شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالكصفحات 228-260

الابتداء

صفحات 228-260
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عقيل
الكتاب
شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك
المؤلف
ابن عقيل، عبد الله بن عبد الرحمن العقيلي الهمداني المصري (المتوفى: 769هـ)
المحقق
محمد محيي الدين عبد الحميد
الناشر
دار التراث - القاهرة، دار مصر للطباعة، سعيد جودة السحار وشركاه
الطبعة
العشرون 1400 هـ - 1980 م
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وأول مجلدين، مذيلان بحاشية: منحة الجليل، بتحقيق شرح ابن عقيل]

الكوفيين منع تقدم الخبر الجائز التأخير عند البصريين وفيه نظر 1 فإن بعضهم نقل الإجماع من البصريين والكوفيين على جواز في داره زيد فنقل المنع عن الكوفيين مطلقا ليس بصحيح هكذا قال بعضهم وفيه بحث (1) نعم منع الكوفيون التقديم في مثل زيد قائم وزيد قام أبوه

وزيد أبوه منطلق والحق الجواز إذ لا مانع من ذلك وإليه أشار بقوله وجوزوا التقديم إذ لا ضررا فتقول قائم زيد ومنه قولهم مشنوء من يشنؤك فمن مبتدأ ومشنوء خبر مقدم وقام أبوه زيد ومنه قوله: 1 - قد ثكلت أمه من كنت واحده ... وبات منتشبا في برثن الأسد فمن كنت واحده مبتدأ مؤخر وقد ثكلت أمه: خبر مقدم وأبوه منطلق زيد ومنه قوله:

1 - إلى ملك ما أمه من محارب ... أبوه ولا كانت كليب تصاهره فأبوه مبتدأ مؤخر وهو ما أمه من محارب خبر مقدم.

ونقل الشريف أبو السعادات هبة الله بن الشجري الإجماع من البصريين والكوفيين على جواز تقديم الخبر إذا كان جملة وليس بصحيح وقد قدمنا نقل الخلاف في ذلك عن الكوفيين.
فامنعه حين يستوي الجزآن ... عرفا ونكرا عادمي بيان 1 كذا إذا ما الفعل كان الخبرا ... أو قصد استعماله منحصرا 2 = التعقيد اللفظي الذي سببه التقديم والتأخير، ومثله في ذلك قول الفرزدق أيضا يمدح إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي وهو خال هشام بن عبد الملك بن مروان: وما مثله في الناس إلا مملكا أبو أمه حي أبوه يقاربه التقدير: وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملكا أبو أمه أبوه.

أو كان مسندا لذي لام ابتدا ... أو لازم الصدر كمن لي منجدا 1 ينقسم الخبر بالنظر إلى تقديمه على المبتدأ أو تأخيره عنه ثلاثة أقسام قسم يجوز فيه التقديم والتأخير وقد سبق ذكره وقسم يجب فيه تأخير الخبر وقسم يجب فيه تقديم الخبر.
فأشار بهذه الأبيات إلى الخبر الواجب التأخير فذكر منه خمسة مواضع: الأول: أن يكون كل من المبتدأ والخبر معرفة أو نكرة صالحة لجعلها مبتدأ ولا مبين للمبتدأ من الخبر نحو زيد أخوك وأفضل من زيد أفضل من عمرو ولا يجوز تقديم الخبر في هذا ونحوه لأنك لو قدمته فقلت أخوك زيد وأفضل من عمرو أفضل من زيد لكان المقدم مبتدأ 2 (2) وأنت = لها مفسرة " أو " عاطفة " قصد " فعل ماض مبني للمجهول " استعماله " استعمال: نائب فاعل قصد، واستعمال مضاف والضمير مضاف إليه " منحصرا " حال من المضاف إليه لان المضاف عامل فيه.

تريد أن يكون خبرا من غير دليل يدل عليه فإن وجد دليل يدل على أن المتقدم خبر جاز كقولك أبو يوسف أبو حنيفة فيجوز تقدم الخبر وهو أبو حنيفة لأنه معلوم أن المراد تشبيه أبي يوسف بأبي حنيفة ولا تشبيه أبي حنيفة بأبي يوسف ومنه قوله: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد1 - بأن كانا جامدين، أو كان كلاهما مشتقا - فالمقدم مبتدأ، والرابع: أن المبتدأ هو الاعرف عند المخاطب سواء أتقدم أم تأخر، فإن تساويا عنده فالمقدم هو المبتدأ.

