْهَدْيِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الصَّوْمِ فَهُوَ أَوْلَى مِنَ الِاسْتِبْدَالِ بِصَوْمٍ؛ وَلِأَنَّ الْبَدَلَ إِذَا كَانَ مُؤَقَّتًا فَفَاتَ وَقْتُهُ: رُجِعَ إِلَى الْأَصْلِ؛ كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ بَدَلٌ عَنِ الْأَدَاءِ فَلَوْ شُرِعَ فِي الْإِبْدَالِ لَكَانَ لِلْبَدَلِ بَدَلٌ، وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الرَّأْيِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ بَعْدَهُ، وَوَصَفَهَا بِأَنَّهَا كَامِلَةٌ، وَهَذِهِ الصِّفَةُ لَا تَثْبُتُ لِأَيَّامٍ فِي غَيْرِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهَا لَوْ ثَبَتَتْ لَهَا لَجَازَ التَّأْخِيرُ، وَإِذَا لَمْ تَكُنِ الْعَشَرَةُ كَامِلَةً لَمْ يُجْزِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا أَمَرَهُ بِعَشَرَةٍ كَامِلَةٍ، وَلِأَنَّ صَوْمَ الثَّلَاثَةِ فِي الْحَجِّ مِنَ الْمَنَاسِكِ - وَإِنْ كَانَتْ صَوْمًا - كَمَا أَنَّ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ مِنَ الْمَنَاسِكِ وَإِنْ

كَانَتْ صَلَاةً، وَلِهَذَا يَصُومُهَا الْمُتَمَتِّعُ عَنْ غَيْرِهِ.
فَإِنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ تَخْتَصُّ بِالْحَجِّ فَإِنَّهَا مِنَ الْمَنَاسِكِ، وَالْمَنَاسِكُ الْمُؤَقَّتَةُ تَفُوتُ بِفَوَاتِ وَقْتِهَا كَالْوُقُوفِ وَالرَّمْيِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَا يَقْضِي بِحَالٍ، وَإِذَا لَمْ تُقْضَ: فَمِنْهَا مَا يَجِبُ لَهُ بَدَلٌ وَهُوَ الدَّمُ.
وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يَقْضِيهَا وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّهُ صَوْمٌ وَاجِبٌ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْضَى إِذَا فَاتَ كَصَوْمِ رَمَضَانَ وَالْمَنْذُورِ الْمُؤَقَّتِ، وَلِأَنَّ الصَّوْمَ وَالْهَدْيَ فِي التَّوْقِيتِ سَوَاءٌ، فَإِذَا قُضِيَ أَحَدُهُمَا قُضِيَ الْآخَرُ، وَيَقْضِيهَا مَعَ صَوْمِ السَّبْعَةِ إِنْ شَاءَ مُتَتَابِعًا وَإِنْ شَاءَ مُتَفَرِّقًا.
وَهَلْ عَلَيْهِ دَمٌ مَعَ الْقَضَاءِ؟ عَلَى ثَلَاثِ رِوَايَاتٍ؛ - إِحْدَاهُنَّ: عَلَيْهِ دَمٌ وَهِيَ اخْتِيَارُ الشَّرِيفِ أَبِي جَعْفَرٍ وَغَيْرِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ نَصُّهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ وَلَمْ يَصُمْ حَتَّى جَازَ أَيَّامَ النَّحْرِ صَامَ عَشَرَةً إِذَا رَجَعَ وَعَلَيْهِ دَمٌ قَدْ فَرَّطَ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْحَكَمِ - إِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ مِنْ تَمَتُّعٍ، أَوْ جَزَاءِ صَيْدٍ، أَوْ كَفَّارَةِ ظِهَارٍ أَوْ زَكَاةٍ فَفَرَّطَ فِيهَا حَتَّى ذَهَبَ مَالُهُ فَإِنَّ عَلَيْهِ هَدْيَيْنِ، وَإِذَا فَرَّطَ فِي الصَّوْمِ وَهُوَ مُتَمَتِّعٌ: صَامَ بَعْدَمَا يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ وَعَلَيْهِ دَمٌ، وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَيْهِ هَدْيَانِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ: مَا تَقَدَّمَ فِي الْهَدْيِ.
وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ: أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ

خَرَّجَهَا شَيْخُهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى مِنَ الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي تَأْخِيرِ الْهَدْيِ، وَاخْتَارَ هُوَ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ مَعَ الصَّوْمِ دَمٌ بِحَالٍ مَعَ ذِكْرِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْهَدْيِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ الْوَاجِبَ بِأَصْلِ الشَّرْعِ لَا يَجِبُ بِتَأْخِيرِهِ عَنْ وَقْتِهِ دَمٌ بِخِلَافِ الْهَدْيِ فَإِنَّهُ مِنَ الْمَنَاسِكِ، وَتَأْخِيرُ الْمَنَاسِكِ فِي الْجُمْلَةِ قَدْ يُوجِبُ دَمًا.
وَالصَّوَابُ طَرِيقَةُ شَيْخِهِ؛ فَقَدْ ذَكَرْنَا نَصَّ أَحْمَدَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَقَدْ ذَكَرَهَا الْقَاضِي مَنْصُوصَةً فِي خِلَافِهِ، وَكَذَلِكَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافِهِ، وَلَعَلَّهُ خَرَّجَهَا فِي كُتُبِهِ الْقَدِيمَةِ، ثُمَّ وَجَدَهَا مَنْصُوصَةً، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِبِدْعٍ مِنْ فِقْهِهِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَعْذُورِ وَغَيْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ فِي الْهَدْيِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ: لَا دَمَ بِحَالٍ قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ - إِنْ لَمْ يَصُمْ فِي الْحَجِّ فَلْيَصُمْ إِذَا انْصَرَفَ، وَلَا يَرْجِعْ إِلَى الدَّمِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ الصِّيَامَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّوْمَ قَدْ وَجَبَ فِي ذِمَّتِهِ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ غَيْرُ قَضَائِهِ كَصَوْمِ رَمَضَانَ وَصَوْمِ الْكَفَّارَاتِ كُلِّهَا.
فَعَلَى هَذَا إِذَا أَيْسَرَ فِي أَيَّامِ الذَّبْحِ فَهَلْ عَلَيْهِ الِانْتِقَالُ؟ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَوْ أَرَادَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنْ يُهْدِيَ وَلَا يَصُومَ، فَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: عَلَيْهِ الصِّيَامُ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ قَدْ فَاتَ وَقْتُهُ، وَيَتَخَرَّجُ جَوَازُهُ كَمَا قُلْنَا فِي الْكَفَّارَاتِ كُلِّهَا عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.

