شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالكالتمييز

التمييز

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عقيل
الكتاب
شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك
المؤلف
ابن عقيل، عبد الله بن عبد الرحمن العقيلي الهمداني المصري (المتوفى: 769هـ)
المحقق
محمد محيي الدين عبد الحميد
الناشر
دار التراث - القاهرة، دار مصر للطباعة، سعيد جودة السحار وشركاه
الطبعة
العشرون 1400 هـ - 1980 م
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وأول مجلدين، مذيلان بحاشية: منحة الجليل، بتحقيق شرح ابن عقيل]

اسم بمعنى من مبين نكره ... ينصب تمييزا بما قد فسره 1 كشبر أرضا وقفيز برا ... ومنوين عسلا وتمرا 2 تقدم من الفضلات المفعول به والمفعول المطلق والمفعول له والمفعول فيه والمفعول معه والمستثنى والحال وبقي التمييز وهو المذكور في هذا الباب ويسمى مفسرا وتفسيرا ومبينا وتبيينا ومميزا وتمييزا.
وهو: كل اسم نكرة متضمن معنى من لبيان ما قبله من إجمال نحو طاب زيد نفسا وعندي شبر أرضا.
واحترز بقوله متضمن معنى من الحال فإنها متضمنة معنى في وقوله لبيان ما قبله احتراز مما تضمن معنى من وليس فيه بيان لما قبله كاسم لا التي لنفي الجنس نحو لا رجل قائم فإن التقدير لا من رجل قائم.

وقوله لبيان ما قبله من إجمال يشمل نوعي التمييز وهما المبين إجمال ذات والمبين إجمال نسبة.
فالمبين إجمال الذات: هو الواقع بعد المقادير وهي الممسوحات نحو له شبر أرضا والمكيلات نحو له قفيز برا والموزونات نحو له منوان عسلا وتمرا والأعداد 1 نحو عندي عشرون درهما وهو منصوب بما فسره وهو شبر وقفيز ومنوان وعشرون.
والمبين إجمال النسبة: هو المسوق لبيان ما تعلق به العامل من فاعل أو مفعول نحو طاب زيد نفسا ومثله ﴿اشْتَعَلَ الرَّأسُ شَيْبَا﴾ وغرست الأرض شجرا ومثله ﴿وَفَجَّرْنَا الأرْضَ عُيُونًا﴾ . فـ"نفسا" تمييز منقول من الفاعل والأصل طابت نفس زيد وشجرا منقول من المفعول والأصل غرست شجر الأرض فبين

نفسا الفاعل الذي تعلق به الفعل وبين شجرا المفعول الذي تعلق به الفعل والناصب له في هذا النوع هو العامل الذي قبله.
وبعد ذي وشبهها اجرره إذا ... أضفتها كـ "مد حنطة غذا 1 " والنصب بعد ما أضيف وجبا ... إن كان مثل "ملء الأرض ذهبا 2 " أشار ب ذي إلى ما تقدم ذكره في البيت من المقدرات - وهو ما دل على مساحة أو كيل أو وزن - فيجوز جر التمييز بعد هذه

بالإضافة إن لم يضف إلى غيره نحو عندي شبر أرض وقفيز بر ومنوا عسل وتمر.
فإن أضيف الدال على مقدار إلى غير التمييز وجب نصب التمييز نحو ما في السماء قدر راحة سحابا ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلءُ الأَرْضِ ذَهَباً﴾ وأما تمييز العدد فسيأتي حكمه في باب العدد.
والفاعل المعنى انصبن بأفعلا ... مفضلا كـ "أنت أعلى منزلا 1 " التمييز الواقع بعد أفعل التفضيل إن كان فاعلا في المعنى وجب نصبه وإن لم يكن كذلك وجب جره بالإضافة.
وعلامة ما هو فاعل في المعنى أن يصلح جعله فاعلا بعد جعل أفعل التفضيل فعلا نحو أنت أعلى منزلا وأكثر مالا ف منزلا ومالا يجب نصبهما إذ يصح جعلهما فاعلين بعد جعل أفعل التفضيل فعلا فتقول أنت علا منزلك وكثر مالك.
ومثال ما ليس بفاعل في المعنى 2 زيد أفضل رجل وهند أفضل امرأة

