كان وأخواتها
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عقيل
- الكتاب
- شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك
- المؤلف
- ابن عقيل، عبد الله بن عبد الرحمن العقيلي الهمداني المصري (المتوفى: 769هـ)
- المحقق
- محمد محيي الدين عبد الحميد
- الناشر
- دار التراث - القاهرة، دار مصر للطباعة، سعيد جودة السحار وشركاه
- الطبعة
- العشرون 1400 هـ - 1980 م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وأول مجلدين، مذيلان بحاشية: منحة الجليل، بتحقيق شرح ابن عقيل]
ترفع كان المبتدا اسما والخبر ... تنصبه ككان سيدا عمر 1 ككان ظل بات أضحى أصبحا ... أمسى وصار ليس زال برحا 2 فتىء وانفك وهذي الأربعة ... لشبه نفي أو لنفي متبعه 3 ومثل كان دام مسبوقا بما ... كأعط ما دمت مصيبا درهما 4
لما فرغ من الكلام على المبتدأ والخبر شرع في ذكر نواسخ الابتداء وهي قسمان أفعال وحروف فالأفعال كان وأخواتها وأفعال المقاربة وظن وأخواتها والحروف ما وأخواتها ولا التي لنفي الجنس وإن وأخواتها.
فبدأ المصنف بذكر كان وأخواتها وكلها أفعال اتفاقا إلا ليس فذهب الجمهور إلى أنها فعل وذهب الفارسي في أحد قوليه وأبو بكر بن شقير - في أحد قوليه - إلى أنها حرف.
1 = قصد لفظه مجرور محلا بالباء، والجار والمجرور متعلق بمسبوقا " كأعط " الكاف جارة لقول محذوف كما سبق مرارا، أعط: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، ومفعوله الاول محذوف، والتقدير " أعط المحتاج " مثلا " ما " مصدرية ظرفية " دمت " دام: فعل ماض ناقص، والتاء ضمير المخاطب اسم دام " مصيبا " خبر دام " درهما " مفعول ثان لاعط، وتلخيص البيت: ودام مثل كان - في العمل الذي هو رفع الاسم ونصب الخبر - لكن في حالة معينة، وهي حالة ما إذا سبقت دام بما المصدرية الظرفية الواقعة في نحو قولك " أعط المحتاج درهما ما دمت مصيبا " أي مدة دوامك مصيبا، والمراد ما دمت تحب أن تكون مصيبا.
وهي ترفع المبتدأ وتنصب خبره ويسمى المرفوع بها اسما لها والمنصوب بها خبرا لها. وهذه الأفعال قسمان منها ما يعمل هذا العمل بلا شرط: وهي كان وظل وبات وأضحى وأصبح وأمسى وصار وليس. ومنها: ما لا يعمل هذا العمل إلا بشرط وهو قسمان: أحدهما: ما يشترط في عمله أن يسبقه نفي لفظا أو تقديرا أو شبه نفي وهو أربعة زال وبرح وفتىء وانفك فمثال النفي لفظا ما زال زيد قائما ومثاله تقديرا قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أي لا تفتؤ ولا يحذف النافي معها إلا بعد القسم كالآية الكريمة وقد شذ الحذف بدون القسم كقول الشاعر: = الحدث الذي دل عليه خبرها في الزمان الحاضر، إلى أن تقوم قرينة تصرفه إلى الماضي أو المستقبل، فإذا قلت: " ليس خلق الله مثله " فليس أداة نفي، واسمها ضمير شأن محذوف، وجملة الفعل الماضي - وهو خلق - وفاعله في محل نصب خبرها. وفي هذا المثال قرينة - وهي كون الخبر ماضيا - على أن المراد نفي الخلق في الماضي، وقوله تعالى: (ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم) يشتمل على قرينة تدل على أن المراد نفي صرفه عنهم فيما يستقبل من الزمان، ومن أجل ذلك كله قالوا: هي حرف. ويرد ذلك عليهم قبولها علامات الفعل، ألا ترى أن تاء التأنيث الساكنة تدخل عليها، فتقول: ليست هند مفلحة، وأن تاء الفاعل تدخل عليها، فتقول: لست، ولست، ولستما، ولستم، ولستن. وأما عدم دلالتها على الحدث كسائر الافعال فإنه منازع فيه، لان المحقق الرضي ذهب إلى أن " ليس " دالة على حدث - وهو الانتفاء - ولئن سلمنا أنها لا تدل على حدث - كما هو الراجح، بل الصحيح عند الجمهور - فإنا نقول: إن عدم دلالتها على حدث - ليس هو بأصل الوضع، ولكنه طارئ عليها وعارض لها بسبب دلالتها على النفي، والمعتبر إنما هو الدلالة بحسب الوضع وأصل اللغة، وهي من هذه الجهة دالة عليه، فلا يضرها أن يطرأ عليها ذلك الطارئ فيمنعها.
1 - وأبرح ما أدام الله قومي ... بحمد الله منتطقا مجيدا
أي لا أبرح منتطقا مجيدا أي صاحب نطاق وجواد ما أدام الله قومي وعنى بذلك أنه لا يزال مستغنيا ما بقي له قومه وهذا أحسن ما حمل عليه البيت.
