شفاء الغليل في حل مقفل خليلصفحات 200-239
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب الصلاة

صفحات 200-239
عن هذه الطبعة
عَلَم
المكناسي، ابن غازي
الكتاب
شفاء الغليل في حل مقفل خليل
المؤلف
أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن علي بن غازي العثماني المكناسي (المتوفى: 919هـ)دراسة وتحقيق: الدكتور أحمد بن عبد الكريم نجيب
الناشر
مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث، القاهرة - جمهورية مصر العربية
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الحالة التي فارق عليها الصلاة، وهو الأصل، أو يجوز له أن يحرم وهو قائم؛ ليكون إحرامه بالفور، وهو قول قدماء أصحاب مالك، وعَلَى القيام فهل يجلس بعد ذلك أم لا؟ قَوْلانِ.
وأما من تذكّر وهو جالس، فإنه يحرم كذلك، ولا يطلب منه القيام اتفاقاً، والقول بأنه يكبّر ثم يجلس لابن القاسم، والقول بأنه يكبّر ولا يجلس لابن نافع، وأشار المازري إِلَى بنائهما عَلَى الحركة إِلَى الركن هل هي مقصودة أم لا، وأنكر ابن رشد أن يكون ما نسب لابن القاسم فِي المذهب، ووهم 1 من نقل ذلك عنه وليس بصحيح؛ لأن عبد الحقّ والباجي وغيرهما نقلوا ذلك عنه 2. انتهى.
وذكر ابن عرفة فِي صفة البناء طرقاً منها: ظاهر قول ابن بشير وابن شاس 3، وناقش ابن عبد السلام بما يوقف عليه فِي كتابه.
وَأَعَادَ تَارِكُ السَّلامِ التَّشَهُّدَ.
قوله: (وأَعَادَ تَارِكُ السَّلامِ التَّشَهُّدَ) يريد بعد طول لا يمنع البناء، فارق الموضع أم لا، وهذا أحد القولين، وقيل: لا يعيد التشهد.
وسَجَدَ إِنِ انْحَرَفَ عَنِ الْقِبْلَةِ ورَجَعَ تَارِكُ الْجُلُوسِ الأَوَّلِ إِنْ لَمْ يُفَارِقِ الأَرْضَ بِيَدَيْهِ ورُكْبَتَيْهِ، ولا سُجُودَ وإِلا فَلا، ولا تَبْطُلُ إِنْ رَجَعَ.
قوله: (وسَجَدَ إِنِ انْحَرَفَ 4) أي: إن انحرف عن القبلة استقبل وسلّم وسجد بعد السلام وإن لَمْ يفارق الموضع، ولا طال الطول المذكور، فالشرط راجع للسجود لا للتشهد، فالسجود يجب بمجرد الانحراف بخلاف إعادة التشهد، هذا هو المساعد

للنصوص؛ فقد قال اللخمي: إن ذكره وهو بموضعه استقبل القبلة وسلّم، ولَمْ يكن عليه أن يكبّر، ولا أن يتشهد، ويسجد لسهوه بعد السلام، واختلف إِذَا فارق الموضع هل يكبّر؟ وهل يكون تكبيره وهو قائم أو بعد أن يجلس؟ وهل يتشهد ونحوه؟ في " التوضيح " مَعَ أن لفظه هنا: يحتمل رجوع الشرط للأمرين كما يعطيه قوله فِي " التوضيح " فِي قول ابن الحاجب، فإن قرب جداً فلا تشهد ولا سجود، وإنما هذا إِذَا لَمْ ينحرف عن القبلة 1. والله تعالى أعلم.
ولَوِ اسْتَقَلَّ وتَبِعَهُ مَأْمُومُهُ وسَجَدَ بَعْدَهُ كَنَفْلٍ لَمْ يَعْقِدْ ثَالِثَةً، وإِلا كَمَّلَ أَرْبَعاً وفِي الْخَامِسَةِ مُطْلَقاً.
قوله: (وتَبِعَهُ مَأْمُومُهُ) أي تبعه فِي القيام، وفِي الرجوع بعد الاستقلال، ولو كان المأموم قد استقلّ، فإِذَا لَمْ يقم المأموم حتى رجع الإمام فأحرى أن يبقى عَلَى جلوسه، هذا هو الآتي عَلَى رواية ابن القاسم؛ حيث جعل فيها السجود بعدياً، والجلوس معتداً به حسبما أشار إليه سند بن عنان، وقبله القرافي وتلميذه ابن راشد القفصي، والمصنف فِي " التوضيح "، ولم يعرج عليه ابن عرفه 2. وَسَجَدَ قَبْلَهُ فِيهِمَا.
قوله: (وَسَجَدَ قَبْلَهُ فِيهِمَا) أي: فِي مسألة الذي كمّل أربعاً، ومسألة الذي رجع من الخامسة، وعليه اختصرهما أبو سعيد 3، واختلف فِي توجيهه فِي الأولى فقال الأبهري وابن شبلون [وأبو محمد] 4: لأنه نقص السلام.
وقال ابن مسلمة والقاضي إسماعيل: لأنه نقص الجلوس، واختاره ابن الكاتب والقابسي واللخمي، ونقض اللخمي التعليل

الأول بلزومه فيمن صلى الظهر خمساً، قال ابن عرفة: يردّ باستقلال الركعتين فِي النفل ونفيه فِي خامسة الظهر، ولا ينقض بأن السلام فرض، ولا ينجبر بسجود؛ لأن رعي كون النفل أربعاً يُصيّر سلام الركعتين كسنة، وفرع عَلَى كونه قبل أو بعد كون الأربع فِي قيام رمضان ترويحتين أو ترويحة، ويردّ بأن المعتبر فيه عدد الركعات، وهي معتبرة مُطْلَقاً، وإلا أمر بالرجوع بعد الثالثة.
انتهى.
وتوجيهه فِي الثانية قريب من هذا.
وتَارِكُ رُكُوعٍ يَرْجِعُ قَائِماً.
ونُدِبَ أَنْ يَقْرَأَ، وسَجْدَةٍ يَجْلِسُ لا سَجْدَتَيْنِ [9 / ب]، ولا يُجْبَرُ رُكُوعُ أُولاهُ بِسُجُودِ ثَانِيَتِهِ، وبَطَلَ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ مَنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ الأُوَلِ ورَجَعَتِ الثَّانِيَةُ أُولَى بِبُطْلانِهَا لِفَذٍّ وإِمَامٍ، وإِنْ شَكَّ فِي سَجْدَةٍ لَمْ يَدْرِ مَحَلَّهَا سَجَدَهَا، وفِي الأَخِيرَةِ يَأْتِي بِرَكْعَةٍ وقِيَامِ ثَالِثَةٍ بِثَلاثٍ، ورَابِعَةٍ بِرَكْعَتَيْنِ، وتَشَهُّدٍ.
قوله: (وَسَجْدَةٍ يَجْلِسُ) أي: وتارك سجدة يجلس، ثم يسجد، هذا مختاره من القولين، وظاهره كإن جلس أولاً أو لَمْ يجلس، وهو ظاهر إطلاق غيره، وقد قيّده فِي " التوضيح " بما إِذَا لَمْ يكن جلس، قال: وأما لو جلس أولاً لخرّ من غير جلوس اتفاقاً.
انتهى.
فتأمله مَعَ تعليله بقصد الحركة للركن.
وإِنْ سَجَدَ إِمَامٌ [وَاحِدَةً وقَامَ] 1 لَمْ يُتبعْ، وسُبِّحَ بِهِ، فإِذَا خِيفَ عَقْدُهُ قَامُوا، فَإِذَا جَلَسَ قَامُوا كَقُعُودِهِ بِثَالِثَةٍ.
قوله: (وَإِنْ سَجَدَ إِمَامٌ وَاحِدَةً [وَقَامَ] 2 لَمْ يُتبَعْ، وسُبِّحَ بِهِ، فإِذَا خِيفَ عَقْدُهُ قَامُوا، فَإِذَا جَلَسَ قَامُوا كَقُعُودِهِ بِثَالِثَةٍ) أي: كما يقومون إِذَا قعد فِي التي هى ثالثة فِي نفس الأمر؛ لاعتقاده أنها رابعة، وسكت عن مساعدتهم له فِي ترك الجلوس عَلَى الثانية فِي نفس الأمر لاعتقاده أنها ثالثة لوضوحه.

تكميل: قال ابن عرفة ونقل ابن عبد السلام عن ابن القاسم: [13 / أ] إن خافوا 1 عقده سجدوها: أعرفه دون استحباب إعادتهم.
انتهى، ويأتي قول ابن القاسم.
وقال فِي " التوضيح ": وأصل هذه المسألة لسحنون يعني: فِي " النوادر " 2 وفيها نظر؛ لأنهم متعمدون لإبطال الأولى بتركهم السجود، ومن تعمد إبطال ركعة من صلاته بطل جميعها، ولو قيل: إنهم يسجدون سجدة ويدركون الثانية معه فتصح لهم الركعتان - ما بَعُدَ.
فإن قيل: فِي ذلك مخالفة للإمام لأن الإمام قائم وهم جلوس وقضاء فِي حكمه وهما غير جائزين؟ فالجواب: أما المخالفة فهي لازمة لهم أَيْضاً؛ لأن الإمام قائم وهم جلوس.
وأما القضاء فِي حكم الإمام فقد أجيز مثله فِي الناعس والغافل والمزحوم خوفاً من إبطال الركعة، فكذلك هنا.
انتهى.
وقد يفرق بأن الناعس ومن معه فعل السجدة أمامهم وهذا لَمْ يفعلها؛ عَلَى أن ابن رشد قال فِي رسم باع شاة من سماع عيسى: إِذَا نسي الإمام سجدة من الأولى فتبعه قوم عامدون وقوم ساهون وسجدها قوم وفاته فعلها فقد اختلف فِي الساجدين عَلَى ثلاثة أقوال: الأول: أن السجدة تجزيهم، وتصحُّ لهم الركعة، فيجلسون فِي قيامه لرابعته حتى يسلّم بهم، ويسجد قبل [إن ذكر بعد] 3 عقد الثالثة وبعد إن ذكر قبله، وهو قول ابن القاسم فِي هذه الرواية، وهو أضعفها؛ ولهذا قال: وأحب إليّ لو أعادوا الصلاة.
الثاني: بطلان صلاتهم لاعتدادهم بالسجدة، وهم إنما فعلوها فِي حكم الإمام ولمخالفتهم إياه فِي النية فِي أعيان الركعات؛ لأن صلاتهم تبقى عَلَى بنيتها، وتصير للإمام ومن سهى معه الركعة الثانية أولى والثالثة ثانية والرابعة ثالثة، وهو قول أصبغ.

الثالث: أن السجود لا يجزيهم، وتبطل عليهم الركعة كما بطلت عَلَى الإمام ومن معه ويتبعونه فِي صلاته كلها وتجزيهم، حكاه ابن المواز.
وعلى الأول لو ذكروا قبل فواتها فقال أصبغ: يسجدونها معه، وأباه ابن القاسم، والساهون كإمامهم، والتابعون له عَلَى ترك السجدة عالمين بسهوه قال فِي الرواية: إن صلاتهم منتقضة، ويتخرّج عَلَى ما فِي " الموازية " أن تبطل عليهم الركعة، ولا تتنتقض الصلاة؛ لأن السجدة إِذَا كانت عَلَى مذهبه لا يجزئهم فعلها فلا يضرّهم تركها.
وأما إِذَا سها الإمام عنها وحده فلا يخلوا من خلفه من حالين: أحدهما: أن يسجدوا لأنفسهم.
والثاني: أن يتبعوه عَلَى ترك السجدة عالمين بسهوه، فأما إن سجدوا لأنفسهم، ولَمْ يرجع الإمام إِلَى السجدة حتى فاته الرجوع إليها بعقد الركعة التي بعدها فركعة القوم [صحيحة] 1 باتفاق، ويقضي الإمام تلك الركعة بعينها التي أسقط منها السجدة فِي آخر صلاته، وهم جلوس ثم يسلّم بهم ويسجد بعد السلام.
واختلف إِذَا ذكر الإمام قبل أن يركع فرجع إِلَى السجود: هل يسجدون معه ثانية أم لا؟ عَلَى قولين.
وأمّا إن تبعوه عَلَى ترك السجود عالمين بسهوه فصلاتهم فاسدة باتفاق.
انتهى مختصراً 2. وقبله ابن عرفة وإن كان المصنف استشكله فِي " التوضيح " عند كلامه عَلَى إمام قام إِلَى خامسة، وإنما قال ابن رشد: يقضي [الإمام] 3 تلك الركعة بعينها ... إلى آخره؛ لأنه صار بمنزلة المستخلف المدرك.
وقد ذكر اللخمي عن محمد نحوه: فِي إمامٍ ذكر فِي تشهد الرابعة سجدة من الأولى، وكان القوم سجدوها ثم قال: فصار الإمام بمنزلة المستخلف بعد ركعة [عَلَى ذاك كله] 4.

وفِي " الأجوبة ": أن الإمام إِذَا شاركه القوم أو بعضهم فِي إسقاطها فهو كالفذ فِي البناء، وإلا فكالمأموم فِي القضاء، فاستشكال " التوضيح " غير صحيح، وقد لوّح المصنف بمثل هذا بقوله فيما يأتي إلاّ أن يجمع مأمومه 1 على نفي الموجب، وهناك ننقل عليه كلام ابن يونس إن شاء الله - تعالى - فقف عَلَى ذلك كله وبالله - تعالى - التوفيق.
فَإِذَا سَلَّمَ أَتَوْا بِرَكْعَةٍ، وأَمَّهُمْ أَحَدُهُمْ، وسَجَدُوا قَبْلَهُ وإِنْ زُوحِمَ مُؤْتَمٌّ عَنْ رُكُوعٍ أَوْ نَعَسَ أَوْ نَحْوَهُ اتَّبَعَهُ فِي غَيْرِ الأُولَى، مَا لَمْ يَرْفَعْ مِنْ سُجُودِهَا، أَوْ سَجْدَةٍ فَإِنْ لَمْ يَطْمَعْ فِيهَا قَبْلَ عَقْدِ إِمَامِهِ تَمَادَى وقَضَى رَكْعَةً، وإِلا سَجَدَهَا، ولا سُجُودَ عَلَيْهِ إِنْ تَيَقَّنَ.
قوله: (فَإِذَا سَلَّمَ أَتَوْا بِرَكْعَةٍ، وأَمَّهُمْ أَحَدُهُمْ) يريد: وإن صلّوا أفذاذَا أجزأتهم وكذا فِي " النوادر " عن سحنون 2. قال ابن عرفة واقتضاء قول ابن الحاجب أتم بهم أحدهم عَلَى الأَصَحّ.
3 وجوب ذلك ومنعه لا أعرفه.
انتهى.
وقرره ابن عبد السلام فقال: وهل يتم بهم أحدهم؟ قَوْلانِ: أحدهما - وهو الأَصَحّ الجاري عَلَى المشهور -: أنه يتمّ بهم بناءً عَلَى أن الأولى إِذَا بطلت رجعت الثانية عوضاً منها فيكونون مؤدين.
الثاني: أنهم لا يؤمهم أحدهم ويتمونها أفذاذَا، بناءً عَلَى أن الأولى إِذَا بطلت لَمْ ترجع الثانية عوضاً منها، [بل تبقى ثانية] 4 فيكونون قاضيين؛ لكن المسألة من أوّلها إنما هى مبنية عَلَى القول الأول المشهور، وأما عَلَى القول الثاني: فيتبعونه؛ لأن جلوس الإمام يكون فِي محلّه، وكذلك قيامه، ولا سجود أَيْضاً عَلَى هذا القول قبل السلام، وإنما يسجدون بعده [13 / ب] لتحقق الزيادة فِي الركعة التي وقع الخلل فيها، وأمّا عَلَى المشهور فالسجود قبل السلام لتحقق النقصان فِي السورة من ركعة والجلوس الوسط.
انتهى.