وَأَمَّا صَوْمُ السَّبْعَةِ فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ بَعْدَ الرُّجُوعِ إِلَى الْأَهْلِ كَمَا لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْكَفَّارَاتِ، وَالنُّذُورِ، وَأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ يَقْتَضِي الْبِدَارَ إِلَى الْفِعْلِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] وَهَذَا تَوْقِيتٌ لَهُ، فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْ وَقْتِهِ؛ لِأَنَّ إِذَا ظَرْفٌ مِنْ ظُرُوفِ الزَّمَانِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] إِمَّا أَنْ يَكُونَ تَقْيِيدًا لِأَوَّلِ وَقْتِ الْفِعْلِ، أَوْ لِآخِرِهِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَقْتًا لِأَوَّلِهِ لِمَا تَقَدَّمَ.
فَعُلِمَ أَنَّهُ وَقْتٌ لِآخِرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: سَبْعَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ: لَظَنَّ ظَانٌّ وُجُوبَ تَقْدِيمِهَا إِلْحَاقًا لَهَا بِالثَّلَاثَةِ فَقَالَ: ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] بَيَانٌ لِجَوَازِ تَأْخِيرِهَا، وَلَوْ أُرِيدَ بِجَوَازِ التَّأْخِيرِ مُطْلَقًا لَقِيلَ: وَسَبْعَةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، أَوْ مَتَى شِئْتُمْ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يَصُمْ: فَقَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ - إِذَا مَاتَ وَلَمْ يَصُمِ السَّبْعَةَ أَيَّامٍ يُطْعَمُ عَنْهُ بِمَكَّةَ مَوْضِعَ وَجَبَ عَلَيْهِ.
وَهَذَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الْإِطْعَامِ عَنْهُ بِكُلِّ حَالٍ سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَى الصِّيَامِ، أَوْ لَمْ يَقْدِرْ؛ لِأَنَّهُ أَطْلَقَ، وَبَيَّنَ أَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِمَكَّةَ وَهُوَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ صَوْمِهَا بِمَكَّةَ فِي الْغَالِبِ.
وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَهُوَ قِيَاسُ مَذْهَبِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْهَدْيَ وَالصَّوْمَ عَنْهُ يَجِبُ إِمَّا بِالْإِحْرَامِ، أَوْ بِالْوُقُوفِ.
وَلَا مَعْنَى لِوُجُوبِهِ إِلَّا وُجُوبُ الْإِخْرَاجِ عَنْهُ إِذَا مَاتَ، كَمَا قَدْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْهَدْيِ؛ فَإِنَّهُ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ يُخْرَجُ عَنْهُ إِذَا مَاتَ بَعْدَ أَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ.
فَلَوْ قُلْنَا: لَا يَجِبُ الصَّوْمُ إِلَّا بَعْدَ التَّمَكُّنِ لَمْ يَصِحَّ الْوُجُوبُ.

وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا؛ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَطَوَائِفُ مِنْ أَصْحَابِنَا: لَا يَجِبُ أَنْ يُطْعَمَ عَنْهُ إِلَّا إِذَا تَمَكَّنَ مِنَ الْقَضَاءِ كَمَا قُلْنَا فِي صَوْمِ رَمَضَانَ إِذَا مَاتَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ قَضَائِهِ لَمْ يُطْعَمْ عَنْهُ.
وَالتَّمَكُّنُ الْمُعْتَبَرُ: إِمَّا الِاسْتِيطَانُ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ، أَوِ الصِّحَّةُ فَقَطْ.
فَإِنْ قَدَرَ عَلَى صَوْمِ بَعْضِ الْعَشَرَةِ أُطْعِمَ عَنْهُ بِقَدْرِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَلَا يُصَامُ عَنْهُ قَوْلًا وَاحِدًا.
وَظَاهِرُ النَّصِّ أَجْوَدُ لِأَنَّ هَذَا الصَّوْمَ لَيْسَ وَاجِبًا بِأَصْلِ الشَّرْعِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِسَبَبٍ مِنَ الْمُكَلَّفِ، فَهُوَ كَصَوْمِ النَّذْرِ، وَصَوْمِ الْكَفَّارَةِ، وَكَالصَّوْمِ عَنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ، أَوِ الصَّوْمِ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى.
وَهَذَا لَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْقُدْرَةُ.

الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي الشُّرُوطِ الَّتِي بِهَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا يَجِبُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ، وَهِيَ عَشَرَةٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَعْتَمِرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِنِ اعْتَمَرَ فِي رَمَضَانَ، أَوْ مَا قَبْلَهُ مِنَ الشُّهُورِ: لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الِاعْتِمَارِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَكَذَلِكَ إِنِ اعْتَمَرَ بَعْدَ الْحَجِّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ هَدْيٌ؛ نَصَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: لَا يَجِبُ عَلَى مَنِ اعْتَمَرَ بَعْدَ الْحَجِّ هَدْيٌ.
فَلَوْ تَحَلَّلَ مِنَ الْحَجِّ يَوْمَ النَّحْرِ وَأَحْرَمَ فِيهِ بِعُمْرَةٍ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَقَدْ جُعِلَ فِي حُكْمِ مَا لَيْسَ مِنْ أَشْهُرِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْحَجَّ يَفُوتُ فِيهِ وَلَا يُدْرَكُ بِإِدْرَاكِهِ.
وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ.
وَمَعْنَى الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ: أَنْ يُحْرِمَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَلَوْ أَحْرَمَ قَبْلَ هِلَالِ شَوَّالٍ بِسَاعَةٍ: لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا، وَكَانَتْ عُمْرَتُهُ لِلشَّهْرِ الَّذِي أَهَّلَ فِيهِ لَا لِلشَّهْرِ الَّذِي أَحَلَّ فِيهِ، أَوْ طَافَ فِيهِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ، حَتَّى قَالَ: عُمْرَةٌ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً، فَإِنْ أَدْرَكَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ فَقَدْ أَدْرَكَ عُمْرَةً فِي شَهْرِ رَمَضَانَ.
وَقَالَ - فِيمَنْ دَخَلَ بِعُمْرَةٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَدَخَلَ الْحَرَمَ فِي شَوَّالٍ -: عُمْرَتُهُ فِي الشَّهْرِ الَّذِي أَهَلَّ، وَاحْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ

أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ سُئِلَ عَنِ الْمَرْأَةِ تَجْعَلُ عَلَى نَفْسِهَا عُمْرَةً فِي شَهْرٍ مُسَمًّى، ثُمَّ يَخْلُو إِلَّا لَيْلَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ تَحِيضُ قَالَ: " لِتَخْرُجْ ثُمَّ لْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ لْتَنْتَظِرْ حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ لْتَطُفْ بِالْكَعْبَةِ وَتُصَلِّي ". وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ.
وَلِأَنَّ الْمُتَمَتِّعَ إِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ لِتَرَفُّهِهِ بِسُقُوطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ فَقَطْ فَلَمَّا عَدَلَ عَنْهُ إِلَى الْإِحْرَامِ بِعُمْرَةٍ وَأَتَى بِالْحَجِّ أَيْضًا: شُرِعَ لَهُ الْهَدْيُ.
فَإِذَا أَهَلَّ قَبْلَ شَوَّالٍ لَمْ يُمْكِنْهُ الْإِهْلَالُ بِالْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ، فَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فِي وَقْتٍ تَنْفَرِدُ بِهِ فَهُوَ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ لَهَا وَطَافَ قَبْلَ شَوَّالٍ.
الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ، فَلَوِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَرَجَعَ إِلَى مِصْرِهِ، أَوْ أَقَامَ بِالْحَرَمِ وَلَمْ يَحُجَّ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يُسَافِرَ بَعْدَ الْعُمْرَةِ، فَإِنْ سَافَرَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ: فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ؛ لِأَنَّهُ سَافَرَ لِلْحَجِّ سَفَرًا كَمَا سَافَرَ لِلْعُمْرَةِ سَفَرًا وَلَمْ يَتَرَفَّهْ بِسُقُوطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ.
وَأَمَّا حَدُّ السَّفَرِ الَّذِي يُخْرِجُهُ عَنِ التَّمَتُّعِ: فَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ -: إِذَا اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ سَافَرَ سَفَرًا يَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةَ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ - وَيُعْجِبُنِي هَذَا الْقَوْلُ - وَإِنَّمَا يَكُونُ الْمُتَمَتِّعُ مَنْ جَاءَ إِلَى مَكَّةَ فِي شَوَّالٍ، أَوْ ذِي الْقَعْدَةِ، وَمَنْ جَاءَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الشُّهُورِ فَإِنَّمَا هِيَ عُمْرَةٌ وَلَيْسَ هُوَ مُتَمَتِّعًا، وَإِذَا دَخَلَ بِعُمْرَةٍ فِي هَذِهِ الشُّهُورِ ثُمَّ انْتَظَرَ حَتَّى يُهِلَّ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ.
فَإِنْ خَرَجَ إِلَى الْمِيقَاتِ وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ وَالْأَثْرَمِ - مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَهُوَ

مُتَمَتِّعٌ إِذَا أَقَامَ حَتَّى يَحُجَّ فَإِنْ خَرَجَ مِنَ الْحَرَمِ سَفَرًا يَقْصُرُ فِي مِثْلِهِ الصَّلَاةَ، ثُمَّ رَجَعَ فَحَجَّ: فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى، وَأَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ -: إِذَا أَقَامَ فَأَنْشَأَ الْحَجَّ فِي مَكَّةَ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، فَإِنْ خَرَجَ إِلَى الْمِيقَاتِ فَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ -: إِذَا سَافَرَ سَفَرًا يَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةَ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ.
وَاخْتَلَفَتْ عِبَارَةُ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ؛ فَقَالَ الْقَاضِي - فِي الْمُجَرَّدِ - وَابْنُ عَقِيلٍ - فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ - وَأَبُو الْخَطَّابِ وَجَمَاعَةُ وَغَيْرُهُمْ: إِذَا خَرَجَ إِلَى الْمِيقَاتِ فَأَحْرَمَ مِنْهُ بِالْحَجِّ، أَوْ خَرَجَ إِلَى مَوْضِعٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَا يَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةَ، فَأَحْرَمَ مِنْهُ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ، وَجَعَلُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ خُرُوجِهِ إِلَى الْمِيقَاتِ، وَإِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ: رَافِعًا لِلْمُتْعَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَصَّ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا فِي رِوَايَةٍ وَاحِدَةٍ، وَفِي رِوَايَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ ذَكَرَ رِوَايَةً أُخْرَى: أَنَّ الَّذِي يُزِيلُ الْمُتْعَةَ: السَّفَرُ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الْمِيقَاتِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي رِوَايَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمِيقَاتَ، وَمَنْ سَلَكَ هَذَا السَّبِيلَ لَزِمَهُ أَنْ يَحْكِيَ رِوَايَةً ثَالِثَةً: بِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِخُرُوجِهِ إِلَى الْمِيقَاتِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي رِوَايَاتٍ أُخْرَى.

وَقَالَ الْخَرَقِيُّ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافِهِمَا، وَالشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَابْنُ عَقِيلٍ - فِي مَوَاضِعَ -: الِاعْتِبَارُ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ خَاصَّةً.
فَمَنْ سَافَرَ سَفَرًا يَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةَ فَلَيْسَ هُوَ بِمُتَمَتِّعٍ.
قَالَ الْقَاضِي: إِذَا رَجَعَ الْمُتَمَتِّعُ إِلَى الْمِيقَاتِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْعُمْرَةِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ دَمُ الْمُتْعَةِ، وَإِنْ رَجَعَ إِلَى مَوْضِعٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ سَقَطَ عَنْهُ دَمُ الْمُتْعَةِ.
قَالَ: وَقَوْلُ أَحْمَدَ فَإِنْ خَرَجَ إِلَى الْمِيقَاتِ فَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ بَيْنَ الْمِيقَاتِ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ.
وَعِنْدَ هَؤُلَاءِ أَنَّ مَعْنَى كَلَامِ أَحْمَدَ يَرْجِعُ إِلَى هَذَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ لَا يَرْجِعُ إِلَى اخْتِلَافٍ فِي الْحُكْمِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَوَاقِيتَ كُلَّهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ مَسَافَةُ الْقَصْرِ؛ فَإِنَّ ذَا الْحُلَيْفَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ عَشْرُ مَرَاحِلَ مِنْ نَاحِيَةِ السَّاحِلِ، وَالْجُحْفَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَسَائِرَ الْمَوَاقِيتِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ يَوْمَانِ قَاصِدَانِ.
فَكُلُّ مَنْ خَرَجَ إِلَى مِيقَاتٍ فَقَدْ خَرَجَ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَقَدْ يَخْرُجُ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ.
وَلَا يَصِلُ إِلَى الْمِيقَاتِ، فَإِذَنْ كِلَا الطَّرِيقَيْنِ جَيِّدَةٌ، وَإِنْ كَانَ الضَّابِطُ فِي الْخُفَّيْنِ السَّفَرَ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ.
لَكِنْ مَنِ اعْتَقَدَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ تَوَهَّمَ أَنَّهُ يَخْرُجُ إِلَى الْمِيقَاتِ مَنْ لَا يَبْلُغُ مَسَافَةَ الْقَصْرِ لِيَجْعَلَ الْمَسْأَلَةَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، أَوْ تَنَاوَلَ كَلَامَ أَحْمَدَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، أَوْ يَقُولُ: إِنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْمُتْعَةُ بِالْخُرُوجِ إِلَى مِيقَاتِهِ، أَوْ يَعْتَقِدُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا شَرْطٌ عَلَى انْفِرَادِهِ: فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا مُسْتَنَدُهُ عَدَمُ الْعِلْمِ بِالْمَسَافَةِ، وَهَذَا وَاقِعٌ فِي كَلَامِ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ مُخَالَفَةٌ وَاضِحَةٌ

لِكَلَامِ أَحْمَدَ؛ فَإِنَّهُ قَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْخُرُوجَ إِلَى الْمِيقَاتِ مُسْقِطٌ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِمَسَافَاتِ الْمَوَاقِيتِ.
وَإِنَّمَا اعْتَبَرَهُ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا سَافَرَ بَعْدَ الْعُمْرَةِ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَأَحْرَمَ مِنْهَا بِالْحَجِّ مِنْ نَاحِيَةِ مِيقَاتِهِ أَوْ غَيْرِهَا، لَمْ يَتَرَفَّهْ بِسُقُوطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ، بَلْ سَافَرَ لِلْحَجِّ سَفَرًا صَحِيحًا فَزَالَ مَعْنَى التَّمَتُّعِ فِي حَقِّهِ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى مِصْرِهِ، أَوْ لَمْ يَبْلُغِ الْمِيقَاتَ فَإِنَّ الْمُوجِبَ لِلدَّمِ سُقُوطُ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ، بِدَلِيلِ وُجُوبِهِ عَلَى الْقَارِنِ لَمَّا جَمَعَ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ فِي سَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.
وَلَوْ كَانَتِ الْعِلَّةُ أَنَّهُ لَمْ يُحْرِمْ مِنَ الْمِيقَاتِ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْقَارِنِ دَمٌ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ - فِي لِسَانِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ -: هُوَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ فِي أَشْهُرِهِ بِسَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ سَافَرَ بَيْنَهُمَا إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ، ثُمَّ رَجَعَ فَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ، أَوْ أَحْرَمَ بِهِ مِنْ دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ: فَعَلَيْهِ دَمٌ لِإِحْرَامِهِ دُونَ مِيقَاتِهِ؛ لِأَنَّ مِيقَاتَ مَنْ إِنْ شَاءَ الْحَجَّ مِنْ دُونِ الْمَوَاقِيتِ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَمُ مُتْعَةٍ، كَمَا لَوْ رَجَعَ إِلَى مِصْرِهِ ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ.
وَلِهَذَا أَطْلَقَ أَحْمَدُ الْقَوْلَ: بِسَفَرٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ إِحْرَامَهُ مِنْهُ فِي كَوْنِهِ غَيْرَ مُتَمَتِّعٍ.
وَاشْتَرَطَ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا: أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا سَافَرَ وَأَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ.
وَإِنْ رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ غَيْرَ قَاصِدٍ لِلْحَجِّ - مُحِلًّا - ثُمَّ بَدَا لَهُ الْحَجُّ فَأَحْرَمَ مِنْهَا فَعَلَيْهِ أَيْضًا دَمٌ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَإِنْ سَافَرَ قَبْلَ التَّحَلُّلِ مِنَ الْعُمْرَةِ إِلَى مَا يَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةَ وَرَجَعَ حَرَامًا، إِمَّا

