وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسْتَلِمُهُ بِالْمِحْجَنِ، وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ، فَتَقْبِيلُ الْيَدِ إِذَا اسْتَلَمَهُ بِهَا أَوْلَى.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: " قُلْتُ لِعَطَاءٍ: هَلْ رَأَيْتَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا اسْتَلَمُوا قَبَّلُوا أَيْدِيَهُمْ؟، قَالَ: نَعَمْ رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنَ عُمَرَ، وَأَبَا سَعِيدٍ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ إِذَا اسْتَلَمُوا قَبَّلُوا أَيْدِيَهُمْ ". رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ.
فَإِنْ كَانَ رَاكِبًا اسْتَلَمَهُ بِعَصًا وَنَحْوِهَا، وَهَلْ يُسْتَحَبُّ لَهُ ذَلِكَ رَاجِلًا؟ .. . .
لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: («طَافَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجِّهِ عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ»).
رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ وَالنَّسَائِيَّ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ: («طَافَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ وَكَبَّرَ»).
وَمَعْنَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: أَنَّهُ يُشِيرُ إِلَيْهِ إِشَارَةً يَمَسُّ بِهَا الْحَجَرَ كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا أَنَّهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ، وَلَوْ لَمْ يَمَسَّ الْمِحْجَنُ الْحَجَرَ لَكَانَتِ الْإِشَارَةُ بِالْيَدِ أَوْلَى.
وَعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: («رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ، وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ»).
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَأَحْمَدُ وَلَمْ يَذْكُرْ تَقْبِيلَ الْمِحْجَنِ.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ: («أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَافَ لَيْلَةَ الْإِفَاضَةِ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ»).
يَعْنِي يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ.
وَيُسْتَحَبُّ لَهُ: أَنْ يُقَبِّلَ مَا يَسْتَلِمُهُ بِهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ النَّصِّ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ
التَّقْبِيلُ وَلَا الِاسْتِلَامُ بِيَدِهِ، وَلَا شَيْءٍ، فَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: يُشِيرُ إِلَيْهِ بِيَدِهِ مِنْهُمُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ.
وَالْمَنْصُوصُ عَنْهُ - فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ -: ثُمَّ ائْتِ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ، فَاسْتَلِمْهُ إِنِ اسْتَطَعْتَ، وَقَبِّلْهُ، وَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقُمْ بِحِيَالِهِ، وَارْفَعْ يَدَيْكَ وَقُلْ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ تَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ وَاتِّبَاعًا لِسُنَّتِكَ وَسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ إِلَيْكَ بَسَطْتُ يَدِي، وَفِيمَا لَدَيْكَ عَظُمَتْ رَغْبَتِي، فَاقْبَلْ دَعْوَتِي وَأَقِلْنِي عَثْرَتِي، وَارْحَمْ تَضَرُّعِي وَجَدَلِي بِمَغَفِرَتِكَ يَا إِلَهِي آمَنْتُ بِكَ وَكَفَرْتُ بِالطَّاغُوتِ.
وَكَذَلِكَ نَقَلَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ: أَنَّهُ يَسْتَقْبِلُهُ وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيُكَبِّرُ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي: إِنْ لَمْ يُمْكِنِ اسْتِلَامُهُ لِأَجْلِ الزَّحْمَةِ: قَامَ حِيَالَهُ، وَرَفَعَ يَدَهُ وَكَبَّرَ.
هَكَذَا قَالَ: فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ.
وَلَمْ يَقُلْ إِنَّهُ يُقَبِّلُ.
وَهَذَا أَصَحُّ لِمَا رُوِيَ «عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ: (يَا عُمَرُ، إِنَّكَ رَجُلٌ قَوِيٌّ لَا تَزَاحِمْ عَلَى الْحَجَرِ فَتُؤْذِيَ الضَّعِيفَ، إِنْ وَجَدْتَ فُرْجَةً فَاسْتَلِمْهُ، وَإِلَّا فَاسْتَقْبِلْهُ وَهَلِّلْ وَكَبِّرْ)».
رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَرَوَى الْأَزْرَقِيُّ - فِي أَخْبَارِ مَكَّةَ - عَنْ جَدِّهِ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، «عَنْ أَبِي يَعْفُورَ الْعَبْدِيِّ قَالَ (: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ خُزَاعَةَ - كَانَ أَمِيرًا عَلَى مَكَّةَ مُنْصَرَفَ الْحَاجِّ عَنْ مَكَّةَ - يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: يَا عُمَرُ، إِنَّكَ رَجُلٌ قَوِيٌّ، وَإِنَّكَ تُؤْذِي الضَّعِيفَ، فَإِذَا وَجَدْتَ خَلًّا فَاسْتَلِمْهُ، وَإِلَّا فَامْضِ وَكَبِّرْ»).
هَذَا مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَنْ أَحْمَدَ.
وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ: (أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: كَانَ يَسْتَلِمُهُ إِذَا وَجَدَ فَجْوَةً، فَإِذَا اشْتَدَّ الزِّحَامُ كَبَّرَ كُلَّمَا حَاذَاهُ).
رَوَاهُ الْأَزْرَقِيُّ.
وَلِأَنَّ الْإِشَارَةَ إِلَيْهِ بِالِاسْتِلَامِ مِنْ غَيْرِ مُمَاسَّةٍ لَيْسَ فِيهِ، وَلَا مَعْنَى فِيهِ فَأَشْبَهَ الْإِشَارَةَ إِلَيْهِ بِالْقُبْلَةِ.
وَبِكُلِّ حَالٍ: فَلَا يُقَبِّلُ يَدَهُ إِذَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِالِاسْتِلَامِ مِنْ غَيْرِ اسْتِلَامٍ؛ لِأَنَّ التَّقْبِيلَ إِنَّمَا هُوَ لِلْحَجَرِ، أَوْ لِمَا مَسَّ الْحَجَرَ.
وَأَمَّا رَفْعُ الْيَدِ فَهُوَ مَسْنُونٌ عِنْدَهُ.
وَأَمَّا السُّجُودُ عَلَيْهِ: فَقَدْ ذَكَرَ لِأَحْمَدَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي السُّجُودِ عَلَى الْحَجَرِ فَحَسَّنَهُ.
وَقَدْ رَوَاهُ الْأَزْرَقِيُّ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: («رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - جَاءَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ مُرَجِّلًا رَأْسَهُ: فَقَبَّلَ الْحَجَرَ وَسَجَدَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا»).
وَرَوَاهُ أَبُو
يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عُثْمَانَ الْمَخْزُومِيِّ قَالَ: («رَأَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ قَبَّلَ الْحَجَرَ، وَسَجَدَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: رَأَيْتُ خَالِيَ ابْنَ عَبَّاسٍ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ وَيَسْجُدُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ وَيَسْجُدُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهُ»).
وَحَدِيثُ عُمَرَ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: («أَنَّهُ قَبَّلَ الْحَجَرَ وَالْتَزَمَهُ، وَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكَ حَفِيًّا») يُؤَيِّدُ هَذَا.
وَرَوَى الْأَزْرَقِيُّ: " «أَنْ طَاوُسًا أَتَى الرُّكْنَ فَقَبَّلَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ سَجَدَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّكَ حَجَرٌ وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ») وَهَلْ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ غَيْرَ الْحَجَرِ؟ .. . .
وَأَمَّا الذِّكْرُ الَّذِي يُقَالُ عِنْدَهُ: فَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الصَّحِيحُ: («أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ وَكَبَّرَ») وَقَالَ لِعُمَرَ: («اسْتَقْبِلْهُ وَهَلِّلْ وَكَبِّرْ»، وَفِي لَفْظٍ: كَبِّرْ وَامْضِ).
فَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ: هَلْ بَلَغَكَ مِنْ قَوْلٍ يُسْتَحَبُّ عِنْدَ اسْتِلَامِ الرُّكْنَيْنِ؟، قَالَ: لَا، وَكَأَنَّهُ يَأْمُرُ بِالتَّكْبِيرِ.