قال ابن عرفة: وتوجيه ابن عبد السلام القولين بكون الفائتة أداء وقضاء يريد بأن القضاء المانع من الجماعات ما فات المأمومين دون إمامهم لا ما فات جميعهم، وتخريجه جلوسهم لجلوسه، وسجودهم 1 بعد سلامهم عَلَى أن الأولى قضاء؛ لأنه فِي محلّه يردّ بما مر، وبأنها إن كانت قضاءً فلا سجود عليهم لملزومية القضاء حمل الإمام زيادتهم قبل سلامه 2 ولا زيادة لهم بعده.
وَإِنْ قَامَ إِمَامٌ لِخَامِسَةٍ فَمُتَيَقِّنُ انْتِفَاءِ وَجُوبِهَا يَجْلِسُ، وإِلا اتَّبَعَهُ.
قوله: (وإِلا اتَّبَعَهُ) أي: وإن لَمْ يتيقن انتفاء موجبها اتبع الإمام فِي القيام فشمل أربعة: متيقن الموجب، وظانّه، وظانّ نفيه، والشاكّ فيهما، وقد ظهر بهذا أن المصنف لَمْ يعتمد قول ابن الحاجب: ويعمل الظانُّ عَلَى ظنه 3؛ لقول ابن عبد السلام: إنه مخالف لقول الباجي: المعتبر عند مالك فِي الصلاة اليقين أي: الاعتقاد الجازم المانع من النقيض، سواءً كان لموجب أم لا، ولَمْ يرد اليقين اصطلاحاً.
على أنه خرج فِي " التوضيح " قول ابن الحاجب 4 عَلَى أحد القولين اللذين ذكرهما اللخمي فيمن ظن أنه صلى أربعاً هل حكمه كمن شكّ أصلى ثلاثاً أم أربعاً أو يبني عَلَى الظن.
وَإِنْ خَالَفَ عَمْداً بَطَلَتْ فِيهِمَا، لا سَهْواً، فَيَأْتِي الْجَالِسُ بِرَكْعَةٍ، ويُعِيدُهَا الْمُتَّبِعُ.
قوله: (ويُعِيدُهَا الْمُتَّبِعُ) أي: إِذَا اعتقد صحة الركعات الأربع، وتبع الإمام فِي الخامسة سهواً يريد، ثم تبين أن إحدى الأربع باطلة، فإنه يعيد هذه الركعة عَلَى أصل

المشهور، وإنما فرّع ابن شاس هذا عَلَى ما إِذَا قال الإمام: قمت لموجب 1، وكذا ابن الحاجب إذ قال: وفِي إعادة التابع الساهي لها قَوْلانِ 2. وَإِنْ قَالَ قُمْتُ لِمُوجِبٍ، صَحَّتْ لِمَنْ لَزِمَهُ اتِّبَاعُهُ، وتَبِعَهُ.
قوله: (وَإِنْ قَالَ قُمْتُ لِمُوجِبٍ، صَحَّتْ لِمَنْ لَزِمَهُ اتِّبَاعُهُ، [وتَبِعَهُ] 3) أي: لكونه تيقن الموجب أو ظنه أو ظنّ نفيه، أو شك فيه، ظاهره صادف النقص فِي نفس الأمر أم لا، وقد قال ابن هارون: شرط بعض أصحابنا يعني: ابن عبد السلام فِي الظن والشكّ موافقة النقص فِي نفس الأمر، وهذا ليس ببين؛ لأنه لو ظنّ أن الإمام ترك سجدة من الأولى، أو شكّ فِي ذلك وتبعه فِي هذه الخامسة، ثم تيقن بعد السلام أنها كانت تامّة لَمْ تبطل صلاته، وكون الساهي معذوراً إنما هو باعتبار نفي بطلان صلاته لا باعتبار سقوط ما يجب عَلَيْهِ إن كان بقي عَلَيْهِ شيء، وهذا لا خلاف فيه.
وَلِمُقَابِلِهِ إِنْ سَبَّحَ.
قوله: (وَلِمُقَابِلِهِ إِنْ سَبَّحَ) ليس شرط التسبيح عند القائل به وهو سحنون خاصاً بهذا، بل وكذلك إِذَا لَمْ يقل الإمام قمت لموجب.
كَمُتَّبِعٍ تَأَوَّلَ وَجُوبَهُ عَلَى الْمُخْتَارِ.
قوله: (كَمُتَّبِعٍ تَأَوَّلَ وَجُوبَهُ عَلَى الْمُخْتَارِ) صدق رضي الله تعالى عنه فيما نسبه للخمي ونصّه فِي " تبصرته ": " وتبطل صلاة من اتبعه عمداً إِذَا كان عالماً أنه لا يجوز له اتباعه، وإن كان جاهلاً يظن أن عَلَيْهِ اتباعه صحت صلاته.
لا لِمَنْ لَزِمَهُ اتِّبَاعُهُ فِي نَفْسِ الأَمْرِ، ولَمْ يَتَّبِعْ.
قوله: (لا 4 لِمَنْ لَزِمَهُ اتِّبَاعُهُ فِي نَفْسِ الأَمْرِ، ولَمْ يَتَّبِعْ) كذا نص عَلَيْهِ ابن المواز بالبطلان.

فإن قلت: وقد اختار اللخمي أَيْضاً الصحة فِي هذا الوجه فقال: والصواب أن تتم صلاة من جلس ولَمْ يتبعه؛ لأنه جلس متأولاً، وهو يرى أنه لا يجوز له اتباعه، وهذا أعذر من الناعس والغافل، فما بال المصنف عدل عن اختياره فيه، وقد ذكر اختياره فِي الذي قبله؟ قلت: لما كان اختياره فِي ذلك موافقاً لأحد المنصوصين اعتمده فقال: قال فيه سحنون: أرجو أن يجزيه وأحب إليّ أن يعيد.
وقال غيره تلزمه الإعادة، ولما كان اختياره [فِي هذا رأياً له مخالفاً للمنصوص عدل] 1 عنه لذلك، وتقييده لزوم الاتباع فِي نفس الأمر نبّه عَلَيْهِ ابن عبد السلام فقال: ولا يمكن أن يلزمه هنا الاتباع إلاّ باعتبار ما فِي نفس الأمر، ويكون المأموم فِي هذا القسم جلس، وهو فِي نفس الأمر يلزمه القيام، لكن جلس لاعتقاده الكمال أو لظنه ولَمْ يصدق ظنه.
انتهى.
وما ذكر فِي الظن فعلى طريقة ابن الحاجب وكذا قيّده أَيْضاً فِي " التوضيح " بنفس الأمر اتباعاً لابن عبد السلام، وإنما قال لا يمكن إلا كذلك؛ لأنه لو كان لزوم الاتباع هنا لتيقن الموجب ونحوه ما عذره اللخمي فِي الجلوس.
فتأمله.
والله تعالى أعلم.
وَلَمْ تُجِزِ مَسْبُوقاً عَلِمَ بِخَامِسَتِهَا.
قوله: (ولَمْ تُجِزِ مَسْبُوقاً عَلِمَ بِخَامِسَتِهَا) أي: والحالة أن الإمام قال: قمت لموجب، وأما إن لَمْ يقل قمت لموجب فإن الصلاة تبطل رأساً، نقله ابن يونس عن ابن المواز قائلاً: ولو اتبعه فِيهَا من فاتته ركعة وهو يعلم أنها خامسة، ولَمْ يسقط الإمام شيئاً أبطل صلاته، وإن لَمْ يعلم فليقض ركعة ويسجد لسهوه كما يسجد إمامه.
وهَلْ كَذَا إِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَوْ تُجْزِه إِلا أَنْ يُجْمِعَ مَأْمُومُهُ عَلَى نَفْيِ الْمُوجِبِ؟ قَوْلانِ.
قوله: (وهَلْ كَذَا إِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَوْ تُجْزِه إِلا أَنْ يُجْمِعَ مَأْمُومُهُ عَلَى نَفْيِ الْمُوجِبِ؟ قَوْلانِ) المراد بنفي الموجب: [نفي] 2 الإسقاط عن أنفسهم لا عن إمامهم، وقد اقتصر فِي " التوضيح " عَلَى أنه إن لَمْ يعلم تجزيه عند مالك وابن المواز، والفرض أن الإمام قال:

قمت لموجب، والذي لابن يونس متصلاً بالنقل المتقدم عن ابن المواز ما نصّه: " ولو قال [14 / أ] الإمام: كنت أسقطت سجدة من الأولى أجزأت من اتبعه ممن فاتته ركعة، وأجزأت غيره ممن خلفه ممن اتبعه، إلا أن يجمع كل من خلفه عَلَى أنهم لَمْ يسقطوا شيئاً، إنما أسقطها الإمام وحده، فلا تجزيء من اتبعه عامداً فمن خلفه ولا ممن فاتته ركعة وهو لا يعلم وليأت بها بعد سلامه وتجزيه ومن اتبعه عالماً بأنها خامسة ممن فاتته ركعة أو لَمْ تفته بطلت صلاته، وينبغي لمن علم ممن فاتته ركعة أن لا يتبعه فِيهَا، ويقضي بعد سلامه، فإن اجتمع الإمام وكلّ من خلفه عَلَى أنهم أسقطوا سجدة من الأولى أعاد هذا صلاته، ولو نسيها الإمام وحده دون من خلفه أجزأته صلاته إِذَا قضى الركعة التي بقيت عَلَيْهِ.
ابن يونس: وإنما قال ذلك؛ لأنه إِذَا أسقط الإمام ومن معه سجدة من الأولى وجب عَلَى من فاتته ركعة القيام معه فِي هذه الخامسة لأنها رابعة له؛ لأن الأولى سقطت عن الإمام وعمن خلفه، كما سقطت عن الداخلين، وسجد بهم لسهوه قبل السلام؛ لأنه زاد ونقص، فإِذَا لَمْ يتبعه فِيهَا من فاتته ركعة فقد أبطل عَلَى نفسه، وأما من كان خلف الإمام، ولَمْ يسقط معه شيئاً، وإنما أسقط الإمام وحده، فقد وجب عَلَى الإمام وحده قضاء تلك الركعة بعينها بأم القرآن وسورة، ويسجد لسهوه بعد السلام، ويكون كمن استخلف بعد أن فاتته ركعة، فلا يجوز لمن خلفه ممن فاتته ركعة أن يتبعه فِيهَا، ولا يقضيها حتى يسلم الإمام بعد قضاء ركعة، وكذا فسّره محمد بن المواز فِي غير هذه المسألة.
انتهى.
وراجع ما قدمنا عند قوله: (وإن سجد إمام واحدة 1 لَمْ يتبع) عن ابن رشد 2 واللخمي، ثم قال ابن يونس: قال ابن المواز: وكذلك لو أسقط سجدة من الثانية أو الثالثة والقوم معه وقد اتبعه هذا فِي الخامسة فذلك جائز له، ولكن يقضي الأولى التي فاتته، وسواء اتبعه هاهنا وهو عالم بأنها خامسة أو غير خامسة؛ لأنها للإمام ومن معه رابعة.
قال أبو محمد بن أبي زيد: أراه يريد وليس بموقن بسلامة ما أدرك معه قال: ولو جلس فِي الخامسة معه، ثم ذكر الإمام سجدة لا يدري من أي ركعة فلا يسجد سجدة لا

هو ولا من شكّ لشكّه، ولا من فاتته ركعة، ويسجد الإمام لسهوه قبل السلام؛ إلاّ أن يعلم أن السجدة من إحدى الركعتين الأخيرتين فليسجد بعد السلام (1). وتَارِكُ سَجْدَةٍ مِنْ كَأُولاهُ لا تُجْزِئُهُ الْخَامِسَةُ إِنْ تَعَمَّدَهَا.
قوله (وتَارِكُ سَجْدَةٍ [مِنْ كَأُولاهُ] (2) لا تُجْزِئُهُ الْخَامِسَةُ إِنْ تَعَمَّدَهَا) لَمْ يحضرني فِي هذا أنسب مما فِي " الذخيرة " عن " الطراز " ونصّه: " ويتخرج عَلَى هذا أي عَلَى الاتباع بالتأويل إِذَا تعمّد خمساً، فتبين أنها أربع (3).قال ابن الماجشون: لا يضرّه.
وقال ابن القاسم: إِذَا صلى خمساً ثم ذكر سجدة من الأولى يأتى بركعة.
قال ابن المواز: الصواب الاكتفاء بالخامسة، وإِذَا لَمْ يعتدّ بها سهواً فأولى عمدً انتهى.
فتأمل معه كلام المصنف نصاً ومفهوماً.

