جامع بيان العلم وفضلهصفحات 783-795

بَابُ مَعْرِفَةِ أُصُولِ الْعِلْمِ وَحَقِيقَتِهِ وَمَا الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ مُطْلَقًا

صفحات 783-795

1459 - أَنْشَدَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَنْشَدَنِي أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ الْخَضِرِ الْأَسْيُوطِيُّ بِمَكَّةَ قَالَ: أنشدنا أَبُو الْقَاسِمِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْأَخْبَارِيُّ قَالَ: أنشدنا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، عَنْ أَبِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ: [البحر الكامل] دِينُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ أَخْبَارٌ ... نِعْمَ الْمَطِيَّةُ لِلْفَتَى الْآثَارُ لَا تَرْغَبَنَّ عَنِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِهِ ... فَالرَّأْيُ لَيْلٌ وَالْحَدِيثُ نَهَارُ وَلَرُبَّمَا جَهِلَ الْفَتَى أَثَرَ الْهُدَى ... وَالشَّمْسُ بَازِغَةٌ لَهَا أَنْوَارُ

1460 - وَقَالَ بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ السَّقَطِيِّ، «نَظَرْتُ فِي الْعِلْمِ فَإِذَا هُوَ الْحَدِيثُ وَالرَّأْيُ فَوَجَدْتُ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ وَذِكْرَ الْمَوْتِ وَذِكْرَ رُبُوبِيَّةِ الرَّبِّ وَجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَذِكْرَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ , وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْحَثِّ عَلَى صِلَةِ الْأَرْحَامِ , وَجِمَاعِ الْخَيْرِ وَنَظَرْتُ فِي الرَّأْيِ فَإِذَا فِيهِ الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ وَالتَّشَاحُّ وَاسْتِقْصَاءُ الْحَقِّ وَالْمُمَاكَسَةُ فِي الدِّينِ وَاسْتِعْمَالُ الْحِيَلِ وَالْبَعْثِ عَلَى قَطْعِ الْأَرْحَامِ وَالتَّجَرُّؤِ عَلَى الْحَرَامِ»

1461 - وَرُوِيَ مِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ عَنْ يُونُسَ بْنِ أَسْلَمَ

1462 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ: نا قَاسِمٌ، نا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، ثنا أَزْهَرُ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: «كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ مَا دَامُوا عَلَى الْأَثَرِ»

1463 - قَالَ أَبُو عُمَرُ: " وَقَدْ زِدْنَا هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا فِي بَابِ الرَّأْيِ وَقُلْتُ أَنَا: [البحر الطويل]

مَقَالَةُ ذِي نُصْحٍ وَذَاتُ فَوَائِدَ ... إِذَا مِنْ ذَوِي الْأَلْبَابِ كَانَ اسْتِمَاعُهَا عَلَيْكُمْ بِآثَارِ النَّبِيِّ فَإِنَّهَا ... مِنْ أَفْضَلِ أَعْمَالِ الرَّشَادِ اتِّبَاعُهَا

1464 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: نا أَبُو بِشْرٍ الدُّولَابِيُّ، نا إِسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ قَالَ: نا سَلَامٌ أَبُو الْهَيْثَمِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الْهُذَلِيَّ يَقُولُ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: «يَا هُذَلِيُّ، يُعْجِبُكَ الْحَدِيثُ؟» قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ يُعْجِبُ ذُكُورَ الرِّجَالِ وَيَكْرَهُهُ مُؤَنَّثُوهُمْ»

1465 - وَذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ فِي التَّارِيخِ الْكَبِيرِ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنِ الْمُبَارَكِ الطَّبَرِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عُبَيْدِ اللَّهِ الْوَزِيرَ , يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ الْمَنْصُورَ , يَقُولُ لِلْمَهْدِيِّ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ , لَا تَجْلِسْ وَقْتًا إِلَّا وَمَعَكَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ يُحَدِّثُكَ؛ فَإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ , قَالَ: «الْحَدِيثُ ذَكَرٌ وَلَا يُحِبُّهُ إِلَّا ذُكُورُ الرِّجَالِ وَصَدَقَ أَخُو زُهْرَةَ»

