ثُمَّ لَمَّا دَنَوْا مِنَ الْعَدُوِّ أَمَرَهُمْ بِهِ أَمْرَ عَزِيمَةٍ، وَكَمَا أَمَرَهُمْ بِالْإِحْلَالِ فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ أَمْرَ عَزِيمَةٍ لَمَّا رَآهُمْ قَدْ كَرِهُوا الصُّلْحَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُصَالِحْهُمْ، وَمَضَى فِي عُمْرَتِهِ لَكَانَ جَائِزًا.
عَلَى أَنَّ بِلَالًا لَمْ يُبَيِّنْ مَنْ يَعُودُ الضَّمِيرُ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: لَنَا، فَيَجُوزُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إِلَى ذَلِكَ الْوَفْدِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِلَالٌ مِمَّنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ، فَقَالَ: هُوَ لَنَا: مَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً، فَقَالَ: بَلْ لَنَا خَاصَّةً.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: فَهَلَّا وَجَبَ الْفَسْخُ عَلَى كُلِّ حَاجٍّ، وَصَارَ كُلُّ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ حَلَالًا، سَوَاءٌ قَصَدَ التَّحَلُّلَ، أَوْ لَمْ يَقْصِدْ، كَمَا يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَامْتَنَعَ الْإِفْرَادُ وَالْقِرَانُ لِكَوْنِهِمَا مَفْسُوخَيْنِ.
قُلْنَا: لِأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ بَعْدِهِ حَجُّوا مُفْرِدِينَ، [وَقَارِنِينَ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ] وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمْ.
فَعَلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا وُجُوبَ التَّمَتُّعِ مُطْلَقًا.
وَأَمَّا مَا ذُكِرَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي أَنَّهُمْ كَانُوا مَخْصُوصِينَ بِالْمُتْعَةِ - فَقَدْ عَارَضَ ذَلِكَ أَبُو مُوسَى، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَبَنُو هَاشِمٍ، وَهُمْ أَهْلُ
بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَعْلَمُ النَّاسِ بِسُنَّتِهِ، وَقَوْلُ الْمَكِّيِّينَ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَهُمْ أَعْلَمُ أَهْلِ الْأَمْصَارِ كَانُوا - بِالْمَنَاسِكِ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: " قَدِمَ عَلَيْنَا ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - مُتَمَتِّعِينَ قَالَ: وَقَالَ لِي مُجَاهِدٌ: لَوْ خَرَجْتَ مِنْ بَلَدِكَ الَّذِي تَحُجُّ مِنْهُ أَرْبَعِينَ عَامًا مَا قَدِمْتَ إِلَّا مُتَمَتِّعًا، هُوَ أَحْدَثُ عَهْدٍ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي فَارَقَ النَّاسَ عَلَيْهِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْغَبَ عَنْ مَا ثَبَتَ عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - لِاتِّبَاعِ بَعْضِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ.
قَالَ سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: قَوِيَتْ قُلُوبُ الرَّوَافِضِ حِينَ أَفْتَيْتَ أَهْلَ خُرَسَانَ بِمُتْعَةِ الْحَجِّ، فَقَالَ: يَا سَلَمَةُ كُنْتَ تُوصَفُ بِالْحُمْقِ، فَكُنْتُ أَدْفَعُ عَنْكَ، وَأَرَاكَ كَمَا قَالُوا.
وَقَالَ ابْنُ بَطَّةَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَيُّوبَ يَقُولُ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيَّ يَقُولُ: - وَسُئِلَ عَنْ فَسْخِ الْحَجِّ فَقَالَ -: " قَالَ سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ لِأَحْمَدَ: كُلُّ شَيْءٍ مِنْكَ حَسَنٌ غَيْرَ خَلَّةٍ وَاحِدَةٍ، قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: تَقُولُ بِفَسْخِ الْحَجِّ، قَالَ أَحْمَدُ: كُنْتُ أَرَى لَكَ عَقْلًا، عِنْدِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا صِحَاحًا أَتْرُكُهَا لِقَوْلِكَ؟!
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ اللَّبَّانِيُّ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيَّ، وَذُكِرَ لَهُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ أَنَا أَحَدًا أَشَدَّ اتِّبَاعًا لِلْحَدِيثِ، وَالْآثَارِ مِنْهُ، لَمْ يَكُنْ يَزَالُهُ عَقْلٌ.
ثُمَّ قَالَ: جَاءَ سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ إِلَى أَحْمَدَ يَوْمًا فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، تُفْتِي بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ؟ فَقَالَ أَحْمَدُ: مَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ أَحْمَقُ إِلَى الْيَوْمِ، ثَمَانِيَةُ عَشَرَ حَدِيثًا أَرْوِي عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أُفْتِي بِهِ، فَلِمَ كَتَبْتُ الْحَدِيثَ؟! قَالَ: وَمَا رَأَيْتُ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَطُّ إِلَّا وَهُوَ يُفْتِي بِهِ.
وَأَمَّا نَهْيُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَغَيْرِهِمَا عَنِ الْمُتْعَةِ، وَحَمْلُ ذَلِكَ عَلَى الْفَسْخِ أَوْ عَلَى كَوْنِهَا مَرْجُوحَةً: فَاعْلَمْ أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَغَيْرَهُمَا نَهَوْا عَنِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مَعَ الْحَجِّ مُطْلَقًا، وَأَنَّ نَهْيَهُمْ لَهُ مَوْضِعٌ غَيْرُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَهُوَ بَيِّنٌ فِي الْأَحَادِيثِ، قَالَ عِمْرَانُ بْنُ حَصِينٍ: " «جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، ثُمَّ لَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ، وَلَمْ يَنْزِلْ قُرْآنٌ يُحَرِّمُهَا، قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ، وَفِي لَفْظٍ: " «تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَحِمَ اللَّهُ عَمْرًا، إِنَّمَا ذَاكَ رَأْيٌ» "، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ، فَبَيَّنَ أَنَّ الْمُتْعَةَ الَّتِي نَهَى عَنْهَا عُمَرُ، أَنْ يَجْمَعَ الرَّجُلُ بَيْنَ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، سَوَاءٌ جَمَعَ بَيْنَهَا بِإِحْرَامٍ وَاحِدٍ، أَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ، وَفَرَغَ مِنْهَا ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، وَكَذَلِكَ عُثْمَانُ " لَمَّا نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ فَأَهَلَّ عَلِيٌّ بِهِمَا، فَقَالَ: تَسْمَعُنِي أَنْهَى النَّاسَ عَنِ الْمُتْعَةِ وَأَنْتَ تَفْعَلُهَا؟ فَقَالَ: لَمْ أَكُنْ لِأَدَعَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِقَوْلِ أَحَدٍ ".
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنْهُ، أَنَّهُ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُهِلُّوا بِالْعُمْرَةِ لَمَّا بَلَغَهُ نَهْيُ عُثْمَانَ.
وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ: - " اسْتَأْذَنَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فِي الْعُمْرَةِ فِي شَوَّالٍ، فَأَبَى أَنْ يَأْذَنَ لَهُ ". رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَعَنْ [نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ: " أَنَّ عُثْمَانَ سَمِعَ رَجُلًا يُهِلُّ بِعُمْرَةٍ وَحَجٍّ فَقَالَ: عَلَيَّ بِالْمُهِلِّ، فَضَرَبَهُ، وَحَلَقَهُ، قَالَ] نُبَيْهٌ: فَمَا نَبَتَ فِي رَأْسِهِ شَعْرَةٌ، وَقَالَ نُبَيْهٌ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: إِنَّ النَّاسَ يَتَمَتَّعُونَ بِالْعُمْرَةِ مَعَ الْحَجِّ، ثُمَّ أَمَرَ نَوْفًا فَأَذَّنَ فِي النَّاسِ: إِنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ.
فَحَمِدَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَقَدْ مَلِلْتُمُ الْحَجَّ دَفَرَهُ؟ أَقَدْ مَلِلْتُمْ شَعَثَهُ؟ أَقَدْ مَلِلْتُمْ وَسخَهُ؟! وَاللَّهِ لَئِنْ مَلِلْتُمْ لَيَأْتِينَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْمٍ لَا يَمَلُّونَهُ وَلَا يَسْتَعْجِلُونَهُ قَبْلَ مَحِلِّهِ، وَاللَّهِ لَوْ أَذِنَّا لَكُمْ فِي هَذَا لَأَخَذْتُمْ بِخَلَاخِيلِهِنَّ فِي الْأَرَاكِ - يُرِيدُ أَرَاكَ عَرَفَةَ - ثُمَّ رَجَعْتُمْ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَغَيْرِهِمَا الْمُتْعَةُ قَوْلًا وَفِعْلًا؛ فَهَذَا عُمَرُ يَرْوِي عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنَّهُ فَعَلَ الْمُتْعَةَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَيَقُولُ لِلصَّبِيِّ بْنِ مَعْبَدٍ - لَمَّا أَهَلَّ جَمِيعًا -: هُدِيتَ سُنَّةَ نَبِيِّكَ.
وَيَرْوِي عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
أَنَّهُ قَالَ: " «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ، فَقَالَ: قُلْ عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ» ". وَعَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " هَذَا الَّذِي تَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ - يَعْنِي عُمَرَ - سَمِعْتُهُ يَقُولُ: لَوِ اعْتَمَرْتُ ثُمَّ حَجَجْتُ لَتَمَتَّعْتُ "، وَقَالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ: " أَلَا تُبَيِّنُ لِلنَّاسِ أَمْرَ مُتْعَتِهِمْ هَذِهِ؟ فَقَالَ: وَهَلْ بَقِيَ أَحَدٌ لَا يَعْلَمُهَا؟! ". وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " وَمَا تَمَّتْ حَجَّةُ رَجُلٍ قَطُّ إِلَّا بِمُتْعَةٍ، إِلَّا رَجُلٌ اعْتَمَرَ فِي وَسَطِ السَّنَةِ ". وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ قَالَ: " لَوْ حَجَجْتُ مَرَّةً وَاحِدَةً ثُمَّ حَجَجْتُ، لَمْ أَحُجَّ إِلَّا بِمُتْعَةٍ ". رَوَاهُمَا سَعِيدٌ، وَفِي لَفْظٍ لِأَبِي
عَبِيدٍ: " لَوِ اعْتَمَرْتُ ثُمَّ حَجَجْتُ لَتَمَتَّعْتُ ". وَرَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: " لَوِ اعْتَمَرْتُ وَسَطَ السَّنَةِ لَتَمَتَّعْتُ، وَلَوْ حَجَجْتُ خَمْسِينَ حَجَّةً لَتَمَتَّعْتُ "، وَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ عُمَرَ نَحْوَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، فَقَالَ عُمَرُ: " وَهَلْ بَقِيَ أَحَدٌ إِلَّا عَلِمَهَا؟ أَمَّا أَنَا فَأَفْعَلُهَا ". وَعَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: " مَا حَجَّ عُمَرُ قَطُّ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ إِلَّا تَمَتَّعَ فِيهَا ".
وَإِنَّمَا وَجْهُ مَا فَعَلُوهُ أَنَّ عُمَرَ رَأَى النَّاسَ قَدْ أَخَذُوا بِالْمُتْعَةِ، فَلَمْ يَكُونُوا يَزُورُونَ الْكَعْبَةَ إِلَّا مَرَّةً فِي السَّنَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَيَجْعَلُونَ تِلْكَ السَّفْرَةِ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَكَرِهَ أَنْ يَبْقَى الْبَيْتُ مَهْجُورًا عَامَّةَ السَّنَةِ، وَأَحَبَّ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي سَائِرِ شُهُورِ السَّنَةِ لِيَبْقَى الْبَيْتُ مَعْمُورًا مَزُورًا كُلَّ وَقْتٍ بِعُمْرَةٍ يَنْشَأُ لَهَا سَفَرٌ مُفْرَدٌ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ، حَيْثُ اعْتَمَرَ قَبْلَ الْحَجَّةِ ثَلَاثَ عُمَرٍ مُفْرَدَاتٍ.
وَعَلِمَ أَنَّ أَتَمَّ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَنْ يَنْشَأَ لَهُمَا سَفَرٌ مِنَ الْوَطَنِ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يَرَ لِتَحْصِيلِ هَذَا الْفَضْلِ وَالْكَمَالِ لِرَغْبَتِهِ طَرِيقًا إِلَّا أَنْ يَنْهَاهُمْ عَنْ الِاعْتِمَارِ مَعَ الْحَجِّ، وَإِنْ كَانَ جَائِزًا، فَقَدْ يَنْهَى السُّلْطَانُ بَعْضَ رَعِيَّتِهِ عَنْ أَشْيَاءَ مِنَ الْمُبَاحَاتِ، وَالْمُسْتَحَبَّاتِ لِتَحْصِيلِ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصِيرَ الْحَلَالُ حَرَامًا.
قَالَ يُوسُفُ بْنُ مَاهَكَ: " إِنَّمَا نَهَى عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ مِنْ أَجْلِ أَهْلِ الْبَلَدِ؛ لِيَكُونَ مَوْسِمَيْنِ فِي عَامٍ، فَيُصِيبُ أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَنْفَعَتِهِمَا ".
وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: " إِنَّمَا كَرِهَ عُمَرُ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ؛ إِرَادَةَ أَلَّا يُعَطَّلَ الْبَيْتُ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ ". رَوَاهُمَا سَعِيدٌ.
وَأَيْضًا: فَخَافَ إِذَا تَمَتَّعُوا بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ أَنْ يَبْقُوا حَلَالًا حَتَّى يَقِفُوا بِعَرَفَةَ مُحِلِّينَ، ثُمَّ يَرْجِعُوا مُحْرِمِينَ، كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى وَغَيْرِهِ حَيْثُ قَالَ: " كَرِهْتُ أَنْ يَظَلُّوا مُعَرِّسِينَ بِهِنَّ فِي الْأَرَاكِ - يَعْنِي أَرَاكَ عَرَفَةَ - ثُمَّ يَرُوحُونَ فِي الْحَجِّ تَقْطُرُ رُءُوسُهُمْ ". وَنَحْنُ نَذْهَبُ إِلَى ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَنْشَأَ لِلْعُمْرَةِ سَفَرًا مِنْ مَصْرِهِ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ عُمْرَةِ التَّمَتُّعِ.
فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ: " افْصِلُوا بَيْنَ حَجِّكُمْ وَعُمْرَتِكُمْ؛ فَإِنَّهُ أَتَمُّ لِحَجِّ أَحَدِكُمْ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَأَتَمُّ لِعُمْرَتِهِ " رَوَاهُ مَالِكٌ.
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ قَالَ: " سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ فَأَمَرَ بِهَا، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ تُخَالِفُ أَبَاكَ، فَقَالَ: إِنَّ أَبِي لَمْ يَقُلِ الَّذِي تَقُولُونَ: إِنَّمَا قَالَ: أَفْرِدُوا الْعُمْرَةَ مِنَ الْحَجِّ.
أَيْ أَنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَتِمُّ فِي شُهُورِ الْحَجِّ إِلَّا بِهَدْيٍ، وَأَرَادَ أَنْ يُزَارَ الْبَيْتُ فِي غَيْرِ شُهُورِ الْحَجِّ، فَجَعَلْتُمُوهَا أَنْتُمْ حَرَامًا، وَعَاقَبْتُمُ النَّاسَ عَلَيْهَا، وَقَدْ أَحَلَّهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَعَمِلَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ قَالَ: أَوَكِتَابَ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ تَتَبَّعُوا أَمْ عُمَرَ؟! ".
وَعَنْ أَبِي يَعْفُورَ قَالَ: " كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنِ
الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَقَالَ: " هِيَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَحَبُّ إِلَيَّ ".