فقوله بنونا خبر مقدم وبنو أبنائنا مبتدأ مؤخر لأن المراد الحكم على بني أبنائهم بأنهم كبنيهم وليس المراد الحكم على بنيهم بأنهم كبني أبنائهم.
والثاني: أن يكون الخبر فعلا رافعا لضمير المبتدأ مستترا نحو زيد قام فقام وفاعله المقدر 1 خبر عن زيد ولا يجوز التقديم فلا يقال قام زيد على أن يكون زيد مبتدأ مؤخرا والفعل خبرا مقدما بل يكون زيد فاعلا لقام فلا يكون من باب المبتدأ والخبر بل من باب الفعل والفاعل فلو كان الفعل رافعا لظاهر - نحو: زيد قام أبوه - جاز التقديم فتقول: = فكان ينبغي أن يستشهد بما أنشده في شرح التسهيل من قول حسان بن ثابت: قبيلة ألام الاحياء أكرمها وأغدر الناس بالجيران وافيها إذ المراد الاخبار عن أكرمها بأنه ألام الاحياء، وعن وافيها بأنه أغدر الناس، (") ؟ لا العكس " اه كلام ابن هشام.
والجواب عنه من وجهين، أحدهما: أن التشبيه المقلوب من الامور النادرة، والحمل على ما يندر وقوعه لمجرد الاحتمال مما لا يجوز أن يصار إليه، وإلا فإن كل كلام يمكن تطريق احتمالات بعيدة إليه، فلا تكون ثمة طمأنينة على إفادة غرض المتكلم بالعبارة، وثانيهما: أن ما ذكره في بيت حسان من أن الغرض الاخبار عن أكرم هذه القبيلة بأنه ألام الاحياء وعن أوفى هذه القبيلة بأنه أغدر الاحياء، هذا نفسه يجري في بيت الشاهد فيقال: إن غرض المتكلم الاخبار عن أبناء أبنائهم بأنهم يشبهون أبناءهم، وليس الغرض أن يخبر عن بنيهم بأنهم يشبهون بني أبنائهم، فلما صح أن يكون غرض المتكلم معينا للمبتدأ صح الاستشهاد ببيت الشاهد.
ومثل بيت الشاهد قول الكميت بن زيد الاسدي: كلام النبيين الهداة كلامنا وأفعال أهل الجاهلية نفعل فإن الغرض تشبيه كلامهم بكلام النبيين الهداة، لا العكس.

قام أبوه زيد وقد تقدم ذكر الخلاف في ذلك 1 وكذلك يجوز التقديم إذا رفع الفعل ضميرا بارزا نحو الزيدان قاما فيجوز أن تقدم الخبر فتقول قاما الزيدان ويكون الزيدان مبتدأ مؤخرا وقاما خبرا مقدما ومنع ذلك قوم.
وإذا عرفت هذا فقول المصنف كذا إذا ما الفعل كان الخبر يقتضي وجوب تأخير الخبر الفعلي مطلقا وليس كذلك بل إنما يجب تأخيره إذا رفع ضميرا للمبتدأ مستترا كما تقدم.
الثالث: أن يكون الخبر محصورا بإنما نحو إنما زيد قائم أو بإلا نحو ما زيد إلا قائم وهو المراد بقوله أو قصد استعماله منحصرا فلا يجوز تقديم قائم على زيد في المثالين وقد جاء التقديم مع إلا شذوذا كقول الشاعر: 52 - فيارب هل إلا بك النصر يرتجى ... عليهم وهل إلا عليك المعول2