1466 - وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ، دُلَّنِي عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ قَالَ: «اسْمَعِ الِاخْتِلَافَ»

1467 - حَدَّثَنَا أَبُو ذَرٍّ عَبْدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، فِيمَا كَتَبَ بِهِ إِلَيَّ إِجَازَةً , أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَلْخِيُّ , ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مَحْمُودُ بْنُ عَنْبَرِ بْنِ نُعَيْمٍ النَّسَفِيُّ بَنَسَفَ قَالَ: ثنا أَبُو نَصْرٍ فَتْحُ بْنُ عَمْرٍو الْوَرَّاقُ , ثنا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ , يَقُولُ: «إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَنَا الرُّخْصَةُ مِنْ ثِقَةٍ، فَأَمَّا التَّشْدِيدُ فَيُحْسِنُهُ كُلُّ أَحَدٍ»

1468 - أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي ثنا مُحَمَّدُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَجَلِيُّ، ثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: " إِنَّمَا الْعِلْمُ أَنْ تَسْمَعَ بِالرُّخْصَةِ مِنْ ثِقَةٍ فَأَمَّا التَّشْدِيدُ فَيُحْسِنُهُ كُلُّ أَحَدٍ

1469 - أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ , ثنا الْحَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ذُو النُّونِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَارِي بْنُ إِسْحَاقَ، ابْنُ أَخِي ذِي النُّونِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَمِّهِ أَبِي الْفَيْضِ ذِي النُّونِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: «مِنْ أَعْلَامِ الْبَصَرِ بِالدِّينِ مَعْرِفَةُ الْأُصُولِ لِتَسْلَمَ مِنَ الْبِدَعِ وَالْخَطَأِ وَالْأَخْذُ بِالْأَوْثَقِ مِنَ الْفُرُوعِ احْتِيَاطًا لِتَأْمَنَ»

1470 - وَأَخْبَرَنِي أَبُو عُمَرَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ، عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ قَالَ: «إِنَّ مِنَ حَقِّ الْبَحْثِ وَالنَّظَرِ الْإِضْرَابَ عَنِ الْكَلَامِ فِي فُرُوعٍ لَمْ تُحْكِمْ أُصُولَهَا وَالْتِمَاسُ ثَمَرَةٍ لَمْ تَغْرِسْ شَجَرَهَا وَطَلَبُ نَتِيجَةٍ لَمْ تَعْرِفْ مُقَدِّمَاتِهَا»

1471 - قَالَ أَبُو عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ: " وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ:

[البحر الرجز] وَكُلُّ عِلْمٍ غَامِضٍ رَفِيعِ ... فَإِنَّهُ بِالْمَوْضِعِ الْمَنِيعِ لَا يُرْقَى إِلَيْهِ إِلَّا عَنْ دَرَجْ ... مِنْ دُونِهَا بَحْرٌ طَمُوحٌ وَلُجَجْ وَلَا يَنَالُ ذُرْوَةَ الْغَايَاتِ ... إِلَّا عَلِيمٌ بِالْمُقَدِّمَاتِ

1472 - وَقَالَ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوسِ: [البحر السريع] لَنْ تَبْلُغَ الْفَرْعَ الَّذِي رُمْتَهُ ... إِلَّا بِبَحْثٍ مِنْكَ عَنْ أُسِّهِ

1473 - وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: " سَمِعْتُ أَعْرَابِيًّا يَقُولُ: إِذَا ثَبَتَتِ الْأُصُولُ فِي الْقُلُوبِ نَطَقَتِ الْأَلْسُنُ بِالْفُرُوعِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ قَلْبِي لَكَ شَاكِرٌ وَلِسَانِي لَكَ ذَاكِرٌ وَهَيْهَاتَ أَنْ يَظْهَرَ الْوُدُّ الْمُسْتَقِيمُ مِنَ الْقَلْبِ السَّقِيمِ