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: " مَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَشُكُّ أَنَّ عُمْرَةً فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَفْضَلُ مِنْ عُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ".
وَأَمَّا الْخِلَافُ فِيمَنْ أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فِي سَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ، إِمَّا لِعَجْزِهِ عَنْ سَفْرَةٍ أُخْرَى؛ أَوْ لِأَنَّهُ مَشْغُولٌ عَنْ سَفْرَةٍ أُخْرَى بِمَا هُوَ أَهَمُّ مِنَ الْحَجِّ مِنْ جِهَادٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ قَصْدُ مَكَّةَ إِلَّا فِي أَيَّامِ الْمَوْسِمِ لِعَدَمِ الْقَوَافِلِ، أَوْ خَوْفِ الطَّرِيقِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ: فَإِنَّ اعْتِمَارَهُ قَبْلَ الْحَجِّ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ يَعْتَمِرَ مِنَ التَّنْعِيمِ فِي بَقِيَّةِ ذِي الْحِجَّةِ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلَّهُمْ فَعَلُوا كَذَلِكَ، وَلَمْ يَعْتَمِرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَعْدَ الْحَجَّةِ فِي تِلْكَ السَّفْرَةِ إِلَّا عَائِشَةُ خَاصَّةً، وَلَمْ يُقِمِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمُسْلِمِينَ بَعْدَ لَيْلَةِ الْحَصْبَةِ وَلَا يَوْمًا وَاحِدًا، بَلْ قَضَى حَجَّهُ وَرَجَعَ قَافِلًا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَكَذَلِكَ عُمَرُ كَانَ.
. . وَكَانُوا يَنْهَوْنَ عَنِ الْعُمْرَةِ بَعْدَ الْحَجِّ فِي ذَلِكَ الْعَامِ كَمَا يَنْهَوْنَ عَنْهَا قَبْلَهُ.
قَالَ أَبُو بِشْرٍ: " حَجَجْتُ أَنَا وَصَاحِبٌ لِي، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الصَّدَرِ، قَالَ صَاحِبِي: إِنِّي لَا أَقْدِرُ عَلَى هَذَا الْمَكَانِ كُلَّمَا أَرَدْتُ، أَفَأَعْتَمِرُ؟ فَلَمْ أَدْرِ مَا أَقُولُ لَهُ، فَانْطَلَقْنَا إِلَى نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، فَسَأَلْنَاهُ، فَكَأَنَّهُ هَابَنَا، ثُمَّ إِنَّهُ اطْمَأَنَّ بَعْدُ فَقَالَ: أَمَّا أُمَرَاؤُكُمَا فَيَنْهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدْ أَعْمَرَ عَائِشَةَ - رَحِمَهَا اللَّهُ - لَيْلَةَ الصَّدَرِ مِنَ التَّنْعِيمِ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْحَرَمِ مِنْ سَنَنِ وَجْهِهِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ يُحْرِمُ ".
وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَعَلَهُ رُخْصَةً بَعْدَ أَنْ يَسْتَفْتِيَ، مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّهُمْ لَوِ اعْتَمَرُوا قَبْلَ الْحَجِّ كَانَ أَفْضَلَ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " «وَاللَّهِ مَا أَعْمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فِي ذِي الْحِجَّةِ إِلَّا لِيَقْطَعَ بِذَلِكَ أَمْرَ أَهْلِ الشِّرْكِ، فَإِنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنْ قُرَيْشٍ وَمَنْ دَانَ دِينَهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: إِذَا عَفَا الْوَبَرُ، وَبَرَأَ الدَّبَرُ، وَدَخَلَ صَفَرُ، فَقَدْ حَلَّتِ الْعُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرَ، فَكَانُوا يُحَرِّمُونَ الْعُمْرَةَ حَتَّى يَنْسَلِخَ ذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: " عُمْرَةٌ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ عُمْرَةٍ فِي الْعِشْرِينَ الْأَوَاخِرِ، قَالَ صَدَقَةُ: فَحَدَّثْتُ نَافِعًا، فَقَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ: لَأَنْ أَعْتَمِرَ عُمْرَةً يَكُونُ عَلَيَّ فِيهَا هَدْيٌ، أَوْ صِيَامٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ
أَنْ أَعْتَمِرَ عُمْرَةً لَيْسَ عَلَيَّ فِيهَا هَدْيٌ وَلَا صِيَامٌ ". رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْهُ، قَالَ: " وَاللَّهِ لَأَنْ أَعْتَمِرَ قَبْلَ الْحَجِّ وَأَهْدِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَمِرَ بَعْدَ الْحَجِّ فِي ذِي الْحِجَّةِ ".
وَرَوَى أَبُو عَبِيدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " لَأَنْ أَعْتَمِرَ فِي شَوَّالٍ، أَوْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، أَوْ فِي ذِي الْحِجَّةِ، فِي شَهْرٍ يَجِبُ عَلَيَّ فِيهِ الْهَدْيُ [أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَمِرَ فِي شَهْرٍ لَا يَجِبُ عَلَيَّ فِيهِ الْهَدْيُ] ".
عَلَى أَنَّ هَذَا الرَّأْيَ الَّذِي قَدْ رَآهُ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَمَنْ بَعْدَهُمَا قَدْ خَالَفَهُمْ فِيهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَأَنْكَرُوا عَلَيْهِمْ؛ مِثْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
فَأَمَّا أَنْ يَكُونُوا خَافُوا مِنَ النَّهْيِ؛ أَنْ يَعْتَقِدَ النَّاسُ ذَلِكَ مَكْرُوهًا، فَخَالَفُوهُمْ فِي ذَلِكَ، أَوْ رَأَوْا أَنَّ تَرْكَ النَّاسِ آخِذِينَ بِرُخْصَةِ اللَّهِ أَفْضَلُ وَأَوْلَى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَسَعْدٍ وَعِمْرَانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ.
وَعَنِ الْحَسَنِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ: " أَرَادَ أَنْ يَنْهَى عَنِ الْمُتْعَةِ، فَقَالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ قَدْ تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَنْهَنَا عَنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَأَضْرَبَ عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ ".
وَعَنْ عَمْرٍو قَالَ: " سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَنَا قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ، وَسَأَلُوهُ عَنِ الْمُتْعَةِ مُتْعَةِ الْحَجِّ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ يَنْهَى عَنْهَا، فَقَالَ: انْظُرُوا فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهَا فِيهِ فَقَدْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوهَا فَقَدْ صَدَقَ ".
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: " سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ يُعَرِّضُ بِابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: " إِنَّ هَاهُنَا قَوْمًا أَعْمَى اللَّهُ قُلُوبَهُمْ كَمَا أَعْمَى أَبْصَارَهُمْ، يُفْتُونَ فِي الْمُتْعَةِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا لِي فَلْيَسْأَلْ أُمَّهُ، فَسَأَلَهَا، فَقَالَتْ: صَدَقَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَدْ كَانَ ذَلِكَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ شِئْتَ أَنْ أُسَمِّيَ نَاسًا مِنْ قُرَيْشٍ وُلِدُوا مِنْهَا لَفَعَلْتُ " رَوَاهُنَّ سَعِيدٌ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " «تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ عَنِ الْمُتْعَةِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرَاهُمْ سَيَهْلَكُونَ، أَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَقُولُونَ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ» ". رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ.
وَأَمَّا كَوْنُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْرَدَ الْحَجَّ وَلَمْ يَعْتَمِرْ فِي أَشْهُرِهِ، فَعَنْهُ ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإِنَّ أَكَابِرَ الصَّحَابَةِ مِثْلَ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي طَلْحَةَ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَسُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ، كُلُّ هَؤُلَاءِ يَرْوُونَ التَّمَتُّعَ، إِمَّا بِأَنْ يَكُونَ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فَلَمَّا قَضَاهَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، أَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ جَمِيعًا.