سجود التلاوة

سَجَدَ بِشَرْطِ الصَّلاةِ بِلا إِحْرَامٍ وسَلامٍ، قَارِئٌ ومُسْتَمِعٌ فِقِطْ إُنْ جِلِسِ لُيِتِعِلَّمَ، ولَوْ تَرَكَ الْقَارِئُ إِنْ صَلَحَ لِيَؤُمَّ، ولَمْ يَجْلِسْ لِيُسْمِعَ فِي إِحْدَى عَشَرَةَ، لا ثَانِيَةِ: (الْحَجِّ) و (النَّجْمِ) و (الانْشِقَاقِ) و (الْقَلَمِ).
وهَلْ سُنَّةٌ أَوْ فَضِيلَةٌ؟ خِلافٌ، وكَبَّرَ لِخَفْضٍ ورَفْعٍ ولَوْ بِغَيْرِ صَلاةٍ، و (ص) ﴿وَأَنَابَ﴾ [2]. و (فُصِّلَتْ) ﴿تَعْبُدُونَ﴾ [37]. قوله (سَجَدَ بِشَرْطِ الصَّلاةِ بِلا إِحْرَامٍ وسَلامٍ قَارِئٌ ومُسْتَمِعٌ فِقِطْ) احترز بقوله: (فقط) من السامع غير المستمع، فهو كقول ابن عبد السلام: إنما يسجد المستمع لا [السامع، وقول ابن عسكر فِي " الإرشاد ": ويسجد المستمع كالتالي لا] 4 السامع 5. وكُرِهَ سُجُودُ شُكْرٍ، أَوْ زَلْزَلَةٍ، وجَهْرٌ بِهَا بِمَسْجِدٍ، وقِرَاءَةٌ بِتَلْحِينٍ كَجَمَاعَةٍ.
قوله (وجَهْرٌ بِهَا بِمَسْجِدٍ) ظاهره أنه يكره الجهر بالسجدة فِي المسجد، ولَمْ أقف عَلَى هذا منصوصاً لغيره، ولو كان هذا الكلام مؤخراً عن قوله: (وقِرَاءَةٌ بِتَلْحِينٍ) لأمكن أن123

يكون الضمير فِي قوله: " بها " عائد عَلَى القراءة، ويكون أشار به [لما] 1 فِي رسم سلعة سمّاها من سماع ابن القاسم ونصّه: " وسئل عن القراءة فِي المسجد؟ فقال: لَمْ يكن بالأمر القديم، وإنما هو شيء أحدث [لَمْ يكن] 2، ولَمْ يأت آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عَلَيْهِ أوّلها، والقرآن حسن.
قال ابن رشد: يريد التزام القراءة فِي المسجد بإثر صلاة من الصلوات أو عَلَى وجه ما مخصوص، حتى يصير ذلك كأنه سنة، مثل ما يفعل بجامع قرطبة إثر صلاة الصبح؟ فرأى ذلك بدعة، وأما القراءة عَلَى غير 3 هذا الوجه فلا بأس بها فِي المسجد، ولا وجه لكراهتها، وقد قال فِي آخر رسم المحرم من هذا السماع: ما يعجبني أن يقرأ القرآن إلاّ فِي الصلاة والمساجد لا فِي الأسواق والطرق.
ويأتي ما يشبه هذا المعنى فِي رسم سن من هذا السماع وفِي رسمٍ لَمْ يدرك من سماع عيسى 4. انتهى.
وفي حمل كلام المصنف عَلَيْهِ بُعد من وجوهٍ لا تخفى، أو أشار به لما فِي سماع أشهب من طرد سعيد بن المسيب عمر بن عبد العزيز 5، وفيه احتمال آخر نذكره فِي التي بعدها.
إن شاء الله تعالى.
وجُلُوسٌ لَهَا لا لِتَعْلِيمٍ، وأُقِيمَ الْقَارِئُ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ خَمِيسٍ أَوْ غَيْرِهِ، وفِي كُرْهِ قِرَاءَةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْوَاحِدِ رِوَايَتَانِ، واجْتِمَاعٌ لِدُعَاءٍ يَوْمَ عَرَفَةَ، ومُجَاوَزَتْهَا لِمُتَطَهِّرٍ وَقْتَ جَوَازٍ، وإِلا فَهَلْ يُجَاوِزُ مَحَلَّهَا أَوِ الآيَةِ؟ تَأْوِيلانِ، واقْتِصَارٌ عَلَيْهَا، وأُوِّلَ بِالْكَلِمَةِ، والآيَةِ قَالَ 6 وهُوَ الأَشْبَهُ، وتَعَمُّدُهَا بِفَرِيضَةٍ أَوْ خُطْبَةٍ لا نَفْلٍ مُطْلَقاً، وإِنْ قَرَأَ فِي فَرْضٍ [سَجَدَ] 7، لا خُطْبَةٍ، وجَهَرَ إِمَامُ السِّرِّيَّةِ وإِلا اتُّبِعَ، ومُجَاوِزُهَا

بِيَسِيرٍ يَسْجُدُ.
وبِكَثِيرٍ يُعِيدُهَا بِالْفَرْضِ [مَا لَمْ] 1 يَنْحَنِ وبِالنَّفْلِ فِي ثَانِيَةٍ، فَفِي فِعْلِهَا قَبْلَ الْفَاتِحَةِ قَوْلانِ.
وإِنْ قَصَدَهَا فَرَكَعَ سَهْواً، اعْتُدَّ بِهِ، ولا سَهْوَ بِخِلافِ تَكْرِيرِهَا أَوْ سُجُودٍ قَبْلَهَا سَهْواً، قَالَ وأَصْلُ الْمَذْهَبِ تَكْرِيرُهُ، إِنْ كَرَّرَ حِزْباً إِلا الْمُعَلِّمَ والْمُتَعَلِّمَ فَأَوَّلَ مَرَّةٍ.
قوله: (وجُلُوسٌ لَهَا لا لِتَعْلِيمٍ) ينبغي أن يكون شاملاً لجلوس المستمع إليه لا يريد وجلوس القاريء، فقد نصّ عَلَى كراهتهما معاً فِي " المدوّنة " فقال: وكره مالك أن يجلس تعليماً، ويكره أن يجلس الرجل متعمداً لقراءة القرآن، وسجوده لا يريد تعليماً، ومن قعد إليه فعلم أنه يريد قراءة سجدة قام عنه 2. فإن قلت: قوله: (لا لِتَعْلِيمٍ) بإسكان العين وكسر اللام الممدودة، يعين أنه أراد القاريء، ولو أراد المستمع لقال لا لتعَلُّم بفتح العين وضم اللام المشددة؛ لما تقرر فِي التصريف [14 / ب] أنك تقول: علمه تعليماً فتعلّم تعلّماً، فالتعلم 3 مطاوع التعليم.
قلت: هذا هو الأصل عند أهل اللسان، ولكن الفقهاء يتوسعون فِي الاستعمال، ألا تراه فِي النصّ الذي قدمناه عن " المدوّنة " عبّر فيهما معاً بالتعليم، ساكن العين مكسور اللام الممدودة، كما هي عبارة المصنف التي حكمنا بشمولها، وذلك فِيهَا أسهل؛ لإمكان أن يدعي فِيهَا التغليب، وقد يمكن أن يكون أراد هنا جلوس المستمع فقط، وعبّر عن جلوس القاريء لهذا القصد بقوله قبله: (وجَهْرٌ بِهَا بِمَسْجِدٍ) فتأمله.
ونُدِبَ لِسَاجِدِ الأَعْرَافِ [10 / ب] قِرَاءَةٌ قَبْلَ رُكُوعِهِ، ولا يَكْفِي عَنْهَا رُكُوعٌ.
قوله: (ولا يَكْفِي عَنْهَا رُكُوعٌ) هو كقوله فِي " المدوّنة ": ولا يركع بها فِي صلاة ولا غيرها.
ابن يونس؛ لأنه إن قصد بها الركعة فلم يسجدها، وإن قصد بها السجدة فقد أحالها عن صفتها، وذلك غير جائزٍ.
انتهى، وحكى ابن رشد فِي رسم لَمْ يدرك من سماع عيسى: أن ابن حبيب يقول: إن الركعة التي ركعها لصلاته تجزيء من السجدة قال:

وعَلَى مذهبه فِي " المدوّنة " لا يجزءه ركوعه للصلاة عن السجدة، فهو بمنزلة من ترك سجود السجدة يقرؤها فِي الركعة الثانية فِي النافلة دون الفريضة.
انتهى.
وقال المازري: نحى ابن حبيب لجواز ركوعه لصلاته به، والمعروف منعه، ولعله رأى سجود الصلاة يغني عنه كالجنابة عن الجمعة، انتهى باختصار.
ابن عرفة: وفِي " الذخيرة ": وإن قصد بالركوع السجدة لَمْ تحصل؛ لأنه غيّر هيئتها، وأشار ابن حبيب إِلَى جواز ذلك 1. انتهى.
والتحرير ما قدمناه عن المازري.
والله تعالى أعلم.
وإِنْ تَرَكَهَا وقَصَدَهُ، صَحَّ وكُرِهَ.
قوله (وإِنْ تَرَكَهَا 2 وَقَصَدَهُ، صَحَّ وكُرِهَ) زاد اللخمي: إن لَمْ يسجد الإمام لَمْ يسجد مأمومه.
وسَهْواً اعْتُدَّ بِهِ عِنْدَ مَالِكٍ، لا ابْنِ الْقَاسِمِ، فَيَسْجُدُ إِنِ اطْمَأَنَّ بِهِ.
قوله (وسَهْواً اعْتُدَّ بِهِ عِنْدَ مَالِكٍ، لا ابْنِ الْقَاسِمِ) هذا ركع ساهياً عن السجدة من أول وهلة، بخلاف الذي تقدّم فِي قوله: (وَإِنْ قَصَدَهَا فَرَكَعَ سَهْواً اعْتُدَّ بِهِ)؛ فإنه إنما انحطّ للسجدة، فلما وصل إِلَى حدّ الركوع أدركه السهو فبقي هناك راكعاً فهما مفترقان فِي الصورة، وذلك ظاهر من لفظه، وأما الحكم فالذي صوّبه ابن يونس: أن الذي يجري فِي هذه من الخلاف يجري فِي الأخرى إلاّ أن المصنف كما تراه حكى القولين فِي هذه واقتصر فِي الأولى عَلَى الاعتداد.
وقد حصّل اللخمي فِيهَا ثلاثة أقوال فقال فيمن نسي سجود التلاوة فِي نفلٍ: قال مالك فِي " العتبية ": إِذَا ذكر وهو راكع يمضي عَلَى ركوعه ولا يسجد، وكذلك لو انحطّ ليسجد فنسي فركع فإنه يرفع 3 للركوع وتجزئه الركعة.
وقال أشهب: ينحطُّ للسجود

وإن كانت نيته فِي حال انحطاطه للركوع.
وقال ابن القاسم: إِذَا كانت نيته للسجود فإنه يخرّ ساجداً؛ لأن ركعته تلك لا تجزيء عنه، ولو رفع منها، يريد بخلاف من كانت نيته من أول الركوع، فإنه يمضي لتمامها، والقول أنه إِذَا كانت نيته للركوع يمضي لها أحسن؛ لأنه تلبّس بفرض فلا يسقطه لنفل، ولَمْ يختلفوا فيمن نسي الجلوس حتى تلبّس بالفرض وهو القيام أنه لا يرجع منه إِلَى الجلوس، والجلوس سنة مؤكدة تفسد الصلاة بتعمد تركه فِي المشهور من المذهب فناسي السجدة أولى، وأما إِذَا كانت نيته فِي الانحطاط للسجدة فإن مالكاً ذهب إِلَى أن الفرض أن يوجد راكعاً، فتماديه عَلَيْهِ بنية الامتثال للركوع يجزيء عنه، وذهب ابن القاسم إِلَى أن الانحطاط للركوع فرض فِي نفسه، فلم يجز عنه الانحطاط بنية السجود؛ لأنه لنفلٍ فلا يجزء عن فرض.
انتهى.
فلو عكس المصنف لكان قد سلك طريقة اللخمي، إذ رجّح فِي قاصد الركوع الإمضاء، ولَمْ يرجّح فِي قاصد السجدة واحداً من القولين، كما تراه وطريقة اللخمي هذه تنحو لما ذكر ابن يونس عن أبي محمد بن أبي زيد.
والله تعالى أعلم.

فصل فِي صلاة النافلة

نُدِبَ نَفْلٌ وتَأَكَّدَ بَعْدَ مَغْرِبٍ كَظُهْرٍ، وقَبْلَهَا كَعَصْرٍ بِلا حَدٍّ، والضُّحَى وسِرٌّ بِهِ نَهَاراً، وجَهْرٌ لَيْلاً، وتَأَكَّدَ بِوِتْرٍ، وتَحِيَّةِ مَسْجِدٍ، وجَازَ تَرْكُ مَارٍّ، وتَأَدَّتْ بِفَرْضٍ، وبَدْءٌ بِهَا بِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ قَبْلَ السَّلامِ عَلَيْهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وآلِهِ وإِيقَاعُ نَفْلٍ بِهِ بِمُصَلاهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والْفَرْضُ بِالصَّفِّ الأَوَّلِ وتَحِيَّةُ مَسْجِدِ مَكَّةَ الطَّوَافُ، وتَرَاوِيحُ، وانْفِرَادٌ بِهَا إِنْ لَمْ تُعَطَّلِ الْمَسَاجِدُ.، والْخَتْمُ فِيهَا، وسُورَةٌ تُجْزِئُ، ثَلَاثٌ وعِشْرُونَ، ثُمَّ جُعِلَتْ سِتًّا وثَلَاثِينَ، وخَفَّفَ مَسْبُوقُهَا ثَانِيَتَهُ ولَحِقَ.
قوله: (وإِيقَاعُ نَفْلٍ بِهِ بِمُصَلاهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والْفَرْضُ بِالصَّفِّ الأَوَّلِ) أي: بالصف الأول من مسجده عَلَيْهِ السلام، وكذا هي المسألة لمالك فِي رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم، قال ابن القاسم: مصلاه عَلَيْهِ السلام هو العمود المخلق.
قال ابن رشد: هذا خلاف قول مالك فِي " الجامع ": أن العمود المخلق ليس هو قبلة النبي عَلَيْهِ السلام، ولكنه أقرب العمد إِلَى مصلاه - صلى الله عليه وسلم -، والأصل فِي النفل حديث عتبان بن مالك، حيث صلى

