شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الحجصفحات 306-345

باب الْإِحْرَامِ

صفحات 306-345

صَيْدًا ثُمَّ أَرْسَلَهُ، فَإِنْ كَانَ حِينَ أَخَذَهُ أَعْنَتَهُ: تَصَدَّقَ بِشَيْءٍ لِمَكَانٍ أَذَاهُ وَإِذْ عَارَهُ إِيَّاهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَرُمَ عَلَيْهِ تَرْوِيعُهُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا» " وَإِذَا أَرْسَلَهُ وَقَدْ ذُعِرَ وَفَزِعَ: لَمْ يُعِدْهُ إِلَى مِثْلِ حَالَتِهِ الْأُولَى.
وَالذُّعْرُ:.

(فَصْلٌ) وَيُضْمَنُ بَيْضُ الصَّيْدِ؛ مِثْلُ بَيْضِ النَّعَامِ وَالْحَمَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ بِقِيمَتِهِ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ - فِي الْمُحْرِمِ يُصِيبُ بَيْضَ النَّعَامِ: فِيهِ قِيمَتُهُ، فَإِذَا لَمْ يَجِدْ صَامَ.
لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ مَطَرٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ: " «أَنَّ رَجُلًا أَوْطَأَ بَعِيرَهُ أُدْحِيَّ نَعَامٍ فَكَسَرَ بَيْضَهَا، فَانْطَلَقَ إِلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: عَلَيْكَ بِكُلِّ بَيْضَةٍ جَنِينُ نَاقَةٍ، أَوْ ضِرَابُ نَاقَةٍ، فَانْطَلَقَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قَدْ قَالَ عَلِيٌّ مَا سَمِعْتَ، وَلَكِنْ هَلُمَّ إِلَى الرُّخْصَةِ: عَلَيْكَ بِكُلِّ

بَيْضَةٍ صَوْمُ يَوْمٍ، أَوْ إِطْعَامُ مِسْكِينٍ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ وَأَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ.
وَإِنَّمَا أَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - بِطَعَامِ مِسْكِينٍ لِكُلِّ بَيْضَةٍ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ الْبَيْضَةِ كَانَتْ إِذْ ذَاكَ بِقَدْرِ طَعَامِ مِسْكِينٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: " «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْضِ النَّعَامِ؟ قَالَ: قِيمَتُهُ» " وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْضِ النَّعَامِ - يُصِيبُهُ الْمُحْرِمُ - بِثَمَنِهِ» " رَوَاهُمَا النِّجَادُ.
وَعَنْ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ: " «بَلَغَنِي عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَكَمَ فِي بَيْضِ النَّعَامِ فِي كُلِّ بَيْضَةٍ صِيَامُ يَوْمٍ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ وَقَالَ: أَسْنَدَ هَذَا الْحَدِيثَ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَأَيْضًا: عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ فِي

النَّعَامِ يُصِيبُهُ الْمُحْرِمُ قَالَ: ثَمَنُهُ.
وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: فِي بَيْضِ النَّعَامِ يُصِيبُهُ الْمُحْرِمُ، قَالَ: فِيهِ ثَمَنُهُ، أَوْ قَدْرُ ثَمَنِهِ.
وَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ: " يُضْرَبُ لَهُ مِنَ الْإِبِلِ بِقَدْرِ مَا أَصَابَ مِنَ الْبَيْضِ، فَمَا نُتِجَ فَهُوَ هَدْيٌ، وَمَا لَمْ يُنْتَجْ فَهُوَ بِمَا يُفْسِدُ مِنَ الْبَيْضِ ". وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي بَيْضِ النَّعَامِ قَالَ: قِيمَتُهُ، أَوْ ثَمَنُهُ وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ: فِي بَيْضِ النَّعَامِ وَشِبْهِهِ يُصِيبُهُ الْمُحْرِمُ فِيهِ ثَمَنُهُ.

وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ أَبَا مُوسَى قَالَ: فِي كُلِّ بَيْضَةٍ صَوْمُ يَوْمٍ، أَوْ إِطْعَامُ مِسْكِينٍ.
وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: فِي كُلِّ بَيْضَةٍ مِنْ بَيْضِ النَّعَامِ صَوْمُ يَوْمٍ، أَوْ إِطْعَامُ مِسْكِينٍ رَوَاهُمَا ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ.
فَقَدِ اتَّفَقَتْ أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ: أَنَّ فِيهِ قِيمَتَهُ إِلَّا مَا يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فُتْيَاهُ عُرِضَتْ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَتَى بِخِلَافِهَا، وَالْحَدِيثُ مُسْنَدٌ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا: فَقَدْ عَضَّدَهُ عَمَلُ جَمَاهِيرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بِهِ، وَأَنَّهُ أُسْنِدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَذَلِكَ يَجْعَلُهُ حُجَّةً عِنْدَ مَنْ لَا يَقُولُ بِمُجَرَّدِ الْمُرْسَلِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْبَيْضَ جُزْءٌ مِنَ الصَّيْدِ يُتَطَلَّبُ كَمَا يُتَطَلَّبُ الصَّيْدُ، قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: 94] قَالَ: الْبَيْضُ وَالْفِرَاخُ، رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَيَكُونُ مِنْهُ الصَّيْدُ، وَفِي أَخْذِهِ تَفْوِيتٌ لِفِرَاخِ الصَّيْدِ؛ وَقَطْعٌ لِنَسْلِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يُضْمَنَ كَالصَّيْدِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْحَيَوَانَ مِنْهُ مَا يَبِيضُ، وَمِنْهُ مَا يَلِدُ، وَالْبَيْضُ لِلْبَائِضِ كَأَحْمَدَ لِلْوَالِدِ.

وَيُقَالُ: كُلُّ أَسَكَّ يَبِيضُ وَكُلُّ مُشْرِفِ الْأُذُنَيْنِ يَلِدُ.
وَهُوَ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ، فَوَجَبَ أَنْ يُضْمَنَ بِالْقِيمَةِ لِعَصَافِيرَ وَنَحْوِهَا.
وَأَصْلُ هَذَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا: أَنَّ ضَمَانَ الصَّيْدِ يَجْرِي مَجْرَى ضَمَانِ الْأَمْوَالِ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَضْمُونِ، فَيَجِبُ فِي الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالصَّحِيحِ وَالْمَعِيبِ وَالْكَامِلِ وَالنَّاقِصِ بِحَسَبِهِ كَالْأَمْوَالِ بِخِلَافِ النُّفُوسِ فَإِنَّ دِيَتَهَا لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ مُقَدَّرٌ فِي الشَّرْعِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ لَوْ أَتْلَفَ بَيْضَ طَيْرٍ لِإِنْسَانٍ: اعْتُبِرَ الْبَيْضُ بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ بِأَصْلِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَتْلَفَ جَنِينَ آدَمِيٍّ.
وَفِي جَنِينِ الصَّيْدِ الْقِيمَةُ أَيْضًا؛ وَهُوَ أَرْشُ مَا نَقَصَتْهُ الْجِنَايَةُ، كَجَنِينِ الْبَهِيمَةِ الْمَمْلُوكَةِ، فَإِذَا ضَرَبَ بَطْنَ ظَبْيَةٍ حَامِلٍ، فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا وَسَلِمَتْ: فَعَلَيْهِ مَا بَيْنَ قِيمَتِهَا حَامِلًا، وَحَائِلًا، وَإِنْ مَاتَتْ بَعْدَ ذَلِكَ ضَمِنَ قِيمَةَ ظَبْيَةٍ حَامِلٍ.
وَمِنْ أَصْحَابِنَا: مَنْ خَرَّجَ وَجْهًا: أَنَّ جَنِينَ الصَّيْدِ يُضْمَنُ بِعُشْرِ مَا تُضْمَنُ

بِهِ الْأُمُّ، كَمَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي جَنِينِ الْبَهِيمَةِ الْمَمْلُوكَةِ، وَأَوْلَى.
وَعَلَى هَذَا: فَالْبَيْضُ ... . فَإِنْ ضَمِنَهُ بِجَنِينٍ مِثْلِهِ كَمَا قَالَ عَلِيٌّ: فَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ.
وَهَلْ يُبَاحُ الْبَيْضُ بَعْدَ كَسْرِهِ؟، فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَحِلُّ لِلْكَاسِرِ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ حَلَالٍ، وَلَا حَرَامٍ كَالصَّيْدِ الَّذِي قَتَلَهُ الْمُحْرِمُ، قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ.
وَعَلَى هَذَا: إِذَا أَخَذَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَتَرَكَهُ حَتَّى حَلَّ لَمْ يُبَحْ أَيْضًا كَالصَّيْدِ.
وَالثَّانِي: يُبَاحُ لِأَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى تَذْكِيَةٍ إِذْ لَا رُوحَ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَحِلُّ لِلْكَاسِرِ الْمُحْرِمِ، وَلَا ... ، وَإِنَّمَا يُبَاحُ لِلْحَلَالِ، وَكَذَلِكَ مَا لَا يَفْتَقِرُ إِلَى ذَكَاةٍ مِنَ الْحَيَوَانِ كَالْجَرَادِ.
فَإِنْ كَسَرَ الْبَيْضَ، فَخَرَجَ مَذَرًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَهْلَكَ صَيْدًا مَيِّتًا.
إِلَّا بَيْضَ النَّعَامَةِ فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: يَضْمَنُهُ قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَابْنُ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّ لِقِشْرِهِ قِيمَةً.
وَالثَّانِي: لَا يَضْمَنُهُ قَالَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَأَبُو مُحَمَّدٍ.
فَإِنْ خَرَجَ فِي الْبَيْضِ فَرْخٌ، أَوِ اسْتَهَلَّ الْجَنِينُ حَيًّا وَعَاشَ: فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ،