فَإِنَّ رِوَايَةَ مَنْ قَرَنَ لَا تُخَالِفُ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى التَّمَتُّعَ، سَوَاءٌ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا أَوْ جَمَعَهُمَا فِي سَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ شَهْرِ الْحَجِّ، وَهَذَا لَا يُشَكُّ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ اعْتَمَرَ مَعَ حَجَّتِهِ.
فَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ، كُلُّهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، إِلَّا الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ؛ عُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ حَيْثُ صَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ، وَعُمْرَةٌ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ حَيْثُ صَالَحَهُمْ، وَعُمْرَةُ الْجِعْرَانَةِ حَيْثُ قَسَّمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةٌ مَعَ حَجَّتِهِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا: " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ، وَأَقَرَّتْهُ عَائِشَةُ عَلَى ذَلِكَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «اعْتَمَرْتُ وَلَمْ أَعْتَمِرْ، قَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، اذْهَبْ بِأُخْتِكَ فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَفِي جَمِيعِ الْأَحَادِيثِ تَقُولُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «تَذْهَبُونَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَأَذْهَبُ أَنَا بِحَجَّةٍ» ".
وَهَذِهِ نُصُوصٌ فِي أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَمَرَ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ مِنْ حَجِّهِ، وَهُوَ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الصَّحَابَةِ قَدِ اعْتَمَرُوا مَعَ حَجِّهِمْ قَبْلَ لَيْلَةِ الْحَصْبَةِ، فَعُلِمَ أَنَّهُمْ كَانُوا مُتَمَتِّعِينَ أَوْ قَارِنِينِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعَ عُمَرٍ: عُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَةِ، وَعُمْرَةُ الْقَضَاءِ مِنْ قَابِلٍ، وَالثَّالِثَةُ مِنَ الْجِعْرَانَةِ، وَالرَّابِعَةُ مَعَ حَجَّتِهِ» " رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ.
وَعَنْ جَابِرٍ: " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجَّ ثَلَاثَ حِجَجٍ، حَجَّتَيْنِ قَبْلَ أَنْ
يُهَاجِرَ، وَحَجَّةً بَعْدَمَا هَاجَرَ مَعَهَا عُمْرَةٌ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: غَرِيبٌ.
وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَعْتَمِرْ عَقِيبَ الْحَجَّةِ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ سِوَى عَائِشَةَ، وَإِنَّمَا خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ لَيْلَةَ الصَّدَرِ.
وَإِنَّمَا اعْتَمَدَ النَّاسُ فِي الْعُمْرَةِ بَعْدَ الْحَجِّ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، إِمَّا قَبْلَ الْحَجِّ أَوْ مَعَهُ، وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ، وَمِثْلُ هَذَا يُسَمَّى قَارِنًا وَمُتَمَتِّعًا بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَهُمَا فِي إِحْرَامٍ وَاحِدٍ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَلْفَاظٌ صَرِيحَةٌ مِنْ قَوْلِهِ؛ مِثْلُ قَوْلِهِ: " «لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا» "، وَقَوْلِهِ: " إِنِّي قَرَنْتُ "، وَقَوْلِهِ: " قُلْ عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ "، وَمِثْلُ مَا رَوَتْ حَفْصَةُ قَالَتْ: " «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بَالُ النَّاسِ حَلُّوا وَلَمْ تَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِكِ؟ قَالَ: إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَمَنْ ذَكَرَ أَنَّهُ أَفْرَدَ الْحَجَّ فَإِنَّمَا أَخْبَرَ عَنِ اعْتِقَادِهِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ رُوَاةَ التَّمَتُّعَ أَكْثَرُ عَدَدًا، وَأَجَلُّ قَدْرًا، وَرِوَايَتُهُمْ أَصَحُّ سَنَدًا وَأَشْهَرُ نَقْلًا.
وَأَيْضًا فَإِنَّ كُلَّ مَنْ رَوَى الْإِفْرَادَ رَوَى عَنْهُ أَنَّهُ تَمَتَّعَ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، بَلْ طُرُقُ الرِّوَايَاتِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ بِأَنَّهُ تَمَتَّعَ أَصَحُّ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ عَامَّةَ الرِّوَايَاتِ الَّتِي فِيهَا الْإِفْرَادُ إِنَّمَا ذَكَرُوهُ مَعَ أَصْحَابِهِ، مِثْلُ حَدِيثِ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَانَ قَصْدُهُمْ بِذَلِكَ.
. .
وَأَيْضًا فَمَعْنَى قَوْلِهِمْ: أَفْرَدَ الْحَجَّ؛ أَيْ أَنَّهُ لَمْ يَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ، وَلَمْ يَطُفْ لِلْعُمْرَةِ طَوَافًا يَتَمَيَّزُ بِهِ، فَصُورَتُهُ صُورَةُ الْمُفْرِدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِكَلَامِهِمْ مَحْمَلٌ صَحِيحٌ، فَيَجِبُ أَنْ يَحْكُمَ بِوُقُوعِ الْخَطَأِ فِي تِلْكَ الرِّوَايَاتِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ مَنْ رَوَى أَنَّهُ تَمَتَّعَ مُثْبِتٌ لِزِيَادَةٍ نَفَاهَا غَيْرُهُ، وَالْمُثْبِتُ أَوْلَى مِنَ النَّافِي.
وَقَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ -: كَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ بِالْمَدِينَةِ.
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنَّهُ كَانَ قَدْ تَحَلَّلَ مِنْ عُمْرَتِهِ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا، فَيُسَمَّى مُفْرِدًا لِذَلِكَ.
قَالَ: وَعَلَى هَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ كَوْنِهِ مُتَمَتِّعًا وَكَوْنِهِ لَمْ يَفْسَخِ الْحَجَّ، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ الْفَسْخُ مِمَّنْ كَانَ قَارِنًا أَوْ مُفْرِدًا.
وَهَذَا غَلَطٌ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَتَحَلَّلْ فِي حَجَّتِهِ، وَهُمْ إِنَّمَا سَأَلُوهُ عَنْ كَوْنِهِ لَمْ يَحِلَّ، سَوَاءٌ كَانَ قَدْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ أَوْ بِحَجَّةٍ، وَلَمْ يَسْأَلُوهُ عَنْ كَوْنِهِ لَمْ يَفْسَخْ، كَأَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا تَمَتَّعَ وَلَمْ يُفْرِدْ، عَلَى أَنَّهُمْ لَوْ سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَلِأَنَّهُ كَانَ قَارِنًا.
الثَّانِي: أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ أَفْرَدَ فَهُوَ لَمْ يَعْتَمِرْ بَعْدَ حَجَّتِهِ مِنَ التَّنْعِيمِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ هُوَ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ غَيْرُ عَائِشَةَ، وَإِنَّمَا كَانَ قَدِ اعْتَمَرَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَالْإِفْرَادُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ هُوَ أَفْضَلُ مِنَ التَّمَتُّعِ، وَمِنِ الْقِرَانِ عِنْدَنَا، وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ عَمَّنْ أَفْرَدَ الْحَجَّ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، فَإِنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ اعْتَمَرَ فِي سَفْرَتِهِ تِلْكَ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَحُجُّونَ وَيَرْجِعُونَ، وَيَعْتَمِرُونَ فِي وَقْتٍ آخَرَ أَوْ لَا يَعْتَمِرُونَ، وَإِفْرَادُ الْحَجِّ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَفْضَلُ مِنَ الْمُتْعَةِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْهُ كَانَ التَّأَسُّفَ عَلَى الْمُتْعَةِ؛ لِأَنَّهُ رَأَى الْإِحْلَالَ أَفْضَلَ، كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، وَهُوَ لَمْ يَكُنْ يَشُكُّ فِي جَوَازِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ حَتَّى يَعْتَقِدَ مَا اعْتَقَدَهُ فِي أَصْحَابِهِ مِنْ أَنَّهُمْ فَسَخُوا؛ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَكُونُوا يُجَوِّزُونَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.