النبي - صلى الله عليه وسلم - ببيته مرة واحدة؛ ليتخذه مصلى 1، فمحل مواظبته عَلَيْهِ السلام أفضل، والأصل فِي الفرض نصّه عَلَيْهِ السلام عَلَى فضل الصفّ الأول، فهو أولى مما علم فضله بالدليل 2. ابن عرفة: فِي قوله فِي الفرض نظر؛ لأن فضل مسجده - صلى الله عليه وسلم - أفضل من الصفّ الأول فِي غيره.
انتهى.
كأنه يعني أن ما زيد فيه خارج عنه.
وقِرَاءَةُ شَفْعٍ بِسَبِّحْ، والْكَافِرُونَ، ووِتْرٍ بِإِخْلاصٍ ومَعُوذَتَيْنِ إِلا لِمَنْ لَهُ حِزْبٌ، فَمِنْهُ فِيهِمَا، وفِعْلُهُ لِمُنْتَبِهٍ آخِرَ اللَّيْلِ.
قوله: (وقِرَاءَةُ شَفْعٍ بِسَبِّحْ، والْكَافِرُونَ، ووِتْرٍ بِإِخْلاصٍ، [15 / أ] ومَعُوذَتَيْنِ إِلا لِمَنْ لَهُ حِزْبٌ، فَمِنْهُ فِيهِمَا) أي: فِي الشفع والوتر، وبالوقوف عَلَى نقول الأئمة يظهر لك ما اعتمده المصنف فيهما، أمّا الشفع فحصّل ابن عرفة فيه ثلاثة أقوال: الأول: التزام السورتين لمالك فِي كتاب ابن شعبان، وحكاه عياض عن بعض القرويين.
الثاني: ما تيسّر.
لمالك فِي " المجموعة ". الثالث: إن كان بعد تهجّدٍ فما تيّسر، وإن اقتصر عَلَيْهِ فالسورتان، وبه قيّد الباجي قول مالك فِي " المجموعة "، وبه فسّر عياض المذهب.
ونحوه للمازري، فإنه قال فِي " شرح التلقين ": وقد كنت فِي سنّ الحداثة، وعمري عشرون عاماً وقع فِي نفسي أن القراءة فِي الشفع لا يستحبّ تعيينها إِذَا كانت عقب تهجّد، وأن الاستحباب إنما يتوجّه فِي حقّ من اقتصر عَلَى شفع الوتر، فأمرت من يصلّي التراويح فِي رمضان أن يوتر عقب فراغه من عدد الأشفاع، ويأتي بجميع العدد مقروناً بجزئه الذي يقوم به ويوتر عقبه؛ فتمالأ الأشياخ المفتون حينئذ بالبلد عَلَى إنكار ذلك، واجتمعوا بالقاضي، وكان ممن يقرأ عليّ ويصرف الفتيا فيما يحكم به إليّ، وسألوه أن يمنع من ذلك،

فأبي عليهم إلا أن يجتمعوا لمناظرتي عَلَى المسألة، فأبوا؛ فأبى، ثم اتسع الأمر، وصارت مساجدنا يفعل ذلك فِيهَا، فخفت اندراس ركعتي الشفع عند العوام إن لَمْ تخصّ فِي رمضان بقراءة، فرجعت إِلَى المألوف، ثم بعد زمانٍ طويلٍ رأيت أبا الوليد الباجي أشار إِلَى الطريق التي كنت سلكت من التفصيل بين من كان وتره واحدة عقب صلاة الليل، ومن لَمْ يوتر إلا عقب الشفع، اللهم إلا أن يكون أراد قيام المتهجدين فِي غير رمضان؛ لأن رمضان يجتمع الناس فيه عَلَى النفل، ويتبع فيه فعل السلف فِي الاقتصار عَلَى عدد معلوم، فيكون مخالفاً لما سواه من قيام الليل، فقد يمكن أن يقصد إِلَى ذلك.
انتهى.
واعترضه ابن عرفة فقال: إنما قال ذلك الباجي تقييداً لرواية ابن عبدوس 1 لا تفسيراً للمذهب، بل تعليلاً لمخالفة رواية التعيين، ولو ناظروه حجّوه 2: إما باعتبار المذهب، فرواية التعيين أولى؛ لما تقرر من دليل ردّ المطلق للمقيد، وإما باعتبار الدليل؛ فلحديث أبيٍّ أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يوتر بثلاث ركعات يقرأ فِي الأولى بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:1] وفِي الثانية بـ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] وفي الثالثة بـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:1]، والمعلوم منه - صلى الله عليه وسلم - التهجد.
انتهى.
قلت: لعلّ ابن عرفة لَمْ يقف عَلَى جميع كلام المازري، وإلا فقد أورد المازري نحو هذا بنفسه عَلَى نفسه بعد كلامه الذي قدّمناه.
وأما الوتر فقال فِي " المدوّنة ": كان مالك يقرأ فِيهَا بأم القرآن و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين، ولا يفتي الناس بذلك 3. وقال اللخمي وابن يونس قال مالك فِي المجموعة: إن الناس ليلتزمون فِي الوتر قراءة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين وما ذلك بلازم وإنّي لا أفعله.
قلت: وقول ابن عرفة: قال اللخمي: رجع مالك لقراءة الوتر بالفاتحة والإخلاص

والمعوذتين [وهم إنما قال] 1 اللخمي: روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقرأ فِي الأولى بـ: سبّح، وفِي الثانية بـ: الكافرون، وفِي الثالثة بـ: الإخلاص، وروي أنه كان يقرأ فِي الأخرة بالإخلاص والمعوذتين، وبهذا أخذ مالك [فِي الأخيرة] 2، وروي عنه فِي " مختصر " ابن شعبان أنه كان يقرأ فِي الأولى والثانية بمثل ما فِي الحديث الأول، ففهم ابن عرفة أن رواية ابن شعبان مرجوع عنها، ولا يحسن أن يفهم الرجوع من قوله: (فِي الأخرة)، فليس مراده فِي الرواية الأخرة كما سبق لفهم بعضهم، وإنما مراده فِي الركعة الأخرة.
قال: وروى يحيي بن اسحاق عن يحيي بن عمر لا تختص الوتر بقراءة، وقال ابن العربي فِي " عارضة الأحوذي فِي شرح الترمذي ": يقرأ المتهجد فِي الوتر من تمام حزبه، وغيره بـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقط؛ لحديث الترمذي 3 وهو أصحّ من حديث قراءته بها مَعَ المعوذتين، وانتهت الغفلة بقومٍ يصلّون التراويح فإِذَا انتهوا للوتر قرأوا فيه بـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين.
انتهى.
قلت: وفِي ترجمة محمد بن الخطاب من " الغنية " لعياض، حديث مسلسل بقراءة الإخلاص فِي كلّ ركعة من الشفع كل واحد من رواته يقول: ما تركته منذ سمعته، حتى انتهت الرواية لعياض فقال مثل ذلك، وذكره أَيْضاً ولد عياض فِي مناقب أبيه 4. ولَمْ يُعِدْهُ مُقَدِّمٌ، ثُمَّ صَلَّى، وجَازَ،، إِلا لاقْتِدَاءٍ بِوَاصِلٍ، وكُرِهَ وَصْلُهُ، ووِتْرٌ بِوَاحِدَةٍ وقِرَاءَةُ ثَانٍ مِنْ غَيْرِ انْتِهَاءِ الأَوَّلِ، ونَظَرٌ بِمُصْحَفٍ فِي فَرْضٍ، وأَثْنَاءَ نَفْلٍ، لا أَوَّلَهُ، وجَمْعٌ كَثِيرٌ لِنَفْلٍ، أَوْ بِمَكَانٍ مُشْتَهَرٍ، وإِلا فَلا، وكَلامٌ بَعْدَ صُبْحٍ لِقُرْبِ الطُّلُوعِ، لا بَعْدَ الْفَجْرِ، وضِجْعَةٌ بَيْنَ صُبْحٍ، ورَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، والْوِتْرُ سُنَّةٌ آكِدُ، ثُمَّ عِيدٌ، ثُمَّ كُسُوفٌ ثُمَّ اسْتِسْقَاءٌ، ووَقْتُهُ بَعْدَ عِشَاءٍ صَحِيحَةٍ، وشَفَقٌ لِلْفَجْرِ،

وضَرُورِيِّةٌ لِلصُّبْحِ، ونُدِبَ قَطْعُهَا لَهُ لِفَذٍّ، لا مُؤْتَمٍّ، وفِي الإِمَامِ رِوَايَتَانِ، وإِنْ لَمْ يَتَّسِعِ الْوَقْتُ إِلا لِرَكْعَتَيْنِ تَرَكَهُ، لا لِثَلاثٍ ولِخَمْسٍ صَلَّى الشَّفْعَ ولَوْ قَدَّمَ، ولِسَبْعٍ زَادَ الْفَجْرَ، وهِيَ رَغِيبَةٌ تَفْتَقِرُ لِنِيَّةٍ تَخُصُّهَا، ولا تُجْزِئُ إِنْ تَبَيَّنَ تَقَدُّمُ إِحْرَامِهَا لِلْفَجْرِ ولَوْ بِتَحَرٍّ، ونُدِبَ الاقْتِصَارُ عَلَى الْفَاتِحَةِ.
وإِيقَاعُهَا بِمَسْجِدٍ، ونَابَتْ عَنِ التَّحِيَّةِ، وإِنْ فَعَلَهَا بِبَيْتِهِ لَمْ يَرْكَعْ ولا يَقْضِي غَيْرَ فَرْضٍ، إِلا هِيَ فَلِلزَّوَالِ، وإِنْ أُقِيمَتِ الصُّبْحُ وهُوَ بِمَسْجِدٍ تَرَكَهَا، وخَارِجُهُ رَكَعَهَا، إِنْ لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ رَكْعَةٍ، وهَلِ الأَفْضَلُ كَثْرَةُ السُّجُودِ أَوْ طُولُ الْقِيَامِ؟ قَوْلانِ.
قوله (ولَمْ يُعِدْهُ مُقَدِّمٌ، ثُمَّ صَلَّى) عطف هنا عَلَى اسم شبه فعل فعلاً ماضياً عَلَى حدّ قوله جلّ وعلا: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ [العاديات: 1 - 4]، وفِي عطفه بـ: ثمّ إشارة لقوله فِي الصلاة الأول من " المدوّنة ": ومن أوتر فِي المسجد ثمّ أراد أن يتنفل بعده تربّص قليلاً، وإن انصرف بعد وتره إِلَى بيته تنفّل ما أحبّ (1). وَعَقِبَ شَفْعٍ مُنْفَصِلٍ بِسَلامٍ.
قوله: (وعَقِبَ شَفْعٍ) عطف عَلَى قوله: (آخر الليل).

فصل فِي صلاة الجماعة

الْجَمَاعَةُ بِفَرْضٍ، غَيْرِ جُمُعَةٍ سُنَّةٌ ولا تَتَفَاضَلُ، وإِنَّمَا يَحْصُلُ فَضْلُهَا بِرَكْعَةٍ، ونُدِبَ لِمَنْ لَمْ يُحَصِّلْهُ كَمُصَلٍّ بِصَبِيٍّ إِلا امْرَأَةٍ أَنْ يُعِيدَ مُفَوِّضاً مَأْمُوماً، ولَوْ مَعَ وَاحِدٍ، غَيْرَ مَغْرِبٍ كَعِشَاءٍ بَعْدَ وَتْرٍ وإِنْ أَعَادَ ولَمْ يَعْقِدْ [رَكْعَةً] 2 قَطَعَ، وإِلا شَفَعَ.
قوله: (ولَوْ مَعَ وَاحِدٍ) عوّل فِي الإعادة مَعَ الواحد غير الإمام الراتب عَلَى " صاحب اللباب " وابن عبد السلام، وما كان ينبغي [15 / ب] له ذلك؛ فإن الحُفّاظ لَمْ يجدوه فِي المذهب حتى انتقد عَلَى ابن الحاجب جعْله مقابل الأَصَحّ، فقال ابن عرفة: ونقْل ابن الحاجب تعاد مَعَ واحد 3، لا أعرفه.1

وإِنْ أَتَمَّ ولَوْ سَلَّمَ أَتَى بِرَابِعَةٍ إِنْ قَرُبَ، وأَعَادَ مُؤْتَمٌّ بِمُعِيدٍ أَبَداً [10 / ب] أَفْذَاذاً.
قوله (وَإِنْ أَتَمَّ ولَوْ سَلَّمَ أَتَى بِرَابِعَةٍ) جواب (إن) هو (أتى) و (لو) إغياء.
وَإِنْ تَبَيَّنَ عَدَمُ الأُولَى أَوْ فَسَادُهَا أَجْزَأَتْ، ولا يُطَالُ رُكُوعٌ لِدَاخِلٍ، والإِمَامُ الرَّاتِبُ كَجَمَاعَةٍ، ولا تُبْتَدَأُ صَلاةٌ بَعْدَ الإِقَامَةِ، وإِنْ أُقِيمَتْ وهُوَ فِي صَلاةٍ قَطَعَ، إِنْ خَشِيَ فَوَاتَ رَكْعَةٍ، وإِلا أَتَمَّ النَّافِلَةَ أَوْ فَرِيضَةً غَيْرَهَا وإِلا انْصَرَفَ فِي الثَّالِثَةِ عَنْ شَفْعٍ كَالأُولَى إِنْ عَقَدَهَا، والْقَطْعُ بِسَلامٍ أَوْ مُنَافٍ وإِلا أَعَادَ، وإِنْ أُقِيمَتْ بِمَسْجِدٍ عَلَى مُحَصِّلِ الْفَضْلِ، وهُوَ بِهِ خَرَجَ ولَمْ يُصَلِّهَا ولا غَيْرَهَا.
قوله (وإِنْ تَبَيَّنَ عَدَمُ الأُولَى أَوْ فَسَادُهَا أَجْزَأَتْ) هذا الذي اقتصر عَلَيْهِ هو الذي نسبه ابن رشد لسماع عيسي وسحنون عن ابن القاسم 1، وهذا عَلَى إجراء المتأخرين غير لائق بقوله أولاً: مفوضاً؛ فكأنه لَمْ يرتهن لذلك هنا، وقد أشبعنا الكلام عَلَيْهَا فِي موضوعنا عَلَى " المدوّنة " المسمى بـ: " تكميل التقييد وتحليل التقعيد " ومن الله سبحانه العون والتأييد.
وإِلا لَزَمَتْهُ كَمَنْ لَمْ يُصَلِّهَا وبِبَيْتِهِ يُتِمُّهَا.
قوله: (وإِلا لَزَمَتْهُ كَمَنْ لَمْ يُصَلِّهَا) من الواضح أن كلامه فيما يعاد، فلا ترد عَلَيْهِ المغرب و [لا] 2 العشاء بعد الوتر 3. وَبَطَلَتْ بِاقْتِدَاءٍ بِمَنْ بَانَ كَافِراً، أَوِ امْرَأَةً أَوْ خُنْثَى [مُشْكِلاً] 4، أَوْ مَجْنُوناً، أَوْ فَاسِقاً بِجَارِحَةٍ، أَوْ مَأْمُوماً أَوْ مُحْدِثاً إِنْ تَعَمَّدَ أَوْ عَلِمَ مُؤْتَمُّهُ، وبِعَاجِزٍ عَنْ رُكْنٍ أَوْ عَلِمَ، إِلا كَالْقَاعِدِ بِمِثْلِهِ فَجَائِزٌ، أَوْ بِأُمِّيٍّ إِنْ وَجِدَ قَارِئٌ أَوْ قَارِئٍ بِكَقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ،

