فصل في ما ولا ولات وإن المشبهات بليس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عقيل
- الكتاب
- شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك
- المؤلف
- ابن عقيل، عبد الله بن عبد الرحمن العقيلي الهمداني المصري (المتوفى: 769هـ)
- المحقق
- محمد محيي الدين عبد الحميد
- الناشر
- دار التراث - القاهرة، دار مصر للطباعة، سعيد جودة السحار وشركاه
- الطبعة
- العشرون 1400 هـ - 1980 م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وأول مجلدين، مذيلان بحاشية: منحة الجليل، بتحقيق شرح ابن عقيل]
إعمال ليس أعملت ما دون إن ... مع بقا النفي وترتيب زكن 1 وسبق حرف جر أو ظرف ك ما ... بي أنت معنيا أجاز العلما 2 تقدم في أول باب كان وأخواتها أن نواسخ الابتداء تنقسم إلى أفعال
وحروف وسبق الكلام على كان وأخواتها وهي من الأفعال الناسخة وسيأتي الكلام على الباقي وذكر المصنف في هذا الفصل من الحروف الناسخة قسما يعمل عمل كان وهو ما ولا ولات وإن.
أما ما فلغة بني تميم أنها لا تعمل شيئا فتقول ما زيد قائم فزيد مرفوع بالابتداء وقائم خبره ولا عمل لما في شيء منهما وذلك لأن ما حرف لا يختص لدخوله على الاسم نحو ما زيد قائم وعلى الفعل نحو ما يقوم زيد وما لا يختص فحقه ألا يعمل.
ولغة أهل الحجاز إعمالها كعمل ليس لشبهها بها في أنها لنفي الحال عند الإطلاق فيرفعون بها الاسم وينصبون بها الخبر نحو ما زيد قائما قال الله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَراً﴾ وقال تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ وقال الشاعر:
1 - أبناؤها مكتنفون أباهم ... حنقو الصدور وما هم أولادها
لكن لا تعمل عندهم إلا بشروط ستة ذكر المصنف منها أربعة:
الأول: ألا يزاد بعدها إن فإن زيدت بطل عملها نحو ما إن زيد قائم برفع قائم ولا يجوز نصبه وأجاز ذلك بعضهم 1 .
الثاني: ألا ينتقض النفي بإلا نحو ما زيد إلا قائم فلا يجوز نصب قائم وكقوله تعالى: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ وقوله ﴿وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ﴾ خلافا لمن أجازه.
2 = على الضم في محل رفع " أولادها " أولاد: خبر " ما " منصوب بالفتحة الظاهرة، وأولاد مضاف وها ضمير الحرة مضاف إليه.
الشاهد فيه: قوله " وما هم أولادها " حيث أعمل " ما " النافية عمل " ليس " فرفع بها الاسم محلا، ونصب خبرها لفظا، وذلك لغة أهل الحجاز.
الثالث: ألا يتقدم خبرها على اسمها وهو غير ظرف ولا جار ومجرور فإن تقدم وجب رفعه نحو ما قائم زيد فلا تقول ما قائما زيد وفي ذلك خلاف.
1 = فما: نافية، وحق: اسمها، ونكالا: خبرها، وقد جاء به منصوبا مع كونه مسبوقا بإلا.
وجمهور البصريين لا يقبلون دلالة هذه الشواهد، ويؤولونها، فمما أولوا به البيت الاول أن " منجنونا " مفعول به لفعل محذوف، والتقدير: وما الدهر إلا يشبه منجنونا، وجملة الفعل وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ، وكذلك قوله " معذبا " في الشطر الثاني: أي وما صاحب الحاجات إلا يشبه معذبا، وبعضهم يقول: منجنونا مفعول مطلق لفعل محذوف على تقدير مضاف، ومعذبا ليس اسم مفعول، بل هو مصدر ميمي بمعنى التعذيب، فهو أيضا مفعول مطلق لفعل محذوف، ونكالا في البيت الثاني اسم مصدر، فهو كذلك مفعول مطلق لفعل محذوف، والتقدير: وما الدهر إلا يدور دوران منجنون، وما صاحب الحاجات إلا يعذب معذبا أي تعذيبا، وما حق الذي يفسد إلا ينكل به نكالا أي تنكيلا، وهذه الجمل الفعلية كلها في محل رفع أخبار للمبتدآت الواقعة بعد ما النافية في المواضع الثلاثة.