ومثال شبه النفي والمراد به النهي كقولك لا تزل قائما ومنه قوله:
1 - صاح شمر ولا تزل ذاكر المو ... ت فنسيانه ضلال مبين
والدعاء كقولك لا يزال الله محسنا إليك وقول الشاعر:
62 - تنفك تسمع ما حييت بهالك حتى تكونه واعلم أن شروط جواز حذف حرف النفي مطلقا ثلاثة: الاول: أن يكون هذا الحرف " لا " دون سائر أخواته من حروف النفي.
الثاني: أن يكون المنفى به مضارعا كما في الآية، وكما في قول امرئ القيس: فقلت: يمين الله أبرح قاعدا ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي وقول عبد الله بن قيس الرقيات: والله أبرح في مقدمة أهدي الجيوش علي شكتيه حتى أفجعهم بإخوتهم وأسوق نسوتهم بنسوتيه وقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: تالله أنسى حبها حياتنا أو أقبرا وقول نصيب من مرثية له في أبي بكر بن عبد العزيز بن مروان: تالله أنسى مصيبتي أبدا ما أسمعتني حنينها الابل الثالث: أن يكون ذلك في القسم كما في الآية الكريمة من سورة يوسف، وبيت امرئ القيس، وبيت عبد الله بن قيس الرقيات، وبيت عمر، وبيت نصيب، وشذ الحذف بدون القسم كما في بيت خداش، وبيت خليفة بن براز.
ألا يا اسلمي يا درامي على البلى ... ولا زال منهلا بجرعائك القطر1 = المعنى: يا صاحبي اجتهد، واستعد للموت، ولا تنس ذكره، فإن نسيانه ضلال ظاهر.
الاعراب: " صاح " مناد حذفت منه ياء النداء، وهو مرخم ترخيما غير قياسي، لانه نكرة، والقياس ألا برخم مما ليس آخره تاء إلا العلم " شمر " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " ولا " الواو عاطفة، لا: ناهية " تزل " فعل مضارع ناقص مجزوم بحرف النهي، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " ذاكر " خبر تزل، وذاكر مضاف، و" الموت " مضاف إليه " فنسيانه " الفاء حرف دال على التعليل، نسيان: مبتدأ، ونسيان مضاف والهاء العائدة إلى الموت مضاف إليه " ضلال " خبر المبتدأ " مبين " نعت لضلال.
الشاهد فيه: قوله " ولا تزل ذاكر الموت " حيث أجرى فيه مضارع " زال " مجرى " كان " في العمل، لكونها مسبوقة بحرف النهي، والنهي شبيه بالنفي.
وهذا هو الذي أشار إليه المصنف بقوله وهذي الأربعة إلى آخر البيت.
القسم الثاني: ما يشترط في عمله أن يسبقه ما المصدرية الظرفية وهو دام كقولك أعط ما دمت مصيبا درهما أي أعط مدة دوامك مصيبا درهما ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً﴾ أي مدة دوامي حيا = الشاهد فيه: للنحاة في هذا البيت شاهدان، الاول: في قوله " يا اسلمي " حيث حذف المنادى قبل فعل الامر فاتصل حرف النداء بالفعل لفظا، ولكن التقدير على دخول " يا " على المنادى المقدر، ولا يحسن في مثل هذا البيت أن تجعل " يا " حرف تنبيه، لان " ألا " السابقة عليها حرف تنبيه، ومن قواعدهم المقررة أنه لا يتوالى حرفان بمعنى واحد لغير توكيد، ومثل هذا البيت في ما ذكرنا قول الشماخ.
يقولون لي: يا احلف، ولست بحالف أخادعهم عنها لكيما أنالها فقد أراد: يقولون لي يا هذا احلف، ومثله قول الاخطل: ألا يا اسلمي يا هند هند بني بكر ولا زال حيانا عدى آخر الدهر أراد: ألا يا هند اسلمي يا هند بني بكر، ومثله قول الآخر: ألا يا اسلمي ذات الدماليج والعقد وذات الثنايا الغر والفاحم الجعد أراد: ألا يا ذات الدماليج اسلمي ذات الدماليج إلخ، ومثل الامر الدعاء كما في قول الفرزدق: يا أرغم الله أنفا أنت حامله يا ذا الخنى ومقال الزور والخطل
يريد: يا هذا أرغم الله أنفا إلخ، ومثله قول الآخر: يا لعنة الله والاقوام كلهم والصالحين على سمعان من جار فيمن رواه برفع " لعنة الله ".
والشاهد الثاني في قوله " ولا زال إلخ " حيث أجرى " زال " مجرى " كان " في رفعها الاسم ونصب الخبر، لتقدم " لا " الدعائية عليها، والدعاء شبه النفي.
ومعنى ظل اتصاف المخبر عنه بالخبر نهارا ومعنى بات اتصافه به ليلا وأضحى اتصافه به في الضحى وأصبح اتصافه به في الصباح وأمسى اتصافه به في المساء ومعنى صار التحول من صفة إلى صفة أخرى ومعنى ليس النفي وهي عند الإطلاق لنفي الحال نحو ليس زيد قائما أي الآن وعند التقييد بزمن على حسبه نحو ليس زيد قائما غدا ومعنى زال وأخواتها ملازمة الخبر المخبر عنه على حسب ما يقتضيه الحال نحو ما زال زيد ضاحكا وما زال عمرو أزرق العينين ومعنى دام بقي واستمر.