أَوْ عَبْدٍ فِي جُمُعَةٍ، أَوْ صَبِيٍّ فِي فَرْضٍ، وبِغَيْرِهِ تَصِحُّ وإِنْ لَمْ تَجُزْ، وهَلْ بِلَحْنٍ مُطْلَقاً أَوْ فِي الْفَاتِحَةِ، وبِغَيْرِ مُمَيِّزٍ بَيْنَ ضَادٍ وظَاءٍ خِلافٌ.
قوله: (أَوْ فَاسِقاً بِجَارِحَةٍ) جعله أسوأ حالاً من المبتدع الذي قال فيه: (وأعاد بوقت فِي كحروري)، وهذا عكس قول ابن يونس: الصواب الإعادة عَلَى من صلى خلف شارب خمرٍ؛ لأنه من أهل الذنوب، ولا يكون أسوأ حالاً من المبتدع، وقد اختلف فِي إعادة من صلى خلفه.
انتهى.
مَعَ أن أبا العباس القباب قال: أعدل المذاهب أنه لا يقدم فاسق للشفاعة والإمامة، ولكن لا إعادة عَلَى من صلى خلفه إن كان يتحفظ عَلَى أمور الصلاة، وهذا مرتضى التونسي واللخمي وابن يونس.
انتهى.
وما كان ينبغي للمصنف أن يعدل عن المرتضى عند هؤلاء الأئمة إِلَى تشهير ابن بزيزة 1، وما ذكره فِي المبتدع صواب؛ إذ هو مذهب ابن القاسم [فِي " المدوّنة "] 2، وللمصنف أن يقول بالموجب فِي جعل الفاسق أسوأ حالاً من المبتدع بالاعتبار الذي أشار إليه ابن عبد السلام: أنّ فسق الاعتقاد لا ينفي لمن صدق الفاسق، ألا ترى أن كتب الصحاح فِي الحديث اشتملت عَلَى جواز التحديث عن جماعةٍ من هذا الصنف 3، وإنما اجتنب المحدثون الرواية عمن كان من هذا الجنس داعياً إِلَى مذهبه، ومن لَمْ يكن كذلك لَمْ يجتنبوا الرواية عنه، بخلاف فسق الجوارح 4.

وأَعَادَ بِوَقْتٍ فِي كَحَرُورِيٍّ، وكُرِهَ أَقْطَعُ، وأَشَلُّ وأَعْرَابِيٌّ لِغَيْرِهِ وإِنْ أَقْرَأَ وذُو سَلَسٍ وقُرُوحٍ، لِصَحِيحٍ، وإِمَامَةُ مَنْ يُكْرَهُ.
قوله (وأَعَادَ بِوَقْتٍ فِي كَحَرُورِيٍّ) دخل فِي قوله: (كَحَرُورِيٍّ) المعتزلي والقدري 1، ونحوهما ممن يشكل كونه كافراً، وخرج به المقطوع بكفره، ومثله المازري بالقائل: إنه سبحانه ليس بعالم - تعالى الله عن ذلك - وخرج به أَيْضاً المقطوع بعدم كفره كذي هوىً خفيف، فاشتمل كلامه عَلَى أحكام الأقسام الثلاثة التي ذكر ابن رشد فِي رسم الصلاة الثاني من سماع أشهب 2 فإن قلت: فقد قال ابن عبد السلام إن أكثر المتكلّمين عَلَى هذه المسألة، إنما فرضوا الكلام فِيهَا فِي مبتدع كانت بدعته فِي الصفات، وبنوها عَلَى التكفير بالمآل، فلا معنى لذكر الحرورية هنا؛ إذ هم قوم خرجوا عَلَى عليٍّ - رضي الله تعالى عنه - بحروراء نقموا عَلَيْهِ قضية التحكيم، وكفّروا الناس بالذنب، ولَمْ يظهر منهم حينئذ بدعة فِي الصفات البتة.
قلت: قد ردّه ابن عرفة برواية أبي محمد وابن حبيب عن مالك [من ائتم] 3 بأحدٍ من أهل الأهواء أعاد أبداً إلاّ إماماً والياً أو خليفته عَلَى الصلاة؛ لأجل ائتمام ابن عمر بالحجّاج ونجدة الحروري 4. وقال فِي " التوضيح ": قد يجاب عنه بوجهين: أحدهما: أن ما ارتكبت الحرورية من التكفير بالذنب من أعظم البدع.
والثاني: نقل ابن يونس عن مالك التسوية بين القدري والحروري فِي أنه لا يصلّي خلفهما، ثم ذكر الخلاف كما ذكر ابن الحاجب 5، فدلّ عَلَى أن الجميع سواء.

وَتَرَتُّبُ خَصِيٌّ، ومَأْبُونٍ 1، وأَغْلَفَ، وولد زِنًى أَوْ مَجْهُولِ حَالٍ، وعَبْدٍ بِفَرْضٍ.
قوله (وَتَرَتُّبُ خَصِيٌّ، ومَأْبُونٍ وَأَغْلَفَ، ووَلَدِ زِنًى أَوْ مَجْهُولِ حَالٍ، وعَبْدٍ بِفَرْضٍ) أمّا الخصي وولد الزنا والعبد فلا إشكال فيهم، وأما المأبون فكذا ذكره ابن بشير وأتباعه، كابن شاس والقرافي وابن الحاجب 2 وشرّاحه، وأنكر ذلك ابن عرفة فقال: ونَقْل ابن بشير كراهة إمامة المأبون لا أعرفه، وهو أرذل الفاسقين.
انتهى.
قلت: حمله ابن عرفة عَلَى أنه الذي يؤتى فِي دبره.
وقد وقع فِي رسم الجواب من سماع عيسى أن أبا سلمة ابن عبد الأسد الذي كان زوج أم سلمة رأى رجلاً مأبوناً بين يديه فِي الصلاة فاتقى ذلك 3، فكيف بإمامته؟ فلا يكون غيره من الفسقة أسوأ حالاً منه.
لكن الظاهر من كلام ابن بشير وأتباعه: أنهم لَمْ يريدوا هذا الفاسق الخبيث، فإن ابن بشير ذكر أولاً النقص المانع من الإجزاء وأدرج فيه الفسقة، ثم ذكر النقص المانع من الكمال، وذكر من جملته [16 / أ] ما يحطّ المنزلة ويسرع إليه طعن الألسنة، وقال: ينخرط فِي هذا السلك كراهة الائتمام بالمأبون والأغلف.
وأبين منه لابن شاس إذ قال: ويكره أن يُتخذ ولد الزنا إماماً راتباً، وكذلك المأبون والأغلف 4، وقيل: بجواز اتخاذهم أئمة راتبين إِذَا كانوا صالحي الأحوال فِي أنفسهم سالمين من النقائص المتقدّمة 5، وكذا علل ابن عبد السلام كراهة ترتيب المأبون، ومن معه بأنهم تسرع إليهم الألسنة، وربما تعدى الأذى إِلَى من ائتم بهم، وفِي هذا كلّه دليل عَلَى

أنهم لَمْ يريدوا الفاسق البيّن [الفسق] 1 الذي فهم ابن عرفة؛ وإنما أرادوا من هو أخفّ شأناً من ذلك، فأما أن يكونوا أرادوا الذي كان موصوفاً بذلك، ثم تاب وحسنت توبته وبقيت الألسنة تتكلّم فيه مما مضى.
[ولعلّ فِي هذا بعض الشبه بما حكى ابن حبيب عن مالك: لا يؤم قاتل عمد وإن تاب] 2، وإنما يكونوا أرادوا به المتهم وهو أبين لمساعدته للغة العربية، وفِي البخاري: " ما كنا نأبنه بريبة 3 " وفيه: " أَبَنُوا أهلي " 4، وعَلَى هذا حمله شيخ شيوخنا العلامة أبو عبد الله ابن مرزوق فِي كتاب " انتهاز الفرصة فِي محادثة عالم قفصة ". وزعم الشارمساحي أنه عند الفقهاء الضعيف العقل، وكأنه عَلَى هذا أخف شأناً من المعتوه فقد قال فِي سماع ابن القاسم: لا يؤم المعتوه الناس.
قال سحنون: فإن أمّهم أعادوا.
قال ابن رشد: المعتوه الذاهب العقل.
وقول سحنون تفسير؛ لأنه لا تصحّ منه نية فوجب أن يعيد أبداً من ائتم به، وأما الأغلف وهو الذي لَمْ يختتن فقال فِي سماع ابن القاسم: لا يؤم.
قال سحنون: فإن فعل فلا إعادة عَلَى من ائتم به.
قال ابن رشد: قول سحنون تفسير، فلا يخرجه ترك الاختتان عن الإسلام، ولا يبلغ به مبلغ التفسيق، إلا أن ذلك نقصان فِي دينه وحاله؛ لأن الختان طهرة الإسلام وشعاره 5. وأما المجهول الحال فروى ابن حبيب عن مُطرِّف وابن الماجشون وأصبغ وابن عبد الحكم: لا ينبغي أن [يؤتم بمجهول] 6 إلا راتباً بمسجد.

وقال فِي " الزاهي " 1: لا يؤتم بمجهول، هذا نقل ابن عرفة وزاد: إن كانت تولية المساجد لذي هوىً لا يقوم فِيهَا بموجب الترجيح الشرعي لَمْ يؤتم براتب فِيهَا إلا بعد الكشف عنه، وكذا كان يفعل من أدركته عالماً ديناً.
وصَلاةٌ بَيْنَ الأَسَاطِينِ، أَوْ أَمَامَ الإِمَامِ بِلا ضَرُورَةٍ، واقْتِدَاءُ مَنْ بِأَسْفَلِ السَّفِينَةِ بِمَنْ بِأَعْلاهَا، كَأَبِي قُبَيْسٍ وصَلاةُ رَجُلٍ بَيْنَ نِسَاءٍ وبِالْعَكْسِ، وإِمَامَةٌ فِي الْمَسْجِدِ بِلا رِدَاءٍ، وتَنَفُّلُهُ بِمِحْرَابِهِ.
قوله (واقْتِدَاءُ مَنْ بِأَسْفَلِ السَّفِينَةِ بِمَنْ بِأَعْلاهَا) كذا قال فِي " المدوّنة ": ولا يعجبني أن يصلّي فوق وهم أسفل 2. ابن يونس قال ابن حبيب: ويعيد الأسفلون فِي الوقت، وقيل: إنما ذلك لأن الأسفلين ربما لَمْ يتمكن لهم مراعاة فعل الإمام، وربما دارت السفينة فيختلط عليهم أمر صلاتهم، فليس ذلك كالدكان الذي يكون فيه مَعَ الإمام قوم وأسفل منه قوم، فافترقا قال أبو الحسن الصغير: يلزم هذا فِي العكس وقد جوّزه فِي الكتاب.
وإِعَادَةُ جَمَاعَةٍ بَعْدَ الرَّاتِبِ، وإِنْ أَذِنَ، ولَهُ الْجَمْعُ إِنْ جَمَعَ غَيْرُهُ قَبْلَهُ، إِنْ لَمْ يُؤَخِّرْ كَثِيراً.
قوله (وإِعَادَةُ جَمَاعَةٍ بَعْدَ الرَّاتِبِ، وإِنْ أَذِنَ) احترز بالجماعة من الفذ، فإنه لا يكره له أن يصلّي صلاة فِي المسجد قبل أن يصليها أمامه أو بعد ما صلّاها، ما لَمْ يعلم تعمده مخالفة الإمام بتقدّم أو تأخر فيمنع، قاله اللخمي: وظاهر قوله بعد الراتب أن الصلاة إن لَمْ يكن لها فِي المسجد إمام راتب فلا كراهة فِي جمعها فيه مرتين، وإن كان لغيرها من الصلوات فيه إمام راتب، وهذا خلاف رواية ابن القاسم؛ لكنه رواية أشهب، واختاره اللخمي والمازري وابن عبد السلام، واعتمد فِي قوله: " وإن أذن " عَلَى ما عند سند، وهو خلاف

ما قطع به اللخمي وهذا ينبنى عَلَى وجه الكراهة فقيل: لتفريق الجماعات فتعمّ الكراهة، وقيل: لئلا يتطرقّ أهل البدع بالتأخير ثم يجمعوا مَعَ إمامهم، فيجوز إِذَا علمت البراءة من ذلك، وقيل لحقّ الإمام فيجوز إِذَا أذن.
ودلّ قوله: " الراتب " أن هذا فِي مسجد أو ما يقوم مقامه كالسفينة وغيرها، وقد نصّ عَلَى السفينة فِي رسم الصلاة الثاني من سماع أشهب.
قال ابن رشد: وليس بخلاف لما أجاز فِي " المدوّنة " أن يصلي الذين فوق سقفها بإمام، والذين تحته بإمام؛ لأنهما موضعان 1. وفِي الذخيرة: قال صاحب " الطراز ": يتنزل المكان الذي جرت العادة بالجمع فيه وإن لَمْ يكن مسجداً منزلة المسجد، وقاله مالك فِي " العتبية " 2. وَأُخْرِجُوا، إِلا بِالْمَسَاجِدِ الثَّلاثَةِ، فَيُصَلُّونَ بِهَا أَفْذَاذاً، إِنْ دَخَلُوهَا.
وقَتْلُ كَبَرْغُوثٍ بِمَسْجِدٍ، وفِيهَا يَجُوزُ طَرْحُهَا خَارِجَهُ 3، واسْتُشْكِلَ، وجَازَ اقْتِدَاءٌ بِأَعْمَى، ومُخَالِفٍ فِي الْفُرُوعِ وأَلْكَنَ، ومَحْدُودٍ، وعِنِّينٍ، ومَجْذُومٍ، إِلا أَنْ يَشْتَدَّ، فَلْيُنَحَّ وَصَبِيٍّ بِمِثْلِهِ.
قوله (وَأُخْرِجُوا، إِلا بِالْمَسَاجِدِ الثَّلاثَةِ، فَيُصَلُّونَ بِهَا أَفْذَاذاً، إِنْ دَخَلُوهَا) مفهوم الشرط أنهم إن لَمْ يدخلوها جمعوا فِي غيرها، وهذا مقصود من المصنف اعتماداً عَلَى قول عياض فِي " التنبيهات "، قال شيوخنا معناه: لمن قد دخل هذه المساجد لا لمن لَمْ يدخلها، وكذا جاء مفسراً فِي " العتبية " فِي سماع أشهب وابن نافع.
[16 / ب] قال مالك: من لَمْ يبلغ مسجد الرسول عَلَيْهِ السلام حتى صلى أهله أنه يجمع تلك الصلاة فِي غيرها.
وهو ظاهر " المدوّنة "؛ لأنه إنما تكلّم عَلَى من دخل.
انتهى.
ونسب ابن رشد نحو هذا لابن لبابة، وردّه بأن صلاة الفذّ هناك إن كانت أفضل ترجّحت مُطْلَقاً، وإلاّ فالعكس 4.