فإن كان ظرفا أو جارا ومجرورا فقدمته فقلت ما في الدار زيد وما عندك عمرو فاختلف الناس في ما حينئذ هل هي عاملة أم لا؟ فمن جعلها عاملة قال إن الظرف والجار والمجرور في موضع نصب بها ومن لم يجعلها عاملة قال إنهما في موضع رفع على أنهما خبران للمبتدأ الذي بعدهما وهذا الثاني هو ظاهر كلام المصنف فإنه شرط في إعمالها أن يكون المبتدأ والخبر بعد ما على الترتيب الذي زكن وهذا هو المراد بقوله وترتيب زكن أي علم ويعني به أن يكون المبتدأ مقدما والخبر مؤخرا ومقتضاه أنه متى تقدم الخبر لا تعمل ما شيئا سواء كان الخبر ظرفا أو جارا ومجرورا أو غير ذلك وقد صرح بهذا في غير هذا الكتاب.
الشرط الرابع: ألا يتقدم معمول الخبر على الاسم وهو غير ظرف ولا جار ومجرور فإن تقدم بطل عملها نحو ما طعامك زيد آكل فلا يجوز نصب آكل ومن أجاز بقاء العمل مع تقدم الخبر يجيز بقاء العمل مع تقدم المعمول بطريق الأولى لتأخر الخبر وقد يقال لا يلزم ذلك لما في1 = والسر في ذلك الخطأ أنه تميمي، وأراد أن يتكلم بلغة أهل الحجاز، فلم يعرف أنهم لا يعملون " ما " إذا تقدم الخبر على الاسم، ولعله وجد خبر ليس قد جاء متقدما على اسمها، فتوهم أن ما - لكونها بمعنى لبس - تعطي حكمها، ولم يلتفت إلى أن " ما " فرع من ليس في العمل، وأن الفرع ليس في قوة الاصل.
والثالث: سلمنا أن الرواية كما يذكرون، وأن الشاعر لم يخطئ.
ولكنا لا نسلم أن " مثل " منصوب، بل هو مبني على الفتح في محل رفع خبر مقدم، وبشر: مبتدأ مؤخر، وإنما بنيت " مثل " لانها اكتسبت البناء من المضاف إليه، وجاز ذلك البناء ولم يجب، ولهذا شواهد كثيرة منها قوله تعالى: (إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون) فمثل في هذه الآية الكريمة صفة لحق مع أن حقا مرفوع ومثل مفتوح، فوجب أن يكون مبنيا على الفتح في محل رفع.
الإعمال مع تقدم المعمول من الفصل بين الحرف ومعموله وهذا غير موجود مع تقدم الخبر.
فإن كان المعمول ظرفا أو جارا ومجرورا لم يبطل عملها نحو ما عندك زيد مقيما وما بي أنت معنيا لأن الظروف والمجرورات يتوسع فيها ما لا يتوسع في غيرها وهذا الشرط مفهوم من كلام المصنف لتخصيصه جواز تقديم معمول الخبر بما إذا كان المعمول ظرفا أو جارا ومجرورا.
الشرط الخامس: ألا تتكرر ما فإن تكررت بطل عملها نحو ما ما زيد قائم فالأولى نافية والثانية نفت النفي فبقي إثباتا فلا يجوز نصب قائم وأجازه بعضهم 1 .
الشرط السادس: ألا يبدل من خبرها موجب فإن أبدل بطل عملها نحو ما زيد بشيء إلا شيء لا يعبأ به فبشيء في موضع رفع خبر
عن المبتدأ الذي
هو زيد ولا يجوز أن يكون في موضع نصب خبرا عن ما وأجازه قوم وكلام سيبويه رحمه الله تعالى في هذه المسألة محتمل للقولين المذكورين أعني القول باشتراط ألا يبدل من خبرها موجب والقول بعدم اشتراط ذلك فإنه قال بعد ذكر المثال المذكور وهو ما زيد بشيء إلى آخره استوت اللغتان يعني لغة الحجاز ولغة تميم واختلف شراح الكتاب فيما يرجع إليه قوله استوت اللغتان فقال قوم هو راجع إلى الاسم الواقع قبل إلا والمراد أنه لا عمل ل ما فيه فاستوت اللغتان في أنه مرفوع وهؤلاء هم الذين شرطوا في إعمال ما ألا يبدل من خبرها موجب وقال قوم هو راجع إلى الاسم الواقع بعد إلا والمراد أنه يكون مرفوعا 1 سواء جعلت ما حجازية أو تميمية وهؤلاء هم الذين لم يشترطوا في إعمال ما ألا يبدل من خبرها موجب وتوجيه كل من القولين وترجيح المختار منهما وهو الثاني لا يليق بهذا المختصر.
