المعرب والمبني
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عقيل
- الكتاب
- شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك
- المؤلف
- ابن عقيل، عبد الله بن عبد الرحمن العقيلي الهمداني المصري (المتوفى: 769هـ)
- المحقق
- محمد محيي الدين عبد الحميد
- الناشر
- دار التراث - القاهرة، دار مصر للطباعة، سعيد جودة السحار وشركاه
- الطبعة
- العشرون 1400 هـ - 1980 م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وأول مجلدين، مذيلان بحاشية: منحة الجليل، بتحقيق شرح ابن عقيل]
1
والاسم منه معرب ومبني ... لشبه من الحروف مدني 2
يشير إلى أن الاسم ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: المعرب وهو ما سلم من شبه الحروف.
والثاني: المبني وهو ما أشبه الحروف وهو المعني بقوله لشبه من الحروف مدني أي لشبه مقرب من الحروف فعلة البناء منحصرة عند المصنف رحمه الله تعالى في شبه الحرف.
ثم نوع المصنف وجوه الشبه في البيتين الذين بعد هذا البيت وهذا قريب من مذهب أبي علي الفارسي حيث جعل البناء منحصرا في شبه الحرف أو ما تضمن معناه وقد نص سيبويه رحمه الله على أن علة البناء كلها ترجع إلى شبه الحرف
وممن ذكره ابن أبي الربيع.
1
كالشبه الوضعي في اسمي جئتنا ... والمعنوي في متى وفي هنا 1
وكنيابة عن الفعل بلا ... تأثر وكافتقار أصلا 2
ذكر في هذين البيتين وجوه شبه الاسم بالحرف في أربعة مواضع:
فالأول: شبهه له في الوضع كأن يكون الاسم موضوعا على حرف.
= وليس بناء حذام ونحوه لما ذكروه، بل لمضارعته في الهيئة نزال ونحوه مما بنى لشبهه بالحرف في نيابته عن الفعل وعدم تأثره بالعامل.
وقال قوم منهم الذين ذكرهم الشارح: إنه لا علة للبناء إلا مشابهة الحرف، وهو رأي الحذاق من النحويين، كل ما في الامر أن شبه الحرف على أنواع.
واحد كالتاء في ضربت أو على حرفين كنا في أكرمنا وإلى ذلك أشار بقوله في اسمي جئتنا فالتاء في جئتنا اسم لأنه فاعل وهو مبني لأنه أشبه الحرف في الوضع في كونه على حرف واحد وكذلك نا اسم لأنها مفعول وهو مبني لشبهه بالحرف في الوضع في كونه على حرفين 1 . والثاني: شبه الاسم له في المعنى وهو قسمان أحدهما ما أشبه حرفا موجودا والثاني ما أشبه حرفا غير موجود فمثال الأول متى فإنها مبنية لشبهها
الحرف في المعنى فإنها تستعمل للاستفهام نحو متى تقوم وللشرط نحو متى تقم أقم وفي الحالتين هي مشبهة لحرف موجود لأنها في الاستفهام كالهمزة وفي الشرط كإن ومثال الثاني هنا فإنها مبنية لشبهها حرفا كان ينبغي أن يوضع فلم يوضع وذلك لأن الإشارة معنى من المعاني فحقها أن يوضع لها حرف يدل عليها كما وضعوا للنفي ما وللنهي لا وللتمني ليت وللترجي لعل ونحو ذلك فبنيت أسماء الإشارة لشبهها في المعنى حرفا مقدرا 1 . والثالث: شبهه له في النيابة عن الفعل وعدم التأثر بالعامل وذلك كأسماء الأفعال نحو دراك زيدا فدراك مبنى لشبهه بالحرف في كونه يعمل ولا يعمل فيه غيره 2 كما أن الحرف كذلك.
واحترز بقوله بلا تأثر عما ناب عن الفعل وهو متأثر بالعامل نحو ضربا زيدا فإنه نائب مناب اضرب وليس بمبني لتأثره بالعامل فإنه منصوب بالفعل المحذوف بخلاف دراك فإنه وإن كان نائبا عن أدرك فليس متأثرا بالعامل.
وحاصل ما ذكره المصنف أن المصدر الموضوع موضع الفعل وأسماء الأفعال اشتركا في النيابة مناب الفعل لكن المصدر متأثر بالعامل فأعرب لعدم مشابهته الحرف وأسماء الأفعال غير متأثرة بالعامل فبنيت لمشابهتها الحرف في أنها نائبة عن الفعل وغير متأثرة به
وهذا الذي ذكره المصنف مبني على أن أسماء الأفعال لا محل لها من الإعراب والمسألة خلافية 1 وسنذكر ذلك في باب أسماء الأفعال.
ولنعم حشو الدرع أنت إذا دعيت نزال ولج في الذعر فنزال في هذا البيت مقصود بها اللفظ، ولذلك وقعت نائب فاعل، فهي مرفوعة بضمة مقدرة على آخرها منع من ظهوها اشتغال المحل بحركة البناء الاصلي، ومثله قول زيد الخيل: وقد علمت سلامة أن سيفي كريه كلما دعيت نزال ونظيرهما قول جريبة الفقعسي: عرضنا نزال فلم ينزلوا وكانت نزال عليهم أطم (1) إذا قلت " هيهات زيد " مثلا فللعلماء في إعرابه ثلاثة آراء: الاول وهو مذهب الاخفش، وهو الصحيح الذي رجحه جمهور علماء النحو أن هيهات اسم فعل ماض مبني على الفتح لا محل له من الاعراب، وزيد: فاعل مرفوع بالضمة،
وهذا الرأي هو الذي يجري عليه قول الناظم إن سبب البناء في أسماء الافعال كونها نائبة عن الفعل غير متأثرة بعامل لا ملفوظ به ولا مقدر، والثاني - وهو رأي سيبويه - أن هيهات مبتدأ مبني على الفتح في محل رفع، فهو متأثر بعامل معنوي وهو الابتداء، وزيد: فاعل سد مسد الخبر، والثالث - وهو رأي المازني - أن هيهات مفعول مطلق = (3 - ابن عقيل 1)
والرابع: شبه الحرف في الافتقار اللازم وإليه أشار بقوله وكافتقار أصلا وذلك كالأسماء الموصولة نحو الذي فإنها مفتقرة في سائر أحوالها إلى الصلة فأشبهت الحرف في ملازمة الافتقار فبنيت (1) وحاصل البيتين أن البناء يكون في ستة أبواب المضمرات وأسماء الشرط وأسماء الاستفهام وأسماء الإشارة وأسماء الأفعال والأسماء الموصولة.
