شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الحجصفحات 146-185

باب الْإِحْرَامِ

صفحات 146-185

لِأَنَّ رِعَايَةَ جَانِبِهِمْ أَوْلَى مِنْ رِعَايَةِ جَانِبِهِ، وَيَبْقَى مَا يُمْكِنُهُمُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ عَلَى الْعُمُومِ.
فَعَلَى هَذَا قَتْلُهُ: حَرَامٌ، أَوْ مَكْرُوهٌ، وَبِكُلِّ حَالٍ لَا جَزَاءَ فِيهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَإِذَا لَمْ يُقْتَلْ هَذَا، فَغَيْرُهُ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَلَا فِي طَبْعِهِ الْأَذَى أَوْلَى أَنْ لَا يُقْتَلَ.
قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَقْتُلَ الْحَيَّةَ، وَالْعَقْرَبَ، وَالْفَأْرَةَ، وَالْكَلْبَ الْعَقُورَ، وَالْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ، وَالسَّبُعَ، وَالذِّئْبَ، وَالْحِدَأَةَ، وَالْغُرَابَ الْأَبْقَعَ، وَالزُّنْبُورَ، وَالْقِرْدَ، وَالنَّسْرَ، وَالْعُقَابَ إِذَا وَثَبَ عَلَيْهِ، وَالْبَقَّ، وَالْبَعُوضَ، وَالْحَلَمَ، وَالْقِرْدَانَ، وَكُلَّ مَا عَدَا عَلَيْهِ وَآذَاهُ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ.
فَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى: فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُبَاحُ قَتْلُ كُلِّ مَا فِيهِ مَضَرَّةٌ كَالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ، وَسَمَّى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَقَالَ: وَالْبُرْغُوثُ وَالْبَقُّ وَالْبَعُوضُ وَالْقُرَادُ وَالْوَزَغُ وَسَائِرُ الْحَشَرَاتِ وَالذُّبَابِ، وَيَقْتُلُ النَّمْلَ إِذَا آذَاهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: الْحَيَوَانَاتُ الَّتِي لَا تُؤْكَلُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ، قِسْمٌ يَضُرُّ

وَلَا يَنْفَعُ: كَالْأَسَدِ وَالذِّئْبِ وَالْجِرْجِسِ وَالْبَقِّ وَالْبُرْغُوثِ وَالْبَعُوضِ وَالْعَلَقِ وَالْقُرَادِ، فَهَذَا يُسْتَحَبُّ قَتْلُهُ.
الثَّانِي: مَا يَضُرُّ وَيَنْفَعُ: كَالْبَازِي وَالْفَهْدِ وَسَائِرِ الْجَوَارِحِ مِنَ الطَّيْرِ وَالْمِخْلَبِ الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ، فَقَتْلُهُ جَائِزٌ لَا يُكْرَهُ وَلَا يُسْتَحَبُّ.
الثَّالِثُ: مَا لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ: كَالْخَنَافِسِ وَالْجِعْلَانِ وَبَنَاتِ وَرْدَانَ وَالرَّخَمِ وَالذُّبَابِ وَالنَّحْلِ، وَالنَّمْلِ إِذَا لَمْ يَلْسَعْهُ يُكْرَهُ قَتْلُهُ وَلَا يَحْرُمُ.
وَأَمَّا الذُّبَابُ: فَذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْقِسْمِ ... ، وَهُوَ مَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ، وَهُوَ مَا لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَذَكَرْنَا الرِّوَايَتَيْنِ فِيهِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ: فَالْمَنْصُوصُ عَنْهُ الْمَنْعُ مِنْ قَتْلِهِ كَمَا تَقَدَّمَ مَا لَمْ يَضُرَّ، ثُمَّ قَدْ أَدْخَلُوا فِيهِ الْكَلْبَ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ قَتْلَهُ حَرَامٌ.
وَأَمَّا الذُّبَابُ: فَقَدْ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ: مِنَ الْمُؤْذِي، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي: فِيمَا لَا يُؤْذِي وَهَذَا عَلَى قَوْلِنَا لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ، فَأَمَّا إِذَا قُلْنَا يَجُوزُ أَكْلُهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُضْمَنَ.

وَأَمَّا الذَّرُّ: فَقَدْ رَوَى عَنْهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَقْتُلَهُ، وَقَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: «قَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِ الذَّرِّ».
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: " وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ الْقَمْلَةَ، وَلَا يَقْتُلَ النَّمْلَةَ فِي حِلٍّ وَلَا حَرَمٍ وَلَا يَقْتُلُ الضِّفْدَعَ، وَهَذِهِ الْمَنْهِيَّاتُ عَنْ قَتْلِهَا، مِثْلُ الصُّرَدِ وَالنَّحْلَةِ وَالنَّمْلَةِ، مَرَدُّ .... هَلْ هُوَ مَنْعُ تَنْزِيهٍ أَوْ تَحْرِيمٍ؟ قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: وَلَا يَقْتُلُ النَّمْلَ فِي حِلٍّ وَلَا حَرَمٍ وَلَا الضِّفْدَعَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ التَّحْرِيمُ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا - وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ قَتْلِ النَّحْلَةِ وَالنَّمْلَةِ، فَقَالَ: " إِذَا آذَتْهُ قَتَلَهَا "، فَقِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِ النَّحْلَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ قَدْ نَهَى عَنْ قَتْلِ النَّحْلِ وَالصُّرَدِ وَهُوَ طَيْرٌ ". وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي الْحَارِثِ - فِي الضَّفَادِعِ لَا تُؤْكَلُ وَلَا تُقْتَلُ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِ الضِّفْدَعِ».
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ - وَقَالَ لَهُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الضِّفْدَعُ لَا يُؤْكَلُ؟ فَغَضِبَ وَقَالَ: «النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ أَنْ يُجْعَلَ فِي الدَّوَاءِ مَنْ يَأْكُلُهُ!».
فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ قَتْلَهَا وَأَكْلَهَا سَوَاءٌ وَأَنَّهُ مُحَرَّمٌ.

فَأَمَّا إِذَا عَضَّتْهُ النَّحْلَةُ أَوِ النَّمْلَةُ أَوْ تَعَلَّقَ الْقُرَادُ بِبَعِيرِهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَقْتُلُهُ، وَإِنْ أَمْكَنَ دَفْعُ أَدْنَاهُ بِدُونِ ذَلِكَ بِحَيْثُ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ النَّمْلَةَ بَعْدَ أَنْ تَقْرُصَهُ.

فَصْلٌ.
وَمَا حَرُمَ قَتْلُهُ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ قَصْدُ قَتْلِهِ بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ تَسَبُّبٍ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ تَمَلُّكُهُ بِاصْطِيَادٍ أَوِ ابْتِيَاعٍ أَوِ اتِّهَابٍ، وَسَائِرِ أَنْوَاعِ التَّمَلُّكَاتِ مِثْلَ كَوْنِهِ عِوَضًا فِي صَدَاقٍ أَوْ خُلْعٍ أَوْ صُلْحٍ عَنْ قِصَاصٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ; لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: 94] فَإِنْ قَبَضَهُ بِعَقْدِ الْبَيْعِ فَتَلَفَ فِي يَدِهِ ضَمِنَهُ بِالْجَزَاءِ، وَضَمِنَ الْقِيمَةَ لِمَالِكِهِ بِخِلَافِ مَا قَبَضَهُ بِعَقْدِ الْهِبَةِ، وَمَتَى رَدَّهُ عَلَى الْبَائِعِ وَالْوَاهِبِ زَالَ الضَّمَانُ.
فَأَمَّا مِلْكُهُ بِالْإِرْثِ: فَفِيهِ وَجْهَانِ.
وَإِذَا اصْطَادَهُ وَلَمْ يُرْسِلْهُ حَتَّى حَلَّ: فَعَلَيْهِ إِرْسَالُهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ بِذَلِكَ الِاصْطِيَادِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى تَلِفَ فِي يَدِهِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ، وَإِنْ ذَبَحَهُ بَعْدَ التَّحَلُّلِ فَهُوَ مَيْتَةٌ نَصَّ عَلَيْهِ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسِنْدِيٍّ - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي مُوسَى وَالْقَاضِي.

وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ: يُبَاحُ أَكْلُهُ وَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ ; لِأَنَّهُ ذَبِيحَةُ حَلَالٍ، أَكْثَرُ مَا فِيهِ أَنَّهُ كَالْغَاصِبِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ.
وَالْأَوَّلُ: أَجْوَدُ ; لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ لِحَقِّ اللَّهِ.
وَإِذَا أَحْرَمَ وَفِي مِلْكِهِ صَيْدٌ لَيْسَتْ يَدُهُ الْحِسِّيَّةُ عَلَيْهِ، بِأَنْ يَكُونَ فِي مُصَرَّةٍ غَائِبًا عَنْهُ: فَمِلْكُهُ بَاقٍ عَلَيْهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ إِرْسَالُهُ.
وَإِنْ كَانَتْ يَدُهُ الْمُشَاهَدَةُ الْحِسِّيَّةُ عَلَيْهِ بِأَنْ يَكُونَ مَرْبُوطًا مَعَهُ حَالَ الْإِحْرَامِ، أَوْ هُوَ فِي قَفَصِهِ أَوْ فِي يَدِهِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إِزَالَةُ يَدِهِ عَنْهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسِنْدِيٍّ - فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ وَفِي يَدِهِ صَيْدٌ يُرْسِلُهُ، فَإِنْ كَانَ فِي مَنْزِلِهِ لَيْسَ عَلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ يُحْرِمُ وَفِي بَيْتِهِ النَّعَامُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَأَزَالَ يَدَهُ إِنْسَانٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ قَدْ فَعَلَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَزَالَ يَدَهُ عَنِ الْمُكَاتَبِ.
وَأَمَّا مِلْكُهُ فَلَا يَزُولُ عَنْهُ فِيمَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا.
فَإِنْ لَمْ يُرْسِلْهُ حَتَّى حَلَّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إِرْسَالُهُ بِخِلَافِ مَا اصْطَادَهُ فِي

