منار السبيل في شرح الدليلصفحات 393-409
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحدود

صفحات 393-409
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن ضويان
الكتاب
منار السبيل في شرح الدليل
المؤلف
ابن ضويان، إبراهيم بن محمد بن سالم (المتوفى: 1353هـ)
المحقق
زهير الشاويش
الناشر
المكتب الإسلامي
الطبعة
السابعة 1409 هـ-1989م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

باب حد قطاع الطريق

مدخل

... باب حد قطاع الطريق: "وهم: المكلفون الملتزمون" من المسلمين وأهل الذمة، وينقض به عهدهم.
"الذين يخرجون على الناس، فيأخذون أموالهم مجاهرة" فإن أخذوا مختفين فسراق، وإن اختطفوا وهربوا فمنتهبون لا قطع عليهم، لأن عادة قطاع الطريق القهر، فاعتبر ذلك فيهم.
"ويعتبر ثبوته ببينة، أو إقرار مرتين" كالسرقة.
"والحرز" بأن يأخذه من يد مستحقه وهو بالقافلة "والنصاب" قياسا على القطع في السرقة.
"ولهم أربعة أحكام:" "1- إن قتلوا ولم يأخذوا مالا: حتم قتلهم جميعا" وحكم الردء كالمباشر.
وبه قال مالك.
"2- إن قتلوا وأخذوا مالا: حتم قتلهم وصلبهم حتى يشتهروا" ليرتدع غيرهم، ثم يغسلوا، ويكفنوا، ويصلى عليهم، ويدفنوا.

"3- إن أخذوا مالا، ولم يقتلوا: قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف حتما" لوجوبه لحق الله تعالى "في آن واحد" فلا ينتظر بقطع أحدهما اندمال الآخر، لأنه تعالى أمر بقطعهما، والأمر للفور، فتقطع يده اليمنى، ورجله اليسرى، لقوله: ﴿ ... مِنْ خِلافٍ ... ﴾ 1 "إن أخافوا الناس، ولم يأخذوا مالا: نفوا من الأرض، فلا يتركون يأوون إلى بلد حتى تظهر توبتهم" لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ 1 قال ابن عباس، وأكثر المفسرين: نزلت في قطاع الطريق من المسلمين قال في الشرح: وحكي عن ابن عمر أنها نزلت في المرتدين وقال أنس: نزلت في العرنيين الذين استاقوا إبل الصدقة، وارتدوا ولنا قوله تعالى: ﴿ ... إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ... ﴾ 2 والكفار تقبل توبتهم بعد القدرة عليه.
انتهى.
وروى الشافعي بإسناده عن ابن عباس إذا قتلوا، وأخذوا المال، قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا، ولم يأخذوا المال: قتلوا، ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال، ولم يقتلوا: قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل، ولم يأخذوا مالا: نفوا من الأرض وروي نحوه مرفوعا.
وروى أبو داود بإسناده عن ابن عباس قال: وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم،

أبا برزة الأسلمي، فجاء ناس يريدون الإسلام فقطع عليهم أصحابه، فنزل جبريل، عليه السلام، بالحد فيهم أن من قتل وأخذ المال: قتل وصلب، ومن قتل ولم يأخذ المال: قتل، ومن أخذ المال ولم يقتل: قطعت يده ورجله من خلاف وعلم منه أن: أو، في الآية ليست للتخيير، ولا للشك بل للتنويع.
وتنفى الجماعة متفرقة كل إلى جهة، لئلا يجتمعوا على المحاربة ثانيا.
وعنه: النفي: التعزير بما يردع.
وقيل: الحبس في غير بلدهم.
وقال ابن عباس: نفيهم إذا هربوا: أن يطلبوا حتى يؤخذوا فتقام عليهم الحدود ولأن تشريدهم يفضي إلى إغرائهم بقطع الطريق.
"ومن تاب منهم قبل القدرة عليه سقطت عنه حقوق الله تعالى" من نفي، وقطع يد، ورجل وتحتم قتل، وصلب، لقوله تعالى: ﴿ ... إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ 1. "وأخذ بحقوق الآدميين" من نفس وطرف ومال، ولا أن يعفى له عنها من مستحقها، لأنه حق آدمي فلا يسقط بالتوبة، كالضمان.