ذَكَرَهُ الْأَزْرَقِيُّ.
وَأَمَّا الزِّيَادَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا أَصْحَابُنَا: فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: (أَنَّهُ كَانَ إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ).
رَوَاهُ الْأَزْرَقِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ.
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ: (أَنَّهُ كَانَ إِذَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ قَالَ: اللَّهُمَّ إِيمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ وَسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -)، وَرَوَى الْأَزْرَقِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ
الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يَقُولُ - إِذَا كَبَّرَ لِاسْتِلَامِ الْحَجَرِ -: بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ عَلَى مَا هَدَانَا، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ آمَنْتُ بِاللَّهِ، وَكَفَرْتُ بِالطَّاغُوتِ، وَبِاللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَا يُدْعَى مِنْ دُونِ اللَّهِ.
﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: 196].
قَالَ عُثْمَانُ: بَلَغَنِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَالَ عِنْدَ اسْتِلَامِ الرُّكْنِ: بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ إِيمَانًا بِكَ وَتَصْدِيقًا بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
فَصْلٌ
وَأَمَّا الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ، وَاسْتِلَامُهُ، وَتَقْبِيلُهُ، وَمَعْنَى ذَلِكَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: («يَأْتِي هَذَا الْحَجَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ يَشْهَدُ لِمَنِ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ»).
رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ وَابْنَ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: («نَزَلَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ»).
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ
وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْهُ: («الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ»).
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: («إِنَّ الرُّكْنَ وَالْمَقَامَ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ طَمَسَ اللَّهُ نُورَهُمَا، وَلَوْ لَمْ يَطْمِسْ نُورَهُمَا لَأَضَاءَتَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ»).
رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الْمَنَاسِكِ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ، قَالَ: وَيُرْوَى مَوْقُوفًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَوْلُهُ.
وَقَدْ رَوَاهُ الْأَزْرَقِيُّ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَرُوِيَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (لَيْسَ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا الرُّكْنُ الْأَسْوَدُ وَالْمَقَامُ، فَإِنَّهُمَا جَوْهَرَتَانِ مِنْ جَوَاهِرِ الْجَنَّةِ، وَلَوْلَا مَا مَسَّهُمَا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ: مَا مَسَّهُمَا ذُو عَاهَةٍ إِلَّا شَفَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ).
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: («مَنْ فَاوَضَهُ - يَعْنِي الرَّكْنَ
الْأَسْوَدَ - فَإِنَّمَا يُفَاوِضُ يَدَ الرَّحْمَنِ»).
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (إِنَّ هَذَا الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ يَمِينُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْأَرْضِ يُصَافِحُ بِهَا عِبَادَهُ مُصَافَحَةَ الرَّجُلِ أَخَاهُ).
رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ السَّعْدَنِيُّ، وَالْأَزْرَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - أَيْضًا - قَالَ: (الرُّكْنُ يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ يُصَافِحُ بِهَا خَلْقَهُ، وَالَّذِي نَفْسُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِيَدِهِ مَا مِنَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَسْأَلُ اللَّهَ عِنْدَهُ شَيْئًا إِلَّا
أَعْطَاهُ إِيَّاهُ).
رَوَاهُ الْأَزْرَقِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ بِطَرِيقَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.
وَرَوَى الْأَزْرَقِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: (إِنَّ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، فَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ بَيْعَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَسَحَ الرُّكْنَ فَقَدْ بَايَعَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ).
وَرَوَى الْأَزْرَقِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَرَ السَّعْدَنِيِّ، ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِيُّ، عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: («خَرَجْنَا مَعَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إِلَى مَكَّةَ فَلَمَّا دَخَلْنَا الطَّوَافَ قَامَ عِنْدَ الْحَجَرِ، وَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ»).
ثُمَّ قَبَّلَهُ؛ يَعْنِي فِي الطَّوَافِ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: (بَلَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هُوَ يَضُرُّ وَيَنْفَعُ، قَالَ: وَأَيْنَ ذَلِكَ؟ قَالَ: فِي كِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: وَأَيْنَ
ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: 172] قَالَ: فَلَمَّا خَلَقَ عَزَّ وَجَلَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَسَحَ ظَهْرَهُ فَأَخْرَجَ ذُرِّيَّتَهُ مِنْ صُلْبِهِ، فَقَرَّرَهُمْ أَنَّهُ الرَّبُّ وَهُمُ الْعَبِيدُ، ثُمَّ كَتَبَ مِيثَاقَهُمْ فِي رَقٍّ، وَكَانَ هَذَا الْحَجَرُ لَهُ عَيْنَانِ وَلِسَانٌ، فَقَالَ لَهُ: افْتَحْ فَاكَ فَأَلْقَمَهُ ذَلِكَ الرَّقَّ، وَجَعَلَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَقَالَ: تَشْهَدُ لِمَنْ وَافَاكَ: بِالْمُوَافَاةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَعِيشَ فِي قَوْمٍ لَسْتَ فِيهِمْ يَا أَبَا حَسَنٍ).
فَصْلٌ
وَالسُّنَّةُ أَنْ يَبْتَدِئَ بِالْحَجَرِ فِي أَوَّلِ الطَّوَافِ، وَأَنْ يَسْتَقْبِلَ الرُّكْنَ فِي أَوَّلِ الطَّوَافِ سَوَاءٌ اسْتَلَمَهُ، وَقَبَّلَهُ، أَوْ لَمْ يَفْعَلْ وَهَلْ ذَلِكَ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - لِلَّهِ - قَالَ لِعُمَرَ: («إِنْ وَجَدْتَ خَلْوَةً فَاسْتَلِمْهُ، وَإِلَّا فَاسْتَقْبِلْهُ وَهَلِّلْ وَكَبِّرْ»).
قَالَ الْقَاضِي: مِنْ شَرْطِ الطَّوَافِ الِاسْتِقْبَالُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْتَدِئَ الطَّوَافَ غَيْرَ مُسْتَقْبِلٍ لِلرُّكْنِ .. . .
قَالَ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: وَكَمَالُ الطَّوَافِ أَنْ يَبْتَدِئَ
بِالْحَجَرِ فَيُحَاذِيَ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ جَمِيعَ الْحَجَرِ؛ وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ عَنْ يَمِينِ الْحَجَرِ مِنْ نَاحِيَةِ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ، ثُمَّ يَجْتَازُ بِجَمِيعِهِ عَلَى يَمِينِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا قَابَلَكَ كَانَ يَمِينُكَ حِذَاءَ يَسَارِهِ، وَيَسَارُكَ حِذَاءَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَبْتَدِئَ بِالطَّوَافِ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، وَلَا يَطُوفُ جَمِيعُهُ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إِلَّا بِذَلِكَ، فَإِنْ حَاذَى بَعْضَ الْحَجَرِ بِكُلِّ بَدَنِهِ، وَأَمْكَنَ هَذَا لِكَوْنِهِ دَقِيقًا: أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدِ ابْتَدَأَ بِطَوَافِ جَمِيعِهِ بِالْحَجَرِ؛ لِأَنَّ اسْتِيعَابَ .. . .
وَإِنْ حَاذَى بِبَعْضِ بَدَنِهِ كُلَّ الْحَجَرِ، أَوْ بَعْضَهُ فَهَلْ يُجْزِئُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .. .، فَإِنْ لَمْ يُجْزِئْهُ لَغِيَتِ الطَّوْفَةُ الْأُولَى، فَإِذَا حَاذَى الْحَجَرَ فِي الشَّوْطِ الثَّانِي فَهُوَ أَوَّلُ طَوَافِهِ.
وَالْكَمَالُ: أَنْ يُحَاذِيَ فِي الْأَخِيرِ بِكُلِّ بَدَنِهِ جَمِيعَ الْآخَرِ.