وغير ماض مثله قد عملا ... إن كان غير الماض منه استعملا 1
هذه الأفعال على قسمين 2 : أحدهما: ما يتصرف، وهو ما عدا ليس ودام.
والثاني: ما لا يتصرف، وهو ليس ودام فنبه المصنف بهذا البيت على أن ما يتصرف من هذه الأفعال يعمل غير الماضي منه عمل الماضي وذلك هو المضارع نحو يكون زيد قائما قال الله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ والأمر نحو كونوا قوامين بالقسط وقال الله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً﴾ واسم الفاعل نحو زيد كائن أخاك وقال الشاعر:
1 - وما كل من يبدي البشاشة كائنا ... أخاك إذا لم تلفه لك منجدا = إنما هو في دام الناقصة التي ترفع الاسم وتنصب الخبر (الثاني) ما يتصرف تصرفا ناقصا، بأن يكون المستعمل منه الماضي والمضارع واسم الفاعل، وهو أربعة أفعال: زال، وفتئ، وبرح، وانفك (الثالث) ما يتصرف تصرفا تاما بأن تجئ منه أنواع الفعل الثلاثة: الماضي، والمضارع، والامر، ويجئ منه المصدر واسم الفاعل، وهو الباقي، وقد اختلف النحاة في مجئ اسم المفعول من القسم الثالث، فمنعه قوم منهم أبو علي الفارسي، فقد سأله تلميذه ابن جنى عن قول سيبويه " مكون فيه " فقال: ما كل داء يعالجه الطبيب!.
وأجازه غير أبي علي، فاحفظ ذلك.
والمصدر كذلك واختلف الناس في كان الناقصة هل لها مصدر أم لا؟ والصحيح أن لها مصدرا ومنه قوله:
1 - ببذل وحلم ساد في قومه الفتى ... وكونك إياه عليك يسير = وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والهاء مفعول أول لتلفى " لك " جار ومجرور متعلق بقوله منجدا الآتي " منجدا " مفعول ثان لتلفى، وقال العيني: هو حال وذلك مبني على أن " ظن " وأخواتها تنصب مفعولا واحدا، وهو رأي ضعيف لبعض النحاة.
الشاهد فيه: قوله " كائنا أخاك " فإن " كائنا " اسم فاعل من كان الناقصة وقد عمل عملها، فرفع اسما ونصب خبرا: أما الاسم فهو ضمير مستتر فيه، وأما الخبر فهو قوله " أخاك " على ما بيناه في إعراب البيت.
وما لا يتصرف منها وهو دام وليس 1 وما كان النفي أو شبهه شرطا فيه وهو زال وأخواتها لا يستعمل منه أمر ولا مصدر.
وفي جميعها توسط الخبر ... أجز وكل سبقه دام حظر 2 = فهذا الشاهد يدل على شيئين: أولهما أن " كان " الناقصة قد جاء لها مصدر في كلام العرب، فهو رد على من قال لا مصدر لها.
وثانيهما أن غير الماضي من هذه الافعال سواء أكان اسما، أم كان فعلا غير ماض يعمل العمل الذي يعمله الفعل الماضي، وهو رفع الاسم ونصب الخبر.
مرده أن أخبار هذه الأفعال إن لم يجب تقديمها على الاسم ولا تأخيرها عنه يجوز توسطها بين الفعل والاسم (1) فمثال وجوب تقديمها على الاسم قولك كان في الدار صاحبها فلا يجوز ههنا تقديم الاسم على الخبر لئلا يعود الضمير على متأخر لفظا ورتبة ومثال وجوب تأخير الخبر عن الاسم1
قولك كان أخي رفيقي فلا يجوز تقديم رفيقي على أنه خبر لأنه لا يعلم ذلك لعدم ظهور الإعراب ومثال ما توسط فيه الخبر قولك كان قائما زيد قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . وكذلك سائر أفعال هذا الباب من المتصرف وغيره يجوز توسط أخبارها بالشرط المذكور ونقل صاحب الإرشاد خلافا في جواز تقديم خبر ليس على اسمها والصواب جوازه قال الشاعر: 1 - سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم ... فليس سواء عالم وجهول
وذكر ابن معط أن خبر دام لا يتقدم على اسمها فلا تقول لا أصاحبك ما دام قائما زيد والصواب جوازه قال الشاعر: 1 - لا طيب للعيش ما دامت منغصة ... لذاته بادكار الموت والهرم = الشاهد فيه: قوله " فليس سواء عالم وجهول " حيث قدم خبر ليس وهو " سواء " على اسمها وهو " عالم " وذلك جائز سائغ في الشعر وغيره، خلافا لمن نقل المنع عنه صاحب الارشاد.
وأشار بقوله وكل سبقه دام حظر إلى أن كل العرب أو كل النحاة منع سبق خبر دام عليها وهذا إن أراد به أنهم منعوا تقديم خبر دام على ما المتصلة بها نحو لا أصحبك قائما ما دام زيد فمسلم وإن أراد أنهم منعوا تقديمه على دام وحدها نحو لا أصحبك ما قائما دام زيد وعلى ذلك حمله ولده في شرحه - ففيه
نظر والذي يظهر أنه لا يمتنع تقديم خبر = هذا توجيه كلام الشارح العلامة كغيره من النحاة، ردا على ابن معط.