بِأَنْ يَكُونَ سَائِقًا هَدْيًا، أَوْ لَمْ يَكُنْ فَقَدْ قِيلَ: لَيْسَ بِتَمَتُّعٍ أَيْضًا عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِ أَصْحَابِنَا.
وَالْأَشْبَهُ: أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ كَمَا لَوْ سَافَرَ الْقَارِنُ، أَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ، ثُمَّ سَافَرَ مُحْرِمًا إِلَى مَا يَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةَ.
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 196]، وَحَاضِرُو الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ: أَهْلُهُ وَمَنْ بَيْنَهُ مَسَافَةٌ لَا تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ.
وَهَلِ الْعِبْرَةُ بِبُعْدِهِ عَنِ الْحَرَمِ، أَوْ عَنْ نَفْسِ مَكَّةَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَعَنْهُ أَنَّهُمْ هَؤُلَاءِ وَمَنْ دُونَ الْمَوَاقِيتِ مُطْلَقًا.
وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَذْهَبُ.
قَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ - فِيمَنْ كَانَ حَوْلَ مَكَّةَ فِيمَا لَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ: فَهُوَ

مِثْلُ أَهْلِ مَكَّةَ لَيْسَ عَلَيْهِمْ عُمْرَةٌ، وَلَا مُتْعَةٌ إِذَا قَدِمُوا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.
وَمَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ فِيمَا يَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةَ: فَعَلَيْهِ الْمُتْعَةُ إِذَا قَدِمَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَأَقَامَ إِلَى الْحَجِّ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ -: إِذَا كَانَ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ مِمَّا لَا يَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ .. . . فَعَلَى هَذَا: أَهْلُ الْمَوَاقِيتِ لَيْسُوا مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ لِأَنَّ أَدْنَاهُمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ لَيْلَتَانِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّ مِنْهَا مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ دُونَ ذَلِكَ وَهُمْ أَهْلُ قَرْنٍ وَذَاتِ .. . .

فَصْلٌ وَهَلْ لِحَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ يَتَمَتَّعُوا .. . . قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا يَجُوزُ التَّمَتُّعُ لِأَهْلِ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَلَا لِكُلِّ مَنْ مَنْزِلُهُ دُونَ النُّصْبِ إِلَى مَكَّةَ لِلْآيَةِ .. . .

[مَسْأَلَةٌ فدية الجماع]

مَسْأَلَةٌ: (وَفِدْيَةُ الْجِمَاعِ بَدَنَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامٌ كَصِيَامِ التَّمَتُّعِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْبَدَنَةِ الْوَاجِبَةِ بِالْمُبَاشَرَةِ، وَدَمُ الْفَوَاتِ)

[مَسْأَلَةٌ الإحصار]

مَسْأَلَةٌ: (وَالْمُحْصَرُ يَلْزَمُهُ دَمٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ).
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ: أَنَّ الْمُحْرِمَ بِالْحَجِّ إِذَا صَدَّهُ عَدُوٌّ عَنِ الْبَيْتِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ آخَرُ يَذْهَبُ فِيهِ، أَوْ صُدَّ عَنْ دُخُولِ الْحَرَمِ: فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّلُ وَيَرْجِعُ لِقَوْلِهِ

تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] وَالتَّحَلُّلُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِنِيَّةِ الْإِحْلَالِ وَالْخُرُوجِ مِنَ الْإِحْرَامِ.
فَلَوْ حَلَقَ، أَوْ ذَبَحَ، أَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِنَ الْمَحْظُورَاتِ غَيْرَ نَاوٍ لِلتَّحَلُّلِ: لَمْ يَصِرْ حَلَالًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ إِتْمَامِ النُّسُكِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا تَمَّ نُسُكُهُ صَارَ حَلَالًا بِالشَّرْعِ حَتَّى لَوْ نَوَى دَوَامَ الْإِحْرَامِ لَمْ يَصِحَّ، كَالصِّيَامِ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ؛ وَالْمُصَلِّي إِذَا سَلَّمَ.
وَإِذَا لَمْ يُتِمَّ: فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْإِتْمَامِ وَالْإِحْلَالِ كَالْمَرِيضِ الصَّائِمِ وَالْمُصَلِّي الَّذِي يَجُوزُ لَهُ قَطْعُ الصَّلَاةِ.
لَا يَخْرُجُ مِنَ الْعِبَادَةِ إِلَّا بِمَا يُنَافِيهَا مِنَ النِّيَّةِ وَنَحْوِهَا، لَكِنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَفْسُدُ إِحْرَامُهُ إِلَّا بِالْوَطْءِ وَلَا بُدَّ مِنْ .. . . وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيًا إِنْ أَمْكَنَهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] فَأَمَرَ بِإِتْمَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَجَعَلَ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فِي حَقِّ الْمُحْصَرِ قَائِمًا مَقَامَ الْإِتْمَامِ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْهَدْيِ مِنْ وُجُوهٍ؛ أَحَدُهَا: أَنَّ التَّقْدِيرَ: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَعَلَيْكُمْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، أَوْ فَفَرْضُكُمْ مَا اسْتَيْسَرَ فَهُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، تُرِكَ ذِكْرُ الْمَحْذُوفِ لِدَلَالَةِ سِيَاقِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196]، وَكَمَا قَالَ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185]. الثَّانِي: أَنَّهُ أَمَرَ بِالْإِتْمَامِ وَجَعَلَ الْهَدْيَ فِي حَقِّ الْمُحْصَرِ قَائِمًا مَقَامَ الْإِتْمَامِ.
وَالْإِتْمَامُ وَاجِبٌ فَمَا قَامَ مَقَامَهُ يَكُونُ وَاجِبًا؛ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّلُ حَتَّى يَنْحَرَ

الْهَدْيَ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ تَمَامِ النُّسُكِ.
وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّلُ حَتَّى يُتِمَّ النُّسُكَ.
الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196]، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِحْصَارَ الْمُطْلَقَ هُوَ الَّذِي يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْوُصُولُ إِلَى الْبَيْتِ، وَهَذَا يُوجِبُ الْهَدْيَ لَا مَحَالَةَ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196] وَهَذَا عَامٌّ .. . فَإِنْ أَرَادَ التَّحَلُّلَ قَبْلَ النَّحْرِ: لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.
حَتَّى لَوْ رَفَضَ إِحْرَامَهُ وَفَعَلَ شَيْئًا مِنَ الْمَحْظُورَاتِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى إِحْرَامِهِ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: فَإِنْ تَحَلَّلَ قَبْلَ الْهَدْيِ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِأَجْلِ إِحْلَالِهِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَإِنْ نَوَى التَّحَلُّلَ قَبْلَ الْهَدْيِ وَالصِّيَامِ وَرَفَضَ الْإِحْرَامَ: لَزِمَهُ دَمٌ وَهُوَ عَلَى إِحْرَامِهِ.
وَمَعْنَاهُ: إِذَا كَانَ الرَّفْضُ بِالْحَلْقِ وَنَحْوِهِ.
فَأَمَّا إِنْ تَعَدَّدَتِ الْمَحْظُورَاتُ .. . . وَإِذَا نَحَرَ الْهَدْيَ: صَارَ حَلَالًا بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ مَعَ نِيَّةِ الْإِحْلَالِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ اخْتَارَهَا الْقَاضِي.
وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْحِلَاقَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْمُحْرِمِ الْمُتِمِّ.
فَعَلَى الْمُحْصَرِ أَوْلَى، وَيَنْبَنِي أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْحَلْقَ .. . .

قَالَ الْقَاضِي: فَعَلَى هَذَا يَحِلُّ مِنْ إِحْرَامِهِ بِأَدْنَى مَا يَحْظُرُهُ الْإِحْرَامُ مِنْ طِيبٍ، أَوْ غَيْرِهِ، وَالْأَشْبَهُ: أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ بَلْ بِنَفْسِ الذَّبْحِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ؛ لِأَنَّ الْحِلَاقَ وَاجِبٌ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ حَلَقُوا رُءُوسَهُمْ فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ.

فَصْلٌ وَيَنْحَرُ الْهَدْيَ فِي مَوْضِعِ حَصْرِهِ حَيْثُ كَانَ مِنْ حِلٍّ، أَوْ حَرَمٍ، هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ - فِي مَوَاضِعَ - وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَبْعَثَ بِالْهَدْيِ حَتَّى يُنْحَرَ بِمَكَّةَ فِي الْمَوْضِعِ بَعَثَ بِهِ، وَإِلَّا حَلَّ يَوْمَ النَّحْرِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يُنْحَرُ هَدْيُ الْإِحْصَارِ إِلَّا بِالْحَرَمِ.

