ظن وأخواتها
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عقيل
- الكتاب
- شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك
- المؤلف
- ابن عقيل، عبد الله بن عبد الرحمن العقيلي الهمداني المصري (المتوفى: 769هـ)
- المحقق
- محمد محيي الدين عبد الحميد
- الناشر
- دار التراث - القاهرة، دار مصر للطباعة، سعيد جودة السحار وشركاه
- الطبعة
- العشرون 1400 هـ - 1980 م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وأول مجلدين، مذيلان بحاشية: منحة الجليل، بتحقيق شرح ابن عقيل]
انصب بفعل القلب جزئي ابتدا ... أعني رأى خال علمت وجدا 1
ظن حسبت وزعمت مع عد ... حجا درى وجعل اللذ كاعتقد 2
وهب تعلم والتي كصيرا ... أيضا بها انصب مبتدا وخبرا 3
هذا هو القسم الثالث من الأفعال الناسخة للابتداء وهو ظن وأخواتها.
وتنقسم إلى قسمين أحدهما أفعال القلوب والثاني أفعال التحويل فأما أفعال القلوب فتنقسم إلى قسمين: أحدهما: ما يدل على اليقين وذكر المصنف منها خمسة رأى وعلم ووجد ودرى وتعلم.
والثاني: منهما
ما يدل على الرجحان وذكر المصنف منها ثمانية خال وظن وحسب وزعم وعد وحجا وجعل وهب.
فمثال رأى قول الشاعر:
1 - رأيت الله أكبر كل شيء ... محاولة وأكثرهم جنودا
فاستعمل رأى فيه لليقين وقد تستعمل رأى بمعنى ظن (2) كقوله تعالى: ﴿إنهم يرونه بعيدا﴾ أي يظنونه.
ومثال علم علمت زيدا أخاك وقول الشاعر: 1 - علمتك الباذل المعروف فانبعثت ... إليك بي واجفات الشوق والأمل = تريد ضربته فأصبت رئته، وهي بهذه المعاني الثلاثة تتعدى لمفعول واحد، وقد تتعدى التي بمعنى اعتقد إلى مفعولين، كقول الشاعر: رأى الناس إلا من رأى مثل رأيه خوارج تراكين قصد المخارج وقد جمع الشاعر في هذا البيت بين تعديتها لواحد وتعديتها لاثنين، فأما تعديتها لواحد ففي قوله " رأى مثل رأيه " وأما تعديتها لاثنين ففي قوله " رأى الناس خوارج " هكذا قيل، ولو قلت إن خوارج حال من الناس لم تكن قد أبعدت.
ومثال وجد قوله تعالى: ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾
ومثال درى قوله:
1 - دريت الوفي العهد يا عرو فاغتبط ... فإن اغتباطا بالوفاء حميد = والذي يدل على أن " علم " في هذا البيت بمعنى اليقين أن المقصود مدح المخاطب واستجداؤه، وذلك يستدعي أن يكون مراده إني أيقنت بأنك جواد كريم تعطي من سألك، فلهذا أسرعت إليك مؤملا جدواك.
وقد تأتي " علم " بمعنى ظن، ويمثل لها العلماء بقوله تعالى: (فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار) . وهي - إذا كانت بمعنى اليقين أو الظن - تتعدى إلى مفعولين.
وقد تأتي بمعنى عرف فتتعدى الواحد، وقد تأتي بمعنى صار أعلم أي مشقوق الشفة العليا فلا تتعدى أصلا.
ومثال تعلم وهي التي بمعنى اعلم 1 قوله:
120 - تعلم شفاء النفس قهر عدوها ... فبالغ بلطف في التحيل والمكر2 = أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " فإن " الفاء للتعليل، إن: حرف توكيد ونصب " اغتباطا " اسم إن " بالوفاء " جار ومجرور متعلق باغتباط، أو بمحذوف صفة لاغتباط " حميد " خبر " إن " مرفوع بالضمة الظاهرة.
الشاهد فيه: قوله " دريت الوفي العهد " فإن " درى " فعل دال على اليقين، وقد نصب به مفعولين، أحدهما: التاء التي وقعت نائب فاعل، والثاني هو قوله " الوفي " على ما سبق بيانه.
هذا، واعلم أن " درى " يستعمل على طريقين، أحدهما: أن يتعدى لواحد بالباء نحو قولك: دريت بكذا، فإن دخلت عليه همزة تعدى بها لواحد ولثان بالباء كما في قوله تعالى: (ولا أدراكم به) والثاني: أن ينصب مفعولين بنفسه كما في بيت الشاهد، ولكنه قليل.
وهذه مثل الأفعال الدالة على اليقين.
ومثال الدالة على الرجحان قولك خلت زيدا أخاك وقد تستعمل خال (1) لليقين كقوله:
1 - دعاني الغواني عمهن وخلتني ... لي اسم فلا أدعى به وهو أول = مضاف، وها مضاف إليه " فبالغ " الفاء للتفريع، بالغ: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجولا تقديره أنت " بلطف " جار ومجرور متعلق ببالغ " في التحيل " جار ومجرور متعلق بلطف، أو بمحذوف صفة له " والمكر " معطوف على التحيل.
الشاهد فيه: قوله " تعلم شفاء النفس قهر عدوها " حيث ورد فيه " تعلم " بمعنى اعلم، ونصب به مفعولين، على ما ذكرناه في الاعراب.