فصل ومن أريد بأذى في نفسه أو ماله

: "أو حريمه دفعه بالأسهل فالأسهل" فإن اندفع بالأسهل حرم الأصعب، لعدم الحاجة إليه.
"فإن لم يندفع إلا بالقتل قتله ولا شيء عليه" وإن قتل كان شهيدا، لحديث أبي هريرة: جاء رجل، فقال: يا رسول الله: أرأيت إن جاء رجل

يريد أخذ مالي؟ قال: "فلا تعطه"، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: "قاتله"، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: "فأنت شهيد"، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال "هو في النار" رواه أحمد ومسلم.
وفي لفظ أحمد أنه قال له أولا: "أنشده الله"، قال: فإن أبى؟ قال: "قاتله" وعن ابن عمر مرفوعا: "من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد" رواه الخلال بإسناده.
وهل يلزمه الدفع: على روايتين.
قال ابن سيرين: ما أعلم أحدا ترك قتال الحرورية واللصوص تأثما إلا أن يجبن.
ذكره في الشرح.
"ويجب أن يدفع عن حريمه" كأمه وأخته وزوجته ونحوهن إذا أريدت بفاحشة أو قتل.
نص عليه، لأنه يؤدي بذلك حق الله من الكف عن الفاحشة والعدوان، وحق نفسه بالمنع عن أهله، فلا يسعه إضاعة الحقين.
"وحريم غيره" لئلا تذهب الأنفس، وتستباح الحرم، ويسقط وجوب الدفع بإياسه من فائدته.
وكره أحمد الخروج إلى صيحة ليلا، لأنه لا يدري ما يكون.
وظاهر كلام الأصحاب خلافه، وهو أظهر.
قاله في الفروع، لقول أنس: فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق أناس قبل الصوت، فتلقاهم النبي صلى الله عليه وسلم، راجعا وقد سبقهم إلى الصوت، وهو على فرس لأبي طلحة عري في عنقه السيف، وهو يقول: "لم تراعوا، لم تراعوا" 1 متفق عليه.
"وكذا في غير الفتنة عن نفسه" لقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ 2 فكما يحرم عليه قتل نفسه يحرم عليه إباحة قتلها.

"ونفس غيره وماله" لأنه لا يتحقق منه إيثار الشهادة، وكإحيائه ببذل طعامه.
ذكره القاضي، وغيره.
وأطلق الشيخ تقي الدين لزومه عن مال غيره، وقال في جند قاتلوا عربا نهبوا أموال تجار ليردوه إليهم: هم مجاهدون في سبيل الله، ولا ضمان عليهم بقود، ولا دية، ولا كفارة.
ذكره في الفروع.
وقال في المغني والشرح: لغيره معونته بالدفع، لقوله صلى الله عليه وسلم "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" وقد روى أحمد وغيره النهي عن خذلان المسلم، والأمر بنصر المظلوم فإن كان ثم فتنة لم يجب الدفع عن نفسه، ولا نفس غيره، لقصة عثمان، رضي الله عنه.
ولما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال في الفتنة "اجلس في بيتك، فإن خفت أن يبهرك شعاع السيف فغط وجهك" وفي لفظ: "فكن كخير ابني آدم" وفي لفظ: "فكن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل".
"لا مال نفسه" أي: لا يجب عليه أن يدفع عن ماله، وله بذله لمن أراده منه ظلما.
وذكر القاضي أنه أفضل من الدفع عنه.
قال أحمد في رواية حنبل: أرى دفعه إليه، ولا يأتي على نفسه، لأنها لا عوض لها.
"ولا يلزمه حفظه من الضياع والهلاك" ذكره القاضي وغيره.

باب قتال البغاة

: "وهم: الخارجون على الإمام بتأويل سائغ، ولهم شوكة" ولو لم يكن فيهم مطاع.
سموا بغاة، لعدولهم عن الحق، وما عليه أئمة المسلمين.
والأصل في قتالهم قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ 1 وحديث: "من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم، ويفرق جماعتكم فاقتلوه" رواه أحمد ومسلم.
وعن ابن عباس مرفوعا: "من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبرا فميتته جاهلية" متفق عليه وقاتل علي، رضي الله عنه، أهل النهروان فلم ينكره أحد.
"فإن اختل شرط من ذلك" بأن لم يخرجوا على إمام، أو خرجوا عليه بلا تأويل أو بتأويل غير سائغ، أو كانوا جمعا يسيرا لا شوكة لهم.
"فقطاع طريق" وتقدم حكمهم.
"ونصب الإمام فرض كفاية" لحاجة الناس لذلك، لحماية البيضة، والذب عن الحوزة، وإقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
وقال الشيخ تقي الدين: قد أوجب النبي صلى الله عليه وسلم، تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر وهو: تنبيه على أنواع الاجتماع.
انتهى.
وكل من ثبتت