= لفعل محذوف من معناه، وزيد: فاعل به، وكأنك قلت: بعد بعدا زيد، فهو متأثر بعامل لفظي محذوف من الكلام، ولا يجري كلام الناظم على واحد من هذين القولين، الثاني والثالث، وعلة بناء اسم الفعل على هذين القولين تضمن أغلب ألفاظه - وهي الالفاظ الدالة على الامر منه - معنى لام الامر، وسائره محمول عليه، يعني أن اسم الفعل أشبه الحرف شبها معنويا، لا نيابيا.
ومعرب الأسماء ما قد سلما ... من شبه الحرف كأرض وسما 1
يريد أن المعرب خلاف المبني وقد تقدم أن المبني ما أشبه الحرف.
فالمعرب: ما لم يشبه الحرف وينقسم إلى صحيح وهو ما ليس آخره حرف علة كأرض وإلى معتل وهو ما آخره حرف علة كسما وسما لغة في الاسم وفيه ست لغات اسم بضم الهمزة وكسرها وسم بضم السين وكسرها وسما بضم السين وكسرها أيضا
وينقسم المعرب أيضا إلى متمكن أمكن وهو المنصرف كزيد وعمرو وإلى متمكن غير أمكن وهو غير المنصرف نحو أحمد ومساجد
ومصابيح،
فغير المتمكن هو المبني والمتمكن هو المعرب وهو قسمان متمكن أمكن ومتمكن غير أمكن 1 . وفعل أمر ومضي بنيا ... وأعربوا مضارعا إن عريا 2 من نون توكيد مباشر ومن ... نون إناث كيرعن من فتن (3)
لما فرغ من بيان المعرب والمبني من الأسماء شرع في بيان المعرب والمبني من الأفعال ومذهب البصريين أن الإعراب أصل في الأسماء فرع في الأفعال 1 فالأصل في الفعل البناء عندهم وذهب الكوفيون إلى أن الإعراب أصل في الأسماء وفي الأفعال والأول هو الصحيح ونقل ضياء الدين بن العلج في البسيط أن بعض النحويين ذهب إلى أن الإعراب أصل في الأفعال فرع في الأسماء.
والمبني من الأفعال ضربان: = حروف زيد مثلا " فتن " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى من، والجملة لا محل لها من الاعراب صلة الموصول.
أحدهما: ما اتفق على بنائه وهو الماضي وهو مبني على الفتح 1 نحو ضرب وانطلق ما لم يتصل به واو جمع فيضم أو ضمير رفع متحرك فيسكن.
والثاني: ما اختلف في بنائه والراجح أنه مبني وهو فعل الأمر نحو اضرب وهو مبني عند البصريين ومعرب عند الكوفيين 2 .
والمعرب من الأفعال هو المضارع ولا يعرب إلا إذا لم تتصل به نون التوكيد أو نون الإناث فمثال نون التوكيد المباشرة هل تضربن والفعل معها مبني على الفتح ولا فرق في ذلك بين الخفيفة والثقيلة 3 فإن لم تتصل
به لم يبن وذلك كما إذا
فصل بينه وبينها ألف اثنين نحو هل تضربان وأصله هل تضربانن فاجتمعت ثلاث نونات فحذفت الأولى وهى نون الرفع كراهة توالي الأمثال فصار هل تضربان 1 .
وكذلك يعرب الفعل المضارع إذا فصل بينه وبين نون التوكيد واو جمع أو ياء مخاطبة نحو هل تضربن يا زيدون وهل تضربن يا هند وأصل تضربن تضربونن فحذفت النون الأولى لتوالي الأمثال كما سبق فصار تضربون فحذفت الواو لالتقاء الساكنين فصار تضربن وكذلك تضربن أصله تضربينن ففعل به ما فعل بتضربونن.
وهذا هو المراد بقوله وأعربوا مضارعا إن عريا من نون توكيد مباشر فشرط في إعرابه أن يعرى من ذلك ومفهومه أنه إذا لم يعر منه يكون مبنيا فعلم أن مذهبه أن الفعل المضارع لا يبنى إلا إذا باشرته نون التوكيد نحو هل تضربن يا زيد فإن لم تباشره أعرب وهذا هو مذهب الجمهور.
وذهب الأخفش إلى أنه مبني مع نون التوكيد سواء اتصلت به نون التوكيد أو لم تتصل ونقل عن بعضهم أنه معرب وإن اتصلت به نون التوكيد ومثال ما اتصلت به نون الإناث الهندات يضربن والفعل معها مبني على السكون ونقل المصنف رحمه الله تعالى في بعض كتبه أنه لا خلاف في = بحذف الياء التي هي عين الفعل تخلصا من التقاء الساكنين - وهما الياء وآخر الفعل - ثم يكسر آخر الفعل تخلصا من التقاء ساكنين آخرين هما آخر الفعل ولام التعريف التي في أول " الفقير " لان ألف الوصل لا يعتد بها، إذ هي غير منطوق بها، فلما وجدناه لم يحذف الياء علمنا أنه قد حذف نون التوكيد وهو ينوبها.
بناء الفعل المضارع مع نون الإناث وليس كذلك بل الخلاف موجود وممن نقله الأستاذ أبو الحسن بن عصفور في شرح الإيضاح 1 . وكل حرف مستحق للبنا ... والأصل في المبني أن يسكنا 2 ومنه ذو فتح وذو كسر وضم ... كأين أمس حيث والساكن كم 3 الحروف كلها مبنية إذ لا يعتورها ما تفتقر في دلالتها عليه إلى إعراب نحو أخذت من الدراهم فالتبعيض مستفاد من لفظ من بدون الإعراب والأصل في البناء أن يكون على السكون لأنه أخف من الحركة ولا يحرك المبني إلا لسبب كالتخلص من التقاء الساكنين وقد تكون الحركة فتحة كأين وقام وإنّ وقد تكون كسرة كأمس وجير وقد تكون ضمة كحيث وهو اسم ومنذ وهو حرف إذا جررت به وأما السكون فنحو "كم واضرب وأجل".