فَعَلَى مَا قَالُوهُ: إِمَّا أَنْ يَذْهَبَ إِلَى يَمِينِ الْحَجَرِ بَعْدَ اسْتِقْبَالِ الرُّكْنِ وَاسْتِلَامِهِ، وَهَلْ يَسْتَقْبِلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ؟ وَإِمَّا أَنْ يَبْدَأَ مِنْ يَمِينِ الْحَجَرِ فَيَسْتَقْبِلَهُ .. .، وَهَذَا أَشْبَهُ بِالسُّنَّةِ؛ فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ: (أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ مَشَى عَلَى يَمِينِهِ فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا)».
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: («وَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ فَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ، ثُمَّ خَبَّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ وَمَشَى أَرْبَعَةً»).
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَمْ يَذْكُرْ جَابِرٌ: أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى نَاحِيَةِ يَسَارِهِ قَلِيلًا بَعْدَ الِاسْتِلَامِ؛ وَلِأَنَّهُ مُحَاذِيًا
لِلْحَجَرِ مُسْتَقْبِلًا لَهُ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ: لَمْ يَكُنْ قَدْ خَبَّ عَقِبَ الِاسْتِلَامِ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَمْشِي هَكَذَا لَا يَخُبُّ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَنَقْلُوهُ.
[مَسْأَلَةٌ الطائف يجعل البيت على يساره]
مَسْأَلَةٌ: (ثُمَّ يَأْخُذُ عَلَى يَمِينِهِ وَيَجْعَلُ الْبَيْتَ عَلَى يَسَارِهِ فَيَطُوفُ سَبْعًا).
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ: أَنَّ الطَّائِفَ يَبْتَدِئُ فِي مُرُورِهِ بِوَجْهِ الْكَعْبَةِ، فَإِذَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ أَخَذَ إِلَى جِهَةِ يَمِينِهِ، فَيَصِيرُ الْبَيْتُ عَنْ يَسَارِهِ وَيُكْمِلُ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ.
وَهَذَا مِنَ الْعِلْمِ الْعَامِّ، وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ الَّذِي تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ عَنْ نَبِيِّهَا وَتَوَارَثَتْهُ فِيمَا بَيْنَهَا خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، وَهُوَ مِنْ تَفْسِيرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [البقرة: 125] وَقَوْلِهِ: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29]، كَمَا فَسَّرَ أَعْدَادَ الصَّلَاةِ، وَأَوْقَاتِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: («أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ مَشَى عَلَى يَمِينِهِ فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا»).
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
[مَسْأَلَةٌ الأصل في مشروعية الرمل]
مَسْأَلَةٌ: (يَرْمُلُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ وَيَمْشِي فِي الْأَرْبَعَةِ).
الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ: مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ خَبَّ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، وَكَانَ يَسْعَى بِبَطْنِ الْوَادِي إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ)».
وَفِي رِوَايَةٍ («رَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ
الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا») وَفِي رِوَايَةٍ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا طَافَ فِي الْحَجِّ، أَوِ الْعُمْرَةِ - أَوَّلَ مَا يَقْدُمُ - فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ بِالْبَيْتِ وَيَمْشِي أَرْبَعَةً»).
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِي صِفَةِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَهِيَ آخِرُ نُسُكٍ فَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي رِوَايَةٍ: («رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ»).
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَأَصْلُ ذَلِكَ: مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: («قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدُمُ عَلَيْكُمْ وَفْدٌ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، وَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ»).
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ.
وَلَفْظُ مُسْلِمٍ: «(لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ وَقَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ قَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدُمُ عَلَيْكُمْ غَدًا قَوْمٌ قَدْ وَهَنَتْهُمُ الْحُمَّى، وَلَقَوْا مِنْهَا شِدَّةً فَجَلَسُوا مِمَّا يَلِي الْحَجَرَ، وَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَرْمُلُوا ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ،
وَيَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ لِيَرَى الْمُشْرِكُونَ جَلَدَهُمْ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْحُمَّى قَدْ وَهَنَتْهُمْ، هَؤُلَاءِ: أَجْلَدُ مِنْ كَذَا وَكَذَا.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ)» وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: («إِنَّمَا رَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُرِيَ الْمُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ»).
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَكَانَ أَوَّلُ الرَّمَلِ هَذَا، وَلِذَلِكَ لَمْ يَرْمُلُوا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا مِنْ نَاحِيَةِ الْحَجَرِ عِنْدَ قُعَيْقُعَانَ لَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَ مَنْ بَيْنِ الرُّكْنَيْنِ.
وَكَانَ هَذَا فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ، ثُمَّ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ ذَلِكَ عُمْرَةَ الْجِعِرَّانَةِ وَمَكَّةُ دَارُ إِسْلَامٍ، ثُمَّ حَجَّ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، وَقَدْ نَفَى اللَّهُ الشِّرْكَ وَأَهْلَهُ، وَرَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ فَكَانَ هَذَا آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْهُ.
فَعُلِمَ أَنَّ الرَّمَلَ صَارَ سُنَّةً.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: («رَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّتِهِ وَفِي عُمَرِهِ كُلِّهَا، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَالْخُلَفَاءُ»).
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ عَنْ
عَطَاءٍ: («أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَعَى فِي عُمَرِهِ كُلِّهَا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَالْخُلَفَاءُ هَلُمَّ جَرًّا يَسْعَوْنَ كَذَلِكَ») قَالَ: وَقَدْ أَسْنَدَ هَذَا الْحَدِيثَ، وَهَذَا الصَّحِيحُ.
«وَعَنْ عُمَرَ: أَنَّهُ قَالَ: (مَا لَنَا وَلِلرَّمَلِ وَإِنَّمَا رَاءَيْنَا بِهِ الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: هِيَ صَنِيعَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَتْرُكَهُ)».
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الِاضْطِبَاعِ نَحْوَ ذَلِكَ.
فَصْلٌ
قَالَ أَصْحَابُنَا: يُسْتَحَبُّ لِلطَّائِفِ الدُّنُوُّ مِنَ الْبَيْتِ فِي الطَّوَافِ إِلَّا أَنْ يُؤْذِيَ غَيْرَهُ، أَوْ يَتَأَذَّى بِنَفْسِهِ، فَيَخْرُجُ إِلَى حَيْثُ أَمْكَنَهُ، وَكُلَّمَا كَانَ أَقْرَبَ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَإِنْ كَانَ الْأَبْعَدُ أَوْسَعَ مَطَافًا وَأَكْثَرَ خُطًى.
فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الرَّمَلُ مَعَ الْقُرْبِ لِقُوَّةِ الِازْدِحَامِ: فَإِنْ رَجَا أَنْ تَخِفَّ الزَّحْمَةُ وَلَمْ يَتَأَذَّ أَحَدٌ بِوُقُوفِهِ انْتَظَرَ ذَلِكَ لِيَجْمَعَ بَيْنَ قُرْبِهِ مِنَ الْبَيْتِ وَبَيْنَ الرَّمَلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُقَدَّمٌ عَلَى مُبَادَرَتِهِ إِلَى تَمَامِ الطَّوَافِ، وَإِنْ كَانَ الْوُقُوفُ لَا يُشْرَعُ فِي الطَّوَافِ؛ قَالَ أَحْمَدُ: فَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ أَنْ تَرْمُلَ فَقُمْ حَتَّى تَجِدَ مَسْلَكًا ثُمَّ تَرْمُلَ.
فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْقُرْبِ وَالرَّمَلِ: فَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: يَخْرُجُ إِلَى حَاشِيَةِ الْمَطَافِ؛ لِأَنَّ الرَّمَلَ أَفْضَلُ مِنَ الْقُرْبِ؛ لِأَنَّهُ هَيْئَتُهُ فِي نَفْسِ الْعِبَادَةِ بِخِلَافِ الْقُرْبِ فَإِنَّهُ هَيْئَةٌ فِي مَكَانِهَا.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَطُوفُ قَرِيبًا عَلَى حَسَبِ حَالِهِ؛ لِأَنَّ الرَّمَلَ هَيْئَةٌ فَهُوَ
كَالتَّجَافِي فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَلَا يُتْرَكُ الصَّفُّ الْأَوَّلُ لِأَجْلِ تَعَذُّرِهَا، فَكَذَلِكَ هُنَا لَا يُتْرَكُ الْمَكَانُ الْقَرِيبُ مِنَ الْبَيْتِ لِأَجْلِ تَعَذُّرِ الْهَيْئَةِ.