إمامته حرم الخروج عليه وقتاله، سواء ثبتت بإجماع المسلمين عليه: كإمامة أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، أو بعهد الإمام الذي قبله إليه: كعهد أبي بكر إلى عمر، رضي الله عنهما، أو باجتهاد أهل الحل والعقد لأن عمر جعل أمر الإمامة شورى بين ستة من الصحابة فوقع الإتفاق على عثمان، رضي الله عنه أو بقهره للناس حتى أذعنوا له، ودعوه إماما: كعبد الملك بن مروان لما خرج على ابن الزبير فقتله، واستولى على البلاد وأهلها حتى بايعوه طوعا وكرها، ودعوه إماما.
ولأن في الخروج على من ثبتت إمامته بالقهر شق عصا المسلمين، وإراقة دمائهم، وإذهاب أموالهم.
قال أحمد في رواية العطار: ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة، وسمي أمير المؤمنين: فلا يحل لأحد يؤمن بالله أن يبيت، ولا يراه إماما برا كان أو فاجرا.
وقال في الغاية: ويتجه: لا يجوز تعدد الإمام، وأنه لو تغلب كل سلطان على ناحية كزماننا فحكمه كالإمام.
"ويعتبر كونه قرشيا" لقول المهاجرين للأنصار إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش.
وقال أحمد في رواية منها: لا يكون من غير قريش خليفة.
"بالغا عاقلا سميعا بصيرا ناطقا حرا ذكرا عدلا عالما ذا بصيرة كافئا ابتداء ودوما" لاحتياجه إلى ذلك في أمره ونهيه، وحربه وسياسته، وإقامة الحدود ونحو ذلك، ولأن العبد منقوص برقه مشغول بحقوق سيده.
وقوله صلى الله عليه وسلم، في حديث العرباض وغيره - "والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد ... ". الحديث - محمول

على نحو أمير سرية.
والمرأة ليست من أهل الولاية، وفي الحديث "ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" رواه البخاري.
"ولا ينعزل بفسقه" لما في ذلك من المفسدة، بخلاف القاضي، ولحديث: "إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان".
"وتلزمه مراسلة البغاة، وإزالة شبههم، وما يدعون من المظالم" لأن ذلك وسيلة إلى الصلح المأمور به، والرجوع إلى الحق.
ولأن عليا، رضي الله عنه راسل أهل البصرة يوم الجمل قبل الوقعة، وأمر أصحابه أن لا يبدؤوهم بقتال، وقال: إن هذا يوم من فلج فيه فلج يوم القيامة1 وروى عبد الله بن شداد أن عليا، رضي الله عنه، لما اعتزله الحرورية بعث إليهم عبد الله بن عباس فواضعوه كتاب الله ثلاثة أيام، فرجع منهم أربعة آلاف.
"فإن رجعوا وإلا لزمه قتالهم" لقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ 2 "ويجب على رعيته معونته" للآية، ولأن الصحابة قاتلوا مانعي الزكاة وقاتل علي، رضي الله عنه، أهل البصرة يوم الجمل، وأهل الشام بصفين وإذا حضر من لم يقاتل لم يجز قتله لأن عليا، رضي الله عنه، قال: إياكم وصاحب البرنس يعني: محمد بن طلحة السجاد، وكان حضر طاعة لأبيه، ولم يقاتل.
ولأن القصد كفهم، وهذا قد كف نفسه.
قاله في الكافي.

