شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالكصفحات 243-281

الحال

صفحات 243-281
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عقيل
الكتاب
شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك
المؤلف
ابن عقيل، عبد الله بن عبد الرحمن العقيلي الهمداني المصري (المتوفى: 769هـ)
المحقق
محمد محيي الدين عبد الحميد
الناشر
دار التراث - القاهرة، دار مصر للطباعة، سعيد جودة السحار وشركاه
الطبعة
العشرون 1400 هـ - 1980 م
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وأول مجلدين، مذيلان بحاشية: منحة الجليل، بتحقيق شرح ابن عقيل]

الحال وصف فضلة منتصب ... مفهم في حال كفردا أذهب 1 عرف الحال 2 بأنه: الوصف الفضلة المنتصب للدلالة على هيئة نحو: فردا أذهب ف فردا حال لوجود القيود المذكورة فيه.

وخرج بقوله فضلة الوصف الواقع عمدة نحو زيد قائم وبقوله للدلالة على الهيئة التمييز المشتق نحو لله دره فارسا فإنه تمييز لا حال على الصحيح إذ لم يقصد به الدلالة على الهيئة بل التعجب من فروسيته فهو لبيان المتعجب منه لا لبيان هيئته.
وكذلك رأيت رجلا راكبا فإن راكبا لم يسق للدلالة على الهيئة بل لتخصيص الرجل.
وقول المصنف مفهم في حال هو معنى قولنا: للدلالة على الهيئة.

وكونه منتقلا مشتقا ... يغلب لكن ليس مستحقا 3 ألأكثر في الحال أن تكون منتقلة مشتقة.
ومعنى الانتقال: ألا تكون ملازمة للمتصف بها نحو جاء زيد راكبا فراكبا وصف منتقل لجواز انفكاكه عن زيد بأن يجيء ماشيا.
وقد تجيء الحال غير منتقلة 4 أي وصفا لازما نحو دعوت الله سميعا وخلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها وقوله: 179 - فجاءت به سبط العظام كأنما ... عمامته بين الرجال لواء فـ"سميعا" وأطول وسبط أحوال وهي أوصاف لازمة.5

وقد تأتي الحال جامدة ويكثر ذلك في مواضع ذكر المصنف بعضها بقوله: ويكثر الجمود في سعر وفي ... مبدي تأول بلا تكلف 1 كبعه مدا بكذا يدا بيد ... وكر زيد أسدا أي كأسد 2 = اللغة: " سبط العظام " أراد أنه سوى الخلق حسن القامة " لواء " هو ما دون العلم، وأراد أنه تام الخلق طويل، فكنى بهذه العبارة عن هذا المعنى.
الاعراب: " فجاءت " جاء: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي " به " جار ومجرور متعلق بجاءت " سبط " حال من الضمير المجرور محلا بالباء، وسبط مضاف و" العظام " مضاف إليه " كأنما " كأن: حرف تشبيه ونصب، وما: كافة " عمامته " عمامة: مبتدأ، وعمامة مضاف والضمير مضاف إليه " بين " منصوب على الظرفية، وبين مضاف، و" الرجال " مضاف إليه " لواء " خبر المبتدأ.
الشاهد فيه: قوله " سبط العظام " حيث ورد الحال وصفا ملازما، على خلاف الغالب فيه من كونه وصفا منتقلا، وإضافة سبط لا تفيده تعريفا ولا تخصيصا، لانه صفة مشبهة، وإضافة الصفة المشبهة إلى معمولها لا تفيد التعريف ولا التخصيص، وإنما تفيد رفع القبح على ما سيأتي بيانه في باب الاضافة إن شاء الله تعالى.

