شفاء الغليل في حل مقفل خليلالمقدمة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

المقدمة

عن هذه الطبعة
عَلَم
المكناسي، ابن غازي
الكتاب
شفاء الغليل في حل مقفل خليل
المؤلف
أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن علي بن غازي العثماني المكناسي (المتوفى: 919هـ)دراسة وتحقيق: الدكتور أحمد بن عبد الكريم نجيب
الناشر
مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث، القاهرة - جمهورية مصر العربية
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

شفاء الغليل في حل مقفل خليل

  • عَلَم: المكناسي، ابن غازي
  • الكتاب: شفاء الغليل في حل مقفل خليل
  • المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن علي بن غازي العثماني المكناسي (المتوفى: 919هـ)دراسة وتحقيق: الدكتور أحمد بن عبد الكريم نجيب
  • الناشر: مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث، القاهرة - جمهورية مصر العربية
  • الطبعة: الأولى، 1429 هـ - 2008 م
  • عدد الأجزاء: 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

مُخْتَصر خَلِيل للشَّيْخ خَلِيل بن إِسْحَاق الجندي الْمُتَوفَّى 776 هـ

وَمَعَهُ شِفَاءُ الغَلِيلِ فِي حَلِّ مُقفَلِ خَلِيل

تأليف مُحَمَّد بن أَحْمد بن غَازِي العثماني الْمُتَوفَّى 919 هـ

دراسة وَتَحْقِيق الدكتور أَحْمد بن عبد الْكَرِيم نجيب أستاذ الحَدِيث النَّبَوِيّ وعلومه فِي كُلية الدراسات الإسلامية بسراييفو، والأكاديمية الإسلامية بزينيتسا، ومدرس الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة فِي معهد قطر الديني سَابِقًا

مَرْكَز نجيبويه

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، ربِّ يسّر يا كريم.
آمين قال الشيخُ، الفقيهُ، الإمامُ، العالمُ، العلاَّمة، الحافظُ المتقنُ، المحقِّقُ، البليغُ، الصالحُ، الفاضلُ المتبركُ به، الصدر الأوحد، ترجمان الفقهاءِ، ورئيس النُبَهاءِ، أبوعبدالله محمد بن أحمد بن محمد بن محمد علي بن غازي العثماني المكناسي، غفر الله له، وتغمده برحمته، وتجاوز عنه بمنه وكرمه وفضله، وأبقى بركته، ورضي عنه، ونفعنا به وبأمثاله 1: الحمدُ للهِ الذي منّ علينا بنعمة الإسلام، وجعلنا من أمة نبينا محمدٍ عليه الصلاة والسلام؛ فبيّن لنا - صلى الله عليه وسلم - الحدود والأحكام، وفصّل لنا الحلال والحرام، وأورث علماءنا من معارفه ما جلّو به عنّا غياهب الظلام، وكشفوا به عن أبصار بصائرنا سدف 2 الغمام، فصنّفوا لنا في ذلك المطولات الضخام، والمختصرات الصغيرات الأجرام، جزاهم الله تعالى عنّا أفضل ما جزى إماماً عن ذوي إئتام، وجعلنا وإياهم في مستقر رحمته بدار السلام أما بعد: فإنّ مختصر الشيخ العلامة خليل بن إسحاق أفضل نفائس الأعلاق، وأحقّ ما رمق بالأحداق، وصرفت إليه همم الحذّاق؛ إذ هو عظيمُ الجدوى، بليغُ الفحوى، مُبين لما به الفتوى، أو ما هو المرجّح الأقوى، قد جمع الاختصار في شدة الضبط والتهذيب، وأظهر الاقتدار في حسن المساق والترتيب، فما نسج أحدٌ على منوالهِ، ولا سمحت قريحةٌ بمثالهِ، ولله درّ الشيخ الأديب البارع أبي الحسن عليّ بن أبي حمامة السلوى إذ يقول فيه: خَلَلت من قلبي مسالك نفسه ... والروْحَ قد أحكمتَهُ تخليلا أخليلُ إني قد وهبتك خلة ... ما مثلها يهب الخليل خليلا فخليل نفسي من يود خليلها ... وخلاه ذم إن أحب خليلا