وعَدَمُ إِلْصَاقِ مَنْ عَلَى يَمِينِ إِمَامٍ أَوْ يَسَارِهِ بِمَنْ حَذْوَهُ.
قوله (وَعَدَمُ إِلْصَاقِ مَنْ عَلَى يَمِينِ إِمَامٍ أَوْ 1 يَسَارِهِ بِمَنْ حَذْوَهُ) أشار بهذا لقوله فِي " المدوّنة ": وإن كانت طائفة عن يمين الإمام أو حذوه فِي الصف الثاني أو الأول فلا بأس أن تقف طائفة عن يسار الإمام فِي الصفّ ولا تلصق بالطائفة التي عن يمينه 2. وقد تعقبها أبو إسحاق التونسي بأن ذلك تقطيع للصفوف، وحمل ذلك ابن رشد فِي رسم شك من سماع ابن القاسم عَلَى أنه بعد الوقوع، ويكره ابتداءً 3. وقال قبله فِي " المدوّنة ": ومن دخل المسجد وقد قامت الصفوف قام حيث شاء خلف الإمام أو عن يمينه أو عن يساره، وتعجّب مالك ممن قال يمشي حتى يقف حذو الإمام.
وقال اللخمي: يبتدأ الصفّ من وراء الإمام ثم عن يمينه وشماله حتى يتمّ الصف، ولا يبتدأ بالثاني قبل تمام الأول ولا بالثالث قبل تمام الثاني، وهو الذي يقتضيه قول مالك فِي كتاب ابن حبيب، وهو أحسن [مما له] 4 في " المدوّنة "؛ لقوله عَلَيْهِ السلام: " ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها " ثم قال: " يتمون الصفّ الأول ويتراصون " أخرجه مسلم 5. واختار المازري نحو هذا، وقال: ليس ما تعجّب منه مالك فِي " المدوّنة " ردٌّ لما اخترناه فِي الصفّ الأول؛ لأنه إنما تكلّم فِي " المدوّنة " عَلَى رجلٍ وحده جاء وقد كملت الصفوف.
فرع: فِي رسم طلق ابن حبيب من سماع ابن القاسم قال مالك: أوّل من أحدث المقصورة [مروان بن الحكم حين طعنه اليماني؛ فجعل مقصورة] 6 من طين وجعل فِيهَا

تشبيكاً.
قال ابن رشد: اتخاذها فِي الجوامع مكروه، فإن كانت ممنوعة تفتح أحياناً وتغلق أحياناً فالصفّ الأول هو الخارج عنها اللاصق بها، وإن كانت مباحة غير ممنوعة فالصفّ الأول هو اللاحق بجدار القبلة فِي داخلها، روي ذلك عن مالك 1. انتهى.
ابن عرفة: رواه ابن وهب بزيادة: لا بأس بالصلاة فِيهَا.
ونقل بعض معاصري شيوخنا أنه الموالي للإمام مُطْلَقاً أنكر عَلَيْهِ وبحث عنه فلم يوجد.
انتهى.
وفي " النوادر " قال ابن وهب عن مالك: لا بأس بالصلاة فِي المقصورة 2. [وقال أبو الحسن الصغير: انظر ما حجر من المسجد نفسه هل تصلى فيه الجمعة مثل المقصورة] 3، وقد كان القاسم بن محمد وعروة بن الزبير وابن شهاب يصلّون فِيهَا، واحتجّ لهم بقوله تعالى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: 25]؛ لأن [حقّ] 4 الناس فِي المسجد جميعاً؛ فليس لأحدٍ أن يختصّ بشئ منه دون غيره.
وَصَلاةُ مُنْفَرِدٍ خَلْفَ صَفٍّ، ولا يَجْذِبُ أَحَداً، وهُوَ خَطَأٌ مِنْهُمَا، وإِسْرَاعٌ لَهَا بِلا خَبَبٍ، وقَتْلُ عَقْرَبٍ أَوْ فَأْرٍ بِمَسْجِدٍ.
قوله: (وصَلاةُ مُنْفَرِدٍ خَلْفَ صَفٍّ، ولا يَجْذِبُ أَحَداً) كذا فِي " المدوّنة " 5، وفِي قوله: (ولا يَجْذِبُ أَحَداً) دليل عَلَى أنه لَمْ يجد موضعاً فِي الصفّ كما صرّح به فِي " التلقين ". وفِي معناه ما فِي رسم شكّ من سماع ابن القاسم فيمن قعد للتشهد فضاق به الصفّ: لا بأس أن يتأخر عنه أو يتقدم، وقد رأيت بعض أهل العلم يفعله.
وأما من خرج [من الصفّ] 6 بلا عذر فقال ابن رشد: قال ابن حبيب: قد أساء ولا إعادة عَلَيْهِ 7.

وروى ابن وهب عن مالك: عَلَيْهِ الإعادة لقوله - عليه السلام - لأبي بكرة " زادك الله حرصاً ولا تعد " 1 أي للركوع دون الصفّ، والأظهر: للتأخر حتى تأتي وقد حفزك 2 النفس.
إذ لَمْ يأمره - عليه السلام - بإعادتها.
وطريقة ابن عبد السلام أنّ عدم جبذ المنفرد أحداً مبنيٌ عَلَى المشهور من صحة صلاته، وأما عَلَى القول بالبطلان فيجذبه لئلا تبطل كقول المخالف، وتبعه فِي " التوضيح "، وذلك يقوي أنه مراده هنا، وما قدمناه أبين وأسعد بالنقول.
والله سبحانه أعلم.
وَإِحْضَارُ صَبِيٍّ بِهِ لا يَعْبَثُ ويَكُفُّ إِذَا نُهِيَ.
[قوله (وَإِحْضَارُ صَبِيٍّ بِهِ لا يَعْبَثُ ويكفّ إِذَا نُهي) كذا فِي " المدوّنة "، وجملة لا يعبث صفة لصبيٍ لا حال؛ لأنه نكرة] 3. وَبَصْقٌ بِهِ إِنْ حُصِّبَ، أَوْ تَحْتَ حَصِيرِهِ، ثُمَّ تَحْتَ قَدَمِهِ ثُمَّ يَسَارِهِ، ثُمَّ يَمِينِهِ، ثُمَّ أَمَامَهُ.
وخُرُوجُ مُتَجَالَّةٍ لِعِيدٍ، واسْتِسْقَاءٍ، وشَابَّةٍ لِمَسْجِدٍ ولا يُقْضَى عَلَى زَوْجِهَا بِهِ، واقْتِدَاءُ ذَوِي سُفُنٍ بِإِمَامٍ، وفَصْلُ مَأْمُومٍ بِنَهَرٍ صَغِيرٍ أَوْ طَرِيقٍ.
قوله: (وبَصْقٌ بِهِ إِنْ حُصِّبَ، أَوْ تَحْتَ حَصِيرِهِ، ثُمَّ تَحْتَ قَدَمِهِ ثُمَّ يَسَارِهِ، ثُمَّ يَمِينِهِ، ثُمَّ أَمَامَهُ) ينبغي أن يقرأ بجرّ قدمه عطفاً عَلَى حصيرة، ونصب يمينه وأمامه عطفاً عَلَى تحت، وفِي عبارته قلق 4.

وعُلُوِّ مَأْمُومٍ، ولَوْ بِسَطْحٍ لا عَكْسَهُ.
قوله (وعُلُوِّ مَأْمُومٍ، ولَوْ بِسَطْحٍ لا عَكْسَهُ) أي: فلا يجوز يريد إلا لتعليم كصلاته - صلى الله عليه وسلم - عَلَى المنبر، قاله عياض وقبله ابن عرفة، وفِي البخاري أن أحمد بن حنبل احتجّ به عَلَى الجواز مُطْلَقاً 1. [11 / أ] وبَطَلَتْ بِقَصْدِ إِمَامٍ ومَأْمُومٍ بِهِ الْكِبْرُ.
قوله: (وبَطَلَتْ بِقَصْدِ إِمَامٍ ومَأْمُومٍ بِهِ الْكِبْرُ) هكذا فِي بعض النسخ بباء السببية لا بكاف التشبيه، وذلك أمثل 2 أي: وبطلت الصلاة بسبب قصد الإمام و [17 / أ] المأموم بالعلو الكبر، كأنه تكلّم أولاً فيما إِذَا سلما من قصد الكبر، فنّوعه إِلَى جائز وممنوع قائلاً: (وَعُلُوِّ مَأْمُومٍ، ولَوْ بِسَطْحٍ لا عَكْسَهُ)، ثم تكلّم ثانياً فِي قصدهما الكبر، فقطع بالبطلان فيهما، وذلك مستلزم لعدم جوازهما، وهذا الذي سلك تمكن تمشيته مَعَ بعض النقول.
فأما ما ذكره فِي الإمام فإليه ذهب أبو إسحاق التونسي فقال: إنما تجب الإعادة عَلَيْهِ وعليهم إِذَا فعل ذلك عَلَى وجه الكبر، وأما لو ابتدأ يصلي لنفسه عَلَى دكان، فجاء رجل فصلى أسفل منه لجازت صلاتهما؛ لأن الإمام هنا لَمْ يقصد الكبر، وكذا إِذَا فعلوا ذلك للضيق.
انتهى، ونحوه للخمي فِي الذي ابتدأها وحده، وكذا حكى ابن يونس فِي الضيق عن سحنون ويحيي بن عمر قال: وأخذه فضل من قوله فِي " المدوّنة ": لأنهم يعبثون 3. وأما ما ذكره فِي المأموم فقد حكى عبد الحقّ فِي " التهذيب " أن بعض شيوخه نحى إِلَى أن المأمومين لو قصدوا الكبر بعلوهم لأعادوا، لعبثهم.
انتهى.
إلاّ أنّ المأموم إِذَا لَمْ يقصد

الكبر متفق عَلَى عدم بطلان صلاته، والإمام إِذَا لَمْ يقصده مختلفٌ فيه فقيل: بعدم البطلان كما تقدّم، وهو مفهوم كلام المصنف عَلَى النسخة التي اخترناها.
وقيل: بالبطلان؛ حمايةً للذرائع، وأخذاً بعموم النهي فِي الحديث، وهو ما فِي مسند ابن [سحنون] 1 أن حذيفة بن اليمان قام يصلّي عَلَى دكان فجذبه سلمان فقال: ما أدري أطال العهد أم نسيت؟ أما سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " لا يصلي الإمام عَلَى شئ أنشذ مما عَلَيْهِ أصحابه " 2؟ قال ابن بشير: وكأنه - عليه السلام - أشار إِلَى ما أحدثه بنو أميّة، وكانوا يتخذون لأنفسهم مواضع مرتفعة يعلون بها عَلَى الناس فِي الإمامة تكبّراً منهم.
إِلا بِكَشِبْرٍ، وهَلْ يَجُوزُ إِنْ كَانَ مَعَ الإِمَامِ طَائِفَةٌ كَغَيْرِهِمْ؟ تَرَدُّدٌ، ومُسَمِّعٌ واقْتِدَاءٌ بِهِ، أَوْ بِرُؤْيَةٍ، وإِنْ بِدَارٍ.
قوله: (إِلا بِكَشِبْرٍ) هذا مثتثنى من قوله: (لا عكسه)، وهو تفسير لليسير الذي فِي " المدوّنة " 3. قال ابن عبد السلام: لأن المقصود منه ظهور أفعال الإمام للمأمومين ليقتدوا به كصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - عَلَى المنبر 4. انتهى.
وعن ابن عرفة: أنه كان يطيل ذيل سجادة المحراب حتى يشاركه الناس فِيهَا.
وشَرْطُ الاقْتِدَاءِ نِيَّةٌ، بِخِلافِ الإِمَامِ ولَوْ بِجَنَازَةٍ.
قوله: (وشَرْطُ الاقْتِدَاءِ نِيَّةٌ) قال ابن عبد السلام: كان بعض أشياخ شيوخنا يقول هذا الشرط لابد منه، ولكنه لا يلزم التعرض إليه بما يدل عَلَيْهِ مطابقة؛ إذ هناك ما يدل عَلَيْهِ التزاماً كانتظار المأموم إمامه بالإحرام، ولو سئل حينئذ عن سبب الانتظار لأجاب بأنه مأموم.
وما قاله ظاهر.
انتهى.
قال القباب: وهذا واضح وكلام المازري نص أو كالنصّ فِي ذلك؛ لأنه قال إِذَا

قارنت الأفعال الأفعال بقصد ذلك وتعمدٍ له فهذا معنى النية، ولابد من افتتاح الصلاة بها لئلا يمضي جزء من الصلاة لَمْ تقصد فيه المتابعة، ولقد قال بعض الناس فِي معارضة ذلك: إن النية من باب القصد والإرادات لا من باب الشعور والإدراكات، وهذا الذي قاله لا معارضة فيه [بوجهٍ] 1؛ لأن من جاء [إِلَى المسجد بقصد] 2 الصلاة، وقعد فِي المسجد ينتظر الإمام لا يقال فيما فعل: إنه [شعر] 3 بمجيئه إِلَى المسجد ولم يقصده، أو أشعر بانتظاره الإمام ولم يرده، بل قصد المسجد للائتمام وانتظر الإمام بقصد، وقام للصلاة وتهيأ للدخول فِيهَا وبقي ينتظر الإمام، كل ذلك بإرادة وقصد.
إِلا جُمُعَةً وجَمْعاً، [وَخَوْفاً] 4 ومُسْتَخْلَفاً.
قوله: (إِلا جُمُعَةً وجَمْعاً وخَوْفاً ومُسْتَخْلَفاً) مراده بالجمع: الجمع ليلة المطر لا كلّ جمع، وعند ابن عرفة فِي الاستخلاف نظر؛ لأن المستخلف كمؤتم به ابتداءاً لصحة صلاتهم أفذإِذَا، ونحوه للقبّاب إذ قال: هذا عَلَى القول بأنه لا يجوز لهم إن يُتمّوا أفذاذَا، وهو قول ابن عبد الجكم.
انتهى.
وتمام البحث فيه فِي: " تكميل التقييد وتحليل التعقيد " الذي وضعناه عَلَى " المدوّنة ". كَفَضْلِ الْجَمَاعَةِ، واخْتَارَ فِي الأَخِيرِ خِلافَ الأَكْثَرِ.
قوله: (كَفَضْلِ الْجَمَاعَةِ) ابن عرفة يلزم عَلَيْهِ إعادة من ائتم به غيره ولَمْ ينو الإمامة فِي جماعة.
5 انتهى.
ونحوه لابن عبد السلام.
ومُسَاوَاةٌ فِي الصَّلاةِ، وإِنْ بِأَدَاءٍ وقَضَاءٍ، أَوْ بِظُهْرَيْنِ مِنْ يَوْمَيْنِ، إِلا نَفْلاً خَلْفَ فَرْضٍ ولا يَنْتَقِلُ مُنْفَرِدٌ لِجَمَاعَةٍ كَالْعَكْسِ، وفِي مَرِيضٍ اقْتَدَى بِمِثْلِهِ فَصَحَّ قَوْلانِ.