بَابُ الْعِبَارَةِ عَنْ حُدُودِ عِلْمِ الدِّيَانَاتِ وَسَائِرِ الْعُلُومِ الْمُتَصَرِّفَاتِ بِحَسَبِ تَصَرُّفِ الْحَاجَاتِ وَسَائِرِ الْعُلُومِ الْمُنْتَحِلَاتِ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْمَقَالَاتِ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " حَدُّ الْعِلْمِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ فِي هَذَا الْمَعْنَى هُوَ مَا اسْتَيْقَنْتَهُ وَتَبَيَّنْتَهُ وَكُلُّ مَنِ اسْتَيْقَنَ شَيْئًا وَتَبَيَّنَهُ فَقَدْ عَلِمَهُ،

وَعَلَى هَذَا مَنْ لَمْ يَسْتَيْقِنِ الشَّيْءَ وَقَالَ بِهِ تَقْلِيدًا فَلَمْ يَعْلَمْهُ، وَالتَّقْلِيدُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ غَيْرُ الِاتِّبَاعِ؛ لِأَنَّ الِاتِّبَاعَ هُوَ تَتَبُّعُ الْقَائِلِ عَلَى مَا بَانَ لَكَ مِنْ فَضْلِ قَوْلِهِ وَصِحَّةِ مَذْهَبِهِ، وَالتَّقْلِيدُ أَنْ تَقُولَ بِقَوْلِهِ وَأَنْتَ لَا تَعْرِفُ وَجْهَ الْقَوْلِ وَلَا مَعْنَاهُ وَتَأْبَى مَنْ سِوَاهُ، أَوْ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَكَ خَطَؤُهُ فَتَتَّبِعَهُ مَهَابَةَ خِلَافِهِ وَأَنْتَ قَدْ بَانَ لَكَ فَسَادُ قَوْلِهِ وَهَذَا مُحَرَّمٌ الْقَوْلُ بِهِ فِي دِينِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَالْعِلْمُ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ فِيمَا ذَكَرُوا يَجُوزَ أَنْ يُتَرْجَمَ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ عِلْمًا

