شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الحجصفحات 586-625

باب الْإِحْرَامِ

صفحات 586-625

وَأَمَّا الْجُنُبُ: فَيُمْنَعُ مِنْهُ لِذَلِكَ، وَلِأَنَّ الطَّوَافَ لَا يَصِحُّ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ، وَالْجُنُبُ مَمْنُوعٌ مِنَ اللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ، إِلَّا أَنَّ هَذَا الْمَانِعَ يَزُولُ عَنْهُ إِذَا تَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ.
وَالْحَائِضُ تُمْنَعُ مِنْهُ لِهَذَيْنِ السَّبَبَيْنِ إِلَّا إِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا، وَتَوَضَّأَتْ، فَإِنَّمَا تُمْنَعُ لِسَبَبٍ وَاحِدٍ عَلَى.
. .، وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَغْتَسِلِي» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْهُ قَبْلَ الِاغْتِسَالِ، تَوَضَّأَتْ أَوْ لَمْ تَتَوَضَّأْ، وَالْجُنُبُ مِثْلُهَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ الْجُنُبَ وَالْحَائِضَ يُبَاحُ لَهُمَا الْمَسْجِدُ، لَكِنَّ الْحَائِضَ وَالْجُنُبَ دُخُو .... يُمْنَعَانِ مِنْهَا كَمَا يُمْنَعَانِ مِنَ الِاعْتِكَافِ.
قَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ -: «لَا يَطُوفُ أَحَدٌ بِالْبَيْتِ إِلَّا طَاهِرًا، وَالتَّطَوُّعُ أَيْسَرُ، وَلَا يَقِفُ مَشَاهِدَ الْحَجِّ إِلَّا طَاهِرًا».

(فَصْلٌ) فَإِنْ طَافَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: لَا يُجْزِئُهُ بِحَالٍ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ -: إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ طَوَافَ الْوَاجِبِ غَيْرَ طَاهِرٍ: لَمْ يُجْزِهِ، وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ -: إِذَا طَافَ مُحْدِثًا أَوْ جُنُبًا أَعَادَ طَوَافَهُ،

وَكَذَلِكَ نَقَلَ الْأَثْرَمُ، وَابْنُ مَنْصُورٍ.
وَالثَّانِيَةُ: يُجْزِئُهُ فِي الْجُمْلَةِ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْحَكَمِ وَقَدْ سَأَلَهُ عَنِ الرَّجُلِ يَطُوفُ لِلزِّيَارَةِ، أَوِ الصَّدَرِ، وَهُوَ جُنُبٌ أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ قُلْتُ: إِنَّ مَالِكًا يَقُولُ: يَعُودُ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَعَلَيْهِ هَدْيٌ، قَالَ: هَذَا شَدِيدٌ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ أَنْ يُهْرِيقَ دَمًا إِنْ كَانَ جُنُبًا، أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ نَاسِيًا، وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ أَهْوَ مِنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ، وَإِنْ ذَكَرَ وَهُوَ بِمَكَّةَ أَعَادَ الطَّوَافَ.
وَفِي لَفْظٍ: إِذَا طَافَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ وَهُوَ نَاسٍ لِطَهَارَتِهِ حَتَّى يَرْجِعَ، فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَاخْتَارَ لَهُ أَنْ يَطُوفَ وَهُوَ طَاهِرٌ.
وَإِنْ وَطِئَ فَحَجُّهُ مَاضٍ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
فَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ يُجْزِئُهُ إِنْ كَانَ نَاسِيًا، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ إِذَا ذَكَرَ وَهُوَ بِمَكَّةَ، فَإِنِ اسْتَمَرَّ بِهِ النِّسْيَانُ أَهْرَقَ دَمًا وَأَجْزَأَهُ.
قَالَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ: لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ إِذَا تَعَمَّدَ فَطَافَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ لَا يُجْزِئُهُ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي النِّسْيَانِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَعْذُورٌ بِالنِّسْيَانِ.
وَالْآخَرُ: لَا يُجْزِئُهُ مِثْلُ الصَّلَاةِ.
وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي الطَّوَافِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إِذَا طَافَ وَهُوَ غَيْرُ طَاهِرٍ أَنَّ الطَّوَافَ يُجْزِئُ عَنْهُ إِذَا كَانَ نَاسِيًا، فَإِذَا وَطِئَ بَعْدَ الطَّوَافِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ.
وَالْآخَرُ: لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَكُونَ طَاهِرًا، فَعَلَى هَذَا يَرْجِعُ مِنْ أَيِّ

مَوْضِعٍ ذَكَرَ حَتَّى يَطُوفَ، وَبِهِ أَقُولُ.
وَعَلَى هَذَا إِذَا ذَكَرَ وَهُوَ بِمَكَّةَ بَعْدَ أَنْ وَطِئَ.
. . وَذَكَرَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَالْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمَسْأَلَةَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، فِي طَوَافِ الْمُحْدِثِ مُطْلَقًا.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ - وَقَدْ قَالَ لَهُ: مَنْ سَعَى أَوْ طَافَ الطَّوَافَ الْوَاجِبَ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، ثُمَّ وَاقَعَ أَهْلَهُ، فَقَالَ: لِي مَسْأَلَةٌ النَّاسُ فِيهَا مُخْتَلِفُونَ، وَذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ، وَمَا يَقُولُ عَطَاءٌ، وَمَا يَسْهُلُ فِيهِ، وَمَا يَقُولُ الْحَسَنُ، «وَأَمْرَ عَائِشَةَ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ حَاضَتْ: "افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» إِلَّا أَنَّ هَذَا أَمْرٌ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ، وَقَدْ بُلِيَتْ بِهِ نَزَلَ عَلَيْهَا لَيْسَ مِنْ قِبَلِهَا، قُلْتُ: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: عَلَيْهِ الْحَجُّ، فَقَالَ: نَعَمْ كَذَلِكَ أَكْبَرُ عِلْمِي، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: أَوَّلًا وَآخِرًا هِيَ مَسْأَلَةٌ فِيهَا شُبَهٌ فِيهَا نَظَرٌ، دَعْنِي حَتَّى أَنْظُرَ فِيهَا، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: وَإِنْ أَتَى بَلَدَهُ يَرْجِعُ حَتَّى يَطُوفَ، قُلْتُ: وَالنِّسْيَانُ؟ قَالَ: النِّسْيَانُ أَهْوَنُ حُكْمًا بِكَثِيرٍ.
يُرِيدُ: أَهْوَنُ مِمَّنْ يَطُوفُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ مُتَعَمِّدًا.

وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى: اخْتِيَارُ أَصْحَابِنَا أَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي، وَأَصْحَابِهِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إِنْ حَاضَتْ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ لَزِمَ انْتِظَارُهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَطُوفُ، وَإِنْ حَاضَتْ بَعْدَمَا أَفَاضَتْ: لَمْ يَجِبِ انْتِظَارُهَا وَجَازَ لَهَا أَنْ تَنْفِرَ، وَلَمْ تُوَدِّعْ لِحَدِيثِ صَفِيَّةَ الْمُتَقَدِّمِ.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا مِنَ الْخَبَثِ، فَإِنْ كَانَ حَامِلًا لِلنَّجَاسَةِ، أَوْ مُلَاقِيَهَا فِي بَدَنِهِ، أَوْ ثِيَابِهِ، أَوْ مَطَافِهِ، فَقَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ -: إِذَا طَافَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ غَيْرِ طَاهِرٍ، فَإِنَّ الْحَسَنَ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَطُوفَ إِلَّا فِي ثَوْبٍ طَاهِرٍ.
فَإِنْ فَعَلَ: ذَلِكَ فَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا فِيهِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمُحْدِثِ.
وَهَذَا إِذَا كَانَ مُتَعَمِّدًا، فَأَمَّا إِنْ كَانَ نَاسِيًا، وَقُلْنَا: تَصِحُّ صَلَاتُهُ، فَالطَّوَافُ أَوْلَى، وَإِنْ قُلْنَا: لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ، فَفِي طَوَافِهِ رِوَايَتَانِ، وَيُشْتَرَطُ هَاهُنَا مَا يُشْتَرَطُ فِي الصَّلَاةِ.
. . الشَّرْطُ الرَّابِعُ: السُّتْرَةُ، وَالْأَصْلُ فِيهَا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا﴾ [الأعراف: 26]

﴿عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ [الأعراف: 26] الْآيَاتِ كُلَّهَا إِلَى قَوْلِهِ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَهِيَ عُرْيَانَةٌ، فَتَقُولُ: مَنْ يُعِيرُنِي تَطْوَافًا تَجْعَلُهُ عَلَى فَرْجِهَا، وَتَقُولُ: الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ ، فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أَحِلُّهُ.
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31] رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَرَوَى أَيْضًا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: " كَانَتِ الْعَرَبُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرَاةً إِلَّا الْحُمْسَ.
وَالْحُمْسُ قُرَيْشٌ، وَمَا وَلَدَتْ كَانُوا يَطُوفُونَ عُرَاةً، إِلَّا أَنْ يُعْطِيَهُمُ الْحُمْسُ ثِيَابًا، فَيُعْطِي الرِّجَالُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءُ النِّسَاءَ".
فَقَدْ سَمَّى اللَّهُ سُبْحَانَهُ نَزْعَ الثِّيَابِ فِتْنَةً وَفَاحِشَةً، وَأَمَرَ بِأَخْذِ اللِّبَاسِ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَعَثَهُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَوْمَ النَّحْرِ فِي

رَهْطٍ يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ: أَلَا لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَتُشْتَرَطُ السُّتْرَةُ الْوَاجِبَةُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى سَتْرُ الْمَنْكِبِ.
. .، فَإِنْ طَافَ عُرْيَانٌ فَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا فِيهِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمُحْدِثِ، أَشْهَرُهُمَا: أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ، وَالْأُخْرَى عَلَيْهِ دَمٌ.
الشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَنْ يَطُوفَ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ، فَلَوْ نَقَصَ طَوَافًا أَوْ خَطْوَةً مِنْ طَوَافٍ لَمْ يُجْزِهِ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ فِيمَنْ تَرَكَ طَوْفَةً مِنَ الطَّوَافِ الْوَاجِبِ -: لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَأْتِيَ بِسَبْعٍ تَامٍّ لَا بُدَّ مِنْهُ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ - وَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ سُفْيَانَ: إِذَا لَمْ يُكْمِلْ سَبْعَةً فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَطُفْ يَكُونُ حَرَامًا حَتَّى يَرْجِعَ فَيَقْضِيَ، حَجَّةً كَانَتْ أَوْ عُمْرَةً، فَقَالَ أَحْمَدُ: مَا أَحْسَنَ مَا قَالَ.
وَنَقَلَ عَنْهُ أَبُو طَالِبٍ وَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ عَطَاءٍ: إِذَا طَافَ أَكْثَرَ الطَّوَافِ خَمْسًا أَوْ سِتًّا، فَقَالَ: أَنَا أَقُولُ: يُعِيدُ الطَّوَافَ، قِيلَ لَهُ: فَإِنْ كَانَ بِخُرَاسَانَ؟