وَأَمَّا كَوْنُ الْمُتْعَةِ تَفْتَقِرُ إِلَى دَمٍ، فَذَلِكَ الدَّمُ دَمُ نُسُكٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّمَتُّعُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَدِمَاءُ الْجُبْرَانِ لَا يَجُوزُ الْتِزَامُهَا إِلَّا لِعُذْرٍ، وَبِدَلِيلِ جَوَازِ الْأَكْلِ مِنْهُ، كَمَا نَطَقَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ، ثُمَّ نَقُولُ: وَإِنْ كَانَ دَمُ جُبْرَانٍ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ اسْتِدَامَةِ الْإِحْرَامِ بِلَا جُبْرَانٍ، وَبَيْنَ الْإِحْلَالِ وَالْجُبْرَانِ.
وَهَذَا أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُمْ فِيمَنْ يَعْتَمِرُ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ، وَهَذِهِ الْعُمْرَةُ لَيْسَتْ بِطَايِلٍ.
فَالْإِحْلَالُ وَالدَّمُ وَالْعُمْرَةُ فِي أَثْنَاءِ الْحَجِّ أَفْضَلُ مِنْهَا.
وَهَذَا هُوَ
الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: الْمُفْرِدُ يَأْتِي بِنُسُكَيْنِ تَامَّيْنِ، فَإِنَّهُ مَتَى أَتَمَّ الْعُمْرَةَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ أَوْ مِنْ.
. . فَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ التَّمَتُّعِ.
وَالْعُمْرَةُ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ لَيْسَتْ بِتِلْكَ التَّامَّةِ.
وَأَمَّا كَوْنُ الْمُتْعَةِ رُخْصَةً: فَكَذَلِكَ الْإِحْرَامُ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ رُخْصَةٌ، ثُمَّ الرُّخَصُ فِي الْعِبَادَاتِ أَفْضَلُ مِنَ الشَّدَائِدِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي الصَّلَاةِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ إِذَا اعْتَمَرَ بَعْدَ الْحَجَّةِ: لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ حَلْقِ رَأْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ نَبَتَ شَعْرُهُ وَالْحَلْقُ أَوِ التَّقْصِيرُ سُنَّةٌ عَظِيمَةٌ: فَعُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ يَأْتِي فِيهَا بِالْحَلْقِ: أَفْضَلُ مِنْ عُمْرَةٍ تَخْلُوَ إِحْدَاهُمَا عَنِ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ، فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ أَعْمَالِ النُّسُكِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْعُمْرَةَ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ لَا تُجْزِئُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَكَذَلِكَ عُمْرَةُ الْقَارِنِ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الِاعْتِيَاضَ عَنْهَا بِالطَّوَافِ أَفْضَلُ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَا أُجْمِعَ عَلَى إِجْزَائِهِ، وَيَتَّسِعُ الْوَقْتُ بَعْدَهُ لِلطَّوَافِ أَفْضَلَ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فِي سَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ كَانَ تَقْدِيمُ الْعُمْرَةِ أَحْوَطَ لَهُ بِخِلَافِ مَا إِذَا أَخَّرَهَا، فَإِنَّهُ تَغْرِيرٌ بِهَا؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْوَاحِدِ وَاحِدٌ لَا يَتَغَيَّرُ بِتَقْدِيمِ الْعُمْرَةِ وَتَأْخِيرِهَا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ أَحْمَدَ: هُوَ آخِرُ فِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَجْمَعُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ جَمِيعًا، وَيَعْمَلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَةٍ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ يَجْمَعُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَيُحِلُّ مِنْهُمَا جَمِيعًا إِذَا قَضَى حَجَّهُ، وَلَهُ فَضِيلَةٌ عَلَى الْقَارِنِ بِأَنَّهُ يَعْمَلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَةٍ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ مُخَالَفَةٌ لِهَدْيِ الْمُشْرِكِينَ وَدَلِّهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ، وَكُلَّمَا كَانَ مِنَ الْمَنَاسِكِ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِهَدْيِ الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ، أَوْ مُسْتَحَبٌّ، مِثْلُ الْخُرُوجِ إِلَى عَرَفَةَ، وَتَرْكِ الْوُقُوفَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِمُزْدَلِفَةَ، وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَالْإِفَاضَةِ مِنْ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَالطَّوَافِ بِالثِّيَابِ، وَدُخُولِ الْبَيْتِ مِنَ الْبَابِ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَالطَّوَافِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
وَأَيْضًا: فَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: إِذَا دَخَلَ بِعُمْرَةٍ فَيَكُونُ قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ عُمْرَةً وَحَجَّةً وَدَمًا؛ وَهَذَا لِأَنَّهُ يَأْتِي بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ عَلَى حِدَةٍ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ يَجْمَعَهَا بِإِحْرَامٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِإِحْلَالَيْنِ، وَإِحْرَامَيْنِ، وَتَلْبِيَتَيْنِ، وَطَوَافَيْنِ، وَسَعْيَيْنِ، فَهُوَ يَتَرَجَّحُ عَلَى الْقَارِنِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَعُمْرَتُهُ تُجْزِئُهُ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ بِالِاتِّفَاقِ بِخِلَافِ عُمْرَةِ الْقَارِنِ فَإِنَّ فِيهَا اخْتِلَافًا، وَلَيْسَ الْقَارِنُ بِأَعْجَلَ مِنَ الْمُتَمَتِّعِ؛ لِأَنَّ كِلَاهُمَا يَفْرُغُ مِنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ جَمِيعًا، وَيَزِيدُ الْمُتَمَتِّعُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يَفْرُغُ مِنَ الْعُمْرَةِ قَبْلَهُ، فَيَكُونُ أَسْبَقَ مِنْهُ إِلَى أَدَاءِ النُّسُكِ.
وَيَتَرَجَّحُ عَلَى الْمُفْرِدِ: بِأَنَّهُ يَأْتِي بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَأْتِي فِيهِ الْمُفْرِدُ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ، وَنُسُكَانِ أَفْضَلُ مِنْ نُسُكٍ، وَأَنَّهُ يَأْتِي مَعَ ذَلِكَ بِدَمِ الْمُتَمَتِّعِ، وَهُوَ دَمُ نُسُكٍ كَمَا تَقَدَّمَ؛ فَيَكُونُ مَا اشْتَمَلَ عَلَى زِيَادَةٍ أَفْضَلَ كَمَا فُضِّلَ الْمُفْرِدُ عَلَى الْقَارِنِ؛ لِأَنَّهُ يَطُوفُ وَيَسْعَى مَرَّتَيْنِ.
وَعُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ وَهَدْيٌ أَفْضَلُ مِنْ حَجَّةٍ لَا عُمْرَةَ فِيهَا وَلَا هَدْيَ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ نَبَّهَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى حَيْثُ قَالَ: " لَأَنْ أَعْتَمِرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَأُهْدِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَمِرَ فِي ذِي الْحِجَّةِ بَعْدَ الْحَجِّ وَلَا أُهْدِيَ ".
وَيَتَّسِعُ الْوَقْتُ لِلْمُتَمَتِّعِ بَعْدَ الصَّدَرِ مِنْ مِنًى إِنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْتِيَ بِعُمْرَةٍ أُخْرَى، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ زِيَادَةً، لَا سِيَّمَا إِنْ خِيفَ أَنْ لَا يَتَمَكَّنَ مِنْ الِاعْتِمَارِ بَعْدَ الْحَجِّ لِخَوْفٍ، أَوْ غَلَاءٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
فَتَحْصِيلُ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجِّ أَوْثَقُ.
وَإِنْ كَانَ الْحَاجُّ امْرَأَةً خِيفَ عَلَيْهَا أَنْ تَحِيضَ بَعْدَ الصَّدَرِ، وَيَسْتَمِرُّ بِهَا الْحَيْضُ حَتَّى لَا تَتَمَكَّنَ مِنْ الِاعْتِمَارِ، فَإِذَا دَخَلَتْ مُتَمَتِّعَةً وَحَاضَتْ صَنَعَتْ كَمَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -.
