أَمَّا إذَا لَمْ يَتُبْ كَانَ قَتْلُهُ كُفْرًا، وَكَذَلِكَ حُكْمُ مَنْ سَبَّ أَحَدًا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ مِنْ الْمَلَائِكَةِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - أَوْ جَحَدَ كِتَابًا مِنْ كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ، وَمَنْ سَبَّ مَنْ اُخْتُلِفَ فِي نُبُوَّتِهِ كَالْخَضِرِ وَلُقْمَانَ نُكِّلَ نَكَالًا شَدِيدًا وَلَا يُقْتَلُ.
(وَمَنْ سَبَّهُ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِغَيْرِ مَا بِهِ كُفْرٌ أَوْ سَبَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِغَيْرِ مَا بِهِ كُفْرٌ قُتِلَ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ) مَا ذَكَرَهُ فِي سَبِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الْمَشْهُورُ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ ج. وَمَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ.
وَقَالَ ع: مَا قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ غَيْرُ الْمَشْهُورِ.
مِثَالُ سَبِّهِ بِغَيْرِ مَا بِهِ كُفْرٌ أَنْ يَقُولَ قَوْلًا قَبِيحًا أَوْ يَقُولَ: لَيْسَ بِنَبِيٍّ، وَمِثَالُ سَبِّهِ بِمَا بِهِ كُفْرٌ أَنْ يَقُولَ سَاحِرٌ أَوْ يَقُولَ الْيَهُودِيُّ لَيْسَ بِرَسُولٍ إلَيْنَا وَإِنَّمَا رَسُولُنَا مُوسَى، أَوْ يَقُولَ النَّصْرَانِيُّ إنَّمَا رَسُولُنَا عِيسَى، وَمِثَالُ سَبِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِغَيْرِ مَا بِهِ كُفْرٌ أَنْ يَقُولَ: غَيْرُ كَرِيمٍ أَوْ يَقُولَ: غَيْرُ حَلِيمٍ، وَمِثَالُ سَبِّهِ بِمَا كُفْرٌ بِهِ أَنْ يَقُولَ: هُوَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ أَوْ لَهُ صَاحِبَةٌ أَوْ لَهُ وَلَدٌ.
(وَمِيرَاثُ الْمُرْتَدِّ) إذَا مَاتَ عَلَى ارْتِدَادِهِ وَكَانَ حُرًّا (لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ) ع: وَانْظُرْ لِمَ سَكَتَ عَنْ مِيرَاثِ غَيْرِهِ مِمَّنْ ذَكَرَ أَنَّهُ يُقْتَلُ.
ع: يَحْتَمِلُ أَنَّ سُكُوتَهُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ مَذْهَبَهُ فِيهِمْ لِوَرَثَتِهِمْ وَفِيهِ خِلَافٌ، وَحَكَى ج أَنَّ
[حاشية العدوي]
يَسْتَعْجِلُ بِقَتْلِ السَّابِّ وَمِثْلُهُ الزِّنْدِيقُ وَلَوْ كَانَ قَتْلُهُمَا كُفْرًا لِأَنَّ التَّأْخِيرَ ثَلَاثًا إنَّمَا هُوَ فِي الْمُرْتَدِّ غَيْرِهِمَا.
[قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ مَنْ سَبَّ أَحَدًا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ] أَيْ مُجْمَعًا عَلَى نُبُوَّتِهِ أَوْ مَلَكِيَّتِهِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ جَحَدَ كِتَابًا مِنْ كُتُبِ اللَّهِ الْمُنْزَلَةِ] الْمُرَادُ مِمَّا عُلِمَ مَجِيءُ الْإِسْلَامِ بِهِ ضَرُورَةً.
[قَوْلُهُ: نُكِّلَ نَكَالًا شَدِيدًا] أَيْ عُوقِبَ عِقَابًا شَدِيدًا.
[قَوْلُهُ: وَمَنْ سَبَّ مَنْ اُخْتُلِفَ فِي نُبُوَّتِهِ] أَيْ أَوْ اُخْتُلِفَ فِي مَلَكِيَّتِهِ كَهَارُوتَ وَمَارُوتَ.
تَنْبِيهٌ:
سَكَتَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ عَنْ سَابِّ اللَّهِ تَعَالَى وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهُ يُقْتَلُ إذَا لَمْ يَتُبْ وَإِلَّا فَالرَّاجِحُ قَبُولُهَا، وَقِيلَ: لَا وَالْفَرْقُ بَيْنَ سَبِّ اللَّهِ وَسَبِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَشَرٍ وَالْبَشَرُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ بَشَرًا يَقْبَلُ الْعَيْبَ وَتَلْحَقُهُ الْمَعَرَّةُ بِالْأَوْصَافِ الْقَبِيحَةِ، وَالْبَارِي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ سَائِرِ الْعُيُوبِ فَلَا يَلْحَقُهُ عَيْبٌ وَلَا مَعَرَّةٌ فَشُدِّدَ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَسْبِقَ إلَى فَهْمِ السَّامِعِ حَقِيقَةُ الْكَلَامِ
[قَوْلُهُ: بِغَيْرِ مَا بِهِ كُفْرٌ] الْمُرَادُ بِمَا بِهِ كُفْرٌ مَا أَقْرَرْنَاهُمْ عَلَيْهِ وَبِغَيْرِ مَا بِهِ كُفْرٌ مَا لَمْ نُقِرَّهُمْ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يُسْلِمَ إلَخْ أَيْ فَيَكُونُ إسْلَامُهُ تَوْبَةً لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ تَوْبَةِ الْكَافِرِ أَنَّهَا تُقْبَلُ وَتَوْبَةُ الْمُسْلِمِ لَا تُقْبَلُ، أَنَّ قَتْلَ الْمُسْلِمِ حَدُّهُ، وَهُوَ زِنْدِيقٌ لَا تُعْرَفُ تَوْبَتُهُ، وَالْكَافِرُ كَانَ عَلَى كُفْرِهِ فَيُعْتَبَرُ إسْلَامُهُ.
[قَوْلُهُ: مَا ذَكَرَهُ فِي سَبِّ إلَخْ] أَيْ مِنْ أَنَّهُ يُقْتَلُ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ هُوَ الْمَشْهُورُ وَهُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَكَلَامُ ابْنِ عُمَرَ ضَعِيفٌ.
[قَوْلُهُ: وَقَالَ ع إلَخْ] أَيْ فَالْمَشْهُورُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ يُقْتَلُ مُطْلَقًا كَيْفَمَا وَقَعَ مِنْهُ السَّبُّ لَا بِمَا كَفَرُوا بِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ، وَهَلْ بَعْدَ الِاسْتِتَابَةِ أَوْ قَبْلَهَا قَوْلَانِ.
وَاَلَّذِي قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ بَعْدَ الِاسْتِتَابَةِ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَقُولَ قَوْلًا قَبِيحًا] لَا يَخْفَى أَنَّ مِنْ مَاصَدَقَاتِ ذَلِكَ مَا كَفَرُوا بِهِ فَلَا يُنَاسَبُ التَّمْثِيلُ بِقَوْلِهِ أَنْ يَقُولَ سَاحِرٌ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: غَيْرُ كَرِيمٍ] فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِقَوْلِهِمْ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، أَيْ بَخِيلٌ.
[قَوْلُهُ: وَمِثَالُ سَبِّهِ بِمَا بِهِ كُفْرٌ] أَيْ فَلَا يُقْتَلُونَ بِهِ حَتَّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. فَيَنْقَضِيَ أَمَدُ أَخْذِ الْجِزْيَةِ وَبَعْدَ ذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْ الْإِسْلَامِ أَوْ الْقَتْلِ لِأَنَّ حِلَّ أَخْذِهَا مُغَيًّا بِنُزُولِ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -
[قَوْلُهُ: إذَا مَاتَ عَلَى ارْتِدَادِهِ] بِأَنْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ أَوْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ.
[قَوْلُهُ: وَكَانَ حُرًّا] وَأَمَّا مَالُ الْعَبْدِ فَهُوَ لِسَيِّدِهِ.
[قَوْلُهُ: لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ] فَيُوضَعُ فِي بَيْتِ مَالِهِمْ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ وَرَثَتُهُ كُفَّارًا وَظَاهِرُهُ أَيْضًا وَلَوْ ارْتَدَّ فِي مَرَضِهِ، وَأَمَّا لَوْ تَابَ بِرُجُوعِهِ لِلْإِسْلَامِ فَإِنَّ مَالَهُ يَرْجِعُ لَهُ وَلَوْ كَانَ عَبْدًا.
[قَوْلُهُ: مِمَّنْ ذَكَرَ] وَهُوَ أَشْيَاءُ: الْأَوَّلُ وَالثَّانِي الزِّنْدِيقُ وَالسَّاحِرُ اللَّذَانِ تَابَا بَعْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِمَا بِدَلِيلِ قَوْلِ الشَّارِحِ: يُقْتَلُ الزِّنْدِيقُ حَدًّا، بَلْ السَّاحِرُ مِنْ أَفْرَادِ الزِّنْدِيقِ عَلَى تَقْرِيرِهِ الَّذِي قُرِّرَ بِهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَيْنِ مِيرَاثُهُمَا لِوَرَثَتِهِمَا، وَظَاهِرُ عِبَارَتِهِ أَنَّهُمَا مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ.
الثَّالِثُ: مَنْ أَقَرَّ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَامْتَنَعَ مِنْهَا كَسَلًا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مُسْلِمٌ فَتَرِثُهُ
مِيرَاثَ الزِّنْدِيقِ لِوَرَثَتِهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ أَشْهَبَ وَابْنِ نَافِعٍ.
(وَالْمُحَارِبُ) الَّذِي تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ (لَا عَفْوَ فِيهِ إذَا ظُفِرَ بِهِ) أَيْ أُخِذَ قَبْلَ تَوْبَتِهِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى (فَإِنْ قَتَلَ أَحَدًا) وَلَوْ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا (فَلَا بُدَّ مِنْ قَتْلِهِ) وُجُوبًا إذَا كَانَ مُكَلَّفًا وَلَوْ عَفَا عَنْهُ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى (وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ) أَحَدًا (فَيَسَعُ) أَيْ يَبْذُلُ (الْإِمَامُ فِيهِ اجْتِهَادَهُ) اسْتِحْبَابًا (بِقَدْرِ جُرْمِهِ) أَيْ اكْتِسَابِهِ لِلْمَعَاصِي وَالطُّغْيَانِ (وَكَثْرَةِ مَقَامِهِ فِي فَسَادِهِ) فَيَفْعَلُ بِهِ مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ كَافِيًا فِي رَدْعِهِ، فَإِنْ كَانَ ذَا قُوَّةٍ فَعَلَ بِهِ أَشَدَّ الْعُقُوبَاتِ الْآتِيَةِ وَهُوَ الْقَطْعُ مِنْ خِلَافٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ أَيْسَرَ الْعُقُوبَاتِ وَهُوَ النَّفْيُ.
ثُمَّ بَيَّنَ مَا يَبْذُلُ الْإِمَامُ فِيهِ اجْتِهَادَهُ فَقَالَ: (فَإِمَّا قَتَلَهُ أَوْ صَلَبَهُ ثُمَّ قَتَلَهُ أَوْ يُقَطِّعُهُ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يَنْفِيهِ إلَى بَلَدٍ يُسْجَنُ بِهَا حَتَّى يَتُوبَ) وَالْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: 33] الْآيَةَ ع: ظَاهِرُ قَوْلِهِ: فَإِمَّا قَتَلَهُ أَوْ صَلَبَهُ ثُمَّ قَتَلَهُ إمَّا أَنْ يَقْتُلَهُ مِنْ غَيْرِ صَلْبٍ أَوْ يَصْلُبَهُ ثُمَّ يَقْتُلَهُ.
وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ أَنَّ الصَّلْبَ حَدٌّ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، وَالْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَيُقَدَّمُ الصَّلْبُ، وَالْقَتْلُ يَكُونُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ.
بِالسَّيْفِ أَوْ الرُّمْحِ وَلَا يُقْتَلُ عَلَى صِفَةٍ يُعَذَّبُ بِهَا وَلَا بِحِجَارَةٍ، وَالصَّلْبُ الرَّبْطُ عَلَى الْجُذُوعِ وَيَكُونُ قَائِمًا لَا مُنَكَّسًا وَهُوَ خَاصٌّ بِالرَّجُلِ دُونَ الْمَرْأَةِ الْمُحَارِبَةِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ كَشْفَ الْعَوْرَةِ مِنْهَا وَمَعْنَى
[حاشية العدوي]
وَرَثَتُهُ وَظَاهِرُ عِبَارَتِهِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ، وَأَمَّا التَّارِكُ لَهَا جَحْدًا فَذَلِكَ مُرْتَدٌّ بِلَا رَيْبٍ.
الرَّابِعُ: السَّابُّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَابَ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَتَرِثُهُ وَرَثَتُهُ، وَظَاهِرُ عِبَارَتِهِ أَيْضًا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ، وَأَمَّا الَّذِي لَمْ يَتُبْ فَهُوَ مِنْ أَفْرَادِ الْمُرْتَدِّ.
[قَوْلُهُ: أَنَّ مِيرَاثَ الزِّنْدِيقِ] أَيْ الَّذِي تَابَ بَعْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ عَلَى ظَاهِرِ عِبَارَتِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ، قُلْت: وَكَذَا الَّذِي مَاتَ قَبْلَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ يَكُونُ مَالُهُ لِوَرَثَتِهِ، وَأَمَّا الَّذِي مَاتَ بَعْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ كَافِرًا فَصَارَ كَالْمُرْتَدِّ فَيَكُونُ مَالُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الزِّنْدِيقَ مِنْ مَاصَدَقَاتِ الْغَيْرِ الَّذِي أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ عَنْ مِيرَاثِ غَيْرِهِ
[قَوْلُهُ: لَا عَفْوَ فِيهِ] جَائِزٌ.
[قَوْلُهُ: فَلَا بُدَّ مِنْ قَتْلِهِ] بَلْ وَلَوْ شَارَكَ فِي الْقَتْلِ بِإِعَانَةٍ كَضَرْبٍ أَوْ إمْسَاكٍ، بَلْ وَلَوْ بِالْمُمَالَأَةِ وَلَا بُدَّ مِنْ قَتْلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَتَرَتَّبُ عَلَى قَتْلِهِ مَفْسَدَةٌ أَشَدُّ كَمَا كَانَ يَقَعُ فِي عَرَبِ أَفْرِيقِيَّةَ مِنْ أَنَّهُ إذَا قَتَلَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ شَخْصًا وَقَتَلُوهُ بِهِ يُخَرِّبُونَ الْبِلَادَ وَيَقْتُلُونَ بِهِ خَلَائِقَ كَثِيرَةً.
[قَوْلُهُ: إذَا كَانَ مُكَلَّفًا] أَيْ بَالِغًا عَاقِلًا، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمُحَارِبُ صَبِيًّا فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ بَلْ يُعَاقَبُ حَارَبَ بِالسَّيْفِ أَوْ الْعَصَا.
تَحْقِيقٌ [قَوْلُهُ: وَالطُّغْيَانِ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ.
[قَوْلُهُ: فُعِلَ بِهِ أَشَدُّ] أَيْ نَدْبًا أَيْ وَإِذَا كَانَ ذَا تَدْبِيرٍ نُدِبَ قَتْلُهُ وَتَحْتَهُ أَمْرَانِ قُتِلَ فَقَطْ أَوْ صُلِبَ ثُمَّ قُتِلَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَوْ فِي الْآيَةِ لِلتَّخْيِيرِ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ فِعْلُ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ حَيْثُ لَمْ يَقْتُلْ أَحَدًا بَلْ يَنْدُبُ لَهُ النَّظَرُ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ] أَيْ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ ذَا قُوَّةٍ أَيْ وَلَا تَدْبِيرٍ، وَسَكَتَ الشَّارِحُ عَنْ حَالِ مَنْ كَثُرَ مَقَامُهُ فِي الْفَسَادِ، وَحُكْمُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ ذَا قُوَّةٍ وَلَا بَطْشٍ وَلَا تَدْبِيرٍ النَّفْيُ وَالضَّرْبُ كَمَنْ وَقَعَتْ مِنْهُ فَلْتَةٌ مُخَالِفَةٌ لِظَاهِرِ حَالِهِ نَادِمًا عَلَى ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ النَّفْيُ] أَيْ وَالضَّرْبُ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ تَعْلَمُ مَا فِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ مِنْ الْقُصُورِ وَعَدَمِ التَّطْبِيقِ لِكَلَامِهِ مَعَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَإِمَّا قَتَلَهُ.
[قَوْلُهُ: أَوْ يَصْلُبُهُ ثُمَّ يَقْتُلُهُ] فَيَصْلُبُهُ حَيًّا عَلَى خَشَبَةٍ يُرْبَطُ جَمِيعُهُ بِهَا لَا مِنْ أَعْلَاهُ فَقَطْ كَإِبْطَيْهِ وَوَجْهِهِ أَوْ ظَهْرُهُ لَهَا غَيْرَ مَنْكُوسٍ، فَالصَّلْبُ مِنْ صِفَاتِ الْقَتْلِ فَلَمْ يَجْتَمِعْ عَلَيْهِ عُقُوبَتَانِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَلَوْ حَبَسَهُ الْإِمَامُ لِيَقْتُلَهُ فَمَاتَ فِي الْحَبْسِ لَمْ يَصْلُبْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ مَعَهُ مِنْ الْحُدُودِ شَيْئًا، وَلَوْ قَتَلَهُ إنْسَانٌ فِي الْحَبْسِ لَصَلَبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ بَقِيَّةُ حَدِّهِ.
[قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ] فَإِنْ قُلْت: مَا جَوَابُ الْمَشْهُورِ عَنْ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ قُلْت: جَوَابُهُ الْأَخْذُ مِنْ السُّنَّةِ.
[قَوْلُهُ: وَالْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ إلَخْ] وَمُقَابِلُهُ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا: مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ عَنْ مَالِكٍ مِمَّا يُفِيدُ أَنَّ الصَّلْبَ وَحْدَهُ يَكْفِي كَمَا أَنَّ الْقَتْلَ وَحْدَهُ يَكْفِي.
الثَّانِي: أَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَيُؤَخِّرُ الصَّلْبَ وَهُوَ مَذْهَبُ أَشْهَبَ.
[قَوْلُهُ: وَالرُّمْحِ] أَيْ بِوَضْعِهِ فِي لَبَّتِهِ.
[قَوْلُهُ: وَيَكُونُ قَائِمًا إلَخْ] وَيَنْبَغِي أَنْ يُطْلِقَ يَدَاهُ لِأَنَّ لَهُ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الرَّاحَةِ إلَى أَنْ يَمُوتَ، فَإِنْ لَمْ تُطْلَقْ فَلَا بَأْسَ قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ مَنْقُولًا.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ فِي ذَلِكَ كَشْفَ الْعَوْرَةِ] لَعَلَّ الْمُرَادَ
الْقَطْعِ مِنْ خِلَافٍ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى فَإِنْ حَارَبَ بَعْدَ ذَلِكَ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى وَرِجْلُهُ الْيُمْنَى، فَإِنْ حَارَبَ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ فَإِنْ كَانَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى مَقْطُوعَةً أَوْ شَلَّاءَ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى وَرِجْلُهُ الْيُمْنَى.
وَاخْتُلِفَ فِي حَدِّ الْقَطْعِ مِنْ الْيَدِ فَقِيلَ: مِنْ الْكُوعِ، وَقِيلَ: تُقْطَعُ عَلَى حَدِّ الْأَصَابِعِ.
وَمِنْ الرِّجْل فَقِيلَ: تُقْطَعُ مِنْ نِصْفِ الْقَدَمِ وَيُتْرَكُ لَهُ آخِرُ مُؤَخِّرِ الْقَدَمِ، وَقِيلَ: تُقْطَعُ مِنْ الْكَعْبِ وَالنَّفْيُ الْإِخْرَاجُ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ آخَرَ، وَأَقَلُّ الْبَلَدِ الْمَنْفِيِّ إلَيْهِ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَالْحَبْسُ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ وَالنَّفْيُ خَاصٌّ بِالذَّكَرِ الْحُرِّ.
وَأَمَّا الْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ فَلَا يُنْفَيَانِ وَلَوْ رَضِيَ سَيِّدُ الْعَبْدِ بِنَفْيِهِ فَذَلِكَ لَهُ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ إذَا رَضِيَتْ بِهِ وَوَجَدَتْ رُفْقَةً مَأْمُونَةً ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ إذَا ظُفِرَ بِهِ فَقَالَ: (فَإِنْ لَمْ يُقْدَرْ) أَيْ لَمْ يُظْهَرْ (عَلَيْهِ حَتَّى جَاءَ) إلَى الْإِمَامِ (تَائِبًا وُضِعَ عَنْهُ كُلُّ حَقٍّ هُوَ لِلَّهِ) تَعَالَى (مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ عُقُوبَةِ الْحِرَابَةِ وَهِيَ الْقَتْلُ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 34] فَاسْتَثْنَاهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: كُلُّ حَقٍّ هُوَ لِلَّهِ مِنْ ذَلِكَ حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ وَحَقُّ اللَّهِ فِي غَيْرِ الْحِرَابَةِ كَحَدِّ الزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِهِ، وَصَرَّحَ بِالْحَقِّ الْأَوَّلِ فَقَالَ: (وَأُخِذَ بِحُقُوقِ النَّاسِ) الَّتِي جَنَاهَا فِي حَالِ حِرَابَتِهِ (مِنْ مَالٍ أَوْ دَمٍ) ؛ لِأَنَّ التَّوْبَةَ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ.
(وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ اللُّصُوصِ) جَمْعُ لِصٍّ (ضَامِنٌ لِجَمِيعِ مَا سَلَبُوهُ مِنْ الْأَمْوَالِ) سَوَاءٌ أُخِذَ فِي حَالِ تَلَصُّصِهِ أَوْ جَاءَ تَائِبًا، وَسَوَاءٌ أَخَذَ الْمَالَ هُوَ أَوْ أَخَذَهُ غَيْرُهُ وَهُوَ حَاضِرٌ؛ لِأَنَّ الْمُعِينَ شَرِيكٌ، وَاللُّصُوصُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ حُمَلَاءُ فَكُلُّ مَنْ أَخَذَ مِنْهُمْ غَرِمَ الْجَمِيعُ وَيَرْجِعُ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَأَمَّا الْمُجْتَمَعُونَ عَلَى السَّرِقَةِ فَكُلٌّ مُخَاطَبٌ بِمَا أَخَذَهُ خَاصَّةً عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ بَعْضِ الشُّيُوخِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إذَا تَعَاوَنُوا فَهُمْ كَالْمُحَارِبِينَ.
وَقَوْلُهُ: (وَتُقْتَلُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ فِي الْحِرَابَةِ وَالْغِيلَةِ وَإِنْ وَلِيَ الْقَتْلَ وَاحِدٌ
[حاشية العدوي]
مَظِنَّةُ كَشْفِ الْعَوْرَةِ.
[قَوْلُهُ: أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى] قَالَ تت: فَتُقْطَعُ يَدُهُ الْيُمْنَى فَرِجْلُهُ الْيُسْرَى فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ وَلَيْسَ لَهُ تَفْرِيقُ الْقَطْعِ فِي وَقْتَيْنِ اهـ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى مَقْطُوعَةً إلَخْ] وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَهُ مَا إذَا كَانَتْ نَاقِصَةً أَكْثَرَ الْأَصَابِعِ.
[قَوْلُهُ: فَقِيلَ مِنْ الْكُوعِ] وَهُوَ الرَّاجِحُ.
[قَوْلُهُ: عَلَى حَدِّ الْأَصَابِعِ] أَيْ قَطْعًا آتِيًا عَلَى مُنْتَهَى الْأَصَابِعِ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ تُقْطَعُ مِنْ الْكَعْبِ] وَهُوَ الرَّاجِحُ.
[قَوْلُهُ: وَالْحَبْسُ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ] أَيْ أَوْ يَمُوتَ لَا أَنَّهُ يُخَلَّى سَبِيلُهُ بَعْدَ سَنَةٍ، وَيَكُونُ النَّفْيُ بَعْدَ الضَّرْبِ بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ] حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُحَارِبُ عَبْدًا تَخَيَّرَ فِيهِ الْإِمَامُ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ، الْقَطْعِ مِنْ خِلَافٍ أَوْ الْقَتْلِ الْمُجَرَّدِ أَوْ الصَّلْبِ ثُمَّ الْقَتْلِ، وَلَا يُنْفَى إلَّا بِرِضَا السَّيِّدِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيُخَيَّرُ فِيهَا بَيْنَ الْقَتْلِ الْمُجَرَّدِ أَوْ الْقَطْعِ مِنْ خِلَافٍ وَلَا تُصْلَبُ وَلَا تُنْفَى إلَّا أَنْ تَرْضَى بِالنَّفْيِ إلَى بَلَدٍ عَلَى مَسَافَةِ قَصْرٍ وَوَجَدَتْ رُفْقَةً مَأْمُونَةً.
[قَوْلُهُ: حَتَّى جَاءَ إلَى الْإِمَامِ تَائِبًا] أَيْ أَوْ تَرَكَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْحِرَابَةِ بِأَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ، أَيْ فَحَدُّهَا يَسْقُطُ بِأَحَدِ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ فَلَا يَسْقُطُ حَدُّهَا بِتَأْمِينِ الْإِمَامِ إذْ لَا يَجُوزُ لَهُ تَأْمِينُهُ، وَإِنْ جَازَ لَهُ تَأْمِينُ الْكَافِرِ.
[قَوْلُهُ: وَأُخِذَ بِحُقُوقِ النَّاسِ] اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُحَارِبُ مُوسِرًا مِنْ حِينِ أَخَذَ الْمَالَ إلَى حِينِ إقَامَةِ الْحَدِّ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِالْمَالِ، وَإِنْ أَعْسَرَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ الْمَالُ وَإِنْ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِأَنْ جَاءَ تَائِبًا أُخِذَ مِنْهُ الْمَالُ إنْ وُجِدَ وَاتُّبِعَ بِهِ إنْ أَعْدَمَ، وَهَلْ الْمُرَادُ بِالْحَدِّ الْقَتْلُ أَوْ الْقَطْعُ أَوْ النَّفْيُ أَوْ الْأَوَّلَانِ فَقَطْ دُونَ النَّفْيِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ، وَالْأَوَّلُ مُرْتَضَى أَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ وَهُوَ الرَّاجِحُ.
وَالثَّانِي ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ اُنْظُرْ عج.
[قَوْلُهُ: وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ اللُّصُوصِ] أَيْ الْمُحَارِبِينَ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ هُنَا السَّارِقُ بَلْ الْمُحَارِبُ.
[قَوْلُهُ: أَوْ أَخَذَهُ غَيْرُهُ] كَانَ مَا أَخَذَهُ أَصْحَابُهُ بَاقِيًا أَوْ لَا، نَابَهُ شَيْءٌ مِمَّا نَهَبُوهُ أَوْ لَا، وَإِنَّمَا يَغْرَمُ عَمَّنْ عَدَاهُ حَيْثُ لَزِمَ مَنْ عَدَاهُ الْغُرْمُ لِأَنَّهُ يَغْرَمُ بِطَرِيقِ الضَّمَانِ.
[قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ إلَخْ] هُوَ الرَّاجِحُ وَمِثْلُ ذَلِكَ الْبُغَاةُ وَالْغُصَّابُ فَإِنْ وُجِدَ بِيَدِ غَاصِبٍ بَعْضُ مَالٍ وَقَدَرَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُمْ اسْتَبَدَّ
مِنْهُمْ) تَكْرَارٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ (وَيُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِقَتْلِ الذِّمِّيِّ) أَوْ الْعَبْدِ إذَا قَتَلَهُ (قَتْلَ غِيلَةٍ أَوْ حِرَابَةٍ) قَبْلَ أَنْ يَتُوبَ، وَأَمَّا إنْ تَابَ بَعْدَ مَا قَتَلَ فَعَلَيْهِ دِيَةُ الذِّمِّيِّ وَقِيمَةُ الْعَبْدِ، وَلَا يُقْتَلُ بِهِمَا قَالَهُ ع. وَقَالَ ق: مُقْتَضَى قَوْلِهِ: فَإِنْ قَتَلَ أَحَدًا فَلَا بُدَّ مِنْ قَتْلِهِ أَنَّهُ يُقْتَلُ وَلَوْ جَاءَ تَائِبًا.
ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الزِّنَا وَلَفْظُهُ مَقْصُورٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ مَمْدُودٌ عِنْدَ أَهْلِ نَجْدٍ، وَعَرَّفُوهُ بِأَنَّهُ وَطْءُ مُكَلَّفٍ مُسْلِمٍ فَرْجَ آدَمِيٍّ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ بِاتِّفَاقٍ تَعَمُّدًا، وَحُكْمُهُ الْحُرْمَةُ دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَعُقُوبَاتُ الزَّانِي ثَلَاثَةٌ.
رَجْمٌ فَقَطْ.
جَلْدٌ مَعَ تَغْرِيبٍ.
جِلْدٌ فَقَطْ.
أَوَّلُهَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ زَنَى مِنْ حُرٍّ) مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ ذَكَرٍ أَوْ
[حاشية العدوي]
بِقَدْرِ مَا غُصِبَ مِنْهُ، وَرَدَّ مَا فَضَلَ إنْ فَضَلَ مِنْهُ لِغَيْرِهِ وَلَيْسُوا كَأَرْبَابِ الدُّيُونِ يَتَحَاصُّونَ
[قَوْلُهُ: وَقَالَ ق إلَخْ] كَلَامُ ق ضَعِيفٌ، وَالرَّاجِحُ كَلَامُ ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا جَاءَ تَائِبًا قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَلَا يُقْتَلُ حِينَئِذٍ إلَّا قِصَاصًا فَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ غَيْرَ مُكَافِئٍ لَهُ فَإِنَّمَا يَغْرَمُ الْقِيمَةَ لِلْعَبْدِ أَوْ الدِّيَةَ فِي الذِّمِّيِّ، وَإِنْ كَانَ مُكَافِئًا لَهُ فَلِلْوَلِيِّ الْعَفْوُ
[كِتَاب الْحُدُود]
[حَدّ الزِّنَا]
[قَوْلُهُ: وَلَفْظُهُ مَقْصُورٌ إلَخْ] وَالنِّسْبَةُ إلَى الْمَقْصُورِ زَنَوِيٌّ وَإِلَى الْمَمْدُودِ زَنَائِيٌّ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ قَصَرَهُ جَعَلَهُ اسْمَ الشَّيْءِ نَفْسِهِ، وَمَنْ مَدَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ مِنْ فِعْلِ اثْنَيْنِ كَالْمُقَاتَلَةِ قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: وَطْءُ مُكَلَّفٍ] أَيْ تَغْيِيبُ حَشَفَتِهِ أَوْ قَدْرِهَا وَلَوْ بِغَيْرِ انْتِشَارٍ، أَوْ مَعَ لَفِّ خِرْقَةٍ خَفِيفَةٍ لَا تَمْنَعُ لَذَّةً لَا كَثِيفَةٍ أَوْ فِي هَوَاءِ الْفَرْجِ وَلَمَّا كَانَ الزِّنَا لَا يُمْكِنُ صُدُورُهُ إلَّا مِنْ اثْنَيْنِ، فَذِكْرُ أَحَدِهِمَا مُسْتَلْزِمٌ لِذِكْرِ الْآخَرِ، وَاخْتِيرَ ذِكْرُ الْفَاعِلِ لِأَنَّهُ يَجْرِي مُجْرَى الْعِلَّةِ وَالِاسْتِغْنَاءُ بِهَا عَنْ الْمَعْلُومِ أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ قَالَهُ بَهْرَامٌ، أَوْ يُقَالُ: إضَافَةُ الْوَطْءِ لِلْمُكَلَّفِ تَعَلُّقُهُ بِهِ أَيْ تَعَلُّقُ الْوَطْءِ بِمُكَلَّفٍ، وَالْمُرَادُ بِالْفَاعِلِ مَنْ يَمِيلُ إلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ وَالْمَرْأَةُ تَمِيلُ إلَى ذَلِكَ فَيَشْمَلُ الْوَاطِئَ وَالْمَوْطُوءَةَ، وَخَرَجَ بِالْمُكَلَّفِ غَيْرُهُ كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى زِنًا شَرْعًا وَإِنْ كَانَ زِنًا لُغَةً.
وَقَالَ فِي التَّحْقِيقِ.
وَاحْتَرَزَ بِالْمُكَلَّفِ عَنْ الصَّبِيِّ وَلَوْ مُرَاهِقًا لَكِنَّ الْمُرَاهِقُ يُؤَدَّبُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَخَرَجَ مَنْ لَاطَ بِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْفَاعِلِ نَكِرَةً وَكَذَا بِالْمَفْعُولِ.
وَحُكْمُهُ أَنَّهُ يُعَزَّرُ وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: مُسْلِمٍ أَيْ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ فَخَرَجَ بِهِ وَطْءُ الْكَافِرِ لِلْكَافِرَةِ أَوْ الْمُسْلِمَةِ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى زِنًا شَرْعًا إذْ لَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي الصُّورَتَيْنِ.
وَقَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَبِالْمُسْلِمِ عَنْ الْكَافِرِ إذَا زَنَا بِمُسْلِمَةٍ طَائِعَةٍ فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ عَلَى الْمَشْهُورِ لَكِنْ يُعَاقَبُ الْعُقُوبَةَ الشَّدِيدَةَ، وَتُحَدُّ الْمُسْلِمَةُ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهَا التَّعْرِيفُ.
وَقَوْلُهُ: فَرْجَ آدَمِيٍّ احْتَرَزَ بِالْفَرْجِ عَنْ الْوَطْءِ بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ وَنَحْوِهِ وَبِالْآدَمِيِّ مِنْ وَطْءِ الْبَهِيمَةِ فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ وَيُعَزَّرُ، وَيَخْرُجُ مِنْ الْآدَمِيِّ الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ فَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ زَنَى بِهِ فِي فَرْجِهِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ.
وَأَمَّا إنْ زَنَى بِهِ فِي دُبُرِهِ فَعَلَى الزَّانِي الْحَدُّ، وَإِنْ زَنَى بِذَكَرِهِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَكَذَا بِفَرْجِهِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَلَوْ أَدْخَلَتْ امْرَأَةٌ ذَكَرَ نَائِمٍ فِي فَرْجِهَا فَعَلَيْهَا الْحَدُّ وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ وَطِئَ جِنِّيَّةً،.
[قَوْلُهُ: لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ] الْمُرَادُ بِالْمِلْكِ التَّسَلُّطُ الشَّرْعِيُّ فَالْمَمْلُوكُ الذَّكَرُ لَا تَسَلُّطَ لَهُ عَلَيْهِ شَرْعًا مِنْ جِهَةِ الْوَطْءِ، وَخَرَجَ بِهِ مَنْ وَطْؤُهَا لَهُ حَلَالٌ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ أَمَةٍ وَلَكِنْ امْتَنَعَ وَطْؤُهُمَا عَلَيْهِ لِعَارِضٍ مِنْ حَيْضٍ وَنَحْوِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى زِنًا شَرْعًا، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: بِاتِّفَاقٍ النِّكَاحُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ كَالنِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ فَإِنَّ الْوَطْءَ فِيهِ لَا يُسَمَّى زِنًا شَرْعًا إذْ لَا حَدَّ فِيهِ وَالْمُرَادُ بِالِاتِّفَاقِ اتِّفَاقُ الْعُلَمَاءِ لَا الْمَذْهَبِيُّ وَقَوْلُهُ: تَعَمُّدًا أَخْرَجَ بِهِ النَّاسِيَ وَالْغَالِطَ.
وَكَذَا الْجَاهِلُ بِالْحُكْمِ إذَا كَانَ يَظُنُّ مِنْهُ ذَلِكَ كَالْأَعْجَمِيِّ إذَا زَنَا بِقُرْبِ إسْلَامِهِ وَادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِالتَّحْرِيمِ، وَهَذَا التَّعْرِيفُ شَامِلٌ لِلِّوَاطِ لِأَنَّ الْفَرْجَ شَامِلٌ لِلدُّبُرِ فَيُسَمَّى زِنًا شَرْعًا لَكِنْ اللِّوَاطُ إنَّمَا هُوَ الْوَطْءُ فِي دُبُرِ الذَّكَرِ، وَأَمَّا الْوَطْءُ فِي دُبُرِ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ فَهُوَ مِنْ الزِّنَا كَدُبُرِ الْأُنْثَى الْأَجْنَبِيَّةِ.
[قَوْلُهُ: دَلَّ عَلَيْهِ] أَيْ عَلَى الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ الْحُرْمَةُ.
[قَوْلُهُ: الْكِتَابُ] قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء: 32] إلَى غَيْرِ مَا آيَةٍ وَقَوْلُهُ: وَالسُّنَّةُ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَك، ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَك خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَك، ثُمَّ أَنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِك» ". وَقَوْلُهُ: وَالْإِجْمَاعُ قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْأُمَّةِ أَنَّ الزِّنَا مُحَرَّمٌ وَمِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ.