وَيُتَرْجَمَ مَعْرِفَةً وَيُتَرْجَمَ فَهْمًا , وَالْعُلُومُ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: ضَرُورِيٌّ وَمُكْتَسَبٌ، فَحَدُّ الضَّرُورِيِّ مَا لَا يُمْكِنُ الْعَالِمُ أَنْ يَشُكِّكَ فِيهِ نَفْسَهُ وَلَا يُدْخِلَ فِيهِ عَلَى نَفْسِهِ شُبْهَةً , وَيَقَعُ لَهُ الْعِلْمُ بِذَلِكَ قَبْلَ الْفِكْرَةِ وَالنَّظَرِ وَيُدْرَكُ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْحِسِّ وَالْعَقْلِ كَالْعِلْمِ بِاسْتِحَالَةِ كَوْنِ الشَّيْءِ مُتَحَرِّكًا سَاكِنًا أَوْ قَائِمًا قَاعِدًا أَوْ مَرِيضًا صَحِيحًا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، وَمِنَ الضَّرُورِيِّ أَيْضًا وَجْهٌ آخَرُ يَحْصُلُ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَةِ الْحَوَاسِ الْخَمْسِ كَذَوْقِ الشَّيْءِ يَعْلَمُ بِهِ الْمَرَارَةَ مِنَ الْحَلَاوَةِ ضَرُورَةً إِذَا سَلِمَتِ الْجَارِحَةُ مِنْ آفَةِ وَكَرُؤْيَةِ الشَّيْءِ يَعْلَمُ بِهَا الْأَلْوَانَ وَالْأَجْسَامَ وَكَذَلِكَ السَّمْعُ يُدْرِكُ بِهِ الْأَصْوَاتَ، وَمِنَ الضَّرُورِيِّ أَيْضًا عِلْمُ النَّاسِ أَنَّ فِيَ الدُّنْيَا مَكَّةَ، وَالْهِنْدَ، وَمِصْرَ، وَالصِّينَ وَبُلْدَانًا قَدْ عَرَفُوهَا وَأُمَمًا قَدْ خَلَتْ.
وَأَمَّا الْعِلْمُ الْمُكْتَسَبُ فَهُوَ مَا كَانَ طَرِيقُهُ الِاسْتِدْلَالُ وَالنَّظَرُ وَمِنْهُ الْخَفِيُّ وَالْجَلِيُّ فَمَا قَرُبَ مِنْهُ مِنَ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ كَانَ أَجْلَى وَمَا بَعُدَ مِنْهَا كَانَ أَخْفَى، وَالْمَعْلُومَاتُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: شَاهِدٌ وَغَائِبٌ فَالشَّاهِدُ مَا عُلِمَ ضَرُورَةً وَالْغَائِبُ مَا عُلِمَ بِدَلَالَةٍ مِنَ الشَّاهِدِ.
وَالْعُلُومُ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الدِّيَانَاتِ ثَلَاثَةٌ: عِلْمٌ أَعْلَى، وَعِلْمٌ أَسْفَلُ، وَعِلْمٌ أَوْسَطُ.
فَالْعِلْمُ الْأَسْفَلُ هُوَ: تَدْرِيبُ الْجَوَارِحِ فِي الْأَعْمَالِ وَالطَّاعَاتِ، كَالْفُرُوسِيَّةِ وَالسِّيَاحَةِ وَالْخِيَاطَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي هِيَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يَجْمَعَهَا كتِاَبٌ أَوْ أَنْ يَأْتِي عَلَيْهَا وَصْفٌ.

وَالْعِلْمُ الْأَعْلَى عِنْدَهُمْ، عِلْمُ الدِّينِ الَّذِي لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْكَلَامُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي كُتُبِهِ وَعَلَى أَلْسِنَةِ أَنْبِيَائِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ نَصًا وَمَعْنًى، وَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِمَّا جَاءَ نَبِيَّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسَنَّهُ لِأُمَّتِهِ مِنْ حِكْمَتِهِ، فَالَّذِي جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ، شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ آتَاهُ اللَّهُ الْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَكَانَ ذَلِكَ يُتْلَى فِي بُيُوتِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: 34] يُرِيدُ: الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ، وَلَسْنَا عَلَى يَقِينٍ مِمَّا يَدَّعِيهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَخْبَرَنَا فِي كِتَابِهِ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.
فَكَيْفَ يُؤْمَنُ مَنْ خَانَ اللَّهَ وَكَذَبَ عَلَيْهِ وَجَحَدَ وَاسْتَكْبَرَ؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: 51] وَقَدِ اكْتَفَيْنَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْقُرْآنِ وَمَا سَنَّهُ لَنَا عَلَيْهِ السَّلَامُ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ اللِّسَانَ الَّذِي نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ وَهِيَ لُغَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ عِلْمِ ذَلِكَ مَا يَكْتَفِي بِهِ وَلَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ حَتَّى يَعْرِفَ تَصَارِيفَ الْقَوْلِ وَفَحْوَاهُ وَظَاهِرَهُ وَمَعْنَاهُ وَذَلِكَ قَرِيبٌ عَلَى مَنْ أَحَبَّ عِلْمَهُ وَتَعَلَّمَهُ وَهُو عَوْنٌ لَهُ عَلَى عِلْمِ الدِّينِ الَّذِي هُوَ أَرْفَعُ الْعُلُومِ وَأَعْلَاهَا، بِهِ يُطَاعُ اللَّهُ وَيُعْبَدُ وَيُشْكَرُ وَيُحْمَدُ فَمَنْ عَلِمَ مِنَ الْقُرْآنِ مَا بِهِ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ وَعَرَفَ مِنَ السُّنَّةِ مَا يَعُولُ عَلْيهِ وَوَقَفَ مِنْ مَذَاهِبِ الْفُقَهَاءِ عَلَى مَا نَزَعُوا بِهِ وَانْتَزَعُوهُ مِنْ كِتَابِ رَبِّهِمْ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِمْ حَصَلَ عَلَى عِلْمِ الدِّيَانَةِ، وَكَانَ عَلَى أُمَّةِ نَبِيِّهِ مُؤْتَمَنًا حَقَ الْأَمَانَةِ إِذَا أَبْقَى اللَّهَ فِيمَا عَلَّمَهُ، وَلَمْ تَمِلْ بِهِ دُنْيَا شَهْوَتِهِ أَوْ هَوًى يُرْدِيهِ فَهَذَا عِنْدَنَا الْعِلْمُ الْأَعْلَى الَّذِي نَحْظَى بِهِ فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى، وَالْعِلْمُ الْأَوْسَطُ هُوَ مَعْرِفَةُ عُلُومِ الدُّنْيَا الَّتِي يَكُونُ مَعْرِفَةُ الشَّيْءِ مِنْهَا بِمَعْرِفَةِ نَظِيرِهِ، وَيُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِجِنْسِهِ وَنَوْعِهِ كَعِلْمِ الطِّبِّ وَالْهَنْدَسَةِ،