الأصل وهل المعول إلا عليك فقدم الخبر.
الرابع: أن يكون خبرا لمبتدأ قد دخلت عليه لام الابتداء نحو لزيد قائم وهو المشار إليه بقوله أو كان مسندا لذي لام ابتدا فلا يجوز تقديم الخبر = الاعراب: " يا رب " يا: حرف نداء، رب: منادى منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة اكتفاء بكسر ما قبلها " هل " حرف استفهام إنكاري دال على النفي " إلا " أداة استثناء ملغاة " بك " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " النصر " مبتدأ مؤخر " يرتجى " فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على " النصر " ويجوز أن يكون " بك " متعلقا بقوله يرتجى، وجملة يرتجى مع نائب فاعله المستتر فيه في محل رفع خبر " عليهم " جار ومجرور متعلق في المعنى بالنصر ولكن الصناعة تأباه، لما يلزم عليه من الفصل بين العامل ومعموله بأجنبي، لهذا يجعل متعلقا بيرتجى " وهل " حرف استفهام تضمن معنى النفي " إلا " أداة استثناء ملغاة " عليك " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " المعول " مبتدأ مؤخر.
الشاهد فيه: قوله " بك النصر " و" عليك المعول " حيث قدم الخبر المحصور بإلا في الموضعين شذوذا، وقد كان من حقه أن يقول: هل يرتجى النصر إلا بك، وهل المعول إلا عليك، وأنت خبير بأن الاستشهاد بقوله: " بك النصر " لا يتم إلا على اعتبار أن الجار والمجرور خبر مقدم، والنصر مبتدأ مؤخر، فأما على اعتبار أن الخبر هو جملة " يرتجى " فلا شاهد في الجملة الاولى من البيت لما نحن فيه، ويكون الشاهد في الجملة الثانية وحدها.
وعبارة الشارح تفيد ذلك، فإنه ترك ذكر الاستشهاد بالجملة الاولى لاحتمالها وجها آخر، وقد علمت أن الدليل إذا احتمل وجها آخر سقط الاستدلال به، والحكم بشذوذ هذا التقديم إطلاقا - كما ذكره الشارح - هو رأي جماعة النحاة، فأما علماء البلاغة فيقولون: إن كانت أداة القصر هي " إنما " لم يسغ تقديم الخبر إذا كان مقصورا عليه، وإن كانت إداة القصر " إلا " فإن قدمت الخبر وقدمت معه إلا كما في هذه العبارة صح التقديم، لان المعنى المقصود لا يضيع، إذ تقديم " إلا " معه يبين المراد.

على اللام فلا تقول قائم لزيد لأن لام الابتداء لها صدر الكلام وقد جاء التقديم شذوذا كقول الشاعر: 1 - خالي لأنت ومن جرير خاله ... ينل العلاء ويكرم الأخوالا فلأنت مبتدأ مؤخر وخالي خبر مقدم.

الخامس: أن يكون المبتدأ له صدر الكلام كأسماء الاستفهام نحو من لي منجدا فمن مبتدأ ولي خبر ومنجدا حال ولا يجوز تقديم الخبر على من فلا تقول لي من منجدا.
= الشاهد فيه: في هذا البيت ثلاثة شواهد للنحاة: الاول: في قوله " ينل العلاء " فإن هذا فعل مضارع لم يسبقه ناصب ولا جازم، وقد كان من حقه أن يجئ به الشاعر مرفوعا فيقول " ينال العلاء " ولكنه جاء به مجزوما، فحذف عين الفعل كما يحذفها في " لم بخف " ونحوه، والحامل له على الجزم تشبيه الموصول بالشرط كما شبهه الشاعر به حيث يقول: كذاك الذي يبغي على الناس ظالما تصبه على رغم عواقب ما صنع وليس لك أن تزعم أن من في قوله " من جرير خاله " شرطية، فلذلك جزم المضارع في جوابها، لان ذلك يستدعي أن تجعل جملة " جرير خاله " شرطا، وهو غير جائز عند أحد من النحاة، لان جملة الشرط لا تكون اسمية أصلا (وانظر - مع ذلك - شرح الشاهد رقم 58 الآتي) . والشاهد الثاني: في قوله " ويكرم الاخوالا " فإنه تمييز، وقد جاء به معرفة، وهذا يدل للكوفيين الذين يرون جواز مجئ التمييز معرفة، والبصريون يقولون: أل في هذا زائدة لا معرفة، والشاهد الثالث: - وهو الذي من أجله أنشد الشارح هذا البيت هنا - في قوله " خالي لانت " حيث قدم الخبر مع أن المبتدأ متصل بلام الابتداء، شذوذا، وفي البيت توجيهات أخرى أشرنا إلى أحدها في الاعراب، والثاني: أنه أراد " لخالي أنت " فأخر اللام إلى الخبر ضرورة، والثالث: أن يكون أصل الكلام " خالي لهو أنت " فخالي: مبتدأ أول، والضمير مبتدأ ثان، وأنت: خبر الثاني، فحذفت الضمير، فاتصلت اللام بخبره مع أنها لا تزال في صدر ما ذكر من جملتها.
ومثل هذا البيت في هذين التوجيهين قول الراجز: أم الحليس لعجوز شهربه ترضى من اللحم بعظم الرقبه

ونحو عندي درهم ولي وطر ... ملتزم فيه تقدم الخبر 1 كذا إذا عاد عليه مضمر ... مما به عنه مبينا يخبر 2 كذا إذا يستوجب التصديرا ... كأين من علمته نصيرا (3)