ثم اعلم أن هذه الكلمة أكثر ما تتعدى إلى " أن " المؤكدة ومعموليها، كما في قول النابغة الذبياني: تعلم أنه لا طير إلا على متطير، وهو الثبور وقول الحارث بن ظالم المرئ: تعلم - أبيت اللعن! - أني فاتك من اليوم أو من بعده بابن جعفر وكذلك قول الحارث بن عمرو، وينسب لعمرو بن يكرب: تعلم أن خير الناس طرا قتيل بين أحجار الكلاب ويندر أن تنصب مفعولين كل منهما اسم مفرد غير جملة كما في بيت الشاهد.
وظننت زيدا صاحبك وقد تستعمل لليقين كقوله تعالى: ﴿وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه﴾ وحسبت زيدا صاحبك وقد تستعمل لليقين كقوله:
1 - حسبت التقى والجود خير تجارة ... رباحا إذا ما المرء أصبح ثاقلا = الاعراب: " دعاني " دعا: فعل ماض، والنون للوقاية، والياء مفعول أول " الغواني " فاعل دعا " عمهن " عم: مفعول ثان لدعا، وعم مضاف والضمير مضاف إليه " وخلتني " فعل وفاعل، والنون للوقاية، والياء مفعول أول، وفيه اتحاد الفاعل والمفعول في كونهما ضميرين متصلين لمسمى واحد وهو المتكلم وذلك من خصائص أفعال القلوب " لي " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " اسم " مبتدأ مؤخر، والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب مفعول ثان لخال " فلا " نافية " أدعى " فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " وهو " الواو واو الحال، وهو: ضمير منفصل مبتدأ " أول " خبر للمبتدأ، والجملة من المبتدأ وخبره في محل نصب حال.
الشاهد فيه: قوله " وخلتني لي اسم " فإن " خال " فيه بمعنى فعل اليقين، وليس هو بمعنى فعل الظن، لانه لا يظن أن لنفسه اسما، بل هو على يقين من ذلك، وقد نصب بهذا الفعل مفعولين، أولهما ضمير المتكلم، وهو الياء، وثانيهما جملة " لي اسم " من المبتدأ والخبر، على ما بيناه في الاعراب.
ومثال زعم قوله:
1 - فإن تزعميني كنت أجهل فيكم ... فإني شريت الحلم بعدك بالجهل = لحفه " اه " خبلا " الخبل: فساد العقل، ويروى " وكانت له شغلا على النأى شاغلا " وقوله " تربعت الاشراف " معناه: نزلت به في وقت الربيع، والاشراف: اسم موضع، ولم يذكره ياقوت " تصيفت حساء البطاح " نزلت به زمان الصيف، وحساء البطاح: منزل لبني يربوع، وهو بضم باء البطاح كما قال ياقوت، ووهم العيني في ضبطه بكسر الباء لظنه أنه جمع بطحاء " رباحا " بفتح الراء الربح " ثاقلا " ميتا، لان البدن يكون خفيفا ما دامت الروح فيه، فإذا فارقته ثقل.
المعنى: لقد أيقنت أن أكثر شئ ربحا إذا اتجر فيه الانسان إنما هو تقوى الله تعالى والجود، وإنه ليعرف الربح إذا مات، حيث يرى جزاء عمله حاضرا عنده.
الاعراب: " حسبت " فعل وفاعل " التقى " مفعول أول " والجود " معطوف على التقى " خير " مفعول ثان لحسبت، وخير مضاف، و" تجارة " مضاف إليه " رباحا " تييز " إذا " ظرف لما يستقبل من الزمان " ما " زائدة " المرء " اسم لاصبح محذوفة تفسرها المذكورة بعد، وخبرها محذوف أيضا، والتقدير إذا أصبح المرء ثاقلا، والجملة من أصبح المحذوفة ومعموليها في محل جر بإضافة " إذا " إليها " أصبح " فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى المرء " ثاقلا " خبر أصبح، وهذه الجملة لا محل لها مفسرة.
الشاهد فيه: قوله " حسبت التقى خبر تجارة إلخ " حيث استعمل الشاعر فيه " حسبت " بمعنى علمت، ونصب به مفعولين، أولهما قوله " التقى " وثانيهما قوله " خير تجارة " على ما بيناه في الاعراب.
ومثال عد قوله: 1 - فلا تعدد المولى شريكك في الغنى ... ولكنما المولى شريكك في العدم = وزعم الازهري أي " زعم " لا تتعدى إلى مفعوليها بغير توسط " أن " وعنده أن ما ورد مما يخالف ذلك ضرورة من ضرورات الشعر لا يقاس عليها، وهو محجوج بما روينا من الشواهد، وبأن القول بالضرورة خلاف الاصل.
