شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الحجصفحات 302-341

باب الْمَوَاقِيتِ

صفحات 302-341

[مَسْأَلَةٌ مواقيت أهل الأمصار]

الْمِيقَاتُ: مَا حَدَّدَهُ وَوَقَّتَ لِلْعِبَادَةِ مِنْ زَمَانٍ وَمَكَانٍ.
وَالتَّوْقِيتُ: التَّحْدِيدُ، فَلِذَلِكَ نَذْكُرُ فِي هَذَا الْبَابِ مَا حَدَّدَهُ الشَّارِعُ لِلْإِحْرَامِ مِنَ الْمَكَانِ، وَالزَّمَانِ.
مَسْأَلَةٌ: وَمِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ذُو الْحُلَيْفَةِ، وَالشَّامُ وَمِصْرُ وَالْمَغْرِبُ الْجُحْفَةُ، وَالْيَمَنُ يَلَمْلَمُ، وَلِنَجْدٍ قَرْنٌ، وَلِلْمَشْرِقِ ذَاتُ عِرْقٍ.
هَذِهِ الْمَوَاقِيتُ الْخَمْسَةُ مَنْصُوصَةٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ: فَإِنَّ «النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ الْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ الطَّائِفِ وَنَجْدٍ قَرْنًا، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، وَلِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ».
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَمُهَلُّ أَهْلِ نَجْدٍ مَنْ قَرْنٍ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ» ". وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: " «وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ» " وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَّتَ الْمَوَاقِيتَ ثَلَاثَ طَبَقَاتٍ، فَوَقَّتَ أَوَّلًا

ثَلَاثَ مَوَاقِيتَ فَلَمَّا فُتِحَتِ الْيَمَنُ وَقَّتَ لَهَا، ثُمَّ وَقَّتَ لِلْعِرَاقِ، فَالْأَوَّلُ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ " قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَذَكَرَ لِي وَلَمْ أَسْمَعْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " وَمُهَلُّ أَهْلِ الشَّامِ مَهْيَعَةُ، وَهِيَ الْجُحْفَةُ» رَوَاهُ الْجِمَاعَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَقَاسَ النَّاسُ ذَاتَ عِرْقٍ بِقَرْنٍ.
وَالثَّانِي: مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: " «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، فَهُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ» ". وَفِي لَفْظٍ: " «مِنْ غَيْرِهِنَّ لِمَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَلِكَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا» " وَفِي لَفْظٍ: " «مَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَالثَّالِثُ: مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ «سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ سُئِلَ عَنِ الْمُهَلِّ، فَقَالَ: " سَمِعْتُ أَحْسَبُهُ رَفَعَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَالطَّرِيقُ الْآخَرُ الْجُحْفَةُ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتُ عِرْقٍ، وَمُهَلُّ أَهْلِ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِلَا شَكٍّ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ الْخَوْزِيِّ، وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ

أَحْمَدُ مَرْفُوعًا، وَرَوَاهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِي عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ مَرْفُوعًا بِلَا شَكٍّ.
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَ: " «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ وَأَهْلِ تِهَامَةَ يَلَمْلَمَ، وَلِأَهْلِ الطَّائِفِ وَهِيَ نَجْدٌ قَرْنًا، وَلِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَفِي إِسْنَادِهِ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَأَةَ.

وَرَوَى الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ عَنْ أَفْلَحَ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، وَغَيْرُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْمَوَاقِيتِ الْخَمْسَةِ قَالَتْ: " «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ الْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَلِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ» ".

وَقَالَ أَبُو عَاصِمٍ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَاشِدٍ عَنْ مَكْحُولٍ " «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ» "، وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ: " «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ ذَاتَ عِرْقٍ» " رَوَاهُ سَعِيدٌ، فَهَذَا قَدْ رُوِيَ مُرْسَلًا مِنْ جِهَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَمَكَّةَ، وَالشَّامِ، وَمِثْلُ هَذَا يَكُونُ حُجَّةً.
وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: " «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ ذَاتَ عِرْقٍ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ وَكِيعٍ عَنْهُ.

وَعَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو السَّهْمِيِّ، قَالَ: " «أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ بِمِنًى أَوْ عَرَفَاتٍ، وَقَدْ أَطَافَ بِهِ النَّاسُ قَالَ: فَيَجِيءُ الْأَعْرَابُ فَإِذَا رَأَوْا وَجْهَهُ قَالُوا: هَذَا وَجْهٌ مُبَارَكٌ قَالَ: وَوَقَّتَ ذَاتَ عِرْقٍ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَلَفْظُهُ " «وَقَّتَ لِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ أَنْ يُهِلُّوا مِنْهَا، وَذَاتَ عِرْقٍ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ» ". وَذَهَبَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّ ذَاتَ عِرْقٍ إِنَّمَا ثَبَتَتْ بِتَوْقِيتِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اجْتِهَادًا، ثُمَّ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِمَا «رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: " لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ الْمِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ

فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَإِنَّهُ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا، وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا أَنْ نَأْتِيَ قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنَا، قَالَ: فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ قَالَ: فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا حُدَّتْ بِالِاجْتِهَادِ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى طَرِيقِهِ مِيقَاتٌ فَإِنَّهُ يُحْرِمُ إِذَا حَاذَى أَقْرَبَ الْمَوَاقِيتِ إِلَى طَرِيقِهِ، وَهُمْ يُحَاذُونَ قَرْنًا إِذَا صَارُوا بِذَاتِ عِرْقٍ، وَلَوْ كَانَتْ مَنْصُوصَةً لَمْ يَحْتَجْ إِلَى هَذَا، وَأَحَادِيثُ الْمَوَاقِيتِ لَا تُعَارِضُ هَذَا فَعَلَى هَذَا هَلْ يُسْتَحَبُّ الْإِحْرَامُ مِنَ الْعَقِيقِ؟.
. . وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ الْجِيَادِ الْحِسَانِ الَّتِي يَجِبُ الْعَمَلُ بِمِثْلِهَا مَعَ تَعَدُّدِهَا، وَمَجِيئِهَا مُسْنَدَةً، وَمُرْسَلَةً مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى.
وَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ فَإِنَّ تَوْقِيتَ ذَاتِ عِرْقٍ كَانَ مُتَأَخِّرًا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ كَمَا

ذَكَرَهُ الْحَارِثُ بْنُ عَمْرٍو، وَقَدْ كَانَ قَبْلَ هَذَا سَبَقَ تَوْقِيتُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِغَيْرِهَا فَخَفِيَ هَذَا عَلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَمَا خَفِيَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ السُّنَنِ، وَإِنْ كَانَ عِلْمُهَا عِنْدَ عُمَّالِهِ، وَسُعَاتِهِ، وَمَنْ هُوَ أَصْغَرُ مِنْهُ، مِثْلَ دِيَةِ الْأَصَابِعِ، وَتَوْرِيثِ الْمَرْأَةِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا، فَاجْتَهَدَ، وَكَانَ مُحَدَّثًا مُوَفَّقًا لِلصَّوَابِ فَوَافَقَ رَأْيُهُ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِبِدْعٍ مِنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَدْ وَافَقَ رَبَّهُ فِي مَوَاضِعَ مَعْرُوفَةٍ، مِثْلَ الْمَقَامِ، وَالْحِجَابِ، وَالْأَسْرَى، وَأَدَبِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