لِقَوْلِهِ ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95]، وَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 33]؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196]، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196] وَالْهَدْيُ الْمُطْلَقُ: إِنَّمَا هُوَ مَا أُهْدِيَ إِلَى الْحَرَمِ بِخِلَافِ النُّسُكِ، ثُمَّ إِنَّهُ قَالَ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196]. وَهَدْيُ الْمُحْصَرِ دَاخِلٌ فِي هَذَا، لَا سِيَّمَا وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
وَمَحِلُّ الْهَدْيِ: الْحَرَمُ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 33].
وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَحِلُّهُ مَوْضِعَ الْحَصْرِ لَكَانَ قَدْ بَلَغَ مَحِلَّهُ، وَمَنْ قَالَ هَذَا زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا نَحَرَ بِالْحَرَمِ، وَأَنَّ طَرَفَ الْحُدَيْبِيَةِ مِنَ الْحَرَمِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ لَمَّا صَدَّهُمُ الْمُشْرِكُونَ عَنِ الْعُمْرَةِ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ: نَحَرُوا وَحَلَقُوا بِالْحُدَيْبِيَةِ عِنْدَ الشَّجَرَةِ وَهِيَ مِنَ الْحِلِّ.

وَلِأَنَّ الْحِلَّ: مَوْضِعٌ لِلتَّحَلُّلِ فِي حَقِّ الْمُحْصَرِ، فَيَكُونُ مَوْضِعًا لِلنَّحْرِ كَالْحَرَمِ، وَهَذَا لِأَنَّ مَحِلَّ شَعَائِرِ اللَّهِ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ مِنَ الْأَعْمَالِ وَالْهَدْيِ، فَمَتَى طَافَ الْمُحْرِمُ بِالْبَيْتِ: فَقَدْ شَرَعَ فِي التَّحَلُّلِ، وَمَتَى وَصَلَتِ الْهَدَايَا إِلَى الْحَرَمِ: فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا.
وَهَذَا عِنْدَ الْقُدْرَةِ وَالِاخْتِيَارِ.
فَأَمَّا فِي مَوْضِعِ الْعَجْزِ: فَقَدْ جَوَّزَ اللَّهُ لِلْمُحْصَرِ أَنْ يَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ بِالْحِلِّ، وَصَارَ مَحِلًّا لَهُ فَكَذَلِكَ يَصِيرُ مَحِلًّا لِهَدْيِهِ، وَلَا يُقَالُ: الْهَدْيُ قَدْ يُمْكِنُ إِرْسَالُهَا .. . . وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196] فَإِنَّ مَحِلَّهُ الْمَكَانُ الَّذِي يَحِلُّ فِيهِ؛ وَهَذَا فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ هُوَ الْحَرَمُ، كَمَا قَالَ: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: 25].
فَأَمَّا حَالُ الِاضْطِرَارِ فَإِنَّهُ قَدْ حَلَّ ذَبْحُهُ لِلْمُحْصَرِ حَيْثُ لَا يَحِلُّ لِغَيْرِهِ.
وَأَمَّا وَقْتُ الذَّبْحِ وَالْإِحْلَالِ: فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ يَذْبَحُهُ وَقْتَ الْإِحْصَارِ وَيَحِلُّ عَقِيبَهُ، نَقَلَهَا الْمَيْمُونِيُّ، وَأَبُو طَالِبٍ، وَابْنُ مَنْصُورٍ، وَهَذِهِ

اخْتِيَارُ أَصْحَابِنَا.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَذْبَحُ وَيَحِلُّ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ، وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ - فِيمَنْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ: أَقَامَ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ الْحَجَّ قَدْ فَاتَهُ، فَإِذَا فَاتَهُ الْحَجُّ نَحَرَ الْهَدْيَ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ فِي مَوْضِعِهِ، وَرَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ، وَإِنْ كَانَ إِحْصَارُهُ بِمَرَضٍ لَمْ يَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ - فِي مُحْرِمٍ أُحْصِرَ بِحَجٍّ وَمَعَهُ هَدْيٌ قَدْ سَاقَهُ: لَا يَنْحَرُ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ، فَقِيلَ لَهُ: قَدْ يَئِسَ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ، فَقَالَ: وَإِنْ يَئِسَ كَيْفَ يَنْحَرُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَلَا يَحِلَّ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ.
وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196]. وَالْمَحِلُّ: اسْمٌ لِلْمَكَانِ، وَلِلْوَقْتِ الَّذِي يَحِلُّ فِيهِ ذَبْحُهُ.
وَلِهَذَا الْقَوْلِ مَأْخَذَانِ ذَكَرَهُمَا أَحْمَدُ؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُحْرِمَ بِالْحَجِّ لَا يَحِلُّ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ، فَإِذَا كَانَ قَدْ صُدَّ عَنِ الْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ: فَهُوَ لَمْ يُصَدَّ عَنِ الْإِحْرَامِ: فَيَجِبُ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا أَمْكَنَهُ، وَهُوَ بَقَاؤُهُ مُحْرِمًا إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ فَحِينَئِذٍ يَتَيَقَّنُ فَوْتَ الْحَجِّ، فَيَتَحَلَّلُ بِالْهَدْيِ كَمَا يَتَحَلَّلُ الْمُفَوِّتُ الْمُهِلُّ بِعُمْرَةٍ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْهَدْيَ الْمَسُوقَ لَا يَجُوزُ نَحْرُهُ إِلَّا فِي الْحَرَمِ يَوْمَ النَّحْرِ، فَإِذَا لَمْ

يُمْكِنُ إِيصَالُهُ إِلَى الْحَرَمِ وَجَبَ أَنْ يَبْقَى إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ، فَإِنَّهُ وَقْتُ ذَبْحِهِ كَدَمِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَكَذَلِكَ غَيْرُ الْمَسُوقِ، فَإِنَّ دَمَ الْإِحْصَارِ يَسْتَفِيدُ بِهِ التَّحَلُّلَ كَدَمِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ، فَيَجِبُ أَنْ يُؤَخِّرَ ذَبْحَهُ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: أَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] وَهَذَا مُطْلَقٌ وَمَحِلُّهُ: هُوَ مَا يَحِلُّ ذَبْحُهُ فِيهِ مِنْ مَكَانٍ وَزَمَانٍ، وَالشَّأْنُ فِيهِ: أَنَّ هَذَا إِنْ سَلَّمَ أَنَّ الْوَقْتَ مَحِلٌّ، فَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْمَحِلَّ هُوَ الْمَكَانُ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْمَحِلَّ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَهَدْيُ الْعُمْرَةِ لَا وَقْتَ لَهُ يَخْتَصُّ بِهِ.
وَأَيْضًا: لَوْ لَمْ يَجُزِ التَّحَلُّلُ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ لَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَالْمُفَوِّتُ: لَا يَتَحَلَّلُ إِلَّا بِالْعُمْرَةِ كَالْمُحْصَرِ بِمَرَضٍ.
يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا فَاتَ الْحَجُّ يَبْقَى كَالْمُحْرِمِ بِعُمْرَةٍ، وَالْعُمْرَةُ لَيْسَ لَهَا وَقْتٌ تَفُوتُ فِيهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَبْقَى مُحْرِمًا إِلَى أَنْ يَصِلَ كَالْمُحْصَرِ بِمَرَضٍ، وَلَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ التَّحَلُّلُ لِلْمُحْرِمِ إِلَّا بِعُمْرَةٍ إِذْ لَيْسَ لِإِحْرَامِهِ غَايَةٌ فِي الزَّمَانِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ هَدْيَ الْمُحْصَرِ لَيْسَ بِنُسُكٍ مَحْضٍ، وَإِنَّمَا هُوَ دَمُ جُبْرَانٍ لِمَا يَسْتَبِيحُهُ مِنَ الْمَحْظُورَاتِ، وَيَتْرُكُهُ مِنَ الْوَاجِبَاتِ، وَلِهَذَا لَا يَأْكُلُ مِنْهُ شَيْئًا فَلَمْ يَنْفُذْ بِوَقْتٍ كَفِدْيَةِ الْأَذَى وَتَرْكِ الْوَاجِبِ.
وَعَكْسُهُ دَمُ الْمُتْعَةِ.