ومثال حجا قوله: 125 - قد كنت أحجوا أبا عمرو أخا ثقة ... حتى ألمت بنا يوما ملمات = تعدون عقر النيب أفضل مجدكم بني ضوطرى، لولا الكمي المقنعا فتعدون: بمعنى تظنون، وعقر النيب: مفعوله الاول، وأفضل مجدكم: مفعوله الثاني 125 - هذا البيت نسبه ابن هشام إلى تميم [بن أبي] بن مقبل، ونسبه صاحب المحكم إلى أبي شنبل الاعرابي، ونسبه ثعلب في أماليه إلى أعرابي يقال له القنان، ورواه ياقوت في معجم البلدان (1657) أول أربعة أبيات، وبعده قوله: فقلت، والمرء تخطيه عطيته: أدنى عطيته إياي ميئات اللغة: " أحجو " أظن " ألمت " نزلت، والملمات: جمع ملمة وهي النازلة من نوازل الدهر المعنى: لقد كنت أظن أبا عمرو صديقا يركن إليه في النوازل، ولكني قد عرفت مقدار مودته، إذ نزلت بي نازلة فلم يكن منه إلا أن نفر مني وأعرض عني ولم يأخذ بيدي فيها. الاعراب: " قد " حرف تحقيق " كنت " كان: فعل ماض ناقص، والتاء اسمه " أحجو " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " أبا " مفعول أول لاحجو، وأبا مضاف و" عمرو " مضاف إليه " أخا " مفعول ثان لاحجو، وجملة أحجو ومعموليه في محل نصب خبر كان " ثقة " يقرأ بالنصب منونا مع تنوين أخ، فهو حينئذ صفة له، ويقرأ بالجر منونا، فأخا - حينئذ - مضاف، و" ثقة " مضاف إليه، وعلى الاول هو معرب بالحركات، وعلى الثاني هو معرب بالحروف لاستيفائه شروط الاعراب بها " حتى " حرف غاية " ألمت " ألم: فعل ماض، والتاء للتأنيث " بنا " جار ومجرور متعلق بألم " يوما " ظرف زمان متعلق بألم " ملمات " فاعل ألم. الشاهد فيه: قوله " أحجو أبا عمرو أخا " حيث استعمل المضارع من " حجا " بمعنى ظن، ونصب به مفعولين، أحدهما " أبا عمرو " والثاني " أخا ثقة ". هذا، واعلم أن العيني صرح بأنه لم ينقل أحد من النحاة أن " حجا يحجر " ينصب مفعولين غير ابن مالك رحمه الله.
ومثال جعل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً﴾ وقيد المصنف جعل بكونها بمعنى اعتقد احترازا من جعل التي بمعنى صير فإنها من أفعال التحويل لا من أفعال القلوب ومثال هب قوله: 1 - فقلت أجرني أبا مالك ... وإلا فهبني امرأ هالكا = واعلم أيضا أن " حجا " تأتي بمعنى غلب في المحاجاة، وهي: أن تلقى على مخاطبك كلمة يخالف لفظها معناها، وتسمى الكلمة أحجية وأدعية، وتأتي حجا أيضا بمعنى قصد، ومنه قول الاخطل: حجونا بني النعمان إذ عص ملكهم وقبل بني النعمان حاربنا عمرو (عص ملكهم: أي صلب واشتد) وتأتي أيضا بمعنى أقام، ومنه قول عمارة ابن يمن: حيث تحجى مطرق بالفالق وقول العجاج: فهن يعكفن به إذا حجا عكف النبيط يلعبون الفنزجا والتي بمعنى غلب في المحاجاة أو قصد تتعدى إلى مفعول واحد، والتي بمعنى أقام في المكان لا تتعدى بنفسها، وإنما تتعدى بالباء، كما رأيت في الشواهد.
ونبه المصنف بقوله أعني رأى على أن أفعال القلوب منها ما ينصب مفعولين وهو رأى وما بعده مما ذكره المصنف في هذا الباب ومنها ما ليس كذلك وهو قسمان لازم نحو جبن زيد ومتعد إلى واحد نحو كرهت زيدا.
هذا ما يتعلق بالقسم الأول من أفعال هذا الباب وهو أفعال القلوب وأما أفعال التحويل وهي المرادة بقوله والتي كصيرا إلى آخره فتتعدى أيضا إلى مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر وعدها بعضهم سبعة صير نحو صيرت الطين خزفا وجعل نحو قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ وهب كقولهم وهبني الله = بحرف نداء محذوف، وأبا مضاف، و" مالك " مضاف إليه " وإلا " هي إن الشرطية مدغمة في لا النافية، وفعل الشرط محذوف يدل عليه ما قبله من الكلام، وتقديره: وإن لا تفعل، مثلا " فهبني " الفاء واقعة في جواب الشرط، هب: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والنون للوقاية، والياء مفعول أول " امرأ " مفعول ثان لهب " هالكا " نعت لامرئ.
الشاهد فيه: قوله " فهبني امرأ " فإن " هب " فيه بمعنى فعل الظن، وقد نصب مفعولين، أحدهما ياء المتكلم، وثانيهما قوله " امرأ " على ما أوضحناه في الاعراب.
واعلم أن " هب " بهذا المعنى فعل جامد لا يتصرف، فلا يجئ منه ماض ولا مضارع، بل هو ملازم لصيغة الامر، فإن كان من الهبة وهي التفضل بما ينفع الموهوب له كان متصرفا تام التصرف، قال الله تعالى: (ووهبنا له إسحاق) وقال سبحانه: (يهب لمن يشاء إناثا) وقال: (هب لي حكما) .
واعلم أيضا أن الغالب على " هب " أن يتعدى إلى مفعولين صريحين كما في البيت الشاهد، وقد يدخل على " أن " المؤكدة ومعموليها، فزعم ابن سيده والجرمي أنه لحن، وقال الاثبات من العلماء المحققين: ليس لحنا، لانه واقع في فصيح العربية، وقد روى؟ حديث عمر " هب أن أبانا كان حمارا "، وهو مع فصاحته قليل.