قَالَ: يَرْجِعُ، فَإِذَا بَلَغَ التَّنْعِيمَ، أَهَلَّ، ثُمَّ طَافَ، وَيُهْدِي، مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَدْ نَقَلَ عَنْهُ الْمَيْمُونِيُّ - فِيمَنْ وَطِئَ وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ شَوْطٌ -: فَالدَّمُ قَلِيلٌ، وَلَكِنْ يَأْتِي بِبَدَنَةٍ، وَأَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ إِعَادَةَ الطَّوَافِ.
الشَّرْطُ السَّادِسُ: التَّرْتِيبُ، هُوَ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَبْتَدِئَ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، فَإِنِ ابْتَدَأَ بِمَا قِبَلَهُ مِنْ نَاحِيَةِ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ: لَمْ يَضُرَّهُ الزِّيَادَةُ، وَإِنِ ابْتَدَأَ بِمَا بَعْدَهُ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَابِ: لَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ بِذَلِكَ الشَّوْطِ.
الثَّانِي: وَهُوَ الشَّرْطُ السَّابِعُ: أَنْ يَبْتَدِئَ بَعْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ بِنَاحِيَةِ الْبَابِ، ثُمَّ نَاحِيَةِ الْحِجْرِ، ثُمَّ نَاحِيَةِ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ، فَيَجْعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، فَلَوْ نَكَسَ الطَّوَافَ، فَابْتَدَأَ بِنَاحِيَةِ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ، وَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَمِينِهِ - لَمْ يُجْزِهِ.
وَإِنْ مَرَّ عَلَى الْبَابِ لَكِنِ اسْتَقْبَلَ الْبَيْتَ فِي طَوَافِهِ، وَمَشَى عَلَى جَنْبٍ.
. .، قَالَ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ -: مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ طَوَافَ الْوَاجِبِ مَنْكُوسًا لَمْ يُجْزِهِ، حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ، وَسُنَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَإِنْ طَافَ كَذَلِكَ وَانْصَرَفَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ، لَا يُجْزِئُهُ.
. . وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِالطَّوَافِ، وَقَدْ فَسَّرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِفِعْلِهِ، وَتَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ عَنْهُ بِالْعَمَلِ الْمُتَوَاتِرِ، وَفِعْلُهُ إِذَا خَرَجَ امْتِثَالًا لِأَمْرٍ، وَتَفْسِيرًا لِمُجْمَلٍ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ ذَلِكَ الْأَمْرِ.
وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ».
الشَّرْطُ الثَّامِنُ: الْمُوَالَاةُ، وَهُوَ أَنْ لَا يُطِيلَ قَطْعَهُ، فَإِنْ أَطَالَ قَطْعَهُ لِمَكْتُوبَةٍ

أُقِيمَتْ، أَوْ جِنَازَةٍ حَضَرَتْ، لَمْ يَقْطَعْ مُوَالَاتَهُ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ يُخَافُ فَوْتُهُ، فَأَشْبَهَ خُرُوجَ الْمُعْتَكِفِ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ.
قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ فِي الرَّجُلِ يَطُوفُ وَيَرَى جِنَازَةً -: يَقْطَعُ وَيُصَلِّي عَلَيْهَا، وَيَبْنِي، وَسُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَيَعْيَا هَلْ يَسْتَرِيحُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَدْ فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ، طَافَا وَاسْتَرَاحَا.
فَإِنْ أَطَالَ: فَذَكَرَ فِيهَا رِوَايَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: يَبْنِي، قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ - وَقَدْ سُئِلَ إِذَا قَطَعَ الطَّوَافَ يَبْنِي، أَوْ يَسْتَأْنِفُ، قَالَ: يَبْنِي، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ فِي رَجُلٍ طَافَ سِتَّةَ أَشْوَاطٍ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدُ: يَطُوفُ شَوْطًا وَلَا يُعِيدُ، وَإِنْ طَافَ ابْتِدَاءً فَهُوَ أَحْوَطُ.
وَالثَّانِيَةُ: يَسْتَأْنِفُ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ - فِي امْرَأَةٍ طَافَتْ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ ثُمَّ حَاضَتْ، تُقِيمُ حَتَّى تَطُوفَ؟ قِيلَ لَهُ: تَبْنِي عَلَى طَوَافِهَا؟ قَالَ: لَا تَبْتَدِئُ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ -: إِذَا طَافَ خَمْسًا أَوْ سِتًّا، وَرَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ: يُعِيدُ الطَّوَافَ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ: لَوْ طَافَتْ خَمْسًا ثُمَّ حَاضَتْ بَنَتْ، وَقِيلَ:

تَبْتَدِئُ، وَهُوَ اخْتِيَارِي، وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ.
. . وَقَالَ الْقَاضِي - فِي الْمُجَرَّدِ - وَابْنُ عَقِيلٍ: إِنَّهُ إِنْ قَطَعَهُ لِعُذْرٍ مِثْلِ سَبْقِ الْحَدَثِ، فَعَلَى الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثِ، وَكَذَلِكَ النِّسْيَانُ، وَإِنْ قَطَعَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَأَطَالَ ابْتَدَأَ، وَإِنْ لَمْ يُطِلْ بَنَى.
الشَّرْطُ التَّاسِعُ: أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ جَمِيعِهِ، فَلَا يَطُوفُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: " ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29] فَإِنِ اخْتَرَقَ الْحِجْرَ فِي طَوَافِهِ أَوِ الشَّاذَرْوَانَ - لَمْ يَصِحَّ.
قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ - فِيمَنْ طَافَ فِي الْحِجْرِ فَاخْتَرَقَهُ - لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ الْحِجْرَ مِنَ الْبَيْتِ، فَإِنْ كَانَ شَوْطًا وَاحِدًا أَعَادَ ذَلِكَ الشَّوْطَ، وَإِنْ كَانَ كُلَّ الطَّوَافِ أَعَادَهُ.
وَكَذَلِكَ نَقَلَ حَنْبَلٌ فِيمَنْ طَافَ وَاخْتَرَقَ الْحِجْرَ: لَا يُجْزِئُهُ وَيُعِيدُ، وَنَقَلَ حَرْبٌ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَمَنْ سَلَكَ شَيْئًا مِنَ الْبَيْتِ فِي طَوَافِهِ لَمْ يَطُفْ بِهِ كُلِّهِ، وَإِنَّمَا طَافَ فِيهِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ فَلْيَطُفْ مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ:

﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29] وَقَدْ طَافَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ" رَوَاهُ.
. . الْأَثْرَمُ.
وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: " لَوْ أَنَّ الْحِجْرَ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْبَيْتِ لَمَا طِيفَ بِهِ".
وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ: " الْحِجْرُ مِنَ الْبَيْتِ".
وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ بَعْضَ عُلَمَائِنَا يَقُولُ: " إِنَّمَا حُجِّرَ الْحِجْرُ فَطَافَ النَّاسُ مِنْ وَرَائِهِ إِرَادَةَ أَنْ يَسْتَوْعِبَ النَّاسَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ" رَوَاهُنَّ أَحْمَدُ.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ: مَا رَوَى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، «عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا: " أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ حِينَ بَنَوُا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَإِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا أَرَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ إِلَّا أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ» ". وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ - أَوْ قَالَ: بِكُفْرٍ - لَأَنْفَقْتُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَجَعَلْتُ بَابَهَا بِالْأَرْضِ، وَلَأَدْخَلْتُ فِيهَا مِنَ الْحِجْرِ»

وَعَنْ عُرْوَةَ «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَوْلَا حَدَاثَةُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ، وَلَجَعَلْتُهَا عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ، فَإِنَّ قُرَيْشًا حِينَ بَنَتِ اسْتَقْصَرَتْ، وَلَجَعَلْتُ لَهَا خَلْفًا» وَفِي رِوَايَةٍ "يَعْنِي بَابًا".
وَعَنِ الْأَسْوَدِ «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْجَدْرِ أَمِنَ الْبَيْتِ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَلْتُ: فَمَا لَهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَ: إِنَّ قَوْمَكِ قَصُرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ، قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهَا مُرْتَفِعًا؟ قَالَ: فَعَلَ ذَلِكَ قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ، لَنَظَرْتُ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ فِي الْبَيْتِ، وَأُلْصِقَ بَابَهُ بِالْأَرْضِ» وَفِي رِوَايَةٍ «: " الْحِجْرَ" مَكَانَ الْجَدْرِ».
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ.
وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، «عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا: " يَا عَائِشَةُ، لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لَأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ

مَا أُخْرِجَ مِنْهُ، وَأَلْزَقْتُهُ بِالْأَرْضِ، وَلَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ، بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ»، فَذَلِكَ الَّذِي حَمَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى هَدْمِهِ، قَالَ يَزِيدُ: وَشَهِدْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ حِينَ هَدَمَهُ وَبَنَاهُ وَأَدْخَلَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ حِجَارَةً كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ.
قَالَ جَرِيرُ ابْنُ حَازِمٍ: فَقُلْتُ لَهُ - يَعْنِي يَزِيدَ -: أَيْنَ مَوْضِعُهُ؟ فَقَالَ: أُرِيكَهُ الْآنَ، فَدَخَلْتُ مَعَهُ الْحِجْرَ، فَأَشَارَ إِلَى مَكَانٍ فَقَالَ: هَاهُنَا.
قَالَ جَرِيرٌ: فَحَزَرْتُ مِنَ الْحِجْرِ سِتَّ أَذْرُعٍ، أَوْ نَحْوَهَا" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: حَدَّثَتْنِي خَالَتِي - يَعْنِي عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَا عَائِشَةُ، لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِشِرْكٍ، لَهَدَمْتُ الْكَعْبَةَ، فَأَلْزَقْتُهَا بِالْأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ، بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا، وَزِدْتُ فِيهَا سِتَّةَ أَذْرُعٍ مِنَ الْحِجْرِ، فَإِنَّ قُرَيْشًا اقْتَصَرَتْهَا حِينَ بَنَتِ الْكَعْبَةَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَعَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَوْلَا أَنَّ النَّاسَ حَدِيثُ عَهْدِهِمْ بِكُفْرٍ، وَلَيْسَ عِنْدِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَقْوَى عَلَى بِنَائِهِ، لَكُنْتُ أَدْخَلْتُ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ خَمْسَ أَذْرُعٍ، وَلَجَعَلْتُ لَهُ بَابًا يَدْخُلُ النَّاسُ مِنْهُ، وَبَابًا يَخْرُجُ النَّاسُ مِنْهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّ قَوْمَكِ اسْتَقْصَرُوا مِنْ بُنْيَانِ الْبَيْتِ، وَلَوْلَا حِدْثَانُ عَهْدِهِمْ بِالشِّرْكِ: أَعَدْتُ مَا تَرَكُوا مِنْهُ، فَإِنْ بَدَا لِقَوْمِكِ مِنْ بَعْدِي أَنْ يَبْنُوهُ فَهَلُمِّنِي لِأُرِيَكِ مَا تَرَكُوا مِنْهُ، فَأَرَاهَا قَرِيبًا مِنْ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
الشَّرْطُ الْعَاشِرُ: أَنْ يَطُوفَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَإِنْ طَافَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ طَافَ فِيهِ جَازَ، سَوَاءٌ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ حَائِلٌ مِثْلُ زَمْزَمَ وَقُبَّةِ السِّقَايَةِ، أَوْ طَافَ فِي الْأَرْوِقَةِ الَّتِي فِي جَوَانِبِ الْمَسْجِدِ، أَوْ طَافَ قَرِيبًا مِنْهُ، هَذَا قَوْلُ.
. .، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَالْمُصَحِّحُ لِلطَّوَافِ: الْكَوْنُ فِي الْمَسْجِدِ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا كَانَ مَسْجِدًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَبَيْنَ مَا زِيدَ فِيهِ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ، وَبَنِي أُمَيَّةَ، وَبَنِي الْعَبَّاسِ.