الْإِحْرَامِ، ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا ; لِأَنَّ مَا حَرُمَ اسْتَدَامَتُهُ مِنَ الْمَحْظُورَاتِ لَا يَجِبُ إِزَالَتُهُ إِذَا اسْتَدَامَهُ فِي الْحَلَالِ كَاللِّبَاسِ وَالطِّيبِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَوِ اصْطَادَ مُحْرِمٌ صَيْدًا فَأَمْسَكَهُ حَتَّى حَلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ لَزِمَهُ إِرْسَالُهُ وَاجِبًا، فَإِنْ تَلَفَ فِي يَدِهِ أَوْ ذَبَحَهُ بَعْدَ الْإِحْلَالِ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَكْلُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَحْرَمَ وَفِي يَدِ الْمَمْلُوكِ صَيْدُهُ لَزِمَهُ إِرْسَالُهُ.
وَظَاهِرُهُ الْفَرْقُ.
فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ الصَّيْدَ أَوْ يَهَبَهُ، فَقَالَ الْقَاضِي - فِي خِلَافِهِ -: لَا يَصِحُّ ذَلِكَ ; لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَصَرُّفَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ عَاجِزٌ شَرْعًا عَنْ نَقْلِ الْمِلْكِ فِيهِ.
فَعَلَى هَذَا هَلْ لَهُ أَنْ يُعِيرَهُ؟ وَقَالَ الْقَاضِي - فِي الْمُجَرَّدِ - وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِنَا: يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ وَيَهَبَهُ ; لِأَنَّهُ إِخْرَاجٌ لَهُ عَنْ مِلْكِهِ فَأَشْبَهَ إِزَالَةَ يَدِهِ عَنْهُ، وَلِأَنَّ إِزَالَةَ الْمِلْكِ أَقْوَى مِنْ إِزَالَةِ الْيَدِ، وَلِهَذَا نَقُولُ فِي الْعَبْدِ الْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ عِنْدَ سَيِّدِهِ الْكَافِرِ فَإِنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ إِقْرَارِ يَدِهِ عَلَيْهِ وَلَهُ أَنْ يَبِيعَهُ لِمُسْلِمٍ وَيَهَبَهُ لَهُ، هَذَا إِذَا لَمْ تَكُنْ يَدُهُ الْمُشَاهَدَةُ عَلَيْهِ، فَأَمَّا إِنْ كَانَتِ الْيَدُ الْحِسِّيَّةُ عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ وَلَا هِبَتُهُ ; لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ فِي الْحَالِ بِرَفْعِ يَدِهِ عَنْهُ.

وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ - فِي مَوْضِعٍ آخَرَ -: أَنَّ لَهُ أَنْ يَعْتَبِرَهُ مِنْ حَلَالٍ ; لِأَنَّهُ إِخْرَاجٌ لَهُ عَنْ يَدِهِ، وَهَذَا يُلَائِمُ حَالَهُ فَعَلَى هَذَا.
وَإِذَا بَاعَهُ ثُمَّ أَرَادَ فَسْخَ الْبَيْعِ لِإِفْلَاسِ الْمُشْتَرِي أَوْ لِعَيْبٍ فِي الثَّمَنِ أَوْ لِخِيَارِ شَرْطٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ: لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ فِيمَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا ; لِأَنَّهُ ابْتِدَاءٌ بِمِلْكٍ إِلَّا أَنْ نَقُولَ إِنَّ الْمِلْكَ لَا يَنْتَقِلُ إِلَى الْمُشْتَرِي، فَيَكُونُ مِثْلَ الرَّجْعَةِ لِلزَّوْجَةِ فِيمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَغَيْرُهُ أَطْلَقَ الْمَنْعَ.
فَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي حَلَالًا وَأَرَادَ رَدَّهُ عَلَى الْبَائِعِ الْمُحْرِمِ بِعَيْبٍ أَوْ خِيَارٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ: فَلَهُ ذَلِكَ.
قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ .. فَإِذَا صَارَ فِي يَدِ الْبَائِعِ لَزِمَهُ إِطْلَاقُهُ لِأَجْلِ إِحْرَامِهِ، وَيَتَخَرَّجُ إِذَا قُلْنَا: لَا يُورَثُ.
وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي مُحْرِمًا فَأَرَادَ رَدَّهُ عَلَى بَائِعٍ مُحْرِمٍ أَوْ حَلَالٍ بِعَيْبٍ، أَوْ خِيَارٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ: فَهُوَ كَابْتِدَاءِ بَيْعِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، فَإِنْ كَانَتْ يَدُهُ الْمُشَاهَدَةُ عَلَيْهِ: لَمْ يَجُزْ وَإِلَّا جَازَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ، وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ: لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا وَعَلَى قَوْلِ وَمِنْ هَذَا الْبَابِ لَوْ أَرَادَ الْوَاهِبُ أَنْ يَسْتَرْجِعَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَإِذَا طَلَّقَ

امْرَأَتَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَالصَّدَاقُ صَيْدٌ، لَمْ يُمْنَعْ مِنْ طَلَاقِهَا، لَكِنْ هَلْ يَدْخُلُ نِصْفُ الصَّدَاقِ فِي مِلْكِهِ؟ ..

فَصْلٌ.
وَإِذَا ذَبَحَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا: فَهُوَ حَرَامٌ كَمَا لَوْ ذَبَحَهُ كَافِرٌ غَيْرُ الْكِتَابِيِّ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَيْتَةِ، وَتَسْمِيَةُ الْفُقَهَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ: مَيْتَةً: بِمَعْنَى أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمَيْتَةِ، إِذْ حَقِيقَةُ الْمَيْتَةِ مَا مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ -: إِذَا ذَبَحَ الْمُحْرِمُ لَمْ يَأْكُلْهُ حَلَالٌ وَلَا حَرَامٌ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَيْتَةِ.
وَفِي لَفْظٍ لِحَنْبَلٍ وَإِبْرَاهِيمَ فِي مُحْرِمٍ ذَبَحَ صَيْدًا: " هُوَ مَيْتَةٌ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95] فَسَمَّاهُ قَتْلًا فَكُلُّ مَا اصْطَادَهُ الْمُحْرِمُ أَوْ ذَبَحَهُ فَإِنَّمَا هُوَ قَتْلٌ قَتَلَهُ.
وَفِي لَفْظٍ: لَا إِذَا ذَبَحَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ لَمْ يَأْكُلْهُ أَحَدٌ ; لِأَنَّ اللَّهَ سَمَّاهُ قَتْلًا فَلَا يُعْجِبُنَا لِأَحَدٍ أَنْ يَأْكُلَهُ.
وَذَلِكَ لِمَا احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] فَسَمَّى اللَّهُ سُبْحَانَهُ رَمْيَ

الصَّيْدِ بِالسَّهْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ قَتْلًا، وَلَمْ يُسَمِّهِ تَذْكِيَةً.
وَذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ حَرَامًا مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ كُلَّ حَيَوَانٍ نَهَى الشَّرْعُ عَنْ قَتْلِهِ، فَإِنَّهُ حَرَامٌ، كَمَا نَهَى عَنْ قَتْلِ الضِّفْدَعِ، وَعَنِ الْهُدْهُدِ، وَالصُّرَدِ، وَعَنْ قَتْلِ الْآدَمِيِّ ; لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ قَتْلِهِ يَقْتَضِي شَرَفَهُ وَكَرَامَتَهُ وَذَلِكَ يُوجِبُ حُرْمَتَهُ.
الثَّانِي: أَنَّهُ سَمَّى جُرْحَهُ قَتْلًا، وَالْقَتْلُ إِذَا أُطْلِقَ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الْفِعْلَ الْمُزْهِقَ لِلرُّوحِ الَّذِي لَا يَكُونُ ذَكَاةً شَرْعِيَّةً، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: 92]، ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: 93] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ ذِكْرِ قَتْلِ الْآدَمِيِّ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَنْزِلُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا وَإِمَامًا مُقْسِطًا فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ»، وَقَالَ: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ، وَلَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ» وَقَالَ «اقْتُلُوا الْأَبْتَرَ وَذُو

الطُّفْيَتَيْنِ» وَأَمَرَ بِقَتْلِ الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ؛ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ، وَنَهَى عَنْ قَتْلِ الْحَيَوَانِ لِغَيْرِ مَأْكَلَةٍ، وَقَالَ: «مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا بِغَيْرِ حَقِّهِ فَإِنَّهُ يَعِجُّ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ: رَبِّي سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي».

«وَسُئِلَ عَنْ ضِفْدَعٍ تُجْعَلُ فِي دَوَاءٍ، فَنَهَى عَنْ قَتْلِهَا، وَقَالَ: " إِنَّ نَقِيقَهَا تَسْبِيحٌ»، وَنَهَى عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنَ الدَّوَابِّ، وَقَالَ فِي الْفِعْلِ الْمُبِيحِ: «إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ»، وَقَالَ: «دِبَاغُ الْأَدِيمِ ذَكَاتُهُ»، وَقِيلَ لَهُ: أَمَا تَكُونُ الذَّكَاةُ إِلَّا فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ؟ ".