فداك أي صيرني وتخذ كقوله تعالى ﴿لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ واتخذ كقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ وترك كقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ وقول الشاعر: 1 - وربيته حتى إذا ما تركته ... أخا القوم واستغنى عن المسح شاربه
"ورد" كقوله: 1 - رمى الحدثان نسوة آل حرب ... بمقدار سمدن له سمودا فرد شعورهن السود بيضا ... ورد وجوههن البيض سودا = يخص قوما دون قوم، وإنما عنى أنه تركه قويا مستغنيا لاحقا بالرجال، اه بإيضاح، وعليه لا استشهاد في البيت، ولكن الذي عليه الجماعة أولى بالنظر والاعتبار.
وخص بالتعليق والإلغاء ما ... من قبل هب والأمر هب قد ألزما 1
كذا تعلم ولغير الماض من ... سواهما اجعل كل ماله زكن 2 = متعلق بسمد " سمودا " مفعول مطلق مؤكد لعامله " فرد " الفاء عاطفة، رد: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على الحدثان " شعورهن " شعور: مفعول به أول لرد، وشعور مضاف وضمير النسوة مضاف إليه " السود " صفة لشعور " بيضا " مفعول ثان لرد، ورد وجوههن البيض سودا " مثل الجملة السابقة.
الشاهد فيه: قوله " فرد شعورهم إلخ "، وقوله " ورد وجوههن إلخ " حيث استعمل " رد " في معنى التصيير والتحويل، ونصب به في كل واحد من الموضعين مفعولين.
تقدم أن هذه الأفعال قسمان أحدهما أفعال القلوب والثاني أفعال التحويل فأما أفعال القلوب فتنقسم إلى متصرفة وغير متصرفة فالمتصرفة ما عدا هب وتعلم فيستعمل منها الماضي نحو ظننت زيدا قائما وغير الماضي وهو المضارع نحو أظن زيدا قائما والأمر نحو ظن زيدا قائما واسم الفاعل نحو أنا ظان زيدا قائما واسم المفعول نحو زيد مظنون أبوه قائما فأبوه هو المفعول الأول وارتفع لقيامه مقام الفاعل وقائما المفعول الثاني والمصدر نحو عجبت من ظنك زيدا قائما ويثبت لها كلها من العمل وغيره ما ثبت للماضي.
وغير المتصرف اثنان وهما هب وتعلم بمعنى اعلم فلا يستعمل منهما إلا صيغة الأمر كقوله:
تعلم شفاء النفس قهر عدوها ... فبالغ بلطف في التحيل والمكر 1
وقوله:
فقلت أجرني أبا مالك ... وإلا فهبني امرأ هالكا 2
واختصت القلبية المتصرفة بالتعليق والإلغاء 3 فالتعليق هو ترك العمل = فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، والجملة من زكن ونائب نائب فاعله لا محل لها صلة الموصول.
لفظا دون معنى لمانع نحو ظننت لزيد قائم فقولك لزيد قائم لم تعمل فيه ظننت لفظا لأجل المانع لها من ذلك وهو اللام ولكنه في موضع نصب بدليل أنك لو عطفت عليه لنصبت نحو ظننت لزيد قائم وعمرا منطلقا فهي عاملة في لزيد قائم في المعنى دون اللفظ 1 .
والإلغاء هو: ترك العمل لفظا ومعنى لا لمانع نحو زيد ظننت قائم فليس لظننت عمل في زيد قائم لا في المعنى ولا في اللفظ.
ويثبت للمضارع وما بعده من التعليق وغيره ما ثبت للماضي نحو: أظن لزيد قائم وزيد أظن قائم وأخواتها.
= يختص بأفعال القلوب دون جميع ما عداها من الافعال، وهذا لا ينافي أن واحدا منهما بمفرده قد يجري في غير أفعال هذا الباب، وهو التعليق.
ثم إن التعليق يجري في أربعة أنواع من الفعل: (الاول) كل فعل شك لا ترجيح فيه لاحد الجانبين على الآخر، نحو: شككت أزيد عندك أم عمرو، ونسيت أإبراهيم مسافر أم خالد، وترددت أكان معي خالد أمس أم لم يكن (والثاني) كل فعل يدل على العلم، نحو: تبينت أصادق أنت أم كاذب، واتضح لي أمجتهد أنت أم مقصر (النوع الثالث) كل فعل يطلب به العلم نحو: فكرت أتقيم أم تسافر، وامتحنت عليا أيصبر أم يجزع، وبلوت إبراهيم أيشكر الصنيعة أم يكفرها، وسألت أتزورنا غدا أم لا، واستفهمت أمقيم أنت أم راحل (الرابع) كل فعل من أفعال الحواس الخمس، نحو: لمست، وأبصرت، واستمعت، وشممت، وذقت.
وغير المتصرفة لا يكون فيها تعليق ولا إلغاء وكذلك أفعال التحويل نحو صير وأخواتها.