وَقَالَ الْقَاضِي - فِي الْمُجَرَّدِ -: يَجُوزُ الطَّوَافُ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ قُبَّةُ زَمْزَمَ وَسِقَايَتُهُ؛ لِأَنَّ الْحَائِلَ فِي الْمَسْجِدِ كَلَا حَائِلَ، وَإِنْ طَافَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ لَمْ يُجْزِهِ؛ لِأَنَّ الْحَائِلَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ يَقْطَعُ حُكْمَ الْمَسْجِدِ، كَمَا لَوِ ائْتَمَّ بِالْإِمَامِ فِي الْمَسْجِدِ وَبَيْنَهُمَا سُورُهُ، وَعَلَى هَذَا فَالْمَانِعُ وُجُودُ الْحَائِلِ، فَلَوْ فُرِضَ زَوَالُ جِدَارِ الْمَسْجِدِ صَحَّتِ الصَّلَاةُ خَارِجَهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إِنْ تَبَاعَدَ عَنِ الْبَيْتِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يَمْنَعِ الْإِجْزَاءَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِي إِبْطَالِهَا الْبُعْدُ مَعَ مُسَامَتَتِهِ، وَمُحَاذَاتِهِ كَالصَّلَاةِ.
وَإِنْ طَافَ حَوْلَ الْمَسْجِدِ، أَوْ حَوْلَ الْبَيْتِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ جِدَارٌ آخَرُ: احْتَمَلَ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى طَائِفًا بِالْبَيْتِ، بَلْ بِالْمَسْجِدِ، أَوِ الْجِدَارِ الَّذِي هُوَ حَائِلٌ؛ وَلِأَنَّ الْبُقْعَةَ الَّتِي هِيَ مَحَالُّ الطَّوَافِ مُعْتَبَرَةٌ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ غَيْرَ الْمَطَافِ مَطَافًا؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ سَعَى فِي مُسَامَتَةِ الْمَسْعَى، وَتَرَكَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لَمْ يُجْزِهِ، كَذَلِكَ هَاهُنَا.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: 125] فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ بَيْتَهُ مُعَدٌّ لِلطَّائِفِينَ، وَالْعَاكِفِينَ وَالْمُصَلِّينَ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ لَهُ أَثَرًا فِي اخْتِصَا.
. .

الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا رُكْنَ إِلَّا الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، وَالطَّوَافُ طَوَافُ الزِّيَارَةِ، وَقَدِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَةُ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ.
وَأَصْلُ ذَلِكَ: أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ هَلْ هُوَ رُكْنٌ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ بِرُكْنٍ فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ: هُمَا رُكْنَانِ، كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّيْمِيُّ: فَرْضُ الْحَجِّ فَرْضَانِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا، رَوَى ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ وَالْمَرُّوذِيِّ، وَإِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَغَيْرِهِمْ، وَنَقَلَ عَنْهُ ابْنَاهُ، وَأَبُو الْحَارِثِ، وَالْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ، أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ وَزَارَ الْبَيْتَ يَوْمَ النَّحْرِ، وَانْصَرَفَ وَلَمْ يَعْمَلْ غَيْرَ ذَلِكَ: فَحَجَّتُهُ صَحِيحَةٌ وَعَلَيْهِ دَمٌ.
قَالَ: وَبِهَذَا أَقُولُ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
قَالَ حَرْبٌ: قِيلَ لِأَحْمَدَ: رَجُلٌ حَجَّ فَوَقَفَ بِعَرَفَةَ، ثُمَّ زَارَ الْبَيْتَ يَوْمَ النَّحْرِ،

فَمَضَى عَلَى وَجْهِهِ، وَلَمْ يَنْصَرِفْ إِلَى مِنًى، وَلَمْ يَرْمِ الْجِمَارَ؟ قَالَ: عَلَيْهِ دَمٌ، وَقَالَ.
. . الْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ، وَعَامَّةُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا: أَرْكَانُهُ ثَلَاثَةٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ الْإِحْرَامُ، وَالْوُقُوفُ، وَالطَّوَافُ.
وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَحْكِي ذَلِكَ خِلَافًا، فَيَقُولُ: الْأَرْكَانُ رُكْنَانِ فِي قَوْلٍ، وَثَلَاثَةٌ فِي قَوْلٍ، وَأَرْبَعَةٌ فِي قَوْلٍ، وَيُعْتَقَدُ أَنَّ الْمَذْهَبَ مُخْتَلِفٌ فِي الْإِحْرَامِ كَاخْتِلَافِهِ فِي السَّعْيِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: وَفُرُوضُ الْحَجِّ أَرْبَعَةُ فُرُوضٍ، وَهِيَ الْإِهْلَالُ بِالْحَجِّ، وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ، وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَرُوِيَ عَنْهُ: أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَرُوِيُ عَنْهُ: أَنَّ فَرْضَ الْحَجِّ فَرْضَانِ؛ هُمَا الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ، وَمَا عَدَاهُمَا مَسْنُونٌ، حَتَّى أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ حَجَّ فَوَقَفَ بِعَرَفَةَ، وَطَافَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ، وَانْصَرَفَ وَلَمْ يَأْتِ بِغَيْرِ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: عَلَيْهِ دَمُ شَاةٍ، وَحَجُّهُ صَحِيحٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْإِحْرَامِ اخْتِلَافٌ فِي عِبَارَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِحْرَامَ يُعْنَى بِهِ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: قَصْدُ الْحَجِّ وَنِيَّتُهُ، وَهَذَا مَشْرُوطٌ فِي الْحَجِّ بِغَيْرِ خِلَافٍ، فَإِنَّ الْحَجَّ لَا يَصِحُّ بِغَيْرِ نِيَّةٍ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْغَالِبُ عَلَى أُصُولِ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ يَنْعَقِدُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ.
فَعَلَى هَذَا: مِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ هَذَا الْقَصْدَ، وَالنِّيَّةَ رُكْنًا، وَهُوَ الْغَالِبُ عَلَى قَوْلِ الْفُقَهَاءِ الْمُصَنِّفِينَ فِي الْمَذْهَبِ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ الْجَارِي عَلَى أُصُولِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ عِنْدَهُ لِلشَّهْرِ الَّذِي أَحْرَمَ فِيهِ.

وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ شَرْطًا لِلْحَجِّ بِمَنْزِلَةِ الطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ، وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ مُصَنِّفِي الْخِلَافِ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَيَشْهَدُ لَهُ مِنْ أُصُولِنَا: انْعِقَادُهُ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَسُقُوطُ الْفَرْضِ عَنِ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ إِذَا عَتَقَ وَبَلَغَ قَبْلَ الْإِفَاضَةِ مِنْ عَرَفَاتٍ، وَإِنْ كَانَ الْإِحْرَامُ قَدِ انْعَقَدَ قَبْلَ وُجُوبِ الْحَجِّ، فَإِنَّ أَرْكَانَ الْعِبَادَةِ لَا تُفْعَلُ قَبْلَ وُجُوبِهَا، وَلَا قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا.
وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّهُ أَصْلٌ مُنْفَرِدٌ بِنَفْسِهِ كَمَا أَنَّ الْحَجَّ عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا، وَهُوَ يُشْبِهُ أَرْكَانَ الْعِبَادَةِ مِنْ وَجْهٍ، وَشُرُوطَهَا مِنْ وَجْهٍ، فَإِنَّهُ رُكْنٌ مُسْتَدَامٌ إِلَى آخِرِ الْعِبَادَةِ.
الْمَعْنَى الثَّانِي لِلْإِحْرَامِ: هُوَ التَّجَرُّدُ عَنِ الْمَخِيطِ وَكَشْفُ الرَّأْسِ، وَاجْتِنَابُ الْمَحْظُورَاتِ.
وَهَذَا هُوَ وَاجِبٌ لَيْسَ بِرُكْنٍ وَلَا شَرْطٍ.
فَمَنْ فَهِمَ الْإِحْرَامَ هَذَا الْمَعْنَى، قَالَ: إِنَّ أَرْكَانَ الْحَجِّ رُكْنَانِ، وَمَنْ فَهِمَ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ قَالَ: أَرْكَانُهُ ثَلَاثَةٌ، وَمَنِ اعْتَقَدَ الْإِحْرَامَ شَرْطًا قَالَ: إِنَّ أَرْكَانَهُ رُكْنَانِ، فَعَلَى هَذَا قِيلَ: الْإِحْرَامُ شَرْطٌ، وَقِيلَ: هُوَ رُكْنٌ، وَقِيلَ: هُوَ وَاجِبٌ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ.

[مَسْأَلَةٌ واجبات الحج]

[مسألة الْإِحْرَامُ مِنَ الْمِيقَاتِ]

مَسْأَلَةٌ: (وَوَاجِبَاتُهُ: الْإِحْرَامُ مِنَ الْمِيقَاتِ).
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ: أَنَّ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ هِيَ عِبَارَةٌ عَمَّا يَجِبُ فِعْلُهُ، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ إِلَّا لِعُذْرٍ، وَإِذَا تَرَكَهُ كَانَ عَلَيْهِ دَمٌ يَجْبُرُ بِهِ حَجَّهُ، وَيَصِحُّ الْحَجُّ بِدُونِهِ، لَكِنْ هَلْ يَتِمُّ الْحَجُّ قَبْلَ إِخْرَاجِ الْهَدْيِ؟.
. . فَأَوَّلُ الْوَاجِبَاتِ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَهُوَ أَنْ يُنْشِئَ النِّيَّةَ وَيَعْقِدَ الْإِحْرَامَ مِنَ الْمِيقَاتِ، فَالْوَاجِبُ هُوَ الِابْتِدَاءُ بِالْإِحْرَامِ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْإِحْرَامُ، وَابْتِدَاؤُهُ مِنَ الْمِيقَاتِ إِذَا عَنَى بِالْإِحْرَامِ تَرْكَ الْمَحْظُورِ كَمَا تَقَدَّمَ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَأَهْلُ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ» " وَهَذَا خَبَرٌ مَعْنَاهُ الْأَمْرُ، وَإِلَّا لَزِمَ مُخَالَفَتُهُ

مَخْبَرَهُ.
وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ خُصُوصًا فِي الْعِبَادَاتِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: لَيْسَ بِرُكْنٍ؛ لِأَنَّ.
. .