فَعَلَى هَذَا: لَا يُسْتَحَبُّ الْإِحْرَامُ قَبْلَهَا كَمَا لَا يُسْتَحَبُّ قَبْلَ غَيْرِهَا مِنَ الْمَوَاقِيتِ الْمَنْصُوصَةِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: أَرَى أَنْ يُحْرِمَ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَى يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا مُفِيدًا لِوُجُوبِ الْإِحْرَامِ مِنْهَا فَلَا بُدَّ أَنْ يُفِيدَ الِاسْتِحْبَابَ.
قِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ مَدَارُهُ عَلَى يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَقَالُوا: يَزِيدُ يَزِيدُ.
وَيَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَشْهُورَ الصَّحِيحَ قَدْ ذَكَرَ فِيهِ الْمَوَاقِيتَ الْأَرْبَعَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا مَعَ أَنَّ هَذَا مِمَّا يَقْصِدُ الْمُحَدِّثُ ذِكْرَهُ مَعَ إِخْوَتِهِ لِعُمُومِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ حُجَّاجَ الْمَشْرِقِ أَكْثَرُ مِنْ حُجَّاجِ سَائِرِ الْمَوَاقِيتِ.
وَإِنَّ النَّاسَ أَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ الْإِحْرَامِ دُونَهُ فَلَوْ كَانَ مِيقَاتًا لَوَجَبَ الْإِحْرَامُ مِنْهُ كَمَا يَجِبُ الْإِحْرَامُ مِنْ سَائِرِ مَا وَقَّتَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ لَيْسَ لَنَا مِيقَاتٌ يُسْتَحَبُّ الْإِحْرَامُ مِنْهُ، وَلَا يَجِبُ، عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: " وَقَّتَ " لَا يَقْتَضِي إِلَّا وُجُوبَ الْإِحْرَامِ مِنْهُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ إِحْرَامَ الْعِرَاقِيِّ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ إِحْرَامٌ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَأَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي هِيَ أَصَحُّ مِنْهُ وَأَكْثَرُ - تُخَالِفُهُ وَتَبَيِّنُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ ذَاتَ عِرْقٍ.
وَيُشْبِهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ إِنْ كَانَ لِهَذَا الْحَدِيثِ أَصْلٌ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا؛ لِأَنَّ تَوْقِيتَ ذَاتِ عِرْقٍ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حَيْثُ أَكْمَلَ اللَّهُ دِينَهُ، وَبَعْدَ أَنْ أَكْمَلَ

اللَّهُ دِينَهُ لَمْ يُغَيِّرْهُ.
وَلِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَذْكُرْهُ لَمَّا ذَكَرَ حَدِيثَهُ الْمَشْهُورَ، فَيَكُونُ إِنْ كَانَ حَدَّثَ بِهِ مَرَّةً قَدْ تَرَكَهُ لِمَا عَلِمَ مِنْ نَسْخِهِ، وَلِهَذَا لَمْ يَرْوِهِ عَنْهُ إِلَّا وَلَدُهُ الَّذِي قَدْ يَقْصِدُ بِتَحْدِيثِهِمْ إِخْبَارَهُمْ بِمَا قَدْ وَقَعَ، لَا لِأَنْ يَبْنِيَ الْحُكْمَ عَلَيْهِ.
وَمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ يُحْرِمُ مِنْهُ فَكَمَا كَانَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ يُحْرِمُ مِنَ الْبَصْرَةِ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يُحْرِمُ مِنَ الرَّبَذَةِ.

فَصْلٌ وَأَمَّا ذُو الْحُلَيْفَةِ فَهِيَ أَبْعَدُ الْمَوَاقِيتِ عَنْ مَكَّةَ كَأَنَّهَا - اللَّهُ أَعْلَمُ - تَصْغِيرُ حَلِفَةٍ، وَحَلِيفَةٍ، وَهِيَ وَاحِدَةُ الْحُلَفَاءِ، وَهِيَ خَشَبٌ يَنْبُتُ فِي الْمَاءِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ عَشْرُ مَرَاحِلَ، وَهِيَ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى مِيلٍ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَأَظُنُّ هَذَا غَلَطًا بَلْ هِيَ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى فَرْسَخٍ، وَبِهَا الْمَسْجِدُ الَّذِي أَحْرَمَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْبِئْرُ الَّذِي تُسَمِّيهَا الْعَامَّةُ بِئْرَ عَلِيٍّ، وَحَدُّهَا

مِنْ.
. . . وَيَلِيهَا فِي الْبُعْدِ الْجُحْفَةُ، قِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ السَّيْلَ أَجْحَفَ بِأَهْلِهَا إِلَى الْجَبَلِ الَّذِي هُنَاكَ، وَهِيَ مِنْ مَكَّةَ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاحِلَ، وَتُسَمَّى مَهْيَعَةَ، وَهِيَ الَّتِي دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَقْلِ حُمَّى الْمَدِينَةِ إِلَيْهَا، وَهِيَ قَرْيَةٌ قَدِيمَةٌ، وَهِيَ الْيَوْمَ خَرَابٌ، وَبِهَا أَثَرُ الْحَمَامِ الَّتِي دَخَلَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَقَدْ صَارَ النَّاسُ لِأَجْلِ خَرَابِهَا يُحْرِمُونَ قَبْلَهَا مِنْ رَابِغٍ لِأَجْلِ أَنَّ بِهَا الْمَاءَ لِلِاغْتِسَالِ.

وَأَمَّا قَرْنٌ بِسُكُونِ الرَّاءِ فَيُقَالُ لَهُ قَرْنُ الثَّعَالِبِ، وَقَرْنُ الْمَنَازِلِ، وَهُوَ.
. . . وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ فَهُوَ مِيقَاتٌ لِأَهْلِ نَجْدٍ وَالطَّائِفِ وَتِهَامَةِ نَجْدٍ وَمَا بِتِلْكَ النَّوَاحِي.
وَأَمَّا يَلَمْلَمُ وَيُقَالُ لَهُ أَلَمْلَمُ فَهُوَ جَبَلٌ بِتِهَامَةَ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ، وَهِيَ مِيقَاتٌ لِأَهْلِ الْيَمَنِ وَتِهَامَةِ الْيَمَنِ، وَهُوَ تِهَامَةُ الْمَعْرُوفُ.
وَذَاتُ عِرْقٍ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ قَاصِدَتَانِ.
. . .