وجوز الإلغاء لا في الابتدا ... وانو ضمير الشأن أو لام ابتدا 1
في موهم إلغاء ما تقدا ... والتزم التعليق قبل نفي ما 2
وإن ولا لام ابتداء أو قسم ... كذا والاستفهام ذا له انحتم 3
يجوز إلغاء هذه الأفعال المتصرفة إذا وقعت في غير الابتداء كما إذا وقعت وسطا نحو زيد ظننت قائم أو آخرا نحو زيد قائم ظننت 1 وإذا توسطت فقيل الإعمال والإلغاء سيان وقيل الإعمال أحسن من الإلغاء وإن تأخرت فالإلغاء أحسن وإن تقدمت امتنع الإلغاء عند البصريين فلا تقول ظننت زيد قائم بل يجب الإعمال فتقول ظننت زيدا قائما فإن جاء من لسان العرب ما يوهم إلغاءها متقدمة أول على إضمار ضمير الشأن كقوله: أرجو وآمل أن تدنو مودتها ... وما إخال لدينا منك تنويل2 = وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى اسم الاشارة، والجملة من انحتم وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ الثاني، وجملة المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الاول.
فالتقدير: وما إخاله لدينا منك تنويل فالهاء ضمير الشأن وهي المفعول الأول ولدينا منك تنويل جملة في موضع المفعول الثاني وحينئذ فلا إلغاء أو على تقدير لام الابتداء كقوله: = اللغة: " بانت " بعدت، وفارقت " متبول " اسم مفعول من تبله الحب: أي أضناه وأسقمه " متيم " اسم مفعول من تيمه الحب بالتضعيف إذا ذلله وقهره وعبده " إثرها " بعدها، وهو ظرف متعلق بمتيم " يفد " أصله من قولهم: فدى فلان الاسير يفديه فداء، إذا دفع لآسريه جزاء إطلاقه " مكبول " اسم مفعول مأخوذ من قولهم: كبل فلان الاسير، إذا وضع فيه الكبل، وهو القيد " تدنو " تقرب " تنويل " عطاء.
الاعراب: " أرجو " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " وآمل " مثله " أن " مصدرية " تدنو " فعل مضارع منصوب بأن، وسكنت الواو ضرورة " مودتها " مودة: فاعل تدنو، ومودة مضاف وها: مضاف إليه " وما " نافية " إخال " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " لدينا " لدى: ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، ولدى مضاف ونا مضاف إليه " منك " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال صاحبه تنويل " تنويل " مبتدأ مؤخر، وجملة المبتدأ والخبر في محل نصب مفعول ثان لاخال، والمفعول الاول ضمير شأن محذوف.
الشاهد فيه: قوله " وما إخال لدينا منك تنويل " فإن ظاهره أنه ألغى " إخال " مع كونها متقدمة، وليس هذا الظاهر مسلما، فإن مفعولها الاول مفرد محذوف هو ضمير الشأن ومفعولها الثاني جملة " لدينا تنويل منك " كما قررناه في إعراب البيت.
وهذا أحد توجيهات في البيت، وهو الذي ذكره الشارح، وفيه توجيه ثان، وحاصله أن " ما " موصولة مبتدأ، وقوله " تنويل " خبرها، و" إخال " عاملة في مفعولين أحدهما ضمير غيبة محذوف، وهو العائد على " ما " والثاني هو متعلق قوله " لدينا " والتقدير: والذي إخاله كائنا لدينا منك هو تنويل.
وفيه توجيهات أخرى لا تتسع لها هذه العجالة.
كذاك أدبت حتى صار من خلقي ... أني وجدت ملاك الشيمة الأدب التقدير: أني وجدت لملاك الشيمة الأدب فهو من باب التعليق وليس من باب الإلغاء في شيء.1
وذهب الكوفيون وتبعهم أبو بكر الزبيدي وغيره إلى جواز إلغاء المتقدم فلا يحتاجون إلى تأويل البيتين.
وإنما قال المصنف وجوز الإلغاء لينبه على أن الإلغاء ليس بلازم بل هو جائز فحيث جاز الإلغاء جاز الإعمال كما تقدم وهذا بخلاف التعليق فإنه لازم ولهذا قال والتزم التعليق.
فيجب التعليق إذا وقع بعد الفعل ما النافية نحو ظننت ما زيد قائم أو إن النافية نحو علمت إن زيد قائم ومثلوا له بقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلاَّ قَلِيلاً﴾ وقال بعضهم ليس هذا من باب التعليق في شيء لأن شرط التعليق أنه إذا حذف المعلق تسلط العامل على ما بعده فينصب مفعولين نحو ظننت ما زيد قائم فلو حذفت ما لقلت ظننت زيدا قائما والآية الكريمة لا يتأتى فيها ذلك لأنك لو حذفت المعلق وهو إن لم يتسلط تظنون على لبثتم إذ لا يقال وتظنون لبثتم هكذا زعم هذا القائل ولعله مخالف لما هو كالمجمع عليه من أنه لا يشترط في التعليق هذا الشرط الذي ذكره وتمثيل النحويين للتعليق بالآية الكريمة وشبهها يشهد لذلك.
= الشاهد فيه: قوله " وجدت ملاك الشيمة الادب " فإن ظاهره أنه ألغى " وجدت " مع تقدمه، لانه لو أعمله لقال " وجدت ملاك الشيمة الادبا " بنصب " ملاك " و" الادب " على أنهما مفعولان، ولكنه رفعهما، فقال الكوفيون: هو من باب الالغاء والالغاء جائز مع التقدم مثل جوازه مع التوسط والتأخر، وقال البصريون: ليس كذلك، بل هو إما من باب التعليق، ولام الابتداء مقدرة الدخول على " ملاك " وإما من باب الاعمال، والمفعول الاول ضمير شأن محذوف، وجملة المبتدأ وخبره في محل نصب مفعول ثان، على ما بيناه في إعراب البيت، والمنصف الذي يعرف مواطن الحق يدرك ما في هذين التأويلين من التكلف.