وَهَذَا التَّقْسِيمُ فِي الْعُلُومِ كَذَلِكَ هُوَ عِنْدَ أَهْلِ الْفَلْسَفَةِ إِلَّا أَنَّ الْعِلْمَ الْأَعْلَى عِنْدَهُمْ هُوَ عِلْمُ الْقِيَاسِ فِي الْعُلُومِ الْعُلْوِيَّةِ الَّتِي تَرْتَفِعُ عَنِ الطَّبِيعَةِ وَالْفَلَكِ مِثْلَ الْكَلَامِ فِي حُدُوثِ الْعَالَمِ وَزَمَانِهِ وَالتَّشْبِيهِ وَنَفْيِهِ وَأُمُورٍ لَا يُدْرَكُ شَيْءٌ مِنْهَا بِالْمُشَاهَدَةِ وَلَا بِالْحَوَاسِّ، قَدْ أَغْنَتْ عَنِ الْكَلَامِ فِيهَا كُتُبُ اللَّهِ النَّاطِقَةُ بِالْحَقِّ الْمُنَزَّلَةُ بِالصِّدْقِ وَمَا صَحَّ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ الْعِلْمُ الْأَوْسَطُ وَالْأَسْفَلُ عِنْدَهُمْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ إِلَّا أَنَّ الْعِلْمَ الْأَوْسَطَ يَنْقَسِمُ عِنْدَهُمْ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ هِيَ كَانَتْ عِنْدَهُمْ رُءُوسَ الْعُلُومِ، وَهِيَ عِلْمُ الْحِسَابِ وَالتَّنْجِيمِ وَالطِّبِّ وَعِلْمُ الْمُوسِيقَى وَمَعْنَاهُ تَأْلِيفُ اللُّحُونِ وَتَعْدِيلُ الْأَصْوَاتِ وَرَنُّ الْأَنْقَارِ وَأَحْكَامُ صُنُوفِ الْمَلَاهِي أَمَّا عِلْمُ الْمُوسِيقَى وَاللَّهْوِ فَمُطَّرَحٌ وَمَنْبُوذٌ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْأَدْيَانِ عَلَى شَرَائِطِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ، وَأَمَّا عِلْمُ الْحِسَابِ فَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ مِنْهُ مَعْرِفَةُ الْعَدَدِ وَالضَّرْبِ وَالْقِسْمَةِ وَالتَّسْمِيَةِ وَإِخْرَاجِ الْجُذُورِ وَمَعْرِفَةِ جُمَلِ الْأَعْدَادِ وَمَعْنَى الْخَطِّ وَالدَّائِرَةِ وَالنُّقْطَةِ وَإِخْرَاجِ الْأَشْكَالِ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ، وَهُوَ عِلْمٌ لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ لِفَرَائِضِ الْمُوَارِيثِ وَالْوَصَايَا وَمَوْتٍ بَعْدَ مَوْتٍ وَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَالْحَجِّ وَأَحْوَالِ الزَّكَوَاتِ وَمَا يُتَصَرَّفُ فِيهِ مِنَ الْبَيَاعَاتِ وَعَدَدِ السِّنِينَ وَالدُّهُورِ وَمُرُورِ الْأَعْوَامِ وَالشُّهُورِ وَسَاعَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَنَازِلِ الْقَمَرِ وَمَطَالِعِ الْكَوَاكِبِ الَّتِي قَدَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِلْأَنْوَاءَ وَسُقُوطِهَا وَمَسِيرِ الدَّرَارِيِّ وَمَطَالِعِ الْبُرُوجِ وَسِنِيِّ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ.
ثُمَّ الْإِغْرَاقِ فِي عِلْمِ الْحِسَابِ رُبَّمَا آلَ بِصَاحِبِهِ إِلَى عِلْمِ الْقَضَاءِ بِالتَّنْجِيمِ، وَهُوَ عِلْمٌ