قوله: (إلا نفلاً خلف فرض 1) ابن عرفة: عَلَى جواز النفل بأربع أو فِي سفر.
ومُتَابَعَةٌ فِي إِحْرَامٍ وسَلامٍ فَالْمُسَاوَاةُ وإِنْ بِشَكٍّ فِي الْمَأْمُومِيَّةِ مُبْطَلَةٌ.
قوله: (فَالْمُسَاوَاةُ وإِنْ بِشَكٍّ فِي الْمَأْمُومِيَّةِ.
مُبْطَلَةٌ) الشك فِي المأمومية قد يكون من أحدهما كما علمت، وقد يكون منهما كما فرض سحنون فِي رجلين ائتم أحدهما بالآخر، فشكّا فِي تشهدهما فِي الإمام منهما، [17 / ب] فإن سلّما معاً فعلى الخلاف فِي المساواة، إلا أن المصنف اقتصر هنا عَلَى القول بالبطلان، وإن تعاقبا صحت للثاني فقط، ولو كان أحدهما مسافراً سلّم المسافر، وأعاد وأتمّ الآخر ولا يعيد، ولو نوى كلّ من المصليين عند الإحرام إمامة الآخر صحّت صلاتهما فذين، ولو نوى كل واحد منهما حينئذ أن يأتمّ بالآخر بطلت صلاتهما معاً.
لا 2 الْمُسَاوَقَةُ كَغَيْرِهِمَا لَكِنْ سَبْقُهُ مَمْنُوعٌ، وإِلا كُرِهَ.
قوله (لا الْمُسَاوَقَةُ 3 كَغَيْرِهِمَا) عبارة فِيهَا قلق؛ ولذلك ذكر لي عن بعض أصحابنا أنه قال: لعل صوابه كالمسابقة لا غيرهما، فتصحفت الكاف بلا، ولا بالكاف، والباء بالواو، فتأمله 4. وأُمِرَ الرَّافِعُ بِعَوْدِهِ إِنْ عَلِمَ إِدْرَاكَهُ قَبْلَ رَفْعِهِ، لا إِنْ خَفَضَ، ونُدِبَ تَقْدِيمُ سُلْطَانٍ ثُمَّ رَبِّ مَنْزِلٍ والْمُسْتَأْجِرِ عَلَى الْمَالِكِ وإِنْ عَبْداً كَامْرَأَةٍ، واسْتَخْلَفَتْ، ثُمَّ زَائِدِ فِقْهٍ، ثُمَّ حَدِيثٍ، ثُمَّ قِرَاءَةٍ، ثُمَّ عِبَادَةٍ، ثُمَّ بِسِنِّ إِسْلامٍ، ثُمَّ بِنَسَبٍ، ثَّم بِخَلْقٍ، ثُمَّ بِلِبَاسٍ إِنْ عَدِمَ نَقْصَ مَنْعٍ أَوْ كُرْهٍ، واسْتِنَابَةُ النَّاقِصِ كَوُقُوفِ ذَكَرٍ عَنْ يَمِينِهِ، واثْنَيْنِ خَلْفَهُ.
وصَبِيٌّ عَقَلَ الْقُرْبَةَ كَالْبَالِغِ ونِسَاءٌ خَلْفَ الْجَمِيعِ، ورَبُّ الدَّابَّةِ أَوْلَى بِمُقَدِّمِهَا.
قوله (وأُمِرَ الرَّافِعُ بِعَوْدِهِ إِنْ عَلِمَ إِدْرَاكَهُ قَبْلَ رَفْعِهِ، لا إِنْ خَفَضَ) الذي ظهر لي من نقولهم أنّه إن علم إدراك الإمام فيما فارقه منه استوى فِي ذلك الرافع والخافض فِي الأمر

بالعود، ولَمْ تختلف الطرق فِي هذا، وإنما اختلفت طريقة الباجي وابن رشد 1 واللخمي فيما إِذَا لَمْ يعلم إدراكه، بخلاف ما تعطيه عبارة المصنف، وقد أشبعنا الكلام [فِي ذلك] 2 فِي: " تكميل التقييد وتحليل التعقيد " فقف عَلَيْهِ.
وبالله تعالى التوفيق.
والأَوْرَعُ، والْعَدْلُ والْحُرُّ والأَبُ، والْعَمُّ عَلَى غَيْرِهِمْ.
قوله: (والأَوْرَعُ، والْعَدْلُ والْحُرُّ والأَبُ، والْعَمُّ عَلَى غَيْرِهِمْ).
لعلّ مراده بالعدل: الأعدل؛ لأنه قطع قبل ببطلان صلاة من ائتمّ بفاسق 3. ورَكَعَ مَنْ خَشِيَ فَوَاتَ رَكْعَةٍ دُونَ الصَّفِّ، إِنْ ظَنَّ إِدْرَاكَهُ قَبْلَ الرَّفْعِ وإِنْ تَشَاحَّ مُتَسَاوُونَ لا لِكِبْرٍ اقْتَرَعُوا، وكَبَّرَ الْمَسْبُوقُ لِرُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ بِلا تَأْخِيرٍ لا لِجُلُوسٍ، وقَامَ بِتَكْبِيرٍ إِنْ جَلَسَ فِي ثَانِيَةٍ، إِلا مُدْرِكَ التَّشَهُّدِ، وقَضَى الْقَوْلَ وبَنَى الْفِعْلَ.
قوله: (وَرَكَعَ مَنْ خَشِيَ فَوَاتَ رَكْعَةٍ دُونَ الصَّفِّ، إِنْ ظَنَّ إِدْرَاكَهُ قَبْلَ الرَّفْعِ) الظاهر أن ضمير (إِدْرَاكَهُ) يعود عَلَى الصفّ، فهو كقوله فِي " المدوّنة ": وحيث يطمع إِذَا دبّ راكعاً وصل إليه.
ومفهومه إن لَمْ يظن ذلك تمادى إِلَى الصفّ وإن فاتته الركعة وهذا قول مالك واختاره ابن رشد، وأمّا قوله فِي " المدوّنة ": وإن لَمْ يرج ذلك أحرم مكانه 4 فهو لابن القاسم، واختاره أبو اسحاق التونسي وبسطه فِي رسم اغتسل من سماع ابن القاسم 5. يَدِبُّ كَالصَّفَّيْنِ لآخِرِ فُرْجَةٍ.
قوله: (يَدِبُّ كَالصَّفَّيْنِ لآخِرِ فُرْجَةٍ) سماها آخر بالنسبة لجهة الداخل لا لجهة الإمام.

قَائِماً، أَوْ رَاكِعاً، لا سَاجِداً، أَوْ جَالِساً.
وَإِنْ شَكَّ فِي الإِدْرَاكِ أَلْغَاهَا، وإِنْ كَبَّرَ لِرُكُوعٍ، ونَوَى بِهَا الْعَقْدَ، أَوْ نَوَاهُمَا، أَوْ لَمْ يَنْوِهِمَا، أَجْزَأَهُ، وإِنْ لَمْ يَنْوِهِ نَاسِياً لَهُ تَمَادَى الْمَأْمُومُ فَقَطْ.
وفِي تَكْبِيرِ السُّجُودِ تَرَدُّدٌ، وإِنْ لَمْ يُكَبِّرِ اسْتَأْنَفَ.
قوله: (قَائِماً، أَوْ رَاكِعاً) خلاف ما دلّ عَلَيْهِ قوله قبله: (إن ظنّ إدراكه قبل الرفع) من أنّ دبيبه لا يتصور إلاّ فِي الركوع، إلاّ أن يريد أنه [إن] (1) خاب ظنه دبّ قائماً.
فتدبره، وقد استوفينا ما فيه من الخلاف فِي " تكميل التقييد ".

فصل [فِي استخلاف الإمام]

نُدِبَ لإِمَامٍ خَشِيَ تَلَفَ مَالٍ، أَوْ نَفْسٍ، أَوْ مُنِعَ الإِمَامَةَ لِعَجْزٍ، أَوِ الصَّلاةَ بِرُعَافٍ، أَوْ سَبْقِ حَدْثٍ، وذِكْرِهِ اسْتِخْلافٌ وإِنْ بِرُكُوعٍ، أَوْ سُجُودٍ، ولا تَبْطُلُ إِنْ رَفَعُوا بِرَفْعِهِ قَبْلَهُ، ولَهُمْ إِنْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ، ولَوْ أَشَارَ لَهُمْ بِالانْتِظَارِ، واسْتِخْلافُ الأَقْرَبِ، وتَرْكُ كَلامٍ فِي كَحَدَثٍ، وتَأَخَّرَ مُؤْتَمَّاً فِي الْعَجْزِ، ومَسْكُ أَنْفِهِ فِي خُرُوجِهِ، وتَقَدُّمُهُ إِنْ قَرُبَ، وإِنْ بِجُلُوسِهِ، وإِنْ تَقَدَّمَ غَيْرُهُ صَحَّتْ كَأَنِ اسْتَخْلَفَ مَجْنُوناً [11 / ب]، ولَمْ يَقْتَدُوا بِهِ، أَوْ أَتَمُّوا وِحْدَاناً، أَوْ بَعْضُهُمْ، أَوْ بِإِمَامَيْنِ، إِلا الْجُمُعَةَ، وقَرَأَ مِنَ انْتِهَاءِ الأَوَّلِ، وابْتَدَأَ بِسِرِّيَّةٍ، إِنْ لَمْ يَعْلَمِ [الأَوَّلَ] 2. قوله: (ولَوْ أَشَارَ لَهُمْ بِالانْتِظَارِ) يقتضي هذا الاغياء أن عدم انتظاره مندوب، وهو خلاف قوله بعد: (كَعَوْدِ الإِمَامِ لإِتْمَامِهَا) والخلاف فِي الموضعين ولا يلزم أن يكون فِي الثاني مرتباً عَلَى الأول.
والله تعالى أعلم.
وصِحَّتُهُ بِإِدْرَاكِ مَا قَبْلَ الرُّكُوعِ.
قوله: (وصِحَّتُهُ بِإِدْرَاكِ مَا قَبْلَ الرُّكُوعِ) أي: بإدراك ما قبل تمام الركوع.
وَإِلا فَإِنْ صَلَّى لِنَفْسِهِ أَوْ بَنَى بِالأُولَى أَوِ الثَّالِثَةِ صَحَّتْ، وإِلا فَلا كَعَوْدِ الإِمَامِ لإِتْمَامِهَا، وإِنْ جَاءَ بَعْدَ الْعُذْرِ فَكَأَجْنَبِيٍّ.
قوله: (وإِلا فَإِنْ صَلَّى لِنَفْسِهِ أَوْ بَنَى بِالأُولَى أَوِ الثَّالِثَةِ صَحَّتْ) حقه أن يفرع هذا عَلَى1

قوله: (وإن جاء بعداً لعذر فكأجنبي) كما فعل ابن الحاجب 1، وقرره فِي " التوضيح "، وإلا فمن لَمْ يدرك جزءاً يعتد به يستحيل بناءه بالأولى.
تنبيه: لهذا يرجع قول من قال: إن استخلفه عَلَى شفع صحت، وعَلَى وترٍ بطلت.
قال المازري: شفع المغرب كوتر غيرها، وكذا اختصره ابن عرفة.
وجَلَسَ لِسَلامِهِ الْمَسْبُوقُ كَأَنْ سُبِقَ هُوَ، لا الْمُقِيمُ يَسْتَخْلِفُهُ مُسَافِرٌ، لِتَعَذُّرِ مُسَافِرٍ، أَوْ جَهْلِهِ، فَيُسَلِّمُ الْمُسَافِرُ، ويَقُومُ غَيْرُهُ لِلْقَضَاءِ.
[قوله] 2: (وَجَلَسَ لِسَلامِهِ الْمَسْبُوقُ كَأَنْ سُبِقَ هُوَ) عبارة فِيهَا قلق؛ ولكن مراده معروف 3. وإِنْ جَهِلَ مَا صَلَّى أَشَارَ فَأَشَارُوا وإلا سُبِّحَ بِهِ.
قوله: (وَإِنْ جَهِلَ مَا صَلَّى أَشَارَ فَأَشَارُوا وإلا سُبِّحَ بِهِ) قُدّمت الإشارة عَلَى التسبيح؛ لأنها تُحصّل المقصود بمرة بخلاف التسبيح، قاله ابن عبد السلام، زاد ابن شاس وابن الحاجب: وإلا تكلّم 4، فلعلّ المصنّف أسقطه قصداً إذ قال فِي " التوضيح ": فيه نظر لما قدمناه فِي الكلام لإصلاحها.
وكأنه لَمْ يقف عَلَى ما فِي سماع موسى من إباحة الكلام فِي هذا إِذَا تعذر غيره، وقال ابن رشد: إنه الجاري عَلَى المشهور 5.