وَالْأَوَّلُ ... ؛ لِأَنَّ الرَّمَلَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ بِحَيْثُ يُكْرَهُ تَرْكُهَا، وَالطَّوَافُ مِنْ حَاشِيَةِ الْمَطَافِ لَا يُكْرَهُ، بِخِلَافِ التَّأَخُّرِ إِلَى الصَّفِّ الثَّانِي فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةً شَدِيدَةً.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَبَيْنَ دَاخِلِ الْمَطَافِ: أَنَّ الْمُصَلِّينَ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَمِنْ سُنَّةِ الصَّلَاةِ إِتْمَامُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ: بِخِلَافِ الطَّائِفِينَ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَطُوفُ مُنْفَرِدًا فِي الْحُكْمِ فَنَظِيرُ ذَلِكَ أَنْ يُصَلِّيَ مُنْفَرِدًا فِي قُبُلِ الْمَسْجِدِ مَعَ عَدَمِ إِتْمَامِ هَيْئَاتِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ صَلَاتَهُ فِي مُؤَخَّرِهِ مَعَ إِتْمَامِهَا أَوْلَى.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ تَرَاصَّ الصَّفِّ وَانْضِمَامَهُ سُنَّةٌ فِي نَفْسِهِ، فَاغْتُفِرَ فِي جَانِبِهَا زَوَالُ التَّجَافِي، بِخِلَافِ ازْدِحَامِ الطَّائِفِينَ فَإِنَّهُ لَيْسَ مُسْتَحَبًّا وَإِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الْوَاقِعِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ فَضِيلَةَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ ثَبَتَتْ بِنُصُوصٍ كَثِيرَةٍ بِخِلَافِ دَاخِلِ الْمَطَافِ، عَلَى أَنَّ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا فِيهَا نَظَرٌ.
فَأَمَّا إِنْ خَافَ إِنْ خَرَجَ أَنْ يَخْتَلِطَ بِالنِّسَاءِ: طَافَ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، وَلَمْ يَخْرُجْ.
[مَسْأَلَةٌ يشرع استلام الركنين اليمانيين في كل طواف]
مَسْأَلَةٌ: (وَكُلَّمَا حَاذَى الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ وَالْحَجَرَ اسْتَلَمَهُمَا، وَكَبَّرَ وَهَلَّلَ، وَيَقُولُ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201] وَيَدْعُو فِي سَائِرِهِ بِمَا أَحَبَّ).
فِي هَذَا الْكَلَامِ فُصُولٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ خَاصَّةً، وَيُكْرَهُ اسْتِلَامُ .. .، قَالَ أَحْمَدُ
فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ -: «وَلَا تَسْتَلِمْ مِنَ الْأَرْكَانِ شَيْئًا إِلَّا مَا كَانَ مِنَ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ، وَالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، فَإِنْ زَحَمَكَ النَّاسُ، وَلَمْ يُمْكِنْكَ الِاسْتِلَامُ فَامْضِ وَكَبِّرْ»؛ وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: (لَمْ أَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمَسُّ مِنَ الْأَرْكَانِ إِلَّا الْيَمَانِيَّيْنِ)».
رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ.
وَفِي لَفْظٍ فِي الصَّحِيحِ: («لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَلَمَ مِنَ الْبَيْتِ») وَفِي لَفْظٍ: («أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَسْتَلِمُ إِلَّا الْحَجَرَ وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ»).
وَعَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (لَا يَدَعُ أَنْ يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ وَالْحَجَرَ فِي كُلِّ طَوْفَةٍ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ»).
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ: («كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَلِمُ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِمَا وَلَا يَسْتَلِمُ الْآخَرَيْنِ»).
وَعَنْهُ - أَيْضًا - قَالَ: («مَا تَرَكْتُ اسْتِلَامَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيِّ وَالْحَجَرِ مُنْذُ
رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَلِمُهُمَا - فِي شِدَّةٍ وَلَا رَخَاءٍ»).
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: («لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَلِمُ غَيْرَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ»).
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.
وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: («أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُزَاحِمُ عَلَى الرُّكْنَيْنِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّكَ تُزَاحِمُ عَلَى الرُّكْنَيْنِ زِحَامًا مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُزَاحِمُ عَلَيْهِ، قَالَ: إِنْ أَفْعَلْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: إِنَّ مَسَحَهُمَا كَفَّارَةٌ لِلْخَطَايَا، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَنْ طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ أُسْبُوعًا فَأَحْصَاهُ: كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: لَا يَضَعُ قَدَمًا وَلَا يَرْفَعُ أُخْرَى إِلَّا حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً، وَكَتَبَ لَهُ بِهَا حَسَنَةً»).
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
«وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: (مَا أَرَاكَ تَسْتَلِمُ إِلَّا هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ، قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّ مَسْحَهُمَا يَحُطُّ الْخَطِيئَةَ»).
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ لَفْظُهُ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ، فَالرُّكْنَانِ اللَّذَانِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ لَيْسَا بِرُكْنَيْنِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا هُمَا بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْجِدَارِ، وَالِاسْتِلَامُ إِنَّمَا يَكُونُ لِلْأَرْكَانِ، وَإِلَّا لَاسْتَلَمَ جَمِيعَ جِدَارِ الْبَيْتِ فِي الطَّوَافِ.
وَأَمَّا تَقْبِيلُ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ: فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ؛ أَحَدُهَا: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ -: أَنَّهُ لَا يُقَبِّلُهُ؛ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قُلْتُ لِأَبِي مَا يُقَبَّلُ؟ قَالَ: يُقَبَّلُ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ، قُلْتُ لِأَبِي فَالرُّكْنُ الْيَمَانِيُّ؟، قَالَ: لَا، إِنَّمَا يُسْتَلَمُ وَلَا يُقَبَّلُ إِلَّا الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ وَحْدَهُ.
وَكَذَلِكَ قَالَ - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ -: لَا يُقَبَّلُ الْيَمَانِيُّ، وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ -: وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا؛ مِثْلَ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ مِثْلَ الشَّرِيفِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَأَبِي الْمَوَاهِبِ الْعُكْبَرِيِّ، وَابْنِ عَقِيلٍ، وَأَبِي الْخَطَّابِ فِي خِلَافِهِ وَغَيْرِهِمْ.
وَقَالَ الْخِرَقِيُّ وَابْنُ أَبِي مُوسَى: يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ كَالْحَجَرِ، قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: يَسْتَلِمُهُ بِفِيهِ إِنْ أَمْكَنَهُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فَبِيَدِهِ وَيُقَبِّلُهَا، قَالَ: وَلَا يُقَبِّلُ إِلَّا
الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: («كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَبِّلُ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ، وَيَضَعُ خَدَّهُ عَلَيْهِ»).
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَرَوَاهُ الْأَزْرَقِيُّ عَنْ مُجَاهِدٍ مُرْسَلًا، وَمَدَارُهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ مُجَاهِدٍ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُ يَدَهُ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: («أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اسْتَلَمَ الْحَجَرَ فَقَبَّلَهُ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ فَقَبَّلَ يَدَهُ»).
رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ فِي الْغَيْلَانِيَّاتِ.