يكثر مجيء الحال جامدة إن دلت على سعر نحو بعد مدا بدرهم 1 فمدا حال جامدة وهي في معنى المشتق إذ المعنى بعه مسعرا كل مد بدرهم ويكثر جمودها أيضا فيما دل على تفاعل نحو بعته يدا بيد 2 أي مناجزة أو على تشبيه نحو كر زيد أسدا أي مشبها الأسد فيد وأسد جامدان وصح وقوعهما حالا لظهور تأولهما بمشتق كما تقدم وإلى هذا أشار بقوله وفي مبدي تأول أي يكثر مجيء الحال جامدة حيث ظهر تأولها بمشتق.
وعلم بهذا وما قبله أن قول النحويين إن الحال يجب أن تكون منتقلة مشتقة معناه أن ذلك هو الغالب لا أنه لازم وهذا معنى قوله فيما تقدم: لكن ليس مستحقا.
3

والحال إن عرف لفظا فاعتقد ... تنكيره معنى كوحدك اجتهد 1 مذهب جمهور النحويين أن الحال لا تكون إلا نكرة وأن ما ورد منها معرفا لفظا فهو منكر معنى كقولهم جاءوا الجماء الغفير.
180 - وأرسلها العراك.................2

واجتهد وحدك وكلمته فاه إلى في فالجماء والعراك ووحدك وفاه أحوال وهي معرفة لكنها مؤولة بنكرة والتقدير جاءوا جميعا وأرسلها معتركة واجتهد منفردا وكلمته مشافهة.
= ومثلها جملة " ولم يشفق " وقوله " على نغص " جار ومجرور متعلق بيشفق، ونغص مضاف، و" الدخال " مضاف إليه.
الشاهد فيه: قوله " العراك " حيث وقع حالا مع كونه معرفة والحال لا يكون إلا نكرة وإنما ساغ ذلك لانه مؤول بالنكرة، أي: أرسلها معتركة، يعني مزدحمة.

وزعم البغداديون ويونس أنه يجوز تعريف الحال مطلقا بلا تأويل فأجازوا جاء زيد الراكب.
وفصل الكوفيون فقالوا إن تضمنت الحال معنى الشرط صح تعريفها وإلا فلا فمثال ما تضمن معنى الشرط زيد الراكب أحسن منه الماشي،

فـ"الراكب والماشي" حالان وصح تعريفهما لتأولهما بالشرط إذ التقدير زيد إذا ركب أحسن منه إذا مشى فإن لم تتقدر بالشرط لم يصح تعريفها فلا تقول: جاء زيد الراكب إذ لا يصح جاء زيد إن ركب:

ومصدر منكر حالا يقع ... بكثرة كبغتة زيد طلع 1 حق الحال أن يكون وصفا وهو ما دل على معنى وصاحبه كقائم وحسن ومضروب فوقوعها مصدرا على خلاف الأصل إذ لا دلالة فيه على صاحب المعنى.

وقد كثر مجيء الحال مصدرا نكرة ولكنه ليس بمقيس لمجيئه على خلاف الأصل ومنه زيد طلع بغتة فبغتة مصدر نكرة وهو منصوب على الحال والتقدير زيد طلع باغتا هذا مذهب سيبويه والجمهور.

وذهب الأخفش والمبرد إلى أنه منصوب على المصدرية والعامل فيه محذوف والتقدير طلع زيد يبغت بغتة فيبغت عندهما هو الحال لا بغتة.
وذهب الكوفيون إلى أنه منصوب على المصدرية كما ذهبا إليه ولكن الناصب له عندهم الفعل المذكور وهو طلع لتأويله بفعل من لفظ المصدر والتقدير

في قولك زيد طلع بغتة زيد بغت بغتة فيؤولون طلع ببغت وينصبون به بغتة.
ولم ينكر غالبا ذو الحال إن ... لم يتأخر أو يخصص أو يبن 1

من بعد نفي أو مضاهيه كلا ... يبغ امرؤ على امرئ مستسهلا 1 حتى صاحب الحال أن يكون معرفة ولا ينكر في الغالب إلا عند وجود مسوغ وهو أحد أمور: 2

منها: أن يتقدم الحال على النكرة نحو فيها قائما رجل وكقول الشاعر وأنشده سيبويه: 1 - وبالجسم مني بينا لو علمته ... شحوب وإن تستشهدي العين تشهد وكقوله: 2 - وما لام نفسي مثلها لي لائم ... ولا سد فقري مثل ما ملكت يدي