وَإِنْ مَاتَ، أَوِ اسْتَهَلَّ جَنِينُ الصَّيْدِ ثُمَّ مَاتَ: ضَمِنَهُ ضَمَانَ الصَّيْدِ الْحَيِّ.
وَإِنْ أَخَذَ الْبَيْضَةَ، فَكَسَرَ الْبَيْضَةَ ثُمَّ تَرَكَ الْفَرْخَ حَيًّا، فَهَلْ يَضْمَنُ الْفَرْخَ لِكَوْنِهِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ رَدَّ الْوَدِيعَةَ رَدًّا غَيْرَ تَامٍّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ خَرَجَ مِنْهَا فَرْخٌ مَيِّتٌ؛ فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا شَيْءَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ بِخِلَافِ الْجَنِينِ إِذَا وَقَعَ مَيِّتًا إِنَّمَا مَاتَ بِالضَّرْبَةِ إِذْ لَوْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ لَأَجْهَضَهُ، وَهَذَا فِيمَا إِذَا مَاتَ قَبْلَ الْكَسْرِ، فَإِنْ مَاتَ بِالْكَسْرِ ... . وَإِنْ كَانَ الْفَرْخُ لَمْ يُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ: فَفِيهِ قِيمَةُ بَيْضِ فَرْخٍ غَيْرِ فَاسِدٍ كَالْجَنِينِ.
وَيُضْمَنُ بِكُلِّ سَبَبٍ هُوَ فِيهِ مُتَعَمَّدٌ؛ فَلَوْ نَقَلَ بَيْضَ طَائِرٍ فَجَعَلَهُ تَحْتَ طَائِرٍ آخَرَ فَحَضَنَهُ، فَإِنْ صَحَّ وَسَلِمَ: فَقَدْ أَسَاءَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
قَالَهُ أَصْحَابُنَا: وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ - فِيمَا إِذَا أَعَرَّهُ! يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ.
وَإِنْ فَسَدَ: فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَقَرَّهُ مَكَانَهُ وَضَمَّ إِلَيْهِ بَيْضًا آخَرَ لِيَحْضُنَهُ الطَّائِرُ - سَوَاءٌ أَذْعَرَ الطَّائِرَ فَلَمْ يَحْضُنْهُ، أَوْ حَضَنَهُمَا مَعًا.

وَإِنْ بَاضَ الْحَمَامُ، أَوْ فَرَّخَ عَلَى فِرَاشِهِ فَهَلْ يَضْمَنُ؟: عَلَى وَجْهَيْنِ كَالْجَرَادِ إِذَا افْتَرَشَ فِي طَرِيقِهِ.
وَإِنَّمَا يَضْمَنُ بَيْضَ طَائِرٍ مَضْمُونٍ، فَأَمَّا بَيْضُ الْغُرَابِ وَالْحِدَأَةِ: فَلَا يَضْمَنُهُ، وَيَضْمَنُ بَيْضَ الْجَرَادِ كَالْجَرَادِ نَفْسِهِ.
وَمَنْ أَتْلَفَ بَيْضًا لَا يُحْصِيهِ: احْتَاطَ، فَأَخْرَجَ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ أَتَى عَلَى قِيمَتِهِ، ذَكَرُهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ كَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ.
وَأَمَّا بَيْضُ النَّمْلِ: فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ عَلَى مَا قُلْنَا فِي النَّمْلِ، فَفِي النَّمْلَةِ لُقْمَةٌ أَوْ تَمْرَةٌ أَوْ حِفْنَةُ طَعَامٍ إِذَا لَمْ يُؤْذِهِ: فَفِي بَيْضِهَا صَدَقَةٌ، وَهَذَا إِنَّمَا يُخَرَّجُ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَهُوَ ضَمَانُ غَيْرِ الْمَأْكُولِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُؤَدِّيًا.
فَإِمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ إِلَّا مَا يُؤْكَلُ: فَلَيْسَ فِي النَّمْلِ وَلَا فِي بَيْضِهِ ضَمَانٌ.
وَأَمَّا بَيْضُ الْقَمْلِ - وَهُوَ الصِّيْبَانِ - فَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: فِيهِ رِوَايَتَانِ كَالْقَمْلِ.

(فَصْلٌ) وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ لَبَنِ الصَّيْدِ، فَإِنْ أَخَذَهُ ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يَضْمَنُ بِمِثْلِهِ لَبَنًا مِنْ نَظِيرِ الصَّيْدِ؛ فَيَضْمَنُ لَبَنَ الظَّبْيَةِ بِلَبَنِ شَاةٍ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
(فَصْلٌ) وَإِذَا اشْتَرَكَ .....

[مَسْأَلَةٌ جزاء الصيد بالطعام]

مَسْأَلَةٌ: (وَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ إِخْرَاجِ الْمِثْلِ، أَوْ تَقْوِيمِهِ بِطَعَامٍ فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا أَوْ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا).
هَذَا هُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَعَلَيْهِ أَصْحَابُهُ، رَوَاهُ الْمَيْمُونِيُّ وَالْبَغَوِيُّ أَبُو الْقَاسِمِ؛ قَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ - فِي قَوْلِهِ ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95]- إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: 95] فَهُوَ فِي هَذَا مُخَيَّرٌ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي الْقَاسِمِ ابْنِ بِنْتِ مَنِيعٍ - فِي مُحْرِمٍ قَتَلَ صَيْدًا - يُكَفِّرُ بِمَا فِي الْقُرْآنِ فَإِنَّمَا هُوَ تَخْيِيرٌ.

وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى نَقَلَهَا حَنْبَلٌ وَابْنُ الْحَكَمِ: أَنَّ بَدَلَ الصَّيْدِ عَلَى التَّخْيِيرِ إِذَا كَانَ مُؤْسِرًا وَوَجَدَ الْهَدْيَ لَمْ يُجْزِهِ غَيْرُهُ، وَإِنْ كَانَ مُؤْسِرًا وَلَمْ يَجِدْهُ اشْتَرَى طَعَامًا.
فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا صَامَ.
قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْحَكَمِ - فِي الْفِدْيَةِ: هُوَ بِالْخِيَارِ، وَفِي جَزَاءِ الصَّيْدِ لَا يَكُونُ بِالْخِيَارِ؛ عَلَيْهِ جَزَاءُ الصَّيْدِ لَا يُجْزِئُهُ إِلَّا الْعَدْلُ لَيْسَ هُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْهَدْيِ وَالصَّوْمِ وَالصَّدَقَةِ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ -: إِذَا أَصَابَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا وَلَمْ يُصِبْ لَهُ عَدْلٌ مِثْلٌ حُكِمَ عَلَيْهِ قُوِّمَ طَعَامًا، إِنْ قَدَرَ عَلَى طَعَامٍ، وَإِلَّا صَامَ لِكُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا هَكَذَا يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ - وَقَدْ سُئِلَ هَلْ يُطْعِمُ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ؟ فَقَالَ: لَا إِنَّمَا جُعِلَ الطَّعَامُ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ: لِيَعْلَمَ الصِّيَامَ؛ لِأَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى الطَّعَامِ: قَدَرَ عَلَى الذَّبْحِ.
هَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، يُقَوَّمُ الصَّيْدُ دَرَاهِمَ، ثُمَّ يُقَوَّمُ الدَّرَاهِمُ طَعَامًا، ثُمَّ يُصَامُ لِكُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا، وَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى غَالِبِ الْأَمْرِ وَأَنَّ الْهَدْيَ لَا يُعْدَمُ.
وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ جَعَلَ هَذَا رِوَايَةً ثَالِثَةً فِي الْمَسْأَلَةِ؛ فَإِنَّ الْإِطْعَامَ لَا يُجْزِئُ فِي

جَزَاءِ الصَّيْدِ بِحَالٍ هَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ؛ قَالَ: وَبِرَاوِيَةِ حَنْبَلٍ أَقُولُ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قَضَى فِي الضَّبُعِ بِكَبْشٍ»، وَكَذَلِكَ أَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ أَوْجَبُوا فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةً وَفِي الظَّبْيِ شَاةً، وَفِي الْحَمَامِ شَاةً، وَفِي الْأَرْنَبِ عَنَاقًا، وَفِي الْيَرْبُوعِ جَفْرَةً، وَلَمْ يُخَيِّرُوا السَّائِلَ بَيْنَ الْهَدْيِ وَبَيْنَ الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ، وَلَا يَجُوزُ تَعْيِينُ خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالٍ خَيَّرَ اللَّهُ بَيْنَهَا، كَمَا لَوِ اسْتَفْتَى الْحَانِثُ فِي يَمِينٍ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُفْتَى بِالْعِتْقِ عَيْنًا بَلْ يُذْكَرُ لَهُ الْخِصَالُ الثَّلَاثُ الَّتِي خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَهَا.
وَعَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا - فِي قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] قَالَ: إِذَا أَصَابَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ حُكِمَ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ جَزَاءٌ ذَبَحَهُ وَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ قُوِّمَ جَزَاؤُهُ دَرَاهِمَ ثُمَّ قُوِّمَتِ الدَّرَاهِمُ طَعَامًا فَصَامَ عَنْ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا، وَإِنَّمَا جُعِلَ الطَّعَامُ لِلصِّيَامِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا وَجَدَ الطَّعَامَ: وَجَدَ جَزَاءً " رَوَاهُ سَعِيدٌ وَرَوَاهُ دُحَيْمٌ، وَقَالَ: إِنَّمَا أُرِيدَ بِالطَّعَامِ الصِّيَامُ: أَنَّهُ إِذَا وُجِدَ الطَّعَامُ: وُجِدَ جَزَاؤُهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنِ ابْنِ الْحَكَمِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - فِي الَّذِي يُصِيبُ الصَّيْدَ -:

يُحْكَمُ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ حُكِمَ عَلَيْهِ ثَمَنُهُ يُقَوَّمُ طَعَامٌ يُتَصَدَّقُ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ حُكِمَ عَلَيْهِ صِيَامٌ.
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ.
وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ هَذِهِ كَفَّارَةُ قَتْلِ مُحْرِمٍ وَكَانَتْ عَلَى التَّرْتِيبِ كَكَفَّارَةِ الْآدَمِيِّ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ: بَدَلُ مُتْلَفٍ، وَالْأَصْلُ فِي بَدَلِ الْمُتْلَفِ: أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ الْمُتْلَفِ، كَبَدَلِ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ، وَإِنَّمَا يُنْتَقَلُ إِلَى غَيْرِ الْجِنْسِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْجِنْسِ كَمَا يُنْتَقَلُ إِلَى الدِّيَةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْقَوَدِ، وَكَمَا يُنْتَقَلُ إِلَى قِيمَةٍ مِثْلِ الْمَالِ الْمُتْلَفِ عِنْدَ أَعْوَازِ الْمِثْلِ.
وَالْهَدْيُ مِنْ جِنْسِ الصَّيْدِ؛ لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ بِخِلَافِ الطَّعَامِ وَالصِّيَامِ.
وَأَمَّا ذِكْرُهُ بِلَفْظِ "أَوْ" فَذَلِكَ لَا يُوجِبُ التَّخْيِيرَ عَلَى الْعُمُومِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33] وَإِنَّمَا يُوجِبُ التَّخْيِيرَ إِذَا ابْتُدِئَ بِأَسْهَلِ الْخِصَالِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196] وَقَوْلِهِ: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: 89] فَلَمَّا بَدَأَ بِالْأَسْهَلِ: عُلِمَ أَنَّهُ يَجُوزُ إِخْرَاجُهُ.
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ وَقَعَ الِابْتِدَاءُ بِأَشَدِّ الْخِصَالِ كَمَا ابْتُدِئَ فِي آيَةِ الْمُحَارِبِينَ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَلَى التَّرْتِيبِ.

وَوَجْهُ الْأُولَى: - وَهِيَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ وَالْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ، وَيُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمُتَأَخِّرَةَ؛ لِأَنَّ الْبَغَوِيَّ إِنَّمَا سَمِعَ مِنْهُ آخَرُ بِخِلَافِ ابْنِ الْحَكَمِ فَإِنَّ رِوَايَاتِهِ قَدِيمَةٌ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ أَحْمَدَ -: قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: 95].
وَحَرْفُ "أَوْ" إِذَا جَاءَتْ فِي سِيَاقِ الْأَمْرِ وَالطَّلَبِ فَإِنَّهَا تُفِيدُ التَّخْيِيرَ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ، وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، أَوْ إِبَاحَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الِاجْتِمَاعِ وَالِانْفِرَادِ كَمَا يُقَالُ: جَالِسِ الْحَسَنَ أَوِ ابْنَ سِيرِينَ، وَتَعَلَّمِ الْفِقْهَ أَوِ النَّحْوَ.
هَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ فِي كُتُبِهِمْ، قَالُوا: وَإِذَا كَانَتْ فِي الْخَبَرِ: فَقَدْ تَكُونُ لِلْإِبْهَامِ، وَقَدْ تَكُونُ لِلتَّقْسِيمِ، وَقَدْ تَكُونُ لِلشَّكِّ.
وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ نُخَرِّجُ مَعَانِيَهَا فِي كَلَامِ اللَّهِ فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196] وَقَوْلَهُ: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: 89] وَقَوْلَهُ: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] وَإِنْ كَانَ مَخْرَجُهُ مَخْرَجَ الْخَبَرِ: فَإِنَّ مَعْنَاهُ: مَعْنَى الْأَمْرِ فَيَكُونُ اللَّهُ قَدْ أَمَرَ بِوَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ فَيُفِيدُ التَّخْيِيرَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: 24] وَقَوْلُهُ: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: 16] وَقَوْلُهُ: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ [آل عمران: 127] وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ [آل عمران: 128]

وَأَمَّا آيَةُ الْمُحَارِبِينَ: فَلَمْ يُذْكَرُوا فِي سِيَاقِ الْأَمْرِ وَالطَّلَبِ، بَلْ هِيَ فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ عَنِ الْجَزَاءِ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ، ثُمَّ قَدْ عُلِمَ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ إِقَامَةَ الْحُدُودِ وَاجِبَةٌ عَلَى ذِي السُّلْطَانِ؛ وَلِهَذَا لَا يُفْهَمُ مِنْ مُجَرَّدِ هَذَا الْكَلَامِ: إِيجَابُ أَحَدِ هَذِهِ الْخِصَالِ، كَمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ الْكَفَّارَاتِ، ثُمَّ لَوْ كَانَتْ فِي مَعْرِضِ الِاقْتِضَاءِ إِنَّمَا ذُكِرَتْ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، وَالنَّهْيِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا مَثَّلَ بِالْعُرَنِيِّينَ نَهَاهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنِ الْمُثْلَةِ وَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ جَزَاؤُهُمْ إِلَّا وَاحِدَةً مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ فَلَا يُنْقَصُوا عَنْهَا؛ لِأَجْلِ جُرْمِهِمْ، وَلَا يُزَادُوا عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ ظُلْمٌ، وَفِي مِثْلِ هَذَا لَا تَكُونُ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ.
وَلَوْ قِيلَ إِنَّ ظَاهِرَ لَفْظِهَا كَانَ لِلتَّخْيِيرِ لَكِنَّ فِي سِيَاقِهَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ لِلتَّخْيِيرِ فَإِنَّ الْعُقُوبَاتِ الَّتِي تُفْعَلُ بِأَهْلِ الْجَرَائِمِ لَا يَكُونُ الْوَالِي مُخَيَّرًا تَخْيِيرَ شَهْوَةٍ، وَإِرَادَةٍ بَيْنَ تَخْفِيفِهَا وَتَثْقِيلِهَا؛ لِأَنَّ هَذَا يَقْتَضِي إِبَاحَةَ تَعْذِيبِ الْخَلْقِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ الزَّائِدَ مِنَ الْعَذَابِ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ وَلَهُ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ مِنْ غَيْرِ مَصْلَحَةٍ، وَمِثْلُ هَذَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ.
فَعُلِمَ أَنَّ مُقْتَضَاهَا الْعُقُوبَةُ بِوَاحِدٍ مِنْهَا عِنْدَمَا يَقْتَضِيهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: تِلْكَ الْآيَاتُ بَدَأَ فِيهَا بِالْأَخَفِّ بِخِلَافِ آيَةِ الْجَزَاءِ.
فَنَقُولُ: إِنَّمَا بَدَأَ فِي آيَةِ الصَّيْدِ: بِالْجَزَاءِ؛ لِأَنَّ قَدْرَ الْإِطْعَامِ وَقَدْرَ الصِّيَامِ مُرَتَّبٌ عَلَى قَدْرِ الْجَزَاءِ

فَمَا لَمْ يَعْرِفِ الْجَزَاءَ: لَا يَعْرِفْ ذَلِكَ.
وَلَوْ بُدِئَ فِيهَا بِالصِّيَامِ: لَمْ يَحْصُلِ الْبَيَانُ أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: 95] وَخِصَالُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَفِدْيَةِ الْأَذَى: كُلُّ وَاحِدَةٍ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا غَيْرُ مُتَعَلِّقَةٍ بِالْأُخْرَى.
وَأَمَّا ذِكْرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ لِلْجَزَاءِ مِنَ النَّعَمِ دُونَ الْإِطْعَامِ وَالصَّدَقَةِ فَذَاكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -: لِأَنَّهُمْ قَصَدُوا بَيَانَ الْجَزَاءِ مِنَ النَّعَمِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الْحُكْمِ.
وَالطَّعَامُ وَالصَّدَقَةُ: يُعْرَفَانِ بِمَعْرِفَتِهِ وَلَا يَفْتَقِرَانِ إِلَى حُكْمٍ؛ وَلِأَنَّ التَّكْفِيرَ بِالْجَزَاءِ: أَفْضَلُ وَأَحْسَنُ، وَهُوَ أَهَمُّ خِصَالِ الْجَزَاءِ، وَقَدْ كَانُوا يَعْلَمُونَ مِنْ حَالِ السُّؤَالِ أَنَّ قَصْدَهُمْ بَيَانُ الْجَزَاءِ لَا ذِكْرُ الصَّدَقَةِ وَالصِّيَامِ.
وَأَيْضًا: فَفِي الْحَدِيثِ - الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي بَيْضِ النَّعَامِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنْ أَصْحَابِهِ أَنَّ بِكُلِّ بَيْضَةٍ صَوْمَ يَوْمٍ، أَوْ إِطْعَامَ مِسْكِينٍ فَقَدْ خَيَّرَهُ بَيْنَ الصَّدَقَةِ وَالصِّيَامِ.
وَالْخِيرَةُ إِلَى الْقَاتِلِ فِي الْخِصَالِ الثَّلَاثَةِ دُونَ الْحَكَمَيْنِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا جَعَلَ حُكْمَ الْحَكَمَيْنِ فِي الْجَزَاءِ خَاصَّةً دُونَ الصَّدَقَةِ وَالصِّيَامِ.