أُنْثَى (مُحْصَنٍ) ك: رُوِّينَاهُ بِكَسْرِ الصَّادِ وَالصَّوَابُ الْفَتْحُ (رُجِمَ حَتَّى يَمُوتَ) بِحِجَارَةٍ مُعْتَدِلَةٍ، وَاحْتَرَزَ بِالْحُرِّ مِنْ الرَّقِيقِ وَسَيَنُصُّ عَلَى حُكْمِهِ (وَالْإِحْصَانُ أَنْ يَتَزَوَّجَ) الرَّجُلُ الْعَاقِلُ الْبَالِغُ (امْرَأَةً) مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ كِتَابِيَّةً حُرَّةً أَوْ أَمَةً بَالِغَةً أَوْ غَيْرَ بَالِغَةٍ مِمَّنْ يُوطَأُ مِثْلُهَا (نِكَاحًا صَحِيحًا) احْتِرَازًا مِنْ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ فَإِنَّهُ لَا يُحْصِنُ اتِّفَاقًا، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: (وَيَطَأُهَا وَطْئًا صَحِيحًا) مِنْ الْوَطْءِ الْغَيْرِ الْمُبَاحِ كَوَطْءِ الْحَائِضِ فَإِنَّهُ لَا يُحْصِنُ.
وَثَانِيهَا: أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ لَمْ يُحْصَنْ) الْحُرُّ الْمُسْلِمُ الْمُكَلَّفُ (جُلِدَ مِائَةَ جَلْدَةٍ وَ) بَعْدَ أَنْ يُجْلَدَ (غَرَّبَهُ الْإِمَامُ إلَى بَلَدٍ آخَرَ) كَفَدَكَ وَخَيْبَرَ مِنْ الْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ وَبَيْنَهُمَا يَوْمَانِ، وَقِيلَ: ثَلَاثُ مَرَاحِلَ وَيَكُونُ حَمْلُهُ فِي مَالِهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَإِلَّا فَفِي بَيْتِ الْمَالِ وَكَذَا نَفَقَتُهُ (وَحُبِسَ فِيهِ عَامًا) وَيَكُونُ مِنْ حِينِ سُجِنَ.
وَثَالِثُهَا: أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَعَلَى الْعَبْدِ) الْقِنِّ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ أَوْ مَنْ فِيهِ شَائِبَةٌ مِنْ شَوَائِبِ الْحُرِّيَّةِ كَالْمُكَاتَبِ (فِي الزِّنَا خَمْسُونَ جَلْدَةً) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ خَمْسِينَ وَهِيَ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ حَدُّ خَمْسِينَ.
(وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ) عَلَيْهَا فِي الزِّنَا خَمْسُونَ جَلْدَةً وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُقَدِّمَ الْأَمَةَ عَلَى الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي وَرَدَ فِيهَا النَّصُّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25] وَالْعَبْدُ مَقِيسٌ عَلَيْهَا ثُمَّ بَالَغَ عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِمَا فَقَالَ: (وَإِنْ كَانَا مُتَزَوِّجَيْنِ) ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْإِحْصَانِ كَمَا
[حاشية العدوي]
[قَوْلُهُ: وَمَنْ زَنَى] أَيْ غَيَّبَ حَشَفَتَهُ فِي أَجْنَبِيَّةٍ مُطِيقَةٍ وَلَوْ مَيِّتَةً.
[قَوْلُهُ: رُوِّينَاهُ بِكَسْرِ الصَّادِ وَالصَّوَابُ الْفَتْحُ] قَالَ الْمَجْدُولِي: وَاعْلَمْ أَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ مِنْ أَحْصَنَ إذَا تَزَوَّجَ مُحْصَنٌ بِفَتْحِ الصَّادِ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ وَفِيهِ الْكَسْرُ عَلَى الْقِيَاسِ أَيْضًا اهـ. فَقَوْلُ الْفَاكِهَانِيِّ وَالصَّوَابُ الْفَتْحُ أَيْ مِنْ حَيْثُ السَّمَاعُ.
[قَوْلُهُ: بِحِجَارَةٍ مُعْتَدِلَةٍ] أَيْ لَا بِحِجَارَةٍ عَظِيمَةٍ خَشْيَةَ التَّشْوِيهِ وَلَا بِحِجَارَةٍ صَغِيرَةٍ خَشْيَةَ التَّعْذِيبِ وَلَا يُحْفَرُ لَهُ حُفْرَةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَمُقَابِلُهُ يُحْفَرُ لِنِصْفِهِ وَيُتَّقَى فَرْجُهُ وَوَجْهُهُ وَيُضْرَبُ عَلَى ظَهْرِهِ أَوْ بَطْنِهِ وَيُجَرَّدُ أَعْلَى الرَّجُلِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تُجَرَّدُ الْمَرْأَةُ إلَّا مِمَّا يَقِي الضَّرْبَ وَيُنْظَرُ بِهَا وَضْعُ حَمْلِهَا وَتَجِدُ مَنْ يُرْضِعُ وَلَدَهَا بِخِلَافِ الْجَلْدِ فَإِنَّهَا تُؤَخَّرُ فِيهِ حَتَّى يَنْقَضِيَ نِفَاسُهَا لِأَنَّهَا مَرِيضَةٌ.
[قَوْلُهُ: وَالْإِحْصَانُ] لُغَةً الْعِفَّةُ وَشَرْعًا أَنْ يَتَزَوَّجَ.
[قَوْلُهُ: الْبَالِغُ] أَيْ الْحُرُّ.
[قَوْلُهُ: نِكَاحًا صَحِيحًا] أَيْ وَلَازِمًا.
[قَوْلُهُ: وَطْئًا صَحِيحًا] أَيْ مُبَاحًا مَعَ انْتِشَارٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ شُرُوطَ الْإِحْصَانِ عَشَرَةٌ الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ وَالْإِصَابَةُ فِي عَقْدِ نِكَاحٍ لَازِمٍ، وَأَنْ تَكُونَ الْإِصَابَةُ صَحِيحَةً بِانْتِشَارٍ وَلَا مُنَاكَرَةٍ، وَعُلِمَ مِنْ اشْتِرَاطِ حُرِّيَّةِ الزَّوْجِ وَإِسْلَامِهِ وَالْإِطْلَاقِ فِي الْمَرْأَةِ أَنَّهُ قَدْ يَتَحَصَّنُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ دُونَ صَاحِبِهِ، فَالزَّوْجَةُ الْأَمَةُ الْحُرَّةُ الْمُطِيقَةُ تُحْصِنُ زَوْجَهَا الْحُرَّ الْبَالِغَ وَلَا يُحْصِنُهَا كَمَا أَنَّ الْكِتَابِيَّةَ تُحْصِنُ زَوْجَهَا الْمُسْلِمَ وَلَا يُحْصِنُهَا، وَالْمَجْنُونَةُ تُحْصِنُ الْعَاقِلَ وَلَا يُحْصِنُهَا، وَتَتَحَصَّنُ الْمَرْأَةُ دُونَ الرَّجُلِ كَمَا إذَا تَزَوَّجَتْ الْبَالِغَةُ الْحُرَّةُ بِعَبْدٍ بَالِغٍ أَوْ مَجْنُونٍ بَالِغٍ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يُحْصَنْ] أَيْ بِأَنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ أَصْلًا أَوْ تَزَوَّجَ تَزْوِيجًا فَاسِدًا أَوْ غَيْرَ لَازِمٍ أَوْ وَطِئَ فِي زَمَنِ حُرْمَةٍ أَوْ مِنْ غَيْرِ انْتِشَارٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: غَرَّبَهُ الْإِمَامُ] أَيْ وُجُوبًا إنْ كَانَ ذَكَرًا فَلَوْ غَرَّبَ نَفْسَهُ فَإِنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ ثَلَاثُ مَرَاحِلَ] أَيْ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ عَلَى مَا يُفِيدُهُ بَعْضُهُمْ، وَفِي الْمِصْبَاحِ الْمَرْحَلَةُ الْمَسَافَةُ الَّتِي يَقْطَعُهَا الْمُسَافِرُ فِي نَحْوِ يَوْمٍ وَالْجَمْعُ مَرَاحِلُ.
[قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَفِي بَيْتِ الْمَالِ] فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْتُ مَالٍ أَوْ لَمْ يُمْكِنْ الْوُصُولُ إلَيْهِ فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ.
[قَوْلُهُ: وَحُبِسَ فِيهِ عَامًا] فَإِنْ رَجَعَ قَبْلَ تَمَامِ الْعَامِ أُخْرِجَ إلَيْهِ أَوْ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ مِثْلِهِ فِي الْبُعْدِ يَمْكُثُ فِيهِ حَتَّى تَتِمَّ السَّنَةُ، وَلَوْ زَنَى فِي الْمَكَانِ الَّذِي نُفِيَ إلَيْهِ أَوْ زَنَى الْغَرِيبُ بِغَيْرِ بَلَدِهِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْ تَأَنَّسَ فِي السِّجْنِ مَعَ الْمَسْجُونِينَ بِحَيْثُ لَمْ يَتَوَحَّشْ فِيهِ غَرَّبَهُ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ يُسْجَنُ فِيهِ سَنَةً يَبْتَدِئُهَا مِنْ يَوْمِ الْخُرُوجِ الثَّانِي وَلَا يَبْنِي عَلَى مَا مَضَى وَإِلَّا فَفِي سِجْنِهِ الْأَوَّلِ، وَالْغَرِيبُ إنْ كَانَ بِفَوْرِ نُزُولِهِ قَبْلَ تَأَنُّسِهِ فِي الْبَلَدِ الَّتِي زَنَى بِهَا فَإِنَّهُ يُسْجَنُ فِيهَا سَنَةً وَإِلَّا أُخْرِجَ إلَى غَيْرِهَا
[قَوْلُهُ: حَدُّ خَمْسِينَ] الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَالْعَبْدُ مَقِيسٌ عَلَيْهَا] أَيْ مِنْ بَابِ لَا فَارِقَ.
[قَوْلُهُ: وَفِي أَنَّهُ لَا تَغْرِيبَ.
عَلَيْهِمَا] أَيْ وَلَوْ رَضِيَ السَّيِّدُ بِخِلَافِ الرَّقِيقِ
تَقَدَّمَ الْحُرِّيَّةُ فَفَارَقَا الْحُرَّ فِي ذَلِكَ (وَ) فِي أَنَّهُ (لَا تَغْرِيبَ عَلَيْهِمَا) ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَى السَّيِّدِ (وَ) كَذَلِكَ (لَا) تَغْرِيبَ (عَلَى الْمَرْأَةِ) ؛ لِأَنَّهَا مُحْتَاجَةٌ إلَى الْحِفْظِ وَالصِّيَانَةِ، فَفِي تَغْرِيبِهَا تَعْرِيضٌ لِهَتْكِهَا وَمُوَاقَعَةِ مِثْلِ الَّذِي غُرِّبَتْ مِنْ أَجْلِهِ.
ثُمَّ شَرَعَ يُبَيِّنُ الطُّرُقَ الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا الزِّنَا وَحَصَرَهَا فِي ثَلَاثَةٍ فَقَالَ: (وَلَا يُحَدُّ الزَّانِي إلَّا بِاعْتِرَافٍ مِنْهُ) عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا وَلَوْ مَرَّةً (أَوْ بِحَمْلٍ يَظْهَرُ) إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ مَثَلًا (أَوْ بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ أَحْرَارٍ بَالِغِينَ عُدُولٍ يَرَوْنَهُ كَالْمِرْوَدِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ (فِي الْمُكْحُلَةِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَالْحَاءِ وَيَشْهَدُونَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ (وَإِنْ لَمْ يُتِمَّ أَحَدُهُمْ الصِّفَةَ) بِأَنْ يَقُولَ: رَأَيْته بَيْنَ فَخِذَيْهَا وَلَا أَدْرِي مَا وَرَاءَ ذَلِكَ (حُدَّ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ أَتَمُّوهَا) حَدَّ الْقَذْفِ وَلَا حَدَّ عَلَى الرَّابِع؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ الشَّهَادَةَ وَلَمْ يَقْصِدْ الْقَذْفَ.
(وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْتَلِمْ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ وَيُؤَدَّبُ كَمَا يُؤَدَّبُ فِي الْمَكْتَبِ (وَيُحَدُّ وَاطِئُ أَمَةِ وَالِدِهِ) عَلَى الْمَذْهَبِ لِعَدَمِ الشُّبْهَةِ لَهُ فِي مَالِ أَبِيهِ وَلَا تُقَوَّمُ عَلَيْهِ.
وَلَا تَحْرُمُ عَلَى الْأَبِ وَيَسْتَبْرِئُهَا إنْ أَرَادَ وَطْأَهَا (وَلَا يُحَدُّ وَاطِئُ أَمَةِ وَلَدِهِ) ؛ لِأَنَّ لَهُ شُبْهَةً فِي مَالِهِ (وَ) لَكِنْ (تُقَوَّمُ عَلَيْهِ) يَوْمَ وَطِئَ وَإِنْ كَانَ مُعْدَمًا؛ لِأَنَّهُ
[حاشية العدوي]
الْمُحَارِبِ وَالْمَرْأَةِ الْمُحَارِبَةِ إذَا رَضِيَ السَّيِّدُ أَوْ رَضِيَتْ الْمَرْأَةُ بِالنَّفْيِ فَلَهَا ذَلِكَ حَيْثُ وَجَدَتْ الْمَرْأَةُ رُفْقَةً مَأْمُونَةً وَحَرِّرْ الْفَرْقَ، لَكِنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَى السَّيِّدِ يُفِيدُ أَنَّهُ إذَا رَضِيَ بِالتَّغْرِيبِ أَنَّهُ يُغَرَّبُ وَقَدْ عَلِمْت خِلَافَهُ.
[قَوْلُهُ: لَا تَغْرِيبَ عَلَى امْرَأَةٍ] وَإِنَّمَا عَلَيْهَا الْجَلْدُ فَقَطْ وَلَوْ رَضِيَتْ بِالتَّغْرِيبِ أَوْ رَضِيَ زَوْجُهَا.
[قَوْلُهُ: وَالصِّيَانَةِ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ، وَقَوْلُهُ: لِهَتْكِهَا أَيْ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الصِّيَانَةِ أَفَادَهُ فِي التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: وَمُوَاقَعَةِ] مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ مِثْلِهَا أَوْ وُقُوعٍ فَالْمُفَاعَلَةُ لَيْسَتْ عَلَى بَابِهَا
[قَوْلُهُ: إلَّا بِاعْتِرَافٍ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا] حَيْثُ أَقَرَّ طَائِعًا وَاسْتَمَرَّ عَلَى إقْرَارِهِ وَلَوْ مَرَّةً، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَصِحُّ اعْتِرَافُهُ بِأَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا غَيْرَ مُكْرَهٍ.
[قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ مَثَلًا] أَيْ وَلَا سَيِّدٌ مُقِرٌّ بِوَطْئِهَا، وَقَدْ يُبْحَثُ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ بِأَنَّ لَفْظَةَ مَثَلًا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ هَذَا أَوْ هَذَا مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ الزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ، وَمِثْلُ الْخَالِيَةِ مِنْهُمَا ذَاتُ السَّيِّدِ أَوْ الزَّوْجِ الَّذِي لَا يُولَدُ لَهُ فَزَوْجَةُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ يَلْزَمُهُمَا الْحَدُّ أَوْ تَزَوَّجَتْ بِمَنْ يُولَدُ لَهُ لَكِنْ وَلَدَتْ لِمُدَّةٍ لَا يَلْحَقُ الْوَلَدُ فِيهَا بِزَوْجِهَا كَمَا لَوْ وَضَعَتْ حَمْلًا كَامِلًا لِخَمْسَةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْ يَوْمِ الدُّخُولِ فَإِنَّهَا تُحَدُّ.
[قَوْلُهُ: يَرَوْنَهُ] أَيْ ذَكَرَ الزَّانِي فِي فَرْجِهَا.
[قَوْلُهُ: بِكَسْرِ الْمِيمِ] أَيْ وَفَتْحِ الْوَاوِ.
[قَوْلُهُ: وَيَشْهَدُونَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ] أَيْ الَّذِي هُوَ وَقْتُ الْأَدَاءِ وَلَا بُدَّ مِنْ اتِّحَادِ الرُّؤْيَا أَيْ أَنَّ الْأَرْبَعَةَ يَجْتَمِعُونَ فِي النَّظَرِ لِلذَّكَرِ فِي الْفَرْجِ، فَلَوْ اجْتَمَعُوا وَنَظَرَ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ فَلَا يَكْفِي ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ تَعَدُّدِ الْوَطْءِ، وَالْأَفْعَالُ لَا يُضَمُّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اتِّحَادِ وَقْتِ الْأَدَاءِ وَاتِّحَادِ وَقْتِ الرُّؤْيَا، وَيَذْكُرُوا اتِّحَادَ وَقْتِ الرُّؤْيَا لِلْقَاضِي فَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ، وَكَذَا لَوْ اخْتَلَفُوا فِي أَمَاكِنِ الرُّؤْيَا أَوْ فِي الطَّوْعِ أَوْ الْإِكْرَاهِ أَوْ فِي الزِّنَا وَالشُّبْهَةِ، وَكَذَا لَا بُدَّ أَنْ يَقُولُوا لِلْقَاضِي أَنَّهُ أَدْخَلَ فَرْجَهُ فِي فَرْجِهَا كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ، وَيَجِبُ تَفْرِيقُهُمْ عِنْدَ الْأَدَاءِ بَعْدَ إتْيَانِهِمْ جَمِيعًا، وَيَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شُهُودِ الزِّنَا أَنْ يَنْظُرَ لِلْعَوْرَةِ قَصْدًا لِيَعْلَمَ كَيْفَ تُؤَدَّى الشَّهَادَةُ.
[قَوْلُهُ: وَلَا حَدَّ عَلَى الرَّابِعِ] بَلْ يُعَاقَبُ بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ وَلَوْ زَادَ عَلَى الْحَدِّ وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ مَا ذَكَرَ تَغْلِيظًا حَتَّى لَا يَكَادَ يَثْبُتُ الزِّنَا عَلَى أَحَدٍ قَصْدًا لِلسَّتْرِ.
وَقَوْلُ الشَّارِحِ: لِأَنَّهُ قَصَدَ الشَّهَادَةَ فِيهِ أَمْرَانِ: الْأَوَّلُ أَنَّ الْآخَرِينَ قَدْ قَصَدُوا أَيْضًا الشَّهَادَةَ.
الثَّانِي: أَنَّ قَصْدَ الشَّهَادَةِ يَكُونُ بِالشَّهَادَةِ بِالْفِعْلِ الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ وَكَوْنُهُ بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ.
[قَوْلُهُ: وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْتَلِمْ] أَيْ لَمْ يَبْلُغْ فَاعِلًا أَوْ مَفْعُولًا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى.
وَقَوْلُهُ: وَيُؤَدَّبُ أَيْ يَجِبُ عَلَى الْوَالِي تَأْدِيبُهُ اسْتِصْلَاحًا لِحَالِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا بَالِغًا دُونَ غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ الْبَالِغُ الْفَاعِلَ حُدَّ بِشَرْطِ إطَاقَةِ الْمَفْعُولِ وَعَكْسُهُ بِأَنْ بَلَغَ الْمَفْعُولُ دُونَ الْفَاعِلِ فَلَا حَدَّ نَعَمْ يُعَزَّرُ الْمَفْعُولُ.
[قَوْلُهُ: أَمَةِ وَالِدِهِ] أَيْ أَوْ وَالِدَتِهِ وَإِذَا وَلَدَتْ كَانَ الْوَلَدُ رَقِيقًا لَا يَعْتِقُ عَلَى سَيِّدِ الْأُمِّ.
وَقَوْلُهُ: عَلَى الْمَذْهَبِ وَمُقَابِلُهُ لَا يُحَدُّ لِأَنَّ لَهُ شُبْهَةً فِي مَالِ الْأَبِ مَتَى احْتَاجَ أَنْفَقَ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: أَمَةِ وَلَدِهِ] الْمُرَادُ أَمَةُ فَرْعِهِ وَإِنْ سَفَلَ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ لَهُ
فَوَّتَهَا عَلَيْهِ (وَإِنْ لَمْ تَحْمِلْ) ؛ لِأَنَّ الِابْنَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا.
(وَيُؤَدَّبُ الشَّرِيكُ فِي الْأَمَةِ يَطَؤُهَا) إنْ لَمْ يُعْذَرْ بِجَهْلٍ سَوَاءٌ كَانَتْ الشَّرِكَةُ مُتَّفِقَةَ الْأَنْصِبَاءِ أَوْ مُخْتَلِفَةً لِإِقْدَامِهِ عَلَى وَطْءٍ لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ وَلَا يَلْزَمُهُ الْحَدُّ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» (وَ) لَكِنْ (يَضْمَنُ قِيمَتَهَا إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ) إذَا حَمَلَتْ وَلَيْسَ لِشَرِيكِهِ التَّمَاسُكُ بِنَصِيبِهِ لِثُبُوتِ حُرْمَةِ الِاسْتِيلَادِ لَهَا وَتَكُونُ لَهُ أُمَّ وَلَدٍ وَلَا قِيمَةَ عَلَيْهِ فِي الْوَطْءِ؛ لِأَنَّهُ كَالْوَاطِئِ لِمِلْكِهِ، وَاخْتُلِفَ مَتَى يَكُونُ الضَّمَانُ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ لِمَالِكٍ فَقِيلَ: يَوْمَ الْحَمْلِ وَقِيلَ يَوْمَ الْوَطْءِ وَقِيلَ يَوْمَ الْحُكْمِ (فَإِنْ لَمْ تَحْمِلْ فَالشَّرِيكُ) الَّذِي لَمْ يَطَأْ (بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَتَمَاسَكَ) بِنَصِيبِهِ مِنْهَا وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الْوَاطِئِ لَا صَدَاقَ وَلَا مَا نَقَصَهَا (أَوْ تُقَوَّمُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْوَاطِئِ فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا أَخَذَ مِنْهُ شَرِيكُهُ ثَمَنَ نَصِيبِهِ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا اتَّبَعَهُ بِالْقِيمَةِ عَلَى مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ مِنْ حُلُولٍ أَوْ تَأْجِيلٍ.
(وَإِنْ قَالَتْ امْرَأَةٌ) حُرَّةٌ غَيْرُ طَارِئَةٍ لَمْ يُعْلَمْ لَهَا زَوْجٌ أَوْ أَمَةٌ لَيْسَ لَهَا زَوْجٌ وَسَيِّدُهَا مُنْكِرٌ لِلْوَطْءِ وَالْحَالُ أَنَّهُ ظَاهِرٌ (بِهَا حَمْلٌ اُسْتُكْرِهَتْ) عَلَيْهِ (لَمْ تُصَدَّقْ) فِي دَعْوَاهَا الْإِكْرَاهَ
[حاشية العدوي]
شُبْهَةً فِي مَالِهِ] لِخَبَرِ «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» .
[قَوْلُهُ: وَلَكِنْ تُقَوَّمُ عَلَيْهِ] أَيْ عَلَى الْأَصْلِ وَإِنْ كَانَ مُعْدِمًا، وَلَوْ جَدًّا لِأَبٍ أَوْ أُمٍّ وَيَجِبُ عَلَى الْأَبِ بَعْدَ غُرْمِ قِيمَتِهَا أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا إنْ أَرَادَ الِاسْتِمْرَارَ عَلَى وَطْئِهَا لِيُفَرِّقَ بَيْنَ مَاءِ الشُّبْهَةِ وَالْمِلْكِ، وَإِنَّمَا يُبَاحُ لَهُ وَطْؤُهَا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ إذَا لَمْ يَتَقَدَّمْ لِلِابْنِ وَطْءٌ وَإِلَّا حَرُمَتْ عَلَيْهِمَا وَلَكِنْ يَغْرَمُ قِيمَتَهَا لِوَلَدِهِ وَلَوْ لَمْ تَحْمِلْ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ الِابْنَ إلَخْ] تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: تُقَوَّمُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ تَحْمِلْ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ عَدَمَ جَوَازِ الْوَطْءِ لَا يُنْتِجُ التَّقْوِيمَ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَيُؤَدَّبُ الشَّرِيكُ] أَيْ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ، وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ لُزُومُ الْأَدَبِ حَيْثُ كَانَ غَيْرَ جَاهِلٍ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ شَرِيكُهُ فِي وَطْئِهَا لِأَنَّ فَرْجَهَا لَا يُبَاحُ بِمُجَرَّدِ إذْنِ شَرِيكِهِ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى الشَّرِكَةِ.
[قَوْلُهُ: قِيمَتَهَا] أَيْ نِصْفَ قِيمَتِهَا مَثَلًا.
[قَوْلُهُ: إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ إذَا حَمَلَتْ] وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَيُخَيَّرُ بَيْنَ إبْقَائِهَا لِلشَّرِكَةِ وَبَيْنَ أَنْ يُلْزِمَهُ بِمَا وَجَبَ لَهُ مِنْ الْقِيمَةِ فَيَتَّبِعُ ذِمَّتَهُ أَوْ يُجْبِرُهُ عَلَى بَيْعِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ مِنْهَا لَكِنْ بَعْدَ وَضْعِهَا لِأَنَّهُ وَلَدُهَا مِنْهُ لَا يُبَاعُ بِحَالٍ، فَإِنْ لَمْ يُوفِ ثَمَنَ النِّصْفِ اُتُّبِعَ بِالْبَاقِي كَمَا يَتَّبِعُهُ بِقِيمَةِ حِصَّتِهِ مِنْ الْوَلَدِ فِي قَسْمِ الْعُسْرِ لَا فِي قَسْمِ الْيُسْرِ فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ قِيمَةِ الْوَلَدِ.
[قَوْلُهُ: لَهَا] مُتَعَلِّقٌ بِثُبُوتِ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ يَوْمَ الْوَطْءِ] اقْتَصَرَ عَلَيْهِ عج.
أَقُولُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ يَوْمَ الْحَمْلِ قَدْ يَتَأَخَّرُ عَنْ يَوْمِ الْوَطْءِ بِأَنْ يَتَعَدَّدَ الْوَطْءُ وَلَا يَحْصُلُ حَمْلٌ إلَّا مِنْ الْوَطْءِ الْمُتَأَخِّرِ، فَحِينَئِذٍ أَرَادَ بِيَوْمِ الْوَطْءِ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ مِنْ أَيَّامِ الْوَطْءِ إذَا تَعَدَّدَ فِي أَيَّامٍ، وَقَضِيَّةُ اقْتِصَارِ عج عَلَى يَوْمِ الْوَطْءِ أَنَّهُ الْمُعْتَمَدُ إلَّا أَنَّ قَضِيَّتَهُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لِلشَّرِيكِ الثَّانِي مِنْ قِيمَةِ الْوَلَدِ.
[قَوْلُهُ: بَيْنَ أَنْ يَتَمَاسَكَ بِنَصِيبِهِ] وَيَبْقَى عَلَى الشَّرِكَةِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ تُقَوَّمُ عَلَيْهِ] أَيْ الْوَاطِئِ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا.
[قَوْلُهُ: ثَمَنَ نَصِيبِهِ] أَيْ قِيمَتَهُ وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْوَطْءِ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا اتَّبَعَهُ بِالْقِيمَةِ] أَيْ أَوْ جَبَرَهُ عَلَى بَيْعِهَا وَلَوْ كُلِّهَا لِأَنَّهَا لَمْ تَحْمِلْ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوَلَدَ لَاحِقٌ بِأَبِيهِ فِي كُلِّ الصُّوَرِ وَهُوَ حُرٌّ لَا يُبَاعُ بِحَالٍ، وَإِنْ بِيعَتْ أُمُّهُ وَلَوْ تَأَخَّرَ تَقْوِيمُ الْأَمَةِ عَلَى الْوَاطِئِ حَتَّى مَاتَتْ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ قِيمَتُهَا لِأَنَّ الْقِيمَةَ تَرَتَّبَتْ مِنْ حِينِ الْوَطْءِ.
تَنْبِيهٌ:
مَا ذَكَرَ إذَا وَطِئَ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ، وَأَمَّا إذَا أَذِنَ لِشَرِيكِهِ فِي الْوَطْءِ وَوَطِئَ فَإِنَّهَا تُقَوَّمُ عَلَيْهِ وُجُوبًا مُطْلَقًا حَمَلَتْ أَمْ لَا، وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْوَطْءِ غَيْرَ أَنَّهُ إنْ كَانَ مُوسِرًا فَلَيْسَ لِشَرِيكِهِ سِوَى قِيمَةِ حِصَّتِهِ وَلَا قِيمَةَ لِلْوَلَدِ، وَتَكُونُ بِهِ أُمَّ الْوَلَدِ وَأَمَّا إنْ كَانَ مُعْسِرًا فَلَا تُبَاعُ إنْ حَمَلَتْ وَيُتَّبَعُ بِقِيمَةِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ مِنْهَا وَإِنْ لَمْ يَحْمِلْ فَتُبَاعُ عَلَيْهِ لِأَجْلِ الْقِيمَةِ
[قَوْلُهُ: اُسْتُكْرِهَتْ إلَخْ] السِّينُ وَالتَّاءُ لِلتَّأْكِيدِ.
[قَوْلُهُ: لَمْ تُصَدَّقْ] لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّوْعُ حَتَّى يَثْبُتَ الْإِكْرَاهُ، وَلِأَنَّ تَصْدِيقَهَا
سَوَاءٌ كَانَتْ مِمَّنْ يَلِيقُ بِهَا ذَلِكَ أَمْ لَا (وَحُدَّتْ إلَّا أَنْ) تَظْهَرَ إمَارَةٌ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهَا وَهِيَ أَحَدُ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ إمَّا أَنْ (تُعْرَفَ بِبَيِّنَةٍ) عَادِلَةٍ (أَنَّهَا احْتَمَلَتْ حَتَّى غَابَ عَلَيْهَا) الْمُكْرِهُ وَخَلَا بِهَا (أَوْ جَاءَتْ مُسْتَغِيثَةً عِنْدَ النَّازِلَةِ) أَيْ عَقِبَ الْوَطْءِ (أَوْ جَاءَتْ تَدْمَى) إذَا كَانَتْ بِكْرًا ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ تَسْتَغِثْ سَوَاءٌ ادَّعَتْ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَلِيقُ بِهِ أَمْ لَا.
(وَالنَّصْرَانِيُّ) أَوْ الْيَهُودِيُّ (إنْ غَصَبَ الْمُسْلِمَةَ فِي الزِّنَا قُتِلَ) إذَا ثَبَتَ الْغَصْبُ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؛ لِأَنَّهُ نَاقِضٌ لِلْعَهْدِ بِذَلِكَ إذْ لَمْ نُعَاهِدْهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ الْمُسْلِمَةُ حُرَّةً أَوْ أَمَةً وَهُوَ فِي الْحُرَّةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي الْأَمَةِ خِلَافٌ مَشْهُورُهُ لَا يُقْتَلُ وَلَا يُحَدُّ وَلَكِنْ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ الشَّدِيدَةُ.
وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّهَا لَوْ طَاوَعَتْهُ لَا يُقْتَلُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَأَمَّا هِيَ فَتُحَدُّ حَدَّ الزِّنَا.
(وَإِنْ رَجَعَ الْمُقِرُّ بِالزِّنَا أُقِيلَ وَتُرِكَ) وَلَا تَتَعَرَّضُ لَهُ ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ رَجَعَ إلَى شُبْهَةٍ مِثْلِ أَنْ يَقُولَ: وَطِئْت فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ فَظَنَنْت أَنَّهُ زِنًا أَوْ لَا مِثْلُ أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُبْدِيَ عُذْرًا وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْأَوَّلِ اتِّفَاقًا وَعَلَى
[حاشية العدوي]
ذَرِيعَةٌ إلَى كَثْرَةِ الزِّنَا لَا سِيَّمَا مَعَ قِلَّةِ دِينِ النِّسَاءِ وَمِيلِهِنَّ لِلْوَطْءِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ مِمَّنْ يَلِيقُ بِهَا ذَلِكَ أَيْ الْإِكْرَاهُ أَمْ لَا.
[قَوْلُهُ: إمَّا أَنْ تُعْرَفَ بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ] قِيلَ اثْنَانِ وَقِيلَ يَكْفِي الْوَاحِدُ لِأَنَّهُ خَبَرٌ وَخَبَرُهُ يُورِثُ الشُّبْهَةَ الْمُسْقِطَةَ لِلْحَدِّ مِنْ بَابِ أَوْلَى مِنْ إسْقَاطِهَا بِاسْتِغَاثَتِهَا [قَوْلُهُ: مُسْتَغِيثَةً] أَيْ مُتَظَلِّمَةً.
[قَوْلُهُ: أَيْ عَقِبَ] تَفْسِيرٌ لِعِنْدَ، وَالْوَطْءُ تَفْسِيرٌ لِلنَّازِلَةِ لِأَنَّ مَجِيئَهَا صَائِحَةً قَرِينَةُ غَصْبِهَا.
[قَوْلُهُ: تَدْمَى] بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا مِنْ بَابِ رَضِيَ يَرْضَى أَوْ عَصَى يَعْصِي.
[قَوْلُهُ: إذَا كَانَتْ بِكْرًا] قَالَ سَيِّدِي زَرُّوقٌ: لَيْسَ خَاصًّا بِالْبِكْرِ بَلْ وَكَذَا الثَّيِّبُ إذَا شُجَّتْ وَنَحْوُهُ مِنْ كَسْرِ يَدِهَا.
[قَوْلُهُ: وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ تَسْتَغِثْ إلَخْ] ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مَجِيئَهَا بِتِلْكَ الْحَالَةِ مُسْقِطٌ لِحَدِّهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي سُقُوطِ حَدِّهَا مُجَرَّدُ مَجِيئِهَا تَدْمَى بَلْ لَا يَسْقُطُ حَدُّهَا بَعْدَ تَحَقُّقِ الْفِعْلِ بِهَا إلَّا بِقَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهَا كَمَجِيئِهَا صَائِحَةً أَوْ مُتَعَلِّقَةً بِمَنْ ادَّعَتْ عَلَيْهِ لَا إنْ ادَّعَتْ عَلَى شَخْصٍ أَنَّهُ زَنَى بِهَا وَلَمْ تَتَعَلَّقْ بِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ حَدِّهَا، وَحَاصِلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهَا إمَّا أَنْ تَدَّعِي عَلَى صَالِحٍ أَوْ فَاسِقٍ أَوْ مَجْهُولِ الْحَالِ، وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ تَتَعَلَّقَ أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ صَالِحًا فَإِنْ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِهِ حُدَّتْ لِلزِّنَا وَإِلَّا فَلَا وَحُدَّتْ لَهُ لِلْقَذْفِ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا فَلَا حَدَّ لِلْقَذْفِ مُطْلَقًا وَتُحَدُّ لِلزِّنَا بِشَرْطَيْنِ أَنْ تَحْمِلَ وَلَمْ تَتَعَلَّقْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مَجْهُولَ الْحَالِ فَتُحَدُّ لِلزِّنَا إنْ لَمْ تَتَعَلَّقْ وَإِلَّا سَقَطَ، وَأَمَّا لِلْقَذْفِ فَإِنْ كَانَتْ تَخْشَى الْفَضِيحَةَ سَقَطَ إنْ تَعَلَّقَتْ وَإِلَّا فَفِيهِ خِلَافٌ، وَإِنْ لَمْ تَخْشَ لَزِمَهَا إنْ لَمْ تَتَعَلَّقْ، وَإِنْ تَعَلَّقَتْ فَفِيهِ خِلَافٌ.
وَانْظُرْ إذَا شَكَّ هَلْ هِيَ مِمَّنْ يَخْشَى الْفَضِيحَةَ أَمْ لَا وَلَا صَدَاقَ لَهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ سَوَاءٌ كَانَتْ دَعْوَاهَا عَلَى صَالِحٍ أَوْ غَيْرِهِ
[قَوْلُهُ: وَالنَّصْرَانِيُّ إنْ غَصَبَ إلَخْ] لَا خُصُوصِيَّةَ لِمَا ذَكَرَ بَلْ الْمُصَالَحُ كَذَلِكَ، وَمَنْ نَزَلَ بِأَمَانٍ لِتِجَارَةٍ مَثَلًا كَذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: إنْ غَصَبَ الْمُسْلِمَةَ] وَأَمَّا لَوْ غَصَبَ الْحُرَّةَ الْكِتَابِيَّةَ وَهِيَ زَوْجَةُ الْمُسْلِمِ فَفِي قَتْلِهِ لِحُرْمَةِ الْمُسْلِمِ وَعُقُوبَتِهِ قَوْلَانِ، وَمَفْهُومُ غَصَبَ أَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ حُرَّةً مُسْلِمَةً فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ بِكَوْنِهِ ذِمِّيًّا فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا، وَاخْتُلِفَ فِي قَتْلِهِ وَاسْتُظْهِرَ قَتْلُهُ لِأَنَّهُ يُقْتَلُ بِالتَّطَلُّعِ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا لَوْ عَلِمَتْ بِأَنَّهُ ذِمِّيٌّ فَإِنْ كَانَتْ تَجْهَلُ تَحْرِيمَ نِكَاحِهِمْ فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا، وَإِلَّا فَقَوْلَانِ.
وَلَا يُقْتَلُ هُوَ وَإِنَّمَا يُعَاقَبُ عُقُوبَةً شَدِيدَةً.
[قَوْلُهُ: بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ] رَأَوْهُ كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ، وَالْوَلَدُ الْمُتَخَلِّقُ مِنْ وَطْئِهِ عَلَى دِينِ أُمِّهِ وَلَا يَلْحَقُ بِأَبِيهِ وَلَوْ أَسْلَمَ وَيَجِبُ عَلَيْهِ صَدَاقُ مِثْلِهَا مِنْ مَالِهِ.
[قَوْلُهُ: وَلَكِنْ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ الشَّدِيدَةِ] وَمَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهَا وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحُرَّةِ أَنَّ الْإِمَاءَ مَالٌ وَلَا قَتْلَ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الْمَالِ
[قَوْلُهُ: سَوَاءٌ رَجَعَ لِشُبْهَةٍ أَوْ لَا] رَجَعَ فِي الْحَدِّ أَوْ قَبْلَهُ.