فَأَمَّا إِنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مِنَ الْإِفْرَادِ بِلَا تَرَدُّدٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا شَكَّ أَنَّهُ سَاقَ الْهَدْيَ، وَكَانَ قَارِنًا، أَوْ مُتَمَتِّعًا.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا، فَكَيْفَ يُفَضَّلُ مَا لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى فِعْلِهِ؟ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ جَمِيعًا كَمَا تَقَدَّمَ.
وَأَمَّا كَوْنُ الْإِفْرَادِ أَفْضَلَ مِنَ الْقِرَانِ، فَهَكَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ وَلَمْ أَجِدْ عَنْ أَحْمَدَ نَصًّا بِذَلِكَ، قَالُوا: لِأَنَّ فِي عَمَلِ الْمُفْرِدِ زِيَارَةً عَلَى الْقَارِنِ، وَهُوَ أَنَّهُ يَأْتِي بِإِحْرَامَيْنِ، وَإِحْلَالَيْنِ، وَتَلْبِيَتَيْنِ، وَطَوَافَيْنِ، وَسَعْيَيْنِ، وَيَتَوَجَّهُ.
. .
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْمُتْعَةَ قَدِ اخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهَا، سَوَاءٌ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ أَوَّلًا، أَوْ بِالْحَجِّ، أَوْ بِهِمَا، فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَرَى وُجُوبَهَا؛ فَعَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ: " أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَأْمُرُ الْقَارِنَ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً إِذَا لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ ".
وَعَنْ أَبِي هِشَامٍ " أَنَّهُ قَدْ قَدِمَ حَاجًّا، فَسَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: اجْعَلْهَا عُمْرَةً، ثُمَّ لَقِيتُ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: اثْبُتْ عَلَى إِحْرَامِكَ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْبَرْتُهُ بِقَوْلِهِ، فَقَالَ: إِنَّ طَوَافَكَ بِالْبَيْتِ يَنْقُضُ حُرْمَكَ، كُلَّمَا طُفْتَ فَجَدِّدْ إِهْلَالًا "، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: " أَهْلَلْتُ بِالْحَجِّ، فَلَقِيتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَنَا أَطُوفُ وَأُلَبِّي، فَقَالَ: أَبِحَجَّةٍ أَوْ بِعُمْرَةٍ؟ قُلْتُ: حَجَّةٍ، قَالَ: اجْعَلْهَا عُمْرَةً، قُلْتُ: كَيْفَ أَجْعَلُهَا عُمْرَةً وَهَذَا أَوَّلُ مَا حَجَجْتُ؟ قَالَ: فَأَكْثِرْ مِنَ التَّلْبِيَةِ فَإِنَّ التَّلْبِيَةَ تَشُدُّ الْإِحْرَامَ، وَإِنَّ الْبَيْتَ يُنْقَضُ، وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةُ تُنْقَضُ ".
وَعَنْ مُسْلِمٍ الْقُرِّيِّ قَالَ: " سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: يَحِلُّ الْحَجُّ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ ".
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ قَالَ: " جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي قَدِمْتُ حَاجًّا وَلَمْ أَذْكُرْ عُمْرَةً، فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: اعْتَمَرْتَ.
فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ: إِنَّكَ لَمْ تَفْهَمْهُ، فَعَادَ فَقَالَ: إِنِّي قَدِمْتُ حَاجًّا، قَالَ: فَصَنَعْتَ مَاذَا؟ قَالَ: طُفْتُ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَقَالَ: اعْتَمَرْتَ.
فَقَالُوا لَهُ: عُدْ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ، فَقَالَ: إِنِّي قَدِمْتُ حَاجًّا وَلَمْ أَذْكُرْ عُمْرَةً، فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَقَالَ: حَدَثَ أَمْرٌ؟ هِيَ ثَلَاثًا فَإِنْ أَنْتَ فَأَرْبَعٌ، وَلَمْ يَقُلْ: هُوَ ذَاكَ.
قَالَ: وَدِدْتُ أَنَّكَ قَصَرْتَ " وَتَقَدَّمَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " وَاللَّهِ مَا تَمَّتْ حَجَّةُ
رَجُلٍ إِلَّا بِمُتْعَةٍ، إِلَّا رَجُلٌ اعْتَمَرَ فِي وَسَطِ السَّنَةِ "، وَقَدْ تَأَوَّلَ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ.
قَالَ أَحْمَدُ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ، حَدَّثَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، قَالَ: " قُلْتُ لَهُ: مِنْ أَيْنَ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَأْخُذُ أَنَّهُ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ فَقَدْ حَلَّ؟ قَالَ: مِنْ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 33]، وَمِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ أَنْ يَحِلُّوا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا يُسْتَحَبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُحْرِمَ بِنِيَّةِ الْفَسْخِ، فَأَمَّا مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ بِنِيَّةِ الْمُضِيِّ فِيهِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَفْسَخَ رَغْبَةً فِي الْجَمْعِ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ - فِي قَلْبِهِ - جَازَ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي كَرَاهَةِ الْمُتْعَةِ كَمَا حَكَيْتُمْ عَنْ رِجَالٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عِيسَى الْخُرَاسَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
الْقَاسِمِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: " أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَرَضِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ: يَنْهَى عَنِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجِّ ".
وَعَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي شَيْخٍ الْهُنَائِيِّ - مِمَّنْ قَرَأَ عَلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ -: " «أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ كَذَا وَكَذَا، وَرُكُوبِ جُلُودِ النُّمُورِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُقْرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَقَالُوا: أَمَّا هَذَا فَلَا، قَالَ: أَمَا إِنَّهَا مَعَهَا وَلَكِنْ نَسِيتُمْ» " رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ.
وَهَذَا النَّهْيُ
إِمَّا أَنْ يُفِيدَ الْكَرَاهَةَ، أَوْ يَكُونَ مَعْنَاهُ النَّهْيَ عَنْ فَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ، وَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.
قُلْنَا: قَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُتْعَةَ لَا تُكْرَهُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَعْنَى مَا نُقِلَ فِي ذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَلَكِنْ كَانَ بَعْضُ أُمَرَاءِ بَنِي مَرْوَانَ يُشَدِّدُ فِي ذَلِكَ، وَيُعَاقِبُ عَلَى الْمُتْعَةِ.
وَهَذَا قَدْ يَكُونُ رَأَى ذَلِكَ لِنَوْعِ مَصْلَحَةٍ، مَعَ أَنَّ هَذَا لَا يُعَدُّ خِلَافًا.
وَقَدْ أَنْكَرَ الصَّحَابَةُ الَّذِينَ عَلِمُوا مَعْنَى كَلَامِ عُمَرَ - مِثْلَ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَغَيْرِهِ - ذَلِكَ.
عَلَى أَنَّهُ لَوْ نَطَقَ أَحَدٌ بِكَرَاهَةِ الْمُتْعَةِ لَكَانَ مَخْصُومًا بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخِلَافِ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِهَا: فَإِنَّهُ أَوْجَهُ حُجَّةً، وَأَحْسَنُ انْتِزَاعًا؛ إِذْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَمَرَ الْمُسْلِمِينَ بِهَا، وَتَغَيَّظَ عَلَى مَنِ امْتَنَعَ مِنْهَا.
وَأَمَّا الْحَدِيثَانِ فَشَاذَّانِ مُنْكَرَانِ، مُخَالِفَانِ لِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ النَّاطِقَةِ بِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَا يُنْسَخُ حَيْثُ قَالَ: " «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ: قَدْ يَكُونُ مِنَ الْحَافِظِ الْوَهْمُ أَحْيَانًا.
وَالْأَحَادِيثُ إِذَا تَظَاهَرَتْ وَكَثُرَتْ كَانَتْ أَثْبَتَ مِنَ الْوَاحِدِ الشَّاذِّ، كَمَا قَالَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: وَإِيَّاكَ وَالشَّاذَّ مِنَ الْعِلْمِ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ آدَمَ: إِنَّكَ إِنْ حَمَلْتَ شَاذًّا مِنَ الْعِلْمِ حَمَلْتَ شَرًّا كَثِيرًا.