مَذْمُومٌ لَا يَتَنَاوَلُهُ وَلَا يَقْطَعُ أَيَّامَهُ فِيهِ إِلَّا الْخَرَّاصُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ، وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ يُنْكِرُ شَيْئًا مِمَّا وَصَفْنَا أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ بِالنِّجَامَةِ شَيْئًا مِنَ الْغَيْبِ وَلَا عَلِمَهُ أَحَدٌ قَطُّ عِلْمًا صَحِيحًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا خَصَّهُ اللَّهُ بِمَا لَا يَجُوزُ إِدْرَاكُهُ قَالُوا: وَلَا يَدَّعِي مَعْرِفَةَ الْغَيْبِ بِهَا الْيَوْمَ عَلَى الْقَطْعِ إِلَّا كُلُّ جَاهِلٍ مَنْقُوصٍ مُغْتَرٍ مُتَخَرِّصٍ إِذْ فِي أَقْدَارِهِمْ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَحْدِيثُهَا إِلَّا فِي أَكْثَرَ مِنْ عُمْرِ الدُّنْيَا مَا يُكَذِّبُهُمْ فِي مَا يَدَّعُونَ مَعْرِفَتَهُ بِهَا وَالْمُتَخَرِّصُونَ بِالنِّجَامَةِ كَالْمُتَخَرِّصِينَ بِالْعِيَافَةِ وَالزَّجْرِ وَخُطُوطِ الْكَفِّ، وَالنَّظَرِ فِي الْكَتِفِ وَفِي مَوَاضِعِ قَرْضِ الْفَأْرِ وَفِي الْخَيَلَانِ وَالْعِلَاجِ بِالْفِكْرِ وَمُلْكِ الْجِنِّ، وَمَا شَاكَلَ ذَلِكَ مِمَّا لَا تَقْبَلُهُ الْعُقُولُ وَلَا يَقُومُ عَلَيْهِ بُرْهَانٌ وَلَا يَصِحُّ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ مَا يُدْرِكُونَ مِنْهُ يَخْطِئُونَ فِي مِثْلِهِ مَعَ فَسَادِ أَصْلِهِ، وَفِي إِدْرَاكِهِمُ الشَّيْءَ وَذَهَابِ مِثْلِهِ أَضْعَافُ مَا يَدُلُّكَ عَلَى فَسَادِ مَا زَعَمُوهُ وَلَا صَحِيحَ عَلَى الْحَقِيقَةِ إِلَّا مَا جَاءَ فِي أَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ "

1474 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ قَالَ: نا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ قَالَ: نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا غَسَّانُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ، «تَعَلَّمُوا مِنَ النُّجُومِ مَا تَهْتَدُونَ بِهِ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، ثُمَّ أَمْسِكُوا»

1475 - قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: «لَا بَأْسَ أَنْ تَتَعَلَّمَ، مِنَ النُّجُومِ مَا تَهْتَدِي بِهِ»

1476 - قَالَ: أَبُو إِسْحَاقَ الْحَرْبِيُّ: «الْعُلُومُ ثَلَاثَةٌ عِلْمٌ دُنْيَاوِيٌّ وَأُخْرَوِيٌّ، وَعِلْمٌ دُنْيَاوِيٌّ، وَعِلْمٌ لَا لِلدُّنْيَا وَلَا لِلْآخِرَةِ، فَالْعِلْمُ الَّذِي لِلدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عِلْمُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ وَالْفِقْهُ فِيهِمَا، وَالْعِلْمُ الَّذِي لِلدُّنْيَا عِلْمُ الطِّبِّ وَالتَّنْجِيمِ، وَالْعِلْمُ الَّذِي لَا لِلدُّنْيَا وَلَا لِلْآخِرَةِ عِلْمُ الشَّعْرِ وَالشُّغْلِ بِهِ»

1477 - وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ: نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ نا قَاسِمٌ، نا بَكْرٌ، نا مُسَدَّدٌ قَالَا: نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَخْنَسِ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السَّحَرِ زَادَ مَا زَادَ» وَقَالَ مُسَدَّدٌ: مَا زَادَ زَادَ

1478 - وَرَوَى طَاوُسٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْمٍ يَنْظُرُونَ فِي النُّجُومِ: «أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ» ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ

1479 - وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ: نا شَاذُّ بْنُ فَيَّاضٍ قَالَ: نا عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَقَدْ طَهَّرَ اللَّهُ هَذِهِ الْجَزِيرَةَ مِنَ الشِّرْكِ إِنْ لَمْ تُضِلَّهُمُ النُّجُومُ»

1480 - وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، نا قَاسِمٌ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، نا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: نا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، قَالَ: " ثَلَاثٌ ارْفُضُوهُنَّ: لَا تُنَازِعُوا أَهْلَ الْقَدَرِ، وَلَا تَقُولُوا لِأَصْحَابِ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا خَيْرًا، وَلَا تَنْظُرُوا فِي النُّجُومِ "

1481 - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا ذُكِرَ الْقَدَرُ فَأَمْسِكُوا، وَإِذَا ذُكِرَتِ النُّجُومُ فَأَمْسِكُوا، وَإِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا»

1482 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ نا قَاسِمٌ نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ النَّيْسَابُورِيُّ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ أَبِي زَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ الصُّدَائِيُّ ثنا أَبُو سَعْدٍ الْبَقَّالُ، عَنْ أَبِي مِحْجَنٍ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي بَعْدِي ثَلَاثًا: حَيْفُ الْأَئِمَّةِ، وَإِيمَانٌ بِالنُّجُومِ، وَتَكْذِيبٌ بِالْقَدَرِ " وَأَمَّا الطِّبُّ فَلِفَهْمِ طَبَائِعِ نَبَاتِ الْأَرْضِ وَشَجَرِهَا وَمِيَاهِهَا وَمَعَادِنِهَا وَجَوَاهِرِهَا وَطُعُومِهَا وَرَوَائِحَهَا وَمَعْرِفَةِ الْعَنَاصِرِ وَالْأَرْكَانِ وَخَوَاصِّ الْحَيَوَانِ وَطَبَائِعِ الْأَبْدَانِ، وَالْغَرَائِزِ وَالْأَعْضَاءِ وَالْآفَاتِ الْعَارِضَةِ وَطَبَائِعِ الْأَزْمَانِ وَالْبُلْدَانِ وَمَنَافِعِ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَضُرُوبِ الْمُدَاوَاةِ وَالرِّفْقِ وَالسِّيَاسَةِ فَهَذَا هُوَ الْعِلْمُ الثَّانِي الْأَوْسَطُ وَهُوَ عِلْمُ الْأَبْدَانِ،