وفيه خلل من جهة أنه ترتب عليه الفصل بين " منغصة " ومتعلقه وهو قوله " بادكار " بأجنبي عنهما وهو " لذاته ".
وفي البيت توجيه آخر، وهو أن يكون اسم " دام " ضميرا مستترا، وقوله " منغصة " خبرها، وقوله " لذاته " نائب فاعل لقوله " منغصة "، لانه اسم مفعول يعمل عمل الفعل المبني للمجهول، وعلى هذا يخلو البيت من الشاهد، فلا يكون ردا على
ابن معط ومن يرى رأيه.
ومن الشواهد التي يستدل بها للرد على ابن معط قول الشاعر: مادام حافظ سري من وثقت به فهو الذي لست عنه راغبا أبدا فإن قوله " حافظ سري " خبر دام، وقوله " من وثقت به " اسمها، وقد تقدم الخبر على الاسم، ولا يرد عليه الاعتراض الذي ورد على البيت الشاهد، ولكنه يحتمل التأويل، إذ يجوز أن يكون اسم دام ضميرا مستترا يعود إلى " من وثقت به " ويكون خبرها هو " حافظ سري "، ويكون قوله " من وثقت به " فاعلا بحافظ، لانه اسم فاعل.
فإن قلت: فقد عاد الضمير على متأخر.
قلت: هو كذلك، ولكنه مغتفر ههنا، لان الكلام على هذا يصير من باب الاشتغال لتقدم عاملين وهما: دام، وحافظ سري وتأخر معمول واحد وهو " من وثقت به " فلما أعمل العامل الثاني أضمر في الاول المرفوع، وهو جائز عند البصريين كما ستعرفه في باب الاشتغال، إن شاء الله.
دام على دام وحدها فتقول لا أصحبك ما قائما دام زيد كما تقول لا أصحبك ما زيدا كلمت.
كذاك سبق خبر ما النافية ... فجيء بها متلوة لا تاليه 1
يعني أنه لا يجوز أن يتقدم الخبر على ما النافية ويدخل تحت هذا قسمان أحدهما ما كان النفي شرطا في عمله نحو ما زال وأخواتها فلا تقول قائما ما زال زيد وأجاز ذلك ابن كيسان والنحاس والثاني ما لم يكن النفي شرطا في عمله نحو ما كان زيد قائما فلا تقول قائما ما كان زيد وأجازه بعضهم 2 .
ومفهوم كلامه أنه إذا كان النفي بغير ما يجوز التقديم فتقول قائما لم يزل زيد ومنطلقا لم يكن عمرو ومنعهما بعضهم.
3
ومفهوم كلامه أيضا جواز تقديم الخبر على الفعل وحده إذا كان النفي بما نحو ما قائما زال زيد وما قائما كان زيد ومنعه بعضهم.
ومنع سبق خبر ليس اصطفى ... وذو تمام ما برفع يكتفي 1
وما سواه ناقص والنقص في ... فتىء ليس زال دائما قفي 2
اختلف النحويون في جواز تقديم خبر ليس عليها فذهب الكوفيون = مه عاذلي فهائما لن أبرحا بمثل أو أحسن من شمس الضحى وقال ابن مالك في شرح الكافية الشافية: إن ذلك جائز عند الجميع.
والمبرد والزجاج وابن السراج وأكثر المتأخرين ومنهم المصنف إلى المنع وذهب أبو علي الفارسي وابن برهان إلى الجواز فتقول قائما ليس زيد واختلف النقل عن سيبويه فنسب قوم إليه الجواز وقوم المنع ولم يرد من لسان العرب تقدم خبرها عليها وإنما ورد من لسانهم ما ظاهره تقدم معمول خبرها عليها كقوله تعالى: ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾ وبهذا استدل من أجاز تقديم خبرها عليها وتقريره أن يوم يأتيهم معمول الخبر الذي هو مصروفا وقد تقدم على ليس قال ولا يتقدم المعمول إلا حيث يتقدم العامل.
1
وقوله وذو تمام إلى آخره معناه أن هذه الأفعال انقسمت إلى قسمين أحدهما: ما يكون تاما وناقصا والثاني: ما لا يكون إلا ناقصا والمراد بالتام: ما يكتفي بمرفوعه وبالناقص: ما لا يكتفي بمرفوعه بل يحتاج معه إلى منصوب.
وكل هذه الأفعال يجوز أن تستعمل تامة إلا فتىء وزال التي مضارعها يزال لا التي مضارعها يزول فإنها تامة نحو زالت الشمس وليس فإنها لاتستعمل إلا ناقصة.
ومثال التام قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ أي إن وجد ذو عسرة وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ .
ولا يلي العامل معمول الخبر ... إلا إذا ظرفا أتى أو حرف جر 1 = والغرض من القاعدة التي أصلها هذا المستند: أن الغالب والكثير والاصل هو ألا يتقدم المعمول إلا حيث يجوز أن يتقدم العامل فيه، فلا يضر أن يجوز تقديم المعمول في بعض الابواب لنكتة خاصة به حيث لا يتقدم عامله، ولكل موضع من المواضع الاربعة نكتة لا تتسع هذه العجالة لشرحها.
يعني أنه لا يجوز أن يلي كان وأخواتها معمول خبرها الذي ليس بظرف ولا جار ومجرور وهذا يشمل حالين: أحدهما: أن يتقدم معمول الخبر وحده على الاسم ويكون الخبر مؤخرا عن الاسم نحو كان طعامك زيد آكلا وهذه ممتنعة عند البصريين وأجازها الكوفيون.