وَأَمَّا الْهُرُوبُ فَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِّ فَكَالرُّجُوعِ، وَأَمَّا قَبْلُ فَالْحَدُّ لَازِمٌ وَفَرَّقَ بِأَنَّ الْهُرُوبَ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِّ يَدُلُّ عَلَى الرُّجُوعِ لِإِذَاقَتِهِ الْعَذَابَ بِخِلَافِهِ قَبْلَهُ، وَمِثْلُ رُجُوعِهِ مَا إذَا شَهِدَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِإِقْرَارِهِ بِالزِّنَا وَهُوَ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ، وَإِنْ سَقَطَ الْحَدُّ عَنْهُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ صَدَاقُ الْمَزْنِيِّ بِهَا حَيْثُ كَانَتْ مُكْرَهَةً.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْأَوَّلِ اتِّفَاقًا
الْمَشْهُورِ فِي الثَّانِي لِحَدِيثِ مَاعِزٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَوْلُهُ: وَتُرِكَ تَكْرَارٌ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى أُقِيلَ.
(وَيُقِيمُ الرَّجُلُ عَلَى عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ حَدَّ الزِّنَا) وَحَدَّ الْقَذْفِ و
َحَدَّ الشُّرْبِ
وَلَا يُقِيمُ عَلَيْهِمَا حَدَّ السَّرِقَةِ وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ، وَيُشْتَرَطُ فِي إقَامَتِهِمَا الْحَدَّ الْمَذْكُورَ أَحَدُ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ وَهِيَ (إذَا ظَهَرَ حَمْلٌ) بِالْأَمَةِ (أَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ) عَلَيْهَا أَوْ عَلَى الْعَبْدِ بِالزِّنَا (غَيْرَهُ) أَيْ غَيْرَ السَّيِّدِ وَهُوَ (أَرْبَعَةُ شُهَدَاءَ أَوْ كَانَ إقْرَارٌ) مِنْهُمَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا بِذَلِكَ.
وَلَمَّا كَانَ حُكْمُ الْأَمَةِ الْمُتَزَوِّجَةِ بِغَيْرِ عَبْدِ السَّيِّدِ يُخَالِفُ حُكْمَ غَيْرِهَا خُشِيَ أَنْ يُتَوَهَّمَ دُخُولُهَا فِيمَا تَقَدَّمَ اسْتَدْرَكَ ذَلِكَ دَفْعًا لَمَّا يُتَوَهَّمُ فَقَالَ: (وَلَكِنْ إنْ كَانَ لِلْأَمَةِ زَوْجٌ حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ لِغَيْرِهِ) أَيْ لِغَيْرِ السَّيِّدِ (فَلَا يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَيْهَا إلَّا السُّلْطَانُ) وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: لِغَيْرِهِ مِمَّا إذَا كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا لِلسَّيِّدِ فَإِنَّهُ يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَيْهَا، وَمِثْلُ الْأَمَةِ الْمُتَزَوِّجَةِ بِالْحُرِّ أَوْ عَبْدِ الْغَيْرِ الْعَبْدُ الْمُتَزَوِّجُ بِالْحُرَّةِ أَوْ بِأَمَةِ غَيْرِ السَّيِّدِ فَإِنَّهُ لَا يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَيْهِ إلَّا السُّلْطَانُ.
.
ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى اللِّوَاطِ فَقَالَ: (وَمَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ بِذَكَرٍ بَالِغٍ أَطَاعَهُ رُجِمَا أُحْصِنَا أَوْ لَمْ يُحْصَنَا) لَفْظُ مَنْ عَامٌّ يَشْمَلُ الْحُرَّ وَالْعَبْدَ وَالْكَافِرَ، وَعَمَلُ قَوْمِ لُوطٍ إتْيَانُ الذُّكُورِ فِي أَدْبَارِهِمْ وَسَوَاءٌ كَانَ الذَّكَرُ مَمْلُوكَهُ أَوْ لَا، وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ إتْيَانِ الْأُنْثَى فِي دُبُرِهَا فَإِنَّهُ لَا يُرْجَمُ ذَلِكَ لَكِنْ إنْ كَانَتْ مِمَّنْ حَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا عُوقِبَ عُقُوبَةً شَدِيدَةً، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا حُدَّ حَدَّ الزِّنَا.
وَقَوْلُهُ: بَالِغٍ صِفَةٌ لِلذَّكَرِ الْمَفْعُول بِهِ يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي رَجْم الْمَفْعُول بِهِ الْفِعْلَ الْمَذْكُورَ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا وَهُوَ شَرْطٌ أَيْضًا فِي رَجْم الْفَاعِل، فَلَوْ كَانَ صَبِيًّا لَا يُرْجَمُ وَلَكِنْ يُؤَدَّبُ.
وَقَوْلُهُ: أَطَاعَهُ شَرْطٌ أَيْضًا فِي رَجْم الْمَفْعُول بِهِ احْتِرَازًا عَمَّا لَوْ أَكْرَهَهُ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْفَاعِلُ فَإِنْ كَانَ بَالِغًا فَإِنَّهُ يُرْجَمُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ الْمَفْعُولُ بِهِ بَالِغًا أَوْ غَيْرَ بَالِغ طَائِعًا أَوْ مُكْرَهًا، وَشَرْطُ الْحَدّ فِي اللِّوَاطِ كَالزِّنَا مِنْ مَغِيب الْحَشَفَةِ وَثُبُوتِهِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ اعْتِرَافٍ.
.
ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْقَذْفِ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ فِي الِاصْطِلَاحِ مَا يَدُلُّ عَلَى الزِّنَا وَاللِّوَاطِ أَوْ النَّفْيِ عَنْ
[حاشية العدوي]
وَعَلَى الْمَشْهُورِ فِي الثَّانِي] وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يُعْذَرُ بِتَكْذِيبِ نَفْسِهِ بَلْ بِأَمْرٍ يُعْذَرُ بِهِ.
[قَوْلُهُ: لِحَدِيثِ مَاعِزٍ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَوَجْهُهُ مَا فِي حَدِيثِ مَاعِزٍ «لَمَّا أَزْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ فَرَّ هَارِبًا فَاتَّبَعُوهُ فَقَالَ لَهُمْ: رُدُّونِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَرُدُّوهُ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ» . لِأَنَّ ذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ اهـ.
قُلْت: وَكَلَامُ مَاعِزٍ كَمَا تَرَى فِي الْهُرُوبِ وَكَلَامُ الشَّارِحِ فِي الرُّجُوعِ فَهُوَ مِنْ بَابِ قِيَاسِ الْأَوْلَوِيَّةِ
[قَوْلُهُ: وَهُوَ أَرْبَعَةُ شُهَدَاءَ] عَلَى الصِّفَةِ الْمُشْتَرَطَةِ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُهَا.
[قَوْلُهُ: أَوْ كَانَ إقْرَارٌ] أَيْ وَلَمْ يَرْجِعَا
[قَوْلُهُ: إلَّا السُّلْطَانُ] أَيْ لِحَقِّ الْآخِرِ مِنْ الزَّوْجَيْنِ إنْ كَانَ حُرًّا وَلِحَقِّ سَيِّدِهِ إنْ كَانَ رِقًّا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُقِيمَ عَلَى مَمْلُوكِهِ حَدَّ الزِّنَا بِشَرْطَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ بِغَيْرِ مِلْكِهِ بِأَنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ أَصْلًا أَوْ تَزَوَّجَ بِمِلْكِ السَّيِّدِ.
الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدَ الشُّهُودِ.
[حَدّ اللِّوَاط]
[قَوْلُهُ: إتْيَانُ الذُّكُورِ فِي أَدْبَارِهِمْ] بِأَنْ أَدْخَلَ الْحَشَفَةَ أَوْ قَدْرَهَا مِنْ مَقْطُوعِهَا فِي دُبُرِهِ.
[قَوْلُهُ: عُوقِبَ عُقُوبَةً شَدِيدَةً] كَمَا تُؤَدَّبُ الْمَرْأَةُ فِي مُسَاحَقَتِهَا الْأُخْرَى.
[قَوْلُهُ: أَطَاعَهُ] شَرْطٌ أَيْضًا فِي رَجْمِ الْمَفْعُولِ بِهِ، وَأَمَّا الْمُكْرَهُ عَلَى الْفِعْلِ بِغَيْرِهِ فَفِي حَدِّهِ خِلَافٌ وَالْمَذْهَبُ الْحَدُّ.
[قَوْلُهُ: أَوْ غَيْرَ بَالِغٍ] أَيْ وَكَانَ مُطْبَقًا، وَأَمَّا بُلُوغُ الْمَفْعُولِ بِهِ دُونَ الْفَاعِلِ فَلَا رَجْمَ، وَيُؤَدَّبُ الصَّغِيرُ وَيُعَزَّرُ الْبَالِغُ التَّعْزِيرَ الَّذِي لَا يَقْصُرُ عَدَدُهُ عَنْ مِائَةٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَا غَيْرَ مُكَلَّفَيْنِ فَالْأَدَبُ فَقَطْ.
[قَوْلُهُ: كَالزِّنَا] أَيْ كَالشَّرْطِ فِي الزِّنَا، وَهُوَ خَبَرُ قَوْلِهِ: وَشَرْطُ الَّذِي هُوَ الْمُبْتَدَأُ.
وَقَوْلُهُ: مِنْ مَغِيبِ الْحَشَفَةِ بَيَانٌ لِشَرْطٍ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي عَدُّ الْمَغِيبِ شَرْطًا لِأَنَّهُ حَقِيقَةُ الزِّنَا.
[قَوْلُهُ: وَثُبُوتُهُ بِبَيِّنَةٍ] أَيْ أَرْبَعِ عُدُولٍ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ اعْتِرَافٍ أَيْ الِاعْتِرَافُ الْمُسْتَمِرُّ، وَانْظُرْ هَلْ يَسْقُطُ الْحَدُّ بِالرُّجُوعِ
[حَدّ القذف]
[قَوْلُهُ: وَهُوَ فِي الِاصْطِلَاحِ] وَأَمَّا
الْأَبِ أَوْ الْجَدِّ لِغَيْرِ الْمَجْهُولِ وَهُوَ مُحَرَّمٌ بِالْكِتَابِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: 4] الْآيَةَ.
وَالسُّنَّةِ «فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَلَدَ الَّذِينَ خَاضُوا فِي الْإِفْكِ الْحَدَّ» ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ وَلَهُ شُرُوطٌ عَشَرَةٌ اثْنَانِ فِي الْقَاذِفِ الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَسِتَّةٌ فِي الْمَقْذُوفِ الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْعِفَّةُ عَمَّا رُمِيَ بِهِ وَأَنْ يَكُونَ مَعَهُ آلَةُ الْوَطْءِ فَلَا يُحَدُّ قَاذِفُ مَجْبُوبٍ وَنَحْوِهِ، وَاثْنَانِ فِي الْمَقْذُوفِ بِهِ أَنْ يَكُونَ الْقَذْفُ بِوَطْءٍ يَلْزَمُ بِهِ الْحَدُّ وَهُوَ الزِّنَا أَوْ اللِّوَاطُ أَوْ نَفْيِ نَسَبِ الْمَقْذُوفِ عَنْ أَبِيهِ فَقَطْ.
وَبَدَأَ بِمَا يُوجِبُ الْقَذْفَ فَقَالَ: (وَعَلَى الْقَاذِفِ الْحُرِّ) الْبَالِغِ الْعَاقِلِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا وَلَوْ سَكْرَانًا أَوْ أَبًا (الْحَدُّ ثَمَانِينَ) جَلْدَةً (وَعَلَى الْعَبْدِ) يَعْنِي جِنْسَهُ الصَّادِقَ بِالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا
[حاشية العدوي]
لُغَةً فَهُوَ الرَّمْيُ بِالْحِجَارَةِ، ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ مَجَازًا فِي الرَّمْيِ بِالْمَكَارِهِ وَالْقَذْفُ مِنْ الْكَبَائِرِ.
[قَوْلُهُ: مَا يَدُلُّ] أَيْ شَيْءٌ يَدُلُّ أَيْ بِالتَّصْرِيحِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ كَالْإِشَارَةِ فِي حَقِّ الْأَخْرَسِ، وَعَطْفُ اللِّوَاطِ عَلَى الزِّنَا مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْهُ، وَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ أَيْ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ إلَّا أَنَّ فِيهِ عَطْفَ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ بِأَوْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الزِّنَا أَعَمُّ مِنْ اللِّوَاطِ.
إلَّا أَنْ يُقَالَ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ لِغَيْرِ فَائِدَةٍ، فَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالْوَاوِ غَيْرُ صَحِيحٍ لَا لِلتَّشْكِيكِ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَقْبَلُ الشَّكَّ، وَمُرَادُهُ بِالْجَدِّ الْجَدُّ لِلْأَبِ وَإِنْ عَلَا.
وَقَوْلُهُ: لِغَيْرِ الْمَجْهُولِ بِالْجِيمِ احْتِرَازًا بِذَلِكَ مِنْ الْمَجْهُولِ كَالْمَنْبُوذِ فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى مَنْ قَذَفَهُ بِنَفْيِ نَسَبٍ عَنْ أَبٍ مُعَيَّنٍ لَكِنْ يُؤَدَّبُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمَحْمُولُ بِالْحَاءِ وَالْمِيمِ احْتِرَازًا عَنْ الْمَسْبِيِّ فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى مَنْ نَفَاهُ عَنْ أَبِيهِ.
أَوْ قَالَ لَهُ: يَا وَلَدَ الزِّنَا لِأَنَّ الْمَحْمُولِينَ لَا تَثْبُتُ أَنْسَابُهُمْ وَلَا يَتَوَارَثُونَ.
[قَوْلُهُ: قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: 4]] الْمُرَادُ بِالْإِحْصَانِ هَاهُنَا الْعِفَّةُ.
[قَوْلُهُ: خَاضُوا فِي الْإِفْكِ] الْإِفْكُ هُوَ أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنْ الْكَذِبِ، وَمُرَادُهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدَّ الَّذِينَ رُمُوا السَّيِّدَةَ عَائِشَةَ بِالزِّنَا الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ.
[قَوْلُهُ: الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ] فَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ لَا حَدَّ عَلَيْهِمَا إذَا قَدَفَا غَيْرَهُمَا.
[قَوْلُهُ: وَسِتَّةٌ فِي الْمَقْذُوفِ إلَخْ] لَكِنْ إنْ كَانَ بِنَفْيِ نَسَبٍ اُشْتُرِطَ فِيهِ الْحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ فَقَطْ، فَالْكَافِرُ وَالْعَبْدُ الْمُسْلِمُ لَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِمَا بِنَفْيِ النَّسَبِ مَا لَمْ يَكُنْ أَبَوَا الرَّقِيقِ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ وَإِلَّا حُدَّ لَهُمَا، وَكَذَا إنْ كَانَ أَبُوهُ حُرًّا مُسْلِمًا وَأُمُّهُ كَافِرَةً أَوْ أَمَةً عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ اُنْظُرْ تَمَامَهُ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ، وَأَمَّا بِالزِّنَا فَيُزَادُ عَلَى هَذَيْنِ الْأَرْبَعَةُ الْبَاقِيَةُ الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالْعِفَّةُ وَالْآلَةُ.
[قَوْلُهُ: وَالْبُلُوغُ] يُرِيدُ إذَا كَانَ فَاعِلًا، وَأَمَّا إنْ كَانَ مَفْعُولًا فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُ بَلْ إطَاقَةُ الْوَطْءِ فَقَطْ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى.
[قَوْلُهُ: وَالْعِفَّةُ عَمَّا رُمِيَ بِهِ] أَيْ أَنْ يَكُونَ عَفِيفًا عَنْ وَطْءٍ يُوجِبُ الْحَدَّ وَهُوَ الزِّنَا وَاللِّوَاطُ، فَمَنْ قَذَفَ رَجُلًا بِالزِّنَا ثُمَّ أَثْبَتَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إنْ أَثْبَتَ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ حُدَّ فِيهِ أَيْ وَإِنْ تَابَ، وَكَذَا إنْ زَنَى بَعْدَ أَنْ قُذِفَ وَقَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ لَمْ يُحَدَّ قَاذِفُهُ.
فَقَوْلُنَا: وَعَفَّ عَنْ وَطْءٍ يُوجِبُ الْحَدَّ يَصْدُقُ بِصُورَتَيْنِ أَنْ يَكُونَ تَارِكًا لِلْوَطْءِ رَأْسًا، وَأَنْ يَكُونَ مُرْتَكِبًا لِوَطْءٍ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ كَوَطْءِ الْبَهِيمَةِ إذْ هُوَ فِيهِمَا عَفِيفٌ عَمَّا يُوجِبُ الْحَدَّ وَعَلَى الْمَقْذُوفِ أَنْ يُثْبِتَ الْعَفَافَ.
[قَوْلُهُ: فَلَا يُحَدُّ قَاذِفُ مَجْبُوبٍ وَنَحْوِهِ] أَيْ كَمَقْطُوعِ الذَّكَرِ إنْ قَيَّدَ ذَلِكَ بِمَا بَعْدَ إزَالَةِ الْآلَةِ، فَإِنْ قَيَّدَ زِنَاهُ بِهَا قَبْلَ قَطْعِهَا حُدَّ عَلَى مَا يَظْهَرُ، وَاسْتَظْهَرَ أَنَّهُ إذَا قَذَفَ خُنْثَى مُشْكِلًا بِالزِّنَا بِفَرْجِهِ الذَّكَرِ أَوْ فِي فَرْجِهِ الَّذِي لِلنِّسَاءِ فَلَا حَدَّ فِيهِ لِأَنَّهُ إذَا زَنَى بِهِمَا فَلَا حَدَّ فِيهِ، وَإِنْ رَمَاهُ بِأَنَّهُ أُتِيَ فِي دُبُرِهِ حُدَّ رَامِيهِ لِأَنَّهُ إذَا زَنَى بِهِ حُدَّ حَدَّ الزِّنَا لَا اللِّوَاطِ.
[قَوْلُهُ: عَنْ أَبِيهِ فَقَطْ] أَيْ أَوْ عَنْ جَدِّهِ كَقَوْلِهِ: لَسْت ابْنَهُ فَيُحَدُّ وَلَوْ قَالَ: أَرَدْت لَسْت ابْنَهُ مِنْ الصُّلْبِ لِأَنَّ بَيْنَك وَبَيْنَهُ أَبًا فَلَا يُصَدَّقُ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَيْ لَا عَنْ أُمِّهِ فَإِنَّهُ لَا حَدَّ فِيهِ لِأَنَّ الْأُمُومَةَ مُحَقَّقَةٌ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْأَدَبُ فَقَطْ.
وَأَمَّا الْأُبُوَّةُ فَثَابِتَةٌ بِالظَّنِّ فَلَا يُعْلَمُ كَذِبُهُ فِي نَفْيِهِ فَتَلْحَقُهُ بِذَلِكَ مَعَرَّةٌ.
تَنْبِيهٌ:
يَلْزَمُهُ الْحَدُّ بِنَفْيِ نَسَبِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ عَنْ أَبِيهِ وَلَوْ كَانَ الْأَبُ كَافِرًا أَوْ عَبْدًا.
[قَوْلُهُ: مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا] وَلَوْ حَرْبِيًّا بِبَلَدِ الْإِسْلَامِ احْتِرَازًا مِنْ الْحَرْبِيِّ إذَا قَذَفَ مُسْلِمًا بِبَلَدِ الْحَرْبِ، ثُمَّ
(أَرْبَعِينَ) جَلْدَةً (فِي الْقَذْفِ وَخَمْسِينَ) جَلْدَةً (فِي الزِّنَا) ع: صَوَابُهُ ثَمَانُونَ وَأَرْبَعُونَ وَخَمْسُونَ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيزِ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْحُرِّ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْعَبْدِ هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ.
وَقِيلَ: هُوَ كَالْحُرِّ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: 4] الْآيَةَ.
(وَالْكَافِرُ) الْحُرُّ (يُحَدُّ فِي الْقَذْفِ ثَمَانِينَ) جَلْدَةً لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَقَيَّدْنَا بِالْحُرِّ احْتِرَازًا مِنْ الْعَبْدِ فَإِنَّ عَلَيْهِ نِصْفَ مَا عَلَى الْحُرِّ (وَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِ عَبْدٍ) أَيْ جِنْسِهِ الصَّادِقِ بِالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى (أَوْ) قَاذِفِ (كَافِرٍ) حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لِعِرْضِهِمَا (وَيُحَدُّ قَاذِفُ الصَّبِيَّةِ بِالزِّنَا إنْ كَانَ مِثْلُهَا يُوطَأُ وَلَا يُحَدُّ قَاذِفُ الصَّبِيِّ) بِذَلِكَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَعَرَّةَ تَلْحَقُ الصَّبِيَّةَ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَذَفَهُ بِأَنَّهُ فُعِلَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ الْعَارُ فِي هَذَا.
(وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ لَمْ يَبْلُغْ فِي قَذْفٍ وَلَا) فِي (وَطْءٍ) لِارْتِفَاعِ الْقَلَمِ عَنْهُ (وَمَنْ نَفَى رَجُلًا) مَثَلًا (مِنْ نَسَبِهِ) مِنْ أَبِيهِ وَإِنْ عَلَا مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: لَسْت بِابْنِ فُلَانٍ (فَعَلَيْهِ الْحَدُّ) ؛ لِأَنَّ الْمَعَرَّةَ الَّتِي تَدْخُلُ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي كَوْنِهِ وَلَدَ زِنًا أَعْظَمُ مِنْ فِعْلِهِ الزِّنَا؛ لِأَنَّ مَعَرَّةَ الزِّنَا تَزُولُ بِالتَّوْبَةِ، وَمَعَرَّةُ كَوْنِهِ وَلَدَ زِنًا لَا تَزُولُ أَبَدًا.
(وَفِي التَّعْرِيضِ) وَهُوَ التَّعْبِيرُ عَنْ الْغَرَضِ بِاللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ لِضِدِّهِ نَحْوَ مَا أَنَا بِزَانٍ (الْحَدُّ) وَلَوْ ذَكَرَ لَفْظًا يَحْتَمِلُ السَّبَّ وَالْقَذْفَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: يَا حِمَارُ قِيلَ يُغَلَّبُ جَانِبُ السَّبِّ وَيُؤَدَّبُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَقِيلَ: يُغَلَّبُ جَانِبُ الْقَذْفِ وَيُحَدُّ؛ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: يَا مَرْكُوبُ كَالْحِمَارِ وَالْمَرْكُوبُ هُوَ الْمَفْعُولُ بِهِ.
(وَ) كَذَا (مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ يَا لُوطِيُّ حُدَّ)
[حاشية العدوي]
أَسْلَمَ أَوْ أُسِرَ أَوْ دَخَلَ بِأَمَانٍ فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ أَبًا] الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْأَبَ لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَوْ صَرَّحَ بِالْقَذْفِ.
[قَوْلُهُ: وَخَمْسِينَ فِي الزِّنَا] هَذَا عُلِمَ مِمَّا سَبَقَ، وَإِنَّمَا أَعَادَهُ لِيَجْمَعَهُ مَعَ نَظِيرِهِ فِي التَّشْطِيرِ.
[قَوْلُهُ: بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيزِ] هَذَا ظَاهِرٌ فِي ثَمَانِينَ فَإِنَّهُ تَمْيِيزٌ عَنْ الْحَدِّ لِمَا انْبَهَمَ مِنْ الذَّوَاتِ، وَأَمَّا فِي أَرْبَعِينَ وَخَمْسِينَ فَلَا إلَّا أَنْ يَكُونَ لَا حَظَّ أَنَّ التَّقْدِيرَ وَعَلَى الْعَبْدِ الْحَدُّ أَرْبَعِينَ.
وَقَوْلُهُ: الرِّوَايَةُ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ هُنَاكَ رِوَايَةً أُخْرَى بِالرَّفْعِ فِي الْكُلِّ وَهُوَ كَذَلِكَ
[قَوْلُهُ: وَالْكَافِرُ يُحَدُّ فِي الْقَذْفِ ثَمَانِينَ] وَلَوْ حَرْبِيًّا فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَلَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ وَابْنِ مَرْزُوقٍ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى الْحَرْبِيِّ.
[قَوْلُهُ: وَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِ عَبْدٍ] أَيْ بِزِنًا كَنَفْيِ النَّسَبِ لَا أَنْ يَكُونَ أَبَوَاهُ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لِعِرْضِهِمَا] أَيْ الْعَبْدِ وَالْكَافِرِ، زَادَ فِي التَّحْقِيقِ إلَّا أَنَّهُ يُؤَدَّبُ، وَفِي الْخَرَشِيِّ عَنْ تَقْرِيرِهِ وَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِ الْكَافِرِ أَوْ الْعَبْدِ وَلَوْ كَانَ الْقَاذِفُ مِثْلَهُمَا.
وَلَوْ تَرَافَعَا إلَيْنَا.
[قَوْلُهُ: إنْ كَانَ مِثْلُهَا يُوطَأُ] لِلُحُوقِ الْمَعَرَّةِ لَهَا بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُطِيقَةِ.
[قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ قَذَفَهُ بِأَنْ فُعِلَ بِهِ] أَيْ إنْ كَانَ مُطِيقًا
[قَوْلُهُ: فِي قَذْفٍ] أَيْ لِغَيْرِهِ بِزِنًا أَوْ نَفْيِ نَسَبٍ.
[قَوْلُهُ: وَلَا فِي وَطْءٍ] أَيْ حَصَلَ مِنْ الصَّبِيِّ فِي صَبِيَّةٍ أَوْ بَالِغٍ وَلَوْ فِي الصَّبِيَّةِ مِنْ الصَّبِيِّ أَوْ بَالِغٍ تت.
[قَوْلُهُ: وَمَنْ نَفَى] أَيْ مِنْ كُلِّ بَالِغٍ عَاقِلٍ وَإِنْ كَافِرًا أَوْ رَقِيقًا.
[قَوْلُهُ: رَجُلًا] حُرًّا مُسْلِمًا، أَيْ أَوْ امْرَأَةً كَذَلِكَ وَلَوْ صَغِيرَيْنِ أَوْ مَجْنُونَيْنِ.
[قَوْلُهُ: نَسَبِهِ مِنْ أَبِيهِ] أَيْ لَا مِنْ عَمِّهِ.
[قَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ الْحَدُّ] إذَا كَانَ نَسَبُهُ مَعْلُومًا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ غَيْرَ مَعْرُوفِ النَّسَبِ كَالْمَنْبُوذِ يَرْمِيهِ بِنَفْيِ النَّسَبِ عَنْ أَبٍ مُعَيَّنٍ فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ لَهُ: يَا ابْنَ الزِّنَا أَوْ يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ أَوْ يَا مَنْفِيُّ مِمَّا يَقْتَضِي نَفْيَ نَسَبِهِ عَنْ مُطْلَقِ أَبٍ فَإِنَّهُ يُحَدُّ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَبْذِهِ كَوْنُهُ وَلَدَ زِنًا.
[قَوْلُهُ: وَفِي التَّعْرِيضِ الْحَدُّ] إنْ أَفْهَمَ الرَّمْيَ بِالزِّنَا أَوْ نَفْيَ النَّسَبِ عَنْ أَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ كَمَا إذَا نَسَبَهُ لِعَمِّهِ.
[قَوْلُهُ: نَحْوُ مَا أَنَا بِزَانٍ] أَيْ فَالْقَائِلُ غَرَضُهُ أَنْتَ زَانٍ عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظٍ مَوْضُوعٍ لِضِدِّهِ أَيْ لِمُنَافِيهِ وَهُوَ مَا أَنَا بِزَانٍ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ الضِّدُّ اصْطِلَاحًا ثُمَّ إنَّ تَفْسِيرَ التَّعْرِيضِ بِهَذَا قُصُورٌ فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: وَالتَّعْرِيضُ خِلَافُ التَّصْرِيحِ.
[قَوْلُهُ: قِيلَ يُغَلَّبُ إلَخْ] لَعَلَّ مَحَلَّ الْقَوْلَيْنِ مَا لَمْ يَظْهَرْ إرَادَةُ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ وَإِلَّا عُمِلَ عَلَى ذَلِكَ، وَمِنْ ظُهُورِ إرَادَةِ الثَّانِي إلْحَاقُ الْهَاءِ أَيْ قَوْلُهُ: يَا حِمَارَةُ فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يُغَلَّبُ جَانِبُ الْقَذْفِ فَيُحَدُّ لِجَرَيَانٍ عَنْ عَوَامِّ مِصْرَ بِاسْتِعْمَالِ هَذَا فِي الْمَفْعُولِ بِهِ
[قَوْلُهُ: وَمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ يَا لُوطِيُّ] أَيْ وَكَانَ الْمَقُولُ لَهُ عَفِيفًا كَمَا تَقَدَّمَ، وَمِنْ
لِأَنَّهُ نَسَبَهُ إلَى فَاحِشَةٍ يَلْزَمُ فَاعِلَهَا الْحَدُّ.
ع: هَذَا إذَا كَانَ الْمَقْذُوفُ بَالِغًا وَقَالَ لَهُ: يَا فَاعِلُ، وَإِنْ قَالَ لَهُ: يَا مَفْعُولُ فَإِنَّهُ يُحَدُّ سَوَاءٌ كَانَ بَالِغًا أَوْ غَيْرَ بَالِغٍ.
(وَمَنْ قَذَفَ جَمَاعَةً) بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ جَمِيعًا أَوْ كُلَّ وَاحِدٍ وَاحِدَةً (فَ) عَلَيْهِ (حَدٌّ وَاحِدٌ يَلْزَمُهُ لِمَنْ قَامَ بِهِ مِنْهُمْ ثُمَّ) بَعْدَ ذَلِكَ (لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ لَا حَدَّ عَلَيْهِ لِمَنْ قَامَ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ فِي الْقَذْفِ إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ دَفْعِ الْمَعَرَّةِ عَنْ الْمَقْذُوفِ وَتَكْذِيبِ الْقَاذِفِ، فَإِذَا حُدَّ فَقَدْ ارْتَفَعَتْ الْمَعَرَّةُ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَكْرَارِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْإِثْمُ فَعَلَيْهِ.
(وَمَنْ كَرَّرَ شُرْبَ الْخَمْرِ أَوْ) كَرَّرَ (الزِّنَا فَ) يَلْزَمُهُ (حَدٌّ وَاحِدٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ) ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ إذَا كَانَتْ جِنْسًا وَاحِدًا تَدَاخَلَتْ كَالْأَحْدَاثِ إذَا تَكَرَّرَتْ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ فِي جَمِيعِهَا طُهْرٌ وَاحِدٌ وَكَذَا مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ وَقَذَفَ لَا يَتَعَدَّدُ الْحَدُّ عَلَى الْمَنْصُوصِ لِلِاتِّحَادِ بِخِلَافِ مَنْ قَذَفَ وَزَنَى فَإِنَّهُ يَتَعَدَّدُ الْحَدُّ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقَوْلُهُ: (وَكَذَلِكَ مَنْ قَذَفَ جَمَاعَةً) تَكْرَارٌ، وَقِيلَ: لَيْسَ بِتَكْرَارٍ؛ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ إذَا قَذَفَهُمْ مَرَّةً وَاحِدَةً وَهَذَا إذَا كَرَّرَ قَذْفَهُمْ.
(وَمَنْ لَزِمَتْهُ حُدُودٌ وَقَتْلٌ) مِثْلُ أَنْ يَزْنِيَ وَيَشْرَبَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقَ وَيَقْتُلَ مُسْلِمًا (فَالْقَتْلُ يُجْزِئُ عَنْ ذَلِكَ) كُلِّهِ وَلَا يُحَدُّ (إلَّا فِي) اجْتِمَاعِ (الْقَذْفِ) مَعَ الْقَتْلِ (فَلْيُحَدَّ) لِلْقَذْفِ (قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ) لِنَفْيِ الْمَعَرَّةِ.
ظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يُحَدُّ وَلَوْ كَانَ الْمَقْذُوفُ هُوَ الْمَقْتُولَ.
.
ثُمَّ انْتَقَلَ يُبَيِّنُ حَدَّ شُرْبِ الْمُسْكِرِ فَقَالَ: (وَمَنْ شَرِبَ) مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْمُكَلَّفِينَ الْأَحْرَارِ مُخْتَارًا مِنْ غَيْرِ
[حاشية العدوي]
أَلْفَاظِ الْقَذْفِ يَا عِلْقُ أَوْ يَا مُخَنَّثُ، وَضَابِطُ هَذَا الْبَابِ الِاشْتِهَارَاتُ الْعُرْفِيَّةُ وَالْقَرَائِنُ الْحَالِيَّةُ فَمَتَى فُقِدَا حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْقَذْفَ وَلَا يُحَدُّ، وَمَتَى وُجِدَ أَحَدُهُمَا حُدَّ وَإِنْ انْتَقَلَ الْعُرْفُ وَبَطَلَ بَطَلَ الْحَدُّ.
تَتِمَّةٌ:
يَثْبُتُ الْقَذْفُ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ عَلَى الْقَذْفِ أَوْ الْإِقْرَارِ بِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي ثُبُوتِهِ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ وَالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ.
أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ عَدَمُ ثُبُوتِهِ بِمَا ذُكِرَ
[قَوْلُهُ: بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ] وَسَوَاءٌ تَعَدَّدَ نَوْعُ مَا قَذَفَ بِهِ أَوْ اتَّحَدَ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ قَالَهُ عج.
[قَوْلُهُ: أَوْ كُلَّ وَاحِدَةٍ وَاحِدَةً] بِانْفِرَادِهِ بِمَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ أَحَدُكُمْ زَانٍ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ
[قَوْلُهُ: وَمَنْ كَرَّرَ شُرْبَ الْخَمْرِ] أَيْ قَبْلَ حَدِّهِ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ.
[قَوْلُهُ: فَحَدٌّ وَاحِدٌ] ثَمَانُونَ لِلْحُرِّ وَأَرْبَعُونَ لِلرَّقِيقِ.
[قَوْلُهُ: فِي ذَلِكَ كُلِّهِ] أَيْ فِيمَا تَكَرَّرَ مِنْ أَفْرَادِ الشُّرْبِ أَوْ مِنْ أَفْرَادِ الزِّنَا.
[قَوْلُهُ: إذَا كَانَتْ جِنْسًا وَاحِدًا] أَيْ جِنْسُهَا وَاحِدٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ: وَتَدَاخَلَتْ أَيْ اكْتَفَى بِإِحْدَاهَا.
[قَوْلُهُ: كَالْأَحْدَاثِ إلَخْ] لَا يَتِمُّ التَّنْظِيرُ إلَّا لَوْ قَالَ: كَالْأَطْهَارِ فَيَكُونُ كُلٌّ مِنْهَا مُوجَبًا بِالْفَتْحِ، أَوْ يَقُولُ: أَوَّلًا لِأَنَّ أَسْبَابَ الْحَدِّ إلَخْ فَيَكُونُ كُلٌّ مِنْهَا مُوجِبًا بِالْكَسْرِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَنْصُوصِ] مُقَابِلُهُ مَا أَجْرَاهُ اللَّخْمِيُّ مِنْ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ مِنْ الْخِلَافِ الْكَائِنِ فِي قَذْفِ الْجَمَاعَةِ هَلْ يُوجِبُ تَعَدُّدَ الْحَدِّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَوْ لَا.
[قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَنْ قَذَفَ وَزَنَى] وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْحُدُودَ الْمُتَّحِدَةَ الْقَدْرِ يَكْفِي فِيهَا حَدٌّ وَاحِدٌ، وَالْمُخْتَلِفَةُ الْقَدْرِ يَجِبُ إقَامَتُهَا وَيُبْدَأُ بِأَشَدِّهَا عِنْدَ عَدَمِ الْخَوْفِ مِنْهُ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَتَعَدَّدُ الْحَدُّ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ مَا لِعَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّ الْقَذْفَ وَالشُّرْبَ يَدْخُلَانِ فِي حَدِّ الزِّنَا فَيُحَدُّ مِائَةً إذَا شَرِبَ وَزَنَى أَوْ قَذَفَ وَزَنَى.
[قَوْلُهُ: وَهَذَا إذَا كَرَّرَ قَذْفَهُمْ] أَيْ قَذَفَ كُلَّ وَاحِدٍ بِانْفِرَادِهِ
[قَوْلُهُ: وَمَنْ لَزِمَتْهُ] مَنْ شَرْطِيَّةٌ أَوْ مَوْصُولَةٌ وَشَرْطُهَا أَوْ صِلَتُهَا لَزِمَتْهُ حُدُودٌ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ تَقَدُّمِ سَبَبِهَا عَلَى الْقَتْلِ أَوْ تَأَخُّرِهِ
[حَدّ الشُّرْب]
[قَوْلُهُ: وَمَنْ شَرِبَ] الْمُرَادُ بِالشُّرْبِ وُصُولُهُ لِلْحَلْقِ مِنْ فَمٍ وَإِنْ رَدَّ قَبْلَ الْوُصُولِ لِجَوْفِهِ لَا مِنْ أَنْفٍ وَأُذُنٍ وَعَيْنٍ وَحُقْنَةٍ وَلَوْ إلَى الْجَوْفِ، وَلَوْ حَصَلَ الْإِسْكَارُ فِيهِ بِالْفِعْلِ وَإِنْ حَرُمَ وَدَخَلَ فِي الشُّرْبِ وَضْعُ إبْرَةٍ غَمَسَهَا فِي خَمْرٍ
ضَرُورَةٍ وَلَوْ جَهْلًا لِلْحَدِّ أَوْ الْحُرْمَةِ (خَمْرًا) وَهُوَ مَا عُصِرَ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ لِيُحَلَّى (أَوْ) شَرِبَ (نَبِيذًا) وَهُوَ مَا يُجْعَلُ فِي الْمَاءِ مِنْ التَّمْرِ أَوْ الزَّبِيبِ.