وَهَذِهِ الْمَوَاقِيتُ هِيَ الْأَمْكِنَةُ الَّتِي سَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ بِعَيْنِهَا فِي زَمَانِهِ، وَلَوْ كَانَ قَرْيَةً فَخَرِبَتْ، وَبُنِيَ غَيْرُهَا، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ الِاسْمِ، فَالْمِيقَاتُ هُوَ الْقَرْيَةُ الْقَدِيمَةُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي عَيَّنَهُ الشَّارِعُ لِلْإِحْرَامِ، وَيُشْبِهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَهَا عَلَى حَدٍّ مُتَقَارِبٍ مَرْحَلَتَانِ لِكَوْنِهِ مَسَافَةَ الْقَصْرِ إِلَّا مِيقَاتَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَإِنَّ مَسَافَةَ سَفَرِهِمْ قَرِيبَةٌ إِذْ هِيَ أَكْبَرُ الْأَمْصَارِ الْكِبَارِ إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا كَانَ غَيْرُهُمْ يَقْطَعُ مَسَافَةً بَعِيدَةً بَيْنَ مِصْرِهِ وَمَكَّةَ، عَوَّضَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنْ قَصُرَتْ عَنْهُ مَسَافَةُ إِهْلَالِهِ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ لَا يَقْطَعُونَ إِلَّا مَسَافَةً قَرِيبَةً فَجُعِلَتْ عَامَّتُهَا إِهْلَالًا، وَأَهْلُ الشَّامِ أَقْرَبُ مِنْ غَيْرِهِمْ فَكَذَلِكَ كَانَ مِيقَاتُهُمْ أَبْعَدَ، وَمَنْ مَرَّ عَلَى غَيْرِ بَلَدِهِ فَإِنَّهُ بِمُرُورِهِ فِي ذَلِكَ الْمِصْرِ يَجِدُ مِنَ الرَّفَاهِيَةِ وَالرَّاحَةِ مَا يُلْحِقُهُ بِأَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ.

[مَسْأَلَةٌ المواقيت لأهلها ولمن مر عليها]

مَسْأَلَةٌ: وَهَذِهِ الْمَوَاقِيتُ لِأَهْلِهَا، وَلِكُلِّ مَنْ مَرَّ عَلَيْهَا، وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَنْ مَرَّ بِهَذِهِ الْمَوَاقِيتِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْهَا، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْوَجْهِ الَّذِي وُقِّتَ الْمِيقَاتُ لَهُ أَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ ذَلِكَ الْوَجْهِ، لَكِنَّهُ سَلَكَهُ مَعَ أَهْلِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ بَعْدَ هَذَا يَمُرُّ عَلَى مِيقَاتِ الْوَجْهِ الَّذِي هُوَ مِنْهُ أَوْ لَا يَمُرُّ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَهْلِ الشَّامِ فَإِنَّهُمْ قَدْ صَارُوا فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ يُعَرِّجُونَ عَنْ طَرِيقِهِمْ لِيَمُرُّوا بِالْمَدِينَةِ فَيَمُرُّونَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُحْرِمُوا مِنْهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ عَرَّجَ أَهْلُ الْعِرَاقِ إِلَى الْمَدِينَةِ أَوْ خَرَجَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى غَيْرِ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَهِيَ الطَّرِيقُ الْأُخْرَى.
وَمَنْ مَرَّ عَلَى مِيقَاتَيْنِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَبْعَدِهِمَا مِنْ مَكَّةَ، قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ: إِذَا مَرَّ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ بِالْمَدِينَةِ، وَأَرَادَ الْحَجَّ فَإِنَّهُ يُهِلُّ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ يَرْوِي عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَوَاقِيتِ: " «هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ» "، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فَهُنَّ لَهُنَّ " أَيْ: لِهَذِهِ الْأَمْصَارِ وَأَهْلِهَا " وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ» أَيْ: وَلِمَنْ أَتَى عَلَى الْمَوَاقِيتِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمَحَلِّ، أَيْ: مِمَّنْ أَتَى عَلَى مِيقَاتٍ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مِصْرِهِ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ لَا يَأْتِي عَلَيْهِنَّ جَمِيعِهِنَّ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَخْرُجُ

عَنْ هَذِهِ الْأَمْصَارِ، فَجَعَلَ الْمِيقَاتَ لِكُلِّ مَنْ مَرَّ بِهِ مِنْ أَهْلِ وَجْهِهِ وَمِنْ غَيْرِ أَهْلِ وَجْهِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ وَجْهِ مِيقَاتٍ آخَرَ.
وَقَوْلُهُ: " لَهُنَّ " أَيْ لِمَنْ جَاءَ عَلَى طَرِيقِهِنَّ، وَسَلَكَهُ، وَقَدْ رَوَى سَعِيدٌ أَنَّ ابْنَ يَحْيَى قَالَ: ثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ ذَاتَ عِرْقٍ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، وَلِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ مَرَّ بِهِمْ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَمَنْ سَاحَلَ+ الْجُحْفَةَ» ". وَرَوَى سَعِيدٌ عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لِمَنْ سَاحَلَ+ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ» " فَقَدْ بَيَّنَ عُرْوَةُ فِي رِوَايَتِهِ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ ذَا الْحُلَيْفَةِ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَمَنْ مَرَّ بِهِمْ»، وَأَنَّ الْجُحْفَةَ إِنَّمَا وَقَّتَهَا لِلشَّامِيِّ إِذَا سَلَكَ تِلْكَ الطَّرِيقَ، طَرِيقَ السَّاحِلِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَوَاقِيتَ مُحِيطَةٌ بِالْبَيْتِ كَإِحَاطَةِ جَوَانِبِ الْحَرَمِ، فَكُلُّ مَنْ مَرَّ مِنْ جَوَانِبِ الْحَرَمِ لَزِمَهُ تَعْظِيمُ حُرْمَتِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ جَوَانِبِهِ أَبْعَدَ مِنْ بَعْضٍ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ قُرْبَ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ وَبُعْدَهَا؛ لِمَا يَحِلُّ لِأَهْلِ بِعِيدِهَا مِنَ الرَّفَاهِيَةِ، وَذَلِكَ +يَشْرَكُهُمْ فِيهِ كُلُّ مَنْ دَخَلَ مِصْرَهُمْ، فَإِنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا دَخَلَ مِصْرًا، وَأَقَامَ فِيهَا أَيَّامًا انْحَطَّ عَنْهُ عَظَمَةُ مَشَقَّةِ سَفَرِهِ فَوَجَدَ الطَّعَامَ، وَالْعَلَفَ، وَالظِّلَّ، وَالْأَمْنَ، وَخَفَّفَ

أَحْمَالَهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ الرِّفْقِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذِهِ الْمَوَاقِيتَ حُدُودُ النُّسُكِ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَدَّى حُدُودَ اللَّهِ.