فَلَمَّا سَمَّى اللَّهُ سُبْحَانَهُ رَمْيَ الصَّيْدِ بِالسَّهْمِ وَإِزْهَاقَ رُوحِهِ قَتْلًا، وَلَمْ يُسَمِّهِ ذَكَاةً وَلَا عَقْرًا، عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مُذَكًّى تَذْكِيَةً شَرْعِيَّةً.
وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا عَقْرٌ قَدْ حَرَّمَهُ الشَّرْعُ لِمَعْنًى فِي الْقَاتِلِ، فَلَمْ يُفِدِ الْإِبَاحَةَ وَلَا الطَّهَارَةَ كَذَبْحِ الْمَجُوسِيِّ وَالْمُرْتَدِّ، وَعَكْسُهُ ذَبْحُ الْمَسْرُوقِ وَالْمَغْصُوبِ - إِنْ سَلِمَ - فَإِنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي الْمَالِكِ، وَهُوَ أَنَّ نَفْسَهُ لَمْ تَطِبْ بِهِ، وَلِهَذَا لَا يَخْتَلِفُ حَالُ الْغَاصِبِ قَبْلَ الْإِذْنِ وَبَعْدَهُ، إِلَّا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَغْصُوبِ خَاصَّةً بِخِلَافِ الْمُحْرِمِ، فَإِنَّ إِحْرَامَهُ صِفَةٌ فِي نَفْسِهِ تَكُونُ مَعَ وُجُودِ الصَّيْدِ وَعَدَمِهِ كَدَيْنِ الْمُشْرِكِ وَالْمُرْتَدِّ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ عَقْرٌ مُحَرَّمٌ لِحَقِّ اللَّهِ فَلَمْ يُفِدِ الْإِبَاحَةَ، كَالْعَقْرِ فِي غَيْرِ الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ، وَبِكَلْبٍ غَيْرِ مُعَلَّمٍ، وَبِدُونِ التَّسْمِيَةِ وَبِدُونِ قَصْدِ الذَّكَاةِ، وَعَقْرِ الْمُشْرِكِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ قَبْلَ الذَّكَاةِ حَرَامٌ فَلَا يُبَاحُ إِلَّا بِأَنْ يُذَكَّى عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، كَمَا أَنَّ الْفَرْجَ قَبْلَ الْعَقْدِ مُحَرَّمٌ، فَلَا يُبَاحُ إِلَّا بِعَقْدٍ شَرْعِيٍّ، فَإِذَا نَهَى الشَّارِعُ عَنْ عَقْرِهِ لَمْ يَكُنْ عَقْرُهُ مَشْرُوعًا، فَيَبْقَى عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ، كَمَا لَوْ نَكَحَ الْمَرْأَةَ نِكَاحًا لَمْ يُبِحْهُ الشَّارِعُ ; وَلِأَنَّهُ قَتْلٌ لَا يُبِيحُهُ الْمَقْتُولَ لِقَاتِلِهِ بِحَالٍ، فَلَا يُبَاحُ لِغَيْرِهِ كَسَائِرٍ مَا نَهَى عَنْهُ الشَّرْعُ مِنَ الْقَتْلِ ; وَلِأَنَّهُ قَتْلٌ مُحَرَّمٌ لِحُرْمَةِ الْحَيَوَانِ وَكَرَامَتِهِ، فَلَا يُفِيدُ الْحِلَّ كَذَبْحِ الْإِنْسَانِ وَالضِّفْدَعِ وَالْهُدْهُدِ ; وَلِأَنَّ جُرْحَ الصَّيْدِ الْمُمْتَنِعِ يُفِيدُ الْمِلْكَ وَالْإِبَاحَةَ، وَاقْتِضَاؤُهُ الْمِلْكَ أَقْوَى مِنِ اقْتِضَائِهِ الْإِبَاحَةَ ; لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ إِثْبَاتِهِ وَبِدُونِ قَصْدِ الذَّكَاةِ، وَيَثْبُتُ لِلْمُشْرِكِ، فَإِذَا كَانَ جُرْحُ الصَّيْدِ فِي حَالِ الصَّيْدِ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ، فَأَنْ لَا يُفِيدَ الْإِبَاحَةَ أَوْلَى وَأَحْرَى.
وَصَيْدُ الْحَرَمِ - إِذَا ذُبِحَ فِيهِ - بِمَنْزِلَةِ الْمَيْتَةِ: كَالصَّيْدِ الَّذِي يَذْبَحُهُ الْمُحْرِمُ،

قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ - وَقَدْ سُئِلَ: هَلْ يُؤْكَلُ الصَّيْدُ فِي الْحَرَمِ؟ قَالَ: إِذَا ذُبِحَ فِي الْحِلِّ.
وَنَقَلَ عَنْهُ أَيْضًا: إِذَا رَمَاهُ فِي الْحِلِّ فَتَحَامَلَ فَدَخَلَ الْحَرَمَ يُكْرَهُ أَكْلُهُ ". وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ -: وَإِنْ دَخَلَ الْحَرَمَ فَلَا يُصْطَادُ، وَلَا أَرَى أَنْ يُذْبَحَ إِلَّا أَنْ يُدْخَلَ مَذْبُوحًا مِنْ خَارِجِ الْحَرَمِ فَيَأْكُلَهُ، وَلَا أَرَى أَنْ يَذْبَحَ شَيْئًا مِنْ صَيْدِ الْحِلِّ وَلَا الْحَرَمِ، وَكَذَلِكَ صَيْدُ الْمَدِينَةِ الَّذِي يُصْطَادُ فِيهِ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ -: صَيْدُ الْمَدِينَةِ حَرَامٌ أَكْلُهُ حَرَامٌ صَيْدُهُ، وَخَرَّجَهَا الْقَاضِي عَلَى وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: كَذَلِكَ، وَالثَّانِي: الْفَرْقُ ; لِأَنَّ حُرْمَةَ حَرَمِ الْمَدِينَةِ لَا يُوجِبُ زَوَالَ الْمِلْكِ فِي الصَّيْدِ الْمَنْقُولِ إِلَيْهَا مِنْ خَارِجٍ بِخِلَافِ حُرْمَةِ حَرَمِ مَكَّةَ.
وَإِنْ أَخْرَجَهُ مِنَ الْحَرَمِ ثُمَّ ذَبَحَهُ: لَمْ يَحِلَّ أَيْضًا كَمَا لَوْ أَمْسَكَهُ حَتَّى تَحَلَّلَ ثُمَّ ذَبَحَهُ، وَإِذَا اشْتَرَكَ حَلَالٌ وَحَرَامٌ فِي قَتْلِ صَيْدٍ، فَهُوَ حَرَامٌ أَيْضًا، كَمَا لَوِ اشْتَرَكَ مُسْلِمٌ وَمَجُوسِيٌّ فِي الذَّكَاةِ.
وَإِنْ أَعَانَ الْمُحْرِمُ حَلَالًا بِدَلَالَةٍ أَوْ إِعَارَةِ آلَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ: هُوَ ذَكِيٌّ مُبَاحٌ لِلْحَلَالِ وَلِغَيْرِ الْمُحْرِمِ الدَّالِّ ; لِأَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي

قَتَادَةَ: «فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ إِذْ رَأَوْا حُمُرَ وَحْشٍ، فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ، فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا، فَنَزَلُوا فَأَكَلُوا مِنْ لَحْمِهَا، قَالَ: فَقَالُوا: أَكَلْنَا لَحْمًا وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ، فَحَمَلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِ الْأَتَانِ، فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا أَحْرَمْنَا، وَكَانَ أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ، فَرَأَيْنَا حُمُرَ وَحْشٍ، فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا، فَنَزَلْنَا فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا، فَقَالُوا: أَنَأْكَلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ.
فَقَالَ: هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟ قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا».
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ: «هَلْ مَعَكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا» ". وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ أَشَارَ بَعْضُهُمْ حَرُمَ عَلَى جَمِيعِهِمْ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِذَا أَبَانَ الْمُحْرِمُ فَاصْطَادَهُ حَلَالٌ: فَعَلَى الْمُحْرِمِ الْجَزَاءُ وَلَا يَأْكُلُ الْحَلَالُ وَالْمُحْرِمُ مِنَ الصَّيْدِ ; لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَيْتَةِ.
وَلِأَنَّهُ إِذَا أَعَانَ الْمُحْرِمُ عَلَى قَتْلِهِ: كَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، وَضَمَانُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ قُتِلَ بِغَيْرِ حَقٍّ فَيَكُونُ مَيْتَةً، فَإِنَّ الذَّكِيَّ لَا يُضْمَنُ كَمَا لَوْ ذَبَحَهُ الْحَلَالُ لِحَرَمٍ.

وَإِنْ كَسَرَ بَيْضَةً أَوْ قَطَعَ شَجَرَةً: لَمْ يَجُزْ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا، وَأَمَّا لِغَيْرِهِ ... فَإِذَا اضْطُرَّ إِلَى الصَّيْدِ جَازَ لَهُ عَقْرُهُ، وَيَأْكُلُهُ وَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ ; لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تُبِيحُ أَكْلَ جَمِيعِ الْمَحْظُورَاتِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَنْعُ لِحَقِّ اللَّهِ أَوْ لِحَقِّ آدَمِيٍّ، وَالصَّيْدُ لَا يَخْرُجُ عَنْ هَذَيْنِ.
وَإِذَا قَتَلَهُ: فَهَلْ يَكُونُ ذَكِيًّا بِحَيْثُ يُبَاحُ أَكْلُهُ لِلْمُحِلِّينَ أَوْ مَيْتَةً؟ قَالَ: لَيْسَتْ هَذِهِ ذَكَاةٌ بَلْ هُوَ مَيْتَةٌ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ ; لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: إِنَّمَا سَمَّاهُ اللَّهُ قَتْلًا.
وَإِذَا وَجَدَ الْمُضْطَرُّ مَيْتَةً وَصَيْدًا: فَإِنَّهُ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَيَدَعُ الصَّيْدَ.
نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ .... ; لِأَنَّ اللَّهَ اسْتَثْنَى حِلَّ الْمَيْتَةِ فِي كِتَابِهِ لِلْمُضْطَرِّ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173] وَلَمْ يَسْتَثْنِ حِلَّ الصَّيْدِ لِأَحَدٍ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ اسْتِدْلَالًا وَقِيَاسًا، وَمَا ثَبَتَ حُكْمُهُ بِالنَّصِّ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا ثَبَتَ بِالِاجْتِهَادِ، لَا سِيَّمَا وَهُوَ فِي هَذَا الْحَالِ قَدْ لَا يَكُونُ مُضْطَرًّا إِلَى الصَّيْدِ.