فـ"قائما": حال من رجل وبينا حال من شحوب ومثلها حال من لائم.
ومنها: أن تخصص النكرة بوصف أو بإضافة فمثال ما تخصص بوصف قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا﴾ . 1 = اللغة: " لام " عذل، وتقول: لام فلان فلانا لوما وملاما وملامة، إذا عاتبه ووبخه " سد فقري " أراد أغناني عن الحاجة إلى الناس وسؤالهم، شبه الفقر بباب مفتوح يأتيه من ناحيته مالا يجب، فهو في حاجة لايصاده.
المعنى: إن اللوم الذي يكون له الاثر الناجع في رجوع الانسان عما استوجب اللوم عليه هو لوم الانسان نفسه، لان ذلك يدل على شعوره بالخطأ، وإن ما في يد الانسان من المال لاقرب منالا له مما في أيدي الناس.
الاعراب: " وما " نافية " لام " فعل ماض " نفسي " نفس: مفعول به تقدم على الفاعل، ونفس مضاف وياء المتكلم مضاف إليه " مثلها " مثل: حال من " لائم " الآتي، ومثل مضاف وها مضاف إليه، و" مثل " من الالفاظ التي لا تستفيد بالاضافة تعريفا " لي " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من لائم الآتي " لائم " فاعل لام " ولا " الواو عاطفة، لا زائدة لتأكيد النفي " سد " فعل ماض، " فقري " فقر: مفعول به لسد تقدم على الفاعل، وفقر مضاف وياء المتكلم مضاف إليه " مثل " فاعل لسد، ومثل مضاف، و" ما " اسم موصول مضاف إليه " ملكت " ملك: فعل ماض، والتاء للتأنيث " يدي " يد: فاعل ملكت، ويد مضاف وياء المتكلم مضاف إليه، والجملة من ملك وفاعله لا محل لها صلة الموصول، والعائد محذوف، والتقدير: مثل الذي ملكته يدي.
الشاهد فيه: قوله " مثلها لي لائم " حيث جاءت الحال - وهي قوله " مثلها "، و" لي " - من النكرة - وهي قوله " لائم " - والذي سوغ ذلك تأخر النكرة عن الحال.

وكقول الشاعر: 1 - نجيت يا رب نوحا واستجبت له ... في فلك ماخر في اليم مشحونا وعاش يدعو بآيات مبينة ... في قومه ألف عام غير خمسينا = واحد من الامور الثلاثة التي يأتي بيانها في هذا الباب، وليس واحد منها بموجود هنا.
وأجيب بأنا لا نسلم أن الامور الثلاثة غير موجودة في هذا المثال، بل المضاف الذي هو لفظ " كل " كالجزء من المضاف إليه الذي هو لفظ " أمر " في صحة الاستغناء به عنه، وذلك لان لفظ كل بمعنى الامر، إذ المعلوم أن لفظ كل بحسب ما يضاف إليه.
ومن العلماء من جعل أمرا الثاني حالا من كل، وتصلح الآية للاستدلال بها لما نحن بصدده، لان " كل أمر " نكرة، إذ المضاف إليه نكرة، ومنهم من جعل أمرا حالا من الضمير المستتر في حكيم، ومنهم من جعله حالا من الضمير الواقع مفعولا، أي مأمورا به.

ومثال ما تخصص بالإضافة قوله تعالى في أربعة أيام سواء للسائلين.
ومنها: أن تقع النكرة بعد نفي أو شبهه وشبه النفي هو الاستفهام والنهي وهو المراد بقوله أو يبن من بعد نفي أو مضاهيه فمثال ما وقع بعد النفي قوله: 1-ما حم من موت حمى واقيا ... ولا ترى من أحد باقيا = عاطفة، عاش: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى نوح " يدعو " فعل مضارع، وفيه ضمير مستتر جوازا تقديره هو يعود إلى نوح فاعل، والجملة في محل نصب حال " بآيات " جار ومجرور متعلق بيدعو " مبينة " صفة لآيات " في قومه " الجار والمجرور متعلق بعاش، وقوم مضاف والضمير العائد إلى نوح مضاف إليه " ألف " مفعول فيه ناصبه عاش، وألف مضاف و" عام " مضاف إليه " غير " منصوب على الاستثناء أو على الحال، وغير مضاف و" خمسينا مضاف إليه، مجرور بالياء لانه ملحق بجمع المذكر السالم، والالف في آخره للاطلاق.
الشاهد فيه: قوله " مشحونا " حيث وقع حالا من النكرة، وهي قوله " فلك " والذي سوغ مجئ الحال من النكرة أنها وصفت بقوله " ماخر " فقربت من المعرفة.