[مَسْأَلَةٌ ميقات من دون المواقيت للحج]

مَسْأَلَةٌ: (وَمَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ فَمِيقَاتُهُ مِنْ مَوْضِعِهِ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا لِحَجِّهِمْ، وَيُهِلُّونَ لِلْعُمْرَةِ مِنَ الْحِلِّ.
فِي هَذَا الْكَلَامِ فَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا: فِي غَيْرِ الْمَكِّيِّ إِذَا كَانَ مَسْكَنُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ إِلَى مَكَّةَ فَإِنَّهُ يُهِلُّ مِنْ أَهْلِهِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: («فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَلِكَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا» أَيْ وَمِثْلُ هَذَا الَّذِي قُلْتُ يَفْعَلُ هَؤُلَاءِ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ.
قَالَ أَحْمَدُ: فَمَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ بِالْجُحْفَةِ أَهَلَّ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ كَانَ دُونَ الْجُحْفَةِ إِلَى مَكَّةَ أَهَلَّ مِنْ مَوْضِعِهِ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْ مَكَّةَ.
فَإِنْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ: فَلَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ الْجَانِبِ الَّذِي يَلِي مَكَّةَ وَالْجَانِبِ الْبَعِيدِ مِنْهَا، وَإِحْرَامُهُ مِنْهُ أَفْضَلُ.
قَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا: وَيَتَوَجَّهُ أَنْ يَكُونَ إِحْرَامُهُ مِنْ مَنْزِلِهِ أَفْضَلَ؛ لِأَنَّ اسْتِحْبَابَ الرُّجُوعِ لَهُ إِلَى آخِرِ الْقَرْيَةِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ فِي وَادٍ يَقْطَعُهُ عَرْضًا فَمِيقَاتُهُ حَذْوَ مَسْكَنِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي حَلَّةٍ .. مِنْ حِلَلِ الْبَادِيَةِ أَحْرَمَ مِنْ حَلَّتِهِ.
وَهَذَا فِيمَنْ كَانَ مُسْتَوْطِنًا فِي مَكَانٍ دُونَ الْمِيقَاتِ كَأَهْلِ عُسْفَانَ وَجُدَّةَ

وَالطَّائِفِ، أَوْ ثَمَّتْ فِي بَعْضِ الْمِيَاهِ فَأَنْشَأَ قَصْدَ الْحَجِّ مِنْ وَطَنِهِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَوْطِنًا، بَلْ أَقَامَ بِبَعْضِ هَذِهِ الْأَمْكِنَةِ لِحَاجَةٍ يَقْضِيهَا فَبَدَا لَهُ الْحَجُّ مِنْهَا ... ، أَوْ لَمْ يَكُنْ مُقِيمًا بَلْ جَاءَ مُسَافِرًا إِلَيْهَا لِحَاجَةٍ ثُمَّ بَدَا لَهُ الْحَجُّ مِنْهَا.
فَأَمَّا إِنْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِهَا قَدْ سَافَرَ إِلَى أَبْعَدَ مِنَ الْمِيقَاتِ، ثُمَّ مَرَّ عَلَى الْمِيقَاتِ مُرِيدًا لِلْحَجِّ أَوْ لِمَكَّةَ ... . وَإِنْ سَافِرَ إِلَى أَبْعَدَ مِنْ مَسْكَنِهِ دُونَ الْمِيقَاتِ، وَبَدَا لَهُ سَفَرًا الْحَجُّ مِنْ هُنَاكَ بِحَيْثُ يَمُرُّ عَلَى أَهْلِهِ مُرُورَ مُسَافِرٍ لِلْحَجِّ.

[فَأَمَّا إِنْ عَرَضَ لَهُ هُنَاكَ أَنَّهُ إِذَا جَاءَ أَهْلَهُ سَافَرَ لِلْحَجِّ] ... .

(الْفَصْلُ الثَّانِي) فِي أَهْلِ مَكَّةَ، وَهُمْ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: مُسْتَوْطِنٌ بِهَا، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْأَصْلِ مَكِّيًّا أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَمُقِيمٌ بِهَا، سَوَاءٌ غَيْرُ مُسْتَوْطِنٍ كَالْمُجَاوِرِينَ وَنَحْوِهِمْ، وَمُسَافِرٌ.
فَأَمَّا أَهْلُ مَكَّةَ: فَإِنَّهُمْ يُحْرِمُونَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ: " «حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا» " وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْرِمُوا ... . قَالَ أَحْمَدُ وَالْخِرَقِيُّ - فِي أَهْلِ مَكَّةَ -: يُهِلُّونَ مِنْ مَكَّةَ، فَإِنْ أَحْرَمَ الْمَكِّيُّ خَارِجَ مَكَّةَ مِنَ الْحَرَمِ الَّذِي يَلِي عَرَفَةَ كَالْأَبْطَحِ وَمِنًى وَمُزْدَلِفَةَ فَهَلْ يُجْزِئُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي.
فَعَلَى الْمَشْهُورِ إِذَا أَحْرَمَ مِنَ الْحِلِّ جَازَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ

سَوَاءٌ عَادَ إِلَى الْحَرَمِ، أَوْ لَمْ يَعُدْ وَمَضَى عَلَى إِحْرَامِهِ إِلَى عَرَفَةَ.
قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ - وَقَدْ ذَكَرَ لَهُ قَوْلَ سُفْيَانَ: الْحَرَمُ مِيقَاتُ أَهْلِ مَكَّةَ، فَمَنْ خَرَجَ مِنَ الْحَرَمِ فَلَمْ يُهِلَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَرْجِعَ، وَأَرَى عَلَيْهِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ حَدَّهُمْ بِمَا أَرَى عَلَى غَيْرِهِمْ إِذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ لَهُمْ حَدٌّ مُؤَقَّتٌ إِلَّا أَنَّهُ أَعْجَبُ إِلَيَّ أَنْ يُحْرِمُوا مِنَ الْحَرَمِ إِذَا تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى.
وَنَقَلَ عَنْهُ الْأَثْرَمُ فِي رَجُلٍ تَمَتَّعَ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ مِنْهَا ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ خَرَجَ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ، ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَى مِنًى وَعَرَفَاتٍ وَلَمْ يَأْتِ الْبَيْتَ: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، إِلَّا أَنَّ هَذَا قَدْ أَحْرَمَ مِنَ الْحِلِّ الْأَقْصَى مِنْ عَرَفَاتٍ وَمَرَّ بِمِنًى فِي طَرِيقِهِ وَهِيَ مِنَ الْحَرَمِ، وَلَيْسَ فِي مِثْلِ هَذَا خِلَافٌ عَنْهُ، وَلَفْظُهُ: وَالَّذِي يُحْرِمُ مِنْ مَكَّةَ يُحْرِمُ مِنْ مَكَّةَ إِذَا تَوَجَّهَ إِلَى مِنًى كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَوْ أَنَّ مُتَمَتِّعًا جَهِلَ فَأَهَّلَ بِالْحَجِّ مِنَ التَّنْعِيمِ، ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَى مِنًى وَعَرَفَاتٍ وَلَمْ يَأْتِ الْبَيْتَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي وَالشَّرِيفِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَأَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ أَنْ يَجْمَعُوا فِي الْإِحْرَامِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَهَذَا يَحْصُلُ بَعْدَ التَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يُحْرِمُوا مِنْ نَفْسِ مَكَّةَ لِكَوْنِهَا