فَصْلٌ وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ؛ فَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَابْنِ مَنْصُورٍ - إِذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، ثُمَّ أُحْصِرَ وَقَدْ سَاقَ مَعَهُ هَدْيًا فَلَا يَحِلَّ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ، وَلَا يَنْحَرْ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ، وَإِنْ لَمْ

يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ، وَلَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْقَارِنِ وَالْمُتَمَتِّعِ.
الْقَارِنُ، وَالْمُتَمَتِّعُ: يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ، وَهَذَا يَصُومُهُنَّ كُلَّهُنَّ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ -: إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ الْمُحْصَرِ هَدْيٌ يَصُومُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ حَلَّ، فَإِنْ كَانَ إِحْرَامُهُ بِعُمْرَةٍ يَصُومُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ يَحِلُّ.
وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ: أَنَّ الْمُحْصَرَ يَصُومُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وَقْتِ صَوْمِهِنَّ، وَأَكْثَرُهُمْ أَنَّهُ يَصُومُهَا قَبْلَ التَّحَلُّلِ كَالْهَدْيِ، وَلَا يَتَحَلَّلُ حَتَّى يَصُومَهَا كَالْمَنْصُوصِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ - فِي التَّنْبِيهِ -: يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ، وَلَا يَصُومُ الْعَشَرَةَ أَيَّامٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ هَدْيَ الْمُحْصَرِ كَهَدْيِ الْمُتَمَتِّعِ، لِأَنَّ سَبَبَهَا التَّمَتُّعُ فَالصَّوْمُ بِالْإِحْلَالِ عَنْهُ كَالصَّوْمِ عَنِ التَّمَتُّعِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ: أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَمَّا صُدُّوا .. . . وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: أَنَّ هَذَا الصَّائِمَ قَائِمٌ مَقَامَ تَمَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ: فَلَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهِ قَبْلَ الْحِلِّ كَالْهَدْيِ بِخِلَافِ صَوْمِ التَّمَتُّعِ، وَهَدْيِهِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُهْدِي بَعْدَ انْقِضَاءِ عُمْرَتِهِ وَحَجِّهِ، فَكَانَ قِيَاسُ الصَّوْمِ يَفْعَلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا قُدِّمَتِ الثَّلَاثَةُ؛ لِأَنَّهَا

مَأْمُورٌ بِهَا فِي الْحَجِّ.
فَعَلَى هَذَا إِنْ قُلْنَا: يَتَحَلَّلُ بِذَبْحِ الْهَدْيِ قَبْلَ النَّحْرِ فَتَحَلُّلُهُ بِالصَّوْمِ قَبْلَهُ أَوْلَى.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَتَحَلَّلُ بِالْهَدْيِ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ: فَفِي الصَّوْمِ رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا: لَا يَتَحَلَّلُ بِهِ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ، فَيَصُومُ الْعَشَرَةَ الْأَيَّامِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ مَتَى شَاءَ مِنْ حِينِ الْحَصْرِ، وَلَا يَحِلُّ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ نَقَلَهَا أَبُو الْحَارِثِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُحْصَرَ لَا يَحِلُّ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ كَالْمُطْلَقِ؛ لِيَسْتَدِيمَ الْإِحْرَامُ، وَلِيَدْخُلَ وَقْتُ الْفَوَاتِ.
وَالثَّانِيَةُ: يَصُومُ وَيَتَحَلَّلُ قَبْلَ النَّحْرِ نَقَلَهَا الْأَثْرَمُ وَابْنُ مَنْصُورٍ عَنْهُ مُفَرِّقًا بَيْنَ الْهَدْيِ وَالصِّيَامِ؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ لِنَحْرِهِ وَقْتٌ يَخْتَصُّ بِهِ، فَتَأَخَّرَ حِلُّهُ لِأَجْلِهِ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا وَقْتَ لَهُ وَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ مُفَرَّعَتَانِ عَلَى الْمَأْخَذَيْنِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمَا.

فَصْلٌ وَإِذَا أُحْصِرَ عَنِ الْبَيْتِ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ: فَهُوَ مُحْصَرٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا.
قَالَ أَحْمَدُ - فِي الْمُحْصَرِ عَنْ مَكَّةَ -: فِيهِ اخْتِلَافٌ، فَإِنْ حُصِرَ بِعَدُوٍّ يَنْحَرِ الْهَدْيَ وَيَحِلَّ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .. . .

فَصْلٌ وَالْمُحْصَرُ فِي الْعُمْرَةِ كَالْمُحْصَرِ فِي الْحَجِّ سَوَاءً، نَصَّ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَتَأَخَّرُ التَّحَلُّلُ هُنَا قَوْلًا وَاحِدًا، وَالْأَصْلُ فِيهِ: الْآيَةُ، وَقِصَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ، فَإِنَّهَا سَبَبُ نُزُولِ الْآيَةِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ، وَهِيَ السُّنَّةُ الْمَاضِيَةُ فِي الْمُحْصَرِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إِنْ كَانَ الْمُحْصَرُ مُعْتَمِرًا أَقَامَ عَلَى إِحْرَامِهِ حَتَّى يَصِلَ إِلَى الْبَيْتِ إِذْ لَا وَقْتَ لَهَا يَفُوتُ.

فَصْلٌ قَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِنَا: إِذَا كَانَ لِلْمُحْصَرِ طَرِيقٌ لَزِمَهُ قَصْدُهَا سَوَاءٌ قَرُبَتْ، أَوْ بَعُدَتْ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ بَرًّا، أَوْ بَحْرًا، وَسَوَاءٌ رَجَا الْإِدْرَاكَ، أَوْ خَشِيَ الْفَوَاتَ.
وَإِنْ خُلِّيَ عَنْ طَرِيقِهِ قَبْلَ التَّحَلُّلِ لَزِمَهُ السَّعْيُ، وَإِنْ خَشِيَ الْفَوَاتَ وَلَوْ لَمْ يُخَلَّ عَنْهُ حَتَّى فَاتَ الْحَجُّ، وَلَمْ يَتَحَلَّلْ: فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْفَوَاتِ، فَإِنْ خُلِّيَ عَنْ طَرِيقِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَزِمَهُ السَّعْيُ وَالتَّحَلُّلُ بِعُمْرَةِ الْفَوَاتِ وَقَضَاهَا.
إِذَا قُلْنَا: يَقْضِي مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَإِنِ اسْتَمَرَّ الْإِحْصَارُ بَعْدَ الْفَوَاتِ: فَلَهُ التَّحَلُّلُ مِنْ هَذِهِ الْفَائِتَةِ وَعَلَيْهِ دَمَانِ؛ دَمُ الْإِحْصَارِ، وَدَمُ الْفَوَاتِ، وَالْقَضَاءُ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ إِذَا بَقِيَ مُحْرِمًا مُحْصَرًا حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ، فَلَهُ التَّحَلُّلُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا دَمٌ وَاحِدٌ دَمُ الْإِحْصَارِ، وَعِنْدَهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ يَجِبُ عَلَى الْمُحْصَرِ تَأْخِيرُ الْإِحْلَالِ حَتَّى يَفُوتَهُ الْحَجُّ.
وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَقَالَ: حُرْمَةُ الْإِحْرَامِ قَبْلَ الْفَوَاتِ أَعْظَمُ مِنْهُ بَعْدَ الْفَوَاتِ، فَإِذَا كَانَ لَهُ التَّحَلُّلُ قَبْلَ الْفَوَاتِ بِالدَّمِ، فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ بَعْدَ

فَصْلٌ قَالَ أَصْحَابُنَا؛ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا: إِنْ كَانَ الْعَدُوُّ الصَّادُّ مُسْلِمًا .. .