فَصْلٌ وَعَلَى الرِّوَايَتَيْنِ إِذَا كَفَّرَ بِالطَّعَامِ: فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ تَكُونَ الصَّدَقَةُ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ، أَوْ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ.
فَإِنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ: فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْمِثْلِ، ثُمَّ يُقَوَّمُ الْمِثْلُ فَيُشْتَرَى بِقِيمَتِهِ طَعَامٌ.
هَذَا أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ -: إِذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ جَزَاءٌ، فَإِنَّمَا يُقَوَّمُ الْمِثْلُ وَلَا يُقَوَّمُ الصَّيْدُ قَدْ عُدِلَ بِمِثْلِهِ مِنَ النَّعَمِ، فَلَا يُقَوَّمُ ثَعْلَبٌ وَلَا حِمَارٌ وَلَا طَيْرٌ، وَإِنَّمَا يُقَوَّمُ الْمِثْلُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَهُ فِيهِ، وَفِيمَا يُقَرَّبُ فِيهِ الْفِدَى.

وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى: يُقَوَّمُ الصَّيْدُ عَلَى ظَاهِرِ مَا نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ، وَذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيِ الصَّيْدِ فَكَانَ التَّقْوِيمُ لَهُ كَالَّذِي لَا مِثْلَ لَهُ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الطَّعَامَ بَدَلٌ عَنِ الصَّيْدِ كَالْجَزَاءِ: فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ بِالْأَصْلِ لَا بِالْبَدَلِ؛ وَلِأَنَّهُ مُتْلَفٌ وَجَبَ تَقْوِيمُهُ فَكَانَ التَّقْوِيمُ لَهُ لَا لِبَدَلِهِ كَسَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ.
وَوَجْهُ الْأُولَى - وَهِيَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا -: قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ: جَزَاهُ دَرَاهِمَ ثُمَّ قُوِّمَتِ الدَّرَاهِمُ طَعَامًا، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ.
وَلِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ﴾ [المائدة: 95] إِشَارَةٌ لِمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ الْجَزَاءُ، وَكَفَّارَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ؛ وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ الَّتِي هِيَ طَعَامُ مَسَاكِينَ لَمْ تُقَدَّرْ، فَلَوْ .. . . فَعَلَى هَذَا يُقَوَّمُ الْمِثْلُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَ فِيهِ الصَّيْدَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ، هَذَا مَنْصُوصُهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَقَالَ الْقَاضِي ... يُقَوَّمُ الْمِثْلُ بِمَكَّةَ حِينَ يُخْرِجُهُ بِخِلَافِ مَا وَجَبَتْ قِيمَتُهُ

فَصْلٌ وَأَمَّا الصِّيَامُ: فَإِنَّهُ يَصُومُ عَنْ طَعَامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: 95] وَعَدْلُ الصَّدَقَةِ مِنَ الصِّيَامِ فِي كِتَابِ اللَّهِ: أَنْ يُصَامَ عَنْ طَعَامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمٌ، كَمَا أَنَّ عَدْلَ الصِّيَامِ مِنَ الصَّدَقَةِ أَنْ يُطْعَمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: 4]، ثُمَّ قَالَ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: 4]، وَقَالَ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184]، وَذَلِكَ لِأَنَّ طَعَامَ يَوْمٍ كَصَوْمِ يَوْمٍ.
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: جَعَلَ فِي بَيْضِ النَّعَامَةِ صَوْمَ يَوْمٍ، أَوْ إِطْعَامَ مِسْكِينٍ وَكَذَلِكَ أَصْحَابُهُ.
وَفِي مِقْدَارِ طَعَامِ الْمِسْكِينِ الَّذِي يُصَامُ عَنْهُ يَوْمٌ: رِوَايَتَانِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ أَبِي مُوسَى وَ ... : - إِحْدَاهُمَا: نِصْفُ صَاعٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ وَالْأَثْرَمِ؛ لِأَنَّهُ مَأْثُورٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَالثَّانِيَةُ: مُدٌّ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ -: إِذَا كَانَ جَزَاءَ الصَّيْدِ مُدٌّ وَنِصْفٌ: فَلَا بُدَّ مِنْ تَمَامِ يَوْمَيْنِ.

ابْتِدَاءً فَإِنَّهُ تَجِبُ قِيمَتُهُ فِي مَوْضِعِهِ وَقْتَ قَتْلِهِ، وَحُمِلَ إِطْلَاقُ أَحْمَدَ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا لَهُ مِثْلٌ يَجِبُ إِخْرَاجُ مِثْلِهِ فِي الْحَرَمِ، فَإِذَا أَرَادَ إِخْرَاجَ بَدَلِهِ: فَعَلَيْهِ أَنْ يُقَوِّمَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجِبُ إِخْرَاجُهُ فِيهِ.
وَالصَّوَابُ: الْمَنْصُوصُ؛ لِأَنَّهُ بِقَتْلِ الصَّيْدِ وَجَبَ الْجَزَاءُ فِي ذِمَّتِهِ؛ وَلِأَنَّ قِيمَةَ الْمُتْلَفِ إِنَّمَا تُعْتَبَرُ حَالَ الْوُجُوبَ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ التَّقْوِيمِ إِلَى حِينِ الْأَدَاءِ ثُمَّ الْمِثْلُ الْمُقَوَّمُ لَا وُجُودَ لَهُ، وَإِنَّمَا يُقَدَّرُ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ: قَوَّمَ نَفْسَ الصَّيْدِ يَوْمَ الْقَتْلِ فِي مَوْضِعِهِ، أَوْ فِي أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ إِلَيْهِ وَيَكُونُ التَّقْوِيمُ بِالنَّقْدِ الْغَالِبِ.
فَإِنْ قَوَّمَهُ بِطَعَامٍ.

فَصْلٌ وَإِذَا قَوَّمَ الصَّيْدَ، أَوْ بَدَّلَهُ: فَإِنَّهُ يَشْتَرِي بِالْقِيمَةِ طَعَامًا، وَإِنْ أَحَبَّ أَخْرَجَ مِنْ طَعَامٍ يَمْلِكُهُ بِقَدْرِ الْقِيمَةِ، وَيَكُونُ الطَّعَامُ مِمَّا يُجْزِئُ إِخْرَاجُهُ فِي الْكَفَّارَاتِ؛ وَهُوَ الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ وَالتَّمْرُ وَالزَّبِيبُ، فَأَمَّا الْخَبْزُ وَالتَّغْذِيَةُ، وَالتَّعْشِيَةُ.

وَأَمَّا طَرِيقَةُ الْقَاضِي وَأَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِمَا: فَإِنَّهُمْ حَمَلُوا الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ، فَإِنْ قَوَّمَ بِالْحِنْطَةِ صَامَ مَكَانَ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، وَإِنْ قَوَّمَ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ: صَامَ مَكَانَ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا، وَهَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ الَّذِي لَا يُحْتَمَلُ سِوَاهُ؛ وَقَدْ قَالَ - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ - فِي إِطْعَامِ الْمَسَاكِينِ فِي الْفِدْيَةِ وَالْجَزَاءِ وَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ: إِنْ أَطْعَمَ بُرًّا فَمُدٌّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، وَإِنْ أَطْعَمَ تَمْرًا: فَنِصْفُ صَاعٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ وَهُمْ سِتَّةُ مَسَاكِينَ فِي الْفِدْيَةِ.
فَنَصَّ عَلَى الْفَرْقِ فِي الْجَزَاءِ بَيْنَ الْبُرِّ وَغَيْرِهِ، كَمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْفِدْيَةِ وَالْكَفَّارَةِ.
وَيَعْتَبِرُ قِيمَةَ الطَّعَامِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَصُومَ عَنْهُ فِي مَوْضِعِ وُجُوبِهِ؛ وَهُوَ مَوْضِعُ قَتْلِ الصَّيْدِ، وَفِي مَوْضِعِ إِخْرَاجِهِ؛ وَهُوَ مَكَّةُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي قِيمَةِ الْمِثْلِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُطْعِمَ.
فَإِنْ كَانَ الْبُرُّ رَخِيصًا بِحَيْثُ تَكُونُ الْقِيمَةُ مِنْهُ مِائَةَ مُدٍّ وَالتَّمْرُ غَالِيًا بِحَيْثُ تَكُونُ الْقِيمَةُ مِنْهُ: عِشْرِينَ صَاعًا.
. . وَإِذَا لَمْ يَبْقَ مِنَ الْكَفَّارَةِ إِلَّا بَعْضُ طَعَامِ مِسْكِينٍ: فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا تَامًّا.
نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَتَبَعَّضُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ بَعْضَ الْفِدْيَةِ طَعَامًا، وَبَعْضَهَا صِيَامًا، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: إِذَا أَصَابَ صَيْدًا وَعِنْدَهُ طَعَامٌ لَا يُتِمُّ جَزَاءَ الصَّيْدِ: صَامَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ بَعْضُهُ صَوْمًا وَبَعْضُهُ طَعَامًا.

فَصْلٌ وَمَا لَا مِثْلَ لَهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ يُخْرِجُ قِيمَتَهُ لَمْ يُجْزِهِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُفْدَى الصَّيْدُ بِالنَّظِيرِ، أَوْ يُقَوَّمُ النَّظِيرُ دَرَاهِمَ فَيَتَصَدَّقُ بِهَا، أَوْ يُقَوَّمُ بِالدَّرَاهِمِ طَعَامًا، وَيَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، فَجَعَلَ الصَّدَقَةَ بِنَفْسِ الْقِيمَةِ، وَجَعَلَ الطَّعَامَ لِمَعْرِفَةِ مِقْدَارِ الصَّوْمِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا هَدْيًا وَيُهْدِيَهُ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَجُوزُ أَيْضًا.