وَأَيْضًا فَإِنَّ الصَّيْدَ يَحْرُمُ أَخْذُهُ وَقَتْلُهُ وَأَكْلُهُ، وَالْمَيْتَةُ إِنَّمَا يَحْرُمُ أَكْلُهَا خَاصَّةً، وَمَا حَرُمَ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَفْعَالٍ، أَعْظَمُ مِمَّا يَحْرُمُ فِيهِ فِعْلٌ وَاحِدٌ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الصَّيْدَ قَدْ صَارَ بِالْإِحْرَامِ حَيَوَانًا مُحْتَرَمًا يُشْبِهُ الْآدَمِيَّ وَمَالَهُ، وَالْمَيْتَةُ لَا حُرْمَةَ لَهَا فِي نَفْسِهَا، فَيَكُونُ اسْتِحْلَالُ مَا لَا حُرْمَةَ لَهُ أَوْلَى مِنِ اسْتِحْلَالِ مَا هُوَ مُحْتَرَمٌ، كَمَا تُقَدَّمُ الْمَيْتَةُ عَلَى أَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الصَّيْدَ يُوجِبُ بَقَاءَ الْجَزَاءِ فِي ذِمَّتِهِ، وَالْمَيْتَةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ.
فَإِنْ قِيلَ: الصَّيْدُ أَيْسَرُ ; لِأَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: هُوَ ذَكِيٌّ وَأَنَّ أَكْلَهُ حَلَالٌ، قِيلَ: هَذَا غَلَطٌ ; لِأَنَّ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَقُلْ إِنَّهُ حَلَالٌ لِلْقَاتِلِ وَلَا ذَكِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، وَكَوْنُهُ حَلَالًا لِغَيْرِهِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ كَطَعَامِ الْغَيْرِ مَعَ الْمَيْتَةِ، فَإِنَّ الْمَيْتَةَ تُقَدَّمُ عَلَيْهِ.
فَإِنْ وَجَدَ مَيْتَةً وَصَيْدًا قَدْ ذَبَحَهُ مُحْرِمٌ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَأْكُلُ ذَبِيحَةَ الْمُحْرِمِ هُنَا وَيَتْرُكُ الْمَيْتَةَ ; لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَفْعَلَ فِي الصَّيْدِ غَيْرَ الْأَكْلِ، وَأَكْلُهُ أَخَفُّ حُكْمًا مِنْ أَكْلِ الْمَيْتَةِ ; لِأَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: هُوَ مَيْتَةٌ وَذَكِيٌّ.
فَأَمَّا إِنْ ذَبَحَ هُوَ الصَّيْدَ فَهُنَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّمَ الْمَيْتَةَ.
وَإِنْ وَجَدَ صَيْدًا وَطَعَامًا مَمْلُوكًا لَا يَعْرِفُ مَالِكَهُ فَقَالَ ... يُقَدِّمُ أَكْلَ طَعَامِ الْغَيْرِ، وَقِيلَ.

فَصْلٌ: فَأَمَّا مَا صَادَهُ الْحَلَالُ بِغَيْرِ مَعُونَةٍ مِنَ الْمُحْرِمِ وَذَكَّاهُ، فَإِنَّهُ مُبَاحٌ لِلْمُحْرِمِ إِذَا لَمْ يَصِدْهُ لِأَجْلِهِ وَلَا عَقَرَهُ لِأَجْلِهِ، وَمَتَى فَعَلَ ذَلِكَ لِأَجْلِهِ فَهُوَ حَلَالٌ لِلْحَلَالِ، حَرَامٌ عَلَى الْمُحْرِمِ سَوَاءٌ عَلِمَ الْحَرَامُ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ.
وَهَلْ يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِ؟ ... نَصَّ عَلَى هَذَا فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ ; فَقَالَ: إِذَا صِيدَ الصَّيْدُ مِنْ أَجْلِهِ لَمْ يَأْكُلْهُ الْمُحْرِمُ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلَ مِنَ الصَّيْدِ إِذَا لَمْ يُصَدْ مِنْ أَجْلِهِ إِذَا اصْطَادَهُ الْحَلَالُ ; وَذَلِكَ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ، أَوْ يُصَدْ لَكُمْ» " رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هَذَا أَحْسَنُ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَقْيَسُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ: قَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " «لَحْمُ الصَّيْدِ لَكُمْ حَلَالٌ إِلَّا مَا صِدْتُمْ أَوْ صِيدَ لَكُمْ» " وَكَرِهَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ لِمَا صِيدَ لَهُ.
وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا وَهُمْ حُرُمٌ، وَكَانَ أَبُو قَتَادَةَ صَادَهُ وَهُوَ حَلَالٌ، فَإِذَا صَادَهُ الْحَلَالُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلَهُ الْمُحْرِمُ إِذَا لَمْ يُصَدْ مِنْ أَجْلِهِ، وَلَا يَأْكُلُهُ إِذَا صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ.
وَعَلِيٌّ وَعَائِشَةُ وَابْنُ عُمَرَ كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَأْكُلَ الْمُحْرِمُ لَحْمَ الصَّيْدِ، وَكَانُوا ذَهَبُوا إِلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96] وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْحَدِيثِ عِنْدَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: الْمُطَّلِبُ لَا نَعْرِفُ لَهُ سَمَاعًا مِنْ جَابِرٍ ... .

قِيلَ: قَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ ثِقَةٍ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " «لَحْمُ الصَّيْدِ حَلَالٌ لِلْمُحْرِمِ مَا لَمْ يَصِدْهُ أَوْ يُصَدْ لَهُ» " وَهَذَا الْحَدِيثُ مُفَسِّرٌ لِمَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ كَرَاهَةِ صَيْدِ الْحَلَالِ لِلْمُحْرِمِ وَمِنْ إِبَاحَتِهِ لَهُ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ: " «أَنَّهُ أَهْدَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِمَارًا وَحْشِيًّا وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: إِنَّا لَمْ نَرُدُّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: " لَحْمَ حِمَارٍ " وَفِي رِوَايَةٍ: " مِنْ لَحْمِ حِمَارِ وَحْشٍ " وَفِي رِوَايَةٍ:

" شِقَّ حِمَارِ وَحْشٍ فَرَدَّهُ " وَفِي رِوَايَةٍ: " عَجُزَ وَحْشٍ يَقْطُرُ دَمًا " رَوَاهُنَّ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ.
فَهَذَا لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعَانَ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَلَا أَمَرَ بِهِ وَلَا عَلِمَ أَنَّهُ يُصَادُ لَهُ، وَإِنَّمَا يُشْبِهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ قَدْ رَأَى لَمَّا أَهْدَاهُ أَنَّهُ صَادَهُ لِأَجْلِهِ ; لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا قَدْ تَسَامَعُوا بِقُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكُلٌّ يُحِبُّ أَنْ يَقْتَرِبَ إِلَيْهِ وَيَهْدِيَ إِلَيْهِ، فَلَعَلَّ الصَّعْبَ إِنَّمَا صَادَهُ لِأَجْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَإِذَا كَانَ هَذَا يَكُونُ تَرْكُهُ وَاجِبًا، أَوْ يَكُونُ خَشِيَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكُونَ صِيدَ لِأَجْلِهِ، فَيَكُونُ قَدْ تَرَكَهُ تَنَزُّهًا، وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَمَا كَانَ يَدَعُ التَّمْرَةَ خَشْيَةَ أَنْ تَكُونَ مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ.
وَعَنْ طَاوُسٍ قَالَ: «قَدِمَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ يَسْتَذْكِرُهُ: كَيْفَ أَخْبَرْتَنِي عَنْ لَحْمِ صَيْدٍ أُهْدِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ حَرَامٌ، قَالَ: " أُهْدِيَ لَهُ عُضْوٌ مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ فَرَدَّهُ، وَقَالَ: إِنَّا لَا نَأْكُلُهُ إِنَّا حُرُمٌ».

رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.
وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " «أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشِيقَةُ ظَبْيٍ - وَهُوَ مُحْرِمٌ - وَلَمْ يَأْكُلْهُ» " رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَأَحْمَدُ فِي مَسَائِلِ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَالَ: قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: الْوَشِيقَةُ مَا طُبِخَ وَقُدِّدَ.
وَعَنْ إِسْحَقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِيهِ - «وَكَانَ الْحَارِثُ خَلِيفَةَ عُثْمَانَ عَلَى الطَّائِفِ " فَصَنَعَ لِعُثْمَانَ طَعَامًا فِيهِ مِنَ الْحَجَلِ وَالْيَعَاقِيبِ

وَلَحْمِ الْوَحْشِ، وَبَعَثَ إِلَى عَلِيٍّ فَجَاءَهُ الرَّسُولُ وَهُوَ يَخْبِطُ لِأَبَاعِرَ لَهُ، فَجَاءَهُ وَهُوَ يَنْفُضُ الْخَبْطَ عَنْ يَدِهِ فَقَالُوا لَهُ: كُلْ، فَقَالَ: أَطْعِمُوهُ قَوْمًا حَلَالًا فَإِنَّا حُرُمٌ، فَقَالَ عَلِيٌّ: أَنْشُدُ مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ أَشْجَعَ أَيَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْدَى إِلَيْهِ رَجُلٌ حِمَارَ وَحْشٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: «كَانَ أَبِي الْحَارِثُ عَلَى أَمْرٍ مِنْ أَمْرِ مَكَّةَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ، فَأَقْبَلَ عُثْمَانُ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ، فَاسْتَقْبَلْتُ عُثْمَانَ بِالنُّزُولِ بِقَدِيدٍ فَاصْطَادَ أَهْلُ الْمَاءِ حَجَلًا فَطَبَخْنَاهُ بِمَاءٍ وَمِلْحٍ فَجَعَلْنَاهُ عَرَقًا لِلثَّرِيدِ، فَقَدَّمْنَاهُ إِلَى عُثْمَانَ وَأَصْحَابِهِ فَأَمْسَكُوا، فَقَالَ عُثْمَانُ: " صَيْدٌ لَمْ يَصْطَدْهُ وَلَمْ يَأْمُرْ بِصَيْدِهِ، اصْطَادَهُ قَوْمٌ حِلٌّ فَأَطْعَمُونَاهُ فَمَا بَأْسٌ، فَقَالَ عُثْمَانُ: مَنْ يَقُولُ فِي هَذَا؟ فَقَالُوا: عَلِيٌّ، فَبَعَثَ إِلَى عَلِيٍّ فَجَاءَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَلِيٍّ حِينَ جَاءَ يَحُتُّ الْخَبْطَ عَنْ كَفَّيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: صَيْدٌ لَمْ يَصِدْهُ وَلَمْ يَأْمُرْ بِصَيْدِهِ،

اصْطَادَهُ قَوْمٌ حِلٌّ، فَأَطْعَمُونَاهُ فَمَا بَأْسٌ، فَغَضِبَ عَلِيٌّ وَقَالَ: أَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلًا شَهِدَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أُتِيَ بِقَائِمَةِ حِمَارِ وَحْشٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّا قَوْمٌ حُرُمٌ فَأَطْعِمُوهُ أَهْلَ، قَالَ: فَشَهِدَ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ: أَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلًا شَهِدَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أُتِيَ بِبَيْضِ النَّعَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّا قَوْمٌ حُرُمٌ، أَطْعِمُوهُ أَهْلَ الْحِلِّ " قَالَ: فَشَهِدَ دُونَهُمْ مِنَ الْعِدَّةِ مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ، قَالَ: فَثَنَى عُثْمَانُ وَرِكَهُ عَنِ الطَّعَامِ، فَدَخَلَ رَحْلَهُ وَأَكَلَ ذَلِكَ الطَّعَامَ أَهْلُ الْمَاءِ».
فَهَذَا الصَّيْدُ قَدْ كَانَ صُنِعَ لِعُثْمَانَ وَأَصْحَابِهِ، وَكَانَ عُثْمَانُ يَرَى أَنَّ مَا لَمْ يُعِنْ عَلَى صَيْدِهِ بِأَمْرٍ أَوْ فِعْلٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ مَا أُهْدِيَ إِلَيْهِ، رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، وَكَانَ لَا يَأْكُلُ مِمَّا صُنِعَ لَهُ، فَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: " رَأَيْتُ عُثْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْعَرَجِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ وَقَدْ غَطَّى رَأْسَهُ بِقَطِيفَةٍ أُرْجُوَانٍ، ثُمَّ أُتِيَ بِلَحْمِ صَيْدٍ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا، قَالُوا: وَلَا تَأْكُلُ أَنْتَ؟ قَالَ: إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنَّمَا صِيدَ مِنْ أَجْلِي " رَوَاهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ.

وَعَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ قَالَ: خَرَجَ أَبِي مَعَ عُثْمَانَ إِلَى مَكَّةَ، فَنَزَلُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ وَهُمْ مُحْرِمُونَ فَقُرِّبَ إِلَى عُثْمَانَ ظَبْيٌ قَدْ صِيدَ، فَقَالَ لَهُمْ: كُلُوا فَإِنِّي غَيْرُ آكِلِهِ، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: أَتَأْمُرُنَا بِمَا لَسْتَ بِآكِلِهِ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ: لَوْلَا أَنِّي أَظُنُّ أَنَّمَا صِيدَ لِي وَأُمِيتَ مِنْ أَجْلِي لَأَكَلْتُ، فَأَكَلُوا وَلَمْ يَأْكُلْ عُثْمَانُ مِنْهُ شَيْئًا " رَوَاهُ سَعِيدٌ وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَلَفْظُهُ: " إِنِّي لَسْتُ فِي ذَاكَ مِثْلَكُمْ إِنَّمَا صِيدَ لِي وَأُمِيتَ بِاسْمِي ". وَمَا نُقِلَ عَنْ عُثْمَانَ مِنَ الرُّخْصَةِ مُطْلَقًا فَقَدْ رَجَعَ عَنْهُ ; بِدَلِيلِ مَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ بِشْرِ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يُصَادُ لَهُ الْوَحْشُ عَلَى الْمَنَازِلِ، ثُمَّ يُذْبَحُ فَيَأْكُلُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ سَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَتِهِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ إِنَّ الزُّبَيْرَ كَلَّمَهُ فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا هَذَا يُصَادُ لَنَا أَوْ مِنْ أَجْلِنَا أَنْ لَوْ تَرَكْنَاهُ، فَتَرَكَهُ.

وَهَذَا مُتَأَخِّرٌ عَمَّا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: حَجَجْتُ مَعَ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأُتِيَ بِلَحْمِ صَيْدٍ صَادَهُ حَلَالٌ فَأَكَلَ مِنْهُ، وَعَلِيٌّ جَالِسٌ فَلَمْ يَأْكُلْ، فَقَالَ عُثْمَانُ: وَاللَّهِ مَا صِدْنَا وَلَا أَشَرْنَا وَلَا أَمَرْنَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96].
ثُمَّ اتَّفَقَ رَأْيُ عُثْمَانَ وَالزُّبَيْرِ عَلَى أَنَّ مَعْنَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مَا صِيدَ لِلْمُحْرِمِ لَا يَأْكُلُهُ، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ حَدَّثَهُ عَلِيٌّ وَالْأَشْجَعِيُّونَ بِالْحَدِيثِ، فَعُلِمَ أَنَّهُمْ فَهِمُوا ذَاكَ مِنَ الْحَدِيثِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ هُوَ الَّذِي رَوَى حَدِيثَ الصَّعْبِ وَحَدِيثَ زَيْدٍ، وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ فِي مُسْنَدِ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: " «أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَحْمِ صَيْدٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَلَمْ يَأْكُلْهُ» ". وَعَنْ طَاوُسٍ عَنْ عَبَّاسٍ قَالَ: " لَا يَحِلُّ لَحْمُ الصَّيْدِ وَأَنْتَ مُحْرِمٌ.
وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96] رَوَاهُ سَعِيدٌ وَغَيْرُهُ.
وَمَعَ هَذَا فَقَدَ رَوَى سَعِيدٌ وَأَحْمَدُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " مَا صِيدَ قَبْلَ أَنْ تُحْرِمَ فَكُلْ، وَمَا صِيدَ بَعْدَمَا تُحْرِمُ فَلَا تَأْكُلْ " فَيُشْبِهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ مَا صِيدَ بَعْدَ إِحْرَامِهِ يَخَافُ أَنْ يَكُونَ صِيدَ لِأَجْلِهِ، بِخِلَافِ مَا صِيدَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، فَتَتَّفِقُ الْآثَارُ الْمَرْوِيَّةُ فِي ذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ عَلَى تَفْسِيرِ الْحَدِيثِ.

وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أُتِيَ بِقَطَا مَذْبُوحٍ - وَهُوَ مُحْرِمٌ - فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَأْكُلُوا وَلَمْ يَأْكُلْ، وَقَالَ: إِنَّمَا صِيدَ لِي، وَكَانَ عَلِيٌّ يَكْرَهُ ذَلِكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ: " أَنَّ عُثْمَانَ كَرِهَ أَكْلَ يَعَاقِيبَ أُصِيدَتْ لَهُ، وَقَالَ: إِنَّمَا أُصِيدَتْ وَأُمِيتَتْ لِي ". وَأَمَّا أَحَادِيثُ الرُّخْصَةِ فَمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ - وَهُوَ ابْنُ أَخِي طَلْحَةَ - قَالَ: " «كُنَّا مَعَ طَلْحَةَ وَنَحْنُ حُرُمٌ فَأُهْدِيَ لَنَا طَيْرٌ وَطَلْحَةُ رَاقِدٌ، فَمِنَّا مَنْ أَكَلَ وَمِنَّا مَنْ تَوَرَّعَ فَلَمْ يَأْكُلْ، فَلَمَّا أَفَاقَ طَلْحَةُ وَفَّقَ مَنْ أَكَلَهُ، وَقَالَ: أَكَلْنَاهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ.

وَعَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَلَمَةَ الضَّمْرِيِّ «عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَهْزٍ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ مَكَّةَ، حَتَّى إِذَا كَانُوا فِي بَعْضِ وَادِي الرَّوْحَاءِ وَجَدَ النَّاسُ حِمَارَ وَحْشٍ عَقِيرًا، فَذَكَرُوهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: " أَقِرُّوهُ حَتَّى يَأْتِيَ صَاحِبُهُ " فَأَتَى الْبَهْزِيُّ وَكَانَ صَاحِبَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ شَأْنَكُمْ بِهَذَا الْحِمَارِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا بَكْرٍ فَقَسَّمَهُ فِي الرِّفَاقِ وَهُمْ مُحْرِمُونَ، قَالَ: ثُمَّ مَرَرْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْأُثَايَةِ إِذَا نَحْنُ بِظَبْيٍ حَاقِفٍ فِي ظِلٍّ فِيهِ سَهْمٌ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا أَنْ يَقِفَ عِنْدَهُ حَتَّى يُجِيزَ النَّاسُ عَنْهُ».
رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ.
«وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: " كُنْتُ يَوْمًا جَالِسًا مَعَ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَنْزِلٍ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَامَنَا وَالْقَوْمُ مُحْرِمُونَ، وَأَنَا غَيْرُ مُحْرِمٍ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَأَبْصَرُوا حِمَارًا وَحْشِيًّا وَأَنَا مَشْغُولٌ أَخْصِفُ

نَعْلِي، فَلَمْ يُؤْذِنُونِي وَأَحَبُّوا لَوْ أَنِّي أَبْصَرْتُهُ، وَالْتَفَتُّ فَأَبْصَرْتُهُ، فَقُمْتُ إِلَى الْفَرَسِ فَأَسْرَجْتُهُ ثُمَّ رَكِبْتُ وَنَسِيتُ السَّوْطَ وَالرُّمْحَ، فَقُلْتُ لَهُمْ: نَاوِلُونِي السَّوْطَ وَالرُّمْحَ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ، فَغَضِبْتُ فَنَزَلْتُ فَأَخَذْتُهُمَا، ثُمَّ رَكِبْتُ فَشَدَدْتُ عَلَى الْحِمَارِ فَعَقَرْتُهُ، ثُمَّ جِئْتُ بِهِ وَقَدْ مَاتَ، فَوَقَعُوا فِيهِ يَأْكُلُونَهُ، ثُمَّ إِنَّهُمْ شَكُّوا فِي أَكْلِهِمْ إِيَّاهُ وَهُمْ حُرُمٌ، فَرُحْنَا وَخَبَّأْتُ الْعَضُدَ مَعِي، فَأَدْرَكْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَنَاوَلْتُهُ الْعَضُدَ، فَأَكَلَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ " وَفِي رِوَايَةٍ: " هُوَ حَلَالٌ فَكُلُوهُ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِلْبُخَارِيِّ: قَالَ: " مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا " وَلِمُسْلِمٍ: " هَلْ أَشَارَ إِلَيْهِ إِنْسَانٌ مِنْكُمْ أَوْ أَمَرَهُ بِشَيْءٍ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَكُلُوا» ". وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: " خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَأَحْرَمَ أَصْحَابِي وَلَمْ أُحْرِمْ، فَرَأَيْتُ حِمَارًا فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ فَاصْطَدْتُهُ، فَذَكَرْتُ شَأْنَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَحْرَمْتُ وَأَنِّي إِنَّمَا صِدْتُهُ لَكَ، فَأَمَرَ

النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ فَأَكَلُوا، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ حِينَ أَخْبَرْتُهُ أَنِّي اصْطَدْتُهُ لَهُ»، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ: قَوْلُهُ: إِنِّي اصْطَدْتُهُ لَكَ، وَقَوْلُهُ: لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ، لَا أَعْلَمُ أَحَدًا ذَكَرَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرَ مَعْمَرٍ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ صِيدَ لَهُ طَائِرٌ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَلَمْ يَأْكُلْ، وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ إِلَّا أَنَّ الرِّوَايَاتِ الْمَشْهُورَةَ فِيهَا أَنَّهُ أَكَلَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُنْظَرُ ... .

وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ أَقْبَلَ مِنَ الْبَحْرَيْنِ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالرَّبَذَةِ وَجَدَ رَكْبًا مِنَ الْعِرَاقِ - مُحْرِمِينَ - فَسَأَلُوهُ عَنْ صَيْدٍ وَجَدُوهُ عِنْدَ أَهْلِ الرَّبَذَةِ، فَأَمَرَهُمْ بِأَكْلِهِ، قَالَ: ثُمَّ إِنِّي شَكَكْتُ فِيمَا أَمَرْتُهُمْ، فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: مَاذَا أَمَرْتَهُمْ بِهِ؟ قَالَ: بِأَكْلِهِ، فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ أَمَرْتَهُمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ لَفَعَلْتُ بِكَ.
يَتَوَعَّدُهُ.
" وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " قَدِمَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنَ الْبَحْرَيْنِ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالرَّبَذَةِ سُئِلَ عَنْ قَوْمٍ مُحْرِمِينَ أُهْدِيَ لَهُمْ لَحْمُ صَيْدٍ أَهْدَاهُ حَلَالٌ، فَأَمَرَهُمْ بِأَكْلِهِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَمَرْتَهُمْ؟ قَالَ: أَمَرْتُهُمْ بِأَكْلِهِ، قَالَ: لَوْ أَمَرْتَهُمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ لَأَوْجَعْتُكَ ضَرْبًا، فَقَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عُمَرَ: أَتَأْكُلُهُ؟ فَقَالَ: أَبُو هُرَيْرَةَ خَيْرٌ مِنِّي، وَعُمَرُ خَيْرٌ مِنِّي " رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَمُجَاهِدٍ قَالَ: " إِذَا رَأَيْتُمُ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فَانْظُرُوا مَا فَعَلَ عُمَرُ فَاتَّبِعُوهُ ". وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96] وَالْمُرَادُ بِالصَّيْدِ نَفْسُ الْحَيَوَانِ الْمَصِيدِ لَا كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مَصْدَرُ صَادَ يَصِيدُ صَيْدًا، وَاصْطَادَ يَصْطَادُ

اصْطِيَادًا، وَأَنَّ الْمَعْنَى: حُرِّمَ عَلَيْكُمُ الِاصْطِيَادُ فِي حَالٍ مِنَ الْإِحْرَامِ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّهَ حَيْثُ ذَكَرَ الصَّيْدَ، فَإِنَّمَا يَعْنِي بِهِ مَا يُصَادُ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95] وَقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ [المائدة: 96] وَإِنَّمَا يَسْتَمْتِعُونَ بِمَا يُصَادُ لَا بِالِاصْطِيَادِ.
وَقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 1] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: 1].
الثَّانِي: أَنَّ التَّحْرِيمَ وَالتَّحْلِيلَ فِي مِثْلِ هَذَا إِنَّمَا يُضَافُ إِلَى الْأَعْيَانِ، وَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ أَفْعَالَ الْمُكَلَّفِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: 3] ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: 5] ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: 1] ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائدة: 1] ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157]، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾ [المائدة: 96]

فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ نَفْسُ الْمَصِيدِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: 96] الْمُرَادُ بِهِ مَا يُصَادُ مِنْهُ; لِأَنَّهُ عُطِفَ عَلَيْهِ، وَطَعَامُهُ: مَالِحُهُ وَطَافِيهِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَقْرُونُ بِالطَّعَامِ هُوَ النَّوْعَ الْآخَرَ وَهُوَ الرَّطْبُ الصَّيْدُ ; وَلِأَنَّهُ قَالَ: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ﴾ [المائدة: 96] وَإِنَّمَا يُسْتَمْتَعُ بِنَفْسِ مَا يُصَادُ لَا بِالْفِعْلِ، فَإِذَا كَانَ صَيْدُ الْبَحْرِ قَدْ عُنِيَ بِهِ الصَّيْدُ، فَكَذَلِكَ صَيْدُ الْبَرِّ; لِأَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي مُقَابَلَتِهِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ الصَّحَابَةَ فَسَّرُوهُ بِذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُمْ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ مِثْلِهِمْ خِلَافٌ فِي ذَلِكَ.
الْخَامِسُ: أَنَّ الْفِعْلَ لَا يُضَافُ إِلَى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ إِلَّا عَلَى تَكَلُّفٍ بِأَنْ يُقَالَ: الصَّيْدُ فِي الْبَرِّ وَالصَّيْدُ فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ لَيْسَ مُسْتَقِيمًا ; لِأَنَّ الصَّائِدَ لَوْ كَانَ فِي الْبَحْرِ وَصَيْدُهُ فِي الْبِرِّ لَحَرُمَ عَلَيْهِ الصَّيْدُ، وَلَوْ كَانَ بِالْعَكْسِ لَحَلَّ لَهُ، فَعُلِمَ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَكَانِ الصَّيْدِ الَّذِي هُوَ الْحَيَوَانُ لَا بِمَكَانِ الِاصْطِيَادِ الَّذِي هُوَ الْفِعْلُ.
السَّادِسُ: أَنَّهُ إِذَا أُطْلِقَ صَيْدُ الْبَرِّ وَصَيْدُ الْبَحْرِ: فُهِمَ مِنْهُ الصَّيْدُ الْبَرِّيُّ وَالْبَحْرِيُّ فَيَجِبُ حَمْلُ الْكَلَامِ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنْهُ، وَإِذَا كَانَ الْمَعْنَى: حُرِّمَ عَلَيْكُمُ الصَّيْدُ الَّذِي فِي الْبَرِّ، فَالتَّحْرِيمُ إِذَا أُضِيفَ إِلَى الْمُعَيَّنِ كَانَ الْمُرَادُ الْفِعْلَ فِيهَا، وَقَدْ فَسَّرَتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ فِعْلٌ يَكُونُ سَبَبًا إِلَى هَلَاكِ الصَّيْدِ، وَأَكْلُ صَيْدٍ يَكُونُ لِلْمُحْرِمِ سَبَبٌ فِي قَتْلِهِ بِمَا ذَكَرْنَا عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا فُسِّرَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222] عَلَى اجْتِنَابِ الْفُرُوجِ