الثاني: أن يتقدم المعمول والخبر على الاسم ويتقدم المعمول على الخبر نحو كان طعامك آكلا زيد وهي ممتنعة عند سيبويه وأجازها بعض البصريين ويخرج من كلامه أنه إذا تقدم الخبر والمعمول على الاسم وقدم الخبر على المعمول جازت المسألة لأنه لم يل كان معمول خبرها فتقول كان آكلا طعامك زيد ولا يمنعها البصريون.
فإن كان المعمول ظرفا أو جارا ومجرورا جاز إيلاؤه كان عند البصريين والكوفيين نحو كان عندك زيد مقيما وكان فيك زيد راغبا.
ومضمر الشأن اسما انو إن وقع ... موهم ما استبان أنه امتنع 1 = " أتى " وفاعله في محل جر بإضافة إذا إليها، وهي فعل الشرط، وجواب الشرط محذوف يفصح عنه الكلام، وتقديره: فإنه يليه، وهذه الجملة كلها في موضع الاستثناء من مستثنى منه محذوف، وهو عموم الاوقات، وكأنه قال: لا يلي معمول الخبر العامل في وقت ما من الاوقات إلا في وقت مجيئه ظرفا أو حرف جر.
يعني أنه إذا ورد من لسان العرب ما ظاهره أنه ولي كان وأخواتها معمول خبرها فأوله على أن في كان ضميرا مستترا هو ضمير الشأن وذلك نحو قوله:
1 - قنافذ هداجون حول بيوتهم ... بما كان إياهم عطية عودا = مبني على الفتح في محل جزم، وسكن للوقف " موهم " فاعل وقع، وموهم مضاف و" ما " اسم موصول مضاف إليه، مبني على السكون في محل جر " استبان " فعل ماض " أنه " أن: حرف توكيد ونصب، والهاء ضمير الغائب اسمها مبني على الضم في محل نصب " امتنع " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو، والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر أن، وأن ومعمولاها في تأويل مصدر فاعل لاستبان، وتقديره: استبان امتناعه، وجملة " استبان " وفاعله لا محل لها من الاعراب صلة الموصول.
وتقدير البيت: وانو مضمر الشأن حال كونه اسما لكان إن وقع في بعض الكلام ما يوهم الامر الذي وضح امتناعه، وهو إيلاء كان معمول خبرها.
فهذا ظاهره أنه مثل كان طعامك زيد آكلا ويتخرج على أن في كان ضميرا مستترا هو ضمير الشأن وهو اسم كان = مفعول به لعود، وجملة المبتدأ وخبره في محل نصب خبر كان، فلم يتقدم معمول الخبر على الاسم لان اسم كان مضمر يلي العامل.
والتوجيه الثاني: أن " كان " في البيت زائدة، و" عطية عود " مبتدأ وخبر، وجملة المبتدأ والخبر لا محل لها من الاعراب صلة الموصول، وهو " ما "، أي بالذي عطية عود هموه.
والثالث: أن اسم " كان " ضمير مستتر يعود على " ما " الموصولة، وجملة عطية عود من المبتدأ والخبر في محل نصب خبر كان، وجملة كان ومعموليها لا محل لها من الاعراب صلة الموصول.
والعائد - على هذا التوجيه والذي قبله محذوف تقديره هنا: بما كان عطية عود هموه ومنهم من يقول: هذا البيت من الضرورات التي تباح للشاعر، ولا يجوز لاحد من المتكلمين أن يقيس في كلامه عليها.
قال المحققون من العلماء: والقول بالضرورة متعين في قول الشاعر، ولم نقف على اسمه: باتت فؤادي ذات الخال سالبة فا لعيش إن حم لي عيش من العجب فذات الخال: اسم بات، وسالبة: خبره، وفيه ضمير مستتر هو فاعله يعود على ذات الخال، وفؤادي: مفعول به مقدم على عامله الذي هو قوله سالبة، وزعموا أنه لا يمكن في هذا البيت أن يجري على إحدى التوجيهات السابقة، ومثله قول الآخر: لئن كان سلمى الشيب بالصد مغريا لقد هون السلوان عنها التحلم فالشيب: اسم كان، ومغريا خبره، وفيه ضمير مستتر يعود على الشيب هو فاعله وسلمى مفعول به لمغريا تقدم على اسم كان، ولا تتأتى فيه التوجيهات السابقة.
ومن العلماء من خرج هذين البيتين تخريجا عجيبا، فزعم أن " فؤادي " منادى بحرف نداء محذوف، وكذلك " سلمى " وكأن الشاعر قد قال: باتت يا فؤادي ذات الخال سالبة إياك، ولئن كان يا سلمى الشيب مغريا إياك بالصد، وجملة النداء في البيتين لا محل لها معترضة بين العامل ومعموليه.