فَصْلٌ وَلَا يَجِبُ قَضَاءُ النُّسُكِ الَّذِي أُحْصِرَ عَنْهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ وَاجِبًا قَبْلَ الْإِحْرَامِ كَحَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَالنَّذْرِ وَالْقَضَاءِ فَعَلَهُ بِالْوُجُوبِ السَّابِقِ، وَسَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ نَذْرُ حَجٍّ مُطْلَقٍ، أَوْ نَذْرُ الْحَجِّ ذَلِكَ الْعَامَ.
قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ -: وَلَا يُعِيدُ مَنْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلًا لَمْ يَحُجَّ قَطُّ.
وَكَذَلِكَ نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ وَالْمَيْمُونِيُّ.
وَالثَّانِيَةُ: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي الْحَارِثِ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ

فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ نَحَرَهُ وَإِلَّا فَلَا يَنْحَرْ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ مُنِعَ بِالْحُدَيْبِيَةِ.
وَقَوْلُهُ: وَإِلَّا فَلَا يَنْحَرْ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ إِذَا أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ: لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ الْهَدْيَ فِي عَامِ الْإِحْصَارِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ عَلَيْهِ الصِّيَامَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا شَيْءَ عَلَى الْعَادِمِ بِحَالٍ.
وَإِذَا قَضَى حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، أَوْ غَيْرَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ عُمْرَةٌ مَعَهَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَحْمَدُ فِي قَوْلِهِ: بِقَضَاءِ التَّطَوُّعِ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي - فِي خِلَافِهِ - وَكَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا.
وَذَكَرَ الْقَاضِي - فِي الْمُجَرَّدِ - وَابْنُ عَقِيلٍ - فِي الْفُصُولِ -: أَنَّا إِذَا قُلْنَا: يَجِبُ قَضَاءُ التَّطَوُّعِ فَعَلَيْهِ عُمْرَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُحْصَرَ قَدْ فَوَّتَ الْحَجَّ، وَمَنْ فَوَّتَ الْحَجَّ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحِلَّ بِعُمْرَةٍ فَيَلْزَمَهُ قَضَاءُ هَذِهِ الْعُمْرَةِ كَمَا لَزِمَهُ قَضَاءُ الْحَجِّ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ عُمْرَةٌ وَإِنْ أَوْجَبْنَا قَضَاءَ التَّطَوُّعِ؛ لِأَنَّ هَدْيَ الْمُحْصَرِ قَامَ مَقَامَ بَقِيَّةِ الْأَفْعَالِ، كَمَا قَامَتْ عُمْرَةُ الْمُفَوِّتِ، وَعَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُفَوِّتٍ إِنْ خَرَجَ مِنْ إِحْرَامِهِ قَبْلَ الْفَوَاتِ، وَإِنْ خَرَجَ بَعْدَ الْفَوَاتِ فَقَدْ تَقَدَّمَ، فَإِنْ قُلْنَا: يَجِبُ الْقَضَاءُ؛ فَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: 194] فَبَيَّنَ اللَّهُ أَنَّ الشَّهْرَ الْحَرَامَ الَّذِي قَضَوْا فِيهِ الْعُمْرَةَ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ الَّذِي أُحْصِرُوا فِيهِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى الْعُمْرَةَ مِنَ الْعَامِ الْقَابِلِ، وَسُمِّيَتْ عُمْرَةَ الْقَضَاءِ.

وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجِبُ وَهُوَ الْمَنْصُورُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا -: فَلِأَنَّ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، فَلَمْ يَأْمُرِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاحِدًا مِنْهُمْ بِالْقَضَاءِ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ، وَلَمْ يَعْتَمِرْ إِلَّا نَفَرٌ قَلِيلٌ، وَقَدْ مَاتَ مِنْهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ نَاسٌ .. . .

[مَسْأَلَةٌ حكم تكرار المحظور]

مَسْأَلَةٌ: (وَمَنْ كَرَّرَ مَحْظُورًا مِنْ جِنْسٍ غَيْرَ قَتْلِ الصَّيْدِ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ كَفَّرَ عَنِ الْأَوَّلِ، فَعَلَيْهِ لِلثَّانِي كَفَّارَةٌ، وَإِنْ فَعَلَ مَحْظُورًا مِنْ أَجْنَاسٍ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ كَفَّارَةٌ).
فِي هَذَا الْكَلَامِ فُصُولٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ إِذَا كَرَّرَ مَحْظُورًا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ غَيْرَ قَتْلِ الصَّيْدِ، مِثْلَ أَنْ يَلْبَسَ، أَوْ يَخْلَعَ ثُمَّ يَلْبَسَ، أَوْ يَتَطَيَّبَ ثُمَّ يَتَطَيَّبَ فِي وَقْتٍ آخَرَ، أَوْ يُجَامِعَ ثُمَّ يُجَامِعَ، أَوْ يَحْلِقَ ثُمَّ يَحْلِقَ ثُمَّ يَحْلِقَ، أَوْ يُقَلِّمَ ثُمَّ يُقَلِّمَ: فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ مَا لَمْ يَكُنْ كَفَّرَ عَنِ الْأَوَّلِ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ.
قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ - وَقَدْ حُكِيَ لَهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إِذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ فِي لِبَاسٍ، أَوْ طِيبٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ ثُمَّ كَفَّرَ، ثُمَّ عَادَ بِمِثْلِهِ: فَعَلَيْهِ

الْكَفَّارَةُ، وَإِنْ لَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى عَادَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ: إِلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، فَقَالَ: هُوَ هَكَذَا إِذَا لَمْ يُكَفِّرْ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا كَفَّارَةٌ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ -: فِيمَنْ وَقَعَ بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، أَوْ أَيَّامٍ مُتَفَرِّقَةٍ: فَسَدَ حَجُّهُ وَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ مَا لَمْ يُكَفِّرْ .. . . وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: إِنْ كَانَ السَّبَبُ مُخْتَلِفًا مِثْلَ مَرَضٍ، ثُمَّ مَرَضٍ، ثُمَّ حَرٍّ ثُمَّ بَرْدٍ: فَعَلَيْهِ كَفَّارَاتٌ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ - فِي مُحْرِمٍ اعْتَلَّ فَلَبِسَ جُبَّةً: ثُمَّ بَرَأَ، ثُمَّ اعْتَلَّ فَلَبِسَ جُبَّةً يُكَفِّرُ كَفَّارَتَيْنِ، فَإِنِ اعْتَلَّ عِلَّةً وَاحِدَةً فَلَبِسَ عِمَامَةً، وَاحْتَاجَ فِي عِلَّتِهِ فِي الْغَدِ إِلَى جُبَّةٍ وَبَعْدَ غَدٍ قَمِيصٍ: فَإِذَا كَانَتْ عِلَّةً وَاحِدَةً وَكَانَ شَيْئًا مُتَقَارِبًا فَكَفَّارَةٌ، وَإِنْ تَدَاوَى بِأَدْوِيَةٍ دَوَاءً بَعْدَ دَوَاءٍ فَحُكْمُهُ حُكْمُ اللِّبَاسِ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: وَإِنْ كَانَ مُتَقَارِبًا: أَيْ فَعَلَ أَشْيَاءَ مِنَ الْمَحْظُورَاتِ مُتَقَارِبَةَ الْمَقْصُودِ حَتَّى يَكُونَ جِنْسًا وَاحِدًا؛ مِثْلَ الْعِمَامَةِ، وَالْجُبَّةِ وَالْقَمِيصِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَفْعَالِ مُوجِبٌ لِلْكَفَّارَةِ بِنَفْسِهِ، فَلَمْ تَدْخُلْ كَفَّارَتُهُ فِي غَيْرِهِ كَمَا لَوْ كَفَّرَ عَنِ الْأَوَّلِ، لَكِنْ إِذَا كَانَ السَّبَبُ وَاحِدًا: فَالْفِدْيَةُ تُبِيحُ لَهُ مَا اقْتَضَاهُ ذَلِكَ السَّبَبُ؛ وَلِهَذَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى فِعْلِ الْمَحْظُورِ، فَلَا يَصِيرُ شَيْءٌ مِنْ تِلْكَ الْأُمُورِ مَحْظُورًا فِي حَقِّهِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى فِدْيَةٍ ثَانِيَةٍ، بِخِلَافِ مَا إِذَا تَعَدَّدَ السَّبَبُ، أَوْ فَعَلَ الْمَحْظُورَاتِ عَامِدًا.
فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: إِذَا لَبِسَ لِلْبَرْدِ فِي طَرَفَيِ النَّهَارِ وَبِاللَّيْلِ: فَإِنَّهُ يَخْلَعُ وَقْتَ الْحَرِّ، وَكَذَلِكَ إِنْ لَبِسَ لِلْحَرِّ وَسَطَ النَّهَارِ فَإِنَّهُ يَخْلَعُ وَقْتَ الْبَرْدِ وَيَكُونُ سَبَبًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَهُ أَوْقَاتٌ مَعْلُومَةٌ، فَأَشْبَهَ الْمَرِيضَ مَرَضًا وَاحِدًا إِذَا لَمْ يَبْرَأْ،