فَصْلٌ وَلَهُ أَنْ يُخْرِجَ الْجَزَاءَ بَعْدَ انْعِقَادِ سَبَبِهِ قَبْلَ الْوُجُوبِ، قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَوْ أَخْرَجَ مِنَ الْحَرَمِ عَنْزًا حَامِلًا، فَوَلَدَتْ ثُمَّ مَاتَتْ وَأَوْلَادُهَا: كَانَ عَلَيْهِ جَزَاؤُهَا وَجَزَاءُ أَوْلَادِهَا، فَإِنْ أَخْرَجَ الْجَزَاءَ عَنْهَا وَعَنْ أَوْلَادِهَا قَبْلَ هَلَاكِهِمْ، ثُمَّ مَاتَتْ وَأَوْلَادُهَا: لَمْ يَلْزَمْهُ جَزَاءٌ ثَانٍ، وَأَجْزَاهُ الْأَوَّلُ، وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ كَفَّرَ قَبْلَ الْحِنْثِ.

[مَسْأَلَةٌ هدي التمتع]

مَسْأَلَةٌ: (الضَّرْبُ الثَّانِي: عَلَى التَّرْتِيبِ وَهُوَ هَدْيُ التَّمَتُّعِ يَلْزَمُهُ شَاةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَيُصَامُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٌ إِذَا رَجَعَ).
هَذَا الْهَدْيُ وَاجِبٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْإِجْمَاعِ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196].

وَبِالسُّنَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَبِالْإِجْمَاعِ.
وَفِيهِ فُصُولٌ: - الْأَوَّلُ: فِي الْهَدْيِ وَيُجْزِئُ فِيهِ مَا يُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَهُوَ بَدَنَةٌ، أَوْ بَقَرَةٌ، أَوْ شَاةٌ، أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] وَالْغَنَمُ: الْهَدْيُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95]، وَلَا يُقَالُ: فَقَدْ يَدْخُلُ فِي الْجَزَاءِ مَا لَا يَدْخُلُ فِي مُطْلَقِ الْهَدْيِ مِنَ الصَّغِيرِ وَالْمَعِيبِ وَيُسَمَّى هَدْيًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا وَجَبَ بِاعْتِبَارِ الْمُمَاثَلَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] وَفِي آيَةِ التَّمَتُّعِ أَطْلَقَ الْهَدْيَ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ فِيهِ مُمَاثَلَةَ شَيْءٍ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَعِيبَ وَالصَّغِيرَ مِنَ الْأَزْوَاجِ الثَّمَانِيَةِ يَكُونُ هَدْيًا، وَهَذَا صَحِيحٌ، كَمَا أَنَّ الرَّقَبَةَ الْمَعِيبَةَ تَكُونُ رَقَبَةً فِي الْعِتْقِ، لَكِنَّ الْوَاجِبَ فِي مُطْلَقِ الْهَدْيِ وَالرَّقَبَةِ: إِنَّمَا يَكُونُ صَحِيحًا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ.
وَعُلِمَ ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ («أَهْدَى مَرَّةً غَنَمًا») مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّ عَائِشَةَ .. . .

وَعَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: («قَسَّمَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فِي مُتْعَتِهِمْ غَنَمًا، فَأَصَابَ سَعْدًا يَوْمَئِذٍ تَيْسٌ») رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ حَتَّى يَكُونَ وَاجِدًا لَهُ؛ إِمَّا بِأَنْ يَكُونَ مَالِكَهُ، أَوْ يَجِدَ ثَمَنَهُ.
فَإِنْ كَانَ عَادِمًا بِمَكَّةَ وَاجِدًا بِبَلَدِهِ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْتَرِضَ: لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ عَلَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ إِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ هَدْيُ مُتْعَةٍ وَلَيْسَ مَعَهُ نَفَقَةٌ وَهُوَ مِمَّنْ لَوِ اسْتَقْرَضَ أُقْرِضَ فَلَا يَسْتَقْرِضُ وَيُهْدِي، قَالَ اللَّهُ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ﴾ [البقرة: 196] وَهَذَا لَيْسَ بِوَاجِدٍ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ، أَوْ بَدَلُهُ فِي مَكَّةَ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الِاقْتِرَاضُ، كَمَا لَوْ عُدِمَ الْمَاءُ، وَهَذَا بِخِلَافِ عَادِمِ الرَّقَبَةِ فِي الظِّهَارِ عَلَى أَحَدِ .. . . وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مُؤَقَّتَةٌ ذَاتُ بَدَلٍ، فَإِذَا عُدِمَ الْمُبْدَلُ حِينَ الْوُجُوبِ: جَازَ لَهُ الِانْتِقَالُ إِلَى بَدَلِهِ كَالطَّهَارَةِ.
وَيَجِبُ الْهَدْيُ وَالصَّوْمُ عَنْهُ بَعْدَ الْوُقُوفِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي الْأُخْرَى: يَجِبُ إِذَا أَحْرَمَ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسِنْدِيٍّ - وَقَدْ سُئِلَ مَتَى يَجِبُ

صِيَامُ الْمُتْعَةِ فَقَالَ: إِذَا عَقَدَ الْإِحْرَامَ.
وَقَدْ تَأَوَّلَ الْقَاضِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْإِحْرَامَ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ، كَمَا أَنَّ النِّصَابَ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ، لَا أَنَّ الْوُجُوبَ يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِيَوْمِ النَّحْرِ، كَمَا يَتَعَلَّقُ وُجُوبُ الزَّكَاةِ بِالنِّصَابِ وَالْحَوْلِ.
وَأَقَرَّهَا أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ عَلَى ظَاهِرِهَا، وَقَالَ: مَعْنَاهُ إِذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ ... .، قَالَ: وَالصِّيَامُ لِلْمُتْعَةِ يَجِبُ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ إِذَا عَقَدَ الْإِحْرَامَ، وَكَانَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَهَذَا يَدْخُلُ عَلَى مَنْ قَالَ: لَا تُجْزِئُ الْكَفَّارَةُ قَبْلَ الْحِنْثِ وَلَعَلَّ هَذَا لَا يَحُجُّ يَنْصَرِفُ.
وَهُمْ يَقُولُونَ يُجْزِئُهُ الصِّيَامُ.
وَفِي قَلْبِي مِنَ الصِّيَامِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ شَيْءٌ.
قَالَ الْقَاضِي: وَقَوْلُهُ: إِذَا عَقَدَ الْإِحْرَامَ أَرَادَ بِهِ إِحْرَامَ الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّهُ شَبَّهَهُ بِالْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ الشَّبِيهُ إِذَا كَانَ صَوْمُهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ أَحَدُ السَّبَبَيْنِ؛ وَلِأَنَّهُ قَالَ: إِذَا عَقَدَ الْإِحْرَامَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي إِحْرَامِ الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ التَّمَتُّعِ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ،

لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] وَبِإِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ صَارَ مُتَمَتِّعًا؛ لِأَنَّهُ تَرَفَّهَ بِحِلِّهِ وَسُقُوطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ عَنْهُ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196] فَجَعَلَهُ بَعْدَ إِيجَابِ الْهَدْيِ عَلَيْهِ مَأْمُورًا بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَهُوَ يُؤْمَرُ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ فَعُلِمَ أَنَّهُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ قَبْلَ الصِّيَامِ.
وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى: اخْتِيَارُ الْقَاضِي .. . .، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهَا؛ فَقَالَ الْقَاضِي: - فِي خِلَافِهِ - وَأَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ وَغَيْرُهُمْ: مَعْنَاهَا أَنَّهُ يَجِبُ عِنْدَ انْقِضَاءِ وَقْتِ الْوُقُوفِ وَهُوَ طُلُوعُ الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ التَّحَلُّلِ، وَوَقْتُ جَوَازِ الذَّبْحِ، وَيَتَوَجَّهُ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ: أَنْ لَا يَجِبَ حَتَّى يَرْمِيَ الْجَمْرَةَ، أَوْ يَجِبَ إِذَا انْتَصَفَتْ لَيْلَةُ النَّحْرِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا: مَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّهُ إِذَا وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ.
وَهَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ بِلَا رَيْبٍ؛ قَالَ - فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ -: وَيَجِبُ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ الدَّمُ إِذَا وَقَفَ بِعَرَفَةَ وَالْقَارِنِ مِثْلُهُ، يَرْوِي فِيهِ عَنْ عَطَاءٍ، وَفِي لَفْظٍ آخَرَ - فِي مُتَمَتِّعٍ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ - قَالَ: إِذَا وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ.
قَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: يَجِبُ بِالْوَقْفِ وَيَتَأَخَّرُ إِخْرَاجُهُ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا أَوْجَبَ الْهَدْيَ عَلَى مَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا

إِذَا أَتَى بِالْحَجِّ .. . . وَأَمَّا وَقْتُ ذَبْحِ الْهَدْيِ: فَإِنَّهُ يَوْمُ النَّحْرِ، فَلَا يَجُوزُ الذَّبْحُ قَبْلَهُ، لَكِنْ يَجُوزُ يَذْبَحُ فِيهِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ: .. . وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَعْرُوفُ الْمَنْصُوصُ؛ قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: - وَأَمَّا هَدْيُ الْمُتْعَةِ فَإِنَّهُ يُذْبَحُ يَوْمَ النَّحْرِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَجُوزُ نَحْرُ هَدْيِهِ قَبْلَ وَقْتِ وُجُوبِهِ.
فَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّا إِذَا قُلْنَا: يَجِبُ بِالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ: يَنْحَرُ حِينَئِذٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: رِوَايَةً أَنَّهُ إِذَا قَدِمَ قَبْلَ الْعَشْرِ: جَازَ أَنْ يَذْبَحَهُ قَبْلَهُ، وَإِنْ قَدِمَ فِيهِ لَمْ يَذْبَحْهُ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ.
وَهَذِهِ الْحِكَايَةُ غَلَطٌ؛ فَإِنَّهُ مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ: لَمْ يُخْتَلَفْ أَنَّهُ لَا يَذْبَحُ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ، وَمَنْ سَاقَهُ فَقَدِ اخْتُلِفَ - عَنْهُ - فِيهِ لَكِنَّ الْخِلَافَ هُوَ فِي جَوَازِ نَحْرِ الْهَدْيِ الْمَسُوقِ، وَفِي تَحَلُّلِ الْمُحْرِمِ.