ومنه: قوله تعالى 1 : ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ فـ "لها كتاب" جملة في موضع الحال من قرية وصح مجيء الحال من النكرة لتقدم النفي عليها ولا يصح كون الجملة صفة لقرية خلافا للزمخشري لأن الواو لا تفصل بين الصفة والموصوف وأيضا وجود إلا مانع من ذلك إذ لا يعترض بإلا بين الصفة والموصوف وممن صرح بمنع ذلك: أبو الحسن الأخفش في المسائل وأبو علي الفارسي في التذكرة.
ومثال ما وقع بعد الاستفهام قوله: 185- يا صاح هل حم عيش باقيا فترى ... لنفسك العذر في إبعادها الأملا2 = الشاهد فيه: قوله " واقيا " و" باقيا " حيث وقع كل منهما حالا من النكرة، وهي " حمى " بالنسبة ل " واقيا " و" أحد " بالنسبة ل " باقيا " والذي سوغ ذلك أن النكرة مسبوقة بالنفي في الموضعين.
وإنما يكون الاستشهاد بقوله باقيا إذا جعلنا " ترى " بصرية، لانها تحتاج حينئذ إلى مفعول واحد، وقد استوفته، فالمنصوب الآخر يكون حالا، أما إذا جعلت " ترى " علمية فإن قوله " باقيا " يكون مفعولا ثانيا، كما بيناه في الاعراب.

ومثال ما وقع بعد النهي قول المصنف لا يبغ امرؤ على امرئ مستسهلا وقول قطري بن الفجاءة: 1- لا يركنن أحد إلى الإحجام ... يوم الوغى متخوفا لحمام = " حم " فعل ماض مبني للمجهول " عيش " نائب فاعل حم " باقيا " حال من عيش " فترى " الفاء فاء السببية، ترى: فعل مضارع منصوب تقديرا بأن مضمرة بعد الفاء، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " لنفسك " الجار والمجرور متعلق بترى وهو المفعول الثاني قدم على المفعول الاول، ونفس مضاف وضمير المخاطب مضاف إليه " العذر " مفعول أول لترى " في إبعادها " الجار والمجرور متعلق بالعذر، وإبعاد مضاف، وها: مضاف إليه، وهي من إضافة المصدر إلى فاعله " الاملا " مفعول به للمصدر.
الشاهد فيه: قوله " باقيا " حيث وقع حالا من النكرة وهي قوله " عيش " والذي سوغ مجئ الحال منها وقوعها بعد الاستفهام الانكاري الذي يؤدي معنى النفي.

واحترز بقوله غالبا مما قل مجيء الحال فيه من النكرة بلا مسوغ من المسوغات المذكورة ومنه قولهم مررت بماء قعدة رجل 1 وقولهم عليه مائة بيضا 2 وأجاز سيبويه فيها رجل قائما وفي الحديث صلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قاعدا وصلى وراءه رجال قياما 3 . وسبق حال ما بحرف جر قد ... أبوا ولا أمنعه فقد ورد 4

مذهب جمهور النحويين أنه لا يجوز تقديم الحال على صاحبها المجرور بحرف 1 فلا تقول في مررت بهند جالسة مررت جالسة بهند.
وذهب الفارسي وابن كيسان وابن برهان إلى جواز ذلك وتابعهم المصنف لورود السماع بذلك ومنه قوله: 187 - لئن كان برد الماء هيمان صاديا ... إلي حبيبا إنها لحبيب2 = ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، والهاء مفعول به " فقد " الفاء للتعليل، وقد: حرف تحقيق " ورد " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى سبق حال، وتقدير البيت: وقد أبى النحاة أن يسبق الحال صاحبه الذي جر بالحرف، ولا أمنع ذلك، لانه وارد في كلام العرب.