ومما ظاهره أنه مثل كان طعامك آكلا زيد قوله: 1 - فأصبحوا والنوى عالي معرسهم ... وليس كل النوى تلقي المساكين
المساكين يلقون، ويجوز فيه أن يكون مثل فعل الواحد المؤنث، فتقول: الاعراب قالت: أو تقول: المساكين ألقت أو تلقي، وكذا إذا تقدم الفعل وأسند إلى ضمير جمع التكسير المؤخر عنه يجب أن تقول: يلقون المساكين، أو تقول: تلقون المساكين، أو يقول تلقي المساكين، فلما لم يقل شيئا من ذلك علمنا أنه أسنده إلى الاسم الظاهر بعده. وأما رواية نصب " كل " والفعل " تلقي " بالتاء الفوقية فالكوفيون يعربونها هكذا - كل: مفعول مقدم لتلقي، وكل مضاف والنوى: مضاف إليه، وتلقي: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى المساكين، والجملة من الفعل وفاعله المستتر فيه في محل نصب خبر ليس تقدم على اسمه، والمساكين: اسم ليس تأخر عن خبره، ويستدل الكوفيون بهذا البيت - على هذا الاعراب - على أنه يجوز أن يقع بعد ليس وأخواتها معمول خبرها إذا كان خبرها مقدما على اسمها، كما في البيت. والبصريون يقولون: إن هذا الاعراب غير لازم في هذا البيت، وعلى هذا لا يكون البيت دليلا على ما زعمتم، والاعراب الذي نراه هو أن يكون ليس فعلا ناقصا، واسمه ضمير شأن محذوف، وكل: مفعول مقدم لتلقي، والنوى: مضاف إليه، وتلقي فعل مضارع، والمساكين: فاعله، والجملة من الفعل والفاعل في محل نصب خبر ليس، والتقدير: وليس (هو: أي الحال والشأن) كل النوى تلقي المساكين، فلم يقع بعد ليس معمول خبرها عند التحقيق، بل الواقع بعدها هو اسمها المحذوف وموضعه بعدها وإذا علمت هذا فاعلم أن ابن الناظم قد استشهد بهذا البيت لمذهب الكوفيين على الوجه الذي ذكرناه عنهم من الاعراب، فأنكر العيني عليه ذلك، وقال: وهذا وهم منه، لانه لو كان المساكين اسم ليس لقال " يلقون المساكين " كما تقول: قاموا الزيدون، على أن الجملة من الفعل وفاعله خبر مقدم، والاسم بعدها مبتدأ مؤخر، والبيت لم يرو إلا " يلقي المساكين " بالياء التحتية، واسم ليس في هذا البيت ضمير الشأن عند الكوفيين والبصريين، اه كلامه بحروفه. والعبد الضعيف غفر الله له ولوالديه! - يرى أن في كلام العيني هذا تحاملا على ابن الناظم لا يقره الانصاف، وأن فيه خللا من عدة وجوه.
إذا قرئ بالتاء المثناة من فوق فيخرج البيتان على إضمار الشأن والتقدير في الأول بما كان هو أي الشأن فضمير الشأن اسم كان = الاول: أن قوله " والبيت لم يرو إلا يلقي المساكين بالياء التحتية " غير صحيح، فقد علمت أنه يروى بالياء التحتية والتاء الفوقية، وهذه عبارة الشارح العلامة تنادي بأنه قد روى بالتاء، وأن الاستشهاد بالبيت لمذهب الكوفيين إنما يتجه على رواية التاء، فكان عليه أن يمسك عن تخطئته في الرواية، لان الرواية ترجع إلى الحفظ لا إلى العقل، ولا شك أنه اطلع على كلام شارحنا لانه شرح شواهده.
الثاني: في قوله " ولو كان المساكين اسم ليس لقال يلقون المساكين " ليس بصواب، إذ لا يلزم على كون المساكين اسم ليس أن يقول الشاعر: يلقون المساكين، بل يجوز له أن يقول ذلك، وأن يقول: تلقي المساكين، كما بينا لك، وقد قال العبارة الثانية على رواية الجماعة من أثبات العلماء.
الثالث: أن تنظيره بقوله " كما تقول قاموا الزيدون، على أن الجملة خبر مقدم
والاسم بعدها مبتدأ مؤخر " ليس تنظيرا صحيحا، لان الاسم في الكلام الذي نظر به جمع مذكر سالم، ومذهب البصريين أنه لا يجوز في فعله إلا التذكير، فلم يتم له التنظير، والله يغفر لنا وله! ! ومن مجموع ما قدمنا ذكره من الكلام على هذا البيت تتبين لك خمسة أمور: الاول: أن ثلاث روايات لا يجوز على كل رواية منها في البيت إلا وجه واحد من وجوه الاعراب.
الثاني: أنه لا شاهد في البيت لمذهب الكوفيين على كل رواية من هذه الروايات الثلاث.
الثالث: أن استشهاد الكوفيين بالبيت على ما ذهبوا إليه لا يجوز إلا على الرواية الرابعة، وهي " وليس كل النوى تلقي المساكين ".
الرابع: أن البيت يحتمل على الرواية الرابعة وجها من الاعراب غير ما أعربه عليه الكوفيون.
الخامس: أن استدلال الكوفيين بالبيت لم يتم، لان الدليل متى تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال، وأنت خبير أن الاستدلال والاستشهاد غير التمثيل.
وعطية مبتدأ وعود خبر وإياهم مفعول عود والجملة من المبتدأ وخبره خبر كان فلم يفصل بين كان واسمها معمول الخبر لأن اسمها مضمر قبل المعمول.