"وإذا ترك البغاة القتال حرم قتلهم، وقتل مدبرهم وجريحهم" لقول مروان: "صرخ صارخ لعلي يوم الجمل: لا يقتلن مدبر، ولا يذفف على جريح، ولا يهتك ستر، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن"1 رواه سعيد.
وعن عمار نحوه.
وروى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "يا ابن أم عبد: ما حكم من بغى على أمتي؟ " فقلت: الله ورسوله أعلم.
فقال: "لا يقتل مدبرهم، ولا يجاز على جريحهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا يقسم فيئهم" 2 وعن أبي أمامة قال: شهدت صفين، فكانوا لا يجيزون على جريح، ولا يطلبون موليا، ولا يسلبون قتيلا ولأن المقصود دفعهم فإذا حصل لم يجز قتلهم كالصائل.
"ولا يغنم مالهم، ولا تسبى ذراريهم" لا نعلم في ذلك خلافا بين أهل العلم، لأن مالهم مال معصوم، وذريتهم معصومون لا قتال منهم ولا بغي.
"وبجب رد ذلك إليهم" لأن أموالهم كأموال غيرهم من المسلمين، وإنما أبيح قتالهم للرد إلى الطاعة.
وعن علي أنه قال يوم الجمل: من عرف شيئا من ماله مع أحد فليأخذه، فعرف بعضهم قدرا مع أصحاب

علي وهو يطبخ فيها، فسأله إمهاله حتى ينطبخ الطبيخ فأبى، وكبه وأخذها.
"ولا يضمن البغاة ما أتلفوه حال الحرب" كما لا يضمن أهل العدل ما أتلفوه للبغاة حال الحرب لأن عليا لم يضمن البغاة ما أتلفوه حال الحرب من نفس ومال وقال الزهري: هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، متوافرون وفيهم البدريون، فأجمعوا أنه لا يقاد أحد، ولا يؤخذ مال على تأويل القرآن إلا ما وجد بعينه ذكره أحمد في رواية الأثرم محتجا به.
وإن استولوا على بلد فأقاموا الحدود، وأخذوا الزكاة والخراج والجزية احتسب به لأن عليا، رضي الله عنه، لم يتبع ما فعله أهل البصرة، ولم يطالبهم ب شيء مما جباه البغاة ولأن ابن عمر، وسلمة بن الأكوع يأتيهم ساعي نجدة الحروري فيدفعون إليه زكاتهم ولأن في ترك الاحتساب بذلك ضررا عظيما على الرعايا.
"وهم في شهادتهم، وإمضاء حكم حاكمهم كأهل العدل" لأن التأويل السائغ في الشرع لا يفسق به الذاهب إليه أشبه المخطئ من الفقهاء في فرع، فيقضى بشهادة عدولهم، ولا ينقض حكم حاكمهم إلا ما خالف نص كتاب أو سنة أو إجماعا.
وإن أظهر قوم رأي الخوارج: كتكفير مرتكب الكبيرة، وسب الصحابة، ولم يخرجوا عن قبضة الإمام: لم يتعرض لهم، لأن عليا سمع رجلا يقول: لا حكم إلا الله - تعريضا بالرد عليه في التحكيم - فقال علي: كلمة حق أريد بها باطل، ثم قال: لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله،

ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا، ولا نبدؤكم بقتال وإن عرضوا بسبب الإمام أو غيره من أهل العدل: عزروا كيلا يصرحوا، ويخرقوا الهيبة.
والوجه الثاني: لا يعزرون، لما روي أن عليا كان في صلاة الفجر، فناداه رجل من الخوارج ﴿ ... لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ 1 فأجابه علي، رضي الله عنه: ﴿ ... فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ 2 ولم يعزره.
ومن كفر أهل الحق والصحابة، واستحل دماء المسلمين بتأويل: فهم خوارج فسقة، لأن عليا قال في الحرورية لا تبدؤوهم بقتال وأجراهم مجرى البغاة، وكذلك عمر بن عبد العزيز.
وذهب طائفة من أهل الحديث إلى أنهم كفار حكمهم حكم المرتدين، لحديث أبي سعيد مرفوعا، وفيه: " ... يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة" رواه البخاري.
وفي لفظ: "لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد" فعلى هذا يجوز قتلهم ابتداء، وقتل أسراهم، وإتباع مدبرهم.
ومن قدر عليه.
منهم استتيب كالمرتد، فإن تاب وإلا قتل.
قاله في الكافي.
وقال الشيخ تقي الدين: الخوارح يقتلون ابتداء، ويجهز على جريحهم.
وقال جمهور العلماء: يفرقون بينهم وبين البغاة المتأولين، وهوا لمعروف عن الصحابة، وعليه عامة الفقهاء.