خَاصَّةً، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ أَشْيَاءُ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ إِنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُ الصَّيْدِ ; لِأَنَّ إِبَاحَتَهُ تُفْضِي إِلَى قَتْلِهِ، وَلِهَذَا بَدَأَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالنَّهْيِ عَنْ قَتْلِهِ، فَقَالَ: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95] ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96] فَالْمَقْصُودُ مِنَ التَّحْرِيمِ: اسْتِحْيَاءُ الصَّيْدِ وَاسْتِبْقَاؤُهُ مِنَ الْمُحْرِمِينَ، وَأَنْ لَا يَتَعَرَّضُوا لَهُ بِأَذًى، وَلِهَذَا إِذَا قَتَلُوهُ حَرُمَ عَلَيْهِمْ وَعَلَى غَيْرِهِمْ قَطْعًا لِطَمَعِ الِانْتِفَاعِ بِهِ إِذَا قَتَلَهُ الْمُحْرِمُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، فَإِذَا كَانَ الْحَلَالُ هُوَ الَّذِي قَدْ صَادَهُ كَمَا أَبَاحَهُ اللَّهُ لَهُ وَذَكَّاهُ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِنَ الْفِعْلِ الْمَكْرُوهِ، فَلَا وَجْهَ لِلتَّحْرِيمِ عَلَى الْمُحْرِمِ، وَخَرَجَ عَلَى هَذَا مَا إِذَا كَانَ قَصَدَ الْحَلَالُ اصْطِيَادَهُ لِلْحَرَامِ، فَإِنَّ الْمُحْرِمَ صَارَ لَهُ سَبَبٌ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ، فَإِذَا عَلِمَ الْحَلَالُ أَنَّمَا صَادَهُ الْحَلَالُ لَا يَحِلُّ كَفُّ الْحَلَالِ عَنِ الِاصْطِيَادِ لِأَجْلِ الْحَرَامِ، فَلَمْ يَبْقَ لِلْمُحْرِمِ سَبَبٌ فِي قَتْلِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَصَارَ وُجُودُ الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ كَعَدَمِهِ.
الثَّانِي: أَنَّ الصَّيْدَ اسْمٌ لِلْحَيَوَانِ الَّذِي يُصَادُ، وَهَذَا إِنَّمَا يَتَنَاوَلُهُ إِذَا كَانَ حَيًّا، فَأَمَّا بَعْدَ الْمَوْتِ فَلَمْ يَبْقَ يُصَدْ، فَإِذَا صَادَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ وَأَكَلَهُ، فَقَدْ أَكَلَ لَحْمَ

الصَّيْدِ وَهُوَ مُحْرِمٌ، أَمَّا إِذَا كَانَ قَدْ صِيدَ قَبْلَ إِحْرَامِهِ، أَوْ صَادَهُ حَلَالٌ لِنَفْسِهِ ثُمَّ جَاءَ بِهِ قَدِيدًا أَوْ شِوَاءً أَوْ قَدِيرًا، فَلَمْ يَعْتَرِضِ الْمُحْرِمُ لِصَيْدِ الْبَرِّ، وَإِنَّمَا تَعَرَّضَ لِطَعَامِهِ، وَقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَ صَيْدِ الْبَحْرِ وَطَعَامِهِ، فَعُلِمَ أَنَّ الصَّيْدَ هُوَ مَا اصْطِيدَ مِنْهُ وَالطَّعَامَ مَا لَمْ يُصْطَدْ مِنْهُ، إِمَّا لِكَوْنِهِ قَدْ طَفَا أَوْ لِكَوْنِهِ قَدْ مُلِّحَ، ثُمَّ إِنَّ مَا حُرِّمَ عَلَى الْمُحْرِمِ صَيْدُ الْبَرِّ خَاصَّةً دُونَ طَعَامِ صَيْدٍ فَعُلِمَ أَنَّهُ إِنَّمَا حُرِّمَ مَا اصْطِيدَ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ.
فَإِذَا كَانَ قَدْ اصْطَادَهُ هُوَ أَوْ صِيدَ لِأَجْلِهِ فَقَدْ صَارَ لِلْمُحْرِمِ سَبَبٌ فِي قَتْلِهِ حِينَ هُوَ صِيدَ فَلَا يَحِلُّ، أَمَّا إِذَا صَادَهُ الْحَلَالُ وَذَبَحَهُ لِنَفْسِهِ، ثُمَّ أَهْدَاهُ أَوْ بَاعَهُ لِلْمُحْرِمِ فَلَمْ يُصَادِفْهُ الْمُحْرِمُ إِلَّا وَهُوَ طَعَامٌ لَا صَيْدٌ فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَهَذَا بَيِّنٌ حَسَنٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُرْوَةٍ عَنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ يَتَزَوَّدُ صَفِيفَ الظِّبَاءِ فِي الْإِحْرَامِ، رَوَاهُ مَالِكٌ.
الثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا حَرَّمَ الصَّيْدَ مَا دُمْنَا حُرُمًا، وَلَوْ أَحَلَّ الرَّجُلُ وَقَدْ صَادَ صَيْدًا أَوْ قَتَلَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ لَحَرُمَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمَقْصُودَ تَحْرِيمُهُ إِذَا كَانَ صَيْدًا وَقْتَ الْإِحْرَامِ، فَإِذَا صِيدَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ أَوْ صَادَهُ غَيْرُ مُحْرِمٍ، فَلَمْ يَتَنَاوَلِ الصَّيْدَ وَقْتَ الْإِحْرَامِ، وَلَا تَنَاوَلَهُ أَحَدٌ بِسَبَبٍ مُحَرَّمٍ، فَلَا يَكُونُ حَرَامًا فِي حَالِ الْإِحْرَامِ، كَمَا أَنَّهُ لَوْ تَنَاوَلَهُ أَحَدٌ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ كَانَ حَرَامًا فِي حَالِ الْإِحْلَالِ.

الرَّابِعُ: أَنَّ الصَّيْدَ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنْ فِعْلٍ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْمَصِيدُ.
الْخَامِسُ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَوْ أَرَادَ تَحْرِيمَ أَكْلِهِ لَقَالَ: وَلَحْمَ الصَّيْدِ، كَمَا قَالَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: 3] وَذَلِكَ أَنَّ الْمُحَرَّمَ إِذَا كَانَ لَا حَيَاةَ فِيهِ كَالدَّمِ وَالْمَيْتَةِ وَالْمُنْخَنِقَةِ وَالْمَوْقُوذَةِ وَالْمُتَرَدِّيَةِ وَالنَّطِيحَةِ أُضِيفَ التَّحْرِيمُ إِلَى عَيْنِهِ؛ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْأَكْلُ وَنَحْوُهُ، أَمَّا إِذَا كَانَ حَيًّا فَلَوْ قِيلَ: وَالْخِنْزِيرُ، لَمْ يُدْرَ مَا الْمُحَرَّمُ مِنْهُ؛ أَهُوَ قَتْلُهُ أَوْ أَكْلُهُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، فَلَمَّا قِيلَ: وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ تَحْرِيمُ الْأَكْلِ وَنَحْوِهُ، فَلَمَّا قَالَ فِي الصَّيْدِ: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ؛ عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ تَحْرِيمُ قَتْلِهِ، وَتَحْرِيمُ الْأَكْلِ الَّذِي يُفْضِي إِبَاحَتُهُ إِلَى قَتْلِهِ، لَا مُطْلَقُ تَحْرِيمِ أَكْلِ لَحْمِهِ، وَهَذَا حَسَنٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ.
فَعَلَى هَذَا إِذَا صِيدَ مِنْ أَجْلِ مُحْرِمٍ بِعَيْنِهِ جَازَ لِغَيْرِهِ مِنَ الْمُحْرِمِينَ الْأَكْلُ مِنْهُ.
ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا، الْقَاضِي قَالَ - فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ - الْمُحْرِمُ إِذَا أُصِيدَ

الصَّيْدُ مِنْ أَجْلِهِ لَا يَأْكُلُهُ الْمُحْرِمُ ; لِأَنَّهُ مِنْ أَجْلِهِ صِيدَ، وَيَأْكُلُهُ غَيْرُهُ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلَ الْمُحْرِمُ مِنَ الصَّيْدِ الَّذِي لَمْ يُصَدْ مِنْ أَجْلِهِ إِذَا صَادَهُ حَلَالٌ.
وَقَدْ أَخَذَ بِحَدِيثِ عُثْمَانَ وَفِيهِ: " أَنَّهُ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِأَكْلِهِ وَلَمْ يَأْكُلْ هُوَ " وَكَذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «صَيْدُ الْبَرِّ حَلَالٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ» " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا لَمْ يَصِدْهُ وَلَا صِيدَ لَهُ، فَهُوَ حَلَالٌ وَإِنْ صِيدَ لِمُحْرِمٍ آخَرَ ; وَلِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُصَدْ لِهَذَا الْمُحْرِمِ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبَبٌ فِي قَتْلِهِ.
فَأَمَّا إِنْ كَانَ الصَّيْدُ لِنَوْعِ الْمُحْرِمِينَ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ أَهْلُ الْمِيَاهِ وَالْأَعْرَابُ وَغَيْرُهُمْ يُعِدُّونَ لَحْمَ الصَّيْدِ لِمَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنَ الْمُحْرِمِينَ يَبِيعُونَهُمْ أَوْ يُهْدُونَ لَهُمْ ... ، وَكَذَلِكَ إِذَا صَادُوهُ لِلرَّئِيسِ وَأَصْحَابِهِ.
وَإِنْ كَانُوا قَدْ صَادُوهُ لِيَبِيعُوهُ عَلَى الْمُحْرِمِينَ وَغَيْرِهِمْ إِذَا اتَّفَقَ، وَإِنَّمَا يَتَّفِقُ غَالِبًا الْمُحْرِمُ، مِثْلُ مَرَارَةِ الضَّبُعِ الَّتِي تَشْتَرِيهِ النَّاسُ مِنَ الْأَعْرَابِ فَإِذَا أَكَلَ الصَّيْدَ مَنْ صِيدَ لِأَجْلِهِ مِنَ الْمُحْرِمِينَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ كَمَا لَوْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ بِدَلَالَةٍ أَوْ إِشَارَةٍ ; لِأَنَّ هَذَا الْأَكْلَ إِتْلَافٌ مَمْنُوعٌ مِنْهُ لِحَقِّ الْإِحْرَامِ.