مِيقَاتًا لَمْ يَجُزِ الْخُرُوجُ مِنْهَا إِلَّا بِالْإِحْرَامِ [وَقَدْ دَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى جَوَازِ الْخُرُوجِ مِنْهَا بِغَيْرِ إِحْرَامٍ] وَجَوَازِ الْإِحْرَامِ مِنَ الْبَطْحَاءِ، وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ فِي الْأَصْلِ إِنَّمَا وَجَبَ لِدُخُولِ الْحَرَمِ، أَمَّا لِلْخُرُوجِ إِلَى الْحِلِّ فَلَا، فَإِذَا خَرَجَ أَهْلُ مَكَّةَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ إِحْرَامٌ لِخُرُوجِهِمْ إِلَى عَرَفَاتٍ بِخِلَافِ مَا إِذَا رَجَعُوا، وَلِأَنَّ قَطْعَ الْمَسَافَةِ بِالْخُرُوجِ إِلَى عَرَفَاتٍ لَيْسَ مِنَ الْحَجِّ الْمَقْصُودِ لِنَفْسِهِ.
وَلِهَذَا لَوْ تَرَكَ الْمَبِيتَ بِمِنًى لَيْلَةَ عَرَفَةَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ دَمٌ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ... .

(فَصْلٌ) وَأَمَّا الْمَكِّيُّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَمِرَ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ إِلَى الْحِلِّ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْبَلَدِ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ هُوَ فِي الْحَرَمِ، قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ - لَيْسَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ عُمْرَةٌ، وَإِنَّمَا الْعُمْرَةُ لِغَيْرِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 196] إِلَّا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: " يَا أَهْلَ مَكَّةَ مَنْ أَرَادَ مِنْكُمُ الْعُمْرَةَ فَلْيَجْعَلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا بَطْنَ مُحَسِّرٍ ". وَإِذَا أَرَادَ الْمَكِّيُّ وَغَيْرُهُ الْعُمْرَةَ: أَهَلَّ مِنَ الْحِلِّ، وَأَدْنَاهُ مِنَ التَّنْعِيمِ، وَقَالَ أَيْضًا: " لَيْسَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ عُمْرَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْتَمِرُونَ فِي كُلِّ يَوْمٍ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ فَمَنْ أَرَادَ مِنْهُمْ أَنْ يَعْتَمِرَ خَرَجَ إِلَى التَّنْعِيمِ وَتَجَاوَزَ الْحَرَمَ " وَذَلِكَ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: " «لَمَّا خَرَجْتُ مَعَهُ - تَعْنِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّفَرِ الْآخِرِ حَتَّى نَزَلَ الْمُحَصَّبَ وَنَزَلْنَا مَعَهُ فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنَ الْحَرَمِ فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ لِتَطُفْ بِالْبَيْتِ، فَإِنِّي أَنْتَظِرُكُمَا هَاهُنَا، فَخَرَجْنَا فَأَهْلَلْتُ ثُمَّ طُفْتُ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَجِئْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي مَنْزِلِهِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فَقَالَ: هَلْ فَرَغْتِ، قُلْتُ: نَعَمْ، فَأَذَّنَ فِي أَصْحَابِهِ بِالرَّحِيلِ فَخَرَجَ فَمَرَّ بِالْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى

الْمَدِينَةِ» " [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ] مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا مِنْ حَدِيثِ الْقَاسِمِ وَالْأَسْوَدِ «عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ وَأَصْدُرُ بِنُسُكٍ وَاحِدٍ، قَالَ: انْتَظِرِي فَإِذَا طَهُرْتِ فَاخْرُجِي إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهِلِّي مِنْهُ، ثُمَّ ائْتِينَا بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ أَوْ نَصَبِكِ» وَفِي لَفْظٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ: " «فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَرْجِعُ النَّاسُ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ، قَالَ: أَوَمَا كُنْتِ طُفْتِ لَيَالِيَ قَدِمْنَا مَكَّةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَاذْهَبِي مَعَ أَخِيكِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهِلِّي بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ مَوْعِدُكِ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: " «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أُرْدِفَ عَائِشَةَ، وَأُعْمِرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ،

وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: " «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَهْلِ مَكَّةَ التَّنْعِيمَ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ... . فَقَدْ تَبَيَّنَ: أَنَّ الْعُمْرَةَ لِمَنْ هُوَ بِالْحَرَمِ لَا بُدَّ فِيهَا مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى الْحِلِّ، قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ: لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي النُّسُكِ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَأَفْعَالُ الْعُمْرَةِ هِيَ فِي الْحَرَمِ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنَ الْحَرَمِ لَمَا وَقَعَ شَيْءٌ مِنْهَا فِي الْحِلِّ، بِخِلَافِ الْحَجِّ فَإِنَّ أَحَدَ رُكْنَيْهِ وَهُوَ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ يَقَعُ فِي الْحِلِّ لِأَنَّ عَرَفَاتٍ مِنَ الْحِلِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ هِيَ الزِّيَارَةُ، وَمِنْهُ الْعُمْرَةُ، وَهُوَ أَنْ يَبْنِيَ الرَّجُلُ بِامْرَأَتِهِ فِي أَهْلِهَا، فَإِنْ نَقَلَهَا إِلَى أَهْلِهِ فَهُوَ الْعُرْسُ قَالَهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ.
وَالزِّيَارَةُ لَا تَكُونُ مَعَ الْإِقَامَةِ بِالْمَزُورِ وَإِنَّمَا تَكُونُ إِذَا كَانَ خَارِجًا مِنْهُ فَجَاءَ