ولقد عُني تلميذه الإمام أبو البقاء بهرام 1 بحلِّ رموزه، واستخراج كنوزه، وافتراع 2 أبكاره، واقتباس أنواره، واجتناء ثماره، واجتلاء أقماره بأظرف عبارة، وألطف إشارة، إلاّ أماكن أَضْرَب عنها صفحاً، [أو لم يُجِدها] 3 شرحاً؛ فتحرك مني العزم الساكن، لتتبع تلك الأماكن، فشرحتها في هذا الموضوع بقدر الاستطاعة، وإن كنت في العلم مزجي البضاعة، وأودعته مع ذلك نكتاً جملة، كل نكتة منها تساوي رحلة، وسمّيته بـ: " شِفَاءُ الغَلِيلِ 4 في حلِّ مُقْفَلِ خَلِيلِ "، وأمّا ما خرج من ألفاظِ الشارحِ عن لفظِ المشروحِ، فلا يكون منّي للتنبيه عليه جنوحٌ؛ لأنّ ذلك مما يطول، ويشبه الفضول، ومن الله تعالى أستوهب التوفيق والهداية إلى التحقيق؛ فهو حسبي ونعم الوكيل، وهو على كلّ شيءٍ وكيل.
وقد رأيت أن أقدم هنا مقدمتين: الأولى: [2 / أ] في ذكر بعض مناقب المصنف - رحمه الله تعالى-.
الثانية: في أمور استنبطناها من كلامه بالاستقراء.
أمّا الأولى: فهو خليل بن إسحاق بن يعقوب 5، يُعرف بابن الجندي، كان عالماً

عاملاً مشتغلاً بما يعنيه، حتى حُكي عنه: أنه أقام عشرين سنة لم ير النيل وهو بمصر، وحكي عنه أنه جاء يوماً لمنزل بعض شيوخه، فوجد كَنِيف 1 المنزل مفتوحاً، ولم يجد الشيخ هناك، فسأل عنه؟ فقيل له: إنه شوّشه أمر هذا الكَنِيف، فذهب يطلب من يُستأجر على تنقيته، فقال خليل: أنا أولى بتنقيته، فشمّر ونزل يُنَقّيه، فجاء شيخه فوجده على تلك الحال، والناس قد حلّقوا عليه ينظرون إليه تعجُّباً من فعلِهِ فقال: من هذا؟ فقالوا: خليل؛ فاستعظم الشيخ ذلك، وبالغ في الدعاء له عن قريحة ونية صادقة، فنال بركة دعائه، ووضع الله تعالى البركة في عمره.
فسبحان الفتّاح العليم.
وحدثنا شيخنا أبو زيد الكاواني 2، عمن رأي خليلاً بالديار المصرية: يلبس الثياب القصار، أظنّه قال: ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
وسمعت شيخنا العلاّمة أبا عبد الله القوري 3 يحكي أنه بلغه عنه أنّه كان من أهل المكاشفات، وأنه مرّ بطباخ دلّس الناس ببيع لحم الميتة، فكاشفه وزجره؛ فأقرّ وتاب على يديه.
أخذ رحمه الله تعالى عن الشيخ الفقيه الصالح أبي محمد 4 عبد الله المنوفي 5 ... وغيره،