والتقدير في البيت الثاني وليس هو أي الشأن فضمير الشأن اسم ليس وكل النوى منصوب بتلقي وتلقي المساكين فعل وفاعل والمجموع خبر ليس هذا بعض ما قيل في البيتين.
وقد تزاد كان في حشو كما كان ... أصح علم من تقدما 1
كان على ثلاثة أقسام
أحدها: الناقصة
والثاني: التامة وقد تقدم ذكرهما
والثالث: الزائدة وهي المقصودة بهذا البيت وقد ذكر ابن عصفور أنها تزاد بين الشيئين المتلازمين كالمبتدأ وخبره نحو زيد كان قائم والفعل ومرفوعه نحو لم يوجد كان مثلك والصلة والموصول نحو جاء الذي كان أكرمته والصفة والموصوف نحو مررت برجل كان قائم وهذا يفهم أيضا من إطلاق قول المصنف وقد
تزاد كان في حشو وإنما تنقاس زيادتها بين ما
وفعل التعجب نحو ما كان أصح علم من تقدما 1 ولا تزاد في غيره إلا سماعا.
وقد سمعت زيادتها بين الفعل ومرفوعه كقولهم (2) :
ولدت فاطمة بنت الخرشب الأنمارية الكملة من بني عبس لم يوجد كان أفضل منهم وقد سمع أيضا زيادتها بين الصفة والموصوف كقوله:
فكيف إذا مررت بدار قوم ... وجيران لنا كانوا كرام2
وشذ زيادتها بين حرف الجر ومجروره كقوله: 1 - سراة بني أبي بكر تسامى ... على كان المسومة العراب = هذا، ومن شواهد زيادة " كان " بين الصفة وموصوفها - من غير أن تكون متصلة باسمها - قول جابر الكلابي (وانظر معجم البلدان مادة كتيفة) : وماؤكما العذب الذي لو شربته شفاء لنفس كان طال اعتلالها فإن جملة " طال اعتلالها " في محل جر صفة لنفس، وقد زاد بينهما " كان ".
وأكثر ما تزاد بلفظ الماضي وقد شذت زيادتها بلفظ المضارع في قول أم عقيل ابن أبي طالب: 1 - أنت تكون ماجد نبيل ... إذا تهب شمأل بليل = الشاهد فيه: قوله " على كان المسومة " حيث زاد " كان " بين الجار والمجرور، ودليل زيادتها أن حذفها لا يخل بالمعنى.
ويحذفونها ويبقون الخبر ... وبعد إن ولو كثيرا ذا اشتهر 1
تحذف كان مع اسمها ويبقى خبرها كثيرا بعد إن كقوله: = بكاف عبده) ونحو ذلك، فأما المضارع فهو معرب، فلم يشبه الحرف، بل أشبه الاسم، فتحصن بذلك عن أن يزاد، كما أن الاسماء لا تزاد إلا شذوذا، وهذا إيضاح كلام الشارح وتخريج كلامه وتعليله.
والقول بزيادة " تكون " شذوذا في هذا البيت قول ابن الناظم وابن هشام وتبعهما من جاء بعدهما من شراح الالفية، وهما تابعان في ذلك لابن السيد وأبي البقاء.
ومما استدل به على زيادة " تكون " بلفظ المضارع قول حسان بن ثابت: كأنه سبيئة من بيت رأس يكون مزاجها عسل وماء روياه برفع " مزاجها عسل وماء " على أنها جملة من مبتدأ وخبر في محل رفع صفة لسبيئة وزعما أن " يكون " زائدة.
والرد على ذلك أن الرواية بنصب " مزاجها " على أنه خبر يكون مقدما، ورفع " عسل وماء " على أنه اسم يكون مؤخر، ولئن سلمنا رواية رفعهما فليس يلزم عليها زيادة يكون، بل هي عاملة، واسمها ضمير شأن محذوف، وجملة المبتدأ والخبر في محل نصب خبرها.
وكذلك بيت الشاهد، ليست " تكون " فيه زائدة، بل هي عاملة، واسمها ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، وخبرها محذوف، والجملة لا محل لها معترضة بين المبتدأ وخبره، والتقدير: أنت ماجد نبيل تكونه.
1 - قد قيل ما قيل إن صدقا وإن كذبا ... فما اعتذارك من قول إذا قيلا؟
التقدير: إن كان المقول صدقا وإن كان المقول كذبا.
وبعد لو (1) كقولك ائتني بدابة ولو حمارا أي ولو كان المأتي به حمارا وقد شذ حذفها بعد لدن كقوله:
من لد شولا فإلى إتلائها
التقدير من لد أن كانت شولا.1
= وكذا يكثر حذفها مع اسمها بعد " لو " كما قرره الشارح العلامة، وعليه قول الشاعر: لا يأمن الدهر ذو بغي ولو ملكا جنوده ضاق عنها السهل والجبل (1) ومن ذلك ما ورد في الحديث من قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " التمس ولو خاتما من حديد " التقدير: ولو كان ملتمسك خاتما من حديد، والبيت الذي أنشدناه في آخر شرح الشاهد رقم 72.