أَمَّا الْهَدْيُ الْوَاجِبُ بِالْمُتْعَةِ: فَلَا، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَنْحَرَهُ يَوْمَ النَّحْرِ؛ قَالَ - فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى - فِيمَنْ قَدِمَ مُتَمَتِّعًا وَسَاقَ الْهَدْيَ، فَإِنْ قَدِمَ فِي شَوَّالٍ نَحَرَ الْهَدْيَ وَحَلَّ وَعَلَيْهِ هَدْيٌ آخَرُ، وَإِذَا قَدِمَ فِي الْعَشْرِ أَقَامَ عَلَى إِحْرَامِهِ وَلَمْ يَحِلَّ.
قَالَ الْقَاضِي: فَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا نَحَرَ قَبْلَ الْعَشْرِ كَانَ عَلَيْهِ هَدْيٌ آخَرُ، يَعْنِي فِي يَوْمِ النَّحْرِ، وَلَمْ يُعْتَدَّ بِمَا ذُبِحَ قَبْلَهُ.
لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196] وَمَا بَعْدَ الْغَايَةِ يُخَالِفُ مَا قَبْلَهَا، فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ بَعْدَ بُلُوغِ الْهَدْيِ مَحِلَّهَ يَجُوزُ الْحَلْقُ، وَالْحَلْقُ إِنَّمَا يَجُوزُ يَوْمَ النَّحْرِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْهَدْيَ إِنَّمَا يَبْلُغُ مَحِلَّهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَالْآيَةُ عَامَّةٌ فِي هَدْيِ الْمُحْصَرِ وَغَيْرِهِ لِعُمُومِ لَفْظِهَا وَحُكْمِهَا؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأَصْحَابِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ -: («مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ فَلْيَحِلَّ، وَمَنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ»).
وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فِي حَدِيثٍ لَهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: («مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ فَلْيَحِلَّ، وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فَأَهْدَى فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ بِحَجٍّ، نَحَرَ هَدْيَهُ»).
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: («مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ»).
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: («لَوْلَا أَنِّي سُقْتَ الْهَدْيَ لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ، وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ»).
وَعَنْهَا وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - فِي حَدِيثٍ لَهُمَا ذَكَرَا فِيهِ: أَنَّ النَّاسَ تَمَتَّعُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلنَّاسِ: («مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ»).
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
فَقَدْ بَيَّنَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ نَحْرُ الْهَدْيِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ نَحْرُ الْهَدْيِ الَّذِي سَاقَهُ، وَيَبْلُغُ مَحِلَّهُ: حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ.
فَهَدْيُهُ الَّذِي لَمْ يَسُقْهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى جَمِيعَ مَنْ مَعَهُ هَدْيٌ مِنْ مُتَمَتِّعٍ وَمُفْرِدٍ وَقَارِنٍ أَنْ يَحِلُّوا إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ إِنَّمَا مَنَعَهُمْ مِنَ الْإِحْلَالِ الْهَدْيُ الَّذِي، وَكَذَلِكَ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَنْحَرَ، وَحَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، وَلَوْ كَانَ الذَّبْحُ جَائِزًا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ: لَنَحَرُوا وَحَلُّوا وَلَمْ يَكُنِ الْهَدْيُ مَانِعًا مِنَ الْإِحْلَالِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ إِذَا كَانَ ذَبْحُهُ جَائِزًا، وَهَذَا بَيِّنٌ فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُسْتَفِيضَةِ عَنْهُ؛ وَلِأَنَّ عَامَّةَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ كَانُوا مُتَمَتِّعِينَ حَلُّوا مِنْ إِحْرَامِهِمْ لَمَّا طَافُوا بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَمْ يَنْحَرُوا إِلَّا يَوْمَ النَّحْرِ، وَذَبَحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَزْوَاجِهِ يَوْمَ النَّحْرِ وَكُنَّ مُتَمَتِّعَاتٍ، وَقَدْ قَالَ: («لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»).
فَلَوْ كَانَ الذَّبْحُ قَبْلَ النَّحْرِ جَائِزًا لَفَعَلَهُ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا سِيَّمَا وَالْمُبَادَرَةُ إِلَى إِبْرَاءِ الذِّمَّةِ أَوْلَى مِنَ التَّأْخِيرِ.
وَعَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: (كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ كَأَنَّهُ بَدَوِيٌّ - فِي الْعَشْرِ - فَقَالَ: إِنِّي تَمَتَّعْتُ فَكَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: طُفْ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَخُذْ مَا تَطَايَرَ مِنْ شَعَرِكَ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ فَعَلَيْكَ نَسِيكَةٌ، قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: شَاةٌ).
رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَلِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: 28]

وَوَفَاءُ النُّذُورِ: هُوَ فِعْلُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ مِنْ هَدْيٍ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ مَعَ قَضَاءِ التَّفَثِ.
وَلِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 33] وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الِانْتِفَاعَ بِهَا لَهُ وَقْتٌ مَحْدُودٌ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ هَدْيَ الْمُتْعَةِ نُسُكٌ، فَلَمْ يَجُزْ ذَبْحُهُ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ كَالْهَدْيِ الْمَنْذُورِ، وَالْأُضْحِيَّةِ الْوَاجِبَةِ.
وَلِأَنَّهُ أَحَدُ أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ: فَلَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهُ عَلَى يَوْمِ النَّحْرِ كَالْحَلْقِ وَالرَّمْيِ وَالطَّوَافِ.
وَدَلِيلُ الْوَصْفِ .. . .

الْفَصْلُ الثَّالِثُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ فَعَلَيْهِ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ كَمَا تَقَدَّمَ؛ قَالَ - فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ - فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ.
كَمَّلَتِ الْحَجَّ وَأَمْرَ الْهَدْيِ .. . . أَمَّا الثَّلَاثَةُ: فَيَجِبُ أَنْ يَصُومَهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَ بِصَوْمِهَا فِي الْحَجِّ، وَيَوْمُ النَّحْرِ لَا يَجُوزُ صَوْمُهُ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يُصَامَ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَهُ لَيْسَ بِحَجٍّ إِلَّا أَيَّامَ التَّشْرِيقِ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْأَفْضَلُ تَأْخِيرُ صَوْمِهَا حَتَّى يَكُونَ آخِرُهَا يَوْمَ عَرَفَةَ.
هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، وَأَبِي طَالِبٍ، وَعَلَيْهِ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ.
وَحَكَى الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَجْعَلَ آخِرَهَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؛ لِأَنَّ صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَاتٍ لَا يُسْتَحَبُّ، فَإِذَا جَعَلَ آخِرَهَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ: أَفْطَرَ يَوْمًا، وَفِطْرُهُ أَفْضَلُ.

وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِمَا رُوِيَ .. .؛ وَلِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهُ لَعَلَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الْهَدْيِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصِّيَامِ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ، وَلِيَتَحَقَّقَ عَجْزُهُ عَنِ الْهَدْيِ وَهَذَا يَقْتَضِي التَّأْخِيرَ إِلَى آخِرِ وَقْتِ الْإِمْكَانِ، وَصَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ مُمْكِنٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْهَ عَنِ الصَّوْمِ فِيهِ، وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ الثَّلَاثَةَ؛ وَهِيَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ وَيَوْمُ عَرَفَةَ وَالْيَوْمُ الَّذِي قَبْلَهُمَا أَخَصُّ بِالْحَجِّ؛ لِأَنَّ فِيهِنَّ يَقَعُ الْمَسِيرُ إِلَى عَرَفَاتٍ، وَبَعْضُ خُطَبِ الْحَجِّ.
وَالصَّائِمُ يَوْمَ عَرَفَةَ صَائِمٌ فِي حَالِ فِعْلِ الْحَجِّ فَكَانَ أَشَدَّ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ مِنْ غَيْرِهِ فَكَانَ أَفْضَلَ.
وَإِنَّمَا لَمْ يُسْتَحَبَّ فِيهَا صَوْمُ التَّطَوُّعِ، فَأَمَّا الْوَاجِبُ فَإِنَّهُ يُفْعَلُ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا.
وَيَجُوزُ الصَّوْمُ مِنْ حِينِ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ بِلَا تَرَدُّدٍ؛ قَالَ: فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسِنْدِيٍّ -: وَالصِّيَامُ لِلْمُتْعَةِ يَجِبُ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ إِذَا عَقَدَ الْإِحْرَامَ وَكَانَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.
وَهَذَا يَدْخُلُ عَلَى مَنْ قَالَ: لَا تُجْزِئُ الْكَفَّارَةُ قَبْلَ الْحِنْثِ، وَلَعَلَّ هَذَا لَا يَحُجُّ، يَنْصَرِفُ وَهُمْ يَقُولُونَ: يُجْزِئُهُ الصِّيَامُ، وَفِي قَلْبِي مِنَ الصِّيَامِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ شَيْءٌ.
وَإِنَّمَا أَرَادَ إِحْرَامًا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: إِذَا عَقَدَ الْإِحْرَامَ وَكَانَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ هَذَا فِي الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ فِي أَشْهُرِهِ لَا يُؤَثِّرُ فِي إِيجَابِ الدَّمِ، وَلِأَنَّهُ قَاسَ بِهِ الْكَفَّارَةَ قَبْلَ الْحِنْثِ؛ لِأَنَّ أَحَدَ السَّبَبَيْنِ قَدْ وُجِدَ دُونَ الْآخَرِ، وَلِأَنَّهُ قَالَ: لَعَلَّهُ لَا يَحُجُّ يَنْصَرِفُ، وَإِنَّمَا يَنْصَرِفُ وَيَتْرُكُ الْحَجَّ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ بِهِ، وَلِأَنَّهُ قَالَ: وَهُمْ يَقُولُونَ يُجْزِئُهُ الصِّيَامُ.
يَعْنِي أَهْلَ الرَّأْيِ، فَحَكَى عَنْهُمْ