ع قَوْلُهُ: (مُسْكِرًا) صِفَةٌ لِنَبِيذٍ لَا لِخَمْرٍ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ شَارِبَ الْخَمْرِ يُحَدُّ سَكِرَ أَوْ لَمْ يَسْكَرْ (حُدَّ ثَمَانِينَ) جَلْدَةً بَعْدَ صَحْوَةٍ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ إنْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ إمَّا بِإِقْرَارٍ أَوْ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ أَوْ الشَّمِّ مِمَّنْ يَعْرِفُهَا قَالَهُ ع أَيْضًا.
وَقَوْلُهُ: (سَكِرَ أَوْ لَمْ يَسْكَرْ) إشَارَةٌ إلَى الْمُخَالِفِ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ إنَّمَا يُحَدُّ فِي النَّبِيذِ إذَا سَكِرَ (وَلَا سِجْنَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ أَوْ النَّبِيذَ الْمُسْكِرَ، ظَاهِرُهُ وَإِنْ كَثُرَ ذَلِكَ مِنْهُ وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّهُمْ سَجَنُوا فِيهِ.
.
(فَرْعٌ) فِي أَكْلِ الْحَشِيشَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الْحَدُّ وَالْأَدَبُ وَالْحَدُّ إنْ حُمِّصَتْ وَالْأَدَبُ إنْ لَمْ تُحَمَّصْ، وَكَذَلِكَ الثَّلَاثَةُ فِي بُطْلَانِ صَلَاةِ مَنْ صَلَّى بِهَا.
.
ثُمَّ شَرَعَ يُبَيِّنُ كَيْفِيَّةَ الْحَدِّ فَقَالَ: (وَيُجَرَّدُ الْمَحْدُودُ) الذَّكَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إلَّا مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ (وَلَا تُجَرَّدُ الْمَرْأَةُ إلَّا مِمَّا يَقِيهَا) مِنْ (الضَّرْبِ) كَالْفَرْوِ لِتَتَأَلَّمَ بِالضَّرْبِ وَتَنْزَجِرَ عَنْ مِثْلِ مَا ارْتَكَبَتْهُ (وَيُحَدَّانِ قَاعِدَانِ) صَوَابُهُ قَاعِدَيْنِ بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ، وَوَجْهُ الرَّفْعِ بِأَنَّهُ خَبَرُ مُضْمِرٍ أَيْ وَهُمَا قَاعِدَانِ غَيْرَ مَرْبُوطَيْنِ، وَمَحَلُّ الضَّرْبِ الظَّهْرُ وَالْكَتِفَانِ دُونَ غَيْرِهِمَا، وَيُتَوَسَّطُ فِي الضَّرْبِ فِي الْحُدُودِ كُلِّهَا وَيُنْتَظَرُ لِلْحَدِّ اعْتِدَالُ الْهَوَاءِ، وَالضَّرْبُ يَكُونُ بِسَوْطٍ مِنْ جِلْدٍ
[حاشية العدوي]
عَلَى لِسَانِهِ وَابْتَلَعَ رِيقَهُ.
وَقَوْلُهُ: مِنْ الْمُسْلِمِينَ احْتِرَازٌ مِنْ غَيْرِهِمْ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمْ ذِمِّيِّينَ أَوْ حَرْبِيِّينَ.
وَقَوْلُهُ: الْمُكَلَّفِينَ احْتِرَازًا عَنْ غَيْرِهِمْ فَلَا حَدَّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَمَا لَا حَدَّ عَلَى الْغَالِطِ.
[قَوْلُهُ: مُخْتَارًا] أَيْ لَا مُكْرَهًا.
وَقَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ أُخْرِجَ بِهِ صَاحِبُ الْغُصَّةِ إذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً.
[قَوْلُهُ: وَلَوْ جَهْلًا لِلْحَدِّ أَوْ الْحُرْمَةِ] أَيْ كَقَرِيبِ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ فَلَا عُذْرَ لِأَحَدٍ فِي سُقُوطِ الْحَدِّ، فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يُعْذَرْ هُنَا وَعُذِرَ فِي الزِّنَا حَيْثُ كَانَ مِثْلُهُ يَجْهَلُ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَفَاسِدَ الشُّرْبِ لَمَّا كَانَتْ أَشَدَّ مِنْ مَفَاسِدِ الزِّنَا لِكَثْرَتِهَا لِأَنَّهُ رُبَّمَا زَنَى وَسَرَقَ وَقَتَلَ كَانَ أَشَدَّ مِنْ الزِّنَا، وَلِأَنَّ الشُّرْبَ أَكْثَرُ وُقُوعًا مِنْ غَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا عُصِرَ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ لِيُحَلَّى] لَفْظَةُ لِيُحَلَّى لَيْسَتْ فِي التَّحْقِيقِ فَالْمُنَاسِبُ إسْقَاطُهَا، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ: وَهُوَ مَا دَخَلَتْهُ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ الَّذِي لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ بِحَيْثُ صَارَ شَأْنُهُ الْإِسْكَارَ أَسْكَرَ بِالْفِعْلِ أَمْ لَا.
[قَوْلُهُ: التَّمْرِ أَوْ الزَّبِيبِ] أَيْ مَثَلًا لِيُدْخِلَ الْعَسَلَ وَغَيْرَهُ، أَيْ وَيَسْتَمِرُّ حَتَّى يَحْلُوَ وَيَصِلَ إلَى حَدِّ الْإِسْكَارِ، وَنَبِيذٌ بِمَعْنَى مَنْبُوذٍ وَالْعِبَارَةُ عَلَى حَذْفِ أَيْ مَاءٍ مَنْبُوذٍ لِأَنَّ الْمَشْرُوبَ الْمَاءُ الْمَنْبُوذُ فِيهِ نَحْوُ التَّمْرِ لَا نَفْسُ الْمَنْبُوذِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ إلَخْ] فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ مُسْكِرًا مَعْنَاهُ شَأْنُهُ الْإِسْكَارُ أَسْكَرَ بِالْفِعْلِ أَمْ لَا [قَوْلُهُ: إمَّا بِإِقْرَارٍ] أَيْ ثَبَتَ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ بَعْدَ صَحْوِهِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ الشَّمِّ مِمَّنْ يَعْرِفُهَا] وَكَذَا لَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ عَلَى الشُّرْبِ وَالْآخَرُ عَلَى الرَّائِحَةِ وَكَذَا لَوْ شَهِدَ عَدْلَانِ بِأَنَّ مَشْرُوبَهُ خَمْرٌ وَعَدْلَانِ أَنَّهُ عَسْلٌ مَثَلًا أَوْ شَهِدَ عَدْلَانِ أَنَّ رَائِحَةَ فَمِهِ خَمْرٌ وَآخَرَانِ رَائِحَتُهُ ثُومٌ مَثَلًا لِأَنَّ الْمُثْبِتَ يُقَدَّمُ عَلَى النَّافِي.
[قَوْلُهُ: وَالْأَدَبُ] أَيْ لِأَنَّهَا مُخَدِّرَةٌ كَمَا فِي تت أَيْ وَهُوَ الرَّاجِحُ.
[قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ الثَّلَاثَةُ] الْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ: وَكَذَا ثَلَاثَةٌ أَيْ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فِي الْبُطْلَانِ أَيْ: فَمَنْ يَقُولُ بِالْحَدِّ يَقُولُ بِالْبُطْلَانِ مُطْلَقًا، وَمَنْ يَقُولُ بِالْأَدَبِ يَقُولُ بِعَدَمِهِ مُطْلَقًا وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَمَنْ يُفَصِّلُ فِي الْحَدِّ يُفَصِّلُ فِي الْبُطْلَانِ
[كَيْفِيَّة إقَامَة الْحَدّ]
[قَوْلُهُ: وَيُجَرَّدُ] ظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ.
[قَوْلُهُ: وَلَا تُجَرَّدُ الْمَرْأَةُ إلَّا مِمَّا يَقِيهَا] وَيُنْدَبُ أَنْ تُجْعَلَ فِي قُفَّةٍ وَيُجْعَلَ تَحْتَهَا شَيْءٌ مِنْ تُرَابٍ وَيُبَلَّ بِالْمَاءِ لِأَجْلِ السَّتْرِ.
[قَوْلُهُ: قَاعِدَانِ] ظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ.
[قَوْلُهُ: غَيْرَ مَرْبُوطَيْنِ] أَيْ وَمِنْ غَيْرِ شَدِيدٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ الضَّرْبُ لَا يَقَعُ مَوْقِعَهُ فَيَجُوزُ شَدُّهُ، وَيَكُونُ الْمُتَوَلِّي لِلضَّرْبِ شَخْصًا مُتَوَسِّطًا لَا فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ وَلَا فِي غَايَةِ الضَّعْفِ.
[قَوْلُهُ: الظَّهْرُ] هُوَ خِلَافُ الْبَطْنِ قَالَهُ فِي الْمِصْبَاحِ.
وَقَوْلُهُ: وَالْكَتِفَانِ وَالظَّاهِرُ وَمَا بَيْنَهُمَا مِثْلُهُمَا.
[قَوْلُهُ: وَيُنْتَظَرُ لِلْحَدِّ] الْأَوْلَى الْجَلْدِ.
[قَوْلُهُ: وَالضَّرْبُ يَكُونُ
لَيْسَ لَهُ رَأْسَانِ وَيَكُونُ رَأْسُهُ لَيِّنًا وَيَقْبِضُ عَلَيْهِ بِالْخِنْصَرِ وَالْبِنْصِرِ وَالْوُسْطَى وَلَا يَقْبِضُ عَلَيْهِ بِالسَّبَّابَةِ وَالْإِبْهَامِ، وَيُقَدِّمُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَيُؤَخِّرُ الْيُسْرَى وَيُوَالِي بَيْنَ الضَّرْبِ وَلَا يُفَرِّقُ عَلَى الْأَيَّامِ إلَّا أَنْ يُخْشَى مِنْ تَوَالِيهِ هَلَاكُ الْمَحْدُودِ هَذَا فِي غَيْرِ الرَّجْمِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ حَدُّهُ الرَّجْمَ رُجِمَ سَوَاءٌ كَانَ صَحِيحًا أَوْ مَرِيضًا؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالرَّجْمِ.
(وَلَا تُحَدُّ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ) وَتَجِدَ مَنْ يَقُومُ بِحَالِ الطِّفْلِ لِفِطَامِهِ لِحَدِيثِ الْغَامِدِيَّةِ (وَ) كَذَلِكَ (لَا) يُحَدُّ (مَرِيضٌ مُثَقَّلٌ حَتَّى يَبْرَأَ) لِخَوْفِ التَّلَفِ إذَا جُلِدَ (وَلَا يُقْتَلُ وَاطِئُ الْبَهِيمَةِ) ج: لَوْلَا قَوْلُهُ: (وَلْيُعَاقَبْ) لَاحْتَمَلَ أَنْ يُفْهَمَ مِنْهُ أَنَّهُ يُحَدُّ حَدَّ الْبِكْرِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَلَا يُحَدُّ وَاطِئُ الْبَهِيمَةِ وَلْيُعَاقَبْ لِارْتِكَابِهِ أَمْرًا مُحَرَّمًا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمَا رُوِيَ «مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوهَا مَعَهُ» فَغَيْرُ ثَابِتٍ.
.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْحُدُودِ فَقَالَ: (وَمَنْ سَرَقَ) بِفَتْحِ الرَّاءِ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ الذُّكُورِ أَوْ الْإِنَاثِ
[حاشية العدوي]
بِسَوْطٍ] وَلَا يُجْزِئُ قَضِيبٌ وَشِرَاكٌ وَلَا دِرَّةٌ، وَكَانَتْ دِرَّةُ عُمَرَ لِلْأَدَبِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ جِلْدٍ] زَادَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: مِنْ جِلْدٍ وَاحِدٍ.
[قَوْلُهُ: لَيْسَ لَهُ رَأْسَانِ] أَيْ لَا يَكُونُ لَهُ مِنْ الْجِهَةِ الَّتِي يُضْرَبُ بِهَا رَأْسَانِ بَلْ رَأْسٌ وَاحِدٌ.
[قَوْلُهُ: وَيَقْبِضُ عَلَيْهِ بِالْخِنْصَرِ وَالْبِنْصِرِ] أَيْ وَيَعْقِدُ عَلَيْهِ عَقْدَ التِّسْعِينَ وَصِفَةُ عَقْدِ التِّسْعِينَ أَنْ يَعْطِفَ السَّبَّابَةَ حَتَّى تَلْقَى الْكَفَّ وَيَضُمَّ الْإِبْهَامَ إلَيْهَا.
[قَوْلُهُ: وَيُقَدِّمُ إلَخْ] هَذَا مُوجِبٌ لِقُوَّةِ الضَّرْبِ عَكْسُ الَّذِي قَبْلَهُ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُفَرَّقُ عَلَى الْأَيَّامِ] قَضِيَّتُهُ أَنَّ مِنْ أَفْرَادِ الْمُوَالَاةِ مَا إذَا فَعَلَ بَعْضَهُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَبَعْضَهُ الْآخَرَ فِي وَسَطِهِ أَوْ آخِرِهِ.
وَظَاهِرُهُ.
أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ وَلَا يُفَرَّقُ عَلَى الْأَيَّامِ أَيْ مَثَلًا فَيَكُونُ مِنْ أَفْرَادِ التَّفْرِقَةِ مَا إذَا فَعَلَ بَعْضَهُ فِي وَقْتٍ وَالْبَعْضَ الْآخَرَ فِي وَقْتٍ لِظَنِّ السَّلَامَةِ فِي ذَلِكَ دُونَ فِعْلِ الْجَمِيعِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَتَدَبَّرْ
[قَوْلُهُ: وَلَا تُحَدُّ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ] لِئَلَّا يَسْرِيَ إلَى مَا فِي بَطْنِهَا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ مِنْ زِنًا وَلَا يُقْبَلُ دَعْوَاهَا الْحَمْلَ بَلْ يَنْظُرُهَا النِّسَاءُ فَإِنْ شَكَكْنَ فِي حَمْلِهَا أُخِّرَتْ لِتَمَامِ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ وَطِئَهَا، وَهَذَا إذَا مَضَى لِزِنَاهَا نَحْوُ الْأَرْبَعِينَ وَإِلَّا جَازَ إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهَا لِانْتِفَاءِ حُرْمَةِ الْحَمْلِ حِينَئِذٍ، وَهَذَا فِي غَيْرِ ذَاتِ الزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ الْمُسْتَرْسِلِ عَلَى وَطْئِهَا وَإِلَّا أُخِّرَتْ لِحَيْضَةٍ.
[قَوْلُهُ: وَتُحَدُّ إلَخْ] أَيْ يُقَامُ عَلَيْهَا الْحَدُّ عَقِبَ الْوَضْعِ إنْ وَجَدَتْ مَنْ يَقُومُ بِالطِّفْلِ، هَذَا إذَا كَانَ حَدُّهَا الرَّجْمَ وَأَمَّا لَوْ كَانَ حَدُّهَا الْجَلْدَ أُخِّرَتْ حَتَّى تُتِمَّ نِفَاسَهَا وَتَجِدَ مَنْ يُرْضِعُ وَلَدَهَا.
[قَوْلُهُ: لِحَدِيثِ الْغَامِدِيَّةِ إلَخْ] أَيْ حَيْثُ «جَاءَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ حَامِلٌ فَقَالَتْ لَهُ: طَهِّرْنِي.
فَقَالَ لَهَا: اذْهَبِي حَتَّى تَضَعِي فَلَمَّا وَضَعَتْ أَتَتْ إلَيْهِ فَقَالَ لَهَا: اذْهَبِي حَتَّى تَفْطِمِيهِ أَوْ حَتَّى تُرْضِعِيهِ.
فَلَمَّا أَرْضَعَتْهُ أَتَتْ إلَيْهِ فَقَالَ لَهَا: اذْهَبِي حَتَّى تَسْتَوْدِعِيهِ.
فَلَمَّا اسْتَوْدَعَتْهُ أَتَتْ فَرَجَمَهَا» اهـ وَاسْمُهَا سُمَيَّةُ أَوْ أُمَيْمَةُ بِنْتُ فَرَجٍ.
[قَوْلُهُ: مُثَقَّلٌ] بِفَتْحِ الْقَافِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ اشْتَدَّ مَرَضُهُ حَتَّى يَبْرَأَ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى تَلَفِ نَفْسِهِ، وَلِذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يُنْتَظَرَ بِالْجَلْدِ اعْتِدَالُ الْهَوَاءِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ حَدُّهُ الْقَتْلَ وَلَوْ بِالرَّجْمِ فَلَا يُنْتَظَرُ.
[قَوْلُهُ: وَلْيُعَاقَبْ إلَخْ] أَيْ بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ وَالْبَهِيمَةُ كَغَيْرِهَا فِي الْمُسْتَقْبِلِ ذَبْحًا وَأَكْلًا.
[قَوْلُهُ: فَكَأَنَّهُ قَالَ إلَخْ] أَيْ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَلْيُعَاقَبْ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: وَلَا يُقْتَلُ أَنَّهُ لَا حَدَّ.
وَقَوْلُهُ: لِارْتِكَابِهِ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ وَلْيُعَاقَبْ.
وَقَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ دَلِيلٌ لِقَوْلِهِ وَلَا يُحَدُّ وَاطِئُ فَإِنْ قُلْت: إذَا كَانَ الْمُرَادُ لَا حَدَّ عَلَى وَاطِئِ الْبَهِيمَةِ فَلِمَ عَدَلَ عَنْ صَرِيحِ اللَّفْظِ قُلْت: إشَارَةً إلَى أَنَّ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْقَتْلِ غَيْرُ صَوَابٍ.
[قَوْلُهُ: فَغَيْرُ ثَابِتٍ] زَادَ فِي التَّحْقِيقِ فَقَالَ: وَأَنْكَرَهُ مَالِكٌ
[حَدّ السَّرِقَة]
[قَوْلُهُ: وَمَنْ سَرَقَ بِفَتْحِ الرَّاءِ] أَيْ فِي الْمَاضِي وَمَكْسُورُهَا فِي الْمُضَارِعِ، تت: وَعَرَّفَ ابْنُ عَرَفَةَ السَّرِقَةَ بِقَوْلِهِ: أَخْذُ مُكَلَّفٍ حُرًّا لَا يَعْقِلُ لِصِغَرِهِ أَوْ مَالًا مُحْتَرَمًا لِغَيْرِهِ نِصَابًا أَخْرَجَهُ مِنْ حِرْزِهِ بِقَصْدٍ وَاحِدٍ خُفْيَةً لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ فَلَا قَطْعَ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ، وَلَا عَلَى مَنْ لَمْ يَقْصِدْ أَخْذَ النِّصَابِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَأَخْرَجَ النِّصَابَ عَلَى مَرَّاتٍ وَلَا عَلَى أَبٍ أَخَذَ مِنْ مَالِ ابْنِهِ قَدْرَ نِصَابٍ.
وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: خِفْيَةً عَمَّا لَوْ خَرَجَ جِهَارًا فَهَذَا يُسَمَّى مُخْتَلِسًا.
الْأَحْرَارِ أَوْ الْأَرِقَّاءِ مُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ (رُبْعَ دِينَارٍ ذَهَبًا) وَلَا الْتِفَاتَ إلَى قِيمَتِهِ (أَوْ) سَرَقَ (مَا قِيمَتُهُ يَوْمَ السَّرِقَةِ) لَا يَوْمَ الْحُكْمِ عَلَى الْمَذْهَبِ سَوَاءٌ ارْتَفَعَ السِّعْرُ يَوْمَ الْحُكْمِ أَوْ انْخَفَضَ (ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ مِنْ الْعُرُوضِ أَوْ) سَرَقَ (وَزْنَ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ فِضَّةً) خَالِصَةً وَلَا الْتِفَاتَ إلَى كَوْنِهَا تُسَاوِي رُبْعَ دِينَارٍ (قُطِعَ) وَالْأَصِيلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّحِيحَيْنِ: «لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» . وَفِي الْمُوَطَّأِ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَطَعَ يَدَ سَارِقٍ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ» ، وَلِلْقَطْعِ شُرُوطٌ فِي السَّارِقِ وَالْمَسْرُوقِ فُهِمَ بَعْضُهَا مِمَّا تَقَدَّمَ فَاَلَّتِي فِي السَّارِقِ أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا، بَالِغًا، غَيْرَ مِلْكٍ لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ، لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ وِلَادَةٌ، غَيْرَ مُضْطَرٍّ لِلسَّرِقَةِ، وَاَلَّتِي فِي الْمَسْرُوقِ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ
[حاشية العدوي]
وَالْحَاصِلُ أَنَّ السَّارِقَ مَنْ يَدْخُلُ خُفْيَةً وَيَخْرُجُ كَذَلِكَ، وَالْمُخْتَلِسُ مَنْ يَدْخُلُ خُفْيَةً وَيَخْرُجُ جَهْرَةً، وَالْخَائِنُ مَنْ يَدْخُلُ وَيَخْرُجُ جَهْرَةً وَمَعَهُ إذْنٌ.
[قَوْلُهُ: وَلَا الْتِفَاتَ إلَى قِيمَتِهِ] أَيْ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى كَوْنِهِ يُسَاوِي ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ [قَوْلُهُ: أَوْ سَرَقَ مَا قِيمَتُهُ] قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا تَقْوِيمَ إلَّا بِالدَّرَاهِمِ سَوَاءٌ سَاوَتْ الثَّلَاثَةُ دَرَاهِمَ الرُّبْعَ دِينَارٍ أَوْ نَقَصَتْ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلِذَا لَوْ سَاوَتْ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ رُبْعَ دِينَارٍ وَلَمْ تُسَاوِ الثَّلَاثَةَ دَرَاهِمَ لَمْ يُقْطَعْ وَهَذَا حَيْثُ وُجِدَتْ الدَّرَاهِمُ فِي بَلَدِ السَّرِقَةِ وَإِنْ لَمْ يُتَعَامَلْ بِهَا، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ بِبَلَدِ السَّرِقَةِ إلَّا الذَّهَبُ فَالتَّقْوِيمُ بِالذَّهَبِ.
وَقَوْلُهُ: يَوْمَ السَّرِقَةِ أَيْ مَا يُسَاوِي الثَّلَاثَةَ دَرَاهِمَ وَقْتَ الْإِخْرَاجِ مِنْ الْحِرْزِ لَا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنْ نَقَصَتْ وَقْتَهُ كَذَبْحِ شَاةٍ بِحِرْزٍ أَوْ خَرْقِ ثَوْبٍ بِحِرْزِهِ فَنَقَصَ عِنْدَ الْإِخْرَاجِ لَمْ يُقْطَعْ كَأَنْ لَمْ يُسَاوِهَا إلَّا بَعْدَ الْإِخْرَاجِ كَطُرُوِّ غُلُوٍّ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَذْهَبِ] رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: يَوْمَ السَّرِقَةِ وَمُقَابِلُهُ يَعْتَبِرُهَا يَوْمَ الْحُكْمِ.
وَإِنَّمَا كَانَ الْمَذْهَبُ مَا قَالَ لِأَنَّهُ وَقْتَ تَعَلُّقِهَا بِالذِّمَّةِ.
[قَوْلُهُ: وَزْنَ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ] فِي التَّحْقِيقِ تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ أَنَّ دِينَارَ السَّرِقَةِ وَالنِّكَاحِ وَالدِّيَةِ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا، وَدِينَارُ الْجِزْيَةِ وَالزَّكَاةِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ.
[قَوْلُهُ: خَالِصَةً] احْتِرَازًا مِنْ الْمَغْشُوشِ بِالنُّحَاسِ فَإِنَّهُ لَا يُقْطَعُ فِي ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنْ ذَلِكَ.
ابْنُ رُشْدٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ نُحَاسًا تَافِهًا لَا قَدْرَ لَهُ.
تَحْقِيقٌ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْخُلُوصُ مِنْ الْغِشِّ وَلَوْ كَانَتْ رَدِيئَةَ الْمَعْدِنِ كَمَا قَالَهُ اللَّقَانِيُّ، وَإِنَّمَا تَرَكَ الْمُؤَلِّفُ قَيْدَ الْخُلُوصِ فِي الرُّبْعِ دِينَارٍ نَظَرًا لِلْغَالِبِ إذْ الْغَالِبُ خُلُوصُهُ مِنْ الْغِشِّ وَلَا بُدَّ مِنْ الْخُلُوصِ فِيهِ أَيْضًا.
[قَوْلُهُ: فِي مِجَنٍّ] الْمِجَنُّ هُوَ التُّرْسُ لِأَنَّهُ يُوَارِي حَامِلَهُ أَيْ يَسْتُرُهُ، وَالْمِيمُ زَائِدَةٌ وَيُجْمَعُ عَلَى مَجَانَّ، وَإِنَّمَا كَانَتْ زَائِدَةً لِأَنَّهُ مِنْ الْجُنَّةِ وَالسُّتْرَةِ ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا بَالِغًا] فَلَا قَطْعَ عَلَى غَيْرِ بَالِغٍ وَلَا عَلَى مَجْنُونٍ مُطْبِقٍ، وَكَذَا إنْ كَانَ يُفِيقُ أَحْيَانَا وَسَرَقَ فِي حَالِ جُنُونِهِ وَإِلَّا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ إذَا أَفَاقَ كَمَا أَنَّ السَّكْرَانَ بِحَرَامٍ يُقْطَعُ بَعْدَ صَحْوِهِ سَرَقَ حَالَ سُكْرِهِ أَوْ قَبْلَهُ، فَإِنْ قُطِعَ قَبْلَ صَحْوِهِ اُكْتُفِيَ بِهِ وَكَذَا الْمَجْنُونُ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ حَرَامٍ فَكَالْمَجْنُونِ الَّذِي سَرَقَ حَالَ جُنُونِهِ، وَاسْتَظْهَرَ حَمْلَهُ عَلَى أَنَّهُ بِحَرَامٍ حَيْثُ شَكَّ لِأَنَّهُ الْأَغْلَبُ إلَّا أَنْ تَكُونَ حَالَتُهُ ظَاهِرَةً فِي خِلَافِ ذَلِكَ، وَانْظُرْ إذَا شَكَّ فِي سَرِقَةِ الْمَجْنُونِ الَّذِي يُفِيقُ أَحْيَانَا هَلْ هِيَ فِي حَالِ جُنُونِهِ أَوْ إفَاقَتِهِ.
وَالظَّاهِرُ حَمْلُهُ عَلَى الْأَوَّلِ لِحَدِيثِ: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» . وَلَا بُدَّ أَنْ يُزَادَ مُخْتَارًا لِيَخْرُجَ الْمُكْرَهُ وَيَكُونَ الْإِكْرَاهُ بِخَوْفِ الْقَتْلِ، وَاسْتُظْهِرَ أَنَّ مَالَ الذِّمِّيِّ كَمَالِ الْمُسْلِمِ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا الْإِكْرَاهُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالسَّرِقَةِ فَيَكُونُ بِالْقَتْلِ وَبِغَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: غَيْرَ مِلْكٍ لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ] أَيْ لَا يَكُونُ السَّارِقُ عَبْدًا لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ عَبْدًا لَهُ فَلَا يُقْطَعُ ذَلِكَ الْعَبْدُ.
[قَوْلُهُ: لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ وِلَادَةٌ] احْتِرَازًا مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ إذَا سَرَقَا أَيْ مِنْ مَالِ وَلَدِهِمَا فَإِنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَيْهِمَا، وَمِثْلُهُمَا الْجَدُّ وَلَوْ لِأُمٍّ وَلَوْ كَانَ فَرْعُهُ عَبْدًا لِأَنَّهُ يَمْلِكُ مَا بِيَدِهِ حَتَّى يَنْتَزِعَهُ السَّيِّدُ «لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» . أَمَّا الِابْنُ إذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ أَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ لِضَعْفِ الشُّبْهَةِ.
[قَوْلُهُ: غَيْرَ مُضْطَرٍّ لِلسَّرِقَةِ] احْتِرَازًا عَمَّنْ سَرَقَ لِجُوعٍ أَصَابَهُ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ] احْتِرَازًا عَمَّا إذَا سَرَقَ حِمَارًا مَثَلًا أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ فَإِنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ أَيْ انْتِفَاعًا شَرْعِيًّا فَلَا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ طَيْرًا يُسَاوِي ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ لِأَجْلِ إجَابَتِهِ مِثْلُ الْبَلَابِلِ وَالْعَصَافِيرِ لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ غَيْرُ شَرْعِيَّةٍ، نَعَمْ إنْ كَانَ لَحْمُهُ يُسَاوِي بَعْدَ ذَبْحِهِ نِصَابًا فَإِنَّهُ يُقْطَعُ لِذَلِكَ.
وَأَمَّا الْحَمَامُ
نِصَابًا مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ مِلْكًا تَامًّا مُحْتَرَمًا أَخْرَجَهُ مِنْ حِرْزِهِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (إذَا سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ) وَهُوَ مَا لَا يُعَدُّ الْوَاضِعُ فِيهِ مُضَيِّعًا عُرْفًا احْتِرَازًا مِنْ السَّرِقَةِ مِنْ غَيْرِ الْحِرْزِ أَوْ فِي الْحِرْزِ، وَنَقَلَهُ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان اسْتِسْرَارًا احْتِرَازًا عَمَّنْ أَخَذَ اخْتِلَاسًا أَوْ مُكَابَرَةً فَلَا يُقْطَعُ فِي هَذِهِ الْمُحْتَرِزَاتِ كُلِّهَا، وَقَدْ أَشَارَ إلَى مُحْتَرَزِ الشَّرْطِ الْأَخِيرِ مِنْهَا
[حاشية العدوي]
يَقْصِدُ لِيَأْتِيَ بِالْأَخْبَارِ لَا اللَّعِبِ فَهِيَ مَنْفَعَةٌ شَرْعِيَّةٌ فَيَقُومُ عَلَى مَا عُلِمَ مِنْهُ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي يَبْلُغُهُ وَتَبْلُغُ الْمُكَاتَبَةُ إلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: نِصَابًا] أَيْ بِشَرْطِ أَنْ يَقْصِدَ أَخْذَ جَمِيعِ النِّصَابِ وَلَوْ عَلَى مَرَّاتٍ، فَمَنْ قَصَدَ ابْتِدَاءً أَنْ يُخْرِجَ النِّصَابَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَخْرَجَهُ عَلَى مَرَّاتٍ فَيُقْطَعُ، فَلَوْ أَخْرَجَ نِصَابًا عَلَى مَرَّاتٍ فِي لَيْلَةٍ أَوْ لَيَالٍ وَلَمْ يَقْصِدْ ابْتِدَاءً سَرِقَتَهُ كُلِّهِ فَإِنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ وَيُعْلَمُ قَصْدُهُ كُلُّهُ بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِقَرِينَةٍ كَإِخْرَاجِهِ دُونَ نِصَابٍ مِمَّا وَجَدَهُ مُجْتَمَعًا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ مِنْ قَمْحٍ أَوْ مَتَاعٍ ثُمَّ يَرْجِعُ مَرَّةً أَوْ أَكْثَرَ فَيُخْرِجُ تَمَامَ النِّصَابِ فَيُحْمَلُ فِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ إخْرَاجَ مَا أَخْرَجَهُ فِي مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ قَصْدًا وَاحِدًا، وَسَوَاءٌ كَانَ حِينَ أَخْرَجَ مَا أَخْرَجَهُ أَوَّلًا لَا يَقْدِرُ إلَّا عَلَى إخْرَاجِ مَا أَخْرَجَهُ فَقَطْ أَوْ يَقْدِرُ عَلَى إخْرَاجِ نِصَابٍ كَامِلٍ.
[قَوْلُهُ: مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ] أَيْ وَأَمَّا لَوْ سَرَقَ مِلْكَهُ الْمَرْهُونَ أَوْ الْمُسْتَأْجَرَ فَلَا قَطْعَ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ، وَالْفَرْضُ أَنَّ مَعَهُ بَيِّنَةٌ بِالرَّهِينَةِ وَالِاسْتِئْجَارِ وَإِلَّا قُطِعَ كَمَا أَنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَى السَّارِقِ وَإِذَا مَلَكَ الشَّيْءَ الْمَسْرُوقَ قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنْ الْحِرْزِ بِأَنْ وَرِثَهُ مَثَلًا لَا إنْ مَلَكَهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ الْحِرْزِ فَيُقْطَعُ.
وَيَشْمَلُ قَوْلُهُ: مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ السَّارِقَ مِنْ سَارِقٍ فَيَقْطَعَانِ مِنْهُ، وَكَذَا لَوْ سَرَقَهُ ثَالِثٌ وَهَكَذَا وَيَشْمَلُ السَّرِقَةَ مِنْ الْمَسْجِدِ أَوْ بَابِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ لِلْوَاقِفِ.
[قَوْلُهُ: مِلْكًا تَامًّا] وَأَمَّا لَوْ كَانَ مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ مِلْكًا غَيْرَ تَامٍّ كَالشَّرِيكِ إذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ فَلَا قَطْعَ حِينَئِذٍ عَلَى مَا نُفَصِّلُهُ، وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَنْ سَرَقَ مِنْ مَالِ شَرِكَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ يُقْطَعُ بِوُجُودِ شَرْطَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَحْجُبَ السَّارِقَ عَنْ مَالِ الشَّرِكَةِ أَيْ لَيْسَ لَهُ فِيهِ تَصَرُّفٌ.
الثَّانِي: أَنْ يَسْرِقَ فَوْقَ حَقِّهِ نِصَابًا مِنْ جَمِيعِ مَالِ الشَّرِكَةِ مَا سَرَقَ وَمَا لَمْ يَسْرِقْ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا كَمَا إذَا كَانَ جُمْلَةُ الْمَالِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا وَسَرَقَ مِنْهُ تِسْعَةَ دَرَاهِمَ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ مُقَوَّمًا كَشَرِكَةٍ فِي عُرُوضٍ مُخْتَلِفَةِ الْقِيمَةِ كَكُتُبٍ مُخْتَلِفَةٍ جُمْلَتُهَا تُسَاوِي اثْنَيْ عَشَرَ فَسَرَقَ كِتَابًا مُعَيَّنًا يُسَاوِي سِتَّةً فَيُقْطَعُ لِأَنَّ حَقَّهُ فِيهِ ثَلَاثَةٌ فَقَطْ فَقَدْ سَرَقَ فَوْقَ حَقِّهِ مِنْهُ نِصَابًا، فَإِنْ سَرَقَ دُونَهُ لَمْ يُقْطَعْ وَفَرَّقَ بَيْنَ الْمُقَوَّمِ وَالْمِثْلِيِّ أَنَّ الْمُقَوَّمَ لَمَّا كَانَ لَيْسَ لَهُ أَخْذُ حَظِّهِ مِنْهُ إلَّا بِرِضَا صَاحِبِهِ لِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ فِي الْمُقَوَّمِ كَانَ مَا سَرَقَهُ بَعْضُهُ حَظُّهُ وَبَعْضُهُ حَظُّ صَاحِبِهِ، وَمَا بَقِيَ كَذَلِكَ.
وَأَمَّا الْمِثْلِيُّ فَلَمَّا كَانَ لَهُ أَخَذُ حَظِّهِ مِنْهُ وَإِنْ أَبَى صَاحِبُهُ فَقَدَّمَ اخْتِلَافَ الْأَغْرَاضِ فِيهِ، غَالِبًا فَلَمْ يَتَعَيَّنْ أَنْ يَكُونَ مَا أَخَذَهُ مِنْهُ مِمَّا هُوَ قَدْرُ حَظِّهِ أَوْ أَكْثَرُ بِدُونِ نِصَابٍ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمْ، وَمَا بَقِيَ كَذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: مُحْتَرَمًا إلَخْ] أَيْ بِأَنْ يَجُوزَ بَيْعُهُ لَا إنْ سَرَقَ خَمْرًا أَوْ طُنْبُورًا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُقْطَعُ وَلَوْ لِذِمِّيٍّ سَرَقَهَا مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ إلَّا أَنَّ الْخَمْرَ يَقْضِي عَلَيْهَا بِقِيمَتِهَا إنْ كَانَتْ لِذِمِّيٍّ لَا لِمُسْلِمٍ حَيْثُ أَتْلَفَهَا السَّارِقُ وَإِلَّا رُدَّتْ بِعَيْنِهَا لَهُ لَا إنْ كَانَتْ لِمُسْلِمٍ لِوُجُوبِ إرَاقَتِهَا إلَّا أَنْ يُسَاوِيَ خَشَبُ الطُّنْبُورِ بَعْدَ كَسْرِهِ بِالْفِعْلِ فَلَا يُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ بِتَقْدِيرِ كَسْرِهِ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ ثُمَّ إنَّ وِعَاءَ الْخَمْرِ إذَا كَانَتْ تُسَاوَيْ نِصَابًا بَعْدَ تَفْرِيغِهِ هَلْ يُقْطَعُ؟ قُلْت: هُوَ الظَّاهِرُ وَكَذَا لَا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ كَلْبًا أُذِنَ فِي اتِّخَاذِهِ أَمْ لَا مُعَلَّمًا أَمْ لَا، وَلَوْ سَاوَى لِتَعْلِيمِهِ نِصَابًا لِأَنَّهُ لَا يُبَاعُ.