قَالَ: وَالشَّاذُّ - عِنْدَنَا - هُوَ الَّذِي يَجِيءُ عَلَى خِلَافِ مَا جَاءَ بِهِ غَيْرُهُ، وَلَيْسَ الشَّاذُّ الَّذِي يَجِيءُ وَحْدَهُ بِشَيْءٍ لَمْ يَجِئْ أَحَدٌ بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يُخَالِفْهُ غَيْرُهُ.
وَلَعَلَّ مَعْنَاهُ: أَنْ يَعْتَمِرَ الرَّجُلُ قَبْلَ الْحَجِّ، ثُمَّ يَرْجِعَ إِلَى مِصْرِهِ، وَيُؤَخِّرَ الْحَجَّ عَنْ ذَلِكَ الْعَامِ، فَيَكُونُ هَذَا مَنْهِيًّا عَنْهُ؛ لِكَوْنِ الْحَجِّ أَوْجَبَ مِنَ الْعُمْرَةِ، وَقَدْ تَكَلَّفَ مَشَقَّةَ السَّفَرِ إِلَى مَكَّةَ، ثُمَّ رَجَعَ بِغَيْرِ حَجٍّ، وَالْحَجُّ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ.
وَأَمَّا الْآخَرُ ..... .
(فَصْلٌ)
وَإِذَا اعْتَمَرَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَأَفْرَدَ الْحَجَّ مِنْ سَنَتِهِ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ التَّمَتُّعِ.
قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَالْأَثْرَمِ -: هِيَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ أَفْضَلُ وَهِيَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَفْضَلُ.
وَقَالَ الْأَثْرَمُ وَسَعْدَانُ بْنُ يَزِيدَ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: تَأْمُرُ بِالْمُتْعَةِ، وَتَقُولُ: الْعُمْرَةُ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا سُئِلْتُ عَنْ أَتَمِّ الْعُمْرَةِ، فَالْمُتْعَةُ تُجْزِؤُهُ مِنْ عُمْرَتِهِ، فَأَمَّا أَتَمُّ الْعُمْرَةِ: فَأَنْ تَكُونَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ.
فَإِذَا اعْتَمَرَ فِي رَمَضَانَ، أَوْ قَبْلَ رَمَضَانَ، وَأَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى يَحُجَّ مِنْ سَنَتِهِ - فَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْمُتْعَةِ ; لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِمْ فِي ذَلِكَ.
وَإِنْ أَقَامَ بَعْدَ الْحَجِّ إِلَى الْمُحَرَّمِ حَتَّى يَعْتَمِرَ فَهَلْ هُوَ أَفْضَلُ مِنَ التَّمَتُّعِ؟
وَإِنْ عَادَ بَعْدَ الْحَجِّ إِلَى مِصْرِهِ ثُمَّ عَادَ لِلْعُمْرَةِ.
وَإِنِ اعْتَمَرَ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ ثُمَّ عَادَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَهَلِ الْأَفْضَلُ أَنْ يَتَمَتَّعَ أَوْ يُفْرِدَ، وَمَنْ حَجَّ وَاعْتَمَرَ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَحُجَّ فَهَلِ الْأَفْضَلُ أَنْ يَعْتَمِرَ وَيَحُجَّ، أَوْ يَحُجَّ فَقَطْ، أَوْ يَحُجَّ ..
وَأَمَّا إِذَا حَجَّ، ثُمَّ اعْتَمَرَ فِي ذِي الْحِجَّةِ: فَالْمُتْعَةُ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَظَاهِرُ رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَسَعْدَانَ بْنِ يَزِيدَ ..
فَإِنْ عَادَ فِي ذِي الْحِجَّةِ أَوِ الْمُحَرَّمِ إِلَى الْمِيقَاتِ فَهَلْ هُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْمُتْعَةِ.
. .
(فَصْلٌ)
وَيَجُوزُ الْإِحْرَامُ بِنُسُكٍ مُعَيَّنٍ مِنْ عُمْرَةٍ، أَوْ حَجَّةٍ، أَوْ عُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ عُمْرَةَ تَمَتُّعٍ، أَوْ عُمْرَةً مُفْرَدَةً، وَيَجُوزُ أَنْ يُحْرِمَ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْوِيَ عُمْرَةً أَوْ حَجَّةً، وَيَجُوزُ أَنْ يُحْرِمَ بِمِثْلِ مَا أَحْرَمَ بِهِ فُلَانٌ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ مَا أَحْرَمَ بِهِ؛ لِمَا رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: " «قَدِمَ عَلِيٌّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْيَمَنِ، فَقَالَ: بِمَ أَهْلَلْتَ؟ قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَوْلَا أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ: " «فَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ - وَمَعَهُ هَدْيٌ - فَقَالَ: أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» " وَفِي لَفْظٍ: «قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: بِمَ أَهْلَلْتَ يَا عَلِيُّ؟ قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: فَاهْدِ وَامْكُثْ حَرَامًا كَمَا أَنْتَ» ". وَفِي لَفْظٍ: قَالَ: «أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِيًّا أَنْ يُقِيمَ عَلَى إِحْرَامِهِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَهَذَا لِلْبُخَارِيِّ، وَلِمُسْلِمٍ: " «مَا قُلْتَ حِينَ
فَرَضْتَ الْحَجَّ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: فَإِنَّ مَعِي الْهَدْيَ فَلَا تُحِلَّ» "، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ.
وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: " «قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُنِيخٌ بِالْبَطْحَاءِ - فَقَالَ: بِمَ أَهْلَلْتَ؟ قَالَ: أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: سُقْتَ مِنْ هَدْيٍ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حِلَّ» "، وَفِي لَفْظٍ: " «فَقَالَ: كَيْفَ قُلْتَ حِينَ أَحْرَمْتَ؟ قَالَ: قُلْتُ لَبَّيْكَ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَذَكَرَهُ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ثُمَّ إِنْ عَلِمَ مَا أَحْرَمَ فُلَانٌ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، وَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ فُلَانٍ.
فَإِنْ عَلِمَ فِي أَثْنَاءِ الْحَجِّ.
. .
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنْ مَاتَ زَيْدٌ أَوْ.
. .، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ كَالْمُطْلَقِ فِي جَوَازِ صَرْفِهِ إِلَى أَحَدِ الْأَنْسَاكِ الثَّلَاثَةِ، وَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ كَالْمُنْشِئِ يَصْرِفُهُ إِلَى مَا شَاءَ.
وَهَذَا أَصَحُّ.
وَإِنْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يُخَيَّرُ فِي صَرْفِهِ إِلَى تَمَتُّعٍ، أَوْ إِفْرَادٍ، أَوْ قِرَانٍ، وَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ صَرْفُهُ إِلَى الْمُتْعَةِ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا فِيمَنْ أَحْرَمَ وَلَمْ يَنْوِ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً حَتَّى مَضَتْ أَيَّامٌ - فَقَالَ: يَقْدَمُ مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ وَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يَحْلِقُ وَيُقَصِّرُ، ثُمَّ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ.
وَحَمَلَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا هَذَا عَلَى الِاخْتِيَارِ وَالِاسْتِحْبَابِ ; لِأَنَّا نَسْتَحِبُّ التَّمَتُّعَ لِمَنْ عَيَّنَ الْحَجَّ وَالْقِرَانَ، فَأَنْ نَسْتَحِبَّهُ لِمَنْ أَبْهَمَ الْإِحْرَامَ أَوْلَى، وَلِأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا قَدْ أَحْرَمَ بَعْضُهُمْ شَبِيهًا بِهَذَا الْإِحْرَامِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَفْعَلَ كَذَلِكَ.