ورفع معطوف بلكن أو ببل ... من بعد منصوب بما الزم حيث حل 2
إذا وقع بعد خبر ما عاطف فلا يخلو إما أن يكون مقتضيا للإيجاب أولا.
فإن كان مقتضيا للإيجاب تعين رفع الاسم الواقع بعده وذلك نحو بل ولكن فتقول ما زيد قائما لكن قاعد أو بل قاعد فيجب رفع الاسم على أنه خبر مبتدأ محذوف والتقدير لكن هو قاعد وبل هو قاعد ولا يجوز نصب قاعد عطفا على خبر ما لأن ما لا تعمل في الموجب.
وإن كان الحرف العاطف غير مقتض للإيجاب كالواو ونحوها جاز النصب والرفع والمختار النصب نحو ما زيد قائما ولا قاعدا ويجوز الرفع فتقول ولا قاعد وهو خبر لمبتدأ محذوف والتقدير ولا هو قاعد ففهم من تخصيص المصنف وجوب الرفع بما إذا وقع الاسم بعد بل ولكن أنه لا يجب الرفع بعد غيرهما.
وبعد ما وليس جر البا الخبر ... وبعد لا ونفي كان قد يجر 1 = معطوف على قوله " بلكن " السابق " من بعد " جار ومجرور متعلق برفع، وبعد مضاف و" منصوب " مضاف إليه " بما " جار ومجرور متعلق بمنصوب " الزم " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " حيث " ظرف متعلق بالزم، مبني على الضم في محل نصب " حل " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو، والجملة من حل وفاعله في محل جر بإضافة حيث إليها.
تزاد الباء كثيرا في الخبر بعد ليس وما نحو قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ و ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ و ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ولا تختص زيادة الباء بعد ما بكونها حجازية خلافا لقوم بل تزاد بعدها وبعد التميمية وقد نقل سيبويه والفراء رحمهما الله تعالى زيادة الباء بعد ما عن بني تميم فلا التفات إلى من منع ذلك وهو موجود في أشعارهم 1 . وقد اضطرب رأي الفارسي في ذلك فمرة قال لا تزاد الباء إلا بعد الحجازية ومرة قال تزاد في الخبر المنفي وقد وردت زيادة الباء قليلا في خبر لا كقوله: = ماض " البا " قصر للضرورة: فاعل جر " الخبر " مفعول به لجر " وبعد " ظرف متعلق بقوله " يجر " الآتي، وبعد مضاف، و" لا " قصد لفظه: مضاف إليه " ونفي " معطوف على لا، ونفي مضاف، و" كان " قصد لفظه: مضاف إليه " قد " حرف تقليل " يجر " فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الخبر.
1 - فكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة ... بمغن فتيلا عن سواد بن قارب وفي خبر مضارع كان المنفية بلم كقوله: 2 - وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل
في النكرات أعملت كليس لا ... وقد تلي لات وإن ذا العملا 1 = اللغة: أقيموا صدور مطيكم " هذه كناية عن طلب الاستعداد لعظائم الامور والجد في طلب المعالي، يقول: جدوا في أمركم وانتبهوا من رقدتكم " فإني إلى قوم سواكم إلخ " يؤذن قومه بأنه مرتحل عنهم ومفارقهم، وكأنه يقول! إن غفلتكم توجب الارتحال عنكم، وإن ما أعاين من تراخيكم وإقراركم بالضيم لخليق بأن يزهدني في البقاء بينكم " أجشع القوم " الجشع - بالتحريك - أشد الطمع " أعجل " هو صفة مشبهة بمعنى عجل، وليس أفعل تفضيل، لان المعنى يأباه، إذ ليس مراده أن الاشد عجلة هو الجشع، ولكن غرضه أن يقول: إن من يحدث منه مجرد العجلة إلى الطعام هو الجشع، فافهم ذلك.
الاعراب: " إن " شرطية " مدت " مد: فعل ماض فعل الشرط، مبني للمجهول، مبني على الفتح في محل جزم، والتاء تاء التأنيث " الايدي " نائب فاعل لمد " إلى الزاد " جار ومجرور متعلق بقوله " مدت " السابق " لم " حرف نفي وجزم وقلب " أكن " فعل مضارع ناقص، وهو جواب الشرط، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " بأعجلهم " الباء زائدة، أعجل: خبر أكن، منصوب بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وأعجل مضاف والضمير مضاف إليه " إذ " كلمة دالة على التعليل قيل: هي حينئذ حرف، وقيل: هي ظرف، وعليه فهو متعلق بقوله " أعجل " السابق، و" أجشع " مبتدأ، وأجشع مضاف، و" القوم " مضاف إليه " أعجل " خبر المبتدأ.