[قَوْلُهُ: إذَا سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ] أَيْ بِأَنْ أَخْرَجَ مِنْ الْحِرْزِ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ هُوَ وَسَوَاءٌ بَقِيَ النِّصَابُ خَارِجَ الْحِرْزِ أَوْ تَلِفَ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا لَا يُعَدُّ الْوَاضِعُ فِيهِ مُضَيِّعًا] أَيْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ضَابِطٌ شَرْعِيٌّ، وَحِرْزُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ فَالْحِرْزُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَمْوَالِ، فَرُبَّ مَكَان يَكُونُ حِرْزًا بِالنِّسْبَةِ إلَى شَخْصٍ وَغَيْرَ حِرْزٍ بِالنِّسْبَةِ لِآخَرَ، أَوْ يَكُونُ حِرْزًا بِالنِّسْبَةِ لِمَتَاعٍ وَلَا يَكُونُ حِرْزًا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَتَاعٍ آخَرَ.
[قَوْلُهُ: أَوْ مُكَابَرَةً] الْمُكَابِرُ هُوَ الَّذِي يَأْخُذُ الْمَالَ مِنْ يَدِ صَاحِبِهِ عَلَى وَجْهِ الْقَهْرِ مِنْ غَيْرِ مُحَارَبَةٍ وَهُوَ الْغَاصِبُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ كَابَرَ بَعْدَ ثُبُوتِ أَخْذِ مِلْكِ الْغَيْرِ لِأَنَّ هَذَا يَلْزَمُهُ
بِقَوْلِهِ: (وَلَا قَطْعَ فِي الْخُلْسَةِ) بِضَمِّ الْخَاءِ وَهِيَ أَخْذُ الْمَالِ ظَاهِرًا غَفْلَةً.
.
وَقَوْلُهُ: (وَيُقْطَعُ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي السَّرِقَةِ أَيْ سَرِقَةِ مَا ذُكِرَ (يَدُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ) تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِهِ: وَمَنْ سَرَقَ فَإِنَّ " مَنْ " عَامٌّ وَالْقَطْعُ الْمَذْكُورُ يَكُونُ أَوَّلًا فِي يَدِهِ الْيُمْنَى (ثُمَّ إنْ سَرَقَ) ثَانِيًا بَعْدَ أَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى (قُطِعَتْ رِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ) وَذَلِكَ بِأَنْ تَكُونَ الْيُسْرَى (ثُمَّ إنْ سَرَقَ) ثَالِثًا (فَ) تُقْطَعُ (يَدُهُ) الْيُسْرَى (ثُمَّ إنْ سَرَقَ) رَابِعًا (فَ) تُقْطَعُ (رِجْلُهُ) الْيُمْنَى، وَهَذَا التَّرْتِيبُ إذَا كَانَتْ الْيُمْنَى مَوْجُودَةً سَلِيمَةً وَلَمْ يَكُنْ أَعْسَرَ، فَإِنْ كَانَ أَعْسَرَ تُقْطَعُ الشِّمَالُ دُونَ الْيُمْنَى، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ يُمْنَى أَوْ كَانَتْ شَلَّاءَ أَوْ نَاقِصَةً أَكْثَرَ الْأَصَابِعِ فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ إلَى قَطْعِ الرِّجْلِ الْيُسْرَى، وَمَوْضِعُ الْقَطْعِ فِي الْيَدَيْنِ مِنْ الْكُوعِ، وَفِي الرِّجْلَيْنِ مِنْ مِفْصَلِ الْكَعْبَيْنِ (ثُمَّ إنْ سَرَقَ) فِي الْخَامِسَةِ (جُلِدَ وَسُجِنَ) . .
ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا يَثْبُتُ بِهِ الْقَطْعُ فَقَالَ: (وَمَنْ أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ قُطِعَ) مَا لَمْ يَكُنْ مُكْرَهًا وَيَكْفِي فِي الْإِقْرَارِ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ (وَإِنْ رَجَعَ) عَنْ إقْرَارِهِ بِالسَّرِقَةِ لِشُبْهَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (أُقِيلَ) مِنْ الْقَطْعِ (وَغَرِمَ السَّرِقَةَ) أَيْ قِيمَتَهَا (إنْ كَانَتْ) الْقِيمَةُ (مَعَهُ وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعَهُ الْقِيمَةُ (اُتُّبِعَ بِهَا) وَلَمَّا قَيَّدَ الْقَطْعَ بِالسَّرِقَةِ مِنْ الْحِرْزِ نَبَّهَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ.
فَقَالَ: (وَمَنْ أَخَذَ فِي الْحِرْزِ لَمْ يُقْطَعْ حَتَّى يُخْرِجَ السَّرِقَةَ) الَّتِي بَلَغَتْ نِصَابًا (مِنْ الْحِرْزِ) سَوَاءٌ كَانَ الْإِخْرَاجُ بِنَفْسِهِ أَوْ رَمَاهُ إلَى خَارِجٍ أَوْ أَخْرَجَهُ عَلَى ظَهْرِ دَابَّتِهِ أَوْ كَانُوا جَمَاعَةً فَرَفَعُوهُ عَلَى رَأْسِ أَحَدِهِمْ أَوْ ظَهْرِهِ فَخَرَجَ بِهِ وَبَقُوا هُمْ فِي الْحِرْزِ وَأَخْرَجُوا مَعَهُ فَفِي كُلِّ ذَلِكَ الْقَطْعُ أَمَّا إذَا لَمْ يُخْرِجْهَا مِنْ الْحِرْزِ أَوْ أَتْلَفَهَا فِيهِ ثُمَّ
[حاشية العدوي]
الْقَطْعُ وَلَا عِبْرَةَ بِمُكَابَرَتِهِ.
[قَوْلُهُ: ظَاهِرًا] أَيْ أَخْذًا ظَاهِرًا لَا خُفْيَةً.
[قَوْلُهُ: الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ] أَيْ الْمُكَلَّفُونَ، وَيُقْطَعُ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ وَالْمُعَاهَدُ وَإِنْ لِمِثْلِهِمْ.
[قَوْلُهُ: وَلَمْ يَكُنْ أَعْسَرَ] تَبِعَ اللَّخْمِيَّ وَظَاهِرَ خَلِيلٍ وَالْجَلَّابَ وَابْنَ الْحَاجِبِ وَالْإِرْشَادَ وَغَيْرَهُمْ وَلَوْ أَعْسَرَ، وَأَمَّا الْأَضْبَطُ فَتُقْطَعُ يُمْنَاهُ اتِّفَاقًا.
[قَوْلُهُ: أَوْ كَانَتْ شَلَّاءَ] أَيْ فَاسِدَةً.
وَقَوْلُهُ: أَوْ نَاقِصَةً أَكْثَرَ الْأَصَابِعِ ثَلَاثَةً لِلْيُمْنَى قَبْلَ الْحُكْمِ بِقَطْعِهَا لَا أُصْبُعَيْنِ وَأُنْمُلَتَيْنِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ إلَى قَطْعِ الرِّجْلِ الْيُسْرَى] فَإِنْ سَرَقَ مَرَّةً ثَانِيَةً قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى ثُمَّ رِجْلُهُ الْيُمْنَى.
[قَوْلُهُ: وَمَوْضِعُ الْقَطْعِ فِي الْيَدَيْنِ مِنْ الْكُوعِ] وَإِذَا قُطِعَ فَإِنَّهُ يُحْسَمُ بِالنَّارِ أَيْ يُكْوَى مَوْضِعُ الْقَطْعِ لِيَنْقَطِعَ جَرَيَانُ الدَّمِ بِحَرْقِ أَفْوَاهِ الْعُرُوقِ لِأَنَّ دَوَامَ جَرْيِهِ يُؤَدِّي إلَى مَوْتِ الْمَقْطُوعِ فَيُغْلَى الزَّيْتُ عَلَى النَّارِ ثُمَّ تُجْعَلُ الْيَدُ فِيهِ، وَالْحَسْمُ مِنْ حَقِّ الْمَقْطُوعِ لَا مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ.
وَاسْتَظْهَرَ الْحَطَّابُ أَنَّ حُكْمَ الْحَسْمِ الْوُجُوبُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْحَاكِمِ وَالْمَقْطُوعَةِ يَدُهُ.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ إنْ سَرَقَ فِي الْخَامِسَةِ] أَيْ سَالِمُ الْأَعْضَاءِ أَوْ النَّاقِصُ الْيُمْنَى مَرَّةً رَابِعَةً [قَوْلُهُ: جُلِدَ وَسُجِنَ] وَلَعَلَّ الْحَبْسَ لِظُهُورِ تَوْبَتِهِ أَوْ مَوْتِهِ وَنَفَقَتُهُ وَأُجْرَةُ حَبْسِهِ مِنْ مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ مَالٌ فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَإِلَّا فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ.
[قَوْلُهُ مَا لَمْ يَكُنْ مُكْرَهًا] أَيْ وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ عَيَّنَ السَّرِقَةَ أَوْ أَخْرَجَ الْقَتِيلَ اُنْظُرْ شُرَّاحَ خَلِيلٍ.
[قَوْلُهُ: لِشُبْهَةٍ أَوْ غَيْرِهَا] مِثَالُ الشُّبْهَةِ أَنْ يَقُولَ: أَخَذْت مَالِي الْمُودَعَ وَظَنَنْت ذَلِكَ سَرِقَةً، وَمِثَالُ غَيْرِ الشُّبْهَةِ أَنْ يَقُولَ مَثَلًا أَنَا كَذَبْت فِي إقْرَارِي.
[قَوْلُهُ: أُقِيلَ] أَيْ تُرِكَ.
[قَوْلُهُ: أَيْ قِيمَتُهَا إلَخْ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَإِنَّمَا قَدَّرْنَا الْقِيمَةَ لِأَنَّ الْغُرْمَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْفَائِتِ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ قَائِمَةً فَإِنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُ وَإِنَّمَا لَزِمَهُ الْغُرْمُ دُونَ الْقَطْعِ لِأَنَّ الْقَطْعَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَالْغُرْمُ حَقُّ الْآدَمِيِّ فَلَا يَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ لِرَجُلٍ ثُمَّ رَجَعَ إلَى شُبْهَةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ الْغُرْمِ انْتَهَى.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ السَّرِقَةَ إذَا كَانَتْ بَاقِيَةً فَإِنَّهَا تُؤْخَذُ وَلَيْسَ لِلسَّارِقِ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِهِ قَهْرًا عَلَى رَبِّهِ وَيَدْفَعُ لَهُ الْقِيمَةَ وَلَا فَرْقَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَدْ قُطِعَ أَوْ لَا.
[قَوْلُهُ: حَتَّى يُخْرِجَ السَّرِقَةَ] وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ هُوَ أَوْ ابْتَلَعَ دُرًّا.
[قَوْلُهُ: فَفِي كُلِّ ذَلِكَ الْقَطْعُ] أَيْ يُقْطَعُونَ جَمِيعًا إذَا كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَفْعِهِ إلَّا بِرَفْعِهِمْ، وَإِذَا كَانَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ فَلَا يُقْطَعُ إلَّا هُوَ وَحْدَهُ.
وَأَمَّا إذَا اشْتَرَكَا فِي حَمْلِ نِصَابٍ فَأَخْرَجَاهُ فَإِنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَكِنْ بِشَرْطَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ كُلُّ
أَخْرَجَهَا فَلَا قَطْعَ (وَكَذَلِكَ الْكَفَنُ) لَا يُقْطَعُ سَارِقُهُ حَتَّى يُخْرِجَهُ (مِنْ الْقَبْرِ) إذَا سَاوَى رُبْعَ دِينَارٍ.
(وَمَنْ سَرَقَ مِنْ بَيْتٍ أُذِنَ لَهُ فِي دُخُولِهِ لَمْ يُقْطَعْ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَارِقٍ وَإِنَّمَا هُوَ خَائِنٌ وَالْخَائِنُ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَيْسَ عَلَى مُنْتَهِبٍ وَلَا خَائِنٍ وَلَا مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ» . .
فَرْعٌ: لَوْ سَرَقَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مِنْ مَالِ الْآخَرِ مِنْ مَوْضِعٍ حُجِرَ عَلَيْهِ قُطِعَ، أَمَّا إنْ كَانَ مِنْ مَوْضِعٍ لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ لَمْ يُقْطَعْ وَقَوْلُهُ: (وَلَا يُقْطَعُ الْمُخْتَلِسُ) تَكْرَارٌ وَهُوَ سَاقِطٌ فِي بَعْضِ النُّسَخِ.
(وَإِقْرَارُ الْعَبْدِ فِيمَا يَلْزَمُهُ فِي بَدَنِهِ مِنْ حَدٍّ أَوْ قَطْعٍ يَلْزَمُهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ أَنْ يُوقِعَ عَلَى نَفْسِهِ هَذَا (وَ) أَمَّا إقْرَارُهُ فِي (مَا كَانَ فِي رَقَبَتِهِ) أَيْ فِيمَا يَجِبُ أَخْذُهُ فِيهِ (فَلَا إقْرَارَ لَهُ) ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ بِحُبِّ انْتِقَالِهِ لِمَنْ أَقَرَّ لَهُ
(وَلَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ) بِمُثَلَّثَةٍ (مُعَلَّقٍ) عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ
[حاشية العدوي]
وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَقِلُّ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ الْحِرْزِ دُونَ صَاحِبِهِ.
الثَّانِي: أَنْ لَا يَنُوبَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصَابٌ فَإِذَا لَمْ يَسْتَقِلَّ أَحَدُهُمَا بِإِخْرَاجِهِ مِنْ الْحِرْزِ فَعَلَيْهِمَا الْقَطْعُ وَلَوْ لَمْ يَنُبْ كُلَّ وَاحِدٍ نِصَابٌ أَوْ نَابَ كُلَّ وَاحِدٍ نِصَابٌ وَلَوْ اسْتَقَلَّ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ الْحِرْزِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ نَابَ كُلًّا نِصَابٌ فَالْقَطْعُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ وَإِلَّا فَإِنْ اسْتَقَلَّ كُلُّ وَاحِدٍ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ الْحِرْزِ فَلَا قَطْعَ وَإِلَّا فَالْقَطْعُ عَلَيْهِمَا، وَلَوْ خَرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَامِلًا لِشَيْءٍ دُونَ الْآخَرِ وَهُمْ شُرَكَاءُ فِيمَا أَخْرَجُوهُ لَمْ يُقْطَعْ مِنْهُمْ إلَّا مَنْ أَخْرَجَ مَا فِيهِ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ.
[قَوْلُهُ: حَتَّى يُخْرِجَهُ] فَإِنْ أَخْرَجَهُ قُطِعَ لِأَنَّهُ حِرْزٌ لِمَا هُوَ فِيهِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْقَبْرُ قَرِيبًا مِنْ الْعُمْرَانِ أَمْ لَا وَإِنَّمَا قُطِعَ لِأَنَّ النَّبَّاشَ سَارِقٌ وَكُلُّ سَارِقٍ تُقْطَعُ يَدُهُ، وَكَذَا تُقْطَعُ يَدُ مَنْ سَرَقَ كَفَنَ الْمَيِّتِ الْمَرْمِيِّ فِي الْبَحْرِ لِأَنَّ الْبَحْرَ حِينَئِذٍ صَارَ حِرْزًا لَهُ، وَسَوَاءٌ رُمِيَ بِالْبَحْرِ مَثَلًا أَمْ لَا وَلَا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مَا عَلَى الْغَرِيقِ مِنْ الْحَوَائِجِ، وَشَرْطُ الْكَفَنِ أَنْ يَكُونَ مُعْتَادًا وَلَوْ مَنْدُوبًا، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ لَا قَطْعَ وَمِثْلُ سَرِقَةِ الْكَفَنِ سَرِقَةُ نَفْسِ اللَّحْدِ لَا مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِهِ مِنْ رُخَامٍ وَنَحْوِهِ
[قَوْلُهُ: مِنْ بَيْتٍ] لَا خُصُوصِيَّةَ لِقَوْلِهِ: بَيْتٍ فَلَوْ أَذِنَ تَاجِرٌ لِمَنْ يَدْخُلُ حَانُوتَهُ يُقَلِّبُ مِنْهُ شَيْئًا يَشْتَرِيهِ فَاخْتَلَسَ مِنْهُ شَيْئًا فَلَا قَطْعَ.
[قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا هُوَ خَائِنٌ] حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ مَوْضِعٍ مَأْذُونٍ لَهُ فِي دُخُولِهِ كَالشَّخْصِ يُضَيِّفُ الضَّيْفَ فَيُدْخِلُهُ دَارِهِ أَوْ يَبْعَثُ الشَّخْصَ إلَى دَارِهِ لِيَأْتِيَهُ مِنْ بَعْضِ بُيُوتِهَا بِشَيْءٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيَسْرِقُ مِنْ مَوْضِعٍ مُغْلَقٍ قَدْ حُجِرَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ جَمِيعِ الدَّارِ لِأَنَّهُ خَائِنٌ لَا سَارِقٌ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الشُّرَكَاءِ بِأَنَّ الدَّاخِلَ فِيهَا لَيْسَ بِإِذْنِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ بَلْ لِمَا لَهُ مِنْ الشَّرِكَةِ بِخِلَافِ الضَّيْفِ.
[قَوْلُهُ: لَيْسَ عَلَى مُنْتَهِبٍ] قَالَ النَّوَوِيُّ فِي التَّحْرِيرِ: الْمُنْتَهِبُ مَنْ أَخَذَ الْمَالَ عِيَانًا مُتَعَمِّدًا قُوَّةً وَغَلَبَةً وَالْمُخْتَلِسُ مَنْ يَخْطَفُ الْمَالَ مِنْ غَيْرِ غَلَبَةٍ، وَيَتَعَمَّدُ الْهَرَبَ مَعَ مُعَايَنَةِ الْمَالِكِ وَالسَّارِقِ مَنْ يَأْخُذُ خُفْيَةً وَالْخَائِنُ مَنْ يَخُونُ فِي وَدِيعَةٍ وَنَحْوِهَا بِأَخْذِ بَعْضِهَا وَالْجَاحِدُ مَنْ يُنْكِرُهَا
[قَوْلُهُ: لَوْ سَرَقَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مِنْ مَالِ الْآخَرِ مِنْ مَوْضِعٍ حُجِرَ عَلَيْهِ] أَنْ يَدْخُلَهُ أَوْ يَفْتَحُهُ فَلَا يُعْتَبَرُ الْحَجْرُ بِالْكَلَامِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْغَلْقِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الضَّيْفِ أَنَّ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ قَصَدَ الْحَجْرَ عَنْهُ بِالْخُصُوصِ وَمَا قُصِدَ بِالْخُصُوصِ أَشَدُّ مِمَّا قُصِدَ بِالْعُمُومِ بِخِلَافِ الضَّيْفِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْحَجْرَ عَنْهُ بِخُصُوصِهِ، وَحُكْمُ أَمَةِ الزَّوْجَةِ حُكْمُهَا فِي السَّرِقَةِ مِنْ مَالِ الزَّوْجِ، وَحُكْمُ عَبْدِ الزَّوْجِ حُكْمُهُ إذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ الزَّوْجَةِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ حَدٍّ أَوْ قَطْعٍ] أَيْ أَوْ قَتْلٍ أَيْ كَإِقْرَارِهِ بِشُرْبٍ أَوْ قَذْفٍ أَوْ قَطْعٍ أَوْ زِنًا، أَيْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ يُوجِبُ الْعُقُوبَةَ عَلَيْهِ فِي جَسَدِهِ وَإِنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ سَيِّدُهُ كَمَا فِي تت.
وَإِذَا أَقَرَّ الْعَبْدُ بِسَرِقَةِ مَالٍ فِي يَدِهِ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ سَيِّدُهُ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ وَالْمَالُ لِلسَّيِّدِ دُونَ الْمُقِرِّ لَهُ كَذَا فِي تت.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا إقْرَارُهُ فِيمَا كَانَ فِي رَقَبَتِهِ] كَمَا إذَا أَقَرَّ بِقَطْعِهِ يَدَ حُرٍّ وَالْمُكَاتَبُ وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرُ كَالْقِنِّ
[قَوْلُهُ: فِي ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ] أَيْ مِنْ أَصْلِ خِلْقَتِهِ هَذَا فِي الْمُعَلَّقِ فِي الْبُسْتَانِ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ الثَّمَرِ فِي الدُّورِ أَوْ الْبُيُوتِ فَإِنَّ سَارِقَهُ يُقْطَعُ لِأَنَّهُ مِنْ حِرْزٍ.
قُلْنَا: مِنْ أَصْلِ خِلْقَتِهِ احْتِرَازًا عَمَّا لَوْ قُطِعَ وَعُلِّقَ عَلَى الشَّجَرِ فَهَذَا لَا قَطْعَ بِسَرِقَتِهِ وَلَوْ بِعَلَقِ، وَلَوْ قُطِعَ وَوُضِعَ فِي الْمَحَلِّ الْمُعْتَادِ وَضْعُهُ فِيهِ قَبْلَ الْجَرِينِ قِيلَ بِعَدَمِ الْقَطْعِ مُطْلَقًا.
وَقِيلَ بِهِ مُطْلَقًا.
وَقِيلَ: إنْ كُدِّسَ يُقْطَعُ
كَانَ عَلَيْهِ عِلْقٌ وَقِيلَ: عَلَيْهِ الْقَطْعُ وَالْقَوْلَانِ حَكَاهُمَا فِي الْمُخْتَصَرِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ (وَ) كَذَلِكَ (لَا) قَطْعَ (فِي الْجُمَّارِ) وَهُوَ قَلْبُ النَّخْلِ حَالَ كَوْنِهِ (فِي النَّخْلِ وَ) كَذَلِكَ (لَا) قَطْعَ (فِي الْغَنَمِ الرَّاعِيَةِ) فِي حَالِ رَعْيِهَا سَوَاءٌ كَانَ مَعَهَا رَاعٍ أَمْ لَا (حَتَّى تُسْرَقَ مِنْ مُرَاحِهَا) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا مَوْضِعُ مَقِيلِهَا الَّتِي تُسَاقُ إلَيْهِ (وَ) كَذَلِكَ (التَّمْرُ) الْمَقْطُوعُ لَا قَطْعَ فِيهِ حَتَّى يُسْرَقَ (مِنْ الْأَنْدَرِ) وَهُوَ الْجَرِينُ سَوَاءٌ كَانَ قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا.
(وَلَا يُشْفَعُ لِمَنْ بَلَغَ الْإِمَامَ فِي السَّرِقَةِ وَالزِّنَا) وَالْخَمْرِ؛ لِأَنَّهُ إذَا بَلَغَ الْإِمَامَ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ اللَّهِ فَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ الْعَفْوُ عَنْهُ وَلَا طَلَبُهُ مِنْهُ ظَاهِرُ كَلَامِهِ وَإِنْ تَابَ السَّارِقُ وَالزَّانِي وَهُوَ كَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ مَاعِزٍ وَالْغَامِدِيَّةِ (وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي الشَّفَاعَةِ بَعْدَ بُلُوغِ الْإِمَامِ (فِي الْقَذْفِ) فَقَالَ مَالِكٌ مَرَّةً: يَجُوزُ عَفْوُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَذْفَ حَقٌّ لِلْمَقْذُوفِ، وَمَرَّةً قَالَ: لَا يَجُوزُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْمَقْذُوفُ السَّتْرَ عَلَى نَفْسِهِ فَيَجُوزُ اتِّفَاقًا.
(وَمَنْ سَرَقَ مِنْ الْكُمِّ) وَنَحْوِهِ (قُطِعَ) ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ حِرْزٌ لِمَا عَلَيْهِ (وَمَنْ سَرَقَ مِنْ الْهُرْيِ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ.
ك: وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهُوَ بِضَمِّ الْهَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ
[حاشية العدوي]
لِشَبَهِهِ بِمَا فِي الْجَرِينِ وَإِلَّا فَلَا لِشَبَهِهِ بِمَا عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ وَسَرِقَتُهُ بَعْدَ وَضْعِهِ فِي الْجَرِينِ يُقْطَعُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ.
[قَوْلُهُ: وَالْقَوْلَانِ حَكَاهُمَا فِي الْمُخْتَصَرِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ] إلَّا أَنَّ الْقَوْلَ بِعَدَمِ الْقَطْعِ مَنْصُوصٌ وَبِالْقَطْعِ مُخَرَّجٌ.
[قَوْلُهُ: لَا قَطْعَ فِي الْجُمَّارِ] كَأَنَّهُ كَالثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ.
[قَوْلُهُ: سَوَاءٌ كَانَ مَعَهَا رَاعٍ أَمْ لَا] فَهِيَ كَالْمُسْتَثْنَاةِ مِنْ قَوْلِهِمْ أَنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ يُعَدُّ حِرْزًا فَيُقْطَعُ سَارِقُهُ وَلَوْ كَانَ صَاحِبُهُ جَالِسًا بِهِ فِي الصَّحْرَاءِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّهَا فِي حَالِ رَعْيِهَا تَكُونُ مُفَرَّقَةً غَيْرَ مُتَّصِلَةٍ بِرَبِّهَا.
[قَوْلُهُ: مَوْضِعُ مَقِيلِهَا] أَيْ عَقِبَ الرَّوَاحِ مِنْ الْمَرْعَى وَقَبْلَ الذَّهَابِ لِلرَّعْيِ فَيُقْطَعُ السَّارِقُ لَهَا مِنْهُ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهَا رَاعٍ أَمْ لَا، وَمِثْلُ السَّرِقَةِ مِنْ الْمَرَاحِ السَّرِقَةُ مِنْهَا حَالَ سَيْرِهَا لِلْمَرْعَى عَلَى الْمُعْتَمَدِ لِأَنَّهَا تَكُونُ مُجْتَمَعَةً وَلِذَلِكَ يُقْطَعُ السَّارِقُ مِنْ الْإِبِلِ الْمُجْتَمِعَةِ أَوْ الْبَقَرَةِ أَوْ الْجَامُوسِ فِي حَالِ سَيْرِهَا لِلْمَرْعَى بِمُجَرَّدِ إبَانَتِهِ عَنْ بَاقِيهَا وَلَوْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ الْجَرِينُ] الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعَامَّةِ بِالْجُرْنِ سَوَاءٌ كَانَ قَرِيبًا مِنْ الْبَلَدِ أَوْ بَعِيدًا عَنْهَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا جُمِعَ الْحَبُّ أَوْ التَّمْرُ فِي الْجَرِينِ وَغَابَ رَبُّهُ عَنْهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ بَابٌ وَلَا حَائِطٌ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ السَّارِقُ مِنْهُ وَلَوْ كَانَ فِي الصَّحْرَاءِ وَمِنْ غَيْرِ حَارِسٍ.
[قَوْلُهُ: لِمَنْ بَلَغَ الْإِمَامَ] ظَاهِرُهُ جَوَازُ الشَّفَاعَةِ فِيمَا ذَكَرَ قَبْلَ عِلْمِ الْإِمَامِ وَلَوْ كَانَ الْمَشْفُوعُ لَهُ مَعْرُوفًا بِالْفَسَادِ وَهُوَ كَذَلِكَ أَيْ فِي غَيْرِ حَدِّ السَّرِقَةِ، وَأَمَّا هُوَ فَلَا تَجُوزُ الشَّفَاعَةُ فِيهِ لَهُ وَلَوْ قَبْلَ بُلُوغِ الْإِمَامِ.
[قَوْلُهُ: يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ مَاعِزٍ وَالْغَامِدِيَّةِ] أَيْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُحَدُّ وَلَوْ تَابَ اُنْظُرْهُ فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَابَ إلَّا أَنْ يُقَالَ: طَلَبُهَا لِلطَّهَارَةِ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تَابَتْ وَكَذَا مَاعِزٌ.
[قَوْلُهُ: أَيْ فِي الشَّفَاعَةِ بَعْدَ بُلُوغِ الْإِمَامِ] وَأَمَّا قَبْلُ فَيَجُوزُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ مَحَلُّ وِفَاقٍ.
[قَوْلُهُ: وَمَرَّةً قَالَ لَا يَجُوزُ] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
[قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْمَقْذُوفُ السَّتْرَ] وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِسُؤَالِ الْإِمَامِ خُفْيَةً عَنْ حَالِ الْمَقْذُوفِ، فَإِذَا بَلَغَهُ عَنْهُ أَنَّهُ مِمَّنْ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ ظُهُورَ الْأَمْرِ جَازَ عَفْوُهُ وَالظَّاهِرُ الْجَوَازُ إذَا أَرَادَ بِعَفْوِهِ دَفْعَ ضَرَرٍ يَتَوَقَّعُ حُصُولَهُ مِنْ الْقَاذِفِ بَعْدَ حَدِّهِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْقَاذِفُ أَبًا أَوْ أُمًّا وَإِلَّا جَازَ الْعَفْوُ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ سَتْرًا وَهَذَا الْخِلَافُ أَيْضًا فِي الْقَائِمِ لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا الْقَائِمُ لِغَيْرِهِ كَالِابْنِ يَقُومُ بِحَقِّ أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ وَقَدْ مَاتَ الْمَقْذُوفُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ لِأَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ قَدْ مَاتَ قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ.
وَيَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْ الَّذِي وَجَبَ تَعْزِيرُهُ وَالشَّفَاعَةُ فِيهِ وَلَوْ بَعْدَ بُلُوغِ الْإِمَامِ قَالَهُ الْحَطَّابُ.
قَالَ بَعْضٌ عَقِبَهُ: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ التَّعْزِيرُ لِمَحْضِ حَقِّ اللَّهِ
[قَوْلُهُ: وَنَحْوِهِ] كَالْجَيْبِ وَالْعِمَامَةِ وَالْحِزَامِ [قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْإِنْسَانَ حِرْزٌ لِمَا عَلَيْهِ] لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ يُقْطَعُ سَارِقُهُ، وَالْمُرَادُ بِصَاحِبِهِ الْحَافِظُ لَهُ فِيهِ مَالِكًا أَوْ غَيْرَهُ كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا يَتَأَتَّى مِنْهُ الْحِفْظُ وَلَوْ نَائِمًا لَهُ شُعُورٌ، وَلَوْ سَرَقَ الشَّيْءَ وَصَاحِبَهُ لَا يُقْطَعُ كَمَا لَوْ سَرَقَ الدَّابَّةَ مَعَ رَاكِبِهَا.
[قَوْلُهُ: بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ] أَيْ مَعَ كَسْرِ الرَّاءِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ
وَهُوَ بَيْتٌ يَجْعَلُهُ السُّلْطَانُ لِلْمَتَاعِ وَالطَّعَامِ (وَ) مِنْ (بَيْتِ الْمَالِ) وَهُوَ بَيْتٌ يَجْعَلُهُ السُّلْطَانُ لِلْعَيْنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (وَ) مِنْ (الْمَغْنَمِ فَلْيُقْطَعْ) فِي ذَلِكَ كُلِّهِ (وَقِيلَ إنْ سَرَقَ فَوْقَ حَقِّهِ مِنْ الْمَغْنَمِ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ قُطِعَ) وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَحَلُّ هَذَا الْخِلَافِ إذَا كَانَ مِنْ الْغَانِمِينَ.
(وَيُتَّبَعُ السَّارِقُ إذَا قُطِعَ بِقِيمَةِ مَا فَاتَ مِنْ السَّرِقَةِ) أَيْ يُؤْخَذُ مِنْهُ قِيمَتُهَا (فِي) حَالِ (مَلَائِهِ) وَاحْتَرَزَ بِمَا فَاتَ عَمَّا إذَا كَانَ الْمَسْرُوقُ بَاقِيًا فَإِنَّ صَاحِبَهُ يَأْخُذُهُ بَعْدَ الْقَطْعِ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ لَيْسَ عِوَضًا عَنْهُ وَإِنَّمَا هُوَ لِانْتِهَاكِ حُرْمَةِ الْحِرْزِ، وَالْمَسْرُوقُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ (وَلَا يُتَّبَعُ) السَّارِقُ بِمَا فَاتَ (فِي) حَالِ (عُدْمِهِ) ؛ لِأَنَّ إتْلَافَ الْمَالِ لَا يَجِبُ فِيهِ عُقُوبَتَانِ الْقَطْعُ وَالِاتِّبَاعُ مَعَ الْعُدْمِ (وَيُتَّبَعُ) السَّارِقُ (فِي عُدْمِهِ بِمَا) أَيْ بِالشَّيْءِ الَّذِي (لَا يُقْطَعُ فِيهِ مِنْ السَّرِقَةِ) بِأَنْ كَانَ دُونَ النِّصَابِ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ لَا يَلْزَمُهُ فَلَمْ يَبْقَ مَا يَمْنَعُ مِنْ اتِّبَاعِهِ.
[حاشية العدوي]
بِالشُّوَنِ.
[قَوْلُهُ: وَالطَّعَامُ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ عَلَى الْمَتَاعِ.
[قَوْلُهُ: وَمِنْ الْمَغْنَمِ] أَيْ بَعْدَ حَوْزِهِ وَقُطِعَ بِذَلِكَ لِضَعْفِ الشُّبْهَةِ فِيهِ كَانَ الْإِمَامُ مُنْتَظِمًا أَمْ لَا.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ إنْ سَرَقَ] ضَعِيفٌ وَالرَّاجِحُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنَّهُ يُقْطَعُ سَوَاءٌ سَرَقَ مِنْ الْمَغْنَمِ مِمَّا يَخُصُّهُ أَوْ قَدْرَهُ عَلَى الرَّاجِحِ
[قَوْلُهُ: فِي حَالِ مَلَائِهِ] أَيْ الْمُسْتَمِرِّ مِنْ يَوْمِ السَّرِقَةِ إلَى يَوْمِ الْقَطْعِ.
[قَوْلُهُ: بِمَا فَاتَ فِي حَالِ عُدْمِهِ] الْمُرَادُ أَنَّهُ لَوْ أَعْسَرَ جُزْءًا مِنْ الزَّمَنِ الَّذِي بَيْنَ سَرِقَتِهِ وَقَطْعِهِ لَسَقَطَ عَنْهُ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ عَلَيْهِ عُقُوبَتَانِ.
[قَوْلُهُ: بِأَنْ كَانَ دُونَ النِّصَابِ] أَيْ أَوْ لِرُجُوعِهِ عَنْ إقْرَارِهِ.
[بَابٌ فِي الْأَقْضِيَةِ وَالشَّهَادَاتِ]
(بَابٌ فِي الْأَقْضِيَةِ وَالشَّهَادَاتِ)
وَذَكَرَ فِي الْبَابِ أَشْيَاءَ لَمْ يُتَرْجِمْ لَهَا كَالصُّلْحِ وَالْفَلَسِ وَالْقِسْمَةِ، وَنَحْنُ نُبَيِّنُ كُلًّا فِي مَحَلِّهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَمَّا الْأَقْضِيَةُ فَجَمْعُ قَضَاءٍ بِالْمَدِّ وَهُوَ لُغَةً الْحُكْمُ وَاصْطِلَاحًا لَهُ سَبْعُ مَعَانٍ تَرْجِعُ إلَى انْقِضَاءِ الشَّيْءِ وَتَمَامِهِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ [العنكبوت: 53] أَيْ لَفُصِلَ، وَمِنْهُ قَضَى الْقَاضِي فَصَلَ الْحُكُومَةَ وَالْقَضَاءُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَصَالِحِ الْعِبَادِ.
ابْنُ شَاسٍ: وَالْحُكْمُ بِالْعَدْلِ مِنْ أَفْضَلِ أَعْمَالِ الْبِرِّ لَكِنَّ خَطَرَهُ عَظِيمٌ؛ لِأَنَّ الْجَوْرَ فِي الْأَحْكَامِ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ وَأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: 15] وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ وَأَبْغَضَ النَّاسِ إلَى اللَّهِ وَأَبْعَدَ
[حاشية العدوي]
[بَابٌ فِي الْأَقْضِيَةِ وَالشَّهَادَاتِ]
[الأقضية وَأَحْكَامهَا]
ِ [قَالُوا: وَذَكَرَ فِي الْبَابِ إلَخْ] أَيْ وَهُوَ غَيْرُ مَعِيبٍ بَلْ حَسَنٌ.
[قَوْلُهُ: أَمَّا الْأَقْضِيَةُ] بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ فَجَمْعُ قَضَاءٍ بِالْمَدِّ كَقَبَاءٍ وَأَقْبِيَةٍ، وَأَصْلُ قَضَاءٍ قَضَايَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قَضَيْت وَالْهَمْزَةُ تُبْدَلُ مِنْ الْيَاءِ وَالْوَاوِ الْوَاقِعَتَيْنِ بَعْدَ الْأَلِفِ كَسَمَاءٍ وَبِنَاءٍ وَجُمِعَ عَلَى أَقْضِيَةٍ، وَمِثْلُ قَضَاءٍ قَضِيَّةٌ إلَّا أَنَّهَا تُجْمَعُ عَلَى قَضَايَا كَهَدِيَّةٍ وَهَدَايَا، وَمَعْنَى الْقَضَاءِ وَالْقَضِيَّةِ فِي اللُّغَةِ الْحُكْمُ عَلَى مَا تَبَيَّنَ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ لُغَةً الْحُكْمُ] جُمْلَةٌ مُعَرَّفَةُ الطَّرَفَيْنِ فَتُفِيدُ الْحَصْرَ أَيْ حَصْرُ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ عَلَى الْحُكْمِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هَذِهِ السَّبْعَةُ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا مَعَانٍ لُغَوِيَّةٌ لَا اصْطِلَاحِيَّةٌ، بَلْ أَنْهَاهَا بَعْضٌ إلَى ثَمَانِيَةٍ فَقَالَ: وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ لُغَةً بِمَعْنَى الْحُكْمِ وَالْفَرَاغِ وَالْهَلَاكِ وَالْأَدَاءِ وَالْإِنْهَاءِ وَالْمُضِيِّ وَالصُّنْعِ وَالتَّقْدِيرِ اهـ. بَلْ مَعْنَاهُ اصْطِلَاحًا مَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْقَضَاءُ الْإِخْبَارُ عَنْ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ عَلَى سَبِيلِ الْإِلْزَامِ.