قَوْلَهُمْ فِي مَسْأَلَةِ الْخِلَافِ وَهِيَ الصَّوْمُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ وَإِنْ وَافَقَهُمْ فِيهَا، فَأَمَّا الصَّوْمُ بَعْدَ إِحْرَامِ الْحَجِّ فَمُجْمَعٌ عَلَيْهِ لَا يُضَافُ إِلَى وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ.
وَقَالَ: فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ قَالَ اللَّهُ: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196] قَالَ: يَصُومُهَا إِذَا أَحْرَمَ، وَالْإِحْرَامُ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَيُرِيدُ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَ التَّرْوِيَةِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَصُومَهَا قَبْلَ أَنْ يَقْدُمَ مَكَّةَ، وَلَا يُبَالِي أَنْ يَقْدُمَ أَوَّلَهَا بَعْدَ أَنْ يَصُومَهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِنْ صَامَهَا قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ فَجَائِزٌ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: رِوَايَةً أُخْرَى أَنَّهُ يَجُوزُ صَوْمُهَا قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ مِنْ أَوَّلِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: وَلَا يُبَالِي أَنْ يَقْدُمَ أَوَّلَهَا بَعْدَ أَنْ يَصُومَهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَاعْتَبَرَ مُجَرَّدَ وُقُوعِهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَلَمْ يَعْتَبِرْ وُقُوعَهَا بَعْدَ الْإِحْرَامِ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ صَامَهَا قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ فَجَائِزٌ، وَعَنَى بِهِ إِحْرَامَ الْعُمْرَةِ

لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ صَوْمُهَا قَبْلَ إِحْرَامِ الْحَجِّ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَقَالَ الْقَاضِي - فِي خِلَافِهِ -: قَوْلُهُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ: أَرَادَ بِهِ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ.
وَقَدْ حَكَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا رِوَايَةً: أَنَّهُ إِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يَصُومَهَا قَبْلَ إِحْرَامِ الْحَجِّ بَعْدَ التَّحَلُّلِ مِنَ الْعُمْرَةِ، وَلَعَلَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَصَّ عَلَى جَوَازِ صَوْمِهَا قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ إِذَا كَانَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَلَمْ يَجُزْ صَوْمُهَا مِنْ حِينِ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ، بَلْ قَدْ كَرِهَ أَنْ يَصُومَ قَبْلَ أَنْ يَقْدُمَ مَكَّةَ، لِأَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ مُعْتَمِرًا لَا حَاجًّا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ إِنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ؛ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ وَالصَّوْمُ لِلْمُسَافِرِ مَكْرُوهٌ عِنْدَهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ -: كَانَ ابْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ يَقُولَانِ: يَصُومُ الْمُتَمَتِّعُ حِينَ يُهِلُّ فَإِنْ فَاتَهُ صَامَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ.
وَذَلِكَ لِمَا رَوَى.
. عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ: («مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ

حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ - وَلْيَحْلِلْ ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ، وَلْيُهْدِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ») مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْأَحَادِيثُ أَنَّ عَامَّةَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا مُتَمَتِّعِينَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا أَحْرَمُوا بِالْحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ حِينَ ذَهَبُوا إِلَى مِنًى، وَلَمْ يُسْتَثْنَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، أَنَّهُ أَحْرَمَ قَبْلَ ذَلِكَ؛ وَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ كُلَّهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى مِنًى أَنْ يُحْرِمُوا بِالْحَجِّ، وَلَمْ يَأْمُرْ أَحَدًا مِنْهُمْ بِتَقْدِيمِ إِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُمْ مُتَمَتِّعُونَ وَأَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ لَا يَجِدُ الْهَدْيَ، وَلِهَذَا بَيَّنَ لَهُمْ حُكْمَ مَنْ يَجِدُ الْهَدْيَ وَمَنْ لَا يَجِدُهُ.
وَمَنْ أَحْرَمَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا مِنَ الثَّلَاثَةِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ، بَلْ يَوْمَيْنِ؛ لِأَنَّ يَوْمَ التَّرْوِيَةَ إِنَّمَا أَحْرَمُوا نَهَارًا وَقَدْ أَنْشَئُوا الصَّوْمَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، وَلَوْ لَمْ يَجُزِ الصَّوْمُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ لَوَجَبَ تَقْدِيمُ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ فَجْرُ الْيَوْمِ السَّابِعِ، وَالصَّحَابَةُ لَمْ يَفْعَلُوهُ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِهِ، بَلْ أَمَرَهُمْ بِخِلَافِهِ، وَلِهَذَا لَمْ يَخْتَلِفْ نَصُّ أَحْمَدَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ.
ثُمَّ إِنْ قِيلَ: .. .، وَإِنْ قِيلَ: يَجُوزُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ، فَيُحْمَلُ بِالْعُمْرَةِ، فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: (فِي الْحَجِّ) عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَشْهُرُ الْحَجِّ.
وَأَمَّا وَجْهُ الْمَشْهُورِ: فَإِنَّهُ إِذَا أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فَقَدِ انْعَقَدَ سَبَبُ الْوُجُوبِ فِي حَقِّهِ وَدَخَلَ فِي التَّمَتُّعِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ سَاقَ الْهَدْيَ مَعَهُ لَمَنَعَهُ الْهَدْيُ مِنَ الْإِحْلَالِ.

فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196] وَهَذَا يَقْتَضِي وُقُوعَ الصِّيَامِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ إِذَا أَحْرَمَ بِهِ، وَلِأَنَّهُ قَالَ: (فِي الْحَجِّ) فَإِذَا صَامَ قَبْلَهُ لَمْ يَجُزْ.
قُلْنَا: هُوَ يَنْوِي التَّمَتُّعَ وَيَعْتَمِدُهُ مِنْ حِينِ يُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ، وَيُسَمَّى مُتَمَتِّعًا مِنْ حِينِئِذٍ، وَيُقَالُ: قَدْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ كَمَا يُقَالُ: أَفْرَدَ الْحَجَّ، وَقَرَنَ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ الْمَقْبُولِ.
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا إِلَى أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ، فَلَيْسَ فِي الْآيَةِ أَنَّ الصَّوْمَ بَعْدَ كَوْنِهِ مُتَمَتِّعًا، وَإِنَّمَا فِي الْآيَةِ أَنْ يَصُومَ فِي الْحَجِّ، عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ﴾ [البقرة: 196] يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: فَمَنْ أَرَادَ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، كَمَا قَالَ: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [النحل: 98] وَ ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: 6]، ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 3] أَيْ يُرِيدُونَ الْعَوْدَ .. . . وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196] فَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: أَيْ فِي حَالِ

الْحَجِّ وَيَكُونُ نَفْسُ إِحْرَامِ الْحَجِّ ظَرْفًا وَوِعَاءً لِلصَّوْمِ، كَمَا يُقَالُ: دَعَا فِي صَلَاتِهِ، وَتَكَلَّمَ فِي صَلَاتِهِ، وَلَبَّى فِي حَجِّهِ، وَتَمَضْمَضَ فِي وُضُوئِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْأَزْمِنَةَ لَمَّا كَانَتْ تَحْوِي الْأَفْعَالَ وَتَشْمَلُهَا: فَالْفِعْلُ قَدْ يَحْوِي فِعْلًا آخَرَ.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا: فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي وَقْتِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَا يَكُونُ ظَرْفًا لِلْفِعْلِ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ التَّجَوُّزِ مَعَ تَقْدِيرِ الزَّمَانِ؛ وَلِهَذَا قَالَ أَهْلُ الْإِعْرَابِ: إِنَّ الْعَرَبَ تَجْعَلُ الْمَصَادِرَ أَحْيَانًا عَلَى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ، إِمَّا عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ مَقَامَهُ، فَيَكُونُ الْمَحْذُوفُ مُقَدَّرًا، وَإِمَّا عَلَى تَضْمِينِ الْفِعْلِ: الزَّمَانَ لِاسْتِلْزَامِهِ إِيَّاهُ فَيَكُونُ الزَّمَانُ مُضَمَّنًا، قَالُوا: وَإِذَا كَانَ الْمَعْنَى: فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي وَقْتِ الْحَجِّ، فَالْحَجُّ شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَعَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ يُشِيرُ إِلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196] ثُمَّ قَالَ بُعَيْدَ ذَلِكَ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197] فَكَأَنَّهُ قَالَ: فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي أَشْهُرٍ مَعْلُومَاتٍ وَالْمَعْنَى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لَا يُؤَخِّرُهُنَّ عَنْ وَقْتِ الْحَجِّ.
وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: فَإِذَا أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَهُوَ حَاجٌّ، فَإِذَا صَامَهَا حِينَئِذٍ فَقَدْ صَامَهَا فِي حَجِّهِ؛ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ هِيَ الْحَجُّ الْأَصْغَرُ، وَعُمْرَةُ التَّمَتُّعِ جُزْءٌ مِنَ الْحَجِّ بَعْضٌ لَهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: («دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ») وَالْمُتَمَتِّعُ حَاجٌّ مِنْ حِينِ يُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ إِلَّا أَنَّ إِحْرَامَهُ يَتَخَلَّلُهُ حِلٌّ بِخِلَافِ مَنْ أَفْرَدَ الْعُمْرَةَ.