فيجب جره بالإضافة إلا إذا أضيف أفعل إلى غيره فإنه ينصب حينئذ نحو أنت أفضل الناس رجلا 1 . وبعد كل ما اقتضى تعجبا ... ميز كـ "أكرم بأبي بكر أبا 2 " يقع التمييز بعد كل ما دل على تعجب نحو: ما أحسن زيدا رجلا = ويعرف ذلك بصحة حذف أفعل التفضيل، ووضع لفظ بعض موضعه، فنحو " زيد أفضل رجل " تجد أفعل التفضيل - وهو أفضل - باعتبار الفرد الذي يتحقق فيه واحدا من جنس الرجل، وكذلك نحو " هند أفضل امرأة " تجد أفعل التفضيل بعض الجنس، ويمكن أن تحذف أفعل التفضيل في المثالين وتضع مكانه لفظ " بعض " فتقول: زيد بعض جنس الرجل، أي بعض الرجال، وهند بعض جنس المرأة، أي بعض النساء.

وأكرم بأبي بكر أبا ولله درك عالما وحسبك بزيد رجلا وكفى به عالما.
1 193 - ويا جارتا ما أنت جار2

واجرر بمن إن شئت غير ذي العدد ... والفاعل المعنى كطب نفسا تفد 1 يجوز جر التمييز بمن إن لم يكن فاعلا في المعنى ولا مميزا لعدد فتقول عندي شبر من أرض وقفيز من بر ومنوان من عسل وتمر وغرست الأرض من شجر ولا تقول طاب زيد من نفس ولا عندي عشرون من درهم.
وعامل التمييز قدم مطلقا ... والفعل ذو التصريف نزرا سبقا 2 = قلت: لا خلاف بين أحد من العلماء الذين جعلوا " جاره " تمييزا في أنه من قبيل تمييز النسبة، أما ابن هشام فالامر عنده ظاهر، لانه جعل هذا النوع كله من تمييز النسبة، وأما على ما ذكرناه قريبا من الفرق بين بعض المثل وبعضها الآخر فهو أيضا من تمييز النسبة، لان الضمير المذكور في الكلام ضمير مخاطب، فهو معلوم ما يراد به.
فإن قلت: فهل يجوز أن أجعل " جارة " شيئا غير التمييز؟ قلت: قد ذهب جمهرة عظيمة من العلماء إلى أنه حال، وأرى لك أن تأخذ به.

مذهب سيبويه رحمه الله أنه لا يجوز تقديم التمييز على عامله سواء كان متصرفا أو غير متصرف فلا تقول نفسا طاب زيد ولا عندي درهما عشرون.
وأجاز الكسائي والمازني والمبرد تقديمه على عامله المتصرف فتقول نفسا طاب زيد وشيبا اشتعل رأسي ومنه قوله: 193 أتهجر ليلى بالفراق حبيبها؟ ... وما كان نفسا بالفراق تطيب1 = مضاف إليه " قدم " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " مطلقا " منصوب على الحال من " عامل التمييز " " والفعل " مبتدأ " ذو " نعت للفعل، وذو مضاف، و" التصريف " مضاف إليه " نزرا " حال من الضمير المستتر في قوله سبق الآتي " سبقا " سبق: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الفعل، والالف للاطلاق، والجملة من سبق ونائب فاعله في محل رفع خبر المبتدأ.