وخبر المحصور قدم أبدا ... كما لنا إلا اتباع أحمدا 1 أشار في هذه الأبيات إلى القسم الثالث وهو وجوب تقديم الخبر فذكر أنه يجب في أربعة مواضع: الأول: أن يكون المبتدأ نكرة ليس لها مسوغ إلا تقدم الخبر والخبر ظرف أو جار ومجرور نحو عندك رجل وفي الدار امرأة فيجب تقديم الخبر هنا فلا تقول رجل عندك ولا امرأة في الدار وأجمع النحاة والعرب على منع ذلك وإلى هذا أشار بقوله ونحو عندي درهم ولي وطر البيت فإن كان للنكرة مسوغ جاز الأمران نحو رجل ظريف عندي وعندي رجل ظريف.
الثاني: أن يشتمل المبتدأ على ضمير يعود على شيء في الخبر نحو في الدار صاحبها فصاحبها مبتدأ والضمير المتصل به راجع إلى الدار وهو جزء من الخبر فلا يجوز تأخير الخبر نحو صاحبها في الدار لئلا يعود الضمير على متأخر لفظا ورتبة.
وهذا مراد المصنف بقوله كذا إذا عاد عليه مضمر البيت أي كذا يجب تقديم الخبر إذا عاد عليه مضمر مما يخبر بالخبر عنه وهو المبتدأ فكأنه قال يجب تقديم الخبر إذا عاد عليه ضمير من المبتدأ وهذه عبارة ابن عصفور في بعض كتبه وليست بصحيحة لأن الضمير في قولك في الدار

صاحبها إنما هو عائد على جزء من الخبر لا على الخبر فينبغي أن تقدر مضافا محذوفا في قول المصنف عاد عليه التقدير كذا إذا عاد على ملابسه ثم حذف المضاف الذي هو ملابس وأقيم المضاف إليه وهو الهاء مقامه فصار اللفظ كذا إذا عاد عليه ومثل قولك في الدار صاحبها قولهم على التمرة مثلها زبدا وقوله: 1 - أهابك إجلالا وما بك قدرة ... علي ولكن ملء عين حبيبها

فحبيبها مبتدأ مؤخر وملء عين خبر مقدم ولا يجوز تأخيره لأن الضمير المتصل بالمبتدأ وهو ها عائد على عين وهو متصل بالخبر فلو قلت حبيبها ملء عين عاد الضمير على متأخر لفظا ورتبة.
وقد جرى الخلاف في جواز ضرب غلامه زيدا 1 مع أن الضمير فيه عائد على متأخر لفظا ورتبة ولم يجر خلاف فيما أعلم في منع صاحبها في الدار فما الفرق بينهما وهو ظاهر فليتأمل والفرق بينهما أن ما عاد عليه الضمير وما اتصل به الضمير اشتركا في العامل في مسألة ضرب غلامه زيدا بخلاف مسألة في الدار صاحبها فإن العامل فيما اتصل به الضمير وما عاد عليه الضمير مختلف.
2 = الشاهد فيه: قوله " ملء عين حبيبها " فإنه قدم الخبر وهو قوله " ملء عين " على المبتدأ - وهو قوله " حبيبها " - لاتصال المبتدأ بضمير يعود على ملابس الخبر، وهو المضاف إليه، فلو قدمت المبتدأ - مع أنك تعلم أن رتبة الخبر التأخير - لعاد الضمير الذي اتصل بالمبتدأ على متأخر لفظا ورتبة، وذلك لا يجوز، لكنك بتقديمك الخبر قد رجعت الضمير على متقدم لفظا وإن كانت رتبته التأخير، وهذا جائز، ولا إشكال فيه.

الثالث: أن يكون الخبر له صدر الكلام وهو المراد بقوله كذا إذا يستوجب التصديرا نحو أين زيد فزيد مبتدأ مؤخر وأين خبر مقدم ولا يؤخر فلا تقول زيد أين لأن الاستفهام له صدر الكلام وكذلك أين من علمته نصيرا فأين خبر مقدم ومن مبتدأ مؤخر وعلمته نصيرا صلة من.
الرابع: أن يكون المبتدأ محصورا نحو إنما في الدار زيد وما في الدار إلا زيد ومثله ما لنا إلا اتباع أحمد.
وحذف ما يعلم جائز كما ... تقول زيد بعد من عندكما 1 = وأيضا فإن الفاعل والفعل المتعدي جميعا يشعران بالمفعول، فكان المفعول كالمتقدم، بخلاف الخبر المتصل بمبتدئه ضمير يعود على ملابسه، فإن المبتدأ إن أشعر بالخبر لم يشعر لما يلابس الخبر الذي هو مرجع الضمير.