فـ"هيمان وصاديا": حالان من الضمير المجرور بإلى وهو الياء وقوله: 1 - فإن تك أذواد أصبن ونسوة ... فلن يذهبوا فرغا بقتل حبال فـ"فرغا" حال من قتل.
= حالان من ياء التكلم المجرورة محلا بإلى " إلى " جار ومجرور متعلق بقوله حبيبا الآتي " حبيبا " خبر كان " إنها " إن: حرف توكيد ونصب، وها: اسمه " لحبيب " اللام لام الابتداء، حبيب: خبر إن، والجملة من إن واسمها وخبرها جواب القسم، وجواب الشرط محذوف يدل عليه جواب القسم.
الشاهد فيه: قوله " هيمان صاديا " حيث وقعا حالين من الياء المجرورة محلا بإلى، وتقدما عليها كما أوضحناه في الاعراب.

وأما تقديم الحال على صاحبها المرفوع والمنصوب فجائز نحو جاء ضاحكا زيد وضربت مجردة هندا.
ولا تجز حالا من المضاف له ... إلا إذا اقتضى المضاف عمله 1 أو كان جزء ما له أضيفا ... أو مثل جزئه فلا تحيفا 2 ناصبة " يذهبوا " فعل مضارع منصوب بلن، وعلامة نصبه حذف النون، وواو الجماعة فاعل " فرغا " حال من " قتل " الآتي " بقتل " جار ومجرور متعلق بيذهب، وقتل مضاف، و" حبال " مضاف إليه.
الشاهد فيه: قوله " فرغا " حيث وقع حالا من " قتل " المجرور بالباء وتقدم عليه.

لا يجوز مجيء الحال من المضاف إليه 1 إلا إذا كان المضاف مما يصح عمله في الحال كاسم الفاعل والمصدر ونحوهما مما تضمن معنى الفعل فتقول هذا ضارب هند مجردة وأعجبني قيام زيد مسرعا ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً﴾ ومنه قول الشاعر: تقول ابنتى: إن انطلاقك واحدا ... إلى الروع يوما تاركي لا أباليا2

وكذلك يجوز مجيء الحال من المضاف إليه إذا كان المضاف جزءا من المضاف إليه أو مثل جزئه في صحة الاستغناء بالمضاف إليه عنه فمثال ما هو جزء من المضاف إليه قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً﴾ ف إخوانا حال من الضمير المضاف إليه صدور والصدور جزء من المضاف إليه ومثال ما هو مثل جزء المضاف إليه في صحة الاستغناء بالمضاف إليه عنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيم َحَنِيفاً﴾ فـ"حنيفا" حال من = اللغة: " الروع " الفزع، والمخافة، وأراد به ههنا الحرب، لان الخوف يتسبب عنها، فهو من باب إطلاق اسم المسبب وإرادة السبب " تاركي " اسم فاعل من ترك بمعنى صير.
المعنى: إن ابنتي تقول لي: إن ذهابك إلى القتال منفردا يصيرني لا محالة بلا أب، لانك تقتحم لظاها فتموت.
الاعراب: " تقول " فعل مضارع " ابنتي " ابنة: فاعل تقول، وابنة مضاف وياء المتكلم مضاف إليه " إن " حرف توكيد ونصب " انطلاقك " انطلاق: اسم إن، وانطلاق مضاف والكاف مضاف إليه من إضافة المصدر إلى فاعله " واحدا " حال من الكاف التي هي ضمير المخاطب " إلى الحرب " جار ومجرور متعلق بانطلاق " تاركي " تارك: خبر إن، وتارك مضاف وياء المتكلم مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل إلى أحد مفعوليه، وفيه ضمير مستتر فاعل " لا " نافية للجنس " أبا " اسمها " ليا " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لا، والجملة من لا ومعموليها في محل نصب مفعول ثان لتارك، ويجوز أن يكون " أبا " اسم لا منصوبا بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، واللام في " ليا " زائدة، وياء المتكلم مضاف إليه، وخبر لا محذوف، وكأنه قال: لا أبي موجود.
الشاهد فيه: قوله " واحدا " حيث وقع حالا من المضاف إليه - وهو الكاف في قوله " انطلاقك " - والذي سوغ هذا أن المضاف إلى الكاف مصدر يعمل عمل الفعل، فهو يتطلب فاعلا كما يتطلبه فعله الذي هو انطلق، وهذه الكاف هي الفاعل، فكان المضاف عاملا في المضاف إليه، ويصح أن يعمل في الحال لانه مصدر على ما علمت.