وقوله: 1 - ضيعت حزمي في إبعادي الأملا ... وما ارعويت وشيبا رأسي اشتعلا ووافقهم المصنف في غير هذا الكتاب على ذلك وجعله في هذا الكتاب قليلا.
= الشاهد فيه: قوله " نفسا " فإنه تمييز، وعامله قوله " تطيب ". وقد تقدم عليه والاصل " تطيب نفسا " وقد جوز ذلك التقدم الكوفيون والمازني والمبرد، وتبعهم ابن مالك في بعض كتبه، وهو في هذا البيت ونحوه عند الجمهور ضرورة، فلا يقاس عليه.
وذهب أبو إسحاق الزجاج إلى أن الرواية في بيت الشاهد: وما كان نفسي بالفراق تطيب ونقل أبو الحسن أن الرواية في ديوان الاعشى هكذا: أتؤذن سلمى بالفراق حبيبها ولم تك نفسي بالفراق تطيب وعلى هاتين الروايتين لا شاهد في البيت.
وقال أبو رجاء عفا الله تعالى عنه: والذي وجدته في ديوان أعشى همدان رواية البيت كما رواه الشارح وأكثر النحاة، ففيه الشاهد الذي يساق من أجله.

فإن كان العامل غير متصرف فقد منعوا التقديم 1 سواء كان فعلا نحو ما أحسن زيدا رجلا أو غيره نحو عندي عشرون درهما.
وقد يكون العامل متصرفا ويمتنع تقديم التمييز عليه عند الجميع وذلك نحو كفى بزيد رجلا فلا يجوز تقديم "رجلا" على "كفى" وإن كان = الشاهد فيه: قوله " شيبا " حيث تقدم - وهو تمييز - على عامله المتصرف، وهو قوله اشتعل، وقد احتج به من أجاز ذلك كالمبرد، والكسائي، والمازني، وابن مالك في غير الالفية، ولكنه في الالفية قد نص على ندرة هذا، ومثله قول الشاعر: أنفسا تطيب بنيل المنى وداعي المنون ينادي جهارا؟ وقول الآخر: ولست، إذا ذرعا أضيق، بضارع ولا يائس - عند التعسر - من يسر وقول ربيعة بن مقروم الضبي: رددت بمثل السيد نهد مقلص كميش إذا عطفاه ماء تحلبا وجعل بعض النحاة من شواهد هذه المسألة قول الشاعر: إذا المرء عينا قر بالعيش مثريا ولم يعن بالاحسان كان مذمما والاستشهاد بهذا البيت الاخير إنما يتم على مذهب بعض الكوفيين الذين يجعلون " المرء " مبتدأ وجملة " قر عينا " في محل رفع خبره، فأما على مذهب جمهور البصريين الذين يجعلون " المرء " فاعلا لفعل محذوف يفسره ما بعده فلا شاهد فيه، لان التقدير على هذا المذهب: إذا قر المرء عينا بالعيش، فالعامل في التمييز متقدم عليه وهو الفعل المقدر، إلا أن يدعى هؤلاء أن تأخير مفسر العامل بمنزلة تأخير العامل نفسه.

فعلا متصرفا لأنه بمعنى فعل غير متصرف وهو فعل التعجب فمعنى قولك كفى بزيد رجلا ما أكفاه رجلا.
1

قد تم بعون الله تعالى، وحسن تأييده الجزء الأول من شرح العلامة " ابن عقيل " على ألفية ابن مالك، وحواشينا عليه التي سميناها " منحة الجليل، بتحقيق شرح ابن عقيل " ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثاني، مفتتحا بحروف الجر.
هذا، وقد عنينا بتحقيق مباحث الكتاب في هذه الطبعة، فجاء بحمد الله جلت قدرته! على خير ما يرجى من الإتقان، وتلاقت فيه جميع شروح الكتاب وحواشيه على كثرتها، فصار بحيث يغنى عن جميعها، ولا يغنى عنه شئ منها.
كتبه المفتقر إلى عفو الله تعالى محمد محيي الدين عبد الحميد

بسم الله الرحمن الرحيم

جارٍ التحميل