وفى جواب كيف زيد قل دنف ... فزيد استغنى عنه إذ عرف 1 يحذف كل من المبتدأ والخبر إذا دل عليه دليل جوازا أو وجوبا فذكر في هذين البيتين الحذف جوازا فمثال حذف الخبر أن يقال من عندكما فتقول زيد التقدير زيد عندنا ومثله في رأي خرجت فإذا السبع التقدير 2 فإذا السبع حاضر قال الشاعر: 55 - نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف التقدير نحن بما عندنا راضون.3

ومثال حذف المبتدأ أن يقال كيف زيد فتقول صحيح أي هو صحيح.
وإن شئت صرحت بكل واحد منهما فقلت زيد عندنا وهو صحيح ومثله قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ أي من عمل صالحا فعمله لنفسه ومن أساء فإساءته عليها.
قيل وقد يحذف الجزآن أعني المبتدأ والخبر للدلالة عليهما كقوله تعالى: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ أي فعدتهن ثلاثة أشهر فحذف المبتدأ والخبر وهو فعدتهن ثلاثة أشهر لدلالة ما قبله عليه وإنما حذفا لوقوعهما موقع مفرد والظاهر أن المحذوف مفرد والتقدير واللائي لم يحضن كذلك وقوله واللائي لم يحضن معطوف على واللائي يئسن والأولى أن يمثل بنحو قولك نعم في جواب أزيد قائم إذ التقدير نعم زيد قائم.
وبعد لولا غالبا حذف الخبر ... حتم وفي نص يمين ذا استقر 1 = وهذا كلام غير سديد، لان نحن - وإن كانت كما زعم المتمحل للمتكلم المعظم لنفسه فمعناها حينئذ مفرد - تجب فيها المطابقة بالنظر إلى لفظها، فيخبر عنها بالجمع، كما في قوله تعالى: (ونحن الوارثون) وما أشبهه.

وبعد واو عينت مفهوم مع ... كمثل كل صانع وما صنع 1 وقبل حال لا يكون خبرا ... عن الذي خبره قد أضمرا 2 كضربي العبد مسيئا وأتم ... تبينى الحق منوطا بالحكم 3 = مبتدأ " استقر " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى اسم الاشارة، والجملة من استقر وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ، وتقدير البيت: وحذف الخبر حتم بعد لولا في غالب أحوالها، وهذا الحكم قد استقر في نص يمين: أي إذا كان المبتدأ يستعمل في اليمين نصا، بحيث لا يستعمل في غيره إلا مع قرينة.

حاصل ما في هذه الأبيات أن الخبر يجب حذفه في أربعة مواضع: الأول: أن يكون خبرا لمبتدأ بعد لولا نحو لولا زيد لأتيتك التقدير لولا زيد موجود لأتيتك واحترز بقوله غالبا عما ورد ذكره فيه شذوذا كقوله: لولا أبوك ولولا قبله عمر ... ألقت إليك معد بالمقاليد فعمر مبتدأ وقبله خبر.1
= (أي وجد، هو: أي العبد) مسيئا " وأتم " الواو عاطفة، أتم: مبتدأ، وأتم مضاف وتبيين من " تبييني " مضاف إليه، وتبيين مضاف، وياء المتكلم مضاف إليه، وهي فاعل له " الحق " مفعول به لتبيين " منوطا " حال من فاعل كان المحذوفة العائد على الحق، على غرار ما قدرناه في العبارة الاولى " بالحكم " جار ومجرور متعلق بقوله منوطا.
والتقدير: أتم تبييني الحق إذا كان (أي وجد، هو: أي الحق) حال كونه منوطا بالحكم.

وهذا الذي ذكره المصنف في هذا الكتاب من أن الحذف بعد لولا واجب إلا قليلا هو طريقة لبعض النحويين والطريقة الثانية أن الحذف واجب دائما 1 وأن ما ورد من ذلك بغير حذف في الظاهر مؤول والطريقة الثالثة أن الخبر إما أن يكون كونا مطلقا أو كونا مقيدا فإن كان كونا مطلقا وجب حذفه نحو لولا زيد لكان كذا أي لولا زيد موجود وإن كان كونا مقيدا فإما أن يدل عليه دليل أولا فإن لم يدل عليه دليل وجب ذكره نحو لولا زيد محسن إلى ما أتيت وإن دل عليه دليل جاز إثباته وحذفه نحو أن يقال هل زيد محسن إليك فتقول لولا زيد لهلكت أي لولا زيد محسن إلي فإن شئت حذفت الخبر وإن شئت أثبته ومنه قول أبي العلاء المعري:

1 - يذيب الرعب منه كل عضب ... فلولا الغمد يمسكه لسالا

وقد اختار المصنف هذه الطريقة في غير هذا الكتاب.
الموضع الثاني: أن يكون المبتدأ نصا في اليمين 1 نحو لعمرك لأفعلن التقدير لعمرك قسمي فعمرك مبتدأ وقسمي خبره ولا يجوز التصريح به قيل ومثله يمين الله لأفعلن التقدير يمين الله قسمي وهذا لا يتعين أن يكون المحذوف فيه خبرا 2 لجواز كونه مبتدأ والتقدير قسمي يمين = مصدر بدل اشتمال من الغمد، وأصله " أن يمسكه " فلما حذف " أن " ارتفع الفعل، كقولهم " تسمع بالمعيدي خير من أن تراه " فيمن رواه برفع " تسمع " من غير " أن ". وحاصل القول في هذه المسألة أن النحاة اختلفوا، هل يكون خبر المبتدأ الواقع بعد لولا كونا خاصا أو لا؟ فقال الجمهور: لا يكون كونا خاصا ألبتة، بل يجب كونه كونا عاما ويجب مع ذلك حذفه، فإن جاء الخبر كونا خاصا في كلام ما فهو لحن أو مؤول، وقال غيرهم، يجوز أن يكون الخبر بعد لولا كونا خاصا، لكن الاكثر أن يكون كونا عاما، فإن كان الخبر كونا عاما وجب حذفه كما يقول الجمهور، وإن كان الخبر كونا خاصا، فإن لم يدل عليه دليل وجب ذكره، وإن دل عليه دليل جاز ذكره وجاز حذفه، فلخبر المبتدأ الواقع بعد لولا حالة واحدة عند الجمهور، وهي وجوب الحذف، وثلاثة أحوال عند غيرهم، وهي: وجوب الحذف، ووجوب الذكر، وجواز الامرين، وقد قدمنا لك أن الواجب حمل كلام الناظم على هذا، لانه صرح باختياره في غير هذا الكتاب، وقد ذكر الشارح نفسه أن هذا هو اختيار المصنف.

الله بخلاف لعمرك فإن المحذوف معه يتعين أن يكون خبرا لأن لام الابتداء قد دخلت عليه وحقها الدخول على المبتدأ.
فإن لم يكن المبتدأ نصا في اليمين لم يجب حذف الخبر نحو عهد الله لأفعلن التقدير عهد الله علي فعهد الله مبتدأ وعلي خبره ولك إثباته وحذفه.
الموضع الثالث: أن يقع بعد المبتدأ واو هي نص في المعية نحو كل رجل وضيعته فكل مبتدأ وقوله وضيعته معطوف على كل والخبر محذوف والتقدير كل رجل وضيعته مقترنان ويقدر الخبر بعد واو المعية وقيل لا يحتاج إلى تقدير الخبر لأن معنى كل رجل وضيعته كل رجل مع ضيعته وهذا كلام تام لا يحتاج إلى تقدير خبر واختار هذا المذهب ابن عصفور في شرح الإيضاح.
فإن لم تكن الواو نصا في المعية لم يحذف الخبر وجوبا 1 نحو زيد وعمرو قائمان.
الموضع الرابع: أن يكون المبتدأ مصدرا وبعده حال سدت مسد الخبر وهي لا تصلح أن تكون خبرا فيحذف الخبر وجوبا لسد الحال مسده وذلك نحو ضربي العبد مسيئا فضربي: مبتدأ والعبد معمول = المحذوف هو المبتدأ، وذلك من وجهين، أولهما: أن المثال يكفي فيه صحة الاحتمال الذي جئ به من أجله، ولم يقل أحد إنه يجب أن يتعين فيه الوجه الذي جئ به له، وثانيهما: أن الغرض من كلامهم أنا إن جعلنا هذا المذكور مبتدأ كان خبره محذوفا وجوبا، أما حذفه فلكون ذلك المبتدأ نصا في اليمين، وأما الوجوب فلان جواب اليمين عوض عنه، ولا يجمع بين العوض والمعوض منه.