وكذلك يعلق الفعل إذا وقع بعده لا النافية نحو ظننت لا زيد قائم ولا عمرو أو لام الابتداء نحو ظننت لزيد قائم أو لام القسم نحو علمت ليقومن زيد ولم يعدها أحد من النحويين من المعلقات أو الاستفهام ولو صور ثلاث أن يكون أحد المفعولين اسم استفهام نحو علمت أيهم أبوك الثانية أن يكون مضافا إلى اسم استفهام نحو علمت غلام أيهم أبوك الثالثة أن تدخل عليه أداة الاستفهام نحو علمت أزيد عندك أم عمرو وعلمت هل زيد قائم أم عمرو.1
لعلم عرفان وظن تهمه ... تعدية لواحد ملتزمه 1
إذا كانت علم بمعنى عرف تعدت إلى مفعول واحد كقولك علمت زيدا أي عرفته ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾ .
وكذلك إذا كانت ظن بمعنى اتهم تعدت إلى مفعول واحد كقولك ظننت زيدا أي اتهمته ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ أي بمتهم.
ولرأى الرؤيا انم ما لعلما ... طالب مفعولين من قبل انتمى 2
إذا كانت رأى حلمية 3 أي للرؤيا في المنام تعدت إلى المفعولين كما تتعدى إليهما علم المذكورة من قبل وإلى هذا أشار بقوله ولرأى
الرؤيا انم أي انسب لرأى التي مصدرها الرؤيا ما نسب لعلم المتعدية إلى اثنين فعبر عن الحلمية بما ذكر لأن الرؤيا وإن كانت تقع مصدرا لغير رأى الحلمية فالمشهور كونها مصدرا لها 1 . ومثال استعمال رأى الحلمية متعدية إلى اثنين قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً﴾ فالياء مفعول أول وأعصر خمرا جملة في موضع المفعول الثاني وكذلك قوله: 131 - أبو حنش يؤرقني وطلق ... وعمار وآونة أثالا أراهم رفقتي حتى إذا ما ... تجافى الليل وانخزل انخزالا إذا أنا كالذي يجري لورد ... إلى آل فلم يدرك بلالا فالهاء والميم في أراهم المفعول الأول ورفقتي هو المفعول الثاني.2
.. = على حيين في عامين شتى فقد عنى طلابهما وطالا فأية ليلة تأتيك سهوا فتصبح لا ترى فيهم خيالا والبيت الاول من ثلاثة الابيات التي رواها الشارح قد استشهد به سيبويه (ج 1 ص 243) في باب الترخيم في غير النداء للضرورة، وستعرف وجه ذلك فيما يلي في الاعراب.
اللغة: " تلحا " من قولهم " ألح السحاب " إذا دام مطره، يريد أن تدوما على البكاء " سعينا مستغيث " سعينا: مثنى سعين، وهو تصغير سعن - بوزن قفل - وهي القربة تقطع من نصفها لينبذ فيها، وربما اتخذت دلوا يستقى بها، والمستغيث: طالب الغيث وهو المطر " على حيين " متعلق بقوله تلحا، يقول: امتنعت عيناك عن كل شئ إلا أن يدوم بكاؤهما على حيين " وهي " ضعف أو انشق " أبو حنش، وطلق، وعمار، وأثالا " أعلام رجال " تجافى الليل وانخزل انخزالا " كنايتان عن الظهور، وبيان ما كان مبهما من أمر هؤلاء " آل " هو السراب وما تراه وسط النهار كأنه ماء وليس بماء " بلالا " - بزنة - كتاب - ما تبل به حلقك من الماء وغيره " آونة " جمع أوان، مثل زمان وأزمنة ومكان وأمكنة، والاوان والزمان بمعنى واحد " رفقتي " بضم الراء أو كسرها جمع رفيق " لورد " بكسر الواو وسكون الراء إتيان الماء.
الاعراب: " أبو حنش " مبتدأ، وجملة " يؤرقني " في محل رفع خبر المبتدأ " وعمار " وسائر الاعلام معطوفات على " أبو حنش "، وقد رخم " أثال " في غير النداء ضرورة، وأصله أثالة ولم يكتف بترخيمه بحذف آخره، بل جعل إعرابه على الحرف المحذوف، وأبقى الحرف الذي قبله على ما كان عليه، فهو مرفوع بضمة ظاهرة على الحرف المحذوف للترخيم " أراهم " أرى: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، والضمير المتصل البارز مفعول أول " رفقتي " رفقة: مفعول ثان
لارى، ورفقة مضاف وياء المتكلم مضاف إليه.
الشاهد فيه: قوله " أراهم رفقتي " حيث أعمل " أرى " في مفعولين أحدهما الضمير البارز المتصل به، والثاني قوله " رفقتي " ورأى بمعنى حلم: أي رأى في منامه، وقد أجريت مجرى " علم "، وإنما عملت مثل عملها لان بينهما تشابها، لان الرؤيا إدراك بالحس الباطن، فلذا أجريت مجراه.
ولا تجز هنا بلا دليل ... سقوط مفعولين أو مفعول 1
لا يجوز في هذا الباب سقوط المفعولين ولا سقوط أحدهما إلا إذا دل دليل على ذلك.