وَالْعِلْمُ الْأَوَّلُ الْأَعْلَى عِلْمُ الْأَدْيَانِ، وَالْعِلْمُ الثَّالِثُ الْأَسْفَلُ مَا دُرِّبَتْ عَلَى عَمَلِهِ الْجَوَارِحُ كَمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ، وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْأَدْيَانِ أَنَّ الْعِلْمَ الْأَعْلَى هُوَ عِلْمُ الدِّينِ، وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ أَنَّ الدِّينَ تَكُونُ مَعْرِفَتُهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَوَّلُهَا مَعْرِفَةُ خَاصَّةِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ مَعْرِفَةُ التَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ وَلَا يُوصَلُ عِلْمُ ذَلِكَ إِلَّا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَهُوَ الْمُؤَدِّي عَنِ اللَّهِ وَالْمُبَيِّنُ لِمُرَادِهِ وَبِمَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْأَمْرِ بِالِاعْتِبَارِ فِي خَلْقِ اللَّهِ بِالدَّلَائِلِ مِنْ آثَارِ صَنْعَتِهِ فِي بَرِيَّتِهِ عَلَى تَوْحِيدِهِ وَأَزَلِيَّتِهِ سُبْحَانَهُ، وَالْإِقْرَارِ وَالتَّصْدِيقِ بِكُلِّ مَا فِي الْقُرْآنِ وَبِمَلَائِكَةِ اللَّهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَالْقِسْمُ الثَّانِي مَعْرِفَةُ مَخْرَجِ خَبَرِ الدِّينِ وَشَرَائِعِهِ، وَذَلِكَ مَعْرِفَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي شَرَعَ اللَّهُ الدِّينَ عَلَى لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَمَعْرِفَةُ أَصْحَابِ الَّذِينِ أَدَّوْا ذَلِكَ عَنْهُ، وَمَعْرِفَةُ الرِّجَالِ الَّذِينَ حَمَلُوا ذَلِكَ وَطَبَقَاتِهِمْ إِلَى زَمَانِكَ، وَمَعْرِفَةُ الْخَبَرِ الَّذِي يَقْطَعُ الْعُذْرَ لِتَوَاتُرِهِ وَظُهُورِهِ وَقَدْ وَضَعَ الْعُلَمَاءُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ مِنْ تَلْخِيصِ وُجُوهِ الْأَخْبَارِ وَمَخَارِجِهَا مَا يَكْفِي النَّاظِرَ فِيهِ وَيَشْفِيهِ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِ ذَلِكَ؛ لِخُرُوجِنَا بِهِ عَنْ تَأْلِيفِنَا وَعَنْ مَا لَهُ قَصْدُنَا، وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ مَعْرِفَةُ السُّنَنِ وَاجِبِهَا وَأَدَبِهَا، وَعِلْمُ الْأَحْكَامِ، وَفِي ذَلِكَ يَدْخُلُ خَبَرُ الْخَاصَّةِ الْعُدُولِ، وَمَعْرِفَتُهُ وَمَعْرِفَةُ الْفَرِيضَةِ مِنَ النَّافِلَةِ وَمَخَارِجِ الْحُقُوقِ وَالتَّدَاعِي، وَمَعْرِفَةُ الْإِجْمَاعِ مِنَ الشُّذُوذِ قَالُوا: وَلَا يُوصَلُ إِلَى الْفِقْهِ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ "

جارٍ التحميل