له ومسيئا: حال سدت مسد الخبر والخبر محذوف وجوبا والتقدير ضربي العبد إذا كان مسيئا إذا أردت الاستقبال وإن أردت المضي فالتقدير ضربي العبد إذ كان مسيئا فمسيئا حال من الضمير المستتر في كان المفسر بالعبد وإذا كان أو إذ كان ظرف زمان نائب عن الخبر.
ونبه المصنف بقوله وقبل حال على أن الخبر المحذوف مقدر قبل الحال التي سدت مسد الخبر كما تقدم تقريره واحترز بقوله لا يكون خبرا عن الحال التي تصلح أن تكون خبرا عن المبتدأ المذكور نحو ما حكى الأخفش رحمه الله من قولهم زيد قائما فزيد مبتدأ والخبر محذوف والتقدير ثبت قائما وهذه الحال تصلح أن تكون خبرا فتقول زيد قائم فلا يكون الخبر واجب الحذف بخلاف ضربي العبد مسيئا فإن الحال فيه لا تصلح أن تكون خبرا عن المبتدأ الذي قبلها فلا تقول ضربي العبد مسيء لأن الضرب لا يوصف بأنه مسيء.
والمضاف إلى هذا المصدر حكمه كحكم المصدر نحو أتم تبييني الحق منوطا بالحكم فأتم مبتدأ وتبييني مضاف إليه والحق مفعول لتبييني ومنوطا حال سدت مسد خبر أتم والتقدير أتم تبييني الحق إذا كان أو إذ كان منوطا بالحكم.
ولم يذكر المصنف المواضع التي يحذف فيها المبتدأ وجوبا وقد عدها في غير هذا الكتاب أربعة: 1

الأول: النعت المقطوع إلى الرفع في مدح نحو مررت بزيد الكريم أو ذم نحو مررت بزيد الخبيث أو ترحم نحو مررت بزيد المسكين فالمبتدأ محذوف في هذه المثل ونحوها وجوبا والتقدير هو الكريم وهو الخبيث وهو المسكين.
الموضع الثانية: أن يكون الخبر مخصوص نعم أو بئس نحو: نعم = المرفوع بعد " لا سيما " سواء كان هذا الاسم المرفوع بعدها نكرة كما في قول امرئ القيس بن حجر الكندي الذي أنشدناه في مباحث العائد في باب الموصول (ص 166) ، وهو: ألا رب يوم صالح لك منهما ولا سيما يوم بدارة جلجل أم كان معرفة كما في قولك: أحب النابهين لا سيما علي، فإن هذا الاسم المرفوع خبر لمبتدأ محذوف وجوبا، والتقدير: ولا مثل الذي هو يوم بدارة جلجل، ولا مثل الذي هو علي، وليس يخفى عليك أن هذا إنما يجري على تقدير رفع الاسم بعد " لا سيما " فأما على جره أو نصبه فلا (الثاني) بعد المصدر النائب عن فعله الذي بين فاعله أو مفعوله بحرف جر، فمثال ما بين حرف الجر فاعل المصدر قولك: سحقا لك، وتعسا لك، وبؤسا لك، التقدير: سحقت وتعست وبؤست، هذا الدعاء لك، فلك: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف وجوبا، ولم يجعل هذا الجار والمجرور متعلقا بالمصدر لان التعدي باللام إنما يكون إلى المفعول لا إلى الفاعل، والتزموا حذف المبتدأ ليتصل الفاعل بفعله، ومثال ما بين حرف الجر المفعول قولك: سقيا لك، ورعيا لك، والتقدير: اسق اللهم سقيا وارع اللهم رعيا، هذا الدعاء لك يا زيد، مثلا، فلك: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مبتدأ محذوف وجوبا، ولم يجعل الجار والمجرور متعلقا بالمصدر في هذا لئلا يلزم عليه وجود خطابين لاثنين مختلفين في جملة واحدة، ولهذا لو كان المصدر نائبا عن فعل غير الامر، أو كانت اللام جارة لغير ضمير المخاطب، نحو " شكرا لك ": أي شكرت لك شكرا، ونحو " سقيا لزيد ": أي اسق اللهم زيدا - لم يمتنع جعل الجار والمجرور متعلقا بالمصدر، ويصير الكلام جملة واحدة حينئذ، والتزموا حذف المبتدأ في هذا الموضع أيضا ليتصل العامل بمعموله.