فمثال حذف المفعولين للدلالة أن يقال هل ظننت زيدا قائما فتقول ظننت التقدير ظننت زيدا قائما فحذفت المفعولين لدلالة ما قبلهما عليهما ومنه قوله:
132 - بأي كتاب أم بأية سنة ... ترى حبهم عارا علي وتحسب
أي وتحسب حبهم عارا علي فحذف المفعولين وهما حبهم وعارا علي لدلالة ما قبلهما عليهما.2
ومثال حذف أحدهما للدلالة أن يقال هل ظننت أحدا قائما فتقول ظننت زيدا أي ظننت زيدا قائما فتحذف الثاني للدلالة عليه ومنه قوله:
132 - ولقد نزلت فلا تظني غيره ... مني بمنزلة المحب المكرم
أي فلا تظني غيره واقعا فـ"غيره" هو المفعول الأول و"واقعا" هو المفعول الثاني.1
= تعيرنا أنا قليل عديدنا فقلت لها: إن الكرام قليل ومن نقله اللغة من أجاز أن تقول: عيرته بكذا، ولكنه قليل " وانظر شرح الحماسة 1 - 232 بتحقيقنا) " وتحسب " أي تظن، من الحسبان.
الاعراب: " بأي " جار ومجرور متعلق بقوله " ترى " الآتي، وأي مضاف و" كتاب " مضاف إليه " أم " عاطفة " بأية " جار ومجرور معطوف على الجار والمجرور الاول، وأية مضاف، و" سنة " مضاف إليه " ترى " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " حبهم " حب: مفعول أول لترى، وحب مضاف وهم: مضاف إليه " عارا " مفعول ثان لترى، سواء أجعلت رأى اعتقادية أم جعلتها علمية، ويجوز على الاول جعله حالا " علي " جار ومجرور متعلق بعار، أو بمحذوف صفة له " وتحسب " الواو عاطفة، تحسب: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، ومفعولاه محذوفان يدل عليهما الكلام السابق، والتقدير " وتحسب حبهم عارا علي ". الشاهد فيه: قوله " وتحسب " حيث حذف المفعولين لدلالة سابق الكلام عليهما كما أوضحناه في الاعراب، وبينه الشارح.
وهذا الذي ذكره المصنف هو الصحيح من مذاهب النحويين.
فإن لم يدل دليل على الحذف لم يجز لا فيهما ولا في أحدهما فلا تقول ظننت ولا ظننت زيدا ولا ظننت قائما تريد ظننت زيدا قائما.
وكتظن اجعل تقول إن ولي ... مستفهما به ولم ينفصل 1 = من قولك: ردمت الشئ، إذا أصلحته، ويروى " مترنم " بالنون - وهو صوت خفي ترجعه بينك وبين نفسك، يريد هل أبقى الشعراء معنى إلا سبقوك إليه؟ ! وهل يتهيأ لك أو لغيرك أن تجئ بشئ جديد؟ " المحب " اسم مفعول من أحب، وهو القياس، ولكنه قليل في الاستعمال، والاكثر أن يقال في اسم المفعول: محبوب، أو حبيب، مع أنهم هجروا الفعل الثلاثي، وفي اسم الفاعل قالوا: محب، من الفعل المستعمل الذي هو المزيد فيه.
المعنى: أنت عندي بمنزلة المحب المكرم، فلا تظني غير ذلك حاصلا.
الاعراب: " ولقد " الواو للقسم، واللام للتأكيد، وقد: حرف تحقيق " نزلت " فعل وفاعل " فلا " ناهية " تظني " فعل مضارع مجزوم بحذف النون، وياء المخاطبة فاعل " غيره " غير: مفعول أول لتظني، وغير مضاف وضمير الغائب مضاف إليه، والمفعول الثاني محذوف " مني " جار ومجرور متعلق بقوله نزلت " بمنزلة " جار ومجرور متعلق أيضا بنزلت، ومنزلة مضاف، و" المحب " مضاف إليه " المكرم " نعت للمحب.
الشاهد فيه: قوله " فلا تظني غيره " حيث حذف المفعول الثاني اختصارا، وذلك جائز عند جمهرة النحاة، خلافا لابن ملكون.
بغير ظرف أو كظرف أو عمل ... وإن ببعض ذي فصلت يحتمل 1
القول شأنه إذا وقعت بعده جملة أن تحكى نحو قال زيد عمرو منطلق وتقول زيد منطلق لكن الجملة بعده في موضع نصب على المفعولية.
ويجوز إجراؤه مجرى الظن فينصب المبتدأ والخبر مفعولين كما تنصبهما ظن.
والمشهور أن للعرب في ذلك مذهبين أحدهما وهو مذهب عامة العرب أنه لا يجرى القول مجرى الظن إلا بشروط ذكرها المصنف أربعة وهي التي ذكرها عامة النحويين.
الأول: أن يكون الفعل مضارعا.
الثاني: أن يكون للمخاطب وإليهما أشار بقوله اجعل تقول فإن تقول مضارع وهو للمخاطب.
الشرط الثالث: أن يكون مسبوقا باستفهام = تقول " مستفهما " مفعول به لولي " به " جار ومجرور في موضع نائب فاعل لمستفهم، لانه اسم مفعول " ولم ينفصل " الواو للحال، ولم: حرف نفي وجزم وقلب، ينفصل: فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه السكون، وحرك بالكسر لاجل الروى.
وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى تقول، وجملة لم ينفصل وفاعله في محل نصب حال.
وإليه أشار
بقوله إن ولى مستفهما به.
الشرط الرابع: أن لا يفصل بينهما أي بين الاستفهام والفعل بغير ظرف ولا مجرور ولا معمول الفعل فإن فصل بأحدها لم يضر وهذا هو المراد بقوله ولم ينفصل بغير ظرف إلى آخره.
فمثال ما اجتمعت فيه الشروط قولك أتقول عمرا منطلقا فعمرا مفعول أول ومنطلقا مفعول ثان ومنه قوله:
1 - متى تقول القلص الرواسما ... يحملن أم قاسم وقاسما
فلو كان الفعل غير مضارع نحو قال زيد عمرو منطلق لم ينصب القول مفعولين عند هؤلاء وكذا إن كان مضارعا بغير تاء نحو يقول زيد عمرو منطلق أو لم يكن مسبوقا باستفهام نحو أنت تقول عمرو منطلق أو سبق باستفهام ولكن فصل بغير ظرف ولا جار ومجرور ولا معمول له نحو أأنت تقول زيد منطلق فإن فصل بأحدها لم يضر نحو أعندك تقول زيدا منطلقا وأفي الدار تقول زيدا منطلقا وأعمرا تقول منطلقا ومنه قوله:
1 - أجهالا تقول بني لؤي ... لعمر أبيك أم متجاهلينا
فبني لؤي مفعول أول وجها لا مفعول ثان.
= في الاعراب، وذلك لاستيفائه الشروط، ويرويه بعضهم متى تظن..إلخ فلا شاهد فيه، ولكنه دليل على أن " تقول " يجري مجرى تظن، لانه إذا وردت روايتان في بيت واحد، وجاءت كلمة في إحدى الروايتين مكان كلمة في الرواية الاخرى، دل ذلك على أن الكلمتين بمعنى واحد، إذ لو اختلف معناهما لم يسغ لراو ولا لشاعر آخر أن يضع إحداهما مكان الاخرى، لئلا يفسد المعنى الذي قصد إليه قائل البيت، لان شرط الرواية بالمعنى ألا تغير المراد.
وإذا اجتمعت الشروط المذكورة جاز نصب المبتدأ والخبر مفعولين لتقول نحو أتقول زيدا منطلقا وجاز رفعهما على الحكاية نحو أتقول زيد منطلق.
وأجري القول كظن مطلقا ... عند سليم نحو قل ذا مشفقا 1
أشار إلى المذهب الثاني للعرب في القول وهو مذهب سليم فيجرون القول مجرى الظن في نصب المفعولين مطلقا أي سواء كان مضارعا أم غير مضارع وجدت فيه الشروط المذكورة أم لم توجد وذلك2 = الاعراب " أجهالا " الهمزة للاستفهام، جهالا: مفعول ثان مقدم على عامله وعلى المفعول الاول " تقول " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " بني " مفعول أول لتقول، وبني مضاف، و" لؤي " مضاف إليه " لعمر " اللام لام الابتداء، عمر، مبتدأ، والخبر محذوف وجوبا، وعمر مضاف، وأبي من " أبيك " مضاف إليه، وأبي مضاف والكاف ضمير المخاطب مضاف إليه " أم " عاطفة " متجاهلينا " معطوف على قوله " جهالا ". الشاهد فيه: قوله " أجهالا تقول بني لؤي " حيث أعمل " تقول " عمل " تظن " فنصب به مفعولين، أحدهما قوله " جهالا " والثاني قوله " بني لؤي " مع أنه فصل بين أداة الاستفهام - وهي الهمزة والفعل.
بفاصل - وهو قوله " جهالا " - وهذا الفصل لا يمنع الاعمال، لان الفاصل معمول للفعل، إذ هو مفعول ثان له.
نحو: قل ذا مشفقا فذا مفعول أول ومشفقا مفعول ثان ومن ذلك قوله: 1 - قالت وكنت رجلا فطينا ... هذا لعمر الله إسرائينا فهذا مفعول أول لقالت وإسرائينا مفعول ثان.
والثاني " إسرائينا " هكذا قالوا.
والذي حملهم على هذا أنهم وجدوا " إسرائينا " منصوبا.
وأنت لو تأملت بعض التأمل لوجدت أنه يمكن أن يكون " هذا " مبتدأ، " إسرائينا " مضاف إلى محذوف يقع خبرا، وتقدير الكلام " هذا ممسوخ إسرائينا " فحذف المضاف وأبقى المضاف إليه على جره بالفتحة نيابة عن الكسرة، لانه لا ينصرف للعلمية والعجمة.
وحذف المضاف وإبقاء المضاف إليه على جره جائز، وإن كان قليلا في مثل ذلك، وقد قرئ في قوله تعالى: (تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة) بجر الآخرة على تقدير مضاف محذوف يقع منصوبا مفعولا به ليريد، والاصل: والله يريد ثواب الآخرة.
وهكذا خرجه ابن عصفور، وتخريج الجماعة أولى، لان الاصل عدم الحذف، لان حذف المضاف وبقاء المضاف إليه على حاله قليل في هذه الحالة، ونصب المفعولين بالقول مطلقا لغة لبعض العرب كما قرره الناظم والشارح.