فَإِنْ كَانَ الْإِحْرَامُ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ: انْعَقَدَ إِحْرَامُهُ بِعُمْرَةٍ فِيمَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا ; لِأَنَّ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرٍ مَكْرُوهٌ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَصْرِفَهُ إِلَى عُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ جَازَ أَيْضًا فِيمَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا.
فَإِنْ طَافَ وَسَعَى قَبْلَ أَنْ يَفْرِضَهُ فِي شَيْءٍ فَقَالَ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ " -: وَا.
. . وَغَيْرُهُمَا.
لَا يُعْتَدُّ بِذَلِكَ الطَّوَافِ ; لِأَنَّهُ طَافَ لَا فِي حَجٍّ وَلَا فِي عُمْرَةٍ.
وَقَالَ:.
. .: يَتَعَيَّنُ طَوَافُهُ لِلْعُمْرَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ:
أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ يُدْخِلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ، وَيَصِيرَ قَارِنًا؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمِ " «وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنَّ هَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عَمَلِ الْعُمْرَةِ.
وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى ذَلِكَ مِنْ عُثْمَانَ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا.
وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا» " وَذَكَرَتِ الْحَدِيثَ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: " «أَرَادَ ابْنُ عُمَرَ الْحَجَّ عَامَ حَجَّتِ الْحَرُورِيَّةُ فِي عَهْدِ ابْنِ
الزُّبَيْرِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ كَائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، وَنَخَافُ أَنْ يَصُدُّوكَ، فَقَالَ: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، إِذًا أَصْنَعُ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عُمْرَةً، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِظَاهِرِ الْبَيْدَاءِ قَالَ: مَا شَأْنُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إِلَّا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ جَمَعْتُ حَجَّةً مَعَ عُمْرَتِي، وَأَهْدَى هَدْيًا مُقَلَّدًا اشْتَرَاهُ بِقَدِيدٍ، وَانْطَلَقَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَتَحَلَّلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَوْمِ النَّحْرِ، فَحَلَقَ وَنَحَرَ، وَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: كَذَلِكَ صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: كَذَلِكَ صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ لَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا مَرَّةً قَبْلَ التَّعْرِيفِ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ جَمَعَ الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ، وَلَمْ يَرِدْ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ بَعْدَ النَّحْرِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ طَافَ بَعْدَ
التَّعْرِيفِ، وَقَدْ رَوَى ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ هُوَ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ، وَإِنَّمَا قَصَدَ نَافِعٌ أَنَّهُ اكْتَفَى لِلْقِرَانِ بِطَوَافٍ وَاحِدٍ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، لَمْ يَطُفْ طَوَافَيْنِ وَيَسْعَ سَعْيَيْنَ.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: " خَرَجْتُ وَأَنَا أُرِيدُ الْحَجَّ، فَقُلْتُ: أَمُرُّ بِالْمَدِينَةِ فَأَلْقَى عَلِيًّا، فَأَقْتَدِي بِهِ، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَإِذَا عَلِيٌّ قَدْ خَرَجَ حَاجًّا، فَأَهْلَلْتُ بِالْحَجِّ، ثُمَّ خَرَجْتُ، فَأَدْرَكْتُ عَلِيًّا فِي الطَّرِيقِ وَهُوَ يُهِلُّ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، إِنَّمَا خَرَجْتُ مِنَ الْكُوفَةِ لِأَقْتَدِيَ بِكَ، وَقَدْ سَبَقْتَنِي فَأَهْلَلْتَ بِالْحَجِّ، أَفَأَسْتَطِيعُ أَنْ أَدْخُلَ مَعَكَ فِيمَا أَنْتَ فِيهِ؟
فَقَالَ: لَا؛ إِنَّمَا ذَاكَ لَوْ كُنْتَ أَهْلَلْتَ بِعُمْرَةٍ.
فَخَرَجْتُ مَعَهُ حَتَّى قَدِمَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ [لِعُمْرَتِهِ، ثُمَّ عَادَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ] لِحَجَّتِهِ، ثُمَّ أَقَامَ حَرَامًا إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ " رَوَاهُ سَعِيدٌ وَالْأَثْرَمُ.
وَيَجُوزُ إِضَافَةُ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ لِكُلِّ مُحْرِمٍ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ إِنْ أَضَافَهُ إِلَيْهَا قَبْلَ الطَّوَافِ وَقَعَ الطَّوَافُ عَنِ الْقِرَانِ، وَكَانَ قَارِنًا، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الطَّوَافِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ.
وَهَذِهِ الْإِفَاضَةُ تَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ أَنْ يَعْتَمِرَ قَبْلَ الْحَجِّ فَخَشِيَ فَوْتَهُ، إِمَّا بِأَنْ تَكُونَ امْرَأَةً وَقَدْ حَاضَتْ فَلَمْ يُمْكِنْهَا أَنْ تَطُوفَ بِالْبَيْتِ، فَتُحْرِمُ بِالْحَجِّ وَتَصِيرُ قَارِنَةً، وَتَتْرُكُ طَوَافَ الْقُدُومِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ مُفْرِدَةً، أَوْ بِأَنْ يُوَافِيَ مَكَّةَ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَيَضِيقَ الْوَقْتُ عَنْ إِتْمَامِ الْعُمْرَةِ وَالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَبْقَى عَلَى الْعُمْرَةِ وَيُفَوِّتَ الْحَجَّ.
. .، وَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يَخْشَ فَوَاتَ الْحَجِّ وَهُوَ قَارِنٌ إِذَا وَقَفَ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ - فَهُوَ بَاقٍ عَلَى قِرَانِهِ، وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ لَا يَنْقُضُ الْعُمْرَةَ.
هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ فِيمَنْ قَدِمَ بِعُمْرَةٍ، فَخَشِيَ الْفَوْتَ - لَمْ
يَطُفْ، وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ وَأَمْسَكَ عَنِ الْعُمْرَةِ كَمَا فَعَلَتْ عَائِشَةُ.
قِيلَ لَهُ: إِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ: قَدْ رَفَضَ الْعُمْرَةَ وَصَارَ حَجًّا فَقَالَ: مَا قَالَ هَذَا أَحَدٌ غَيْرُ أَبِي حَنِيفَةَ، إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أَمْسِكِي عَنْ عُمْرَتِكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ، وَمَا رَفَضَتِ الْعُمْرَةَ، فَلَمَّا قَالَتْ: أَيَرْجِعُ أَزْوَاجُكِ بِعُمْرَةٍ وَحَجٍّ؟ قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ، أَرَادَ أَنْ يُطَيِّبَ نَفْسَهَا، وَلَمْ يَأْمُرْهَا بِالْقَضَاءِ.
وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: سَأَلْتُهُ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ لَمَّا حَاضَتْ كَيْفَ يَصْنَعُ مِثْلُهَا؟ قَالَ: لَمَّا دَخَلَتْ بِعُمْرَةٍ حَاضَتْ بَعْدَمَا أَهَلَّتْ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَمْسِكِي عَنِ الْعُمْرَةِ، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ، فَهَذِهِ شُبِّهَتْ بِالْقَارِنِ، فَتَذْهَبُ فَتَقْضِي الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ جَاءَتْ مَكَّةَ، فَطَافَتْ بِالْبَيْتِ، وَسَعَتْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، قِيلَ لَهُ: طَوَافٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، طَوَافٌ وَاحِدٌ يُجْزِئِ الْقَارِنَ، وَهَذِهِ يُجْزِؤُهَا طَوَافٌ وَاحِدٌ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ - وَقَدْ ذُكِرَ لَهُ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ يَرْوِيهِ: " «انْقُضِي عُمْرَتَكِ» " فَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ يَرْوِيهِ: " «أَمْسِكِي عَنْ عُمْرَتِكِ» " أَيْشِ مَعْنَى انْقُضِي؟ هُوَ شَيْءٌ يَنْقُضُهُ، هُوَ ثَوْبٌ تُلْقِيهِ، وَعَجِبَ مِنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَهَذَا يَسْتَقِيمُ