الشاهد فيه: قوله " بأعجلهم " حيث أدخل الباء الزائدة على خبر مضارع كان المنفى بلم.
واستشهاد الشارح بهذا البيت يدل على أنه فهم أن مراد المصنف بقوله " نفي كان " نفي هذه المادة أعم من أن تكون بلفظ الماضي أو بلفظ المضارع، وأعم من هذه العبارة التي في الالفية قول المصنف في كتابه التسهيل " وبعد نفي فعل ناسخ "، لان الفعل الناسخ يشمل كان وأخواتها، وظن وأخواتها، بأي صيغة كانت هذه الافعال.
وما ل "لات" في سوى حين عمل ... وحذف ذي الرفع فشا والعكس قل 1
تقدم أن الحروف العاملة عمل ليس أربعة وقد تقدم الكلام على ما وذكر هنا لا ولات وإن.
أما لا فمذهب الحجازيين إعمالها عمل ليس ومذهب تميم إهمالها 2 = بمحذوف حال من " لا " أو صفة لموصوف محذوف، والتقدير: إعمالا مماثلا إعمال ليس " لا " قصد لفظه: نائب فاعل أعملت " وقد " حرف تقليل " تلي " فعل مضارع " لات " فاعل تلي " وإن " معطوف على لات " ذا " اسم إشارة مفعول به لتلي " العملا " بدل أو عطف بيان أو نعت لاسم الاشارة، وتقدير البيت: أعملت في النكرات " لا " إعمالا مماثلا لاعمال ليس، وقد تلي لات وإن هذا العمل.
ولا تعمل عند الحجازيين إلا بشروط ثلاثة 1 : أحدها: أن يكون الاسم والخبر نكرتين نحو لا رجل أفضل منك ومنه قوله: 78 - تعز فلا شيء على الأرض باقيا ... ولا وزر مما قضى الله واقيا2
وقوله: 1 - نصرتك إذ لا صاحب غير خاذل ... فبوئت حصنا بالكماة حصينا = الاسم ولا في الخبر، وأن ما بعدها مبتدأ وخبر، وذهب الزجاج إلى أن " لا " تعمل الرفع في الاسم ولا تعمل شيئا في الخبر، والخبر بعدها لا يكون مذكورا أبدا، وكلا المذهبين فاسد، وبيت الشاهد رد عليهما جميعا، فالخبر مذكور فيه فكان ذكره ردا لما ذهب إليه الزجاج، وهو منصوب، فكان نصبه ردا لما زعمه الاخفش.
وزعم بعضهم أنها قد تعمل في المعرفة وأنشد للنابغة: 1 - بدت فعل ذي ود فلما تبعتها ... تولت وبقت حاجتي في فؤاديا وحلت سواد القلب لا أنا باغيا ... سواها ولا عن حبها متراخيا
واختلف كلام المصنف في هذا البيت فمرة قال إنه مؤول ومرة قال إن القياس عليه سائغ 1 .
الشرط الثاني: ألا يتقدم خبرها على اسمها فلا نقول لا قائما رجل.
الشرط الثالث: ألا ينتقض النفي بإلا فلا تقول لا رجل إلا أفضل من زيد ينصب أفضل بل يجب رفعه ولم يتعرض المصنف لهذين الشرطين.
= أشار إليه الشارح العلامة، نقلا عن المصنف بتأويلات كثيرة، أحدها: أن قوله " أنا " ليس اسما للا، وإنما هو نائب فاعل لفعل محذوف، وأصل الكلام على هذا " لا أرى باغيا " فلما حذف الفعل، وهو " أرى " برز الضمير المستتر، وانفصل أو يكون الضمير مبتدأ، وقوله " باغيا " حال من نائب فاعل فعل محذوف، والتقدير " لا أنا أرى باغيا "، وجملة الفعل المحذوف مع نائب فاعله في محل رفع خبر المبتدأ، ويكون قد استغنى بالمعمول وهو الحال الذي هو قوله " باغيا " عن العامل فيه الذي هو الفعل المحذوف، وزعموا أنه ليس في هذا التأويل ارتكاب شطط ولا غلو في التقدير، فإن من سنن العربية الاستغناء بالمعمول عن العامل كما في الحال السادة مسد الخبر المفصحة عنه، كما اتضح لك ذلك في باب المبتدأ والخبر، فافهم ذلك، والله يرشدك ويتولاك.