وتوفي ثالث عشر أحد شهري ربيع سنة ست وسبعين وسبعمائة 1، وفي هذه السنة توفي الشيخ أبو عمران موسى بن محمد بن معطي العبدوسي 2، وأبو عبد الله بن الخطيب السلماني 3. وأمّا المقدمة الثانية: فمن عادته أنه لا يمثِّل بشيء إلاّ لنكتة، من رفع إيهام، أو تحذير من هفوة، أو إشارة لخلاف، أو تعيين لمشهور، أو تنبيه بالأدنى على الأعلى، وعكسه، أو محاذاة نصّ الكتاب أو نحو ذلك، مما يستطعمه من فتح له في فهمه.
ومن قاعدته: أنه إذا جمع نظائر وكان في بعضها تفصيل أخّره، وقيّده بأحد طرفي التفصيل، ثم يتخلّص منه لطرفه الآخر مع ما يناسبه من الفروع فيحسن تخلّصه غاية، وينتظم الكلام، ويأخذ بعضه بحجزة بعض.

ومن قاعدته غالباً أنه: إذا جمع مسائل مشتركة في الحكم والشرط نسّقها بالواو، فإذا جاء بعدها بقيدٍ علمنا أنه منطبق على الجميع، وإن كان القيد مختصاً ببعضها أدخل عليه كاف التشبيه، فإذا جاء بالقيد علمنا أنه لما بعد الكاف.
وأمّا نسجه على منوال ابن الحاجب 1 في بعض اصطلاحه فواضح 2.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَقُولُ الْفَقِيرُ الْمُضْطَرُّ لِرَحْمَةِ رَبِّهِ، الْمُنْكَسِرُ خَاطِرُهُ لِقِلَّةِ الْعَمَلِ والتَّقْوَى، خَلِيلُ ابْنُ إِسْحَاقَ [ابْنِ مُوسَى عَفَا اللهُ عَنْهُ بِمَنِّهِ] 1 [الْمَالِكِيُّ] 2 الْحَمْدُ للهِ حَمْداً يُوَافِي مَا تَزَايَدَ مِنَ النِّعَمِ، والشُّكْرُ لَهُ عَلَى مَا أَوْلانَا مِنَ الْفَضْلِ والْكَرَمِ، لا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْهِ هُوَ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ، ونَسْأَلُهُ اللُّطْفَ والإِعَانَةَ فِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ، وحَالَ حُلُولِ الإِنْسَانِ فِي رَمْسِه 3. وَالصَّلاةُ والسَّلامُ، عَلَى مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الْعَرَبِ والْعَجَمِ، الْمَبْعُوثِ لِسَائِرِ الأُمَمِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وأَصْحَابِهِ وأَزْوَاجِهِ وذُرِّيَّتِهِ وأُمَّتِهِ أَفْضَلِ الأُمَمِ.
وبَعْدُ: فَقَدْ سَأَلَنِي جَمَاعَةٌ أَبَانَ اللهُ لِي ولَهَمُ مَعَالِمَ التَّحْقِيقِ، وسَلَكَ بِنَا وبِهِمْ أَنْفَعَ طَرِيقٍ، مُخْتَصَراً عَلَى مَذْهَبِ الإِمَامِ مَالِكٍ بْنِ أَنَسٍ رَحِمَهْ اللهُ تَعَالَى، مُبَيِّناً لِمَا بِهِ الْفَتْوَى، فَأَجَبْتُ سُؤَالَهُمْ بَعْدَ الاسْتِخَارَةِ.
مُشِيراً بِـ (فِيهَا) لِلْمُدَوَّنَةِ.
قوله: (مُشِيرًا بِفِيهَا لِلْمُدَوَّنَةِ 4) يريد وبنحو: رُويت، وحُملت، وظاهرها، وأُقيمَ منها.
وَبِـ (أَوَّلَ) إِلَى اخْتِلافِ شَارِحِيهَا 5 فِي فَهْمِهَا.
قوله: (وَبِأَوَّلَ إِلَى اخْتِلافِ شَارِحِيهَا فِي فَهْمِهَا) أي: ومشيراً بمادة (أول) ليندرج