إبراهيم والملة كالجزء من المضاف إليه إذ يصح الاستغناء بالمضاف إليه عنها فلو قيل في غير القرآن أن اتبع إبراهيم حنيفا لصح.
فإن لم يكن المضاف مما يصح أن يعمل في الحال ولا هو جزء من المضاف إليه ولا مثل جزئه لم يجز أن يجيء الحال منه فلا تقول جاء غلام هند ضاحكة خلافا للفارسي وقول ابن المصنف رحمه الله تعالى إن هذه الصورة ممنوعة بلا خلاف ليس بجيد فإن مذهب الفارسي جوازها كما تقدم وممن نقله عنه الشريف أبو السعادات ابن الشجري في أماليه.
والحال إن ينصب بفعل صرفا ... أو صفة أشبهت المصرفا 1 فجائز تقديمه ك مسرعا ... ذا راحل ومخلصا زيد دعا 2

يجوز تقديم الحال على ناصبها إن كان فعلا متصرفا أو صفة تشبه الفعل المتصرف والمراد بها ما تضمن معنى الفعل وحروفه وقبل التأنيث والتثنية والجمع كاسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة 1 فمثال تقديمها على الفعل المتصرف مخلصا زيد دعا فدعا فعل متصرف وتقدمت عليه الحال ومثال تقديمها على الصفة المشبهة له مسرعا ذا راحل.
فإن كان الناصب لها فعلا غير متصرف لم يجز تقديمها عليه فتقول ما أحسن زيدا ضاحكا ولا تقول ضاحكا ما أحسن زيدا لأن فعل التعجب غير متصرف في نفسه فلا يتصرف في معموله وكذلك إن كان = في محل جزم جواب الشرط، وجملة الشرط وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو " الحال " في أول البيت السابق " كمسرعا " الكاف جارة لقول محذوف، مسرعا: حال مقدم على عامله وهو " راحل " الآتي " ذا " مبتدأ " راحل " خبر المبتدأ، وفيه ضمير مستتر جوازا تقديره هو فاعل، وهو صاحب الحال " ومخلصا " حال مقدم على عامله، وهو " دعا " الآتي " زيد " مبتدأ، وجملة " دعا " وفاعله المستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى زيد في محل رفع خبر.

الناصب لها صفة لا تشبه الفعل المتصرف كأفعل التفضيل لم يجز تقديمها عليه وذلك لأنه لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث فلم يتصرف في نفسه فلا يتصرف في معموله فلا تقول زيد ضاحكا أحسن من عمرو بل يجب تأخير الحال فتقول زيد أحسن من عمرو ضاحكا 1 . وعامل ضمن معنى الفعل لا ... حروفه مؤخرا لن يعملا 2 كـ "تلك ليت وكأن" وندر ... نحو سعيد مستقرا في هجر 3 لا يجوز تقديم الحال على عاملها المعنوي وهو ما تضمن معنى الفعل دون حروفه كأسماء الإشارة وحروف التمني والتشبيه والظرف والجار

والمجرور 1 نحو تلك هند مجردة وليت زيدا أميرا أخوك وكأن زيدا راكبا أسد وزيد في الدار أو عندك قائما فلا يجوز تقديم الحال على عاملها المعنوي في هذه المثل ونحوها فلا تقول مجردة تلك هند ولا أميرا ليت زيدا أخوك ولا راكبا كأن زيدا أسد.
وقد ندر تقديمها على عاملها الظرف نحو: زيد قائما عندك والجار والمجرور

نحو: سعيد مستقرا في هجر ومنه قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ 1 ﴾ في قراءة من كسر التاء وأجازه الأخفش قياسا.
ونحو: زيد مفردا أنفع من ... عمرو معانا مستجاز لن يهن 2 تقدم أن أفعل التفضيل لا يعمل في الحال متقدمة واستثنى من ذلك هذه المسألة وهي: ما إذا فضل شيء في حال على نفسه أو غيره في حال أخرى فإنه يعمل في حالين إحداهما متقدمة عليه والأخرى متأخرة عنه وذلك نحو زيد قائما أحسن منه قاعدا وزيد مفردا أنفع من عمرو معانا ف قائما ومفردا منصوبان بأحسن وأنفع وهما حالان وكذا قاعدا ومعانا وهذا مذهب الجمهور.