وعلم مما مثلنا به أن البناء على الكسر والضم لا يكون في الفعل بل في الاسم والحرف وأن البناء على الفتح أو السكون يكون في الاسم والفعل والحرف 1 والرفع والنصب اجعلن إعرابا ... لاسم وفعل نحو لن أهابا 2 والاسم قد خصص بالجر ... كما قد خصص الفعل بأن ينجزما 3
فارفع بضم وانصبن فتحا وجر ... كسرا كذكر الله عبده يسر 1 واجزم بتسكين وغير ما ذكر ... ينوب نحو جا أخو بني نمر 2 = خبر المبتدأ " بالجر " جار ومجرور متعلق بخصص " كما " الكاف حرف جر، وما: مصدرية " قد " حرف تحقيق " خصص " فعل ماض مبني للمجهول " الفعل " نائب فاعله، وما مع مدخولها في تأويل مصدر مجرور بالكاف: أي ككون الفعل مخصصا " بأن " الباء حرف جر، وأن حرف مصدري ونصب " ينجز ما " فعل مضارع منصوب بأن، والالف للاطلاق، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الفعل، وأن ومدخولها في تأويل مصدر مجرور بالباء: أي بالانجزام، والجار والمجرور متعلق بخصص.
أنواع الإعراب أربعة: الرفع والنصب والجر والجزم.
فأما الرفع والنصب فيشترك فيهما الأسماء والأفعال نحو زيد يقوم وإن زيدا لن يقوم وأما الجر فيختص بالأسماء نحو بزيد وأما الجزم فيختص بالأفعال نحو لم يضرب والرفع يكون بالضمة والنصب يكون بالفتحة والجر يكون بالكسرة والجزم يكون بالسكون وما عدا ذلك يكون نائبا عنه كما نابت الواو عن الضمة في أخو والياء عن الكسرة في بني من قوله جاء أخو بني نمر وسيذكر بعد هذا مواضع النيابة.
وارفع بواو وانصبن بالألف ... واجرر بياء ما من الأسما أصف 1
شرع في بيان ما يعرب بالنيابة عما سبق ذكره والمراد بالأسماء التي
سيصفها = مجرور بالياء لانه جمع مذكر سالم، وبني مضاف و" نمر " مضاف إليه، مجرور بالكسرة الظاهرة، وسكن لاجل الوقف، والجملة من الفعل وفاعله في قوة مفرد مجرور بإضافة نحو إليه.
الأسماء الستة وهي أب وأخ وحم وهن وفوه وذو مال فهذه ترفع بالواو نحو جاء أبو زيد وتنصب بالألف نحو رأيت أباه وتجر بالياء نحو مررت بأبيه والمشهور أنها معربة بالحروف فالواو نائبة عن الضمة والألف نائبة عن الفتحة والياء نائبة عن الكسرة وهذا هو الذي أشار إليه المصنف بقوله وارفع بواو إلى آخر البيت والصحيح أنها معربة بحركات مقدرة على الواو والألف والياء فالرفع بضمة مقدرة على الواو والنصب بفتحة مقدرة على الألف والجر بكسرة مقدرة على الياء فعلى هذا المذهب الصحيح لم ينب شيء عن شيء مما سبق ذكره: 1
من ذاك ذو إن صحبة أبانا ... والفم حيث الميم منه بانا 1 أي من الأسماء التي ترفع بالواو وتنصب بالألف وتجر بالياء ذو وفم ولكن يشترط في ذو أن تكون بمعنى صاحب نحو جاءني ذو مال أي صاحب مال وهو المراد بقوله إن صحبة أبانا أي إن أفهم صحبة واحترز بذلك عن ذو الطائية فإنها لا تفهم صحبة بل هي بمعنى الذي فلا تكون مثل ذي بمعنى صاحب بل تكون مبنية وآخرها الواو رفعا ونصبا وجرا نحو جاءني ذو قام ورأيت ذو قام ومررت بذو قام ومنه قوله: 4 - فإما كرام موسرون لقيتهم ... فحسبي من ذو عندهم ما كفانيا2 = والنصب والجر، فدل ذلك على أن الضمة والواو جميعا علامة للرفع، والفتحة والالف جميعا علامة للنصب، والكسرة والياء جميعا علامة للجر، وإنما ألجأ العرب إلى ذلك قلة حروف هذه الاسماء، فرفدوها في حال الاضافة التي هي من خصائص الاسم - بحروف زائدة، تكثيرا لحروفها.
استشهد به ابن هشام في أوضح المسالك (ش 7) في مبحث الاسماء الخمسة، وفي باب الموصول، كما فعل الشارح هنا، واستشهد به الاشموني (ش 155) مرتين أيضا.
وقبل البيت المستشهد به قوله: ولست بهاج في القرى أهل منزل على زادهم أبكي وأبكي البواكيا فإما كرام موسرون لقيتهم فحسبي من ذو عندهم.
البيت وإما كرام معسرون عذرتهم وإما لئام فادخرت حيائيا وعرضي أبقى ما ادخرت ذخيرة وبطني أطويه كطي ردائيا اللغة: " هاج " اسم فاعل من الهجاء، وهو الذم والقدح، تقول: هجاه يهجوه هجوا وهجاء " القرى " - بكسر القاف مقصورا - إكرام الضيف، و" في " هنا دالة على السببية والتعليل، مثلها في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " دخلت امرأة النار في هرة " أي بسبب هرة ومن أجل ما صنعته معها، يريد أنه لن يهجو أحدا ولن يذمه ويقدح فيه بسبب القرى على أية حال، وذلك لان الناس على ثلاثة أنواع: النوع الاول كرام موسرون، والنوع الثاني كرام معسرون غير واجدين ما يقدمونه لضيفانهم، والنوع الثالث لئام بهم شح وبخل وضنانة، وقد ذكر هؤلاء الانواع الثلاثة، وذكر مع كل واحد حاله بالنسبة له " كرام " جمع كريم، وأراد الطيب العنصر الشريف الآباء، وقابلهم باللئام " موسرون " ذوو ميسرة وغنى، وعندهم ما يقدمونه للضيفان " معسرون "
ذوو عسرة وضيق لا يجدون ما يقدمونه مع كرم نفوسهم وطيب عنصرهم.