نحو: تأويلان وتأويلات، وهذا النوع من الاختلاف إنما هو في جهات محمل لفظ الكتاب، وليس في آراء في الحمل على حكم من الأحكام فتعد أقوالاً.
وَبِـ (الاخْتِيَارِ) لِلَّخْمِيِّ 1، لَكِنْ إِنْ كَانَ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ فَذَلِكَ لاخْتِيَارِهِ هُوَ فِي نَفْسِهِ، وبِالاسْمِ فَذَلِكَ لاخْتِيَارِهِ مِنَ الْخِلافِ، وبِـ (التَّرْجِيحِ) لابْنِ يُونُسَ 2 كَذَلِكَ.
وبِـ (الظُّهُورِ) لابْنِ رُشْدٍ 3 كَذَلِكَ وبِـ (الْقَوْلِ) لِلْمَازِرِيِّ 4 كَذَلِكَ .. قوله: (وَبِالاخْتِيَارِ لِلَّخْمِيِّ .. إلى آخره) إنما جعل الفعل لاختيار الأشياخ في أنفسهم، والاسم والوصف لاختيارهم من الخلاف المنصوص لمن قبلهم؛ لأن الفعل يدل على الحدوث، والوصف يدل على الثبوت، وخصّهم بالتعيين لكثرة تصرفهم [2 / ب] في الاختيار.
وبدأ باللخمي؛ لأنه أجرأهم على ذلك؛ ولذا خصه بمادة الاختيار 5.

وخصّ ابن يونس بالترجيح؛ لأن أكثر اجتهاده في الميل مع بعض أقوال من سبقه، وما يختاره لنفسه قليل.
وخصّ ابن رشد بالظهور لاعتماده كثيراً على ظاهر الروايات فيقول: يأتي على رواية كذا وكذا، وظاهر ما في سماع كذا وكذا 1. وخصّ المازري بالقول؛ لأنه لما قويت عارضته في العلوم، وتصرّف فيها تصرف المجتهدين كان صاحب قول يعتمد عليه: إذا قَالت حَذامِ فصدّقوها ... فإنّ القَوْلَ مَا قَالَتْ حَذامِ 2

ولا حجر فى اصطلاح ولا تسمية 3. توفي أبو الحسن اللخمي سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، وأبو بكر بن يونس سنة واحد وخمسين وأربعمائة، وأبو الوليد بن رشد سنة عشرين وخمسمائة، وأبو عبد الله المازري سنة ست وثلاثين وخمسمائة، وقد نيّف على الثمانين سنة.

وقد عرّف عياض 1 بالأوّلين في " المدارك " 2 وبالآخرين في: " الغنية " 3؛ غير أنه لم يذكر وفاة ابن يونس؛ وإنما أفادنيها شيخنا العلاّمة أبو عبد الله القوري.
وَحَيْثُ قُلْتُ: (خِلافٌ) فَذَلِكَ لِلاخْتِلافِ فِي التَّشْهِيرِ، وحَيْثُ ذَكَرْتُ (قَوْلَيْنِ) أَوْ (أَقْوَالاً) فَذَلِكَ لِعَدَمِ اطِّلاعِي فِي الْفَرْعِ عَلَى أَرْجَحِيَّةٍ مَنْصُوصَةٍ.
فإن قلت: لم قال أولاً: (وَحَيْثُ قُلْتُ: خِلافٌ)؟ فعبّر بالقول، ورفع لفظَ خلاف، وقال ثانياً: (وحَيْثُ ذَكَرْتُ قَوْلَيْنِ أَوْ أَقْوَالاً) فعبّر بالذكر، ونصب (قولين) و (أقوالاً)؟ قلت: لما كان ذكره الأقوال أعمّ من أن يتلفظ بها أو يقول مثلاً: وهل كذا أو كذا ثالثها كذا، ورابعها كذا، لم يصلح الرفع على الحكاية، ولا القول المناسب؛ لذلك فلو قال وحيث قلت أقوال؛ لخرح ما لم يتلفظ به بصيغة القول كثالثها رابعها، بخلاف (خلاف)؛ فإن حكايته بعد القول لا تُخْرِج معنىً يريد إدخاله.
فإن قلتَ: لا يطَّرد ذلك بهذا إلا في الأقوال لا القولين.
قلت: بل هو جارٍ في القولين أيضاً كقوله في باب الرهن: (وَرَجَعَ صَاحِبُهُ بِقِيمَتِهِ أَوْ بِمَا أَدَّى مِنْ ثَمَنِهِ، نُقِلَتْ عليهما).
ولو لم يوجد له في القولين لقلنا: لمّا بيّن وجه اصطلاحه فيهما دفعة كانت التثنية تبعاً للجمع، قيل: وبحمل المستفتي على معين من الأقوال المستوية جرى العمل، وقد ذكر اللخمي في ذلك قولين في باب صلاة السفر فقال:

وإذا كان في البلد فقهاء ثلاثة كلٌ يرى غير رأي صاحبيه وكلٌ أهل للفتوى، جاز للعامي أن يقلّد أيهم أحبّ، وإن كان عالم واحد فترجحت عنده الأقوال جرت على قولين: أحدهما: أن له أن يحمل المستفتي على أيهما أحب والثاني: أنه في ذلك كالناقل يخبره بالقائلين وهو يقلّد أيهم أحب، كما لو كانوا أحياء 1. وَأَعْتَبِرُ مِنَ الْمَفَاهِيمِ مَفْهُومَ الشَّرْطِ فَقَطْ.
قوله: (وَأَعْتَبِرُ مِنَ الْمَفَاهِيمِ مَفْهُومَ الشَّرْطِ فَقَطْ) إنما خصّ مفهوم الشرط دون سائر مفهومات المخالفة العشرة المجموعة في قولنا: صِفْ واشْتَرِطْ عَلِلْ ولَقبْ ثُنْيَا ... وعُدّ طَرَفَيْن وحَصْرَاً أَغْيَا

أي: غاية لأن مفهوم الشرط أقواها؛ إذ يقول به بعض من لا يقول بغيره، إلا مفهوم الغاية، فإنه يقول به بعض من لا يقول بمفهوم الشرط، إلاّ أنه قليل ولا يتأتي معه اختصار؛ فلذا تركه، وأمّا مفهوم الموافقة فمتفق عليه، وهو معتبر عنده كقوله في باب الحجر: (وللولي رد تصرف مميز)؛ إذ غير المميز أحرى.
فإن قلنا: إنه من باب النص أو القياس الجلي، على رأي من يقول بهما، فلا إشكال، وإن قلنا: إنّه من المفهومات فهو أحرى من مفهوم الشرط، فكأنه اعتبره [3 / أ] في نفس ما نحن بصدده 2.