[قَوْلُهُ: تَرْجِعُ] مِنْ رُجُوعِ الشَّيْءِ إلَى مُفَسِّرِهِ وَلَوْ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ.
وَقَوْلُهُ: وَتَمَامُهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ.
[قَوْلُهُ: وَمِنْهُ] ظَاهِرُهُ أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ عَلَى الْمَرْجُوعِ إلَيْهِ الَّذِي هُوَ التَّمَامُ.
[قَوْلُهُ: فَصَلَ الْحُكُومَةَ] هَكَذَا فِيمَا بِيَدِي مِنْ نُسَخِ هَذَا الشَّارِحِ، وَالصَّوَابُ الْخُصُومَةُ كَمَا هُوَ الْمَوْجُودُ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: وَالْقَضَاءُ] أَيْ الْحُكْمُ بِالْعَدْلِ، فَالْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ: وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ أَعْمَالِ الْبِرِّ.
[قَوْلُهُ: مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ] أَيْ عِنْدَ تَعَدُّدِ مَنْ يَقُومُ بِهِ.
وَقَوْلُهُ: لِمَا فِيهِ مِنْ مَصَالِحِ أَيْ الْمَصَالِحُ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ الْوُجُوبُ الْعَيْنِيُّ كَمَا إذَا انْفَرَدَ إنْسَانٌ بِشُرُوطِهِ أَوْ خَافَ فِتْنَةً عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ النَّاسِ إنْ لَمْ يَتَوَلَّ أَوْ خَافَ ضَيَاعَ الْحَقِّ عَلَى أَرْبَابِهِ أَوْ عَلَى نَفْسِهِ بِسَبَبِ تَوْلِيَةِ غَيْرِهِ وَلَوْ أَزْيَدَ فِقْهًا فَيَلْزَمُهُ الْقَبُولُ وَالطَّلَبُ لِلْقَضَاءِ، وَإِذَا امْتَنَعَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ الْقَبُولِ أُجْبِرَ، وَإِنْ ضُرِبَ أَوْ سُجِنَ وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْقَبُولُ وَلَا الطَّلَبُ، وَلَوْ عَيَّنَهُ الْإِمَامُ لِلْقَضَاءِ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَهْرُبَ وَلَوْ كَانَ فَرْضَ كِفَايَةٍ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ مُخَالِفٌ لِسَائِرِ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ وَقَدْ تَعْرِضُ لَهُ الْحُرْمَةُ كَكَوْنِهِ جَاهِلًا أَوْ قَاصِدًا بِهِ تَحْصِيلَ الدُّنْيَا مِنْ الْأَخْصَامِ أَوْ جَائِرًا وَالِاسْتِحْبَابُ كَتَوْلِيَتِهِ لِإِشْهَارِ عِلْمِهِ، وَالْإِبَاحَةُ كَقَصْدِ الِارْتِزَاقِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِفَقْرِهِ وَكَثْرَةِ عِيَالِهِ، وَالْكَرَاهَةُ كَتَوْلِيَتِهِ لِقَصْدِ تَحْصِيلِ الْجَاهِ وَتَصْيِيرِهِ عَظِيمًا فِي أَعْيُنِ النَّاسِ
[قَوْلُهُ: لَكِنَّ خَطَرَهُ] أَيْ الْحُكْمُ مِنْ حَيْثُ هُوَ لَا بِقَيْدِهِ.
وَقَوْلُهُ: وَأَكْبَرِ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ أَعْظَمِ تَفْسِيرٌ دَفْعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ الذُّنُوبُ الصَّغَائِرُ أَوْ يُرَادُ بِأَعْظَمِ الذُّنُوبِ الْكَبَائِرُ.
[قَوْلُهُ: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ﴾ [الجن: 15]] أَيْ الْجَائِرُونَ أَيْ وَأَمَّا الْمُقْسِطُ فَمَعْنَاهُ الْعَادِلُ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: 42]
النَّاسِ مِنْ اللَّهِ رَجُلٌ وَلَّاهُ اللَّهُ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ شَيْئًا فَلَمْ يَعْدِلْ فِيهِمْ» . فَالْقَضَاءُ مِحْنَةٌ مَنْ دَخَلَ فِيهِ اُبْتُلِيَ بِعَظِيمٍ وَلِذَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ» وَفِي رِوَايَةٍ: «فَقَدْ ذُبِحَ بِسِكِّينٍ» انْتَهَى.
.
وَلَهُ شُرُوطُ صِحَّةٍ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِهَا وَهِيَ الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالذُّكُورِيَّةُ وَالْبُلُوغُ وَالْعَدَالَةُ وَالْفِطْنَةُ وَالِاجْتِهَادُ فَلَا تَصِحُّ وِلَايَةُ مُقَلِّدٍ مَعَ وُجُودِ مُجْتَهِدٍ، وَبَدَأَ بِحَدِيثٍ صَحِيحٍ فَقَالَ: «وَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» ج: هَذَا مَخْصُوصٌ عِنْدَنَا بِوَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: التَّدْمِيَةُ فَإِنَّهُ لَا يُفْتَقَرُ فِيهَا إلَى بَيِّنَةٍ.
وَالثَّانِي: الْمَغْصُوبَةُ تَحْمِلُ بِبَيِّنَةٍ وَتَدَّعِي الْوَطْءَ لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا، بَعْضُ الشُّيُوخِ الْمُدَّعِي هُوَ الَّذِي يَقُولُ: كَانَ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ، وَجُعِلَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ جَانِبَهُ أَضْعَفُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُثْبِتَ، وَجُعِلَتْ الْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى جَانِبًا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يَدَّعِي الْأَصْلَ إذْ الْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ.
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: «وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» سَوَاءٌ كَانَتْ بَيْنَهُمَا خُلْطَةٌ أَمْ لَا، وَالْمَشْهُورُ
[حاشية العدوي]
، وَفِي خَبَرٍ «إنَّ الْمُقْسِطِينَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . فَالْقَاسِطُ ضِدُّ الْمُقْسِطِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ جَعْلَ الْقَاسِطِينَ حَطَبَ جَهَنَّمَ يُؤْذِنُ بِأَنَّهُ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ظَاهِرًا.
[قَوْلُهُ: «إنَّ أَعْتَى» إلَخْ] قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْعُتُوُّ التَّجَبُّرُ وَالتَّكَبُّرُ، وَقَدْ عَتَا يَعْتُو عُتُوًّا فَهُوَ عَاتٍ.
[قَوْلُهُ: «عَلَى اللَّهِ» ] أَيْ عِنْدَ اللَّهِ أَوْ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ أَوْ أَنَّ الْمُتَجَبِّرَ عَلَيْهِمْ كَالْمُتَجَبِّرِ عَلَى اللَّهِ، وَقَوْلُهُ: وَأَبْغَضَ لَازِمٌ لِمَا قَبْلَهُ وَكَذَا مَا بَعْدَهُ.
وَقَوْلُهُ: مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ وَكَذَا مِنْ غَيْرِهِمْ، وَخَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُمْ الَّذِينَ بِصَدَدِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.
وَقَوْلُهُ: مِحْنَةٌ: ابْتِلَاءٌ وَاخْتِبَارٌ.
وَقَوْلُهُ: بِعَظِيمٍ أَيْ بِابْتِلَاءٍ عَظِيمٍ أَيْ بِاخْتِبَارٍ عَظِيمٍ.
[قَوْلُهُ: «فَقَدْ ذُبِحَ» ] بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَى الْكَلَامِ التَّحْذِيرُ مِنْ طَلَبِ الْقَضَاءِ وَالْحِرْصِ عَلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: مَنْ تَصَدَّى لِلْقَضَاءِ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلذَّبْحِ فَلْيَحْذَرْهُ وَلْيَتَّقِهِ.
وَقَوْلُهُ: بِغَيْرِ سِكِّينٍ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الذَّبْحَ إنَّمَا يَكُونُ فِي غَالِبِ الْعَادَةِ بِالسِّكِّينِ فَعَدَلَ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ سُنَنِ الْعَادَةِ إلَى غَيْرِهَا لِيُعْلَمَ أَنَّ الَّذِي أَرَادَ بِهَذَا الْقَوْلِ إنَّمَا هُوَ مَا يُخَافُ عَلَيْهِ مِنْ هَلَاكِ دِينِهِ دُونَ هَلَاكِ بَدَنِهِ، الْوَجْهُ الْآخَرُ أَنَّ الذَّبْحَ الَّذِي يَقَعُ بِهِ إزْهَاقُ الرُّوحِ إنَّمَا يَكُونُ بِالسِّكِّينِ فَإِنْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ كَانَ ذَبْحُهُ خَنْقًا وَتَعْذِيبًا فَضَرَبَ بِذَلِكَ الْمَثَلَ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الْحَذَرِ مِنْ الْوُقُوعِ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: وَالْعَدَالَةُ] اعْلَمْ أَنَّ عَدَالَةَ الشَّهَادَةِ تَسْتَلْزِمُ مَا ذَكَرَهُ قَبْلُ إذْ هِيَ وَصْفٌ مُرَكَّبٌ مِنْ خَمْسَةِ أَوْصَافٍ: الْإِسْلَامُ وَالْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالْحُرِّيَّةُ وَعَدَمُ الْفِسْقِ.
[قَوْلُهُ: وَالْفِطْنَةُ] أَيْ فَلَا يَصِحُّ تَوْلِيَةُ الْمُغَفَّلِ الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ تَفَطُّنٌ لِحِجَاجِ الْخُصُومِ وَخُدَعِهِمْ، وَالْفَطِنَةُ جُودَةُ الذِّهْنِ بِأَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مَا يَرُدُّ بِهِ الصَّحِيحَ فَاسِدًا وَبِالْعَكْسِ.
[قَوْلُهُ: فَلَا تَصِحُّ وِلَايَةُ مُقَلِّدٍ مَعَ وُجُودِ مُجْتَهِدٍ] أَيْ وَأَمَّا مَعَ فَقْدِهِ فَيَجُوزُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِالْمَشْهُورِ فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقَ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُطْلَقِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْمُقَلِّدِ وَهُوَ قِسْمَانِ مُجْتَهِدُ مَذْهَبٍ وَهُوَ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى إقَامَةِ الْأَدِلَّةِ، وَمُجْتَهِدُ الْفَتْوَى وَهُوَ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى التَّرْجِيحِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ تَوْلِيَةَ الْمُقَلِّدِ مَعَ وُجُودِ الْمُجْتَهِدِ بَاطِلَةٌ قَوْلٌ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ وَعَلَيْهِ طَائِفَةٌ أَيْضًا، كَالْمَازِرِيِّ وَغَيْرِهِ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي زَمَنِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ قَبْلَهُ وَمِمَّنْ بَعْدَهُ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ فَكَانَ يَنْبَغِي الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: «وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» ] مُقَيَّدٌ بِالدَّعْوَى الَّتِي تَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ لَا فِيمَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ كَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالنِّكَاحِ، فَلَا يَمِينَ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الزَّوْجَةِ وَالْعَبْدِ وَالزَّوْجِ.
[قَوْلُهُ: بِوَجْهَيْنِ] يُزَادُ عَلَيْهِمَا مَسْأَلَةُ الْحِيَازَةِ فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تُسْمَعُ مِنْ الْمُدَّعِي، وَلَا تَتَوَجَّهُ الْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ عج.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا يُفْتَقَرُ فِيهَا إلَى بَيِّنَةٍ] بَلْ يَكْفِي اللَّوْثُ، إلَّا أَنَّ فِي عِبَارَتِهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهَا تُوهِمُ أَنَّ نَفْسَ التَّدْمِيَةِ أَيْ قَوْلُهُ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ لَا يَحْتَاجُ لِبَيِّنَةٍ مَعَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَى قَوْلِهِ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ.
[قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ إلَخْ] مُقَابِلُهُ قَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّهُ يَحْلِفُ مُطْلَقًا، وَثُبُوتُ الْخُلْطَةِ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى
إنَّمَا ذَلِكَ بَعْدَ ثُبُوتِ الْخُلْطَةِ إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى فِي الشَّيْءِ الْمُعَيَّنِ وَلِهَذَا نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَمِينَ) أَيْ وَلَا يُقْضَى بِيَمِينٍ (حَتَّى تَثْبُتَ الْخُلْطَةُ أَوْ الظِّنَّةُ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ الْمُشَالَةِ التُّهْمَةَ.
ع: وَتَثْبُتُ الْخُلْطَةُ بِإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ أَوْ عَدْلٍ وَاحِدٍ وَيَحْلِفُ الْمُدَّعِي مَعَهُ وَالظِّنَّةُ إنَّمَا تَكُونُ فِي حَقِّ السَّارِقِ وَالْغَاصِبِ، فَالْخُلْطَةُ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَالظِّنَّةُ لِأَهْلِ الْغُصُوبَاتِ انْتَهَى.
وَفِي الْمُخْتَصَرِ أَنَّ الْخُلْطَةَ تَثْبُتُ بِامْرَأَةٍ ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى مَا قَالَهُ بِقَوْلِهِ: (كَذَلِكَ قَضَى حُكَّامُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) وَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - حُجَّةٌ فَيُخَصَّصُ بِهِ الْحَدِيثُ، وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَحْدُثُ) أَيْ تَظْهَرُ (لِلنَّاسِ أَقَضِيَّةٌ) أَيْ أَحْكَامٌ مُسْتَنْبَطَةٌ بِحَسَبِ الِاجْتِهَادِ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ (بِقَدْرِ مَا أَحْدَثُوا مِنْ الْفُجُورِ) أَيْ الْكَذِبِ وَلَا يُعَارَضُ هَذَا بِقَوْلِهِ: وَتَرْكُ كُلِّ مَا أَحْدَثَهُ الْمُحْدِثُونَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِيمَا لَمْ يَسْتَنِدْ إلَى كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا إجْمَاعٍ، ثُمَّ اسْتَشْعَرَ سُؤَالًا عَلَى قَوْلِهِ: «وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» كَأَنَّ قَائِلًا قَالَ لَهُ: فَإِذَا أَبَى أَنْ يَحْلِفَ هَلْ يَغْرَمُ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) بِأَنْ قَالَ: لَا أَحْلِفُ مَثَلًا (لَمْ يُقْضَ) أَيْ لَمْ يُحْكَمْ (لِلطَّالِبِ) وَهُوَ الْمُدَّعِي بِمُجَرَّدِ نُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (حَتَّى يَحْلِفَ) الطَّالِبُ
[حاشية العدوي]
عَلَيْهِ تَكُونُ بِدَيْنٍ وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ سَلَفٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ تَكَرُّرِ بَيْعٍ بِالنَّقْدِ.
[قَوْلُهُ: إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى فِي الشَّيْءِ الْمُعَيَّنِ] الصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ إلَّا إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى فِي الشَّيْءِ الْمُعَيَّنِ أَيْ فَلَا يُفْتَقَرُ لِخُلْطَةٍ، زَادَ خَلِيلٌ أَشْيَاءَ أُخَرَ مِنْهَا الصَّانِعُ وَالْمُتَّهَمُ وَالضَّعِيفُ وَالْمُسَافِرُ عَلَى رُفْقَتِهِ، وَلَكِنَّ الَّذِي صَارَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ قَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّهَا لَا تُشْتَرَطُ مُطْلَقًا فَإِنَّهُمْ يُوَجِّهُونَ الْيَمِينَ عَلَى الْمُنْكِرِ عِنْدَ عَدَمِ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي وَلَا يَسْأَلُونَهُ عَنْ خُلْطَةٍ وَلَا تُهْمَةٍ.
[قَوْلُهُ: حَتَّى تَثْبُتَ الْخُلْطَةُ أَوْ الظِّنَّةُ] أَيْ إلَّا فِي مَسَائِلَ قَدْ ذَكَرْنَا بَعْضًا مِنْهَا وَهِيَ الصَّانِعُ وَالضَّعِيفُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْعَمَلَ عَلَى خِلَافِ هَذَا وَأَنَّهَا تَتَوَجَّهُ مُطْلَقًا.
[قَوْلُهُ: وَيَحْلِفُ الْمُدَّعِي مَعَهُ] أَيْ عَلَى إثْبَاتِ الْخُلْطَةِ.
[قَوْلُهُ: وَالظِّنَّةُ إنَّمَا تَكُونُ فِي حَقِّ السَّارِقِ وَالْغَاصِبِ] يُدَّعَى عَلَيْهِ بِسَرِقَةٍ أَوْ غَصْبٍ.
[قَوْلُهُ: لِأَهْلِ الْغُصُوبَاتِ] أَيْ وَمَا فِي مَعْنَاهُمْ مِنْ السُّرَّاقِ.
[قَوْلُهُ: وَفِي الْمُخْتَصَرِ أَنَّ الْخُلْطَةَ تَثْبُتُ بِامْرَأَةٍ] هُوَ الرَّاجِحُ وَلَا يَمِينَ مَعَهَا.
[قَوْلُهُ: كَذَلِكَ قَضَى حُكَّامُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ] أَيْ كَعَلِيٍّ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَقَوْلُهُ: وَإِجْمَاعُ: يُفِيدُ أَنَّ قَوْلَهُ قَضَى حُكَّامُ إلَخْ لَا مَفْهُومَ لَهُ، وَأَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ الْمُصَنِّفُ: هَذَا مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ حُكَّامِهَا يَقْضُونَ بِذَلِكَ أَنْ يُجْمِعَ أَهْلُهَا عَلَى ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: فَيُخَصَّصُ بِهِ الْحَدِيثُ] أَيْ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» . أَيْ فَإِنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ أَنَّ الْيَمِينَ مُتَوَجِّهَةٌ مُطْلَقًا فَيُخَصَّصُ بِأَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا خُلْطَةٌ وَحُكَّامُ الْمَدِينَةِ قَضَوْا بِذَلِكَ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْأَقْضِيَةِ الْمُحْدَثَةِ بِقَدْرِ مَا أَحْدَثَ النَّاسُ مِنْ الْفُجُورِ، فَظَهَرَ قَوْلُ الشَّارِحِ وَأُكِّدَ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: وَقَدْ قَالَ عُمَرُ] هُوَ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُقْتَدَى بِهِمْ قَوْلًا وَفِعْلًا.
[قَوْلُهُ: أَقْضِيَةٌ] جَمْعُ قَضَاءٍ.
[قَوْلُهُ: بِقَدْرِ مَا أَحْدَثُوا إلَخْ] يَعْنِي أَنَّ الْمُجْتَهِدَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُجَدِّدَ أَحْكَامًا لَمْ تَكُنْ مَعْهُودَةً فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَثَلًا بِقَدْرِ مَا يُحْدِثُهُ النَّاسُ مِنْ الْأُمُورِ الْخَارِجَةِ عَنْ الشَّرْعِ وَلَكِنْ لَوْ وَقَعَتْ فِي زَمَنٍ مِنْ الْأَزْمِنَةِ لَحَكَمُوا فِيهَا بِذَلِكَ، نَحْوُ الْحَلِفِ عَلَى الْمُصْحَفِ أَوْ مَقَامِ وَلِيٍّ أَوْ التَّحْلِيفِ بِالطَّلَاقِ فِيمَنْ لَمْ يَقِفْ عَلَى الْيَمِينِ بِاَللَّهِ.
[قَوْلُهُ: فِيمَا لَمْ يَسْتَنِدْ] أَيْ وَأَمَّا مَا اسْتَنَدَ لِوَاحِدٍ مِمَّا ذُكِرَ فَلَا يُتْرَكُ، وَأَرَادَ بِالِاسْتِنَادِ الْقِيَاسَ مَثَلًا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا أَمَرَ بِالْحَلِفِ بِاَللَّهِ لِكَوْنِ الْحَالِفِ يَنْزَجِرُ عَنْ الْحَلِفِ بِهِ كَاذِبًا، فَإِذَا فُقِدَ ذَلِكَ فِيهِ وَوُجِدَ فِي غَيْرِهِ مِنْ وَلِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ فَيُعْطَى حُكْمَهُ
(فِيمَا يَدَّعِي فِيهِ مَعْرِفَةً) أَيْ عِلْمًا بِصِفَةِ الشَّيْءِ الْمُدَّعَى فِيهِ وَقَدْرِهِ.
ع: ظَاهِرُ قَوْلِهِ مَعْرِفَةً أَنَّ يَمِينَ التُّهْمَةِ لَا تَنْقَلِبُ إذَا ادَّعَى عَلَى سَارِقٍ وَأَبَى مِنْ الْيَمِينِ فَبِنُكُولِهِ عَنْ الْيَمِينِ يَغْرَمُ عَلَى الْمَشْهُورِ.
ثُمَّ بَيَّنَ صِفَةَ الْيَمِينِ الَّتِي لَا يُجْزِئُ غَيْرُهَا بِقَوْلِهِ: (وَالْيَمِينُ) فِي الْحُقُوقِ كُلِّهَا (بِاَللَّهِ) أَيْ يَقُولُ: وَاَللَّهِ (الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ) وَلَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَنْقُصُ عَنْهُ وَهَذَا عَامٌّ فِي جَمِيعِ النَّاسِ الْمُسْلِمِ وَالْكِتَابِيِّ، وَقِيلَ: لَا يُزَادُ عَلَى الْكِتَابِيِّ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ بَلْ يَقُولُ: وَاَللَّهِ فَقَطْ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ الْآتِي وَمَا تَقَدَّمَ فِي اللِّعَانِ أَنَّهُ يَقُولُ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ فَقَطْ لَا يَزِدْ؛ لِأَنَّا نَمْنَعُ أَنَّهُ يَمِينٌ أَوْ نَمْنَعُ أَنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ حَقٌّ.
.
ثُمَّ شَرَعَ يُبَيِّنُ أَنَّ الْيَمِينَ تُغَلَّظُ بِالْهَيْئَةِ وَالْمَكَانِ، أَمَّا الْهَيْئَةُ فَأَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَيَحْلِفُ قَائِمًا) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْقِيَامَ شَرْطٌ وَهُوَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ، فَلَوْ حَلَفَ جَالِسًا لَمْ يُجْزِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ (وَ) أَمَّا الْمَكَانُ فَإِنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ يَحْلِفُ (عِنْدَ مِنْبَرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَأَكْثَرَ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَرْدَعُ لِلْحَالِفِ وَأَرْجَى أَنْ يَرْجِعَ
[حاشية العدوي]
لِوُجُودِ الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ عِلْمًا] بِأَنْ يَقُولَ: أَتَحَقَّقُ أَنَّ لِي عِنْدَك دِينَارًا أَوْ ثَوْبًا صِفَتُهُ كَذَا وَهِيَ دَعْوَى التَّحْقِيقِ، إلَّا أَنَّ ظَاهِرَ الشَّارِحِ أَنَّ الْعِلْمَ تَعَلَّقَ بِشَأْنِ الْمُدَّعَى فِيهِ فَقَطْ مَعَ أَنَّ مُقَابَلَتَهُ بِيَمِينِ التُّهْمَةِ يَقْتَضِي أَنَّ مُتَعَلَّقَ الْعِلْمِ تَعَلُّقُ الْحَقِّ بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَأَنْ يَقُولَ مِثْلَ مَا قَرَّرْنَا.
تَنْبِيهٌ
يَحْلِفُ عَلَى مَا يَعْرِفُهُ قَطْعًا إنْ كَانَ مِنْ فِعْلِ نَفْسِهِ أَوْ عَلَى عِلْمِهِ إنْ كَانَ مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ فِيهِ إلَى الْقَطْعِ وَالْبَتِّ أَفَادَهُ فِي التَّحْقِيقِ.
وَقَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ مُقَابِلُهُ أَنَّهَا تُرَدُّ.
[قَوْلُهُ: أَنَّ يَمِينَ التُّهْمَةِ لَا تَنْقَلِبُ] كَأَنْ يَتَّهِمَ شَخْصًا بِسَرِقَةِ مَالٍ فَإِنَّهُ لَا يَحْلِفُ الطَّالِبُ بَلْ يَغْرَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ نُكُولِهِ، وَلَا تُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعِي إلَّا فِي دَعْوَى التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: فِي الْحُقُوقِ كُلِّهَا] أَيْ الَّتِي تُطْلَبُ فِي الْحُقُوقِ احْتِرَازًا عَنْ الْيَمِينِ الَّتِي تُكَفَّرُ فَإِنَّهَا أَعَمُّ إذْ تَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ ذِكْرِ اللَّهِ أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ، زَادَ شُرَّاحُ خَلِيلٍ الَّتِي لَا يُوَجِّهُهَا إلَّا حَاكِمٌ أَوْ مُحَكَّمٌ وَإِلَّا فَلَا يَمِينَ عَلَى الْمَطْلُوبِ أَيْ لَيْسَ لِخَصْمِهِ أَنْ يُحَلِّفَهُ.
[قَوْلُهُ: وَاَللَّهِ إلَخْ] إنَّمَا غَيَّرَ الشَّارِحُ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ بِالْوَاوِ لِشُهْرَتِهَا عِنْدَ الْعَوَامّ، وَحِينَئِذٍ فَالْبَاءُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مُتَعَلِّقٌ بِالْخَبَرِ الْمَحْذُوفِ أَيْ كَائِنَةٌ بِاَللَّهِ فَلَا يَدُلُّ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَنَّهَا لِلْقَسَمِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَزِيدُ إلَخْ] وَلِذَلِكَ قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ بِاَللَّهِ فَقَطْ أَوْ قَالَ وَاَلَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ وَهُوَ كَذَلِكَ وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ فَرَاجِعْهُ.
[قَوْلُهُ: وَهَذَا عَامٌّ إلَخْ] أَيْ أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ الْكِتَابِيَّ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا يَقُولُ فِي يَمِينِهِ هَذَا اللَّفْظَ أَيْ يَحْلِفُ فِي كُلِّ حَقٍّ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ فَقَطْ، وَأَمَّا الْمَجُوسِيُّ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ فِي كُلِّ حَقٍّ بِاَللَّهِ فَقَطْ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ: لَا يُزَادُ عَلَى الْكِتَابِيِّ] أَيْ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَهُنَاكَ قَوْلٌ ثَالِثٌ أَنَّ الْيَهُودِيَّ كَالْمُسْلِمِ وَالنَّصْرَانِيِّ يَقُولُ بِاَللَّهِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَانِ الْقَوْلَانِ ضَعِيفَيْنِ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِتَعَدُّدِ الْآلِهَةِ إلَّا الثَّنَوِيَّةُ لَا الْوَثَنِيَّةُ، فَقَدْ قَالَ فِي الْمَقَاصِدِ: أَجْمَعَ أَرْبَابُ النُّقُولِ عَلَى وَحْدَةِ الصَّانِعِ إلَّا الثَّنَوِيَّةَ لَا الْوَثَنِيَّةُ، فَلَيْسَ مَعَنَا مَنْ لَا يَقُولُ بِالتَّوْحِيدِ إلَّا الثَّنَوِيَّةُ فَقَطْ، وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى مِمَّنْ يَقُولُونَ بِالتَّوْحِيدِ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ تَوْحِيدَهُمْ يَتَوَلَّدُ مِنْهُ الْكُفْرُ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَالنَّصَارَى قَالَتْ: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ.
[قَوْلُهُ: وَمَا تَقَدَّمَ] مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ لَا يُرَدُّ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّا نَمْنَعُ أَنَّهُ يَمِينٌ] أَيْ وَكَلَامُنَا فِي الْيَمِينِ.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ شَرَعَ يُبَيِّنُ إلَخْ] اعْلَمْ أَنَّ الْيَمِينَ تَتَوَجَّهُ فِي كُلِّ مَالٍ وَلَوْ قَلِيلًا، وَأَمَّا تَغْلِيظُهَا أَيْ تَشْدِيدُهَا فَإِنَّمَا يَكُونُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَأَكْثَرَ، أَيْ أَوْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ أَوْ عُرُوضٍ تُقَوَّمُ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ.
[قَوْلُهُ: فَلَوْ حَلَفَ جَالِسًا لَمْ يُجْزِهِ] حَاصِلُ مَا فِي الْمَقَامِ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ هَلْ التَّغْلِيظُ وَاجِبٌ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ أَوْ أَوْلَى، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى عَدَمِ التَّغْلِيظِ هَلْ يَحْنَثُ أَوْ لَا، وَإِذَا حَلَفَ مِنْ غَيْرِ تَغْلِيظٍ هَلْ تُعَادُ أَمْ لَا، وَإِذَا امْتَنَعَ مِنْهُ هَلْ يُعَدُّ نَاكِلًا أَوْ لَا، فَعَلَى الْوُجُوبِ يَحْنَثُ وَتُعَادُ وَيُعَدُّ نَاكِلًا وَعَلَى عَدَمِهِ لَا وَهُوَ ضَعِيفٌ.
[قَوْلُهُ: عِنْدَ مِنْبَرِهِ] أَيْ أَوْ عَلَى مِنْبَرِهِ، وَأَفْهَمَ أَنَّهَا لَا تُغَلَّظُ بِمِنْبَرٍ غَيْرِ مِنْبَرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
لِلْحَقِّ (وَ) إنْ كَانَ (فِي غَيْرِ الْمَدِينَةِ) الْمُشَرَّفَةِ (يَحْلِفُ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَأَكْثَرَ (فِي الْجَامِعِ) الَّذِي تُصَلَّى فِيهِ الْجُمُعَةُ (وَ) يَكُونُ ذَلِكَ (بِمَوْضِعٍ يُعَظِّمُ مِنْهُ) بِكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمُشَالَةِ وَهُوَ الْمِحْرَابُ.
ق: فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ هُنَاكَ عُدَّ نُكُولًا مِنْهُ وَيَغْرَمُ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ (وَيَحْلِفُ الْكَافِرُ) كِتَابِيًّا أَوْ مَجُوسِيًّا (بِاَللَّهِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ، وَصَرَّحَ د بِمَشْهُورِيَّتِهِ وَاَلَّذِي فِي الْمُخْتَصَرِ مَا قَدَّمْنَا وَهُوَ أَنَّ الْيَمِينَ فِي كُلِّ حَقٍّ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَامٌّ فِي الْمُسْلِمِ وَالْكِتَابِيِّ، وَظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْمَجُوسِيَّ يَحْلِفُ كَمَا يَحْلِفُ الْمُسْلِمُ وَلَا يُزَادُ عَلَى الْيَهُودِيِّ " الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى "، وَلَا عَلَى النَّصْرَانِيِّ " الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى "، وَإِذَا حَلَفَ الْكَافِرُ حَلَفَ (حَيْثُ يُعَظِّمُ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ الْمُشَالَةِ فَالْيَهُودِيُّ يَحْلِفُ فِي كَنِيسَتِهِ وَالنَّصْرَانِيُّ فِي بِيعَتِهِ وَالْمَجُوسِيُّ فِي بَيْتِ النَّارِ.
(وَإِذَا وَجَدَ الطَّالِبُ) وَهُوَ الْمُدَّعِي (بَيِّنَةً بَعْدَ يَمِينِ الْمَطْلُوبِ) وَهُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (وَ) الْحَالُ أَنَّ الْمُدَّعِيَ (لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ بِهَا) أَيْ بِالْبَيِّنَةِ (قُضِيَ لَهُ بِهَا) سَوَاءٌ كَانَتْ حَاضِرَةً أَوْ غَائِبَةً غَيْبَةً قَرِيبَةً كَالْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ لَا تُبْرِئُ الذِّمَّةَ.
وَإِنَّمَا شُرِعَتْ لِقَطْعِ الْخُصُومَةِ.
ابْنُ الْمَاجِشُونَ: وَإِنَّمَا يُقْضَى لَهُ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ مَا عَلِمَ بِهَا (وَ) أَمَّا (إنْ) كَانَ (عَلِمَ بِهَا) أَيْ بِالْبَيِّنَةِ وَهِيَ حَاضِرَةٌ (فَلَا تُقْبَلُ مِنْهُ) وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَصَّارِ وَغَيْرُهُ لِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ خَيْرٌ مِنْ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ، وَشَرَطَ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنْ يَكُونَ تَارِكًا لِلْبَيِّنَةِ بِالتَّصْرِيحِ أَوْ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهَا.
.
[حاشية العدوي]
وَالْفَرْقُ خَبَرُ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي هَذَا يَمِينًا آثِمَةً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» . وَرُبَّمَا أَفْهَمَ الْحَدِيثُ أَنَّهُ لَوْ تَغَيَّرَ مِنْبَرُهُ لَمْ يَكُنْ الْحَلِفُ عِنْدَ الْمُجَدَّدِ، وَهَلْ يَكُونُ بِمَوْضِعِ الْأَصْلِيِّ أَوْ كَيْفَ الْحَالُ.
[قَوْلُهُ: رَدْعًا] أَيْ يَكُونُ رَدْعًا.
[قَوْلُهُ: فِي الْجَامِعِ] وَلَا يَقُومُ مَقَامَهُ مَسْجِدٌ وَلَوْ مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ تت.
[قَوْلُهُ: وَيَحْلِفُ الْكَافِرُ إلَخْ] حَاصِلُهُ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فَقِيلَ: الْكَافِرُ مُطْلَقًا يَحْلِفُ كَالْمُسْلِمِ، وَقِيلَ: يَقْتَصِرُ عَلَى اسْمِ اللَّهِ فَقَطْ.
وَلَكِنَّ الرَّاجِحَ أَنَّ الْكِتَابِيَّ مُطْلَقًا كَالْمُسْلِمِ فَيَحْلِفُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، وَالْمَجُوسِيُّ يَقْتَصِرُ عَلَى بِاَللَّهِ فَقَطْ.
[قَوْلُهُ: حَيْثُ يُعَظِّمُ] أَيْ الْمَكَانُ الَّذِي يَعْتَقِدُ تَعْظِيمَهُ.
[قَوْلُهُ: فَالْيَهُودِيُّ يَحْلِفُ فِي كَنِيسَتِهِ] فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْكَنِيسَةَ لِلنَّصْرَانِيِّ وَالْبِيعَةَ لِلْيَهُودِيِّ وَهُوَ أَقْرَبُ.
تَنْبِيهٌ
التَّغْلِيظُ يَكُونُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَلَا يَحْلِفُ إلَّا الْبَالِغُ الْعَاقِلُ.
[قَوْلُهُ: أَوْ غَائِبَةً غَيْبَةً قَرِيبَةً] وَأَمَّا الْغَائِبَةُ غَيْبَةً بَعِيدَةً فَحُكْمُ الْبَيِّنَةِ الَّتِي لَمْ يُعْلَمْ بِهَا قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ] أَيْ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ أَنَّهُ مَا عَلِمَ بِهِ أَيْ إمَّا لِكَوْنِهِ كَانَ نَاسِيًا لَهَا أَيْ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا أَصْلًا أَيْ ثُمَّ تَذَكَّرَهَا أَوْ أُعْلِمَ بِهَا، أَيْ أَوْ ظَنَّ أَنَّهَا لَا تَشْهَدُ لَهُ أَوْ أَنَّهَا مَاتَتْ، فَلَوْ حَلَّفَ الْقَاضِي مَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ بِغَيْرِ إذْنِ خَصْمِهِ فَإِنَّ هَذِهِ الْيَمِينَ لَا فَائِدَةَ فِيهَا وَلِلْخَصْمِ أَنْ يُعِيدَهَا ثَانِيَةً، وَلَوْ شَرَطَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى الْمُدَّعِي عَدَمَ قِيَامِهِ بِالْبَيِّنَةِ الَّتِي نَسِيَهَا وَمَا أَشْبَهَهُ فَإِنَّهُ يُعْمَلُ بِالشَّرْطِ كَمَا فِي الْحَطَّابِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ بِالْبَيِّنَةِ وَهِيَ حَاضِرَةٌ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَحُكْمُ الْبَيِّنَةِ الْغَائِبَةِ غَيْبَةً قَرِيبَةً كَالْجُمُعَةِ حُكْمُ الْبَيِّنَةِ الْحَاضِرَةِ.
خَاتِمَةٌ
يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْمَعَ شَهَادَةَ الْبَيِّنَةِ قَبْلَ الْخُصُومَةِ وَعِنْدَ غَيْبَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَكِنْ يَكْتُبُ عِنْدَهُ أَسْمَاءَ الشُّهُودِ، فَإِذَا حَضَرَ الْخَصْمُ قَرَأَ عَلَيْهَا الشَّهَادَةَ وَفِيهَا أَسْمَاءُ الشُّهُودِ وَأَنْسَابُهُمْ وَمَسَاكِنُهُمْ، وَيَعْذِرُ إلَيْهِمْ فِي شَأْنِهِمْ، فَإِنْ ادَّعَى مَطْعَنًا فِيهِمْ أَمَرَهُ بِإِثْبَاتِهِ وَإِلَّا أَلْزَمَهُ الْقَضَاءَ وَلَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ، وَإِذَا طَلَبَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إعَادَةَ الشَّهَادَةِ حَتَّى يَشْهَدُوا بِحَضْرَتِهِ فَلَا يُجَابُ إلَى ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: أَوْ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهَا] أَيْ وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ حَاضِرَةً وَلَمْ يَتْرُكْهَا لِمَا ذُكِرَ أَيْ بِأَنْ ظَنَّ أَنَّهَا لَا تَشْهَدُ لَهُ فَلَهُ الْقِيَامُ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الشَّهَادَاتِ وَهِيَ مَصْدَرُ شَهِدَ بِمَعْنَى أَخْبَرَ وَهِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي مَوْضِعِ قَوْمٍ يَصْلُحُونَ لَهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا وَاحِدٌ فَهِيَ فَرْضُ عَيْنٍ، فَإِنْ امْتَنَعَ فَهُوَ عَاصٍ وَيُجْبَرُ بِالضَّرْبِ وَالسَّجْنِ.