[مَسْأَلَةٌ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ إِلَى اللَّيْلِ]

مَسْأَلَةٌ: (وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ إِلَى اللَّيْلِ).
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ: أَنَّهُ إِذَا وَافَى عَرَفَةَ نَهَارًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُفِيضَ مِنْهَا إِلَى اللَّيْلِ.
لَكِنْ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَتَعَمَّدَ الْمُكْثَ فِي غَيْرِ عَرَفَةَ إِلَى اللَّيْلِ، ثُمَّ يَقِفَ بِهَا لَيْلًا، مِثْلَ أَنْ يَمْكُثَ بِنُعْمَانَ أَوْ بِالْحَرَمِ أَوْ بِنَمِرَةَ؟.
. .، وَهَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَجِدَّ فِي السَّيْرِ إِذَا خَافَ فَوْتَ النَّهَارِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَفَ بِعَرَفَةَ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلِأَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يُفِيضُونَ مِنْ عَرَفَاتٍ إِذَا اصْفَرَّتْ.
. . فَسَنَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْوُقُوفَ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ مُخَالَفَةً لِهَدْيِهِمْ، وَذَلِكَ دَاخِلٌ فِي امْتِثَالِهِ لِأَمْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِالْحَجِّ، وَفِي تَفْسِيرِهِ لِلْحَجِّ الْمُجْمَلِ فِي كِتَابِ اللَّهِ.
وَالْفِعْلُ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ مَخْرَجَ الِامْتِثَالِ وَالتَّفْسِيرِ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْأَمْرِ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: " «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» " وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ يَوْمَ عَرَفَةَ فَقَالَ: " «هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ وَالْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يُفِيضُونَ إِذَا الشَّمْسُ عَلَى الْجِبَالِ كَأَنَّهَا عَمَائِمُ الرِّجَالِ، وَيَدْفَعُونَ مِنْ جَمْعٍ إِذَا أَشْرَقَتْ عَلَى الْجِبَالِ كَأَنَّهَا عَمَائِمُ الرِّجَالِ، فَخَالَفَ هَدْيُنَا هَدْيَ الشِّرْكِ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ، وَفِي

رِوَايَةٍ: " «كَانُوا يُفِيضُونَ مِنْ عَرَفَاتٍ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَلَا تُعَجِّلُوا فَإِنَّا نُفِيضُ بَعْدَ غُرُوبِهَا» ". وَإِنَّمَا قُلْنَا: لَيْسَ بِرُكْنٍ: لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا» " وَلِحَدِيثِ الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ بِعَرَفَاتٍ.

(فَصْلٌ) لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفِيضَ مِنْ عَرَفَاتٍ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ بِلَا تَرَدُّدٍ، سَوَاءٌ فُرِضَ أَنَّ الْإِمَامَ أَخْطَأَ السُّنَّةَ فَأَفَاضَ قَبْلَ ذَلِكَ أَمْ لَا، أَمْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَوْسِمِ إِمَامٌ، فَإِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَالسُّنَّةُ أَنْ لَا يُفِيضَ قَبْلَ الْإِمَامِ إِلَّا أَنْ يُخَالِفَ الْإِمَامُ السُّنَّةَ، فَيَقِفَ إِلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي - رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ -: إِذَا دَفَعَ الْإِمَامُ دَفَعْتَ مَعَهُ، وَلَا تُفِضْ حَتَّى يَدْفَعَ الْإِمَامُ، فَإِنْ أَفَاضَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَبْلَ الْإِمَامِ.
. .، فَقَالَ أَبُو الْحَارِثِ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ: هَلْ يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُفِيضَ قَبْلَ الْإِمَامِ؟ قَالَ: إِذَا أَفَاضَ الْإِمَامُ أَفَاضَ مَعَهُ، وَيُفِيضُ الْإِمَامُ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ، وَيُفِيضُ النَّاسُ مَعَهُ، قُلْتُ: فَإِنْ أَفَاضَ قَبْلَ الْإِمَامِ؟ فَقَالَ: مَا يُعْجِبُنِي، قُلْتُ: فَمَا يَجِبُ عَلَى مَنْ دَفَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ؟ قَالَ: أَقَلُّ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ، ثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ: إِذَا دَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَقَالَ الْحَسَنُ: يَرْجِعُ، فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ، وَقَالَ مَالِكٌ: إِذَا دَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَسَدَ حَجُّهُ.

قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: إِذَا دَفَعَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَبْلَ الْإِمَامِ فَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ - وَقَدْ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ دَفَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ مِنْ عَرَفَةَ بَعْدَ مَا غَابَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ: مَا وَجَدْتُ أَحَدًا سَهَّلَ فِيهِ كُلُّهُمْ يُشَدِّدُ فِيهِ، وَمَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَدْفَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ.
وَمِمَّنْ قَالَ: " إِذَا دَفَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ عَلَيْهِ دَمٌ" الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ.
وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا: إِنَّمَا الدَّمُ عَلَى مَنْ دَفَعَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ.
وَجَعَلَ هَؤُلَاءِ قَوْلَهُ: دَفَعَ قَبْلَ بِمَعْنَى دَفَعَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ إِنَّمَا يَدْفَعُ بَعْدَ الْغُرُوبِ، وَحَمَلَ الْقَاضِي رِوَايَةَ الْأَثْرَمِ الصَّرِيحَةَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ - فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ - إِذَا دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ يُهْرِيقُ دَمًا، وَقَالَ - أَيْضًا - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ مَالِكٌ يَقُولُ: إِذَا دَفَعَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَسَدَ حَجُّهُ، وَهَذَا شَدِيدٌ، وَالَّذِي نَذْهَبُ: عَلَيْهِ دَمٌ.
فَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ فِي الْإِفَاضَةِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، مِثْلَ أَنْ يَنْسَى نَفَقَتَهُ بِمَكَانٍ آخَرَ: فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنِ الرَّجُلِ يَقِفُ بِعَرَفَةَ مَعَ الْإِمَامِ

مِنَ الظُّهْرِ إِلَى الْعَصْرِ ثُمَّ يَذْكُرُ أَنَّهُ نَسِيَ نَفَقَتَهُ بِمِنًى؟ قَالَ: إِنْ كَانَ قَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَسْتَأْذِنَ الْإِمَامَ يُخْبِرُهُ أَنَّهُ نَسِيَ نَفَقَتَهُ، فَإِذَا أَذِنَ لَهُ ذَهَبَ، وَلَا يَرْجِعُ قَدْ وَقَفَ: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: 62] وَهُمْ مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ يَرْجِعُ فَيَأْخُذُ نَفَقَتَهُ، وَيَرْجِعُ إِلَى عَرَفَةَ، فَيَقِفُ بِهَا، وَمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، فَهَذَا يَرْجِعُ فَيَقِفُ.

(فَصْلٌ) وَلَوْ وَقَفَ قَبْلَ الزَّوَالِ ثُمَّ خَرَجَ، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ الزَّوَالِ: فَقَدْ أَحْسَنَ.
وَإِنْ خَرَجَ بَعْدَ الزَّوَالِ إِلَى عَرَفَةَ لِيُصَلِّيَ بِهَا وَيَخْطُبَ.
. .، وَإِنْ وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ ثُمَّ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: إِنْ عَادَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَوَقَفَ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَادَ بَعْدَهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَخَرَّجَ ابْنُ عَقِيلٍ احْتِمَالًا بِأَنَّ عَلَيْهِ دَمًا مُطْلَقًا، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: إِذَا دَفَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ يَعُودَ، أَوْ لَا يَعُودَ، مَعَ ذِكْرِ التَّفْرِقَةِ عَنِ الْحَسَنِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي - فِي خِلَافِهِ - أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ إِذَا عَادَ مُطْلَقًا، وَقَدْ ذَكَرَهُ أَحْمَدُ، عَنِ الْحَسَنِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ.

[مَسْأَلَةٌ الْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ]

مَسْأَلَةٌ: (وَالْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ).
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ: أَنَّ الْوُقُوفَ بِمُزْدَلِفَةَ - فِي الْجُمْلَةِ وَاجِبٌ.
تَارَةً يُعَبِّرُ عَنْهُ أَحْمَدُ بِالْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَتَارَةً يُعَبِّرُ بِالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: 198] وَالْمَشْعَرُ الْحَرَامُ: مُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا كَمَا تَقَدَّمَ.
وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ نَفْسُ قَزَحَ فَقَدْ أَمَرَ بِالذِّكْرِ عِنْدَهُ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْوُقُوفِ فِيمَا حَوْلَهُ، بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «هَذَا الْمَوْقِفُ وَمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ» ". وَأَيْضًا: فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَفَ بِهَا، وَقَالَ: " «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» "، وَقَالَ: " «هَذَا الْمَوْقِفُ وَمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» "، كَمَا قَالَ: " «هَذَا الْمَوْقِفُ وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» ". فَإِنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَلَمْ يَقِفْ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَحَجُّهُ صَحِيحٌ.
قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ -: لَيْسَ أَمْرُ جَمْعٍ عِنْدِي كَعَرَفَةَ، وَلَا أَرَى النَّاسَ جَعَلُوهَا كَذَلِكَ.
وَقَالَ صَالِحٌ: سَأَلْتُ أَبِي عَنْ رَجُلٍ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِجَمْعٍ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ، وَمَرَّ بِجَمْعٍ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ؟ قَالَ: عَلَيْهِ دَمٌ.
وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ حَدِيثِ عُرْوَةَ الطَّائِيِّ: " مَنْ صَلَّى مَعَنَا صَلَاةَ الصُّبْحِ، وَقَدْ أَتَى عَرَفَاتٍ قَبْلَ ذَلِكَ، لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ " قَالَ: هَذَا شَدِيدٌ، قُلْتُ: فَكَيْفَ يَصْنَعُ مَنْ أَتَى عَرَفَاتٍ، وَلَمْ يَشْهَدْ جَمْعًا مَعَ الْإِمَامِ؟ قَالَ: هَذَا أَحْسَنُ حَالًا مِمَّنْ لَمْ يَجِئْهَا.
وَقَدْ رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلضَّعَفَةِ أَنْ يَتَعَجَّلُوا بِلَيْلٍ وَصَلَّى عُمَرُ -

رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ - وَجَعَلَ يَنْتَظِرُ الْأَعْرَابِيَّ، وَقَدْ جَاءَ الْأَعْرَابِيُّ، قُلْتُ: فَيُجْزِئُهُ إِذَا أَتَى عَرَفَةَ، ثُمَّ لَمْ يُدْرِكْ جَمْعًا؟ قَالَ: هَذَا مُضْطَرٌّ، أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدَّمَ الضَّعَفَةَ وَلَمْ يَشْهَدُوا مَعَهُ.
قُلْتُ: أَلَيْسَ مَنْ لَمْ يَقِفْ بِجَمْعٍ عَلَيْهِ دَمٌ؟ قَالَ: نَعَمْ عَلَيْهِ دَمٌ.
إِذَا لَمْ يَقِفْ بِجَمْعٍ عَلَيْهِ دَمٌ، لَكِنْ يَأْتِي جَمْعًا فَيَمُرُّ قَبْلَ الْإِمَامِ، قُلْتُ: قَبْلَ الْإِمَامِ يُجْزِئُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَدْ قَدَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الضَّعَفَةَ.
وَقَالَ حَنْبَلٌ: قَالَ عَمِّي: مَنْ لَمْ يَقِفْ غَدَاةَ الْمُزْدَلِفَةِ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدَّمَ الضَّعَفَةَ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ ضَعَفَةٌ، أَوْ غِلْمَةٌ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ، وَإِنْ لَمْ يَبِتْ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَسُئِلَ عَمَّنْ لَمْ يَأْتِ جَمْعًا؟ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ إِذَا أَخْطَأَ الطَّرِيقَ، أَوْ كَانَ جَاهِلًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ إِذَا لَمْ يَنْزِلْ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَقَالَ حَرْبٌ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: رَجُلٌ أَتَى عَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ؟ قَالَ: حَجُّهُ جَائِزٌ إِذَا وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، قِيلَ: فَإِنْ لَمْ يَقِفْ بِجَمْعٍ جَائِزٌ.

وَأَحْكَامُ جَمْعٍ - مُضْطَرِبَةٌ - تَتَلَخَّصُ فِي مَسَائِلَ: الْأُولَى: أَنَّ الْوُقُوفَ بِهَا وَاجِبٌ فِي الْجُمْلَةِ ; لِمَا تَقَدَّمَ.
الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لَيْسَ بِرُكْنٍ فَمَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِهَا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ لِعُذْرٍ صَحَّ حَجُّهُ، وَإِنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ إِتْيَانِهَا، أَوْ سَلَكَ إِلَى مِنًى غَيْرَ طَرِيقِهَا، فَكَلَامُهُ يَقْتَضِي رَوَا ..... ، يَنْظُرُ أَلْفَاظَ الْأَحَادِيثِ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَمَّا سَأَلُوهُ وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ كَيْفَ؟ فَقَالَ: " «الْحَجُّ عَرَفَةَ، مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ» " وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْحَجُّ يَفُوتُ بِفَوَاتِ الْمُزْدَلِفَةِ: لَمَا قَالَ: " «الْحَجُّ عَرَفَةُ» "، بَلْ قَالَ: الْحَجُّ عَرَفَةُ وَمُزْدَلِفَةُ.
وَقَوْلُهُ: مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ: يَدُلُّ عَلَى أَمْنِ الْفَوَاتِ ; لِأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الْعِبَادَةَ لَا تَفُوتُهُ الْبَتَّةَ، وَلَوْ كَانَ تَرْكُ الْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ يُفَوِّتُ الْحَجَّ، لَمْ يَكُنِ الْوَاقِفُ بِعَرَفَةَ مُدْرِكًا.
وَهَذَا كَقَوْلِهِ: " «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْفَجْرَ» " نَعَمْ.
يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ بَعْدَ الْإِدْرَاكِ مَا يُبْطِلُ الْعِبَادَةَ، وَلَا يُبْطِلُ الْحَجَّ إِلَّا الْوَطْءُ.
فَأَمَّا تَرْكُ وَاجِبٍ مُؤَقَّتٍ يَكُونُ تَرْكُهُ فَوَاتًا لِلْحَجِّ فَلَا.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ مَا بِهِ يَتِمُّ الْحَجُّ قَالَ: " «مَنْ شَهِدَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا - فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» ". فَجَعَلَ الْوُقُوفَ بِمُزْدَلِفَةَ بَعْدَ التَّعْرِيفِ، بِهِ يَتِمُّ الْحَجُّ، وَيُقْضَى التَّفَثُ، إِذْ لَمْ يَبْقَ بَعْدَهُ إِلَّا التَّحَلُّلُ بِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَمَا بَعْدَهُ، فَعُلِمَ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّهُ بِالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ يُدْرِكُ الْحَجَّ، وَيُؤْمَنُ فَوَاتُهُ، فَلَوْ كَانَ بَعْدَهُ رُكْنٌ مُؤَقَّتٌ لَمْ يُدْرَكْ، وَلَمْ يُؤْمَنِ الْفَوَاتُ، وَبِالْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ يَتِمُّ الْحَجُّ، وَيُقْضَى التَّفَثُ.

وَأَيْضًا: مَا احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ إِجْمَاعِ النَّاسِ حَيْثُ قَالَ: لَيْسَ أَمْرُهُ عِنْدِي كَعَرَفَةَ، وَلَا أَرَى النَّاسَ جَعَلُوهَا كَذَلِكَ، فَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَرَ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ سَوَّى بَيْنَهُمَا، مَعَ مَعْرِفَتِهِ لِمَذَاهِبِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى.
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ بِلَيْلٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكِ الْمَوْقِفَ بِجَمْعٍ".
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " الْحَجُّ عَرَفَاتٍ، وَالْعُمْرَةُ لَا يُجَاوَزُ بِهَا الْبَيْتُ، وَمَنْ لَمْ يَحِلَّ عِنْدَ الْبَيْتِ فَلَا عُمْرَةَ لَهُ".
الثَّالِثَةُ: أَنَّ مَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِهَا وَالْمَبِيتُ فَعَلَيْهِ دَمٌ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَغَيْرِهِ.
وَيَحْتَمِلُ كَلَامُهُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، وَأَبِي طَالِبٍ إِذَا تَرَكَهَا لِعُذْرٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَخَرَّجَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِيمَنْ لَمْ يَمُرَّ بِهَا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، أَوْ أَفَاضَ مِنْهَا أَوَّلَ اللَّيْلِ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ; تَخْرِيجًا مِنْ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمَبِيتِ بِمِنًى ; لِأَنَّ الْمَبِيتَ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ لِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ لِلْوُقُوفِ فِي غَدَاتِهَا، وَذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، فَمَا يُقْصَدُ لَهُ أَوْلَى.
وَهَذَا التَّخْرِيجُ فَاسِدٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، بَاطِلٌ فِي الشَّرِيعَةِ ; فَإِنَّ بَيْنَ الْوُقُوفِ

بِمُزْدَلِفَةَ وَالْمَبِيتِ بِمِنًى مِنَ الْمُبَايَنَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، مَا لَا يَجُوزُ مَعَهُ إِلْحَاقُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، إِلَّا كَإِلْحَاقِ الْوُقُوفِ بَيْنَ الْجَمْرَتَيْنِ بِالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ.
وَقَوْلُهُمْ: لَيْسَ بِمَقْصُودٍ قَدْ مَنَعَهُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْوَقْتَ يَمْتَدُّ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ.
وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْوُقُوفُ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، وَوَقْتُهُ مِنْ أَوَاخِرِ اللَّيْلِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ كَمَا سَيَأْتِي.
الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ يَفُوتُ وَقْتُهَا بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، فَمَنْ لَمْ يُدْرِكْهَا قَبْلَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ دَمٌ.
هَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَعَامَّةُ أَصْحَابِنَا بَعْدَهُ ; لِقَوْلِ أَحْمَدَ: وَعَلَيْهِ أَنْ يَبِيتَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، فَإِنْ لَمْ يَبِتْ فَعَلَيْهِ دَمٌ ; لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْمَبِيتُ بِالْمُزْدَلِفَةِ.
وَالْمَبِيتُ إِنَّمَا يَكُونُ بِاللَّيْلِ كَالْمَبِيتِ بِمِنًى، فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ ذَهَبَ وَقْتُ الْمَبِيتِ، وَأَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ: لَا يَرَوْنَ الْوُقُوفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَاجِبًا، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ عِنْدَهُمُ الْمَبِيتُ بِهَا، وَلَا يَرَوْنَ الْوُقُوفَ غَدَاةَ جَمْعٍ مِنْ جِنْسِ الْوَاجِبِ، بَلْ مِنْ جِنْسِ الْوُقُوفِ بَيْنَ الْجَمْرَتَيْنِ، وَهَذَا الْقَوْلُ فِي غَايَةِ السُّقُوطِ لِمَنْ تَدَبَّرَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَنُصُوصَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالْعُلَمَاءِ قَبْلَهُ.
وَنَقَلَ عَنْهُ صَالِحٌ - فِي رَجُلٍ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِجَمْعٍ وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ، وَمَرَّ بِجَمْعٍ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ قَالَ: عَلَيْهِ دَمٌ.
وَنَقَلَ عَنْهُ الْمَرُّوذِيُّ: إِذَا وَقَفَ بِعَرَفَةَ، فَغَلَبَهُ النَّوْمُ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ عَلَيْهِ دَمٌ.
فَأَوْجَبَ الدَّمَ بِفَوَاتِ الْوُقُوفِ بِهَا إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ.
وَكَذَلِكَ قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: إِذَا لَمْ يَقِفْ بِجَمْعٍ عَلَيْهِ دَمٌ، وَلَكِنْ يَأْتِي

جَمْعًا فَيَقِفُ قَبْلَ الْإِمَامِ وَيُجْزِئُهُ، فَجَعَلَ الْمُوجِبَ لِلدَّمِ عَدَمَ الْوُقُوفِ، فَإِذَا وَقَفَ مَعَ الْإِمَامِ أَوْ قَبْلَهُ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ احْتَجَّ بِحَدِيثِ عُمَرَ لَمَّا انْتَظَرَ الْأَعْرَابِيَّ، وَإِنَّمَا جَاءَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ.
وَعَلَى هَذَا إِذَا لَمْ يَقِفْ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقِفَ بَعْدَ طُلُوعِهِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ أَنَّ وَقْتَ الْوُقُوفِ لَا يَفُوتُ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَمَنْ وَافَاهَا قَبْلَ ذَلِكَ فَقَدْ وَقَفَ بِهَا ; لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَفَ بِهَا وَأَفَاضَ قُبَيْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَهَذَا الْوُقُوفُ الْمَشْرُوعُ فِي غَدَاتِهَا هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ مِنَ الْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَبِهِ يَتِمُّ امْتِثَالُ قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198] الْآيَةَ.
وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: "هَذَا هُوَ الْمَوْقِفُ وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ" وَهَذَا نَظِيرُ الْوُقُوفِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، وَأَحَدُ الْمَوْقِفَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، فَكَيْفَ لَا يَكُونُ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي الْوُجُوبِ وُجُودًا وَعَدَمًا؟ أَمْ كَيْفَ لَا يَكُونُ هَذَا الزَّمَانُ وَقْتًا لِلنُّسُكِ الْمَشْرُوعِ بِمُزْدَلِفَةَ؟ وَأَيْضًا: فَإِنَّ عُرْوَةَ بْنَ مُضَرِّسٍ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ بِمُزْدَلِفَةَ حِينَ خَرَجَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، وَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ» ". وَهَذَا نَصٌّ فِي مُزْدَلِفَةَ تُدْرَكُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ كَمَا تُدْرَكُ قَبْلَ الْفَجْرِ ; لِأَنَّ هَذَا السَّائِلَ إِنَّمَا وَافَاهَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَضَاءِ حَجِّهِ، وَلَمْ يُخْبِرْهُ أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: فَلَعَلَّهُ دَخَلَ فِيهَا قَبْلَ الْفَجْرِ.
. .

وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ وَالْمَوْقِفَ بِجَمْعٍ، وَوَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَاتٍ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ دَمًا وَلَا غَيْرَهُ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ إِدْرَاكَ مُزْدَلِفَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ، بَلْ نَصَّ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِإِدْرَاكِ الْوُقُوفِ مَعَ النَّاسِ.
وَفِي لَفْظٍ: " مَنْ أَدْرَكَ إِفَاضَتَنَا هَذِهِ " وَالْإِفَاضَةُ قُبَيْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَأَيْنَ يَذْهَبُ عَنِ الْبَيَانِ الْوَاضِحِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَلِأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ قُبَيْلَ الْفَجْرِ فَمُحَالٌ أَنْ يُدْرِكَ الْمُزْدَلِفَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَوْ كَانَ هَذَا الْمُدْرِكُ لِعَرَفَةَ قَدْ فَاتَتْهُ الْمُزْدَلِفَةُ وَعَلَيْهِ دَمٌ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُقَالَ: مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ أَدْرَكَ الْحَجَّ مُطْلَقًا، فَإِنَّهُ قَدْ فَاتَهُ بَعْضُ الْوَاجِبَاتِ، بَلْ أَعْظَمُ الْوَاجِبَاتِ ; وَلِذَلِكَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالتَّابِعُونَ بَعْدَهُ: صَرَّحُوا بِأَنَّ مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ بِعَرَفَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ لِدَمٍ، وَلَا تَفْوِيتِ الْوُقُوفِ بِالْمُزْدَلِفَةِ.
وَأَيْضًا: فَإِيجَابُ النُّسُكِ بِاسْمِ الْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ، لَمْ يَنْطِقْ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا ذَكَرَهُ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ، بَلِ الَّذِي فِي كِتَابِ اللَّهِ قَوْلُهُ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198] وَهَذَا يَقْتَضِي التَّعْقِيبَ ; لِقَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198] فَمَنْ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَاتٍ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَذْكُرُ اللَّهَ إِذَا أَفَاضَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِنَصِّ الْآيَةِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ كُلَّ مُفِيضٍ مِنْ عَرَفَاتٍ بِذِكْرِهِ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، فَلَوْ كَانَ وَقْتُ هَذَا الْوَاجِبِ يَفُوتُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، لَمْ يُمْكِنْ كُلَّ مُفِيضٍ امْتِثَالُ هَذَا الْأَمْرِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ وَقْتَ التَّعْرِيفِ يَمْتَدُّ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَقِيبَهُ وَقْتٌ

لِلْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ; لِئَلَّا يَتَدَاخَلَ وَقْتُ هَذَيْنِ النُّسُكَيْنِ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ... الْوُقُوفُ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَشُهُودُ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَالْوُقُوفُ مَعَهُ، وَإِنَّمَا جَاءَ الْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ تَبَعًا لِأَنَّ الْوُقُوفَ بَعْدَ الْفَجْرِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ الْمَبِيتِ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْمَقْصُودُ تَبَعًا وَالتَّبَعُ مَقْصُودًا؟! وَأَيْضًا: فَمَا رَوَى إِبْرَاهِيمُ عَنِ الْأَسْوَدِ: " أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَهُوَ بِجَمْعٍ بَعْدَمَا أَفَاضَ مَنْ بِعَرَفَاتٍ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدِمْتُ الْآنَ، فَقَالَ: أَمَا كُنْتَ وَقَفْتَ بِعَرَفَاتٍ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَأْتِ عَرَفَةَ وَقِفْ بِهَا هُنَيْهَةً، ثُمَّ أَفِضْ.
فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ، وَأَصْبَحَ عُمَرُ بِجَمْعٍ، وَجَعَلَ يَقُولُ: أَجَاءَ الرَّجُلُ؟ فَلَمَّا قِيلَ: قَدْ جَاءَ أَفَاضَ" رَوَاهُ سَعِيدٌ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ.
فَهَذَا رَجُلٌ إِنَّمَا أَدْرَكَ النَّاسَ قَبْلَ الْإِفَاضَةِ مِنْ جَمْعٍ ; لِأَنَّ مَجِيئَهُ إِلَى مُزْدَلِفَةَ قَبْلَ التَّعْرِيفِ لَا أَثَرَ لَهُ، فَإِنَّ مُزْدَلِفَةَ إِنَّمَا يَصِحُّ الْمَبِيتُ وَالْوُقُوفُ بِهَا بَعْدَ عَرَفَةَ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يَأْمُرْهُ عُمَرُ بِدَمٍ، بَلِ انْتَظَرَهُ لِيَقِفَ مَعَ النَّاسِ، وَلَوْ كَانَ وَقْتُ الْوُجُوبِ قَدْ ذَهَبَ لَمَا كَانَ لِانْتِظَارِهِ مَعْنًى.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْوُقُوفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ.
وَالْعِبَادَاتُ الْمُتَعَاقِبَةُ لَا يَجُوزُ دُخُولُ وَقْتِ إِحْدَاهُمَا فِي وَقْتِ الْأُخْرَى، كَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ.

وَوَقْتُ عَرَفَةَ يَمْتَدُّ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَلَوْ كَانَ وَقْتُ مُزْدَلِفَةَ يَنْتَهِي إِلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ، لَكَانَ وَقْتُ مُزْدَلِفَةَ بَعْضَ وَقْتِ عَرَفَةَ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: الْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ وَاجِبٌ.
قُلْنَا: هَذَا غَيْرُ مُسَلَّمٍ، فَإِنَّ مَنْ أَدْرَكَهَا فِي النِّصْفِ الثَّانِي، أَوْ قُبَيْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَا يُسَمَّى بَائِتًا بِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَبِيتَ بِمِنًى لَمَّا كَانَ وَاجِبًا، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَبِيتَ بِهَا لَحْظَةً مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ حَتَّى يَبِيتَ بِهَا مُعْظَمَ اللَّيْلِ.
نَعَمْ مَنْ أَدْرَكَهَا أَوَّلَ اللَّيْلِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَبِيتَ بِهَا إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ ; لِأَجْلِ أَنَّ الْوُقُوفَ الْمَطْلُوبَ هُوَ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَصَارَ هَذَا مِثْلَ الْوُقُوفِ الْوَاجِبِ بِعَرَفَةَ هُوَ آخِرُ النَّهَارِ، فَإِذَا نَزَلُوا بِنَمِرَةَ أَقَامُوا إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ لِانْتِظَارِ الْوُقُوفِ، لَا لِأَنَّ النُّزُولَ بِنَمِرَةَ هُوَ الْمَقْصُودُ، وَلَوْ تَأَخَّرَ الْإِنْسَانُ إِلَى وَقْتِ الْوُقُوفِ أَجْزَأَ، كَذَلِكَ هُنَا.
الْخَامِسَةُ: مَنْ وَافَاهَا أَوَّلَ اللَّيْلِ: فَعَلَيْهِ أَنْ يَبِيتَ بِهَا، بِمَعْنَى أَنْ يُقِيمَ بِهَا، لَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْهَا إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ.
قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ -: وَعَلَيْهِ أَنْ يَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةَ، وَإِنْ لَمْ يَبِتْ فَعَلَيْهِ دَمٌ.
ثُمَّ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْأَعْذَارِ ; مِثْلُ النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ، وَالْمَرْضَى، وَمَنْ يَقُومُ بِهِمْ فَلَهُ الدَّفْعُ مِنْهَا فِي آخِرِ اللَّيْلِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَالسُّنَّةُ لَهُ أَنْ يُقِيمَ إِلَى أَنْ يَقِفَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ.
وَفِي الْوَقْتِ الَّذِي يَجُوزُ الدَّفْعُ فِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: يَجُوزُ الدَّفْعُ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، قَالَ حَرْبٌ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: رَجُلٌ خَرَجَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ نِصْفَ اللَّيْلِ، فَأَتَى

مِنًى وَعَلَيْهِ لَيْلٌ يَرْمِي الْجِمَارَ؟ قَالَ: نَعَمْ أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ، قُلْتُ لِأَحْمَدَ: فَإِنَّهُ مَضَى مِنْ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ فَطَافَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ؟ قَالَ: لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ مَكَّةَ بِلَيْلٍ.
وَلَعَلَّ حَرْبًا سَأَلَ أَحْمَدَ عَنْ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ ; لِأَنَّ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ أَبَاحَ الْإِفَاضَةَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَفِي آخِرِهَا قَالَ: لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْ جَمْعٍ حَتَّى يَغِيبَ الْقَمَرُ، وَبَيْنَهُمَا زَمَنٌ جَيِّدٌ.
وَقَالَ - عَنْهُ - فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَقَدْ سُئِلَ عَنِ الْإِفَاضَةِ مِنْ جَمْعٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ؟ فَقَالَ: أَرْجُو، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: فِي وَجْهِ السَّحَرِ.
وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي وَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " «أَرْسَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَرَمَتِ الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ مَضَتْ، فَأَفَاضَتْ، وَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي يَكُونُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَعْنِي عِنْدَهَا» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ

قَالَتْ: " «قَدَّمَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَنْ قَدَّمَ مِنْ أَهْلِهِ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ، قَالَتْ: فَرَمَيْتُ الْجَمْرَةَ بِلَيْلٍ، ثُمَّ مَضَيْتُ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّيْتُ بِهَا الصُّبْحَ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى مِنًى» ". قَالُوا: وَمِنَ الْمَنْزِلِ إِلَى مَكَّةَ نَحْوٌ مِنْ سَبْعَةِ أَمْيَالٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَمِنْ مَوْقِفِ الْإِمَامِ بِعَرَفَةَ إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بَرِيدُ، اثْنَا عَشَرَ مِيلًا.
وَمَنْ يَسِيرُ إِلَى مِنًى وَيَرْمِي الْجَمْرَةَ وَيَطُوفُ لِلْإِفَاضَةِ، ثُمَّ يُصَلِّي الصُّبْحَ، لَا يَقْطَعُ سَبْعَةَ أَمْيَالٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَفَاضَ بِلَيْلٍ.
وَلِأَنَّ أَكْثَرَ الشَّيْءِ يَقُومُ مَقَامَ جَمِيعِهِ، فَإِذَا بَاتَ أَكْثَرَ اللَّيْلِ بِالْمُزْدَلِفَةِ صَارَ فِي حُكْمِ مَنْ بَاتَ جَمِيعَهَا، لِمَا رَخَّصَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْإِفَاضَةِ مِنْهَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ.
فَعَلَى هَذَا: الْعِبْرَةُ بِنِصْفِ اللَّيْلِ الْمُنْقَضِي بِطُلُوعِ الْفَجْرِ أَوْ بِطُلُوعِ.
. . وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا تَجُوزُ الْإِفَاضَةُ قَبْلَ مَغِيبِ الْقَمَرِ، وَإِنَّمَا يَغِيبُ قَبْلَ الْفَجْرِ بِمَنْزِلَتَيْنِ مِنْ مَنَازِلِ الْقَمَرِ، وَهُمَا أَقَلُّ مِنْ سَاعَتَيْنِ.
قَالَ - فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ أَيْضًا -: لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ جَمْعٍ حَتَّى الْقَمَرَ.
وَأَكْثَرُ نُصُوصِهِ عَلَى هَذَا ; لِأَنَّ الَّذِي فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْخَصَ لِلضَّعَفَةِ أَنْ يُفِيضُوا مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ، وَلَمْ يُؤَقِّتْهُ، بَلْ إِنَّمَا قَدَّمَهُمْ فِي وَجْهِ السَّحَرِ.
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ: " يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ، فَيَقُومُونَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ

بِالْمُزْدَلِفَةِ، فَيَذْكُرُونَ اللَّهَ مَا بَدَا لَهُمْ، ثُمَّ يَدْفَعُونَ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ الْإِمَامُ، وَقَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ بِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ مِنًى لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِذَا قَدِمُوا رَمُوا الْجَمْرَةَ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: " «أَرْخَصَ فِي أُولَئِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَمْ يَجِئْ تَوْقِيتٌ فِي حَدِيثٍ إِلَّا حَدِيثِ أَسْمَاءَ، رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ الْهِرُّ مَوْلَاهَا: " «أَنَّهَا نَزَلَتْ لَيْلَةَ جَمْعٍ عِنْدَ الْمُزْدَلِفَةِ، فَقَامَتْ تُصَلِّي، فَصَلَّتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ: يَا بُنَيَّ هَلْ غَابَ الْقَمَرُ؟ قُلْتُ: لَا، فَصَلَّتْ سَاعَةً، قَالَتْ: يَا بُنَيَّ هَلْ غَابَ الْقَمَرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَتْ: فَارْتَحِلُوا، فَارْتَحَلْنَا، وَمَضَيْنَا حَتَّى رَمَتِ الْجَمْرَةَ، ثُمَّ رَجَعَتْ فَصَلَّتِ الصُّبْحَ فِي مَنْزِلِهَا فَقُلْتُ لَهَا: يَا هَنَتَاهُ مَا أَرَانَا إِلَّا قَدْ غَلَّسْنَا؟ قَالَتْ: يَا بُنَيَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لِلظُّعُنِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَهَذِهِ أَسْمَاءُ: قَدْ رَوَتِ الرُّخْصَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعَلَتْهَا مُؤَقَّتَةً بِمَغِيبِ الْقَمَرِ إِذْ كَانَتْ هِيَ الَّتِي رَوَتِ الرُّخْصَةَ وَلَيْسَ فِي الْبَابِ شَيْءٌ مُؤَقَّتٌ أَبْلَغَ مِنْ هَذَا.
وَسَائِرُ الْأَحَادِيثِ لَا تَكَادُ تَبْلُغُ هَذَا الْوَقْتَ.
وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ لَا يُخَالِفُهُ، فَإِنَّ سِتَّةَ أَمْيَالٍ: تُقْطَعُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ سَاعَاتٍ بِكَثِيرٍ، بَلْ فِي قَرِيبٍ مِنْ سَاعَتَيْنِ، فَإِذَا قَامَتْ بَعْدَ مَغِيبِ الْقَمَرِ: أَدْرَكَتِ الْفَجْرَ بِمَكَّةَ إِدْرَاكًا حَسَنًا وَأَمَّا طَوَافُهَا: ...

وَعَلَى هَذَا، فَيَكُونُ الْمَبِيتُ وَاجِبًا إِلَى أَنْ يَبْقَى سُبُعَا اللَّيْلِ إِذَا جَعَلَ آخِرَهُ طُلُوعَ الشَّمْسِ، وَذَلِكَ أَقَلُّ مِنَ الثُّلُثِ، وَلَا يَصِلُونَ إِلَى جَمْعٍ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَمْضِيَ شَيْءٌ مِنَ اللَّيْلِ، فَتَكُونُ الْإِفَاضَةُ مِنْ جَمْعٍ جَائِزَةً إِذَا بَقِيَ مِنْ وَقْتِ الْوُقُوفِ الثُّلُثُ.
وَتَقْدِيرُ الرُّخْصَةِ بِالثُّلُثِ لَهُ نَظَائِرُ فِي الشَّرْعِ، وَالتَّقْدِيرُ بِالْأَسْبَاعِ لَهُ نَظَائِرُ خُصُوصًا فِي الْمَنَاسِكِ، فَإِنَّ أَمْرَ الْأَسْبَاعِ فِيهِ غَالِبٌ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوُقُوفُ بِمُزْدَلِفَةَ مُقَدَّرًا بِالْأَسْبَاعِ.

(فَصْلٌ) وَهَلْ يَجِبُ هَذَا الْمَبِيتُ عَلَى أَهْلِ السِّقَايَةِ وَالرِّعَاءِ؟ قَالَ الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّ مَنْ وَافَاهَا بَعْدَ جَوَازِ الْإِفَاضَةِ مِنْهَا ; إِمَّا بَعْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ أَوْ بَعْدَ مَغِيبِ الْقَمَرِ، أَوْ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ - عَلَى مَا مَضَى - أَجَزَأَهُ ذَلِكَ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ نَزَلَ بِهَا، أَوْ لَمْ يَنْزِلْ.
قَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ - فِيمَنْ أَفَاضَ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَقَالَ: إِذَا نَزَلَ بِهَا، أَوْ مَرَّ بِهَا، فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: قُلْتُ أَلَيْسَ مَنْ لَمْ يَقِفْ بِجَمْعٍ عَلَيْهِ دَمٌ؟ قَالَ: نَعَمْ إِذَا لَمْ يَقِفْ بِجَمْعٍ عَلَيْهِ دَمٌ، لَكِنْ يَأْتِي جَمْعَ فَيَمُرُّ قَبْلَ الْإِمَامِ، قُلْتُ: قَبْلَ الْإِمَامِ يُجْزِئُهُ، قَالَ: نَعَمْ قَدْ قَدَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الضَّعَفَةَ.

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَيَكُونُ وُقُوفُهُ الْوَاجِبُ مُكْثَهُ بِهَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَالْمُسْتَحَبُّ وُقُوفُهُ عِنْدَ قَزَحَ قَبْلَ ذَلِكَ.
هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ.
قَالَ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ - مَنْ لَمْ يَقِفْ غَدَاةَ الْمُزْدَلِفَةِ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ -: يَأْتِي جَمْعًا فَيَقِفُ قَبْلَ الْإِمَامِ يُجْزِئُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّهُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، وَأَبِي الْحَارِثِ.
وَقَالَ الْأَثْرَمُ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: يَدْفَعُ مِنْ مُزْدَلِفَةَ قَبْلَ الْإِمَامِ؟ قَالَ: الْمُزْدَلِفَةُ عِنْدِي غَيْرُ عَرَفَةَ، وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ دَفَعَ قَبْلَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ كَأَنَّ سُنَّةَ الْمُزْدَلِفَةِ عِنْدَكَ غَيْرُ سُنَّةِ عَرَفَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَاحْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدَّمَ الضَّعَفَةَ وَلَمْ يَشْهَدُوا مَعَهُ الْمَوْقِفَ بِجَمْعٍ، وَلَوْ كَانَ الْوُقُوفُ بِالْغَدَاةِ وَاجِبًا، لَمَا سَقَطَ عَنِ الظُّعُنِ وَلَا غَيْرِهِمْ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَكَرَمْيِ الْجِمَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْوَاجِبَاتِ، وَلِأَنَّهُمْ مِنْ حِينِ يَدْخُلُونَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ فَهُمْ فِي الْمَوْقِفِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ إِلَى أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا، فَجَازَ التَّعْجِيلُ مِنْهَا لِطُولِ الْمُقَامِ بِهَا رُخْصَةً وَتَخْفِيفًا، بِخِلَافِ عَرَفَاتٍ فَإِنَّ الْوُقُوفَ بِهَا لَيْسَ بِطَوِيلٍ.
وَلِأَنَّ الْوُقُوفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ لَيْسَ بِمَحْدُودِ الْمُبْتَدَأِ، فَإِنَّ النَّاسَ يَجِيئُونَ إِلَيْهَا عَلَى قَدْرِ سَيْرِهِمْ، فَجَازَ أَنْ لَا يَكُونَ مَحْدُودَ الْمُنْتَهَى، فَيَخْرُجُونَ مِنْهَا كَذَلِكَ بِخِلَافِ عَرَفَاتٍ، يَدْخُلُونَهَا وَقْتَ الزَّوَالِ، وَيَخْرُجُونَ مِنْهَا بَعْدَ الْغُرُوبِ.
وَهَذَا لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَتَقَيَّدُوا بِالْإِمَامِ فِي مُبْتَدَأِ الْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ، لَمْ يَتَقَيَّدُوا بِهِ فِي مُنْتَهَاهُ، وَعَرَفَةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ عَرَفَاتٍ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَتَعَجَّلُونَ مِنْهَا، فَسُنَّ لَنَا مُخَالَفَتُهُمْ بِإِيجَابِ التَّأْخِيرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَكَانُوا يَتَأَخَّرُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ إِلَى طُلُوعِ