وزعم السيرافي أنهما خبران منصوبان بكان المحذوفة والتقدير زيد إذا كان قائما أحسن منه إذا كان قاعدا وزيد إذا كان مفردا أنفع من عمرو إذا كان معانا.
ولا يجوز تقديم هذين الحالين على أفعل التفضيل ولا تأخيرهما عنه فلا تقول زيد قائما قاعدا أحسن منه ولا تقول زيد أحسن منه قائما قاعدا.
والحال قد يجيء ذا تعدد ... لمفرد فاعلم وغير مفرد 1 يجوز تعدد الحال وصاحبها مفرد 2 أو متعدد.
فمثال الأول: جاء زيد راكبا ضاحكا ف راكبا وضاحكا حالان من زيد والعامل فيهما جاء.
ومثال الثاني: لقيت هندا مصعدا منحدرة ف مصعدا حال من التاء ومنحدرة حال من هند والعامل فيهما لقيت ومنه قوله: 190 - لقي ابني أخويه خائفا ... منجديه فأصابوا مغنما3

فـ"خائفا" حال من "ابني" و"منجديه" حال من أخويه والعامل فيهما لقي.
فعند ظهور المعنى ترد كل حال إلى ما تليق به وعند عدم ظهوره يجعل أول الحالين لثاني الاسمين وثانيهما لأول الاسمين ففي قولك لقيت زيدا مصعدا منحدرا يكون مصعدا حالا من زيد ومنحدرا حالا من التاء.
وعامل الحال بها قد أكدا ... في نحو: لا تعث في الأرض مفسدا 1 = اللغة: " منجديه " مغيثيه، وهو مثنى منجد، ومنجد: اسم فاعل ماضيه أنجد، وتقول: أنجد فلان فلانا، إذا أغاثه وعاونه ودفع عنه المكروه " أصابوا " نالوا وأدركوا " مغنما " غنيمة.
الاعراب: " لقي " فعل ماض " ابني " ابن: فاعل لقي، وابن مضاف وياء المتكلم مضاف إليه " أخويه " مفعول به للقي، والهاء مضاف إليه " خائفا " حال من ابني " منجديه " حال من أخويه " فأصابوا " الفاء عاطفة، أصابوا: فعل وفاعل " مغنما " مفعول به لاصابوا، والجملة من أصاب وفاعله ومفعوله معطوفة بالفاء على جملة لقي ومعمولاته.
الشاهد فيه: قوله " خائفا منجديه " فإن الحال متعددة لمتعدد، والنظرة الاولى تدل على صاحب كل حال فترده إليه، فإن واحدا من الحالين مفرد والآخر مثنى، وكذلك صاحباهما، فلا لبس عليك في أن تجعل المفرد للمفرد والمثنى للمثنى.

تنقسم الحال إلى مؤكده وغير مؤكدة فالمؤكدة على قسمين وغير المؤكدة ما سوى القسمين.
فالقسم الأول: من المؤكدة ما أكدت عاملها وهي المراد بهذا البيت وهي كل وصف دل على معنى عامله وخالفه لفظا وهو الأكثر أو وافقه لفظا وهو دون الأول في الكثرة فمثال الأول لا تعث في الأرض مفسدا ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً﴾ وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾ . وإن تؤكد جملة فمضمر ... عاملها ولفظها يؤخر 1 هذا هو القسم الثاني: من الحال المؤكدة وهي ما أكدت مضمون الجملة = وجوبا تقديره أنت " في الارض " جار ومجرور متعلق بتعث " مفسدا " حال من الضمير المستتر في " تعث " وهو حال مؤكدة للعامل وهو " تعث " وجملة " تعث في الارض مفسدا " في محل جر بإضافة نحو إليها.