الاعراب: " إما " حرف شرط وتفصيل، مبني على السكون لا محل له من الاعراب " كرام " فاعل بفعل محذوف يفسره السياق، وتقدير الكلام: إما لقيني كرام، ونحو ذلك، مرفوع بذلك الفعل المحذوف، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة " موسرون " نعت لكرام، ونعت المرفوع مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لانه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد " لقيتهم " لقى: فعل ماض مبني على فتح مقدر لا محل له من الاعراب، والتاء ضمير المتكلم فاعل لقى، مبني على الضم في محل رفع، وضمير الغائبين العائد إلى كرام، مفعول به مبني على السكون في محل نصب، وجملة الفعل الماضي وفاعله =
ومفعوله لا محل لها من الاعراب تفسيرية " فحسبي " الفاء واقعة في جواب الشرط، حرف مبني على الفتح لا محل له من الاعراب، حسب: اسم بمعنى كاف خبر مقدم، وهو مضاف وياء المتكلم مضاف إليه، مبني على الفتح في محل جر " من " حرف جر مبني على السكون لا محل له " ذو " اسم موصول بمعنى الذي مبني على السكون في محل جر بمن، وإن رويت " ذي " فهو مجرور بمن، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة، والجار والمجرور متعلق بحسب " عندهم " عند: ظرف متعلق بمحذوف يقع صلة للموصول الذي هو ذو بمعنى الذي، وعند مضاف وضمير الغائبين مضاف إليه، مبني على السكون في محل جر " ما " اسم موصول بمعنى الذي مبتدأ مؤخر مبني على السكون في محل رفع " كفانيا " كفى: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الالف منع من ظهوره التعذر، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الاسم الموصول الذي هو ما، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به مبني على الفتح في محل نصب، والالف للاطلاق، وجملة كفى وفاعله ومفعوله لا محل صلة ما.
الشاهد فيه: قوله " فحسبي من ذو عندهم " فإن " ذو " في هذه العبارة اسم موصول
بمعنى الذي، وقد رويت هذه الكلمة بروايتين، فمن العلماء من روى " فحسبي من ذي عندهم " بالياء، واستدل بهذه الرواية على أن " ذا " الموصولة تعامل معامل " ذي " التي بمعنى صاحب والتي هي من الاسماء الخمسة، فترفع بالواو، وتنصب بالالف، وتجر بالياء كما في هذه العبارة على هذه الرواية، ومعنى ذلك أنها معربة ويتغير آخرها بتغير التراكيب.
ومن العلماء من روى " فحسبي من ذو عندهم " بالواو، واستدل بها على أن " ذو " التي هي اسم موصول مبنية، وأنها تجئ بالواو في حالة الرفع وفي حالة النصب وفي حالة الجر جميعا وهذا الوجه هو الراجح عند النحاة، وسيذكر الشارح هذا البيت مرة أخرى في باب الموصول، وينبه على الروايتين جميعا، وعلى أن رواية الواو تدل على البناء ورواية الياء تدل على الاعراب، لكن على رواية الياء يكون الاعراب فيها بالحروف نيابة عن الحركات على الراجح، وعلى رواية الواو تكون الكلمة فيها مبنية على السكون، فاعرف ذلك ولا تنسه.
قال ابن منظور في لسان العرب: " وأما قول الشاعر: فإن بيت تميم ذو سمعت به =
وكذلك يشترط في إعراب الفم بهذه الأحرف زوال الميم منه نحو هذا فوه ورأيت فاه ونظرت إلى فيه وإليه أشار بقوله والفم حيث الميم منه بانا أي انفصلت منه الميم أي زالت منه فإن لم تزل منه أعرب بالحركات نحو هذا فم ورأيت فما ونظرت إلى فم.
أب أخ حم كذاك وهن ... والنقص في هذا الأخير أحسن (1)
وفي أب وتالييه يندر ... وقصرها من نقصهن أشهر 1
يعني أن أبا وأخا وحما تجري مجرى ذو وفم اللذين سبق
ذكرها = فإن " ذو " هنا بمعنى الذي، ولا يكون في الرفع والنصب والجر إلا على لفظ واحد، وليست بالصفة التي تعرب نحو قولك: مررت برجل ذي مال، وهو ذو مال، ورأيت رجلا ذا مال، وتقول: رأيت ذو جاءك، وذو جاءاك، وذو جاءوك، وذو جاءتك، وذو جئنك، بلفظ واحد للمذكر والمؤنث، ومن أمثال العرب: أتى عليه ذو أتى على الناس، أي الذي أتى عليهم، قال أبو منصور: وهي لغة طيئ، وذو بمعنى الذي " اهـ. وفي البيت الذي أنشده في صدر كلامه شاهد كالذي معنا على أن " ذو والتي بمعنى الذي تكون بالواو ولو كان موضعها جرا أو نصبا، فإن قول الشاعر " ذو سمعت به " نعت لبيت تميم المنصوب على أنه اسم إن، ولو كانت " ذو " معربة لقال: فإن بيت تميم ذا سمعت به، فلما جاء بها بالواو في حال النصب علمنا أنه يراها مبنية، وبناؤها كما علمت على السكون (1) " أب " مبتدأ " أخ حم " معطوفان على أب مع حذف حرف العطف " كذاك " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر تنازعه كل من أب وما عطف عليه " وهن " الواو عاطفة، هن: مبتدأ، وخبره محذوف، أي: وهن كذا ك " والنقص " مبتدأ " في هذا " جار ومجرور متعلق بالنقص، أو بأحسن " الاخير " بدل أو عطف بيان من اسم الاشارة أو هو نعت له " أحسن " خبر المبتدأ.
فترفع بالواو وتنصب بالألف وتجر بالياء نحو هذا أبوه وأخوه وحموها ورأيت أباه وأخاه وحماها ومررت بأبيه وأخيه وحميها وهذه هي اللغة المشهورة في هذه الثلاثة وسيذكر المصنف في هذه الثلاثة لغتين أخريين.