وأما إن النافية فمذهب أكثر البصريين والفراء أنها لا تعمل شيئا ومذهب الكوفيين خلا الفراء أنها تعمل عمل ليس وقال به من البصريين أبو العباس المبرد وأبو بكر بن السراج وأبو علي الفارسي وأبو الفتح بن جني واختاره المصنف وزعم أن في كلام سيبويه رحمه الله تعالى إشارة إلى ذلك وقد ورد السماع به قال الشاعر: 1 - إن هو مستوليا على أحد ... إلا على أضعف المجانين
وقال آخر:
1 - إن المرء ميتا بانقضاء حياته ... ولكن بأن يبغى عليه فيخذلا = وهذا الشاهد يرد على الفراء وأكثر البصريين الذين ذهبوا إلى أن " إن " النافية لا تعمل شيئا، لا في المبتدأ ولا في الخبر، ووجه الرد من البيت ورود الخبر اسما مفردا منصوبا بالفتحة الظاهرة، ولا ناصب له في الكلام إلا " إن "، وليس لهم أن يزعموا أن النصب بها شاذ، لوروده في الشعر كثيرا، ولوروده في النثر في نحو قول أهل العالية " إن أحد خيرا من أحد إلا بالعافية "، وقد قرأ بهذه اللغة سعيد بن جبير - رضي الله عنه! - في الآية الكريمة التي تلاها الشارح.
ويؤخذ من هذا الشاهد - زيادة على ذلك - أن " إن " النافية مثل " ما " في أنها لا تختص بالنكرات كما تختص بها " لا ": فإن الاسم في البيت ضمير، وقد نص الشارح على هذا، ومثل له.
ويؤخذ منه أيضا أن انتقاض النفي بعد الخبر بإلا لا يقدح في العمل، لانه استثنى بقوله " إلا على أضعف.
إلخ ".
وذكر ابن جني في المحتسب أن سعيد بن جبير رضي الله عنه قرأ إن الذين تدعون من دون الله عبادا أمثالكم بنصب العباد ولا يشترط في اسمها وخبرها أن يكونا نكرتين بل تعمل في النكرة والمعرفة فتقول إن رجل قائما وإن زيد القائم وإن زيد قائما.
وأما لات فهي لا النافية زيدت عليها تاء التأنيث مفتوحة ومذهب الجمهور أنها تعمل عمل ليس فترفع الاسم وتنصب الخبر لكن اختصت بأنها لا يذكر معها الاسم والخبر معا بل إنما يذكر معها أحدهما والكثير في لسان العرب حذف اسمها وبقاء خبرها ومنه قوله تعالى: ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ بنصب الحين فحذف الاسم وبفي الخبر والتقدير ولات الحين حين مناص فالحين اسمها وحين مناص خبرها وقد قرئ شذوذا ولات حين مناص برفع الحين على أنه اسم لات والخبر محذوف والتقدير ولات حين مناص لهم أي ولات حين مناص كائنا لهم وهذا هو المراد بقوله وحذف ذي الرفع إلى آخر البيت.
وأشار بقوله وما للات في سوى حين عمل إلى ما ذكره سيبويه
من أن = عاطفة، ويخذل: فعل مضارع مبني للمجهول، معطوف على يبغى، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على المرء، والالف للاطلاق.
الشاهد فيه: قوله " إن المرء ميتا " حيث أعمل " إن " النافية عمل " ليس " فرفع بها ونصب، وفي هذا الشاهد مثل ما في الشاهد السابق من وجوه الاستنباط التي ذكرناها.
لات لا تعمل إلا في الحين واختلف الناس فيه فقال قوم المراد أنها لا تعمل إلا في لفظ الحين ولا تعمل فيما رادفه كالساعة ونحوها وقال قوم المراد أنها لا تعمل إلا في أسماء الزمان فتعمل في لفظ الحين وفيما رادفه من أسماء الزمان ومن عملها فيما رادفه قول الشاعر: 1 - ندم البغاة ولات ساعة مندم ... والبغي مرتع مبتغيه وخيم
وكلام المصنف محتمل للقولين (1) وجزم بالثاني في التسهيل (2) ومذهب الأخفش أنها لا تعمل شيئا وأنه إن وجد الاسم بعدها منصوبا فناصبه فعل مضمر والتقدير لات أرى حين مناص وإن وجد مرفوعا فهو مبتدأ والخبر محذوف والتقدير لات حين مناص كائن لهم والله أعلم.
= على الزمان كساعة ووقت وزمان وأوان ونحو ذلك، وفي المسألة كلام طويل لا يليق بسطه بهذه العجالة.
ومثل البيت الشاهد ما أنشده ابن السكيت في كتاب الاضداد، وهو: ولتعرفن خلائقا مشمولة ولتندمن ولات ساعة مندم (21 - شرح ابن عقيل 1)