فَضَمِنَهُ بِالْجَزَاءِ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ، بِخِلَافِ أَكْلِ لَحْمِ الصَّيْدِ الَّذِي قَتَلَهُ، فَإِنَّ ذَاكَ إِنَّمَا يَحْرُمُ لِكَوْنِهِ مَيْتَةً.
فَإِنْ أَتْلَفَ الصَّيْدَ الَّذِي صِيدَ لِأَجْلِهِ بِإِحْرَاقٍ وَنَحْوِهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَضْمَنُهُ كَالْأَكْلِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ أَظْهَرُ، لَا يَضْمَنُهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قُصِدَ لِأَجْلِهِ، وَهُوَ نَفْسُهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ مُحْتَرَمٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَرَقَ الطِّيبَ وَلَمْ يَتَطَيَّبْ بِهِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ إِذَا أَكَلَهُ فَكَأَنَّهُ قَدْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ بِمُوَافَقَةِ قَصْدِ الصَّائِدِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى قَتْلِ الصَّيْدِ بِسَبَبِ الْمُحْرِمِينَ.
أَمَّا إِذَا أَحْرَقَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ مَقْصُودَ الصَّائِدِ، وَسَائِرُ وُجُوهِ الِانْتِفَاعِ مِنَ اللُّبْسِ وَالتَّدَاوِي وَنَحْوِ ذَلِكَ، مِثْلُ الْأَكْلِ، وَمَا لَا مَنْفَعَةَ أَصْلًا مِثْلُ الْإِحْرَاقِ.

(فَصْلٌ) وَكَمَا يَحْرُمُ قَتْلُ الصَّيْدِ تَحْرُمُ الْإِعَانَةُ عَلَيْهِ بِدَلَالَةٍ أَوْ إِشَارَةٍ أَوْ إِعَارَةِ آلَةٍ لِصَيْدِهِ أَوْ لِذَبْحِهِ.
وَإِذَا أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ بِدَلَالَةٍ أَوْ إِشَارَةٍ أَوْ إِعَارَةِ آلَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهُوَ كَمَا لَوْ شَرَكَ فِي قَتْلِهِ، فَإِنْ كَانَ الْمُعَانُ حَلَالًا فَالْجَزَاءُ جَمِيعُهُ عَلَى الْمُحْرِمِ، وَإِنْ كَانَ حَرَامًا اشْتَرَكَا فِيهِ ; لِمَا تَقَدَّمَ فِي «حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ: " فَأَبْصَرُوا حِمَارًا وَحْشِيًّا وَأَنَا مَشْغُولٌ أَخْصِفُ نَعْلِي فَلَمْ يُؤْذِنُونِي، وَأَحَبُّوا لَوْ أَنِّي أَبْصَرْتُهُ، وَالْتَفَتُّ فَأَبْصَرْتُهُ، فَقُمْتُ إِلَى الْفَرَسِ فَأَسْرَجْتُهُ، ثُمَّ رَكِبْتُ وَنَسِيتُ السَّوْطَ وَالرُّمْحَ فَقُلْتُ لَهُمْ نَاوِلُونِي السَّوْطَ وَالرُّمْحَ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ، فَغَضِبْتُ فَنَزَلْتُ فَأَخَذْتُهُمَا ثُمَّ رَكِبْتُ» لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: " «فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَضْحَكُ إِلَى بَعْضٍ، فَنَظَرْتُ فَرَأَيْتُهُ، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ الْفَرَسَ فَطَعَنْتُهُ، فَأَتَيْتُهُ

فَاسْتَعَنْتُهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي» " مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ: " «فَرَأَيْتُ أَصْحَابِي يَتَرَاءَوْنَ شَيْئًا فَنَظَرْتُ فَإِذَا حِمَارُ وَحْشٍ - يَعْنِي فَوَقَعَ سَوْطُهُ - فَقَالُوا: لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، إِنَّا مُحْرِمُونَ، فَتَنَاوَلْتُهُ فَأَخَذْتُهُ» " هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ: " «فَإِذَا حِمَارُ وَحْشٍ، فَأَسْرَجْتُ فَرَسِي وَأَخَذْتُ رُمْحِي ثُمَّ رَكِبْتُ فَسَقَطَ مِنِّي السَّوْطُ، فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي وَكَانُوا مُحْرِمِينَ: نَاوِلُونِي السَّوْطَ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، فَنَزَلْتُ فَتَنَاوَلْتُهُ» " وَفِي رِوَايَةٍ: " «فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ فَأَبَوْا فَسَأَلَهُمْ رُمْحَهُ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُ ثُمَّ شَدَّ عَلَى الْحِمَارِ فَقَتَلَهُ» " وَفِي الْحَدِيثِ: " «فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا أَحْرَمْنَا، وَكَانَ أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ، فَرَأَيْنَا حُمُرَ وَحْشٍ فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا، فَنَزَلْنَا فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا فَقُلْنَا: أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا فَقَالَ: " هَلْ مَعَكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ، قَالُوا: لَا، قَالَ: فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا» " وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: " «هَلْ أَشَارَ إِلَيْهِ إِنْسَانٌ مِنْكُمْ أَوْ أَمَرَهُ بِشَيْءٍ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَكُلُوا» " وَلِلْبُخَارِيِّ: " «مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا» " وَلِلنَّسَائِيِّ: " «هَلْ أَشَرْتُمْ أَوْ أَعَنْتُمْ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَكُلُوا» ".

فَقَدِ امْتَنَعَ الْقَوْمُ مِنْ دَلَالَتِهِ بِكَلَامٍ أَوْ إِشَارَةٍ، وَمِنْ مُنَاوَلَتِهِ سَوْطَهُ أَوْ رُمْحَهُ وَسَمَّوْا ذَلِكَ إِعَانَةً، وَقَالُوا: لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ إِنَّا مُحْرِمُونَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ اسْتَقَرَّ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يُعِينُ عَلَى قَتْلِ الصَّيْدِ بِشَيْءٍ.
قَالَ الْقَاضِي: وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْإِعَانَةَ تُوجِبُ الْجَزَاءَ.
وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا» " فَجَعَلَ ذَلِكَ بِمَثَابَةِ الْإِعَانَةِ عَلَى الْقَتْلِ، وَلِهَذَا قَالَ: " «هَلْ أَشَرْتُمْ أَوْ أَعَنْتُمْ» " وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِعَانَةَ عَلَى الْقَتْلِ تُوجِبُ الْجَزَاءَ وَالضَّمَانَ فَكَذَلِكَ الْإِشَارَةُ.
وَأَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي مُحْرِمٍ أَشَارَ إِلَى بَيْضِ نَعَامٍ، فَجَعَلَ عَلَيْهِ الْجَزَاءَ.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: " أَتَى رَجُلٌ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي أَشَرْتُ بِظَبْيٍ وَأَنَا مُحْرِمٌ، قَالَ: فَضَمَّنَهُ ". وَعَنْ .... أَنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ: " يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي أَشَرْتُ إِلَى ظَبْيٍ وَأَنَا مُحْرِمٌ فَقَتَلَهُ صَاحِبِي، فَقَالَ عُمَرُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: مَا تَرَى، قَالَ: أَرَى عَلَيْهِ شَاةً، قَالَ: فَأَنَا أَرَى ذَلِكَ " رَوَاهُنَّ النَّجَّادُ.

[مَسْأَلَةٌ عَقْدُ النِّكَاحِ]

مَسْأَلَةٌ: (السَّابِعُ: عَقْدُ النِّكَاحِ لَا يَصِحُّ مِنْهُ، وَلَا فِدْيَةَ فِيهِ): وَجُمْلَةُ ذَلِكَ: أَنَّ الْمُحْرِمَ إِنْ كَانَ رَجُلًا لَا يَصِحُّ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِنَفْسِهِ وَلَا وَكِيلِهِ وَلَا وَلِيِّهِ، بِحَيْثُ لَوْ وَكَّلَ وَهُوَ حَلَالٌ رَجُلًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُزَوِّجَهُ بَعْدَمَا يُحْرِمُ الْمُوَكِّلُ، فَأَمَّا إِذَا وَكَّلَ وَهُوَ حَرَامٌ مَنْ زَوَّجَهُ بَعْدَ الْحِلِّ فَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: يَجُوزُ ذَلِكَ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ وَكَّلَ وَهُوَ حَلَالٌ ثُمَّ أَحْرَمَ ثُمَّ حَلَّ جَازَ أَنْ يُزَوِّجَ الْوَكِيلُ بِذَلِكَ التَّوْكِيلِ الْمُتَقَدِّمِ وَأَوْلَى ; لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِحَالِ الْعَقْدِ، وَلِأَنَّ التَّصَرُّفَ بِالْوَكَالَةِ الْفَاسِدَةِ جَائِزٌ ; لَكِنْ هَلْ يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَى التَّوْكِيلِ؟ وَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً لَمْ يَجُزْ أَنْ تُزَوَّجَ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ بِإِذْنٍ مُتَقَدِّمٍ عَلَى الْإِحْرَامِ أَوْ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ ; لَكِنْ إِذَا أَذِنَتْ حَالَ الْإِحْرَامِ ... وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ [البقرة: 197]. وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ وَلَا يَخْطِبُ» " رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا الْبُخَارِيَّ وَالتِّرْمِذِيَّ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ نُبَيْهِ بْنِ

جارٍ التحميل