وأما هن فالفصيح فيه أن يعرب بالحركات الظاهرة على النون ولا يكون في آخره حرف علة نحو هذا هن زيد ورأيت هن زيد ومررت بهن زيد 1 وإليه أشار بقوله والنقص في هذا الأخير أحسن أي النقص في هن أحسن من الإتمام والإتمام جائز لكنه قليل جدا هذا هنوه ورأيت هناه ونظرت إلى هنيه وأنكر الفراء جواز إتمامه وهو محجوج بحكاية سيبويه الإتمام عن العرب ومن حفظ حجة على من لم يحفظ وأشار المصنف بقوله وفي أب وتالييه يندر إلى آخر البيت إلى اللغتين الباقيتين في أب وتالييه وهما أخ وحم فإحدى اللغتين النقص وهو حذف الواو والألف والياء والإعراب بالحركات الظاهرة على الباء والخاء والميم نحو هذا أبه وأخه وحمها ورأيت أبه وأخه وحمها ومررت بأبه وأخه وحمها وعليه قوله:
بأبه اقتدى عدي في الكرم ... ومن يشابه أبه فما ظلم
وهذه اللغة نادرة في أب وتالييه ولهذا قال وفي أب وتالييه يندر أي: يندر النقص.
واللغة الأخرى في أب وتالييه أن يكون بالألف رفعا ونصبا وجرا نحو هذا أباه وأخاه وحماها ورأيت أباه وأخاه وحماها ومررت بأباه وأخاه وحماها وعليه قول الشاعر:1
إنّ أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجد غايتاها1
فعلامة الرفع والنصب والجر حركة مقدرة على الألف كما تقدر في المقصور وهذه اللغة أشهر من النقص.
وحاصل ما ذكره أن في أب وأخ وحم ثلاث لغات أشهرها أن تكون بالواو والألف والياء والثانية أن تكون بالألف مطلقا 1 والثالثة أن تحذف منها الأحرف الثلاثة وهذا نادر وأن في هن لغتين إحداهما النقص وهو الأشهر والثانية الإتمام وهو قليل.
وشرط ذا الإعراب أن يضفن لا ... لليا كجا أخو أبيك ذا اعتلا 2 = ما قبلها إليها، ومع ذلك جاء بها بالالف، والارجح إجراء الاوليين كالثالثة، لانه يبعد جدا أن يجئ الشاعر بكلمة واحدة في بيت واحد على لغتين مختلفتين.
ذكر النحويون لإعراب هذه الأسماء بالحروف شروطا أربعة:
أحدها: أن تكون مضافة واحترز بذلك من ألا تضاف فإنها حينئذ تعرب بالحركات الظاهرة نحو هذا أب ورأيت أبا ومررت بأب.
الثاني: أن تضاف إلى غير ياء المتكلم نحو هذا أبو زيد وأخوه وحموه فإن أضيفت إلى ياء المتكلم أعربت بحركات مقدرة نحو هذا أبي ورأيت أبي ومررت بأبي ولم تعرب بهذه الحروف وسيأتي ذكر ما تعرب به حينئذ.
الثالث: أن تكون مكبرة واحترز بذلك من أن تكون مصغرة فإنها حينئذ تعرب بالحركات الظاهرة نحو هذا أبي زيد وذوي مال ورأيت أبي زيد وذوي مال ومررت بأبي زيد وذوي مال.
الرابع: أن تكون مفردة واحترز بذلك من أن تكون مجموعة أو مثناة فإن كانت مجموعة أعربت بالحركات الظاهرة 1 نحو هؤلاء آباء = بالالف نيابة عن الفتحة، وهو مضاف، و" اعتلا " مضاف إليه.
وأصله اعتلاء فقصره للاضطرار، وتقدير البيت: وشرط هذا الاعراب (الذي هو كونها بالواو رفعا وبالالف نصبا وبالياء جرا) في كل كلمة من هذه الكلمات كونها مضافة إلى أي اسم من الاسماء لا لياء المتكلم، ومثال ذلك قولك: جاء أخو أبيك ذا اعتلاء، فأخو: مثال للمرفوع بالواو وهو مضاف لما بعده، وأبيك: مثال للمجرور بالياء، وهو مضاف لضمير المخاطب، وذا: مثال للمنصوب بالالف، وهو مضاف إلى " اعتلا "، وكل واحد من المضاف إليهن اسم غير ياء المتكلم كما ترى.
الزيدين
ورأيت آباءهم ومررت بآبائهم وإن كانت مثناة أعربت إعراب المثنى بالألف رفعا وبالياء جرا ونصبا نحو هذان أبوا زيد ورأيت أبويه ومررت بأبويه.
ولم يذكر المصنف رحمه الله تعالى من هذه الأربعة سوى الشرطين الأولين ثم أشار إليهما بقوله وشرط ذا الإعراب أن يضفن لا لياء أي شرط إعراب هذه الأسماء بالحروف أن تضاف إلى غير ياء المتكلم فعلم من هذا أنه لا بد من إضافتها وأنه لا بد أن تكون إضافتها إلى غير ياء المتكلم ويمكن أن يفهم الشرطان الآخران من كلامه وذلك أن الضمير في قوله يضفن راجع إلى الأسماء التي سبق ذكرها وهو لم يذكرها إلا مفردة مكبرة فكأنه قال وشرط ذا الإعراب أن يضاف أب وإخوته المذكورة إلى غير ياء المتكلم.
واعلم أن ذو لا تستعمل إلا مضافة ولا تضاف إلى مضمر بل إلى اسم جنس ظاهر غير صفة نحو جاءني ذو مال فلا يجوز جاءني ذو قائم.