الرجل زيد وبئس الرجل عمرو فزيد وعمرو خبران لمبتدأ محذوف وجوبا والتقدير هو زيد أي الممدوح زيد وهو عمرو أي المذموم عمرو.
الموضع الثالث: ما حكى الفارسي من كلامهم في ذمتي لأفعلن ففي ذمتي خبر لمبتدأ محذوف واجب الحذف والتقدير في ذمتي يمين وكذلك ما أشبهه وهو ما كان الخبر فيه صريحا في القسم.
الموضع الرابع: أن يكون الخبر مصدرا نائبا مناب الفعل نحو صبر جميل التقدير صبري صبر جميل فصبري مبتدأ وصبر جميل خبره ثم حذف المبتدأ الذي هو صبري وجوبا 1 . وأخبروا باثنين أو بأكثرا ... عن واحد كهم سراة شعرا 2

اختلف النحويون في جواز تعدد خبر المبتدأ الواحد بغير حرف عطف نحو زيد قائم ضاحك.
فذهب قوم منهم المصنف إلى جواز ذلك سواء 1 كان الخبران في معنى خبر واحد نحو هذا حلو حامض أي مز أم لم يكونا في معنى خبر واحد كالمثال الأول.
وذهب بعضهم إلى أنه لا يتعدد الخبر إلا إذا كان الخبران في معنى خبر واحد فإن لم يكونا كذلك تعين العطف فإن جاء من لسان العرب شيء بغير عطف قدر له مبتدأ آخر كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ وقول الشاعر: 58 - من يك ذابت فهذا بتي ... مقيظ مصيف مشتي2 = " شعرا " أصله شعراء فقصره للضرورة، وهو خبر ثان، والجملة من المبتدأ وخبريه في محل نصب مقول القول المقدر.

وقوله: 1 - ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ... بأخرى المنايا فهو يقظان نائم = وها: حرف تنبيه، وذا: اسم إشارة مبتدأ " بتي " بت: خبر المبتدأ، وبت مضاف وياء المتكلم مضاف إليه " مقيظ، مصيف، مشتي " أخبار متعددة لمبتدأ واحد، وهو اسم الاشارة، والجملة من المبتدأ وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو " من " إن قدرت " من " موصولة، وفي محل جزم جواب الشرط إن قدرتها شرطية، وجملة الشرط وجوابه جميعا في محل رفع خبر المبتدأ على تقدير من شرطية.
الشاهد فيه: قوله " فهذا بتي، مقيظ، مصيف، مشتي " فإنها أخبار متعددة لمبتدأ واحد من غير عاطف، ولا يمكن أن يكون الثاني نعتا للاول، لاختلافهما تعريفا وتنكيرا، وتقدير كل واحد مما عدا الاول خبرا لمبتدأ محذوف خلاف الاصل، فلا يصار إليه.

وزعم بعضهم أنه لا يتعدد الخبر إلا إذا كان من جنس واحد كأن يكون الخبران مثلا مفردين نحو زيد قائم ضاحك أو جملتين نحو زيد قام ضحك فأما إذا كان أحدهما مفردا والآخر جملة فلا يجوز ذلك فلا تقول زيد قائم ضحك هكذا زعم هذا القائل ويقع في كلام المعريين للقرآن الكريم وغيره تجويز ذلك كثيرا ومنه قوله تعالى: ﴿فَإذَا هِيَ حيَّةٌ تَسْعَى﴾ جوزوا كون تسعى خبرا ثانيا ولا يتعين ذلك لجواز كونه حالا.
1 = الشاهد فيه: قوله " فهو يقظان نائم " أو قوله " فهو يقظان هاجع " حيث أخبر عن مبتدأ واحد وهو قوله " هو " بخبرين وهما قوله " يقظان هاجع " أو قوله " يقظان نائم " من غير عطف الثاني منهما على الاول.
والشواهد على ذلك كثيرة في كلام من يحتج بكلامه شعره ونثره، فلا معنى لجحده ونكرانه.
ومما استشهد به المجيز قوله تعالى: (كلا إنها لظى نزاعة للشوى) وقوله سبحانه في قراءة ابن مسعود: (وهذا بعلي شيخ) ومنه قول علي بن أبي طالب أمير المؤمنين: إنا الذي سمتن أمي حيدره كليث غابات غليظ القصره أكيلكم بالسيف كيل السندره فإن قوله " أنا " مبتدأ، والاسم الموصول بعده خبره، ويجوز أن يكون " كليث " جارا ومجرورا يتعلق بمحذوف خبر ثان، وقوله " أكيلكم " جملة فعلية في محل رفع خبر ثالث، وهذا دليل لمن أجاز تعدد الخبر مع اختلاف الجنس، وهو ظاهر بعد ما بيناه.

جارٍ التحميل