وبعد أن تعويض ما عنها ارتكب ... كمثل أما أنت برا فاقترب 1
ذكر في هذا البيت أن كان تحذف بعد أن المصدرية ويعوض عنها ما ويبقى اسمها وخبرها نحو أما أنت برا فاقترب والأصل أن كنت برا فاقترب فحذفت كان فانفصل الضمير المتصل بها وهو التاء فصار أن أنت برا ثم أتى ب ما عوضا عن كان فصار = الشاهد فيه: قوله " من لد شولا " حيث حذف " كان " واسمها وأبقى خبرها وهو " شولا " بعد لد، وهذا شاذ، لانه إنما يكثر هذا الحذف بعد " إن، ولو " كما سبق، هذا بيان كلام الشارح العلامة وأكثر النحويين، وهو المستفاد من ظاهر كلام سيبويه.
وفي الكلام توجيه آخر، وهو أن يكون قولهم " شولا " مفعولا مطلقا لفعل محذوف، والتقدير " من لد شالت الناقة شولا " وبعض النحويين يذكر فيه إعرابا ثالثا وهو أن يكون نصب " شولا " على التمييز أو التشبيه بالمفعول به، كما ينتصب لفظ " غدوة " بعد " لدن " وعلى هذين التوجيهين لا يكون في الكلام شاهد لما نحن فيه، وراجع هذه المسألة وشرح هذا الشاهد في شرحنا على شرح أبي الحسن الاشموني في (ج 1 ص 386 الشاهد رقم 206) تظفر ببحث ضاف واف.
أن ما أنت برا ثم أدغمت النون في الميم فصار أما أنت برا ومثله قول الشاعر: 1 - أبا خراشة أما أنت ذا نفر ... فإن قومي لم تأكلهم الضبع
فأن مصدرية وما زائدة عوضا عن كان وأنت اسم كان المحذوفة وذا نفر خبرها ولا يجوز الجمع بين كان وما لكون ما عوضا عنها ولا يجوز الجمع بين العوض والمعوض وأجاز ذلك المبرد فيقول أما كنت منطلقا انطلقت (1) .
ولم يسمع من لسان العرب حذف كان وتعويض ما عنها وإبقاء اسمها وخبرها إلا إذا كان اسمها ضمير مخاطب كما مثل به المصنف ولم يسمع مع ضمير المتكلم نحو أما أنا منطلقا انطلقت والأصل أن كنت منطلقا ولا مع الظاهر نحو أما زيد ذاهبا انطلقت والقياس جوازهما كما جاز مع المخاطب والأصل أن كان زيد ذاهبا انطلقت وقد مثل سيبويه رحمه الله في كتابه ب أما زيد ذاهبا.
ومن مضارع لكان منجزم ... تحذف نون وهو حذف ما التزم 1 = ثم عوض من كان بما الزائدة، فالتقى حرفان متقاربان - وهما نون أن المصدرية وميم ما الزائدة - فأدغمهما، فصار الكلام: أما أنت ذا نفر.
هذا، وقد روى ابن دريد وأبو حنيفة الدينوري في مكان هذه العبارة " إما كنت ذا نفر " وعلى روايتهما لا يكون في البيت شاهد لما نحن فيه الآن.
ومن شواهد المسألة قول الشاعر: إما أقمت وأما أنت مرتحلا فالله يكلا ما تأتي وما تذر (1) ادعاء أنه لا يجوز الجمع بين العوض والمعوض منه لا يتم على الاطلاق، بل قد جمعوا بينهما في بعض الاحايين، فهذا الحكم أغلبي، ولهذا أجاز المبرد أن يقال " إما كنت منطلقا انطلقت ".
إذا جزم الفعل المضارع من كان قيل لم يكن والأصل يكون فحذف الجازم الضمة التي على النون فالتقى ساكنان الواو والنون فحذف الواو لالتقاء الساكنين 1 فصار اللفظ لم يكن والقياس يقتضي أن لا يحذف منه بعد ذلك شيء آخر لكنهم حذفوا النون بعد ذلك تخفيفا لكثرة الاستعمال (2) فقالوا لم يك وهو حذف جائز لا لازم ومذهب سيبويه ومن تابعه أن هذه النون لا تحذف عنه ملاقاة ساكن فلا تقول لم يك الرجل قائما وأجاز ذلك يونس (1) وقد قرئ شاذا لم يك الذين = جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لمضارع " منجزم " صفة ثانية لمضارع " تحذف " فعل مضارع مبني للمجهول " نون " نائب فاعل تحذف " وهو " مبتدأ " حذف " خبر المبتدأ " ما " نافية " التزم " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى حذف، والجملة من التزم ونائب الفاعل في محل رفع صفة لحذف، وتقدير البيت: وتحذف نون من مضارع منجزم آت من مصدر كان وهو حذف لم تلتزمه العرب، يريد أنه جائز لا واجب.
كفروا وأما إذا لاقت متحركا فلا يخلو إما أن يكون ذلك المتحرك ضميرا متصلا أولا فإن كان ضميرا متصلا لم تحذف النون اتفاقا كقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعمر رضي الله عنه في ابن صياد إن يكنه فلن تسلط عليه وإلا يكنه فلا خير لك في قتله (2) فلا يجوز حذف النون فلا تقول إن يكه والإيكه وإن كان غير ضمير متصل جاز الحذف والإثبات نحو لم يكن زيد قائما ولم يك زيد قائما.
وظاهر كلام المصنف أنه لا فرق في ذلك بين كان الناقصة والتامة وقد قرئ وإن تك حسنة يضاعفها برفع حسنة وحذف النون وهذه هي التامة.1