1 = وأما " ذو " فقد ورد جمعه مضافا مرتين: إحداهما إلى اسم الجنس، والاخرى إلى الضمير شذوذا، وذلك في قول كعب بن زهير بن أبي سلمى المزني: صبحنا الخزرجية مرهفات أبار ذوي أرومتها ذووها ففي " ذووها " شذوذ من ناحيتين: إضافته إلى الضمير، وجمعه جمع المذكر السالم (1) اعلم أن الاصل في وضع " ذو " التي بمعنى صاحب أن يتوصل بها إلى نعت ما قبلها بما بعدها، وذلك يستدعي شيئين، أحدهما: أن يكون ما بعدها مما لا يمتنع أن يوصف به، والثاني: أن يكون ما بعدها مما لا يصلح أن يقع صفة من غير حاجة إلى توسط شئ ومن أجل ذلك لازمت الاضافة إلى أسماء الاجناس المعنوية كالعلم والمال والفضل والجاه =
بالألف ارفع المثنى وكلا ... إذا بمضمر مضافا وصلا (1) = فتقول: محمد ذو علم، وخالد ذو مال، وبكر ذو فضل، وعلى ذو جاه، وما أشبه ذلك لان هذه الاشياء لا يوصف بها إلا بواسطة شئ، ألا ترى أنك لا تقول " محمد فضل " إلا بواسطة تأويل المصدر بالمشتق، أو بواسطة تقدير مضاف، أو بواسطة قصد المبالغة، فأما الاسماء التي يمتنع أن تكون نعتا - وذلك الضمير والعلم - فلا يضاف " ذو " ولا مثناه ولا جمعه إلى شئ منها، وشذ قول كعب بن زهير بن أبي سلمى المزني الذي سبق إنشاده: صبحنا الخزرجية مرهفات أبار ذوي أرومتها ذووها كما شذ قول الآخر: إنما يعرف ذا الفضل من الناس ذووه وشذ كذلك ما أنشده الاصمعي قال: أنشدني أعرابي من بني تميم ثم من بني حنظلة لنفسه: أهنأ المعروف ما لم تبتذل فيه الوجوه إنما يصطنع المعروف في الناس ذووه وإن كان اسم أو ما يقوم مقامه مما يصح أن يكون نعتا بغير حاجة إلى شئ - وذلك الاسم المشتق والجملة - لم يصح إضافة " ذو " إليه، وندر نحو قولهم: اذهب بذي تسلم، والمعنى: اذهب بطريق ذي سلامة، فتلخص أن " ذو " لا تضاف إلى واحد من أربعة أشياء: العلم، والضمير، والمشتق، والجملة، وأنها تضاف إلى اسم الجنس الجامد، سواء أكان مصدرا أم لم يكن.
كلتا كذاك اثنان واثنتان ... كابنين وابنتين يجريان 1 وتخلف الياء في جميعها الألف ... جرا ونصبا بعد فتح قد ألف 2 ذكر المصنف رحمه الله تعالى أن مما تنوب فيه الحروف عن الحركات الأسماء الستة وقد تقدم الكلام عليها ثم ذكر المثنى وهو مما يعرب بالحروف وحده لفظ دال على اثنين بزيادة في آخره صالح للتجريد وعطف مثله عليه فيدخل في قولنا لفظ دال على اثنين المثنى نحو الزيدان والألفاظ الموضوعة لاثنين نحو شفع وخرج بقولنا 3 بزيادة نحو
شفع وخرج بقولنا صالح للتجريد نحو اثنان فإنه لا يصلح لإسقاط
الزيادة منه فلا تقول اثن وخرج بقولنا وعطف مثله عليه ما صلح للتجريد وعطف غيره عليه كالقمرين 1 فإنه صالح للتجريد فتقول قمر ولكن يعطف عليه مغايره لأمثله نحو قمر وشمس وهو المقصود بقولهم القمرين وأشار المصنف بقوله بالألف ارفع المثنى وكلا إلى أن المثنى يرفع بالألف وكذلك شبه المثنى وهو كل ما لا يصدق عليه حد المثنى وأشار إليه المصنف بقوله وكلا فما لا يصدق عليه حد المثنى مما دل على اثنين بزيادة أو شبهها فهو ملحق بالمثنى فكلا وكلتا واثنان واثنتان ملحقة بالمثنى لأنها لا يصدق عليها حد المثنى ولكن لا يلحق كلا وكلتا بالمثنى إلا إذا أضيفا إلى مضمر نحو جاءني كلاهما ورأيت كليهما ومررت بكليهما وجاءتني كلتاهما ورأيت كلتيهما ومررت بكلتيهما فإن أضيفا إلى ظاهر كانا بالألف رفعا ونصبا وجرا نحو جاءني كلا الرجلين وكلتا المرأتين ورأيت كلا الرجلين وكلتا المرأتين ومررت بكلا الرجلين وكلتا المرأتين فلهذا قال المصنف وكلا إذا بمضمر مضافا وصلا.
(2)
ثم بين أن اثنين واثنتين يجريان مجرى ابنين وابنتين فاثنان واثنتان ملحقان بالمثنى كما تقدم وابنان وابنتان مثنى حقيقة ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى أن الياء تخلف الألف في المثنى والملحق به في حالتي الجر والنصب وأن ما قبلها لا يكون إلا مفتوحا نحو رأيت الزيدين كليهما ومررت بالزيدين كليهما واحترز بذلك عن ياء الجمع فإن ما قبلها لا يكون إلا مكسورا نحو مررت بالزيدين وسيأتي ذلك وحاصل ما ذكره أن المثنى وما ألحق به يرفع بالألف وينصب ويجر بالياء وهذا هو المشهور والصحيح أن الإعراب في المثنى والملحق به بحركة مقدرة على الألف رفعا والياء نصبا وجرا.
وما ذكره المصنف من أن المثنى والملحق به يكونان بالألف رفعا والياء نصبا وجرا هو المشهور في لغة العرب ومن العرب 1 من يجعل المثنى
والملحق به = نعم الفتى عمدت إليه مطيتي في حين جد بنا المسير كلانا ومحل الشاهد في قوله " كلانا " فإنه توكيد للضمير المجرور محلا بالباء في قوله " بنا " وهو مع ذلك مضاف إلى الضمير، وقد جاء به بالالف في حالة الجر.