باب حكم المرتد

مدخل

... باب حكم المرتد: "وهو: من كفر بعد إسلامه" وأجمعوا على وجوب قتله إن لم يتب، لحديث ابن عباس مرفوعا: "من بدل دينه فاقتلوه" رواه الجماعة إلا مسلما.
وروي عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاذ بن جبل وخالد بن الوليد وغيرهم.
وسواء الرجل والمرأة، لعموم الخبر.
وروى الدارقطني أن امرأة - يقال لها: أم مروان ارتدت عن الإسلام، فبلغ أمرها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر أن تستتاب، فإن تابت وإلا قتلت.
"ويحصل الكفر بأحد أربعة أمور:" "1- بالقول: كسب الله تعالى، أو رسوله، أو ملائكته" لأنه لا يسبه إلا وهو جاحد به.
"أو ادعى النبوة" أو تصديق من ادعاها، لأن ذلك تكذيب لله تعالى في قوله: ﴿ ... وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ 1 ولحديث: "لا نبي بعدي" ونحوه.
"2- أو الشركة له تعالى" لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ 2 وقال الشيخ تقي الدين: أو كان مبغضا لرسوله، أو

لما جاء به اتفاقا، أوجعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم، ويدعوهم ويسألهم: كفر إجماعا.
"3- بالفعل: كالسجود للصنم ونحوه" كشمس وقمر وشجر وحجر وقبر، لأنه إشراك بالله تعالى.
"وكإلقاء المصحف في قاذورة " أو ادعى اختلافه، أو القدرة على مثله لأن ذلك تكذيب له.
"4- بالاعتقاد: كاعتقاد الشريك له تعالى" أو الصاحبة، أو الولد، لقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ 1. "أو أن الزنى والخمر حلال، أو أن الخبز حرام، ونحو ذلك مما أجمع عليه إجماعا قطعيا" لأن ذلك معاندة للإسلام، وامتناع من قبول أحكامه، ومخالفة للكتاب والسنة وإجماع الأمة.
"وبالشك في شيء من ذلك" أي: في تحريم الزنى والخمر، أو في حل الخبز ونحوه، ومثله لا يجهله لكونه نشأ بين المسلمين.
وإن كان يجهله مثله، لحداثة عهده بالإسلام أو الإفاقة من جنون ونحوه: لم يكفر، وعرف حكمه ودليله، فإن أصر عليه كفر، لأن أدلة هذه الأمور ظاهرة من كتاب الله وسنة رسوله، ولا يصدر إنكارها إلا من مكذب لكتاب الله وسنة رسوله.
قاله في الكافي.
"فمن ارتد، وهو مكلف مختار استتيب ثلاثة أيام" وجوبا، لما روى مالك والشافعي أنه قدم على عمر رجل من قبل أبي موسى، فقال له عمر: هل كان من مغربة خبر؟ قال: نعم، رجل كفر بعد إسلامه، فقال: ما فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه، قال عمر: فهلا حبستموه ثلاثا،

وأطعمتموه كل يوم رغيفا، واستتبتموه لعله يتوب أو يراجع أمر الله.
اللهم إني لم أحضر، ولم أرض إذ بلغني فلولا وجوب الاستتابة لما برئ من فعلهم.
وأحاديث الأمر بقتله تحمل على ذلك جمعا بين الأخبار.
"فإن تاب فلا شيء عليه، ولا يحبط عمله" لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ ... ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ ... ﴾ 1 ولمفهوم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ 2 وعن أنس مرفوعا: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كف عن المنافقين حين أظهروا الإسلام.
"وإن أصر قتل بالسيف" لما تقدم، ولحديث: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة" وحديث: "من بدل دينه فاقتلوه، ولا تعذبوا بعذاب الله.
يعني: النار" رواه البخاري وأبو داود.
"ولا يقتله إلا الإمام أو نائبه" لأنه قتل لحق الله تعالى، فكان إلى الإمام، كرجم الزاني المحصن.
"فإن قتله غيرهما أساء وعزر" لافتئاته على ولي الأمر.
"ولا ضمان" بقتل مرتد، "ولو كان قبل استتابته" لأنه مهدر الدم بالردة في الجملة، ولا يلزم من تحريم القتل الضمان، بدليل نساء الحرب وذريتهم.