وإِنْ قَالَ لِلْمَسْبُوقِ أَسْقَطْتُ رُكُوعاً عَمِلَ عَلَيْهِ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ خِلافَهُ، وسَجَدَ قَبْلَهُ إِنْ لَمْ تَتَمَحَّضْ زِيَادَةٌ بَعْدَ صَلاةِ إِمَامِهِ.
قوله: (وإِنْ قَالَ لِلْمَسْبُوقِ أَسْقَطْتُ رُكُوعاً عَمِلَ عَلَيْهِ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ خِلافَهُ) يشمل أربعة: عالم الإسقاط، وظانّه، وظانّ عدمه، والشاكّ كما تقدّم تحريره فِي قيام الإمام لخامسة (1).

فصل فِي صلاة المسافر

سُنَّ لِمُسَافِرٍ غَيْرِ عَاصٍ بِهِ ولاهٍ أَرْبَعَةَ بُرُدٍ، ولَوْ بِبَحْرٍ ذِهَاباً قُصِدَتْ دُفْعَةً، إِنْ عَدَّىَ الْبَلَدِيُّ الْبَسَاتِينَ الْمَسْكُونَةَ، وتُؤُوِّلَتْ أَيْضاً عَلَى مُجَاوَزَةِ ثَلاثَةِ أَمْيَالٍ بِقَرْيَةِ الْجُمُعَةِ، والْعَمُودِيُّ حِلَّتَهُ، وانْفَصَلَ غَيْرُهُمَا قَصْرُ رُبَاعِيَّةٍ وَقُتِيَّةٍ، أَوْ فَائِتَةٍ فِيهِ، وإِنْ نُوِيَتَا بِأَهْلِهِ إِلَى مَحَلِّ الْبَدْءِ لا أَقَلَّ إِلا الْمَكِّيَّ فِي خُرُوجِهِ لِعَرَفَةَ ورُجُوعِهِ، ولا لِرَاجِعٍ لِدُونِهَا، ولَوْ لِشَيْءٍ نَسِيَهُ، ولا عَادِلٌ عَنْ قَصْرٍ بِلا عُذْرٍ، ولا هَائِمٌ، وطَالِبُ رَعْيٍ إِلا أَنْ يَعْلَمَ قَطْعَ الْمَسَافَةِ قَبْلَهُ، ولا مُنْفَصِلٌ يَنْتَظِرُ رُفْقَةً إِلا أَنْ يَجْزِمَ بِالسَّيْرِ دُونَهَا، وقَطَعَهُ دُخُولُ بَلَدِهِ.
قوله: (وقَطَعَهُ دُخُولُ بَلَدِهِ) الدخول فِي هذه بالرجوع، وبلده [الموضع] 2 الذي تقدّمت فيه إقامته، فهو أعمّ من وطنه، بدليل الاستثناء، والدخول فِي التي بعدها بالمرور، ووطنه أخصّ من بلده.
وإِنْ بِرِيحٍ إِلا مُتَوَطِّنَ كَمَكَّةَ رَفَضَ سُكْنَاهَا، ورَجَعَ نَاوِياً السَّفَرَ، وقَطَعَهُ دُخُولُ وطَنِهِ، أَوْ مَكَانَ زَوْجَةٍ دَخَلَ بِهَا فَقَطْ وإِنْ بِرِيحٍ غَالِبَةٍ، ونِيَّةُ دُخُولِهِ ولَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ الْمَسَافَةُ.
قوله: (وإِنْ بِرِيحٍ) الريح فِي هذه ألجأته لدخول الرجوع 3 وفِي التي بعدها الجأته لدخول المرور.1

وَنِيَّةُ إِقَامَةِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ صِحَاحٍ، ولَوْ بِخِلالِهِ إِلا الْعَسْكَرَ بِدَارِ الْحَرْبِ، أَوِ الْعِلْمُ بِهَا عَادَةً - لا الإِقَامَةُ وإِنْ تَأَخَّرَ سَفَرُهُ.
قوله: (ولَوْ بِخِلالِهِ) [18 / أ] هو كقول ابن الحاجب: وإن كانت بخلاله 1. وقد جوّز فيه ابن عبد السلام أن يكون تنبيهاً عَلَى ما إِذَا خرج لسفرٍ طويل ناءٍ، وباليسير ما لا تقصر فيه الصلاة، ويقيم أربعة أيام ثم يسير ما بقي من المسافة فلا شكّ أنه يتم فِي مقامه، واختلف هل يتم فِي مسيره، وجَوّز أَيْضاً أن يكون رفعاً لما يتوهم من أن نية الإقامة إنما تؤثر إِذَا كانت فِي غير السفر، أما إِذَا كانت فِي أضعافه فلا أثر لها؛ لأنها حينئذ كأنها فِي غير محل.
انتهى.
[فإن أراد] 2 هنا الأول؛ فقد أشار (بلو) إِلَى خلافٍ مذهبي، إلاّ أن الثاني أمسّ بلفظه، [مَعَ أن] 3 الأول مستفاد من قوله فيما سبق: (قصدت دفعه).
وإِنْ نَوَاهَا بِصَلاةٍ شَفَعَ ولَمْ تُجْزِ حَضَرِيَّةً ولا سَفَرِيَّةً، وبَعْدَهَا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ، وإِنِ اقْتَدَى مُقِيمٌ بِهِ فَكُلٌّ عَلَى سُنَّتِهِ، وكُرِهَ كعكسه، وتَأَكَّدَ، وتَبِعَهُ ولَمْ يُعِدْ، وإِنْ أَتَمَّ مُسَافِرٌ نَوَى إِتْمَاماً [أَعَادَ بِوَقْتٍ] 4، وإِنْ سَهْواً سَجَدَ والأَصَحُّ إِعَادَتُهُ كَمَأْمُومِهِ بِوَقْتٍ، والأَرْجَحُ الضَّرُورِيُّ إِنْ تَبِعَهُ، وإِلا بَطَلَتْ كَأَنْ قَصَرَ عَمْداً، والسَّاهِي كَأَحْكَامِ السَّهْوِ، وكَأَنْ أَتَمَّ، ومَأْمُومُهُ بَعْدَ نِيَّةِ قَصْرٍ عَمْداً وَسَهْواً أَوْ جَهْلاً فَفِي الْوَقْتِ، وسَبَّحَ مَأْمُومُهُ ولا يَتْبَعُهُ وسَلَّمَ الْمُسَافِرُ بِسَلامِهِ، وأَتَمَّ غَيْرُهُ بَعْدَهُ أَفْذَاذاً وأَعَادَ فَقَطْ بِالْوَقْتِ، وإِنْ ظَنَّهُمْ سَفْراً فَظَهَرَ [12 / أ] خِلافُهُ أَعَادَ أَبَداً، إِنْ كَانَ مُسَافِراً كَعَكْسِهِ.
قوله: (وإِنْ أَتَمَّ مُسَافِرٌ نَوَى إِتْمَاماً أَعَادَ بِوَقْت) كذا فِي بعض النسخ، وبه يصح الكلام 5 ويكون قوله: (وإِنْ سَهْواً سَجَدَ) مستأنفاً.

وفِي تَرْكِ نِيَّةِ الْقَصْرِ والإِتْمَامِ تَرَدُّدٌ، ونُدِبَ تَعْجِيلُ الأَوْبَةِ، والدُّخُولُ ضُحًى.
ونُدِبَ تَعْجِيلُ الأَوْبَةِ، والدُّخُولُ ضُحًى.
قوله: (وفِي ترك نية القصر والإتمام تَرَدُّدٌ) هذا فِي حقّ المسافر لا المقيم كما قيل.
وَرُخِّصَ لَهُ جَمْعُ الظُّهْرَيْنِ بِبَرٍّ، وإِنْ قَصُرَ ولَمْ يَجِدْ، بِلا كُرْهٍ، وفِيهَا شَرْطُ الْجِدِّ.
قوله: (ورُخِّصَ لَهُ جَمْعُ الظُّهْرَيْنِ بِبَرٍّ) أي: لا ببحر قال فِي " النكت ": لأنا إنما نبيح للمسافر فِي البر الجمع من أجل جد السير، وخوف فوات أمر، وهذا غير موجود فِي المسافر بالريح.
انتهى.
فتأمل هل يلزم عَلَيْهِ أنّ من لا يشترط الشرطين فِي البر يبيح الجمع فِي البحر فيعارض قوله: (وإن قصر ولم يجد).
لإِدْرَاكِ أَمْرٍ بِمَنْهَلٍ 1 زَالَتْ بِهِ، ونَوَى النُّزُولَ بَعْدَ الْغُرُوبِ، وقَبْلَ الاصْفِرَارِ أَخَّرَ الْعَصْرَ، وبَعْدَهُ خُيِّرَ فِيهَا.
قوله: (بِمَنْهَلٍ زَالَتْ بِهِ، ونَوَى النُّزُولَ بَعْدَ الْغُرُوبِ، وقَبْلَ الاصْفِرَارِ أَخَّرَ الْعَصْرَ، وبَعْدَهُ خُيِّرَ فِيهَا) هكذا فِي أكثر النسخ وهو الصواب، والضمير من قوله: (فِيهَا) يعود عَلَى العصر، وفِي بعض النسخ: ونوى النزول بعد [الاصفرار وقبله] 2 آخر العصر وبعده خيّر فِيهَا، وكأنه [إصلاح] 3 غرّ صاحبه ظاهر قول ابن الحاجب: فإن زالت ونيته النزول بعد الاصفرار جمع مكانه، وقبله الاصفرار صلى الظهر، وأخّر العصر، فإن نوى الاصفرار فقالوا: مخيّر 4. ولا ينبغي أن يحمل عَلَى ظاهره خلافاً لمن فهمه كذلك من شارحيه، ووفاقاً لابن عرفة إذ قال: فإن زالت بمنهله ونوى النزول بعد الغروب جمع به، وقبل الاصفرار لا جمع 5. وبينهما.
قال المازري: فِي جمعه نظر للزوم كون الثانية فِي غير مختارها.
اللخمي: يجوز تأخيره الثانية وهو أولى.

المازري: هذا عَلَى عدم تأثيم من أخّر إليه وإلاّ ففيه نظر.
ابن عرفة: ردّه اللخمي بقوله: لا إثم للضرورة.
ابن بشير: المشهور الجمع، وقيل يؤخر الثانية.
وقول ابن الحاجب: قالوا مخير.
يريد: فِي تأخير الثانية إذ هو المقول، ولا أعرفه لغير الشيخين.
انتهى، ويعني بالشيخين: اللخمي والمازري المتقدمي الذكر.
فقد اتضح لك من كلام ابن عرفة أنه نزّل تخيير ابن الحاجب عَلَى ما بين الاصفرار والغروب، فحمل قوله: نوى الاصفرار عَلَى جميع زمان الاصفرار الذي بين البياض والغروب، لا عَلَى أوّل جزء من الاصفرار، فإن ذلك غير معقول ولا تساعد عَلَيْهِ النقول، فوجب لذلك أن يتأول 1 أَيْضاً [قوله] 2: ونيته 3 النزول بعد الاصفرار.
بأن يقال: أي بعد انقضاء زمان الاصفرار، وذلك بغروب الشمس.
والله تعالى أعلم.
وَإِنْ زَالَتْ رَاكِباً أَخَّرَهُمَا، إِنْ نَوَى الاصْفِرَارَ أَوْ قَبْلَهُ.
قوله: (وَإِنْ زَالَتْ رَاكِباً أَخَّرَهُمَا، إِنْ نَوَى الاصْفِرَارَ أَوْ قَبْلَهُ) الجاري عَلَى ما قدمنا أن يحمل الاصفرار عَلَى جميع ما بين البياض والغروب.
وإِلا فَفِي وَقْتَيْهِمَا كَمَنْ لا يَضْبِطُ نُزُولَهُ وكَالْمَبْطُونِ، ولِلصَّحِيحِ فِعْلُهُ، وهَلِ الْعِشَاءَانِ كَذَلِكَ؟ تَأْوِيلانِ، وقَدَّمَ خَائِفُ الإِغْمَاءِ، والنَّافِضِ، والْمَيْدِ 4، وإِنْ سَلِمَ أَوْ قَدَّمَ ولَمْ يَرْتَحِلْ أَوِ ارْتَحَلَ قَبْلَ الزَّوَالِ ونَزَلَ عِنْدَهُ فَجَمَعَ، أَعَادَ الثَّانِيَةَ بِالْوَقْتِ، وفِي جَمْعِ الْعِشَاءَيْنِ فَقَطْ بِكُلِّ مَسْجِدٍ لِمَطَرٍ أَوْ طِينٍ وظُلْمَةٍ لا لِطِينٍ أَوْ ظُلْمَةٍ أذِّنَ لِلْمَغْرِبِ كَالْعَادَةِ، وأخِّرَ قَلِيلاً، ثُمَّ صُلِّيَا وَلاءً 5 إِلا قَدْرَ أَذَانٍ مُنْخَفِضٍ بِمَسْجِدٍ، وإِقَامَةٍ.
قوله: (وإِلا فَفِي وَقْتَيْهِمَا) أي: وإن لَمْ ينو النزول فِي جميع زمان الاصفرار ولا فيما

فصول الكتاب · 73 فصل · 1173 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شفاء الغليل في حل مقفل خليل · 1173 صفحة
باب يُرْفَعُ الْحَدَثُ وحُكْمُ الْخَبَثِباب الاستنجاء
باب الصلاة
باب فِي الزكاةباب الصيامباب الاعتكاف
باب الحجّ
باب الذكاةباب الأطعمة والأشربةباب الضحية والعقيقةباب الأيمان والنذورباب الجهاد
باب النكاح
باب الطلاقباب التخيير والتمليكباب الرجعةباب الإيلاءباب الظهارباب اللعانباب العدةباب الاستبراءباب الرضاعباب النفقة والحضانةباب البيوعباب الصرفباب المطعوماتباب البيوع المنهي عنهاباب بيوع الآجالباب [بيع] (1) الخيارباب الردّ بالعيبباب المرابحة والمداخلة والثمار، والعرية والجائحة والمنازعةباب السلم والقرض والمقاصّةباب الرهنباب التفليسباب الحجرباب الصلحباب الحوالةباب الضمانباب الشركةباب المزارعةباب الوكالةباب الإقرارباب الاستلحاقباب الإيداعباب العاريةباب الغصبباب الاستحقاقباب الشفعةباب القسمةباب القِرَاضِباب المساقاةباب الإجارةباب الجعلباب إحياء المواتباب الوقفباب الهبةباب اللُقَطةباب الأقضية
باب الشهادة
باب الدماءباب الباغيةباب الردةباب الزناباب القذفباب السرقةباب الحرابةباب الخمر والحد والضمانباب العتقباب التدبيرباب الكتابةباب أم الولد والولاءباب الوصيةباب الفرائض
جارٍ التحميل