وقد جمع في عود الضمير عليهما بين مراعاة اللفظ والمعنى الاسود بن يعفر في قوله: إن المنية والحتوف كلاهما يوفي المخارم يرقبان سوادي فتراه قال " يوفي المخارم " بالافراد، ثم قال " يرقبان " بالتثنية، فأما الاعراب فإن جعلت " كلاهما " توكيدا كان كإعراب المقصور، ولكن ذلك ليس بمتعين، بل يجوز أن يكون " كلاهما " مبتدأ خبره جملة المضارع بعده، وجملة المبتدأ وخبره في محل رفع خبر إن، وعلى هذا يكون اللفظ كإعراب المثنى جاريا على اللغة الفصحى.
بالألف مطلقا رفعا ونصبا وجرا فيقول جاء الزيدان كلاهما ورأيت الزيدان كلاهما ومررت بالزيدان كلاهما
وارفع بواو وبيا اجرر وانصب ... سالم جمع عامر ومذنب 1 = بكر بن وائل وزبيد وخثعم وهمدان وعذرة.
وخرج عليه قوله تعالى: (إن هذان لساحران) وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لاوتران في ليلة " وجاء عليها قول الشاعر: تزود منا بين أذناه طعنة دعته إلى هابي التراب عقيم فإن من حق " هذان، ووتران، وأذناه " لو جرين على اللغة المشهورة أن تكون بالياء: فإن الاولى اسم إن، والثانية اسم لا، وهما منصوبان، والثالثة في موضع المجرور بإضافة الظرف قبلها، وفي الآية الكريمة تخريجات أخرى تجريها على المستعمل في لغة عامة العرب: منها أن " إن " حرف بمعنى " نعم " مثلها في قول عبد الله بن قيس الرقيات: بكر العواذل في الصبوح يلمنني وألومهنه ويقلن: شيب قد علاك وقد كبرت، فقلت: إنه يريد فقلت نعم، والهاء على ذلك هي هاء السكت، و" هذان " في الآية الكريمة حينئذ مبتدأ، واللام بعده زائدة، و" ساحران " خبر المبتدأ.
ومنها أن " إن " مؤكدة ناصبة للاسم رافعة للخبر، واسمها ضمير شأن محذوف، و" هذان ساحران " مبتدأ وخبر كما في الوجه السابق، والجملة في محل رفع خبر إن، والتقدير: إنه (أي الحال والشأن) هذان لساحران.
ذكر المصنف قسمين يعربان بالحروف أحدهما الأسماء الستة والثاني المثنى وقد تقدم الكلام عليهما ثم ذكر في هذا البيت القسم الثالث وهو جمع المذكر السالم وما حمل عليه وإعرابه بالواو رفعا وبالياء نصبا وجرا وأشار بقوله عامر ومذنب إلى ما يجمع هذا الجمع وهو قسمان جامد وصفة.
فيشترط في الجامد أن يكون علما لمذكر عاقل خاليا من تاء التأنيث ومن التركيب فإن لم يكن علما لم يجمع بالواو والنون فلا يقال في رجل رجلون نعم إذا صغر جاز ذلك نحو رجيل ورجيلون لأنه وصف 1 وإن كان علما لغير مذكر لم يجمع بهما فلا يقال في زينب زينبون وكذا إن كان علما لمذكر غير عاقل فلا يقال في لاحق اسم فرس لاحقون وإن كان فيه تاء التأنيث فكذلك لا يجمع بهما فلا يقال في طلحة طلحون وأجاز ذلك الكوفيون 2 وكذلك إذا كان مركبا فلا يقال في سيبويه سيبويهون وأجازه بعضهم.
= وسالم مضاف و" جمع " مضاف إليه، وجمع مضاف إليه و" عامر " مضاف إليه، و" مذنب " معطوف على عامر.
ويشترط في الصفة أن تكون صفة لمذكر عاقل خالية من تاء التأنيث ليست من باب أفعل فعلاء ولا من بان فعلان فعلى ولا مما يستوي فيه المذكر والمؤنث فخرج بقولنا صفة لمذكر ما كان صفة لمؤنث فلا يقال في حائض حائضون وخرج بقولنا عاقل ما كان صفة لمذكر غير عاقل فلا يقال في سابق صفة فرس سابقون وخرج بقولنا خالية من تاء التأنيث ما كان صفة لمذكر عاقل ولكن فيه تاء التأنيث نحو علامة فلا يقال فيه علامون وخرج بقولنا ليست من باب أفعل فعلاء ما كان كذلك نحو أحمر فإن مؤنثه حمراء فلا يقال فيه أحمرون وكذلك ما كان من باب فعلان فعلى نحو سكران وسكرى فلا يقال سكرانون وكذلك إذا استوى في الوصف المذكر والمؤنث نحو صبور وجريح فإنه يقال رجل صبور وامرأة صبور ورجل جريح وامرأة جريح فلا يقال في جمع المذكر السالم صبورون ولا جريحون وأشار المصنف رحمه الله إلى الجامد الجامع للشروط التي سبق ذكرها بقوله عامر فإنه علم لمذكر عاقل خال من تاء التأنيث ومن التركيب فيقال فيه عامرون.
= المفرد، ووافقهم على ذلك أبو الحسن بن كيسان، وعلى ذلك يقولون: جاء الطلحون والحمزون، ورأيت الطلحين والحمزين، ولهم على ذلك ثلاثة أدلة، الاول: أن هذا علم على مذكر وإن كان لفظه مؤنثا، والعبرة بالمعنى لا باللفظ، والثاني: أن هذه التاء في تقدير الانفصال بدليل سقوطها في جمع المؤنث السالم في قولهم: طلحات، وحمزات، والثالث: أن الاجماع منعقد على جواز جمع العلم المذكر المختوم بألف التأنيث جمع مذكر سالما، فلو سمينا رجلا بحمراء أو حبلى جاز جمعه على حمراوين وحبلين ولا شك أن الاسم المختوم بألف التأنيث أشد تمكنا في التأنيث من المختوم بتاء التأنيث، وإذا جاز جمع الاسم الاشد تمكنا في التأنيث جمع مذكر سالما فجواز جمع الاسم الاخف تمكنا في التأنيث هذا الجمع جائز من باب أولى.
وأشار إلى الصفة المذكورة أولا بقوله ومذنب فإنه صفة لمذكر عاقل خالية من تاء التأنيث وليست من باب أفعل فعلاء ولا من باب فعلان فعلى ولا مما يستوي فيه المذكر والمؤنث فيقال فيه مذنبون.