"ويصح إسلام المميز" ذكرا أو أنثى إذا عقله لأن عليا، رضي الله عنه، أسلم وهو ابن ثمان سنين رواه البخاري في تاريخه.
فصح إسلامه، وثبت إيمانه، وعد بذلك سابقا.
وروي عنه قوله: سبقتكمو إلى الإسلام طرا ... صبيا ما بلغت أوان حلمي "وردته" أي: المميز، لأن من صح إسلامه صحت ردته كسائر الناس.
"لكن لا يقتل حتى يستتاب بعد بلوغه ثلاثة أيام" لأن بلوغه أول زمن صار فيه أهل العقوبة، لحديث "رفع القلم عن ثلاثة".
وتقدم.

فصل وتوبة المرتد، وكل كافر إتيانه بالشهادتين

: لحديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الكنيسة، فإذا هو بيهودي يقرأ عليهم التوراة، فقرأ.. حتى إذا أتى على صفة النبي صلى الله عليه وسلم، وأمته، فقال: هذه صفتك وصفة أمتك، أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: "لوا أخاكم" رواه أحمد.
وعن أنس أن يهوديا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أشهد أنك رسول الله، ثم مات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صلوا على صاحبكم" احتج به أحمد في رواية مهنا.
"مع رجوعه عما كفر به" لأنه كذب الله ورسوله بما اعتقد، فلا بد من إتيانه بما يدل على رجوعه عنه.

"ولا يغني قوله: محمد رسول الله، عن كلمة التوحيد" لأنه غير موحد، فلا يحكم بإسلامه حتى يوحد الله، ويقر بما كان يجحده.
"وقوله: أنا مسلم توبة" لأنه يتضمن الشهادتين.
وعن المقداد أنه قال: يا رسول الله: أرأيت، إن لقيت رجلا من الكفار، فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بصخرة، فقال: أسلمت أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال: "لا تقتله، فإن قتلتة فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قالها" وعن عمران بن حسين قال: أصاب المسلمون رجلا من بني عقيل، فأتوا به النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد: إني مسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو كنت قلت، وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح" رواهما مسلم.
قال في المغني: ويحتمل أن هذا في الكافر الأصلي، أو من جحد الوحدانية، وأما من كفر بجحد نبي أو كتاب، أو فريضة ونحو هذا: فلا يصير مسلما بذلك، لأنه ربما اعتقد أن الإسلام ما هو عليه، فإن أهل البدع كلهم يعتقدون أنهم هم المسلمون، ومنهم من هو كافر.
"وإن كتب كافر الشهادتين صار مسلما" لأن الخط كاللفظ.
"وإن قال: أسلمت، أو: أنا مسلم، أو: أنا مؤمن: صار مسلما" بذلك وإن لم يتلفظ بالشهادتين، لما تقدم.
"ولا يقبل في الدنيا بحسب الظاهر توبة زنديق، وهو: المنافق الذي يظهر الإسلام، ويخفي الكفر" لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا ... ﴾ 1 والزنديق: لا يعلم تبيين رجوعه، وتوبته،

لأنه لا يظهر منه بالتوبة خلاف ما كان عليه، فإنه كان ينفي الكفرعن نفسه قبل ذلك، وقلبه لا يطلع عليه.
"ولا من تكررت ردته" لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾ 1 وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ 2 ولأن تكرار ردته يدل على فساد عقيدته، وقلة مبالاته بالإسلام.
"أو سب الله تعالى، أو رسوله، أو ملكا له" لعظم ذنبه جدا فيدل على فساد عقيدته.
قال أحمد: لا تقبل توبة من سب النبي صلى الله عليه وسلم.
"وكذا من قذف نبيا أو أمه" لما في ذلك من التعرض للقدح في النبوة الموجب للكفر.
"ويقتل، حتى ولو كان كافرا فأسلم" لأن قتله حد قذفه فلا يسقط بالتوبة، كقذف غيرهما.
ومن قذف عائشة بما برأها الله منه كفر بلا خلاف.

فصول الكتاب · 37 فصل · 522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول منار السبيل في شرح الدليل · 522 صفحة
مقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الإعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب البيع
كتاب الحجركتاب الشركةكتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الوقفكتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب العتق
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الخلعكتاب الطلاقكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب العدةكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجناياتكتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الأطعمةكتاب الصيد والذبائحكتاب الأيمانكتاب القضاءكتاب الشهاداتكتاب الاقرار
جارٍ التحميل