الشَّمْسِ فَسُنَّ لَنَا التَّعْجِيلُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ مُخَالَفَةً لَهُمْ، فَجَازَ أَنْ يُوَسِّعَ وَقْتَ التَّعْجِيلِ وَأَنْ يَفِيضَ قَبْلَ الْإِمَامِ، لِأَنَّ ذَلِكَ أَبْعَدُ عَنِ التَّشَبُّهِ بِهَدْيِ الْمُشْرِكِينَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ أَحْمَدَ: سُنَّةُ عَرَفَةَ غَيْرُ سُنَّةِ الْمُزْدَلِفَةِ.
وَقَدْ أَجَابَ أَحْمَدُ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «مَنْ صَلَّى مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» " بِأَنَّ مَنْطُوقَ الْحَدِيثِ لَا إِشْكَالَ فِيهِ.
وَأَمَّا مَفْهُومُهُ، فَلَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ، إِذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مَنْ لَمْ يُصَلِّ مَعَنَا، وَيَقِفُ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ لَمْ يَتِمَّ حَجُّهُ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدَّمَ الضَّعَفَةَ، وَلَمْ يُصَلُّوا مَعَهُ وَلَمْ يَقِفُوا.
وَعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: انْتَظَرَ الْأَعْرَابِيَّ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى جَاءَ وَلَمْ يُصَلِّ، وَالنَّاسُ يَرَوْنَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ عَلَيْهِ فَوْتَ الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا مَفْهُومٌ مَنْطُوقٌ خَرَجَ جَوَابًا عَنْ سُؤَالِ سَائِلٍ، فَإِنَّ عُرْوَةَ بْنَ مُضَرِّسٍ: كَانَ قَدْ أَدْرَكَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الصَّلَاةَ وَالْوُقُوفَ، فَذَكَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُكْمَ مَنْ هُوَ فِي حَالِهِ: أَنَّ حَجَّهُ تَامٌّ، وَمِثْلُ هَذَا قَدْ لَا يَكُونُ لَهُ مَفْهُومٌ ; لِأَنَّ التَّخْصِيصَ بِالذِّكْرِ لِأَجْلِ حَالِ السَّائِلِ.
وَمِنْهُ فَائِدَةٌ أُخْرَى، وَهُوَ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ فَإِنَّهُ يَكُونُ قَدْ أَدْرَكَ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يُدْرِكِ الصَّلَاةَ، فَإِنَّهُ قَدْ لَا يَكُونُ دَخَلَ عَرَفَةَ إِلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ.
وَفِيهِ - أَيْضًا - وُجُوبُ الْوُقُوفِ مَعَ الْإِمَامِ عَلَى مَنْ لَمْ يَقِفْ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ.
وَيَتَوَجَّهُ وُجُوبُ الْوُقُوفِ بَعْدَ الْفَجْرِ لِغَيْرِ أَهْلِ الْأَعْذَارِ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: " «كَانَتْ سَوْدَةُ امْرَأَةً ضَخْمَةً ثَبِطَةً، فَاسْتَأْذَنَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ

تُفِيضَ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ، فَأَذِنَ لَهَا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَيْتَنِي كُنْتُ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا اسْتَأْذَنَتْهُ سَوْدَةُ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ إِلَّا مَعَ الْإِمَامِ» ". وَفِي رِوَايَةٍ: «وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا اسْتَأْذَنَتْهُ سَوْدَةُ، فَأُصَلِّي الصُّبْحَ بِمِنًى، فَأَرْمِي الْجَمْرَةَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ النَّاسُ، فَقِيلَ لِعَائِشَةَ: فَكَانَتْ سَوْدَةُ اسْتَأْذَنَتْهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، إِنَّهَا كَانَتْ ثَقِيلَةً ثَبِطَةً فَاسْتَأْذَنْتُ لَهَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَذِنَ لَهَا» "، وَفِي رِوَايَةٍ: " «اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ تَدْفَعُ قَبْلَهُ، وَقَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ، وَكَانَتِ امْرَأَةً ثَبِطَةً، يَقُولُ الْقَاسِمُ: وَالثَّبِطَةُ الثَّقِيلَةُ، قَالَتْ: فَأَذِنَ لَهَا، فَخَرَجَتْ قَبْلَ دَفْعِهِ، وَحُبِسْنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا، فَدَفَعْنَا بِدَفْعِهِ، وَلَأَنْ أَكُونَ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا اسْتَأْذَنَتْهُ سَوْدَةُ، فَأَكُونُ أَدْفَعُ بِإِذْنِهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَلَوْ كَانَ الْإِذْنُ فِي الدَّفْعِ قَبْلَ الْإِمَامِ عَامًّا لِلنَّاسِ، لَمْ تَسْتَأْذِنْهُ عَائِشَةُ لِسَوْدَةَ، وَلَوْ فَهِمَتْ - وَهِيَ السَّائِلَةُ لَهُ - أَنَّ إِذْنَهُ لِسَوْدَةَ إِذْنٌ لِكُلِّ النَّاسِ لَمْ تَتَأَسَّفْ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَسْتَأْذِنْهُ لِنَفْسِهَا، وَهِيَ أَعْلَمُ بِمَعْنَى مَا سَأَلَتْهُ وَمَا أَجَابَهَا، وَإِنَّمَا كَانَتِ الرُّخْصَةُ مَقْصُورَةً عَلَى ذِي الْعُذْرِ، فَخَشِيَتْ عَائِشَةُ أَنْ لَا تَكُونَ هِيَ مِنْ جُمْلَةِ أُولِي الْأَعْذَارِ، فَبَنَتْ عَلَى الْأَصْلِ.
وَأَيْضًا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ: " أَرْخَصَ فِي أُولَئِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي لَفْظٍ:

" «لِضَعَفَةِ النَّاسِ» " وَقَوْلُ أَسْمَاءَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَذِنَ لِلظُّعُنِ» " كُلٌّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِذْنَ خَاصٌّ بِالظُّعُنِ، وَأَنَّ الْمَعْرُوفَ الْمُسْتَقِرَّ بَيْنَهُمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِفَاضَةُ أَحَدٍ حَتَّى يَفِيضَ الْإِمَامُ، حَتَّى رُوِيَتِ الرُّخْصَةُ فِي الضُّعَفَاءِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْإِذْنِ لِلضَّعَفَةِ الْإِذْنُ لِغَيْرِهِمْ ; لِأَنَّ تَخْصِيصَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ لَهُمْ بِالذِّكْرِ وَالْإِذْنِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ النَّاسِ دَلَّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ غَيْرِهِمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ.
وَلِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ اتِّبَاعِهِ فِي جَمِيعِ الْمَنَاسِكِ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» " لَا سِيَّمَا وَفِعْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198] وَالْفِعْلُ إِذَا خَرَجَ امْتِثَالًا لِأَمْرٍ كَانَ بِمَنْزِلَتِهِ، وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: فَالذِّكْرُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ; لِأَنَّ أَمْرَ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ لِلْوُجُوبِ، لَا سِيَّمَا فِي الْعِبَادَاتِ الْمَحْضَةِ، وَهُنَاكَ ذِكْرٌ وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ صَلَاةُ الْفَجْرِ بِمُزْدَلِفَةَ، عَلَى أَنَّهُ يَحْتَاجُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الذِّكْرَ لَا يَجِبُ إِلَى دَلِيلٍ.

[مَسْأَلَةٌ السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ]

مَسْأَلَةٌ: (وَالسَّعْيُ).
يَعْنِي بِهِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِيهِ ; فَرُوِيَ عَنْهُ: أَنَّهُ رُكْنٌ لَا يَتِمُّ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ إِلَّا بِهِ ; قَالَ - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ - فِيمَنِ انْصَرَفَ، وَلَمْ يَسْعَ: يَرْجِعُ فَيَسْعَى وَإِلَّا فَلَا حَجَّ لَهُ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ - إِذَا بَدَأَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ

يَرْجِعُ قَبْلَ الْبَيْتِ لَا يُجْزِئُهُ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ - فِي مُعْتَمِرٍ طَافَ فَوَاقَعَ أَهْلَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْعَى: فَسَدَتْ عُمْرَتُهُ وَعَلَيْهِ مَكَانَهَا، وَلَوْ طَافَ وَسَعَى ثُمَّ وَطِئَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ فَعَلَيْهِ دَمٌ، إِنَّمَا الْعُمْرَةُ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ، وَالْحِلَاقُ.
وَرُوِيَ عَنْهُ: أَنَّهُ سُنَّةٌ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ -: فِيمَنْ نَسِيَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، أَوْ تَرَكَهُ عَامِدًا، فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتْرُكَهُ، وَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ -: السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تَطَوُّعٌ، وَالْحَاجُّ وَالْقَارِنُ وَالْمُتَمَتِّعُ عِنْدَ عَطَاءٍ وَاحِدٌ إِذَا طَافُوا وَلَمْ يَسْعَوْا.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ - فِيمَنْ نَسِيَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَتَّى أَتَى مَنْزِلَهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ ... وَغَيْرِهِ، هَذَا وَاجِبٌ يُجْبِرُهُ دَمٌ، هَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي كِتَابِهِ.
فَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ تَطَوُّعٌ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158]

﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 158] فَأَخْبَرَ أَنَّهُمَا مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الطَّوَافَ بِهِمَا مَشْرُوعٌ مَسْنُونٌ، دُونَ زِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ، إِذْ لَوْ أَرَادَ زِيَادَةً لَأَمَرَ بِالطَّوَافِ بِهِمَا كَمَا قَالَ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198] ثُمَّ قَالَ: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158]، وَرَفْعُ الْجَنَاحِ وَإِنْ كَانَ لِإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ الَّتِي عَرَضَتْ لَهُمْ فِي الطَّوَافِ بِهِمَا - كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ -: فَإِنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ تَقْتَضِي إِبَاحَةَ الطَّوَافِ بِهِمَا.
وَكَوْنُهُمَا مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَ ذَلِكَ.
فَعُلِمَ أَنَّ الْكَلَامَ خَرَجَ مَخْرَجَ النَّدْبِ إِلَى الطَّوَافِ بِهِمَا، وَإِمَاطَةِ الشُّبْهَةِ الْعَارِضَةِ.
فَأَمَّا زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ: فَلَا.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 158] وَإِذَا نَدَبَ اللَّهُ إِلَى أَمْرٍ وَحَسَّنَهُ، ثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ بِالتَّرْغِيبِ فِي التَّطَوُّعِ، كَانَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ تَطَوُّعٌ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ فَاتِحَةِ الْآيَةِ وَخَاتِمَتِهَا نِسْبَةٌ.
وَعَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: (أَنْ لَا يَطُوفَ بِهِمَا).
وَعَنْ عَطَاءٍ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَوْ فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، (أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا) رَوَاهُمَا أَحْمَدُ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ.

جارٍ التحميل