إِلَيْهِ لِيَزُورَهُ، وَلِهَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لَمْ يَكُنْ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ عُمْرَةٌ لِأَنَّهُمْ مُقِيمُونَ بِالْبَيْتِ عَلَى الدَّوَامِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْعُمْرَةَ هِيَ الْحَجُّ الْأَصْغَرُ، وَالْحَجُّ أَنْ يُقْصَدَ الْمَحْجُوجُ فِي بَيْتِهِ، وَالْحَرَمُ هُوَ فِنَاءُ بَيْتِ اللَّهِ فَمَنْ لَمْ يَقْصِدِ الْحَرَمَ مِنَ الْحِلِّ لَمْ يَتَحَقَّقْ مَعْنَى الْحَجِّ فِي حَقِّهِ إِذْ هُوَ لَمْ يَنْزَحْ مِنْ دَارِهِ، وَلَمْ يَقْصِدِ الْمَحْجُوجَ.
وَالْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ مِنْ أَقْصَى الْحِلِّ أَفْضَلُ مِنْ أَدْنَاهُ، وَكُلَّمَا تَبَاعَدَ فِيهَا فَهُوَ أَفْضَلُ حَتَّى يَصِيرَ إِلَى الْمِيقَاتِ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَقَدْ سُئِلَ مِنْ أَيْنَ يَعْتَمِرُ الرَّجُلُ؟ قَالَ: يَخْرُجُ إِلَى الْمَوَاقِيتِ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ كَمَا فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَعَائِشَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَحْرَمُوا مِنَ الْمَوَاقِيتِ، فَإِنْ أَحْرَمَ مِنَ التَّنْعِيمِ فَهُوَ عُمْرَةٌ وَذَاكَ أَفْضَلُ، وَالْعُمْرَةُ عَلَى قَدْرِ تَعَبِهَا.
وَالْعُمْرَةُ كُلَّمَا تَبَاعَدَ فِيهَا أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ، وَهُوَ عَلَى قَدْرِ تَعَبِهَا وَإِنْ دَخَلَ فِي شَعْبَانَ، أَوْ رَمَضَانَ فَإِنْ شَاءَ أَنْ يَعْتَمِرَ اعْتَمَرَ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَأَلْتُ أَبِي عَنْ عُمْرَةِ الْمُحْرِمِ تُرَاهُ مِنْ مَسْجِدِ عَائِشَةَ أَوْ مِنَ

الْمِيقَاتِ - أَوِ الْمُقَامُ بِمَكَّةَ وَالطَّوَافُ بِقَدْرِ مَا تَعِبْتُ، أَوِ الْخُرُوجُ إِلَى الْمِيقَاتِ لِلْعُمْرَةِ؟ فَقَالَ: يُرْوَى عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ - فِي عُمْرَةِ التَّنْعِيمِ -: " هِيَ عَلَى قَدْرِ نَصَبِهَا وَنَفَقَتِهَا " فَكُلَّمَا كَانَ أَكْثَرَ مِنَ النَّفَقَةِ وَالتَّعَبِ فَالْأَجْرُ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ.
وَهَذَا نَصٌّ بِأَنَّ الْخُرُوجَ بِهَا إِلَى الْمِيقَاتِ أَفْضَلُ، وَأَنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ مِنَ الْمُقَامِ بِمَكَّةَ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ - قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] وَقَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّمَا الْعُمْرَةُ عَلَى قَدْرِ سَفَرِكَ وَنَفَقَتِكَ، وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِلرَّجُلِ: اذْهَبْ إِلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ عَلِيٌّ: أَحْرِمْ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ.
وَقَالَ طَاوُسٌ: الَّذِينَ يَعْتَمِرُونَ مِنَ التَّنْعِيمِ مَا أَدْرِي يُؤْجَرُونَ أَوْ يُعَذَّبُونَ؟ قِيلَ لَهُ: فَلِمَ يُعَذَّبُونَ! قَالَ: لِأَنَّهُ يَدَعُ الْبَيْتَ وَالطَّوَافَ وَيَخْرُجُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ،

وَيَجِيءُ أَرْبَعَةَ أَمْيَالٍ قَدْ طَافَ مِائَتَيْ طَوَافٍ، وَكُلَّمَا طَافَ كَانَ أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ أَنْ يَمْشِيَ فِي غَيْرِ شَيْءٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعَائِشَةَ: " وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ أَوْ نَصَبِكِ».
وَعَنْ عَلْقَمَةَ - فِي الْعُمْرَةِ بَعْدَ الْحَجِّ -: هِيَ بِحَسَبِهَا، قَالَتْ عَائِشَةُ: " لَهُ مِنَ الْأَجْرِ عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِهِ وَمَسِيرِهِ " رَوَاهُ سَعِيدٌ.
فَعَلَى هَذَا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ هُوَ بِمَكَّةَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا: أَنْ يَخْرُجَ إِلَى أَقْصَى الْحِلِّ وَإِنْ خَرَجَ إِلَى مِيقَاتِهِ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَإِنْ رَجَعَ إِلَى مِصْرِهِ فَأَنْشَأَ لَهَا سَفْرَةً أُخْرَى فَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْجَمِيعِ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: الْعُمْرَةُ عَلَى قَدْرِ تَعَبِهَا وَنَصَبِهَا، وَبُعْدِ مَوْضِعِهَا وَنَفَقَتِهَا، وَأَنْ يُنْشِئَ لَهَا قَصْدًا مِنْ مَوْضِعِهِ، كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " كُلَّمَا تَبَاعَدَ فِي الْعُمْرَةِ فَهُوَ أَعْظَمُ أَجْرًا ". وَظَاهِرُ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يَتَبَاعَدَ فَيُحْرِمَ مِنَ الْمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ إِحْرَامِهِ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ.
قَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا: الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ مِنَ الْمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِ، قَالَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ: وَالْعُمْرَةُ بِمَكَّةَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَخْتَارُهَا عَلَى الطَّوَافِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُ الْمُقَامَ بِمَكَّةَ وَالطَّوَّافَ.

وَاحْتَجَّ مَنِ اخْتَارَهَا بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْمَرَ عَائِشَةَ مِنَ التَّنْعِيمِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يُسْتَحَبُّ الْإِحْرَامُ مِنَ الْجِعِرَّانَةِ، فَإِنْ فَاتَهُ ذَلِكَ أَحْرَمَ مِنَ التَّنْعِيمِ فَإِنْ فَاتَهُ فَمِنَ الْحُدَيْبِيَةِ.
وَكَذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ التَّنْعِيمَ هُنَا، وَعُمْدَةُ ذَلِكَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَمَرَ مِنَ الْجِعِرَّانَةِ، وَاعْتَمَرَ عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ وَأَمَرَ عَائِشَةَ أَنْ تَعْتَمِرَ مِنَ التَّنْعِيمِ»، فَخُصَّتْ هَذِهِ بِالْفَضْلِ، وَكَانَ أَفْضَلَ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: الْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ التَّنْعِيمِ، فَأَمَّا الِاعْتِمَارُ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ فَلَا فَضْلَ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَعْتَمِرْ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ قَطُّ، وَإِنَّمَا اعْتَمَرَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، فَلَمَّا صَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ حَلَّ بِالْحُدَيْبِيَةِ مِنْ إِحْرَامِهِ، وَكَذَلِكَ الْجِعِرَّانَةُ لَيْسَ فِي خُرُوجِ الْمَكِّيِّ إِلَيْهَا بِخُصُوصِهَا سُنَّةٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَعْتَمِرْ مِنْ مَكَّةَ قَطُّ، وَإِنَّمَا أَعْمَرَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مِنَ

التَّنْعِيمِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَإِنَّمَا اعْتَمَرَ مِنَ الْجِعِرَّانَةِ لَمَّا قَسَّمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ لِأَنَّهَا كَانَتِ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَنْشَأَ مِنْهُ الْعُمْرَةَ وَهُوَ دُونَ الْمَوَاقِيتِ فَيُنْشِئُ الْعُمْرَةَ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَلَا يُقَاسُ بِهَذَا أَنْ يَخْرُجَ الْمَكِّيُّ إِلَى ذَاكَ الْمَوْضِعِ فَيُحْرِمَ مِنْهُ.
وَإِنَّمَا السُّنَّةُ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْحِلِّ مِنْ أَيِّ الْجَوَانِبِ كَانَ لَكِنْ جِهَةَ بَلَدِ الْمُعْتَمِرِ ... . وَإِنْ أَحْرَمَ الْحَرَمِيُّ بِالْعُمْرَةِ مِنَ الْحَرَمِ: فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَحْرَمَ دُونَ الْمِيقَاتِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، وَإِذَا فَعَلَهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِهِ بَعْضَ نُسُكِهِ.
وَلَا يَسْقُطُ الدَّمُ بِخُرُوجِهِ إِلَى الْحَرَمِ، كَمَا لَا يَسْقُطُ الدَّمُ بِعَوْدِهِ إِلَى الْمِيقَاتِ إِذَا أَحْرَمَ دُونَهُ، لَكِنَّهُ إِنْ خَرَجَ إِلَى الْحِلِّ قَبْلَ الطَّوَافِ وَرَجَعَ صَحَّتْ عُمْرَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ إِلَى الْحِلِّ حَتَّى طَافَ وَسَعَى وَقَصَّرَ: فَفِيهِ وَجْهَانِ خَرَّجَهُمَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِطَوَافِهِ وَسَعْيِهِ، بَلْ يَقَعُ بَاطِلًا لِأَنَّهُ نُسُكٌ فَكَانَ مِنْ شَرْطِهِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ كَالْحَجِّ.
وَلِأَنَّ الْحِلَّ لَوْ لَمْ يَجِبْ إِلَّا لِأَنَّهُ مِيقَاتٌ لَكَانَ مَنْ إِنْ شَاءَ الْعُمْرَةَ دُونَهُ تُجْزِئُهُ

كَمَوَاقِيتِ الْحَجِّ، وَلَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَائِشَةَ أَنْ تَخْرُجَ إِلَى الْحِلِّ فَتُهِلَّ بِالْعُمْرَةِ: عُلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْعُمْرَةُ مِنَ الْحِلِّ.
فَعَلَى هَذَا وُجُودُ الطَّوَافِ وَمَا بَعْدَهُ كَعَدَمِهِ لَا يَتَحَلَّلُ بِذَلِكَ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْحِلِّ ثُمَّ يَطُوفَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ قَصَّرَ رَأْسَهُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَصَّرَ قَبْلَ الطَّوَافِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ وَطِئَ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ تَحَلَّلَ كَانَ كَمَنْ وَطِئَ قَبْلَ الطَّوَافِ فَتَفْسُدُ بِذَلِكَ عُمْرَتُهُ وَعَلَيْهِ دَمُ الْإِفْسَادِ، وَإِتْمَامُهَا بِالْخُرُوجِ إِلَى الْحِلِّ وَالطَّوَافِ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَضَاهَا بَعْدَ ذَلِكَ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ: أَنَّ الْعُمْرَةَ صَحِيحَةٌ، وَعَلَيْهِ دَمٌ لِمَا تَرَكَهُ مِنَ الْإِحْرَامِ مِنَ الْمِيقَاتِ لِأَنَّ مَنْ تَرَكَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا فَعَلَيْهِ دَمٌ، لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّهُ تَرَكَ بَعْضَ الْمِيقَاتِ وَهَذَا لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ، وَإِنَّمَا يُوجِبُ الدَّمَ.
ابْنُ أَبِي مُوسَى: وَمَنْ أَرَادَ الْعُمْرَةَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ: فَلْيَخْرُجْ إِلَى أَقْرَبِ الْحِلِّ فَيُحْرِمْ مِنْهُ، وَمَنْ كَانَ بِمَكَّةَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، وَأَرَادَ الْعُمْرَةَ الْوَاجِبَةَ: فَلْيَخْرُجْ إِلَى الْمِيقَاتِ لِيُحْرِمَ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ إِلَى الْمِيقَاتِ وَأَحْرَمَ بِهَا دُونَ الْمِيقَاتِ أَجْزَأَتْهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ، كَمَا قُلْنَا فِيمَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ: إِنَّ عَلَيْهِ دَمًا.

[مَسْأَلَةٌ ميقات من لم يكن طريقه على ميقات]

مَسْأَلَةٌ: (وَمَنْ لَمْ يَكُنْ طَرِيقُهُ عَلَى مِيقَاتٍ فَمِيقَاتُهُ حَذْوَ أَقْرَبِهَا إِلَيْهِ.
وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ طَرِيقُهُ عَلَى غَيْرِ مِيقَاتٍ فِي بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ: فَإِنَّهُ يُحْرِمُ إِذَا حَاذَى أَقْرَبَ الْمَوَاقِيتِ إِلَى طَرِيقِهِ سَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْمِيقَاتُ هُوَ الْأَبْعَدَ عَنْ مَكَّةَ، أَوِ الْأَقْرَبَ مِثْلَ مَنْ يَمُرُّ بَيْنَ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَالْجُحْفَةِ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ يَقْرُبُ إِلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ إِذَا حَاذَاهَا أَكْثَرَ مِمَّا يَقْرُبُ إِلَى الْجُحْفَةِ: أَحْرَمَ مِنْهَا، [وَإِنْ كَانَ قُرْبُهُ إِلَى الْجُحْفَةِ إِذَا حَاذَاهَا أَكْثَرَ أَحْرَمَ مِنْهَا] لِأَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ قَالُوا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ قَرْنًا جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا، وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا أَنْ نَأْتِيَهَا شَقَّ عَلَيْنَا، فَقَالَ: " انْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ، قَالَ فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ " فَلَمْ يَأْمُرْهُمْ عُمَرُ، وَالْمُسْلِمُونَ بِالْمُرُورِ بِقَرْنٍ، بَلْ جَعَلُوا مَا يُحَاذِيهَا بِمَنْزِلَتِهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ مِمَّا يُحَاذِي الْمِيقَاتَ بِمَنْزِلَةِ الْإِحْرَامِ مِنْ نَفْسِ الْمِيقَاتِ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ بُعْدُهُمَا عَنِ الْبَيْتِ وَاحِدًا: لَمْ يَكُنْ فِي نَفْسِ الْمِيقَاتِ مَقْصُودٌ، وَلِأَنَّ فِي الْمَيْلِ وَالتَّعْرِيجِ إِلَى نَفْسِ الْمُؤَقَّتِ مَشَقَّةً عَظِيمَةً وَإِنَّمَا يُحْرِمُ مِمَّا يَقْرُبُ مِنْهُ إِذَا حَاذَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ أَقْرَبَ الْمَوَاقِيتِ إِلَيْهِ وَإِلَى طَرِيقِهِ إِذَا مَرَّ كَانَ اعْتِبَارُهُ فِي حَقِّهِ أَوْلَى مِنَ اعْتِبَارِ الْبَعِيدِ كَمَا لَوْ مَرَّ بِهِ نَفْسِهِ، فَلَوْ مَرَّ بَيْنَ مِيقَاتَيْنِ، وَكَانَ قُرْبُهُ إِلَيْهِمَا سَوَاءً أَحْرَمَ مِنْ حَذْوِ أَبْعَدِهِمَا مِنْ مَكَّةَ كَمَا لَوْ مَرَّ فِي طَرِيقِهِ عَلَى مِيقَاتَيْنِ فَإِنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ أَبْعَدِهِمَا؛ لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِلْإِحْرَامِ مِنْهُ مَوْجُودٌ مِنْ غَيْرِ رُجْحَانٍ لِغَيْرِهِ عَلَيْهِ، وَيُعْرَفُ مُحَاذَاتُهُ لِلْمُؤَقَّتِ وَكَوْنُهُ هُوَ الْأَقْرَبَ إِلَيْهِ بِالِاجْتِهَادِ وَالتَّحَرِّي، فَإِنْ شَكَّ فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ الِاحْتِيَاطُ فَيُحْرِمُ مِنْ حَيْثُ يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ لَمْ يُجَاوِزْ حَذْوَ