فَصْلٌ وَأَمَّا صِيَامُ السَّبْعَةِ فَيَجُوزُ تَأْخِيرُهُ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَإِذَا رَجَعَ إِلَيْهِمْ

فَإِنْ صَامَهَا فِي طَرِيقِهِ، أَوْ فِي مَكَّةَ بَعْدَ أَيَّامِ مِنًى وَبَعْدَ التَّحَلُّلِ الثَّانِي جَازَ، وَإِنْ صَامَهَا قَبْلَ التَّحَلُّلِ الثَّانِي وَبَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ لَمْ يَجُزْ سَوَاءً رَجَعَ إِلَى وَطَنِهِ، أَوْ لَمْ يَرْجِعْ ذَكَرَهُ الْقَاضِي .. . . قَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ -: إِنْ قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ وَإِلَّا يَصُومُ بَعْدَ الْأَيَّامِ، قِيلَ لَهُ: بِمَكَّةَ أَمْ فِي الطَّرِيقِ؟ قَالَ: كَيْفَ شَاءَ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ - وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ صِيَامِ السَّبْعَةِ، يَصُومُهُنَّ فِي الطَّرِيقِ أَمْ فِي أَهْلِهِ؟ فَقَالَ: كُلٌّ قَدْ تَأَوَّلَهُ النَّاسُ وَوَسَّعَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196]. فَذَهَبَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وَغَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: إِذَا رَجَعْتُمْ مِنَ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196] ثُمَّ قَالَ: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] فَتَقْدِيرُ الرُّجُوعِ مِنَ الْحَجِّ - الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ - أَوْلَى مِنْ تَقْدِيرِ الرُّجُوعِ مِنَ السَّفَرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ، وَلِأَنَّهُ لَوْ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ قَبْلَ الْإِحْلَالِ الثَّانِي، لَمْ يَجُزِ الصَّوْمُ.
فَعُلِمَ أَنَّ الْحُكْمَ مُقَيَّدٌ بِالرُّجُوعِ مِنَ الْحَجِّ فَقَطْ، وَيَصِحُّ تَسْمِيَتُهُ رَاجِعًا مِنَ الْحَجِّ بِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَدْ عَادَ إِلَى حَالِهِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ مِنَ الْإِحْلَالِ.

وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُفْعَلُ فِي أَمَاكِنَ مَخْصُوصَةٍ، فَإِذَا قَضَاهُ وَرَجَعَ عَنْ تِلْكَ الْأَمَاكِنِ وَانْتَقَلَ عَنْهَا سُمِّيَ رَاجِعًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ.
وَفِيهَا طَرِيقَةٌ أُخْرَى أَحْسَنُ مِنْ هَذِهِ، وَهِيَ طَرِيقَةُ أَكْثَرِ السَّلَفِ أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى أَهْلِكُمْ وَهِيَ طَرِيقَةُ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: إِذَا فَرَّطَ فِي الصَّوْمِ وَهُوَ مُتَمَتِّعٌ صَامَ بَعْدَمَا يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ وَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَقَالَ -فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةَ -: عَلَيْهِ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ؛ وَإِنْ شَاءَ صَامَ فِي الطَّرِيقِ؛ وَذَلِكَ لِمَا أَخْرَجَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: («لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ، قَالَ لِلنَّاسِ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ، ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَلْيُهْدِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ»).
وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَهَذَا تَفْسِيرٌ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ، فَقَالَ: («أَهَلَّ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، وَأَزْوَاجُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَأَهْلَلْنَا فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اجْعَلُوا إَهْلَالَكُمْ بِالْحَجِّ عُمْرَةً، إِلَّا مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ، طُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَأَتَيْنَا النِّسَاءَ، وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ) وَقَالَ: (مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، ثُمَّ أَمَرَنَا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أَنْ نُهِلَّ بِالْحَجِّ فَإِذَا فَرَغْنَا مِنَ الْمَنَاسِكِ جِئْنَا فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ

فَقَدْ تَمَّ حَجُّنَا وَعَلَيْنَا الْهَدْيُ») كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] إِلَى أَمْصَارِكُمْ، الشَّاةُ تُجْزِئُ، فَجَمَعُوا بَيْنَ نُسُكَيْنِ فِي عَامٍ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَاحَهُ لِلنَّاسِ غَيْرَ أَهْلِ مَكَّةَ، قَالَ اللَّهُ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 196]. وَقَوْلُهُ: إِلَى أَمْصَارِكُمْ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا.
وَعَنْ جَابِرٍ .. . . وَأَيْضًا: فَإِنَّ الرُّجُوعَ الْمُطْلَقَ إِنَّمَا يُفْهَمُ مِنْهُ الرُّجُوعُ إِلَى الْوَطَنِ لَكِنَّ تَأْخِيرَ الصَّوْمِ إِلَى مِصْرِهِ رُخْصَةٌ كَمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ عَطَاءٍ: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] قَالَ: " هِيَ رُخْصَةٌ إِنْ شَاءَ صَامَ فِي الطَّرِيقِ وَإِنْ شَاءَ إِذَا قَدِمَ إِلَى مَنْزِلَهِ ". وَعَنِ الْحَسَنِ مِثْلَهُ: " هِيَ رُخْصَةٌ ".

وَرَوَى الْأَشَجُّ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] " قَالَ: "إِنْ شَاءَ صَامَهَا فِي الطَّرِيقِ فَعَلَ فَإِنَّمَا هِيَ رُخْصَةٌ "، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] لَمَّا انْعَقَدَ سَبَبُ الْوُجُوبِ وَتَمَّ، كَانَ التَّأْخِيرُ إِلَى حَالِ الْإِقَامَةِ رُخْصَةً، وَكَذَلِكَ: صَوْمُ السَّبْعَةِ إِنَّمَا سَبَبُهُ الْمُتْعَةُ وَهِيَ قَدْ تَمَّتْ بِمَكَّةَ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْحَاجُّ مُسَافِرًا، وَالصَّوْمُ يَشُقُّ: جَوَّزَ لَهُ الشَّرْعُ التَّأْخِيرَ إِلَى أَنْ يَقْدُمَ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْحَجِيجَ إِذَا صَدَرُوا مِنْ مِنًى: فَقَدْ شَرَعُوا فِي الرُّجُوعِ إِلَى أَهْلِهِمْ، فَإِنَّ عَرَفَاتٍ وَمِنًى: هِيَ مُنْتَهَى سَفَرِهِمْ، فَالْمُصْدَرُ عَنْهَا قُفُولٌ مِنْ سَفَرِهِمْ وَرُجُوعٌ إِلَى أَوْطَانِهِمْ، وَمُقَامُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ، أَوِ الْمَدِينَةِ، أَوْ غَيْرِهِمَا، كَمَا يَعْرِضُ لِسَائِرِ الْمُسَافِرِينَ مِنَ الْمُقَامِ.
وَالْأَفْعَالُ الْمُمْتَدَّةُ مِثْلُ الْحَجِّ وَالرُّجُوعِ وَنَحْوِهِ: يَقَعُ الِاسْمُ عَلَى الْمُتَلَبِّسِ بِهِ إِذَا شَرَعَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَنَاوَلُ الِاسْمَ عَلَى التَّمَامِ إِلَّا إِذَا قَضَاهُ.
يُبَيِّنُ هَذَا: أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَخْتَصُّ بِمَكَانٍ وَلَا بِحَالٍ دُونَ حَالٍ، فَلَوْ قِيلَ: لَا يَجُوزُ لَهُ الصَّوْمُ بِالطَّرِيقِ، أَوْ بِمَكَّةَ: لَكَانَ مَنْعًا لِلصَّوْمِ فِي بَعْضِ الْأَمْكِنَةِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْهُودٍ مِنَ الشَّرْعِ وَلَا مَعْنًى تَحْتَهُ.
وَأَيْضًا: فَعِنْدَ أَصْحَابِهِ أَنَّ صَوْمَ السَّبْعَةِ قَدْ وَجَبَ فِي ذِمَّتِهِ بِمَكَّةَ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ؛ فَقَالَ - فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ - إِذَا مَاتَ وَلَمْ يَصُمِ السَّبْعَةَ أَيَّامٍ يُطْعَمُ عَنْهُ بِمَكَّةَ مَوْضِعَ وَجَبَ عَلَيْهِ، وَكُلُّ صَوْمٍ وَجَبَ فِي ذِمَّتِهِ: فَلَهُ الْبِدَارُ إِلَى فِعْلِهِ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ وَالنَّذْرِ.

جارٍ التحميل