وشرط الجملة: أن تكون اسمية وجزآها معرفتان جامدان نحو زيد أخوك عطوفا وأنا زيد معروفا ومنه قوله: أنا ابن دارة معروفا بها نسبي ... وهل بدارة با للناس من عار؟ فـ "عطوفا ومعروفا" حالان وهما منصوبان بفعل محذوف وجوبا والتقدير في الأول أحقه عطوفا وفي الثاني أحق معروفا.
ولا يجوز تقديم هذه الحال على هذه الجملة فلا تقول عطوفا زيد أخوك ولا معروفا أنا زيد ولا توسطها بين المبتدأ والخبر فلا تقول زيد عطوفا أخوك.1

وموضع الحال تجيء جمله ... كـ "جاء زيد وهو ناو رحله 1 " الأصل في الحال والخبر والصفة الإفراد وتقع الجملة موقع الحال كما تقع موقع الخبر والصفة ولا بد فيها من رابط وهو في الحالية إما ضمير نحو جاء زيد يده على رأسه أو واو وتسمى واو الحال وواو الابتداء وعلامتها صحة وقوع 2 إذ موقعها نحو جاء زيد وعمرو قائم التقدير إذ عمرو قائم أو الضمير والواو معا نحو جاء زيد وهو ناو رحلة.

وذات بدء بمضارع ثبت ... حوت ضميرا ومن الواو خلت 1 وذات واو بعدها انو مبتدا ... له المضارع اجعلن مسندا 2 الجملة الواقعة حالا: إن صدرت بمضارع مثبت لم يجز أن تقترن بالواو بل لا تربط إلا بالضمير نحو جاء زيد يضحك وجاء عمرو تقاد الجنائب بين يديه ولا يجوز دخول الواو فلا تقول جاء زيد ويضحك.
فإن جاء من لسان العرب ما ظاهره ذلك أول على إضمار مبتدأ بعد الواو ويكون المضارع خبرا عن ذلك المبتدأ وذلك نحو قولهم قمت وأصك عينه وقوله: 192 - فلما خشيت أظافيرهم ... نجوت وأرهنهم مالكا3

فـ"أصك، وأرهنهم" خبران لمبتدأ محذوف والتقدير وأنا أصك وأنا أرهنهم.
وجملة الحال سوى ما قدما ... بواو أو بمضمر أو بهما 1 = اللغة: " أظافيرهم " جمع أظفور بزنة عصفور والمراد هنا منه الاسلحة " نجوت " أراد تخلصت منهم.
الاعراب: " فلما " الفاء للعطف على ما قبله، لما: ظرف بمعنى حين متعلق بنجوت الآتي، وهو متضمن معنى الشرط " خشيت " فعل وفاعل " أظافيرهم " أظافير: مفعول به لخشيت، وأظافير مضاف وهم: مضاف إليه، والجملة من الفعل وفاعله ومفعوله في محل جر بإضافة " لما " الظرفية إليها " نجوت " فعل وفاعل، والجملة جواب " لما " الظرفية بما تضمنته من معنى الشرط " وأرهنهم " الواو واو الحال، أرهن: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، هم: مفعول أول لارهن، والجملة في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: وأنا أرهنهم، والجملة من المبتدأ وخبره في محل نصب حال " مالكا " مفعول ثان لارهن.
الشاهد فيه: قوله " وأرهنهم " حيث إن ظاهره ينبئ عن أن المضارع المثبت تقع جملته حالا، وتسبق بالواو، وذلك الظاهر غير صحيح، ولهذا قدرت جملة المضارع خبرا لمبتدأ محذوف كما فصلناه في الاعراب.

الجملة الحالية: إما أن تكون اسمية أو فعلية والفعل إما مضارع أو ماض وكل واحدة من الاسمية والفعلية إما مثبتة أو منفية وقد تقدم أنه إذا صدرت الجملة بمضارع مثبت لا تصحبها الواو بل لا تربط إلا بالضمير فقط 1 وذكر في هذا البيت أن ما عدا ذلك يجوز فيه أن يربط بالواو

جارٍ التحميل