وَهِيَ عَلَى مَرَاتِبَ: الْأُولَى: بَيِّنَةُ الزِّنَا وَاللِّوَاطِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا، الثَّانِيَةُ: أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَيُقْضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ فِي الْأَمْوَالِ) وَمَا أَدَّى إلَى الْأَمْوَالِ مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ عَلَى الْخِيَارِ وَالْآخَرُ عَلَى الْبَتِّ، وَالثَّالِثَةُ: أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُقْضَى بِذَلِكَ) أَيْ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ (فِي نِكَاحٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ حَدٍّ) وَإِنَّمَا يُقْضَى فِيهَا بِعَدْلَيْنِ.
مَا ذَكَرَهُ فِي النِّكَاحِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِيهَا: وَمَنْ ادَّعَى نِكَاحَ امْرَأَةٍ وَأَنْكَرَتْ فَلَا يَمِينَ لَهُ عَلَيْهَا وَإِنْ أَقَامَ شَاهِدًا، وَلَا يَثْبُتُ نِكَاحٌ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي الطَّلَاقِ هُوَ كَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ تَدَّعِيَ الْمَرْأَةُ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا وَأَقَامَتْ شَاهِدًا وَاحِدًا لَا تَحْلِفُ مَعَهُ وَلَا يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ، وَإِذَا لَمْ تَحْلِفْ فَلَهَا رَدُّ الْيَمِينِ عَلَى الزَّوْجِ، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ وَإِنْ نَكَلَ طُلِّقَ عَلَيْهِ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْحَدِّ مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ رَجُلٌ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ قَذَفَهُ وَأَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا لَا يَحْلِفُ مَعَهُ وَلَا يُحَدُّ الْقَاذِفُ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ رُدَّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ وَإِنْ نَكَلَ سُجِنَ حَتَّى يَحْلِفَ (وَ) كَذَلِكَ (لَا) يُقْضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ (فِي دَمِ عَمْدٍ) أَيْ جِرَاحِ عَمْدٍ (أَوْ) قَتْلِ (نَفْسٍ) وَاحْتَرَزَ بِالْعَمْدِ مِنْ الْخَطَأِ فَإِنَّهُ يُقْضَى فِيهِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ؛ لِأَنَّهُ يَئُولُ إلَى الْمَالِ.
[حاشية العدوي]
[أَحْكَام الشَّهَادَات]
قَوْلُهُ: مَصْدَرُ شَهِدَ بِمَعْنَى أَخْبَرَ] أَيْ مُفْرَدُ الشَّهَادَاتِ مَصْدَرُ شَهِدَ بِمَعْنَى أَخْبَرَ، فَعَلَيْهِ تَكُونُ الشَّهَادَةُ بِمَعْنَى الْإِخْبَارِ فَيُوَافِقُ قَوْلَ صَاحِبِ التَّبْصِرَةِ الشَّهَادَةُ إخْبَارٌ يَتَعَلَّقُ بِمُعَيَّنٍ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: فِي مَوْضِعِ قَوْمٍ يَصْلُحُونَ لَهَا] تَحَمُّلًا أَوْ أَدَاءً فَيُطَالَبُونَ بِهَا عَلَى سَبِيلِ الْكِفَايَةِ، فَمَنْ قَامَ بِهَا كَفَى عَنْ الْبَاقِينَ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا وَاحِدٌ إلَخْ] قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ اثْنَانِ لَكَانَتْ فِي حَقِّهِمَا فَرْضَ كِفَايَةٍ لِثُبُوتِ الْحَقِّ الْمَالِيِّ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي.
وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ فِي غَيْرِ الْمَالِ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَى شَاهِدَيْنِ فَتَكُونُ فِي حَقِّهِمَا فَرْضَ عَيْنٍ وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ الْأَدَاءُ عُرْفًا إعْلَامُ الشَّاهِدِ الْحَاكِمَ بِشَهَادَتِهِ بِمَا يَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ بِمَا شَهِدَ بِهِ وَهُوَ وَاجِبٌ عَيْنًا عَلَى مَنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى عَدَدِ مَا يَثْبُتُ بِهِ الْمَشْهُودُ بِهِ، وَكِفَايَةً عَلَى مَنْ زَادَ عَدَدُهُ عَلَيْهِ حَاضِرًا كَوَاحِدٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي الْأَمْوَالِ.
وَقَوْلُهُ: وَيُجْبَرُ بِالضَّرْبِ وَالسَّجْنِ هَلْ الْمُرَادُ بِهِمَا مَعًا فِي آنٍ وَاحِدٍ أَوْ عَلَى التَّرْتِيبِ يَسْجُنُهُ أَوَّلًا ثُمَّ يَضْرِبُهُ.
[قَوْلُهُ: مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ إلَخْ] فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْبَتِّ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ مُدَّعِي الْخِيَارِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَعَبَّرَ بِمِثْلِ لَيَدْخُلَ فِي ذَلِكَ الْإِجَارَةُ وَجِرَاحَاتُ الْخَطَأِ وَأَدَاءُ الْكِتَابَةِ.
[قَوْلُهُ: فِي نِكَاحٍ] أَيْ ادَّعَى نِكَاحَهَا فِي حَالِ حَيَاتِهَا احْتِرَازًا عَنْ الدَّعْوَى عَلَيْهَا بَعْدَ مَوْتِهَا فَإِنَّهُ يُقْضَى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَثْبُتُ نِكَاحٌ] الْوَاوُ لِلتَّعْلِيلِ.
[قَوْلُهُ: وَإِذَا لَمْ يَحْلِفْ] فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِإِذَا وَفِي بَعْضِهَا بِإِنْ.
[قَوْلُهُ: فَلَهَا رَدُّ الْيَمِينِ] مُفَادُهُ أَنَّهَا مُطَالَبَةٌ بِالْيَمِينِ إلَّا أَنَّهَا إذَا لَمْ تَحْلِفْ لَهَا رَدُّ الْيَمِينِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُطَالَبَةً بِالْيَمِينِ، فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: وَحَيْثُ لَمْ تُطَالَبْ بِالْحَلِفِ فَيَحْلِفُ الزَّوْجُ فَإِنْ يَحْلِفْ بَرِئَ وَإِنْ نَكَلَ فَإِنَّهُ يُحْبَسُ، فَإِنْ طَالَ حَبْسُهُ سَنَةً دُيِّنَ أَيْ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ رُدَّ إلَخْ] الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: وَحَيْثُ لَمْ يُطَالَبْ بِالْحَلِفِ فَيَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ طَالَ حَبْسُهُ سَنَةً دُيِّنَ وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ إذَا أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى سَيِّدِهِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ فَإِنَّ السَّيِّدَ يَلْزَمُهُ يَمِينٌ لِرَدِّ الشَّهَادَةِ، فَإِنْ نَكَلَ حُبِسَ وَإِنْ طَالَ حَبْسُهُ سَنَةً دُيِّنَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَكَادُ يَخْفَى فَقِيَامُ شَاهِدٍ وَاحِدٍ يَدُلُّ عَلَى الْكَذِبِ.
[قَوْلُهُ: فِي دَمٍ عَمْدٍ] كَأَنْ يَدَّعِي شَخْصٌ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ جَرَحَهُ عَمْدًا وَأَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا فَإِنَّهُ لَا يَحْلِفُ مَعَهُ وَإِنَّمَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْجَانِي، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ وَإِنْ نَكَلَ قِيلَ: يُقْتَصُّ مِنْهُ بِالشَّاهِدِ وَالنُّكُولِ، وَقِيلَ: يُسْجَنُ فَإِنْ طَالَ سَجْنُهُ دُيِّنَ وَأُخْرِجَ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يُقْضَى فِيهِ بِالشَّاهِدِ] وَمِثْلُهُ الْجُرْحُ الَّذِي لَا قِصَاصَ فِيهِ كَالْجَائِفَةِ وَالْآمَّةِ.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ
ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ عَدَمِ قَبُولِ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي دَمِ الْعَمْدِ وَالْقَتْلِ فَقَالَ: (إلَّا مَعَ الْقَسَامَةِ فِي النَّفْسِ) مُرَادُهُ أَنَّهُ يُقْضَى بِالْقَسَامَةِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ لَا يُعْطِيهِ، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ لَا يُقْضَى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي دَمِ عَمْدٍ أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ عَمْدًا إلَّا مَعَ الْقَسَامَةِ فِي النَّفْسِ فَيُقْضَى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ مَعَ الْقَسَامَةِ، وَهَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ وَمَا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يُقْضَى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي الْجِرَاحِ الْعَمْدِ خِلَافُ الْمَشْهُورِ، وَالْمَشْهُورُ هُوَ قَوْلُهُ: (وَقَدْ قِيلَ يُقْضَى بِذَلِكَ) أَيْ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ (فِي الْجِرَاحِ) يَعْنِي مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، وَقَدْ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ فِي تَمْرِيضِ الْمَشْهُورِ بِتَقْدِيمِ غَيْرِهِ وَذَكَرَهُ لَهُ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ (وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ) فِيمَا هُوَ مِنْ شَأْنِ الرِّجَالِ (إلَّا فِي الْأَمْوَالِ) وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا كَالْإِجَارَةِ (وَمِائَةُ امْرَأَةٍ كَامْرَأَتَيْنِ وَذَلِكَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ يُقْضَى بِذَلِكَ مَعَ رَجُلٍ أَوْ مَعَ الْيَمِينِ فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ) . وَالرَّابِعَةُ: أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ فَقَطْ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ مِنْ الْوِلَادَةِ وَالِاسْتِهْلَالِ) وَهُوَ النُّطْقُ (وَشِبْهِهِ) مِثْلُ عُيُوبِ الْفَرْجِ أَوْ الْبَدَنِ (جَائِزَةٌ) وَلَا يُعَارَضُ هَذَا الْحَصْرُ فِي قَوْلِهِ: وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ إلَّا فِي الْأَمْوَالِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِمَا قَيَّدْنَا بِهِ كَلَامَهُ مِنْ قَوْلِنَا فِيمَا هُوَ مِنْ شَأْنِ الرِّجَالِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فَقَالَ: (وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ) عَلَى خَصْمِهِ بِدُنْيَوِيٍّ لَهُ بَالٌ وَطَالَتْ الْخُصُومَةُ بَيْنَهُمَا (وَلَا) شَهَادَةُ (ظَنِينٍ) بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمُشَالَةِ وَهُوَ الْمُتَّهَمُ فِي دِينِهِ
[حاشية العدوي]
اسْتَثْنَى إلَخْ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ عَدَمِ قَبُولِ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي قَتْلِ النَّفْسِ إذْ لَا دَخْلَ لِقَوْلِهِ فِي دَمِ عَمْدٍ فِي الِاسْتِثْنَاءِ.
[قَوْلُهُ: مُرَادُهُ أَنَّهُ يُقْضَى بِالْقَسَامَةِ] أَيْ فَإِنَّهُ يُقْضَى بِالشَّاهِدِ مَعَ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ زَائِدٍ عَلَى أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ وَذَلِكَ فِي بَعْضِ أَمْثِلَةِ اللَّوْثِ كَالْعَدْلِ فَقَطْ فِي مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ بِخِلَافِ شَهَادَةِ الْعَدْلِ عَلَى الْجُرْحِ لَا بُدَّ أَنْ يَحْلِفَ الْوَلِيُّ لَقَدْ جَرَحَهُ وَلَمِنْ جَرْحِهِ مَاتَ، فَيَزِيدُ لَقَدْ جَرَحَهُ مَعَ كُلِّ يَمِينٍ لِيَكْمُلَ النِّصَابُ، وَتِلْكَ الصِّفَةُ اجْتَمَعَ فِيهَا الْيَمِينُ الْمُكَمِّلَةُ لِلنِّصَابِ وَأَيْمَانُ الْقَسَامَةِ.
[قَوْلُهُ: وَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ] أَيْ لَا يُجْزِئُ أَقَلُّ وَلَا رِجَالٌ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ لَا أَزْيَدَ مِنْ امْرَأَتَيْنِ مِنْ النِّسَاءِ.
[قَوْلُهُ: فِيمَا لَا يَطَّلِعُ] أَيْ فِيمَا لَا يَجُوزُ أَوْ يَنْدُرُ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْوِلَادَةِ] ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ شَخْصُ الْجَسَدِ وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ.
[قَوْلُهُ: جَائِزَةٌ] مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ، وَلَا يَكْفِي الْوَاحِدَةُ مَعَ الْيَمِينِ وَالشَّهَادَةُ عَلَى الْوِلَادَةِ وَعَلَى الِاسْتِهْلَالِ أَيْ عَلَى أَنَّهُ يَنْزِلُ مُسْتَهِلًّا عَامٌّ فِي الْحَرَائِرِ وَالْإِمَاءِ، وَإِنَّمَا عُمِلَ بِشَهَادَتَيْنِ فِيهِ لِنُدُورِ اطِّلَاعِ الرِّجَالِ عَلَى ذَلِكَ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يُمْكِنُ رُؤْيَةُ الرِّجَالِ لِذَلِكَ، وَفَائِدَةُ ثُبُوتِ الِاسْتِهْلَالِ وَعَدَمِهِ تَظْهَرُ فِي الْإِرْثِ لَهُ أَوْ مِنْهُ، وَأَمَّا عَيْبُ الْفَرْجِ وَالْحَيْضِ فَهُوَ فِي الْإِمَاءِ دُونَ الْحَرَائِرِ؛ لِأَنَّ الْحُرَّةَ تُصَدَّقُ فِي نَفْيِ دَاءِ فَرْجِهَا وَفِي حَيْضِهَا.
وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ: وَلَعَلَّ الْفَرْقَ شَرَفُ الْحُرَّةِ عَلَى الْأَمَةِ فَإِذَا تَنَازَعَ بَائِعُ أَمَةٍ مَعَ مُشْتَرِيهَا فِي عَيْبٍ بِفَرْجِهَا نَظَرَهَا النِّسَاءُ، وَأَمَّا مَا كَانَ بِغَيْرِ الْفَرْجِ فَإِنْ كَانَ فِي الْوَجْهِ أَوْ الْيَدَيْنِ فَيَنْظُرُهُ الرِّجَالُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ دَاخِلَ الثِّيَابِ وَخَارِجَ الْفَرْجِ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِرُؤْيَةِ النِّسَاءِ الْعِدْلَاتِ وَلَوْ فِي الْحَرَائِرِ.
قَالَ تت: وَهَلْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ فِي كَوْنِهِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ لَكِنْ مَعَ يَمِينِ الْقَائِمِ بِشَهَادَتِهِنَّ اهـ.
وَعَلَيْهِ فَهَذِهِ مَرْتَبَةٌ تُزَادُ عَلَى مَرَاتِبِ الشَّهَادَةِ قَالَهُ عج.
[قَوْلُهُ: بِدُنْيَوِيٍّ] أَيْ خَصْمُهُ بِسَبَبِ أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ غَيْرِ خَفِيفٍ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ طَالَتْ أَيْ أَوْ طَالَتْ فَحَاصِلُهُ أَنَّ عَدَمَ الْجَوَازِ فِي صُورَتَيْنِ، أُولَاهُمَا: أَنْ تَكُونَ الْخُصُومَةُ بِسَبَبٍ دُنْيَوِيٍّ غَيْرِ خَفِيفٍ، الثَّانِيَةُ: بِسَبَبِ أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ خَفِيفٍ إلَّا أَنَّهُ طَالَتْ الْخُصُومَةُ بَيْنَهُمَا بِحَيْثُ اسْتَحْكَمَتْ، وَأَمَّا بِدِينِيٍّ كَشَهَادَةِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْكَافِرِ أَوْ دُنْيَوِيٍّ خَفِيفٍ وَلَمْ تَطُلْ الْخُصُومَةُ فَتَجُوزُ.
قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ إذَا كَانَتْ الْهِجْرَةُ فِي أَمْرٍ خَفِيفٍ وَلَا تُقْبَلُ فِي الْمُهَاجَرَةِ الطَّوِيلَةِ وَالْعَدَاوَةِ الْبَيِّنَةِ اهـ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى أَوْ.
وَقِيلَ: الْمُتَّهَمُ فِي شَهَادَتِهِ وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: (وَلَا يُقْبَلُ) يَعْنِي فِي الشَّهَادَةِ (إلَّا الْعُدُولُ) لَأَغْنَاهُ عَمَّا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ.
بَعْضُهُمْ لَيْسَتْ الْعَدَالَةُ أَنْ يَتَمَحَّضَ الرَّجُلُ لِلطَّاعَةِ حَتَّى لَا يَشُوبَهَا مَعْصِيَةٌ وَذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا الْأَوْلِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ، وَلَكِنْ مَنْ كَانَتْ الطَّاعَةُ أَكْثَرَ أَحْوَالِهِ وَأَغْلَبَهَا عَلَيْهِ وَهُوَ مُجْتَنِبٌ لِلْكَبَائِرِ مُحَافِظٌ عَلَى تَرْكِ الصَّغَائِرِ فَهُوَ الْعَدْلُ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ هَذَا حَالَ الْأَدَاءِ لَا حَالَ التَّحَمُّلِ (وَ) كَذَلِكَ (لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمَحْدُودِ فِي الزِّنَا) مَثَلًا مَا لَمْ يَتُبْ، أَمَّا إنْ تَابَ فَسَيَنُصُّ عَلَيْهِ (وَ) كَذَا (لَا) تَجُوزُ (شَهَادَةُ عَبْدٍ) فِي حَالِ رِقِّهِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ مَرْتَبَةٌ عَظِيمَةٌ لَيْسَ الْعَبْدُ أَهْلًا لَهَا.
وَمِثْلُهُ الْأَمَةُ وَمَنْ فِيهَا شَائِبَةٌ مِنْ شَوَائِبِ الْعِتْقِ (وَ) كَذَا (لَا) تُقْبَلُ شَهَادَةُ (صَبِيٍّ) فِي حَالِ صِغَرِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ وَإِنْ تَحَمَّلَهَا فِي الصِّبَا وَضَبَطَهَا وَأَدَّاهَا بَعْدَ بُلُوغِهِ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ مَا لَمْ تُرَدَّ فِي حَالِ صِبَاهُ، وَسَيَنُصُّ عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فَمَا هُنَا مَخْصُوصٌ بِهِ (وَ) كَذَا (لَا) تَجُوزُ شَهَادَةُ (كَافِرٍ) فِيمَا شَهِدَ بِهِ فِي حَالِ كُفْرِهِ لَا عَلَى مُسْلِمٍ وَلَا عَلَى كَافِرٍ.
وَأَمَّا مَا تَحَمَّلَهُ حَالَ كُفْرِهِ وَشَهِدَ بِهِ حَالَ إسْلَامِهِ فَيُقْبَلُ مَا لَمْ تُرَدَّ فِي حَالِ كُفْرِهِ (وَإِذَا تَابَ الْمَحْدُودُ فِي الزِّنَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ إلَّا فِي الزِّنَا) فَإِنَّهَا لَا تُقْبَلُ (وَ) كَذَا غَيْرُ الزِّنَا إذَا تَابَ فَإِنَّ شَهَادَتَهُ تُقْبَلُ إلَّا
[حاشية العدوي]
تَنْبِيهٌ
يَسْتَمِرُّ الْمَنْعُ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ زَوَالُ الْعَدَاوَةِ، وَكَمَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ كَذَلِكَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَابْنِهِ، وَكَذَا ابْنُ الْعَدُوِّ لَا يَشْهَدُ عَلَى عَدُوِّ أَصْلِهِ وَلَوْ مَاتَ كَأَنَّ الْعَدَاوَةَ تُورَثُ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمُتَّهَمُ فِي دِينِهِ] أَيْ بِارْتِكَابِهِ أَمْرًا لَا يَجُوزُ شَرْعًا، وَفَسَّرَهُ ابْنُ عُمَرَ أَيْ الْمُتَّهَمُ فِي دِينِهِ بِأَنَّهُ مَغْمُوسٌ فِي أَخْلَاقِهِ يُرَى مَعَ أَهْلِ الْخَيْرِ وَيُرَى مَعَ أَهْلِ الشَّرِّ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ الْمُتَّهَمُ فِي شَهَادَتِهِ] أَيْ بِالْمَيْلِ لِمَنْ يَشْهَدُ لَهُ أَيْ كَشَهَادَةِ الْأَبِ لِابْنِهِ الْبَارِّ عَلَى الْعَاقِّ، أَوْ لِلصَّغِيرِ عَلَى الْكَبِيرِ، أَوْ لِلسَّفِيهِ عَلَى الرَّشِيدِ لِاتِّهَامِ الْأَبِ عَلَى إبْقَاءِ الْمَالِ تَحْتَ يَدِهِ.
[قَوْلُهُ: إلَّا الْعُدُولُ] جَمْعُ عَدْلٍ وَهُوَ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ الْعَاقِلُ الْبَالِغُ السَّالِمُ مِنْ فِسْقٍ وَحَجْرِ سَفَهٍ وَبِدْعَةٍ وَإِنْ مَعَ تَأْوِيلٍ، فَالسَّفِيهُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لَيْسَ بِعَدْلٍ وَكَذَلِكَ الْبِدْعِيُّ كَالْمُعْتَزِلِيِّ وَالْخَارِجِيِّ لَيْسَ بِعَدْلٍ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى تَأْوِيلِ أَحَدٍ.
قَالَ الْقَرَافِيُّ: الْعَدَالَةُ عِنْدَنَا حَقٌّ لِلَّهِ عَلَى الْحَاكِمِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِغَيْرِ الْعَدْلِ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْخَصْمُ الْعَدَالَةَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَعَلَى أَنَّهَا حَقٌّ لِلَّهِ لَوْ رَضِيَ الْخَصْمَانِ بِشَهَادَةِ كَافِرٍ أَوْ مَسْخُوطٍ لَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ الْحُكْمُ بِذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
[قَوْلُهُ: لَأَغْنَاهُ عَمَّا قَبْلَهُ] الْغِنَى إنَّمَا يَظْهَرُ عَلَى تَفْسِيرِ الظِّنِّينَ بِالْمُتَّهَمِ فِي دِينِهِ.
[قَوْلُهُ: وَأَغْلَبُهَا عَلَيْهِ] بِمَعْنَى مَا قَبْلَهُ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ مُجْتَنِبٌ لِلْكَبَائِرِ مُحَافِظٌ عَلَى تَرْكِ الصَّغَائِرِ] أَقُولُ: التَّعْبِيرُ فِي جَانِبِ الْكَبَائِرِ بِمُجْتَنِبٍ، وَفِي جَانِبِ الصَّغَائِرِ بِمُحَافِظٍ عَلَى تَرْكٍ لِلتَّفَنُّنِ، وَبَعْدَ هَذَا فَنَقُولُ: إنَّ مَنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ لَمْ تَشُبْ طَاعَتَهُ الْمَعَاصِي فَيَكُونُ عَيْنَ مَا نَفَاهُ أَوَّلًا.
[قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ هَذَا حَالَ الْأَدَاءِ] ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ التَّحَمُّلُ مِنْ كُلِّ مُمَيِّزٍ وَلَوْ عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ كَافِرًا إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ وَهُمَا الشَّهَادَةُ عَلَى عَقْدِ النِّكَاحِ، وَالْمَشْهُودُ عَلَى خَطِّهِ فَلَا بُدَّ مِنْ شُرُوطِ الْأَدَاءِ عِنْدَ كِتَابَةِ خَطِّهِ.
[قَوْلُهُ: الْمَحْدُودُ فِي الزِّنَا مَثَلًا] إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمَحْدُودَ عَامٌّ فِي الْقَذْفِ وَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالسَّرِقَةِ.
زَادَ فِي التَّحْقِيقِ وَمِثْلُ الْمَحْدُودِ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ فِي الْجِرَاحَاتِ أَيْ حُدَّ بِالْفِعْلِ، وَأَوْلَى إنْ لَمْ يُحَدَّ أَيْ فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَا فِيمَا حُدَّ فِيهِ وَلَا فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ لَمْ يَتُبْ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ.
[قَوْلُهُ: مَرْتَبَةٌ عَظِيمَةٌ] فَهِيَ مِنْ الْمَنَاصِبِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي هِيَ سَبَبٌ فِي إلْزَامِ الْغَيْرِ مَا يَحْكُمُ بِهِ عَلَيْهِ، وَالنَّفْسُ تَأْنَفُ أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ مِنْ نَاقِصٍ وَأَمَّا مَا تَحَمَّلَهُ فِي حَالِ الرِّقِّ وَأَدَّاهُ بَعْدَ الْعِتْقِ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ.
[قَوْلُهُ: مَا لَمْ تُرَدَّ فِي حَالِ صِبَاهُ] أَيْ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى إزَالَةِ النَّقْصِ الَّذِي رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِأَجْلِهِ لِمَا جُبِلَ عَلَيْهِ مِنْ الطَّبَائِعِ الْبَشَرِيَّةِ فِي دَفْعِ الْمَعَرَّةِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ: مَا لَمْ تُرَدَّ فِي حَالِ كُفْرِهِ.
[قَوْلُهُ: مَخْصُوصٌ بِهِ] أَيْ دَخَلَهُ الْخُصُوصُ بِسَبَبِهِ أَيْ فَيُقْصَرُ عَلَى مَا عَدَاهُ.
[قَوْلُهُ: مَا لَمْ تُرَدَّ فِي حَالِ كُفْرِهِ] أَيْ لِمَا تَقَدَّمَ.
[قَوْلُهُ: وَإِذَا تَابَ الْمَحْدُودُ فِي الزِّنَا قُبِلَتْ إلَخْ] لَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّوْبَةِ مُجَرَّدَ حُصُولِهَا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ قَرَائِنَ تَدُلُّ عَلَى صَلَاحِ حَالِ الْمَحْدُودِ، وَلَا يَتَقَيَّدُ
(فِيمَا حُدَّ فِيهِ) عَلَى الْمَشْهُورِ فَلَوْ قَالَ: وَإِذَا تَابَ الْمَحْدُودُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا فِيمَا حُدَّ فِيهِ لَكَانَ أَوْلَى (وَ) كَذَا (لَا) تَجُوزُ (شَهَادَةُ الِابْنِ لِلْأَبَوَيْنِ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونَ.
وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ: ذَلِكَ جَائِزٌ مَا لَمْ تَكُنْ تُهْمَةٌ كَمُوَالَاةِ الْأَبِ لِلِابْنِ بِالصِّلَةِ وَهُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ (وَ) كَذَا (لَا) تَجُوزُ (شَهَادَتُهُمَا) أَيْ الْأَبَوَيْنِ (لَهُ) أَيْ لِلِابْنِ وَفِي حُكْمِهِمَا الْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ مِنْ قِبَلِ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ (وَ) كَذَلِكَ (لَا) تَجُوزُ شَهَادَةُ (الزَّوْجِ لِلزَّوْجَةِ) (وَلَا) شَهَادَتُهَا (هِيَ لَهُ) فِي حَالِ الْعِصْمَةِ لِوُجُودِ التُّهْمَةِ، وَقَيَّدْنَا بِحَالِ الْعِصْمَةِ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهَا لَهُ بَعْدَ أَنَّ طَلَّقَهَا طَلَاقًا بَائِنًا مَقْبُولَةٌ (وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَخِ الْعَدْلِ لِأَخِيهِ) فِي الْأَمْوَالِ، ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ مُبَرَّزًا أَمْ لَا مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَفَقَتُهُ أَوْ يَتَكَرَّرْ عَلَيْهِ مَعْرُوفُهُ، وَتَقْيِيدُنَا بِالْأَمْوَالِ احْتِرَازًا مِنْ شَهَادَتِهِ فِيمَا تُدْرِكُهُ فِيهِ الْحَمِيَّةُ أَوْ دَفْعُ مَعَرَّةٍ مَثَلًا فَلَا تَجُوزُ (وَلَا) تَجُوزُ (شَهَادَةُ مُجَرَّبٍ فِي كَذِبٍ) حَرَامٍ (أَوْ مُظْهِرٍ لِكَبِيرَةٍ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ الْمُكَرِّرُ لَهُ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ فَالْكِذْبَةُ الْوَاحِدَةُ لَا أَثَرَ لَهَا، وَقَيَّدْنَا بِالْحَرَامِ احْتِرَازًا مِنْ الْكَذِبِ الْجَائِزِ كَالْكَذِبِ لِلصُّلْحِ بَيْنَ الْمُتَهَاجِرَيْنِ
[حاشية العدوي]
ذَلِكَ بِمُدَّةٍ خِلَافًا لِمَنْ حَدَّهُ بِسَنَةٍ أَوْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
[قَوْلُهُ: إلَّا فِيمَا حُدَّ فِيهِ] أَيْ بِالْفِعْلِ وَلَوْ صَارَ بَعْدَ تَوْبَتِهِ أَحْسَنَ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى التَّأَسِّي بِإِثْبَاتِ مُشَارِكٍ لَهُ فِي صِفَتِهِ، وَقَيَّدْنَا بِالْفِعْلِ احْتِرَازًا عَمَّا إذَا عُفِيَ عَنْهُ فَشَهِدَ فِي مِثْلِهِ فَتُقْبَلُ، وَاشْتِرَاطُ الْحَدِّ بِالْفِعْلِ فِي غَيْرِ الْقَتْلِ.
وَأَمَّا فِي قَتْلِ غَيْرِهِ عَمْدًا وَعُفِيَ عَنْهُ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي الْقَتْلِ وَلَوْ حَسُنَتْ حَالَتُهُ بَعْدَ تَوْبَتِهِ، وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ فِي غَيْرِهِ وَمِثْلُ الْحُدُودِ التَّعَازِيرُ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ عُزِّرَ فِيمَا عُزِّرَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ فَلْتَةً وَهَذَا بِخِلَافِ الْقَاضِي فَلَهُ أَنْ يَحْكُمَ وَلَوْ فِيمَا حُدَّ فِيهِ بِالْفِعْلِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْقَاضِيَ يَسْتَنِدُ فِي حُكْمِهِ لِإِخْبَارِ غَيْرِهِ بِخِلَافِ الشَّاهِدِ.
تَنْبِيهٌ
مَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيمَا حُدَّ فِيهِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ مُسْلِمٌ بِخِلَافِ الْكَافِرِ إذَا حُدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ.
[قَوْلُهُ: وَكَذَا غَيْرُ الزِّنَا إلَخْ] إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَيْسَ قَصْدُهُ خُصُوصَ الْمَحْدُودِ فِي الزِّنَا.
وَقَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونَ فَإِنَّهُ يَقُولُ: الْمَحْدُودُ مُطْلَقًا فِي زِنًا أَوْ غَيْرِهِ إذَا تَابَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا فِيمَا حُدَّ فِيهِ، وَمُقَابِلُهُ مَا لِابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إذَا تَابَ تُقْبَلُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَلَوْ فِيمَا حُدَّ فِيهِ.
[قَوْلُهُ: لِلْأَبَوَيْنِ] وَإِنْ عَلَيَا، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ شَهَادَةُ الْفَرْعِ لِأَصْلِهِ فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِ الشَّارِحِ وَفِي حُكْمِهِمَا الْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْفَرْعَ لَا يَشْهَدُ لِأَصْلِهِ وَلَا الْأَصْلَ لِفَرْعِهِ.
وَأَمَّا شَهَادَةُ الْفَرْعِ لِلْفَرْعِ عَلَى أَصْلِهِ أَوْ عَكْسُهُ فَيَجُوزُ، وَتَجُوزُ شَهَادَةُ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ لِأَحَدِ أَوْلَادِهِ عَلَى وَلَدِهِ الْآخَرِ إنْ لَمْ يَظْهَرْ مَيْلٌ لِلْمَشْهُودِ لَهُ وَإِلَّا امْتَنَعَتْ كَمَا لَوْ شَهِدَ الْوَالِدُ لِلصَّغِيرِ عَلَى الْكَبِيرِ أَوْ لِلْبَارِّ عَلَى الْفَاسِقِ، وَأَمَّا لَوْ شَهِدَ لِابْنِهِ عَلَى جَدِّهِ أَوْ لِابْنِهِ عَلَى ابْنِهِ لَانْبَغَى أَنْ لَا تَجُوزَ قَوْلًا وَاحِدًا.
[قَوْلُهُ: بِالصِّلَةِ] أَيْ الْعَطِيَّةِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ إلَخْ] وَهُوَ الرَّاجِحُ.
[قَوْلُهُ: وَكَذَا لَا تَجُوزُ إلَخْ] وَكَمَا لَا يَشْهَدُ لِلزَّوْجَةِ لَا يَشْهَدُ لِأَبِيهَا وَلَا لِابْنِهَا، وَكَمَا لَا تَشْهَدُ الزَّوْجَةُ لِزَوْجِهَا لَا تَشْهَدُ لِأَبِيهِ وَلَا لِأُمِّهِ.
[قَوْلُهُ: فِي حَالِ الْعِصْمَةِ] أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا فَتَدْخُلُ الْمُطَلَّقَةُ طَلَاقًا رَجْعِيًّا.
وَقَوْلُهُ: بَعْدَ أَنْ طَلَّقَهَا طَلَاقًا بَائِنًا إلَخْ دَخَلَ فِيهِ الْمُطَلَّقَةُ رَجْعِيًّا إذَا خَرَجَتْ مِنْ الْعِدَّةِ.
[قَوْلُهُ: مَقْبُولَةٌ] أَيْ وَإِنْ كَانَ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ قَالَهُ سَحْنُونٌ.
[قَوْلُهُ: ظَاهِرُهُ كَانَ مُبَرَّزًا أَمْ لَا] ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ اشْتِرَاطُ التَّبَرُّزِ وَالْمُبَرَّزُ هُوَ مَنْ فَاقَ أَقْرَانَهُ فِي الْعَدَالَةِ.
[قَوْلُهُ.
وَتَقْيِيدُنَا بِالْأَمْوَالِ] وَمِثْلُ الْمَالِ الْجِرَاحُ الَّتِي فِيهَا الْمَالُ.
[قَوْلُهُ: فِيمَا تُدْرِكُهُ فِيهِ الْحَمِيَّةُ] أَيْ الْعَصَبِيَّةُ أَيْ كَأَنْ شَهِدَ بِأَنَّ فُلَانًا جَرَحَ أَخَاهُ أَوْ قَذَفَهُ؛ لِأَنَّهُ تُدْرِكُهُ الْحَمِيَّةُ وَيَصْدُقُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ دَفَعَ مَعَرَّةً، فَالظَّاهِرُ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُ.
وَقَالَ مَثَلًا إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ لَهُ أَيْضًا فِيمَا إذَا كَانَ يَكْتَسِبُ لِأَخِيهِ شَرَفًا أَوْ جَاهًا كَشَهَادَتِهِ لَهُ بِأَنَّهُ تَزَوَّجَ مَنْ يَحْصُلُ لَهُ بِنِكَاحِهَا شَرَفٌ أَوْ جَاهٌ لِكَوْنِهَا مِنْ ذَوِي الْقَدْرِ.
[قَوْلُهُ: فَالْكِذْبَةُ الْوَاحِدَةُ] أَيْ فِي
فَإِنَّهُ لَا يَقْدَحُ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَالْمُرَادُ بِهِ فَاعِلُهَا وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ مُظْهِرَ الصَّغِيرَةِ لَا يَقْدَحُ فِي شَهَادَتِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَعَطْفُهُ الْكَبَائِرَ عَلَى الْكَذِبِ وَإِنْ كَانَ مِنْهَا لِكَوْنِهِ أَهَمَّ مَا يُطْلَبُ فِي الشَّهَادَةِ، وَاشْتِرَاطُهُ فِي الْكَبِيرَةِ الْإِظْهَارَ لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ إذَا شُهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ فَعَلَ كَبِيرَةً مُسْتَتِرًا فَإِنَّهُ يَقْدَحُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ (وَ) كَذَا (لَا) تَجُوزُ شَهَادَةُ (جَارٍّ لِنَفْسِهِ نَفْعًا) مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ لِشَرِيكِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ.
وَأَمَّا شَهَادَتُهُ لَهُ فِي غَيْرِ مَالِ الشَّرِكَةِ فَجَائِزٌ بِشَرْطِ التَّبْرِيزِ (وَ) كَذَا (لَا) تَجُوزُ شَهَادَةُ (دَافِعٍ عَنْهَا) أَيْ عَنْ نَفْسِهِ (ضَرَرًا) مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لِرَجُلٍ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ فَادَّعَى عَلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ بِدَيْنٍ فَشَهِدَ لَهُ هَذَا أَنَّهُ قَضَاهُ دَيْنَهُ فَهَذَا يُتَّهَمُ أَنْ يَكُونَ دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ الْمُخَاصَمَةَ (وَ) كَذَا (لَا) تَجُوزُ شَهَادَةُ (وَصِيٍّ لِيَتِيمِهِ) هَذَا دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: وَلَا جَارٍّ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ بِشَهَادَتِهِ لِنَفْسِهِ مَالًا يَتَصَرَّفُ فِيهِ إنَّمَا كَرَّرَهُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ) عَلَى الْمَشْهُورِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَلَفْظُهَا وَكُلُّ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ فَشَهَادَتُهُ عَلَيْهِ جَائِزَةٌ (وَلَا يَجُوزُ تَعْدِيلُ النِّسَاءِ وَلَا تَجْرِيحُهُنَّ) لَا لِلرِّجَالِ وَلَا لِلنِّسَاءِ لِنَقْصِهِنَّ عَنْ رُتْبَةِ الرِّجَالِ، ثُمَّ بَيَّنَ مَا بِهِ تَكُونُ التَّزْكِيَةُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُقْبَلُ فِي التَّزْكِيَةِ إلَّا مَنْ يَقُولُ عَدْلٌ رِضًا) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَقُولَ: أَشْهَدُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ لَا يُجْزِئُ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْمُخْتَصَرِ مَعَ قُيُودٍ ذَكَرْنَاهَا فِي الْأَصْلِ،
[حاشية العدوي]
السَّنَةِ لَا أَثَرَ لَهَا مَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى ذَلِكَ مَفْسَدَةٌ، وَكَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ: أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ مَا زَادَ عَلَى الْمَرَّةِ فِي السَّنَةِ، وَالْكِذْبَةُ الْوَاحِدَةُ صَغِيرَةٌ مَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهَا عَظِيمُ مَفْسَدَةٍ فَكَبِيرَةٌ وَلِذَلِكَ قَدَحَتْ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْكَذِبِ الْجَائِزِ] أَرَادَ بِهِ الْمَأْذُونَ فِيهِ فَلَا يُنَافِي نَدْبَهُ حَيْثُ كَانَ وَسِيلَةً لِلْإِصْلَاحِ.