وَلَكِنْ يَحْتَاجُ إِلَى اللِّبَاسِ فِي أَوْقَاتِ الْحُمَّى وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَيْضًا: إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ دُفْعَةً وَاحِدَةً؛ مِثْلَ أَنْ يَلْبَسَ وَيَتَعَمَّمَ وَيَحْتَذِيَ، أَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ كُلَّهُ: لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ أَيْضًا.
وَالثَّالِثَةُ: لِكُلِّ وَاحِدٍ كَفَّارَةٌ مُطْلَقًا، قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ - وَقَدْ سُئِلَ عَنْ مُحْرِمٍ مَسَّ طِيبًا، وَلَبِسَ ثَوْبًا، وَحَلَقَ رَأَسَهُ، وَلَبِسَ الْخُفَّيْنِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ، قَالَ: عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ: فَعَلَيْهِ دَمٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ، فَقَدْ سَوَّى بَيْنَ الْجِنْسِ وَالْجِنْسَيْنِ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ وَالْخُفَّ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهَا أَفْعَالٌ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ لَا تَتَفَاوَتُ كَفَّارَاتُهَا بِكَثْرَتِهَا فَتَدَاخَلَتْ كَمَا لَوْ فَعَلَهَا مُتَّصِلَةً، وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاتِّصَالَ وَالِانْفِصَالَ لَا يُغَيِّرُ مُوجِبَ الشَّيْءِ وَمُقْتَضَاهُ.
بِدَلِيلِ قَتْلِ الصَّيْدِ، وَقَتْلِ النُّفُوسِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمَّا كَانَتْ مُتَبَايِنَةً اسْتَوَى فِيهَا الِاتِّصَالُ وَالِانْفِصَالُ، فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْأَفْعَالُ مُتَدَاخِلَةً عِنْدَ الِاتِّصَالِ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ مُتَدَاخِلَةً عِنْدَ الِانْفِصَالِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْكَفَّارَاتِ كَالْحُدُودِ تُشْرَعُ زَاجِرَةً وَمَاحِيَةً، فَإِنَّ الْحُدُودَ كَفَّارَاتٌ لِأَهْلِهَا، وَالْكَفَّارَاتُ حُدُودٌ عَنِ الْمَحْظُورَاتِ، فَوَجَبَ أَنْ تَتَدَاخَلَ كَالْحُدُودِ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ كَفَّرَ عَنِ الْأَوَّلِ: فَعَلَيْهِ لِلثَّانِي كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ، هَكَذَا أَطْلَقَ أَصْحَابُنَا.
.

وَهَذَا يَنْبَغِي إِذَا لَمْ يَدْخُلِ الثَّانِي فِي كَفَّارَةِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْفِعْلِ إِذَا أُبِيحَ؛ فَلَوْ مَرِضَ فَاحْتَاجَ إِلَى اللُّبْسِ، أَوِ الطِّيبِ، فَافْتَدَى لِذَلِكَ، ثُمَّ لَبِسَ بَعْدَ ذَلِكَ مَرَّاتٍ، أَوْ تَطَيَّبَ مَرَّاتٍ: لَمْ يَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ بِلَا تَرَدُّدٍ؛ لِأَنَّ الْفِدْيَةَ أَبَاحَتِ اللُّبْسَ الثَّانِيَ كَمَا أَبَاحَتِ اللُّبْسَ الْأَوَّلَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَلِهَذَا أَطْلَقَ أَحْمَدُ الْقَوْلَ بِوُجُوبِ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ إِذَا لَبِسَ مَرَّاتٍ لِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ يُكَفِّرَ، أَوْ لَا يُكَفِّرَ، اللَّهُمَّ إِلَّا يَنْوِي أَنَّهُ يَسْتَبِيحُ اللُّبْسَ مَرَّةً وَاحِدَةً.
وَلَوْ كَفَّرَ ثُمَّ اسْتَدَامَ الْمَحْظُورَ: فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ كَمَا لَوِ ابْتَدَأَهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ - فِيمَنْ لَبِسَ قَمِيصًا عَشَرَةَ أَيَّامٍ نَاسِيًا عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ مَا لَمْ يُكَفِّرْ.
وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِعُذْرٍ .. . .

الْفَصْلُ الثَّانِي أَنَّ الصَّيْدَ تَتَعَدَّدُ كَفَّارَتُهُ بِتَعَدُّدِ قَتْلِهِ، فَكُلَّمَا قَتَلَ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ، سَوَاءٌ جَزَى الْأَوَّلَ، أَوْ لَمْ يَجْزِ.
هَذَا أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَوَاهَا ابْنُ الْقَاسِمِ وَسِنْدِيٌّ وَحَنْبَلٌ فِي مَوْضِعٍ.
قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ -: وَإِذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ فَحُكِمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ عَادَ فَقَتَلَ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ كَمَا عَادَ.
وَالَّذِينَ قَالُوا: إِنْ عَادَ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ:

إِنَّمَا ذَهَبُوا إِلَى التَّأْوِيلِ فِيهِ.
وَالْأَمْرُ عَلَى الْحُكْمِ الْأَوَّلِ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُمْ حَكَمُوا فِي الْخَطَأِ وَفِيمَنْ قَتَلَ، وَلَمْ يَسْأَلُوهُ هَلْ كَانَ قَتَلَ قَبْلَ هَذَا أَمْ لَا؟ وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ لِتَعْظِيمِ الْإِحْرَامِ مَكَانَةً، وَالْكَفَّارَةُ تَجِبُ عَلَى الْمُحْرِمِ إِذَا قَتَلَ الصَّيْدَ عَمْدًا، أَوْ خَطَأً فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، وَقَدْ رَوِيَ عَنْ عُمَرَ وَغَيْرِهِ أَنَّهُمْ حَكَمُوا فِي الْخَطَأِ.
وَرَوَى حَنْبَلٌ عَنْهُ: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُكَفِّرْ عَنِ الْأَوَّلِ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ كَسَائِرِ الْمَحْظُورَاتِ.
وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيمَا جَزَاؤُهُ وَاحِدٌ، فَأَمَّا إِذَا اخْتَلَفَ الْجَزَاءُ هَكَذَا ذَكَرَهَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ فِي مَوْضِعٍ.
وَلَفْظُهُمَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ.
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُكَفِّرُ عَنِ الصَّيْدِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، فَإِنْ قَتَلَهُ ثَانِيًا لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَفَّرَ عَنِ الْأَوَّلِ، أَوْ لَمْ يُكَفِّرْ.
وَهُوَ الصَّوَابُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ.
وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَجْعَلُهَا عَلَى ثَلَاثِ رِوَايَاتٍ.
وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْعَمْدِ.

جارٍ التحميل