ومن البيّن أنه لابد أن يستثني مما ذكر أنه لا يعتبره مفهوم الوصف الكائن في التعريفات؛ فإنها فصول أو خواص يؤتى بها للإدخال والإخراج؛ ليطّرد المعرف ينعكس، ولا مرية أن الماهية المحكوم عليها بالحكم تنعدم بانعدام جميع أجزائها أو بعضها، فينعدم الحكم، وهذا موجود في كلامه وفي بعض الحواشي، وأظنّها مما قُيد عن: الشيخ أبي عبد الله محمد بن عمر بن الفتوح، يعتبر المصنف مفهوم الشرط لزوماً، ويعتبر غيره من المفاهيم جوازاً، يظهر ذلك بتأمل كلامه.
انتهى.
وقبله شيخنا العلاّمة أبو عبد الله القوري رحمه الله.
قلت: وإنما يحتاج لهذا فيما وصفُه بصفةٍ مثلاً، ولم يصرح بحكم ما خلا من تلك الصفة، وأما إذا صرح بحكم الخالي منها فلم يقنع بالمفهوم كقوله: (وإن بدهن لاصق)، ثم صرّح في مقابله بحكم غير الملاصق قائلاً: (كدهن خالط)، وهو كثير في كلامه.
وها هنا وجه إذ تم وسلم كان رقيق الحواشي، وهو أن يكون أراد باعتبار مفهوم الشرط اعتباراً خاصاً، زائداً على ما تقتضيه مفهومات الأوضاع اللغوية، بحيث ينزل مفهوم الشرط دون غيره منزلة المنصوص، فتنصرف إليه القيود والاستثناءات ونحوها، انصرافها للمنطوقات الملفوظ بها، وإذا حمل على هذا انحلّت به معضلات كثيرة في كلامه كقوله في باب: الجهاد: (وفِرَارٌ إنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ النِّصْفَ ولَمْ يَبْلُغُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا)، وقد تكلّمنا على بعضها في محالّها.
وَأُشِيرُ بِـ (صُحِّحَ) أَوِ (اسْتُحْسِنَ) إِلَى أَنَّ شَيْخاً غَيْرَ الَّذِينَ قَدَّمْتُهُمْ صَحَّحَ هَذَا أَوِ اسْتَظْهَرَهُ.
قوله: (وأُشِيرَ بِصُحِّحَ أَوِ اسْتُحْسِنَ إِلَى أَنَّ شَيْخاً غَيْرَ الَّذِينَ قَدَّمْتُهُمْ صَحَّحَ هَذَا أَوِ اسْتَظْهَرَهُ) أي: يشير إلى غير الأربعة المذكورين بلفظ (صُحِحَ) أو (اسُتحسن) مبنيين للمفعول، لقصده عدم التعيين؛ ولذا نكّر (شيخاً)، والأقرب إلى الحقيقة أن التصحيح فيما يصححه الشيخ من كلام غيره، والاستحسان فيما يراه، مع احتمال الشمول فيهما، وقد يعبّر بالوصف كـ (الأصح) و (الصحيح) و (الأحسن).

وَبِـ (التَّرَدُّدِ) لِتَرَدُّدِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي النَّقْلِ، أَوْ لِعَدَمِ نَصِّ الْمُتَقَدِّمِينَ.
قوله: (وبِالتَّرَدُّدِ لِتَرَدُّدِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي النَّقْلِ أَوْ لِعَدَمِ نَصِّ الْمُتَقَدِّمِينَ) تردد المتأخرين في النقل اختلاف طرقهم في العزو للمذهب، فهو كقول غيره: وفي كذا طرق أو طريقان 1، وأما ترددهم لعدم نص المتقدمين فهو أقل في كلامه كقوله في السلس: (وفِي اعْتِبَارِ الْمُلاَزَمَةِ فِي وَقْتِ الصَّلاَةِ أَوْ مُطْلَقًا تَرَدُّدٌ) وكقوله: (وفِي خُفٍّ غُصِبَ تَرَدُّدٌ) وكقوله في الحج: (وفِي رَابِغٍ تَرَدُّدٌ) وكقوله فيه: (وفِي إجْزَاءِ مَا وَقَفَ بِالْبِنَاءِ تَرَدُّدٌ).
وينبغي أن يكون قوله: (أو لِعَدَمِ نَصِّ الْمُتَقَدِّمِينَ) معطوفاً على قوله: (في النقل)؛ فيكون المعنى: أن تردد المتأخرين مرة يكون في النقل عن المتقدمين، ومرة يكون لأجل عدم نصّ المتقدمين، فهو أولى من جعله معطوفاً على قوله: (لِتَرَدُّدِ الْمُتَأَخِّرِينَ)، وإن كان متبادراً من جهة اللفظ، إذ يكون المعنى حينئذ أنه يشير بالتردد لأمرين: أحدهما: تردد المتأخرين في النقل.
والثاني: عدم نصّ المتقدمين، ظاهره ولو لم يتردد المتأخرون في الأمر الثاني، وليس كذلك؛ لفقد معنى التردد الذي هو التحير، إذ لا تحير مع تحرير المتأخرين المقتدى بهم؛ ولا سيما أمثال من تقدم ذكره، وعلى التقديرين فلم يعطنا علامة نميّز بها بين الترددين، إلا أن الثاني أقل كما تقدم 2. وَ [أُشِيرُ] 3 بِـ (لَوْ) إِلَى خِلافٍ مَذْهَبِيٍّ.
قوله: (وبِلَوْ إِلَى خِلاَفٍ مَذْهَبِيٍّ) يريد: أنه يشير بلو الإغيائية المقرونة بواو [النكاية، المكتفى] 4 عن جوابها بما قبلها إلى خلاف منسوب لمذهب مالك وشاهد الاستقراء يقضي بصحته؛ وإن لم يثبت في بعض النسخ، ولكن لا يشير بها إلا لخلاف قويٍ، ولا يطّرد ذلك