وشبه ذين وبه عشرونا ... وبابه ألحق والأهلونا 1
أولو وعالمون عليونا ... وأرضون شذ والسنونا 2
وبابه ومثل حين قد يرد ... ذا الباب وهو عند قوم يطرد 3
أشار المصنف رحمه الله بقوله وشبه ذين إلى شبه عامر وهو كل علم مستجمع للشروط السابق ذكرها كمحمد وإبراهيم فتقول محمدون وإبراهيمون وإلى شبه مذنب وهو كل صفة اجتمع فيها الشروط كالأفضل والضراب ونحوهما فتقول الأفضلون والضرابون وأشار بقوله وبه عشرون إلى ما ألحق بجمع المذكر السالم في إعرابه بالواو رفعا وبالياء جرا ونصبا.
وجمع المذكر السالم هو ما سلم فيه بناء الواحد ووجد فيه الشروط التي سبق ذكرها فمالا واحد له من لفظه أوله واحد غير مستكمل للشروط فليس بجمع مذكر سالم بل هو ملحق به فعشرون وبابه وهو ثلاثون إلى تسعين ملحق بجمع المذكر السالم لأنه لا واحد له من لفظه إذ لا يقال عشر وكذلك أهلون ملحق به لأن مفرده وهو أهل ليس فيه الشروط المذكورة 1 لأنه اسم جنس جامد كرجل وكذلك أولو لأنه لا واحد له من لفظه وعالمون جمع عالم وعالم كرجل اسم جنس جامد وعليون اسم لأعلى الجنة وليس فيه الشروط المذكورة لكونه لما لا يعقل وأرضون جمع أرض وأرض (2) اسم جنس جامد مؤنث والسنون جمع سنة والسنة اسم جنس مؤنث فهذه كلها ملحقة بالجمع المذكر لما سبق من أنها غير مستكملة للشروط.
= البيت: وقد يرد هذا الباب (وهو باب سنين) معربا بحركات ظاهرة على النون مع لزوم الياء، مثل إعراب " حين " بالضمة رفعا والفتحة نصبا والكسرة جرا، والاعراب بحركات ظاهرة على النون مع لزوم الياء يطرد في كل جمع المذكر وما ألحق به عند قوم من النحاة أو من العرب.
وأشار بقوله وبابه إلى باب سنة وهو كل اسم ثلاثي حذفت لامه وعوض عنها هاء التأنيث ولم يكسر كمائة ومئتين وثبة وثبين وهذا الاستعمال شائع في هذا ونحوه فإن كسر كشفة وشفاه لم يستعمل كذلك إلا شذوذوا كظبة فإنهم كسروه على ظباة وجمعوه أيضا بالواو رفعا وبالياء نصبا وجرا فقالوا ظبون وظبين.
وأشار بقوله: ومثل حين قد يرد ذا الباب إلى أن سنين 1 ونحوه قد
تلزمه الياء ويجعل الإعراب على النون فتقول هذه سنين ورأيت سنينا ومررت بسنين وإن شئت حذفت التنوين وهو أقل من إثباته واختلف في اطراد هذا والصحيح أنه لا يطرد وأنه مقصور على السماع ومنه قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللهم اجعلها عليهم سنينا كسنين يوسف في إحدى الروايتين ومثله قول الشاعر: دعاني من نجد فإن سنينه ... لعبن بنا شيبا وشيبننا مردا1 = ذكرناه أولا في جميع أنواع جمع المذكر وما ألحق به، إجراء له مجرى المفرد، ويتخرج على هذه اللغة قول ذي الاصبع العدواني: إني أبي أبي ذو محافظة وابن أبي أبي من أبيين ويجوز في هذا البيت أن تخرجه على ما خرج عليه بيت سحيم (ش 9) الآتي قريبا فتلخص لك من هذا أن في سنين وبابه أربع لغات، وأن في الجمع عامة لغتين.
الشاهد فيه: إجراء السنين مجرى الحين في الإعراب بالحركات وإلزام النون مع الإضافة.
ونون مجموع وما به التحق ... فافتح وقل من بكسره نطق 1 العائد إلى نجد مضاف إليه، وجملة " لعبن " من الفعل وفاعله في محل رفع خبر إن " بنا " جار ومجرور متعلق بلعبن " شيبا " حال من الضمير المجرور المحل بالباء في بنا، وجملة " شيبننا " من الفعل وفاعله ومفعوله معطوفة بالواو على جملة لعبن " مردا " حال من المفعول به في قوله شيبننا.
الشاهد فيه: قوله " فإن سنينه " حيث نصبه بالفتحة الظاهرة، بدليل بقاء النون مع الاضافة إلى الضمير، فجعل هذه النون الزائدة على بنية الكلمة كالنون التي من أصل الكلمة في نحو مسكين وغسلين، ألا ترى أنك تقول: هذا مسكين، ولقد رأيت رجلا مسكينا، ووقعت عيني على رجل مسكين، وتقول: هذا الرجل مسكينكم، فتكون حركات الاعراب على النون سواء أضيفت الكلمة أم لم تضف، لان مثلها مثل الميم في غلام والباء في كتاب، ولو أن الشاعر اعتبر هذه النون زائدة مع الياء للدلالة على أن الكلمة جمع مذكر سالم لوجب عليه هنا أن ينصبه بالياء ويحذف النون فيقول " فإن سنيه " ومثل هذا البيت قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " اللهم اجعلها عليهم سنينا كسنين يوسف " والابيات التي أنشدناها (في ص 58) وتقدم لنا ذكر ذلك.
ونون ما ثني والملحق به ... بعكس ذاك استعملوه فانتبه 1 حق نون الجمع وما ألحق به الفتح وقد تكسر شذوذا ومنه قوله: عرفنا جعفرا وبني أبيه ... وأنكرنا زعانف آخرين2 = لا محل لها من الاعراب صلة الموصول، وتقدير البيت: افتح نون الاسم المجموع والذي التحق به، وقل من العرب من نطق بهذه النون مسكورة: أي في حالتي النصب والجر أما في حالة الرفع فلم يسمع كسر هذه النون من أحد منهم.