وَالْأَوَّلُ: أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ وَصَفُوا حَجَّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعُمَرَهُ: ذَكَرُوا أَنَّهُ
كَانَ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ وَيُقَبِّلُهُ، وَأَنَّهُ كَانَ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ وَلَمْ يَذْكُرُوا تَقْبِيلًا، وَلَوْ قَبَّلَهُ لَنَقْلُوهُ، كَمَا نَقَلُوهُ فِي الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ، لَا سِيَّمَا مَعَ قُوَّةِ اعْتِنَائِهِمْ بِضَبْطِ ذَلِكَ، وَهَذَا ابْنُ عُمَرَ أَتْبَعُ النَّاسِ لِمَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّتِهِ لَمْ يَذْكُرْ إِلَّا الِاسْتِلَامَ الْفَصْلُ الثَّانِي مَا يَقُولُهُ إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَيْنِ، وَتَقَدَّمَ عَنْهُ أَنَّهُ يُكَبِّرُ، وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ -: إِنْ قَدَرَ عَلَى الْحَجَرِ اسْتَلَمَهُ، وَإِلَّا إِذَا حَاذَاهُ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَهُ وَمَضَى وَقَالَ .. . .
[مَسْأَلَةٌ الصلاة خلف المقام]
مَسْأَلَةٌ: (ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ).
هَذِهِ السُّنَّةُ لِكُلِّ طَائِفٍ أُسْبُوعًا أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَهُ رَكْعَتَيْنِ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: 125].
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «(قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21].» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: " «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ وَمَعَهُ مَنْ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْكَعْبَةَ؟ قَالَ: لَا» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَهَذَا فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ.
[مَسْأَلَةٌ يَخْتِمَ الطَّوَافَ بِاسْتِلَامِ الْحَجَرِ]
مَسْأَلَةٌ: (وَيَعُودُ إِلَى الرُّكْنِ فَيَسْتَلِمُهُ وَيَخْرُجُ إِلَى الصَّفَا مِنْ بَابِهِ).
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ: أَنْ يَخْتِمَ الطَّوَافَ بِاسْتِلَامِ الْحَجَرِ، ثُمَّ يَسْتَلِمُهُ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ، سَوَاءٌ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ وَالزِّيَارَةِ وَالْوَدَاعِ ; لِأَنَّ فِي حَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125] فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَكَانَ
أَيْ يَقُولُ: - وَلَا أَعْلَمُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158] أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقَى عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ وَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي، حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عَلَى الْمَرْوَةِ قَالَ: لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً، فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلْأَبَدِ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الْأُخْرَى، وَقَالَ: دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ مَرَّتَيْنِ لَا، بَلْ لِأَبَدِ الْأَبَدِ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ.
[مَسْأَلَةٌ الخروج إلى الصفا]
مَسْأَلَةٌ: (ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّفَا مِنْ بَابِهِ فَيَأْتِيهِ فَيَرْقَى عَلَيْهِ وَيُكَبِّرُ اللَّهَ وَيُهَلِّلُهُ
وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يَنْزِلُ فَيَمْشِي إِلَى الْعَلَمِ، ثُمَّ يَسْعَى إِلَى الْعَلَمِ الْآخَرِ ثُمَّ يَمْشِي إِلَى الْمَرْوَةِ فَيَفْعَلُ كَفِعْلِهِ عَلَى الصَّفَا، ثُمَّ يَنْزِلُ فَيَمْشِي فِي مَوْضِعِ مَشْيِهِ، وَيَسْعَى فِي مَوْضِعِ سَعْيِهِ حَتَّى يُكْمِلَ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ يَحْسِبُ بِالذَّهَابِ سَبْعَةً وَبِالرُّجُوعِ سَبْعَةً يَفْتَتِحُ بِالصَّفَا وَيَخْتَتِمُ بِالْمَرْوَةِ.
أَمَّا خُرُوجُهُ مِنْ بَابِ الصَّفَا وَهُوَ الْبَابُ الْأَعْظَمُ الَّذِي يُوَاجِهُ الصَّفَا ... ، وَأَمَّا رُقِيُّهُ عَلَى الصَّفَا ; فَلِأَنَّ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَقَى عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ» " وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا: إِنَّهُ يَرْقَى عَلَى الصَّفَا حَتَّى يَرَى الْبَيْتَ وَيَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، إِلَّا أَنَّ هَذَا كَانَ لَمَّا كَانَتِ الْأَبْنِيَةُ مُنْخَفِضَةً عَنِ الْكَعْبَةِ.
فَأَمَّا الْآنَ فَإِنَّهُمْ قَدْ رَفَعُوا جِدَارَ الْمَسْجِدِ وَزَادُوا فِيهِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّفَا حَتَّى صَارَ الْمَسْعَى يَلِي جِدَارَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَالْمَسْعَى بِنَاءٌ لِلنَّاسِ، فَالْيَوْمَ: لَا يَرَى أَحَدٌ الْبَيْتَ مِنْ فَوْقِ الصَّفَا، وَلَا مِنْ فَوْقِ الْمَرْوَةِ، نَعَمْ قَدْ يَرَاهُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ إِذَا خَفَضَ.
فَالسُّنَّةُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الصَّفَا بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِنْ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ لَوْ كَانَ الْبِنَاءُ عَلَى مَا كَانَ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَتَى الصَّفَا فَعَلَا عَلَيْهِ حَتَّى نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ، وَرَفَعَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيَدْعُو مَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ، وَيُسَنُّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْبَيْتَ فِي حَالِ وُقُوفِهِ عَلَى الصَّفَا وَعَلَى الْمَرْوَةِ، وَكَذَلِكَ فِي حَالِ وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ وَبِمُزْدَلِفَةَ وَبِمِنًى، وَبَيْنَ الْجَمْرَتَيْنِ ; لِأَنَّ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ» ".
وَعَنْ عُرْوَةَ قَالَ: " «مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَصْعَدَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ حَتَّى يَبْدُوَ لَهُ الْبَيْتُ فَيَسْتَقْبِلَهُ» "
وَعَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: " اسْتَقْبِلِ الْبَيْتَ مِنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَا بُدَّ مِنِ اسْتِقْبَالِهِ " رَوَاهُمَا أَحْمَدُ.
وَلِأَنَّهُ حَالُ مُكْثٍ لِلذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، فَاسْتُحِبَّ فِيهَا اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ كَسَائِرِ الْأَحْوَالِ وَأَوْكَدُ.
وَلِأَنَّ الْوُقُوفَ بِالْمَشَاعِرِ نَوْعٌ مِنَ الصَّلَاةِ، وَكَذَلِكَ قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ:
﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125]-: إِنَّهَا عَرَفَةُ، وَمُزْدَلِفَةُ، وَمِنًى، وَنَحْوَهُنَّ: فَيُشْرَعُ فِيهَا اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ كَالصَّلَاةِ التَّامَّةِ.
وَلِأَنَّ الْمَنَاسِكَ: هِيَ حَجُّ الْبَيْتِ، فَكَانَ اسْتِقْبَالُ الْبَيْتِ وَقْتَ فِعْلِهَا تَحْقِيقًا لِمَعْنَى حَجِّ الْبَيْتِ وَقَصْدِهِ.
وَلِأَنَّ جَمِيعَ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ ; مِنَ الْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ وَالِاعْتِكَافِ وَذَبْحِ الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَةِ يُسَنُّ اسْتِقْبَالُ الْكَعْبَةِ فِيهَا، فَمَا تَعَلَّقَ مِنْهَا بِالْبَيْتِ أَوْلَى.
وَأَمَّا التَّكْبِيرُ وَالتَّهْلِيلُ وَالدُّعَاءُ فَقَدْ ذَكَرَهُ جَابِرٌ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ
وَأَمَّا صِفَةُ ذَلِكَ فَفِي رِوَايَةٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «كَانَ إِذَا وَقَفَ عَلَى الصَّفَا يُكَبِّرُ ثَلَاثًا وَيَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، يَصْنَعُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَيَدْعُو، وَيَصْنَعُ عَلَى الْمَرْوَةِ مِثْلَ ذَلِكَ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: " «أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ - مَعَ هَذَا التَّوْحِيدِ -: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» "، وَأَنَّهُ يَدْعُو بَعْدَ ذَلِكَ.
وَقَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ -: إِذَا قَدِمْتَ مَكَّةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَإِنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثَنَا أَبِي قَالَ: " أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: «اسْتَلَمَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ، ثُمَّ رَمَلَ ثَلَاثَةً وَمَشَى أَرْبَعَةً حَتَّى إِذَا فَرَغَ عَدَا إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ فَصَلَّى خَلْفَهُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125] ثُمَّ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ، وَخَرَجَ إِلَى الصَّفَا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158]، ثُمَّ قَالَ: نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ، فَرَقَى عَلَى الصَّفَا حَتَّى إِذَا نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ كَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَصَدَقَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، ثُمَّ دَعَا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى هَذَا الْكَلَامِ، ثُمَّ دَعَا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى هَذَا الْكَلَامِ، ثُمَّ نَزَلَ حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي الْوَادِي رَمَلَ حَتَّى إِذَا صَعِدَ مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَرَقَى عَلَيْهَا حَتَّى نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ، فَقَالَ عَلَيْهَا مِثْلَ مَا قَالَ عَلَى الصَّفَا، فَلَمَّا كَانَ السَّابِعُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً، فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ».
فَعَلَى حَدِيثِ جَابِرٍ الَّذِي اعْتَمَدَهُ أَحْمَدُ يُكَبِّرُ وَيُهِلُّ عَلَى لَفْظِ الْحَدِيثِ، ثُمَّ
يَدْعُو ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيُهِلُّ، ثُمَّ يَدْعُو ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيُهِلُّ، فَيَفْتَتِحُ بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ، وَيَخْتِمُ بِهِ، وَيُكَرِّرُهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَالدُّعَاءَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَلَفْظُ التَّكْبِيرِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ثَلَاثًا، كَمَا جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَلَفْظُ التَّهْلِيلِ مَرَّتَيْنِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ الْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ.
وَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّكْبِيرُ تِسْعًا، وَالتَّهْلِيلُ سِتًّا، وَالدُّعَاءُ مَرَّتَيْنِ.
وَلَفْظُ الصَّحِيحِ: " «لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» ".
وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقَى عَلَيْهَا حَتَّى بَدَا لَهُ الْبَيْتُ، فَقَالَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَكَبَّرَ اللَّهَ وَحَمِدَهُ ثُمَّ دَعَا بِمَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ نَزَلَ مَاشِيًا حَتَّى تَصَوَّبَتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ فَسَعَى حَتَّى صَعِدَتْ قَدَمَاهُ، ثُمَّ مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَصَعِدَ فِيهَا ثُمَّ بَدَا لَهُ الْبَيْتُ، فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهَ وَسَبَّحَهُ وَحَمِدَهُ، ثُمَّ دَعَا عَلَيْهَا بِمَا شَاءَ اللَّهُ، فَعَلَ هَذَا حَتَّى فَرَغَ مِنَ الطَّوَافِ» ".
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمِ: " «أَنَّهُ رَفَعَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَحْمَدُ اللَّهَ، وَيَدْعُو
بِمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدْعُوَ» ".
فَهَذَا الْحَمْدُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْحَمْدُ الَّذِي فِي ضِمْنِ التَّهْلِيلِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الرِّوَايَةُ الْمُفَسِّرَةُ، وَعَلَيْهِ كَلَامُ أَحْمَدَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَهُ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ يُكَبِّرُ ثَلَاثًا، قَالَ الْقَاضِي: يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، اللَّهُ أَكْبَرُ عَلَى مَا هَدَانَا، الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا هَدَانَا.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ: يُكَبِّرُ ثَلَاثًا وَيَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا هَدَانَا، ثُمَّ يَبْدَأُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، زَادَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرْ إِلَّا: لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، كَمَا جَاءَ فِي أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ.
لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، زَادَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا شَرِيكَ لَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، ثُمَّ يُلَبِّي وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ مِنْ دِينٍ وَدُنْيَا، ثُمَّ يُعِيدُ الدُّعَاءَ، ثُمَّ يُلَبِّي وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ مِنْ دِينٍ وَدُنْيَا يَأْتِي بِذَلِكَ ثَلَاثًا.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّكْبِيرُ وَالتَّهْلِيلُ تِسْعًا تِسْعًا، وَالدُّعَاءُ ثَلَاثًا.
وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرْ إِلَّا التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ ثَلَاثًا، وَالدُّعَاءَ مَرَّةً، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ يُكَرِّرُ ذَلِكَ ثَلَاثًا.
وَقَدِ اسْتَحَبَّ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ الْمَرْوَذِيِّ وَغَيْرِهِ - لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ أَحْمَدُ: ثُمَّ اصْعَدْ عَلَى الصَّفَا وَقِفْ حَيْثُ تَنْظُرُ إِلَى الْبُنْيَانِ إِنْ أَمْكَنَكَ ذَلِكَ، وَقُلِ: اللَّهُ أَكْبَرُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، تَرْفَعُ بِهِنَّ صَوْتَكَ، وَتَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ.
لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّ آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ، اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي بِدِينِكَ، وَذَكَرَ دُعَاءَ ابْنِ عُمَرَ نَحْوًا مِمَّا يَأْتِي، وَفِي آخِرِهِ: اللَّهُمَّ إِنَّا قَدْ دَعَوْنَاكَ كَمَا أَمَرْتَنَا فَاسْتَجِبْ لَنَا كَمَا وَعَدْتَنَا، وَاقْضِ لَنَا حَوَائِجَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَقَدْ رَوَى بِإِسْنَادٍ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: " «كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا انْتَهَى إِلَى ذِي طَوًى بَاتَ بِهِ حَتَّى يُصْبِحَ، ثُمَّ يُصَلِّي الْغَدَاةَ وَيَغْتَسِلُ، وَيُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ ضُحًى، وَيَأْتِي الْبَيْتَ فَيَسْتَلِمُ الْحَجَرَ وَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُ أَكْبَرُ، فَإِذَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ رَمَلَ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ يَمْشِي مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَإِذَا أَتَى عَلَى الْحَجَرِ اسْتَلَمَهُ
وَكَبَّرَ أَرْبَعَةَ أَطْوَافٍ مَشْيًا، ثُمَّ يَأْتِي الْمَقَامَ فَيُصَلِّي خَلْفَهُ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّفَا مِنَ الْبَابِ الْأَعْظَمِ، فَيَقُومُ عَلَيْهِ، فَيُكَبِّرُ سَبْعَ مَرَّاتٍ ثَلَاثًا ثَلَاثًا يُكَبِّرُ، ثُمَّ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، ثُمَّ يَدْعُو يَقُولُ: اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي بِدِينِكَ وَطَوَاعِيَتِكَ وَطَوَاعِيَةِ رَسُولِكَ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي حُدُودَكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِمَّنْ يُحِبُّكَ وَيُحِبُّ مَلَائِكَتَكَ وَيُحِبُّ رُسُلَكَ، وَيُحِبُّ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ، اللَّهُمَّ حَبِّبْنِي إِلَيْكَ وَإِلَى مَلَائِكَتِكَ، وَإِلَى عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ، اللَّهُمَّ يَسِّرْنِي لِلْيُسْرَى وَجَنِّبْنِي الْعُسْرَى، وَاغْفِرْ لِي فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى، وَاجْعَلْنِي مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَّقِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، وَاغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ، اللَّهُمَّ إِنَّكَ قُلْتَ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60] وَإِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ، اللَّهُمَّ إِذْ هَدَيْتَنِي لِلْإِسْلَامِ فَلَا تَنْزِعْهُ مِنِّي، وَلَا تَنْزِعْنِي مِنْهُ حَتَّى تَوَفَّانِي وَأَنَا عَلَى الْإِسْلَامِ، اللَّهُمَّ لَا تُقَدِّمْنِي لِعَذَابٍ، وَلَا تُؤَخِّرْنِي لِسَيِّئِ الْفِتَنِ، وَيَدْعُو بِدُعَاءٍ كَثِيرٍ حَتَّى إِنَّهُ لِيُمِلُّنَا - وَإِنَّا لَشَبَابٌ -، وَكَانَ إِذَا أَتَى عَلَى الْمَسْعَى سَعَى وَكَبَّرَ» ". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَفِي لَفْظٍ: " «وَكَانَ يَدْعُو بِهَذَا مَعَ دُعَاءٍ لَهُ طَوِيلٍ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَبِعَرَفَاتٍ وَبَيْنَ الْجَمْرَتَيْنِ وَفِي الطَّوَافِ» ".