في (وإن) مع أنّه كثير من كلامه 1. والله أَسْأَلُ أَنْ يَنْفَعَ بِهِ مَنْ كَتَبَهُ، أَوْ قَرَأَهُ، أَوْ حَصَّلَهُ، أَوْ سَعَى فِي شَيْءٍ مِنْهُ، واللهُ يَعْصِمُنَا مِنَ الزَّلَلِ، ويُوَفِّقُنَا فِي الْقَوْلِ والْعَمَلِ، ثُمَّ أَعْتَذِرُ لِذَوِي الأَلْبَابِ، مِنَ التَّقْصِيرِ الْوَاقِعِ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وأَسْأَلُ بِلِسَانِ التَّضَرُّعِ والْخُشُوعِ، وخِطَابِ التَّذَلُّلِ والْخُضُوعِ، أَنْ يُنْظَرَ بِعَيْنِ الرِّضَا والصَّوَابِ، فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ كَمِّلُوهُ، ومِنْ خَطَإٍ أَصْلِحُوهُ، فَقَلَّمَا يَخْلُصُ مُصَنِّفٌ مِنَ الْهَفَوَاتِ، أَوْ يَنْجُو مُؤَلِّفٌ مِنَ الْعَثَرَاتِ.

فصول الكتاب · 73 فصل · 1173 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شفاء الغليل في حل مقفل خليل · 1173 صفحة
باب يُرْفَعُ الْحَدَثُ وحُكْمُ الْخَبَثِباب الاستنجاء
باب الصلاة
باب فِي الزكاةباب الصيامباب الاعتكاف
باب الحجّ
باب الذكاةباب الأطعمة والأشربةباب الضحية والعقيقةباب الأيمان والنذورباب الجهاد
باب النكاح
باب الطلاقباب التخيير والتمليكباب الرجعةباب الإيلاءباب الظهارباب اللعانباب العدةباب الاستبراءباب الرضاعباب النفقة والحضانةباب البيوعباب الصرفباب المطعوماتباب البيوع المنهي عنهاباب بيوع الآجالباب [بيع] (1) الخيارباب الردّ بالعيبباب المرابحة والمداخلة والثمار، والعرية والجائحة والمنازعةباب السلم والقرض والمقاصّةباب الرهنباب التفليسباب الحجرباب الصلحباب الحوالةباب الضمانباب الشركةباب المزارعةباب الوكالةباب الإقرارباب الاستلحاقباب الإيداعباب العاريةباب الغصبباب الاستحقاقباب الشفعةباب القسمةباب القِرَاضِباب المساقاةباب الإجارةباب الجعلباب إحياء المواتباب الوقفباب الهبةباب اللُقَطةباب الأقضية
باب الشهادة
باب الدماءباب الباغيةباب الردةباب الزناباب القذفباب السرقةباب الحرابةباب الخمر والحد والضمانباب العتقباب التدبيرباب الكتابةباب أم الولد والولاءباب الوصيةباب الفرائض
جارٍ التحميل