الْمِيقَاتِ الْقَرِيبِ إِلَيْهِ إِلَّا مُحْرِمًا، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ قَدْ حَاذَى الْمِيقَاتَ الْأَقْرَبَ.

[مَسْأَلَةٌ حكم مجاوزة الميقات دون إحرام]

مَسْأَلَةٌ: (وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ تَجَاوُزُ الْمِيقَاتِ غَيْرَ مُحْرِمٍ إِلَّا لِقِتَالٍ مُبَاحٍ أَوْ حَاجَةٍ تَتَكَرَّرُ كَالْحَطَّابِ وَنَحْوِهِ، ثُمَّ إِنْ أَرَادَ النُّسُكَ أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَإِنْ تَجَاوَزَهُ غَيْرَ مُحْرِمٍ رَجَعَ فَأَحْرَمَ مِنَ الْمِيقَاتِ، فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ دُونِهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ سَوَاءٌ رَجَعَ إِلَى الْمِيقَاتِ أَوْ لَمْ يَرْجِعْ.
فِي هَذَا الْكَلَامِ فُصُولٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّ مَنْ مَرَّ بِهَذِهِ الْمَوَاقِيتِ غَيْرَ مُرِيدٍ لِمَكَّةَ، بَلْ يُرِيدُ مَوْضِعًا مِنَ الْحِلِّ: فَلَا إِحْرَامَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ أَرَادَ مَوْضِعًا مِنَ الْحَرَمِ غَيْرَ مَكَّةَ .. . وَإِنْ أَرَادَ مَكَّةَ لِلْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ تَجَاوُزُ الْمِيقَاتِ إِلَّا مُحْرِمًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَأَهْلِ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَأَهْلِ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ» " وَهَذَا أَمْرٌ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ " إِلَى قَوْلِهِ: " هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ

أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ» وَإِنَّمَا فَائِدَةُ التَّوْقِيتِ: وُجُوبُ الْإِحْرَامِ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَهَا يَجُوزُ الْإِحْرَامُ مِنْهُ فَلَوْ كَانَ مَا بَعْدَهَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْإِحْرَامِ إِلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهَا فَائِدَةٌ.
وَإِنْ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ لِغَيْرِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مِثْلَ تِجَارَةٍ أَوْ زِيَارَةٍ أَوْ سَكَنٍ أَوْ طَلَبِ عِلْمٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْحَاجَاتِ الَّتِي لَا يَشُقُّ مَعَهَا الْإِحْرَامُ، فَإِنَّ السُّنَّةَ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا إِلَّا مُحْرِمًا بِحَجَّةٍ أَوْ بِعُمْرَةٍ، سَوَاءٌ كَانَ وَاجِبًا أَوْ تَطَوُّعًا وَهَذَا وَاجِبٌ عَلَيْهِ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ.
قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: لَا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ إِلَّا بِإِحْرَامٍ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ بِتِجَارَةٍ: أَيَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَهَا بِغَيْرِ إِحْرَامٍ؟ فَقَالَ: لَا يَدْخُلُ مَكَّةَ إِلَّا بِإِحْرَامٍ يَطُوفُ وَيَسْعَى وَيَحْلِقُ، ثُمَّ يَحِلُّ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ.

وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى: أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ وَتَرْكُ الْإِحْرَامِ مَكْرُوهٌ، قَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَالْمَرْوَذِيِّ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ تَاجِرٌ، وَلَا غَيْرُهُ إِلَّا بِإِحْرَامٍ تَعْظِيمًا لِلْحَرَمِ، وَقَدْ دَخَلَ ابْنُ عُمَرَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ.
لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَّنَ أَنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ إِنَّمَا تَجِبُ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَلَوْ أَوْجَبْنَا عَلَى كُلِّ مَنْ دَخَلَهَا أَنْ يَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرَ لَوَجَبَ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي الْمَوَاقِيتِ: " «هُنَّ لَهُنَّ وَلِكُلِّ مَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ» " وَهَذَا لَا يُرِيدُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا رَجَعَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ مِنْ حُنَيْنٍ إِلَى مَكَّةَ ... . وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا بَعَثَ عُثْمَانَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ لِيُخْبِرَهُمْ بِقُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.

وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ بَعَثَهُمْ لِاسْتِخْرَاجِ خُبَيْبٍ ... . وَلِأَنَّ هَذِهِ قُرْبَةٌ مَشْرُوعَةٌ لِتَعْظِيمِ الْبُقْعَةِ فَلَمْ تَجِبْ؛ كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِالطَّوَافِ وَتَحِيَّةِ غَيْرِهِ بِالصَّلَاةِ.
وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَحْضُرَ عَرَفَةَ وَالْمَوْسِمَ مَعَ النَّاسِ مَنْ لَمْ يَنْوِ الْحَجَّ وَلَمْ يُحْرِمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَوْ غَيْرِهِمْ؟ ظَاهِرُ حَدِيثِ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعْظِيمًا لِلْفِعْلِ كَتَعْظِيمِ الْمَكَانِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: مَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ:

جارٍ التحميل