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ ... يَدْعُو عَلَى الصَّفَا بِدُعَاءِ ابْنِ عُمَرَ، وَكُلُّ مَا دَعَا بِهِ أَجْزَأَهُ، وَقَالَ - فِي الْمَرْوَةِ -: وَيُكْثِرُ مِنَ الدُّعَاءِ.
وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ هَذَا يَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ: - أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُكَبِّرُ ثَلَاثًا، ثُمَّ يُهَلِّلُ، ثُمَّ يَدْعُو، يُكَرِّرُ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُكَبِّرَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يُهَلِّلَ، ثُمَّ يَدْعُوَ فَقَطْ، وَهُوَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ
الْمَرُّوذِيِّ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُكَبِّرَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا سَبْعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يُهَلِّلَ ثُمَّ يَدْعُوَ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَاسْتَحَبَّهُ.
وَعَلَى هَذَيْنِ هَلْ يُكَرِّرُ ذَلِكَ ثَلَاثًا؟ ... ، وَإِنَّمَا اسْتُحِبَّ هَذَا ; لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - كَانَ شَدِيدَ الِاقْتِفَاءِ لِأَثَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خُصُوصًا فِي النُّسُكِ ; فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ أَعْلَمِ الصَّحَابَةِ، فَالِاقْتِصَارُ عَلَى عَدَدٍ دُونَ عَدَدٍ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا فَعَلَهُ تَوْقِيفِيًّا ; وَلِأَنَّ عَدَدَ الْأَفْعَالِ سَبْعٌ فَاسْتُحِبَّ إِلْحَاقُ الْأَقْوَالِ بِهَا.
وَمَنْ رَجَّحَ هَذَا قَالَ: أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ لَيْسَ فِيهَا تَوْقِيتُ تَكْبِيرٍ، وَلَعَلَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ كَانَ فِي بَعْضِ عُمَرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَوْ لَعَلَّ قَوْلَ جَابِرٍ: " كَبَّرَ ثَلَاثًا " أَيْ ثَلَاثَ نَوْبَاتٍ، وَيَكُونُ كُلُّ نَوْبَةٍ سَبْعًا.
وَأَمَّا الدُّعَاءُ فَقَدِ اسْتَحَبَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ دُعَاءَ ابْنِ عُمَرَ إِذْ لَيْسَ فِي الْبَابِ مَأْثُورٌ غَيْرُهُ.
وَالسُّنَّةُ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّكْبِيرِ، نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ جَابِرًا سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْلَا جَهْرُهُ بِهِ لَمْ يَسْمَعُوهُ ; وَلِأَنَّهُ شَرَفٌ مِنَ الْأَشْرَافِ، وَالسُّنَّةُ الْجَهْرُ بِالتَّكْبِيرِ عَلَى الْأَشْرَافِ.
وَأَمَّا الدُّعَاءُ فَلَا يَرْفَعُ بِهِ صَوْتَهُ ; لِأَنَّ سُنَّةَ الدُّعَاءِ: السِّرُّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: 55]، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: 3]، وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ جَابِرٌ وَلَا غَيْرُهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَفْظَ دُعَائِهِ، حَيْثُ لَمْ يَسْمَعُوهُ.
وَأَمَّا جَهْرُهُ بِذَلِكَ حَيْثُ يَسْمَعُ الْقَرِيبُ مِنْهُ فَجَائِزٌ، كَمَا فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ مَقْصُودٌ صَالِحٌ وَإِلَّا إِسْرَارُهُ أَفْضَلُ.
وَأَمَّا التَّلْبِيَةُ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي أَثْنَاءِ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ فَقَدِ اسْتَحَبَّهَا الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَغَيْرُهُمَا ; لِأَنَّ وَقْتَ التَّلْبِيَةِ بَاقٍ، وَهُوَ مَوْطِنُ ذِكْرٍ، فَاسْتُحِبَّ فِيهِ التَّلْبِيَةُ كَمَا لَوْ عَلَا عَلَى شَرَفٍ غَيْرِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَأَوْلَى لِامْتِيَازِ هَذَيْنِ الشَّرَفَيْنِ بِتَوْكِيدِ الذِّكْرِ.
وَلَمْ يَذْكُرْ أَحْمَدُ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ مِثْلُ الْأَثْرَمِ - هُنَا -: اسْتِحْبَابَ تَلْبِيَةٍ، وَهَذَا أَجْوَدُ ; لِأَنَّ الَّذِينَ أَخْبَرُوا عَنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ: ذَكَرُوا أَنَّهُ كَبَّرَ وَهَلَّلَ وَدَعَا وَحَمِدَ اللَّهَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ -: سَبَّحَ، وَلَوْ كَانَ قَدْ لَبَّى لَذَكَرُوهُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُلَبِّ، وَلَوْ كَانَتِ التَّلْبِيَةُ مِنْ سُنَّةِ هَذَا الْمَوْقِفِ لَفَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا فَعَلَ التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ التَّلْبِيَةَ مَشْرُوعَةٌ فِي عُمُومِ الْإِحْرَامِ، وَلِهَذَا الْمَكَانِ ذِكْرٌ يَخُصُّهُ فَلَمْ يُزَاحَمْ بِغَيْرِهِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ التَّلْبِيَةَ شِعَارُ الْمُجِيبِ لِلدَّاعِي، فَشُرِعَ لَهُ مَا دَامَ يَسِيرُ وَيَسْعَى إِلَى الْمَقْصِدِ، فَإِذَا بَلَغَ مَكَانًا مِنَ الْأَمْكِنَةِ الَّتِي دُعِيَ إِلَيْهَا فَقَدْ وَصَلَ إِلَى الْمَقْصِدِ فَلَا مَعْنَى لِلتَّلْبِيَةِ مَا دَامَ فِيهِ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْهُ وَقَصَدَ مَكَانًا آخَرَ لَبَّى، وَلِهَذَا لَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ لَبَّى بِالْمَوَاقِفِ، وَإِنَّمَا لَبَّى حَتَّى بَلَغَ عَرَفَةَ، فَلَمَّا أَفَاضَ مِنْهَا لَبَّى إِلَى جَمْعٍ، ثُمَّ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ لَبَّى بِهَا إِلَى أَنْ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَعَلَى هَذَا هَلْ تُكْرَهُ التَّلْبِيَةُ؟ ... ، وَهَذَا الْكَلَامُ فِيمَا إِذَا كَانَ فِي حَجٍّ أَوْ قِرَانٍ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا عُمْرَةً مُفْرَدَةً، أَوْ عُمْرَةَ تَمَتُّعٍ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إِذَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ، فَلَا يُلَبِّي بَعْدَ ذَلِكَ فِي طَوَافٍ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ الْمَشْهُورُ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي - فِي الْمُجَرَّدِ - وَأَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُمَا: التَّلْبِيَةَ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مُطْلَقًا، ثُمَّ قَالُوا بَعْدَ ذَلِكَ: فَإِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا أَوْ مُتَمَتِّعًا، وَإِنْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا، وَقَدْ رَوَى الْأَزْرَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: " قَدِمْتُ مُعْتَمِرًا مَعَ
عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَابْنِ مَسْعُودٍ، فَقُلْتُ: أَيُّهُمَا أَلْزَمُ؟ ثُمَّ قُلْتُ: أَلْزَمُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، ثُمَّ آتِي أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهَا، فَاسْتَلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ الْحَجَرَ، ثُمَّ أَخَذَ عَلَى يَمِينِهِ، وَرَمَلَ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ وَمَشَى أَرْبَعَةً، ثُمَّ أَتَى الْمَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ، وَخَرَجَ إِلَى الصَّفَا فَقَامَ عَلَى صَدْعٍ فِيهِ فَلَبَّى، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَنْهَوْنَ عَلَى الْإِهْلَالِ هَاهُنَا، قَالَ: وَلَكِنِّي آمُرُكَ بِهِ هَلْ تَدْرِي مَا الْإِهْلَالُ؟ إِنَّمَا هِيَ اسْتِجَابَةُ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: فَلَمَّا أَتَى الْوَادِيَ رَمَلَ، قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْبَرُ وَالصَّوَابُ: الْأَوَّلُ ; لِمَا تَقَدَّمَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يُلَبِّي فِي عُمْرَتِهِ حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ، وَأَثَرُ ابْنِ مَسْعُودٍ قَدْ خَالَفَهُ فِيهِ عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا ذَكَرَهُ مَسْرُوقٌ - وَإِذَا تَنَازَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتِ السُّنَّةُ قَاضِيَةً بَيْنَهُمْ، وَلَيْسَ هُوَ صَرِيحًا بِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ مُعْتَمِرًا وَإِنَّمَا الصَّرِيحُ فِيهِ أَنْ مَسْرُوقًا كَانَ هُوَ الْمُعْتَمِرَ ; لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ كَانَ مُعْتَمِرًا أَيْضًا لِأَنَّهُمْ إِذْ ذَاكَ إِنَّمَا كَانُوا يُحْرِمُونَ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرٍ، كَمَا كَانَ عُمَرُ قَدْ أَمَرَهُمْ بِهِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا يَنْهَوْنَ عَنِ الْإِهْلَالِ عَلَى الصَّفَا مُطْلَقًا فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا كَوْنُ الطَّوَافِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا وَأَنْ يَحْسِبَ بِالذَّهَابِ مَرَّةً وَبِالْعَوْدِ مَرَّةً، فَيَفْتَتِحُ بِالصَّفَا وَيَخْتِمُ بِهِ ; فَيَكُونُ وُقُوفُهُ عَلَى الصَّفَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَعَلَى الْمَرْوَةِ أَرْبَعًا فَهِيَ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَنْقُولَةُ نَقْلًا عَامًّا مُسْتَفِيضًا، كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ طَافَ سَبْعًا خَتَمَ بِالْمَرْوَةِ، وَعَلَيْهَا كَانَ التَّقْصِيرُ وَالْإِحْلَالُ، وَعِنْدَهَا أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْإِحْلَالِ مِنْ إِحْرَامِهِمْ.
وَأَمَّا صِفَةُ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «ثُمَّ نَزَلَ - يَعْنِي - مِنَ الصَّفَا حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي رَمَلَ حَتَّى إِذَا صَعِدْنَا مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافٍ عَلَى الْمَرْوَةِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ: " «ثُمَّ نَزَلَ مَاشِيًا حَتَّى تَصَوَّبَتْ قَدَمَاهُ فِي الْمَسِيلِ، فَسَعَى حَتَّى صَعِدَتْ قَدَمَاهُ ثُمَّ مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَصَعِدَ فِيهَا، ثُمَّ بَدَا لَهُ الْبَيْتُ» ".
وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ خَبَّ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، وَكَانَ يَسْعَى بِبَطْنِ الْمَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ: " بَطْنِ الْمَسِيلِ ".
وَعَنْ عَلِيٍّ " «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي الْمَسْعَى كَاشِفًا عَنْ ثَوْبِهِ قَدْ بَلَغَ إِلَى رُكْبَتَيْهِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ ... وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا الْقَاضِي وَمَنْ بَعْدَهُ: أَنَّهُ يَسْعَى بِبَطْنِ الْمَسِيلِ سَعْيًا شَدِيدًا، وَلَفْظُ أَحْمَدَ: وَامْشِ حَتَّى تَأْتِيَ الْعَلَمَ الَّذِي فِي بَطْنِ الْوَادِي فَارْمُلْ مِنَ الْعَلَمِ إِلَى الْعَلَمِ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَثْرَمُ: يَسْعَى بَيْنَ الْمِيلَيْنِ الْأَخْضَرَيْنِ أَشَدَّ مِنَ الرَّمَلِ قَلِيلًا، وَيَقُولُ فِي رَمَلِهِ: رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ.
وَقَدْ حَدَّدَ النَّاسُ بَطْنَ الْوَادِي الَّذِي كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْعَى فِيهِ بِأَنْ نَصَبُوا فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ أَعْلَامًا، وَتُسَمَّى أَمْيَالًا، وَيُسَمَّى وَاحِدُهَا: الْمِيلَ الْأَخْضَرَ ; لِأَنَّهُمْ رُبَّمَا لَطَّخُوهُ بِلَوْنِ خُضْرَةٍ لِيَتَمَيَّزَ لَوْنُهُ لِلسَّاعِي، وَرُبَّمَا لَطَّخُوهُ بِحُمْرَةٍ.
فَأَوَّلُ الْمَسْعَى حَدُّ الْمِيلِ الْمُعَلَّقِ بِرُكْنِ الْمَسْجِدِ، هَكَذَا ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ، وَآخِرُهُ الْمِيلَانِ الْمُتَقَابِلَانِ ; أَحَدُهُمَا: بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ بِحِيَالِ دَارِ الْعَبَّاسِ، هَكَذَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ ; لِأَنَّهُ كَذَلِكَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
وَالْيَوْمَ: هِيَ أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ ; مِيلَانِ مُتَقَابِلَانِ أَحْمَرَانِ، أَوْ أَخْضَرَانِ عَلَيْهِمَا كِتَابَةٌ، ثُمَّ مِيلَانِ أَخْضَرَانِ، وَالدَّارُ الْمَذْكُورَةُ هِيَ الْيَوْمَ خَرِبَةٌ ; لَكِنَّ الْأَعْلَامَ ظَاهِرَةٌ مُعَلَّقَةٌ لَا يَدْرُسُ عَلَمُهَا.
وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: أَنَّ أَوَّلَ الْمَسْعَى مِنْ نَاحِيَةِ الصَّفَا قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الْمِيلِ بِنَحْوٍ مِنْ سِتَّةِ أَذْرُعٍ، وَآخِرُهُ مُحَاذَاةُ الْمِيلَيْنِ الْآخَرَيْنِ، وَلَفْظُ أَحْمَدَ: ارْمُلْ مِنَ الْعَلَمِ إِلَى الْعَلَمِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ، وَهَكَذَا ذَكَرَ ... .
(فَصْلٌ) وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ فِي السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ -: ثُمَّ انْحَدِرْ مِنَ الصَّفَا وَقُلْ: اللَّهُمَّ اسْتَعْمِلْنِي بِسُنَّةِ نَبِيِّكَ، وَتَوَفَّنِي عَلَى مِلَّتِهِ، وَأَعِذْنِي مِنْ مُضِلَّاتِ الْفِتَنِ، وَامْشِ حَتَّى تَأْتِيَ الْعَلَمَ - الَّذِي بِبَطْنِ الْوَادِي - فَارْمُلْ مِنَ الْعَلَمِ إِلَى الْعَلَمِ، وَقُلْ فِي رَمَلِكَ: رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمُ، وَاهْدِنِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ، اللَّهُمَّ نَجِّنَا مِنَ النَّارِ سِرَاعًا سَالِمِينَ، وَأَدْخِلْنَا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ آمِنِينَ، وَامْشِ حَتَّى تَأْتِيَ الْمَرْوَةَ فَتَصْعَدَ عَلَيْهَا وَتَقِفَ مِنْهَا حَيْثُ تَنْظُرُ إِلَى الْبَيْتِ، ثُمَّ تُكَبِّرُ أَيْضًا وَتَدْعُو بِمَا دَعَوْتَ بِهِ عَلَى