[قَوْلُهُ: فَالْمُرَادُ بِهِ فَاعِلُهَا] أَيْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ أَوْ لَا أَيْ تَلَبَّسَ بِهَا تَلَبُّسًا لَا تُعْرَفُ لَهُ بَعْدَهُ تَوْبَةٌ.
[قَوْلُهُ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ] بَلْ مُظْهِرُ الصَّغِيرَةِ كَمُظْهِرِ الْكَبِيرَةِ فِي عَدَمِ الْقَبُولِ هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ الشَّرْطُ أَنْ لَا يُبَاشِرَ صَغِيرَةَ الْخِسَّةِ كَسَرِقَةِ لُقْمَةٍ وَالتَّطْفِيفِ بِحَبَّةٍ وَأَمَّا صَغَائِرُ غَيْرِ الْخِسَّةِ كَنَظْرَةٍ لِأَجْنَبِيَّةٍ فَلَا يَقْدَحُ إلَّا بِشَرْطِ الْإِدْمَانِ عَلَيْهَا، فَمَا يَقَعُ فِي بَعْضِ الشُّرَّاحِ مِنْ أَنَّ النَّظَرَ صَغِيرَةُ خِسَّةٍ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: لَا مَفْهُومَ لَهُ] قَدْ يُقَالُ: قَدْ أَجَابَ عَنْ الْإِشْكَالِ بِقَوْلِهِ: وَالْمُرَادُ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ لِشَرِيكِهِ] صُورَتُهَا ادَّعَى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى آخَرَ بِمَالٍ، وَالْحَالُ أَنَّ ذَلِكَ الْمَالَ الْمُدَّعَى بِهِ مِنْ جُمْلَةِ مَالِ الشَّرِكَةِ فَلَا يَجُوزُ لِلشَّرِيكِ الْآخَرِ أَنْ يَشْهَدَ لِشَرِيكِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ نَفْعًا لِنَفْسِهِ، وَكَمَا إذَا شَهِدَ عَلَى مُوَرِّثِهِ الْمُحْصَنِ بِالزِّنَا أَوْ بِقَتْلِ الْعَمْدِ وَالْحَالُ أَنَّهُ غَنِيٌّ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى قَتْلِهِ لِيَأْخُذَ مَالَهُ، وَلِذَا لَوْ كَانَ فَقِيرًا لَجَازَتْ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لِرَجُلٍ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ إلَخْ] أَيْ وَكَشَهَادَةِ بَعْضِ الْعَاقِلَةِ بِفِسْقِ شُهُودِ الْقَتْلِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ الشَّاهِدُ فَقِيرًا.
[قَوْلُهُ: الْمُخَاصَمَةُ] أَيْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُدَّعِي الْآخَرِ أَيْ بِحَيْثُ يُخَاصِمُنِي وَيُنَازِعُنِي فَيَقُولُ: إنِّي أُقَاسِمُك فِي مَالِ الْمَدِينِ أَوْ أَنَا أَسْتَقِلُّ بِهِ وَأَنْتَ لَيْسَ لَك دَيْنٌ.
[قَوْلُهُ: وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ لَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ بِأَنْ يُرِيدَ تَقْلِيلَ مَالِهِ لِيَسْتَرِيحَ مِنْ ذَلِكَ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ هَذِهِ تُهْمَةٌ بَعِيدَةٌ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ تَعْدِيلُ النِّسَاءِ إلَخْ] أَيْ فِيمَا لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ فِيهِ وَلَا فِي غَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ] بَلْ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ أَشْهَدُ عَلَى الْمَشْهُورِ نَقَلَهُ الطِّخِّيخِيُّ عَنْ الْبِسَاطِيِّ، وَاعْتَمَدَ ابْنُ مَرْزُوقٍ عَدَمَ اشْتِرَاطِهِ.
[قَوْلُهُ: مَعَ قُيُودٍ ذَكَرْنَاهَا فِي الْأَصْلِ] حَاصِلُهُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُزَكِّي كَوْنُهُ مُبَرَّزًا فِي الْعَدَالَةِ مَعْرُوفًا.
لِلْقَاضِي بِالْعَدَالَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ غَرِيبًا فَلَا يُشْتَرَطُ فِي مُزَكِّيهِ كَوْنُهُ مَعْرُوفًا لِلْقَاضِي، بَلْ يَكْفِي أَنْ يُزَكِّيَ مُزَكِّيهِ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْقَاضِي بِالْعَدَالَةِ، وَكَوْنُ الْمُزَكِّي فَطِنًا عَارِفًا بِتَصَنُّعَاتِ الشُّهُودِ، وَأَنْ يَكُونَ مُعْتَمِدًا فِي شَهَادَتِهِ عَلَى التَّزْكِيَةِ عَلَى طُولِ عِشْرَةٍ لِلْمُزَكَّى بِالْفَتْحِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَيُرْجَعُ فِي طُولِهَا لِلْعُرْفِ لَا عَلَى مُجَرَّدِ سَمَاعٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ السَّمَاعُ فَاشِيًا مِنْ الثِّقَاتِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُزَكِّي مِنْ أَهْلِ سُوقِ الْمُزَكَّى بِالْفَتْحِ وَمَحَلَّتِهِ إلَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ ذَلِكَ لِعَدَمِ وُجُودِ مَنْ فِيهِ تِلْكَ الْأَوْصَافُ.
وَقَالَ فِي التَّحْقِيقِ.
فَلَا تَجُوزُ مِنْ غَيْرِ مُعَاشَرَةٍ وَلَا مُعَاشَرَةٍ قَصِيرَةٍ إلَى أَنْ قَالَ: وَشَرْطُ التَّزْكِيَةِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ أَنْ
وَاخْتُلِفَ هَلْ اللَّفْظَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ أَمْ لَا؟ فَقِيلَ: الْعَدَالَةُ فِي الْفِعْلِ وَالرِّضَا فِي التَّحَمُّلِ بِالشَّهَادَةِ أَنْ يَكُونَ فَطِنًا غَيْرَ مُغَفَّلٍ.
وَالْعَدَالَةُ هَيْئَةٌ رَاسِخَةٌ فِي النَّفْسِ تَحْمِلُهُ عَلَى مُلَازَمَةِ التَّقْوَى، وَقِيلَ: الرِّضَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ وَالْعَدَالَةُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى: (وَلَا يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي التَّزْكِيَةِ (وَلَا فِي التَّجْرِيحِ وَاحِدٌ) إذَا زَكَّاهُ فِي الْعَلَانِيَةِ.
وَأَمَّا فِي السِّرِّ فَيَجُوزُ فِيهِ وَاحِدٌ عَلَى الْمَشْهُورِ (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ) فِيمَا يَقَعُ بَيْنَهُمْ (فِي الْجِرَاحِ) وَكَذَلِكَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ فِي الْقَتْلِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهِ، وَفِي الْجِرَاحِ بِأَحَدَ عَشَرَ شَرْطًا ذَكَرَ الشَّيْخُ مِنْهَا اثْنَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقُوا) ؛ لِأَنَّ تَفْرِقَتَهُمْ مَظِنَّةُ تَعْلِيمِهِمْ، وَالْآخَرُ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ يَدْخُلُ بَيْنَهُمْ كَبِيرٌ) ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ تَعْلِيمِهِمْ أَيْضًا، ظَاهِرُهُ كَالْمُخْتَصَرِ سَوَاءٌ كَانَ الْكَبِيرُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، وَبَقِيَّةُ الشُّرُوطِ مَذْكُورَةٌ فِي الْأَصْلِ.
ج: يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ فِي الْمَأْتَمِ وَالْأَعْرَاسِ مَقْبُولَةٌ وَهُوَ أَحَدُ
[حاشية العدوي]
يَكُونَ مِنْ أَهْلِ مَحَلَّتِهِ وَسُوقِهِ؛ لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ إلَى تَحْقِيقِ مَعْرِفَتِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ عُدُولٌ قُبِلَ غَيْرُهُمْ وَكَذَا إنْ كَانَ غَيْرُهُمْ أَشَدَّ بُرُوزًا مِنْهُمْ اهـ الْمُرَادُ مِنْهُ.
[قَوْلُهُ: الْعَدَالَةُ فِي الْفِعْلِ] أَيْ الْعَدَالَةُ تَكُونُ فِي الْفِعْلِ أَيْ بِأَنْ يُؤَدِّيَ الْفَرَائِضَ كَالصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا تَارِكًا لِلزِّنَا وَنَحْوِهِ.
وَقَوْلُهُ: وَالرِّضَا فِي التَّحَمُّلِ أَيْ الرِّضَا يَكُونُ فِي التَّحَمُّلِ.
وَقَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ أَيْ بِأَنْ يَكُونَ تَفْسِيرٌ لِلرِّضَا فِي التَّحَمُّلِ أَيْ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَمَّا كَانَتْ تُؤَدِّي لِقَبُولِ التَّحَمُّلِ وَالرِّضَا بِهِ فُسِّرَتْ بِهِ.
[قَوْلُهُ: غَيْرَ مُغَفَّلٍ] تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: فَطِنًا أَيْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ تَصَنُّعَاتُ الشُّهُودِ.
قَالَ الْبِسَاطِيُّ: التَّغَفُّلُ عَدَمُ اسْتِحْضَارِ الْقُوَّةِ الْمُنَبِّهَةِ مَعَ وُجُودِهَا، فَالْبَلِيدُ لَا قُوَّةَ لَهُ أَلْبَتَّةَ وَالْمُغَفَّلُ مَنْ لَهُ قُوَّةٌ لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِلْهَا.
[قَوْلُهُ: وَالْعَدَالَةُ] أَيْ الَّتِي قُلْنَا إنَّهَا فِي الْقَوْلِ وَقَوْلُهُ هَيْئَةٌ إلَخْ.
أَقُولُ: لَا يَخْفَى أَنَّ الْعَدَالَةَ عَلَى هَذَا وَصْفٌ وُجُودِيٌّ وَيَكُونُ تَعَلُّقُهَا بِالْفِعْلِ بِاعْتِبَارِ مُتَعَلِّقِهِ الَّذِي أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ: تَحْمِلُهُ عَلَى مُلَازَمَةِ التَّقْوَى وَالشَّهَادَةِ بِهَا بِاعْتِبَارِ مَا دَلَّ عَلَيْهَا مِنْ مُتَعَلِّقِهَا.
وَقَوْلُهُ: تَحْمِلُهُ أَيْ تَكُونُ سَبَبًا عَادِيًّا لِمُلَازَمَتِهِ التَّقْوَى، وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ نَقُولَ: الْمُرَادُ تَسْتَلْزِمُ عَقْلًا مُلَازَمَةَ التَّقْوَى اسْتِلْزَامَ الْجَوْهَرِ لِلْعَرَضِ، وَالْمُفَاعَلَةُ لَيْسَتْ عَلَى بَابِهَا أَوْ عَلَى بَابِهَا مُبَالَغَةٌ، وَالتَّقْوَى امْتِثَالُ الْأَوَامِرِ وَاجْتِنَابُ النَّوَاهِي.
وَقَوْلُهُ: فِيمَا بَيْنَهُ إلَخْ مَصْدُوقُ مَا فِي هَذَا وَمَا بَعْدَهُ الْمُعَامَلَةُ أَيْ الْمُعَامَلَةُ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَالْمُعَامَلَةُ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ أَمَّا الثَّانِيَةُ فَكَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ أَيْ بِأَنْ يَأْتِيَ بِمَا ذُكِرَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَأَمَّا الْأَوْلَى فَكَالْبِيَاعَاتِ وَغَيْرِهَا مِمَّا هُوَ كَثُرَ أَيْ تَقَعُ مِنْهُ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ.
[قَوْلُهُ: أَيْ فِي التَّزْكِيَةِ] أَيْ وَالتَّذْكِيرُ بِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا فِي السِّرِّ فَيَجُوزُ فِيهِ وَاحِدٌ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّعَدُّدِ فِي السِّرِّ أَيْضًا أَفَادَهُ فِي التَّحْقِيقِ.
وَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُعَدِّلَ آخَرَ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ اسْمَهُ وَلَا كُنْيَتَهُ الْمَشْهُورَ بِهَا وَلَا اللَّقَبَ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ سَبَبَ عَدَالَتِهِ؛ لِأَنَّ أَسْبَابَ الْعَدَالَةِ كَثِيرَةٌ بِخِلَافِ مَنْ يُجَرِّحُ شَاهِدًا فِي شَهَادَتِهِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُعَيِّنَ سَبَبَ الْجَرْحِ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ، فَرُبَّمَا اعْتَمَدَ فِيهِ عَلَى مَا يَقْضِيهِ كَمَا وَقَعَ لِبَعْضِهِمْ أَنَّهُ جَرَّحَ شَاهِدًا فِي شَهَادَتِهِ فَسُئِلَ عَنْ سَبَبِهِ فَقَالَ: رَأَيْته يَبِيعُ وَلَا يُرَجِّحُ الْمِيزَانَ، فَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ بِتَجْرِيحِ شَخْصٍ وَشَهِدَ اثْنَانِ بِتَعْدِيلِهِ فَإِنَّ شَاهِدَ الْجَرْحِ مُقَدَّمٌ عَلَى شَاهِدِ التَّعْدِيلِ؛ لِأَنَّ الْمُعَدِّلَ يَحْكِي عَنْ ظَاهِرِ الْأَمْرِ وَالْمُجَرِّحَ عَنْ الْبَاطِنِ.
[قَوْلُهُ: فِي الْجِرَاحِ] مُتَعَلِّقٌ بِتَقْدِيرِهِ الَّذِي قَدَّرَهُ يُلْجِئُ إلَى أَنَّ فِي بِمَعْنَى مِنْ أَوْ عَلَى بَابِهَا، وَيَكُونُ مِنْ ظَرْفِيَّةِ الْعَامِّ فِي الْخَاصِّ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهِ وَفِي إلَخْ] هَذَا يُفِيدُ وُقُوعَ خِلَافٍ فِي الْجِرَاحِ أَيْضًا وَهُوَ كَذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقُوا] فَإِنْ تَفَرَّقُوا لَمْ تَصِحَّ شَهَادَتُهُمْ إلَّا إنْ شَهِدَ الْعُدُولُ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمْ.
[قَوْلُهُ: وَبَقِيَّةُ الشُّرُوطِ مَذْكُورَةٌ] الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونُوا أَحْرَارًا.
الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونُوا مَحْكُومًا بِإِسْلَامِهِمْ.
الْخَامِسُ: أَنْ يَشْهَدُ مِنْهُمْ اثْنَانِ فَصَاعِدًا.
السَّادِسُ: أَنْ يَكُونُوا مُتَّفِقِينَ فِي الشَّهَادَةِ.
السَّابِعُ: أَنْ يَكُونُوا ذُكُورًا.
الثَّامِنُ: أَنْ لَا يَكُونَ الشَّاهِدُ قَرِيبًا لِلْمَشْهُودِ لَهُ وَلَا عَدُوًّا لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ.
التَّاسِعُ: أَنْ يَكُونُوا مُمَيِّزِينَ
قَوْلَيْ ابْنِ الْجَلَّابِ.
قُلْت: شُهِرَ فِي الْمُخْتَصَرِ، مُقَابِلُهُ أَنَّهَا غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الصِّبْيَانَ مَنْدُوبُونَ إلَى الِاجْتِمَاعِ بِخِلَافِ النِّسَاءِ، وَلِأَنَّ شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ) أَيْ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فِي قَدْرِ الثَّمَنِ بِأَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ: بِعْتهَا بِدِينَارٍ وَيَقُولَ الْمُشْتَرِي بَلْ بِنِصْفِ دِينَارٍ
[حاشية العدوي]
بِالْفِعْلِ.
الْعَاشِرُ: أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ بَيْنَهُمْ فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتَهُمْ لِصَغِيرٍ عَلَى كَبِيرٍ وَلَا الْعَكْسُ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنْ تَكُونَ الشُّهُودُ وَالْمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ فِي جَمَاعَةٍ وَاحِدَةٍ.
الْمَازِرِيُّ: الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ صِغَارٍ لَمْ تَكُنْ الشُّهُودُ فِي جُمْلَتِهِمْ كَذَا فِي التَّحْقِيقِ، وَحَاصِلُ الْفِقْهِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الصَّبِيِّ الشَّاهِدِ شُرُوطٌ أَنْ يَشْهَدَ فِي قَتْلٍ أَوْ جُرْحٍ لَا فِي مَالٍ، وَأَنْ يَكُونَ حُرًّا مُسْلِمًا مُمَيِّزًا، وَأَنْ يَبْلُغَ عَشَرَ سِنِينَ أَوْ مَا قَرُبَ مِنْهَا، وَأَنْ يَكُونَ ذَكَرًا فَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْإِنَاثِ مِنْ الصِّبْيَانِ وَإِنْ كَثُرْنَ وَلَوْ كَانَ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ، وَأَنْ يَكُونَ مُتَعَدِّدًا وَأَنْ يَكُونَ عَدُوًّا لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَتْ الْعَدَاوَةُ بَيْنَ الصِّبْيَانِ أَنْفُسِهِمْ أَوْ بَيْنَ آبَائِهِمْ.
وَاسْتَظْهَرُوا أَنَّ مُطْلَقَ الْعَدَاوَةِ مَضَرَّةٌ دُنْيَوِيَّةٌ أَوْ دِينِيَّةٌ وَأَنْ لَا يَكُونَ الشَّاهِدُ قَرِيبًا لِلْمَشْهُودِ لَهُ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ مُطْلَقَ الْقَرَابَةِ مَضَرَّةٌ فَيَشْمَلُ الْعَمَّ وَالْخَالَ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ أَكِيدَةً كَمَا فِي الْبَالِغِينَ وَأَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَ الشُّهُودِ خِلَافٌ بَلْ يَكُونُوا مُتَّفِقِينَ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ كَشَهَادَةِ وَاحِدٍ أَنَّ فُلَانًا قَتَلَهُ وَالْآخَرُ مِثْلُهُ
وَأَمَّا لَوْ قَالَ الْآخَرُ إنَّ غَيْرَهُ قَتَلَ فَلَا تُقْبَلُ، وَأَنْ لَا يَحْصُلَ بَيْنَهُمْ فُرْقَةٌ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَهُمْ مَظِنَّةُ تَعْلِيمِهِمْ مَا لَمْ تَشْهَدْ الْعُدُولُ عَلَيْهِمْ بِمَا شَهِدُوا بِهِ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمْ وَإِلَّا فَلَا يَضُرُّ افْتِرَاقُهُمْ فِي ذَلِكَ، وَأَنْ لَا يَحْضُرَهُمْ بَالِغٌ وَقْتَ الْجَرْحِ أَوْ الْقَتْلِ فَإِنْ حَضَرَ وَقْتَهُ أَوْ بَعْدَهُ وَأَمْكَنَهُ تَعْلِيمُهُمْ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى عَدْلًا أَوْ غَيْرَهُ وَلَوْ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا سَقَطَتْ لِإِمْكَانِ تَعْلِيمِهِمْ هَذَا بِحَسَبِ ظَاهِرِ كَلَامِ خَلِيلٍ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى صُورَةٍ فَإِنَّهَا تَصِحُّ وَهِيَ مَا إذَا اتَّحَدَ الْكَبِيرُ وَكَانَ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ وَكَانَتْ الشَّهَادَةُ فِي قَتْلٍ لَا فِي جَرْحٍ، وَأَنْ لَا يَشْهَدَا عَلَى كَبِيرٍ وَلَا لِكَبِيرٍ، وَأَنْ لَا يَكُونَ الشَّاهِدُ مِنْهُمْ مَعْرُوفًا بِالْكَذِبِ وَإِذَا شَهِدُوا وَهُمْ مُسْتَوْفُونَ لِلشَّهَادَةِ ثُمَّ رَجَعُوا عَنْ تِلْكَ الشَّهَادَةِ فِي حَالِ صِغَرِهِمْ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ رُجُوعُهُمْ وَالْعِبْرَةُ بِمَا شَهِدُوا بِهِ أَوَّلًا رَجَعُوا قَبْلَ الْحُكْمِ أَوْ بَعْدَهُ، وَلَا يُعْتَبَرُ تَجْرِيحُ غَيْرِهِمْ لَهُمْ وَلَا تَجْرِيحُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا لِعَدَمِ التَّكْلِيفِ، وَأَمَّا لَوْ تَأَخَّرَ الْحُكْمُ لِبُلُوغِهِمْ وَعَدَلُوا لَقُبِلَ رُجُوعُهُمْ.
وَفَائِدَةُ شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ الدِّيَةُ وَلَوْ ثَبَتَ الْقَتْلُ عَمْدًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْتَصُّ إلَّا مِنْ مُكَلَّفٍ.
[قَوْلُهُ: فِي الْمَأْتَمِ] أَيْ شَهَادَةُ النِّسَاءِ بَعْضِهِنَّ لِبَعْضٍ عَلَى بَعْضِهِنَّ فِي الْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِنَّ فِي مَأْتَمٍ أَوْ عُرْسٍ أَوْ حَمَّامٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَالْمَأْتَمُ بِمِيمٍ وَهَمْزَةٍ وَتَاءٍ مُثَنَّاةٍ مِنْ فَوْقُ عَلَى وَزْنِ مَفْعَلٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْعَيْنِ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ اسْمُ مَكَان مِنْ أَتَمَ بِالْمَكَانِ يَأْتَمُّ أُتُومًا أَقَامَ، ثُمَّ تُجُوِّزَ بِهِ عَنْ النِّسَاءِ يَجْتَمِعْنَ فِي خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ مِنْ تَسْمِيَةِ الْحَالِّ بِاسْمِ الْمَحَلِّ.
قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَالْعَامَّةُ تَخُصُّهُ بِالْمُصِيبَةِ، فَتَقُولُ: كُنَّا فِي مَأْتَمِ فُلَانٍ وَالْأَجْوَدُ فِي مَنَاحَتِهِ أَفَادَهُ صَاحِبُ الْمِصْبَاحِ.
[قَوْلُهُ: مَنْدُوبُونَ] أَيْ مَطْلُوبُونَ إلَى الِاجْتِمَاعِ.
وَقَوْلُهُ: بِخِلَافِ النِّسَاءِ أَيْ فَلَسْنَ مَنْدُوبَاتٍ إلَى الِاجْتِمَاعِ بَلْ الْأَوْلَى عَدَمُ اجْتِمَاعِهِنَّ مَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى مُحَرَّمٍ وَإِلَّا وَجَبَ عَدَمُ الِاجْتِمَاعِ.
[قَوْلُهُ: فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ] الْأَوْلَى عَلَيْهَا.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ] تَثْنِيَةُ مُتَبَايِعٍ بِالْيَاءِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ تَبَايَعَ وَالْمُرَادُ الْمُتَعَاقِدَانِ حَتَّى يَشْمَلَ الْمُتَكَارِيَيْنِ.
[قَوْلُهُ: فِي قَدْرِ الثَّمَنِ] فِيهِ قُصُورٌ إذْ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ تَشْمَلُ إذْ هُوَ حَذْفُ مُتَعَلِّقٍ اخْتَلَفَ فَشَمِلَ الِاخْتِلَافَ فِي جِنْسِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَوْ نَوْعِهِ أَوْ صِفَتِهِ أَوْ قَدْرِ الثَّمَنِ أَوْ الْمُثَمَّنِ أَوْ فِي قَدْرِ الرَّهْنِ أَوْ الْأَجَلِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِالنَّقْدِ أَوْ بِالنَّسِيئَةِ إذَا اخْتَلَفَا فِي جِنْسِ الثَّمَنِ أَوْ الْمُثَمَّنِ كَبِعْت بِدَنَانِيرَ وَيَقُولُ الْآخَرُ بِطَعَامٍ أَوْ أَسْلَمْت فِي حِنْطَةٍ.
وَقَالَ الْآخَرُ فِي حَدِيدٍ، أَوْ اخْتَلَفَا فِي نَوْعِ الثَّمَنِ أَوْ الْمُثَمَّنِ كَبِعْت بِذَهَبٍ.
وَقَالَ الْآخَرُ: بِفِضَّةٍ أَوْ قَالَ: أَسْلَمْنَا فِي قَمْحٍ، وَقَالَ الْآخَرُ فِي شَعِيرٍ، فَإِنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ يَتَحَالَفَانِ أَيْ يَحْلِفُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى نَفْيِ دَعْوَى صَاحِبِهِ مَعَ تَحْقِيقِ دَعْوَاهُ وَيَتَفَاسَخَانِ إنْ حُكِمَ بِهِ فَلَا يَقَعُ فَسْخٌ بِمُجَرَّدِ التَّحَالُفِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ حُكْمٍ بِهِ مَا دَامَ التَّنَازُعُ مَوْجُودًا فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يُفْسَخُ بِتَرَاضِيهِمَا عَلَى الْفَسْخِ.
وَفَائِدَةُ كَوْنِ الْفَسْخِ مُتَوَقِّفًا عَلَى
(اُسْتُحْلِفَ الْبَائِعُ) أَوَّلًا اسْتِحْبَابًا فَيَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ دَعْوَى صَاحِبِهِ وَإِثْبَاتِ دَعْوَاهُ فِي يَمِينٍ وَاحِدَةٍ، فَيَقُولُ: وَاَللَّهِ مَا بِعْتهَا بِنِصْفِ دِينَارٍ وَلَقَدْ بِعْتهَا بِدِينَارٍ (ثُمَّ) بَعْدَ حَلِفِهِ (يَأْخُذُ الْمُبْتَاعُ) السِّلْعَةَ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ (أَوْ يَحْلِفُ) هُوَ أَيْ الْمُبْتَاعُ عَلَى نَفْيِ دَعْوَى صَاحِبِهِ وَإِثْبَاتِ دَعْوَاهُ، فَيَقُولُ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ: وَاَللَّهِ لَمْ أَشْتَرِهَا بِدِينَارٍ وَلَقَدْ اشْتَرَيْتهَا بِنِصْفِ دِينَارٍ، وَيَبْرَأُ مِنْ لُزُومِ الْبَائِعِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ السِّلْعَةَ بِمَا قَالَ الْبَائِعُ أَوْ يَحْلِفَ (وَيَبْرَأُ وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَدَاعِيَانِ فِي شَيْءٍ بِأَيْدِيهِمَا) كُلٌّ مِنْهُمَا يَدَّعِيهِ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يَقُمْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِ وَلَا بِبَيِّنَةٍ، وَلَمْ يُنَازِعْهُمَا فِيهِ أَحَدٌ وَهُوَ مِمَّا يُشْبِهُ أَنْ يَكْتَسِبَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (حَلَفَا وَقُسِمَ بَيْنَهُمَا) ؛ لِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي الدَّعْوَى وَلَمْ
[حاشية العدوي]
حُكْمٍ أَنَّهُ إذَا رَضِيَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْحُكْمِ بِإِمْضَاءِ الْعَقْدِ بِمَا قَالَ الْآخَرُ فَلَهُ ذَلِكَ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَبِيعِ قَائِمًا أَوْ فَائِتًا وُجِدَ شَبَهٌ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا أَوْ لَا، لَكِنْ يَرُدُّ الْمُشْتَرِي السِّلْعَةَ مَعَ الْقِيَامِ وَيَرُدُّ الْقِيمَةَ مَعَ الْفَوَاتِ، وَلَوْ كَانَ الْفَوَاتُ بِحَوَالَةِ سُوقٍ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مُقَوَّمًا أَوْ مِثْلِيًّا، وَقِيلَ فِي الْمِثْلِيِّ: يَلْزَمُ مِثْلُهُ وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْبَيْعِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الصِّفَةِ فَالْقَوْلُ لِلْبَائِعِ بِيَمِينِهِ إنْ اُنْتُقِدَ وَإِنْ لَمْ يُنْتَقَدْ فَلِلْمُبْتَاعِ بِيَمِينِهِ.
ابْنُ نَاجِي: هُوَ الْمَشْهُورُ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ بِأَنْ قَالَ الْبَائِعُ مَثَلًا بِثَمَانِيَةٍ، وَالْمُشْتَرِي بِأَرْبَعَةٍ، أَوْ الْمُثَمَّنِ بِأَنْ قَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُك هَذَا الثَّوْبَ بِعَشَرَةٍ، وَيَقُولُ الْمُشْتَرِي: بَلْ هَذَا الثَّوْبَ وَهَذَا الْفَرَسَ بِعَشَرَةٍ، أَوْ فِي الْأَجَلِ بِأَنْ قَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُك لِشَهْرٍ، وَالْمُشْتَرِي لِشَهْرَيْنِ، أَوْ فِي أَصْلِ الرَّهْنِ أَوْ الْحَمِيلِ أَوْ قَدْرِ الرَّهْنِ أَوْ الْحَمِيلِ بِأَنْ قَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُك بِرَهْنٍ أَوْ بِحَمِيلٍ، وَيَقُولُ الْمُشْتَرِي: بَلْ بِلَا رَهْنٍ وَلَا حَمِيلٍ، فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيُفَاسِخَانِ وَالْفَسْخُ بِالْحُكْمِ أَيْضًا لَا بِمُجَرَّدِ التَّحَالُفِ، وَمَحَلُّ الْفَسْخِ مَا لَمْ تَفُتْ السِّلْعَةُ وَإِلَّا فَيُصَدَّقُ الْمُشْتَرِي بِيَمِينِهِ حَيْثُ أَشْبَهَ الْبَائِعَ أَمْ لَا، فَإِنْ انْفَرَدَ الْبَائِعُ بِالشَّبَهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينٍ، وَإِنْ لَمْ يُشْبِهَا حَلَفَا وَفُسِخَ وَرُدَّتْ قِيمَةُ السِّلْعَةِ يَوْمَ بَيْعِهَا، وَلَا يُرَاعَى شَبَهٌ مَعَ قِيَامِ الْمَبِيعِ، وَأَمَّا إذَا اخْتَلَفَا فِي جِنْسِ الرَّهْنِ أَوْ الْحَمِيلِ فَكَالْحُكْمِ فِي الِاخْتِلَافِ فِي جِنْسِ الثَّمَنِ أَوْ نَوْعِهِ كَمَا يَنْبَغِي.
تَنْبِيهٌ
حُكْمُ تَنَاكُلِهِمَا حُكْمُ حَلِفِهِمَا، وَيُقْضَى لِلْحَالِفِ عَلَى النَّاكِلِ، وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الْعَقْدِ فَالْقَوْلُ لِمُنْكِرِهِ إجْمَاعًا بِيَمِينِهِ.
[قَوْلُهُ: اُسْتُحْلِفَ الْبَائِعُ أَوَّلًا اسْتِحْبَابًا] الْمَذْهَبُ وُجُوبُ تَبْدِئَةِ الْبَائِعِ.
[قَوْلُهُ: فَيَقُولُ] هَذَا فِي مِثَالِهِ الَّذِي فَرَضَهُ وَهُوَ اخْتِلَافُهُمَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ.
[قَوْلُهُ: فَيَقُولُ إلَخْ] لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مَعَ عَدَمِ بَيْعِهَا بِنِصْفِ دِينَارٍ أَنْ يَكُونَ بَاعَهَا بِدِينَارٍ.
[قَوْلُهُ: وَاَللَّهِ لَمْ أَشْتَرِهَا بِدِينَارٍ إلَخْ] لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الشِّرَاءِ بِدِينَارٍ أَنْ يَكُونَ اشْتَرَاهَا بِنِصْفِ دِينَارٍ.
[قَوْلُهُ: بِأَيْدِيهِمَا] فِيهِ قُصُورٌ أَيْ أَوْ لَا بُدَّ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ أَوْ كَانَ بِيَدِ ثَالِثٍ لَمْ يَدَّعِهِ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يُقَرَّ بِهِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَمْ يُخْرِجْهُ عَنْهُمَا، فَإِذَا أَقَرَّ بِهِ لِوَاحِدٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْمُقَرِّ لَهُ بِلَا يَمِينٍ، وَإِذَا ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ وَيَأْخُذُهُ، وَإِذَا أَقَامَ كُلٌّ بَيِّنَةً وَهُوَ بِيَدِ ذَلِكَ الثَّالِثِ وَلَمْ يَدَّعِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِمَنْ يُقِرُّ الْحَائِزُ لَهُ مِنْهُمَا بِيَمِينِهِ لَا لِغَيْرِهِمَا فَلَا يُقْبَلُ.
وَأَمَّا إنْ تَجَرَّدَتْ دَعْوَى كُلٍّ مِنْ الْبَيِّنَةِ فَإِنَّهُ يُعْمَلُ بِإِقْرَارِهِ وَلَوْ لِغَيْرِهِمَا، وَأَمَّا لَوْ ادَّعَاهُ الْحَائِزُ لِنَفْسِهِ وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً فَإِنَّهُ يَبْقَى بِيَدِهِ مِلْكًا مِنْ غَيْرِ حَلِفٍ لِسُقُوطِ بَيِّنَتِهِمَا وَهُوَ يَدَّعِي الْمِلْكِيَّةَ كَذَا ذَكَرَ بَعْضُ الشُّيُوخِ.
[قَوْلُهُ: وَلَمْ يَقُمْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِ] أَيْ وَأَمَّا لَوْ قَامَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِ كَأَنْ يَكُونَ مِمَّا يُشْبِهُ أَنْ يَكْتَسِبَهُ دُونَ صَاحِبِهِ فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ هَذَا ظَاهِرُهُ.
قُلْت: وَالظَّاهِرُ بِيَمِينٍ وَقَوْلُهُ وَلَا بَيِّنَةٍ، وَأَمَّا لَوْ قَامَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ.
[قَوْلُهُ: وَلَمْ يُنَازِعْهُمَا فِيهِ أَحَدٌ] وَأَمَّا لَوْ نَازَعَهُمَا ثَالِثٌ فَإِنْ كَانَ الثَّالِثُ مُشَارِكًا لَهُمَا فِي كَوْنِهِ بِيَدِهِ كَمَا بِيَدِهِمَا فَإِنَّهُ كَهُمَا فَيُقْسَمُ بَيْنَ الثَّلَاثَةُ بَعْدَ حَلِفِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلَهُمَا فِي الْحَوْزِ وَلَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ فَإِنَّهُمَا يُقَدَّمَانِ عَلَيْهِ فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا فَقَطْ وَلَا دَخْلَ لَهُ.
وَقَوْلُهُ: وَهُوَ مِمَّا يُشْبِهُ إلَخْ هَذَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: وَلَمْ
يَتَرَجَّحْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَمَنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ سَقَطَ حَقُّهُ لِلَّذِي حَلَفَ (وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ) وَكَانَتْ إحْدَاهُمَا رَاجِحَةً عَلَى الْأُخْرَى بِالْأَعْدَلِيَّةِ (قُضِيَ بِأَعْدَلِهِمَا) بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ مَنْ أَقَامَهَا أَنَّهُ مَا بَاعَ ذَلِكَ الشَّيْءَ وَلَا وَهَبَهُ وَلَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ (فَإِنْ) لَمْ تُرَجَّحْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ بِمَا ذُكِرَ بَلْ (اسْتَوَيَا) فِيهِ (حَلَفَا وَكَانَ) الشَّيْءُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ (بَيْنَهُمَا) نِصْفَيْنِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِإِحْدَاهُمَا لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: بِأَيْدِيهِمَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِيَدِ أَحَدِهِمَا لَا يَكُونُ الْحُكْمُ كَذَلِكَ.
ع: هُوَ لِمَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً.
وَقَالَ ك: هُوَ لِمَنْ بِيَدِهِ مَعَ يَمِينِهِ وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا وَشَهِدَ لِأَحَدِهِمَا بِهِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ أَيْضًا.
(وَإِذَا رَجَعَ الشَّاهِدُ بَعْدَ الْحُكْمِ أُغْرِمَ مَا أَتْلَفَ بِشَهَادَتِهِ إنْ اعْتَرَفَ أَنَّهُ شَهِدَ بِزُورٍ قَالَهُ أَصْحَابُ مَالِكٍ) ج: ظَاهِرُ كَلَامِهِ يَقْتَضِي أَنَّ جَمِيعَ أَصْحَابِ مَالِكٍ فَرَّقُوا بَيْنَ أَنْ يَعْتَرِفَ أَنَّهُ شَهِدَ بِزُورٍ أَمْ لَا، فَإِنْ شَهِدَ بِهِ غُرِّمَ وَإِنْ قَالَ: اشْتَبَهَ عَلَيَّ فَإِنَّهُ لَا يَغْرَمُ، وَتَبِعَ فِي هَذَا النَّقْلِ ابْنَ الْمَوَّازِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ فِي الْوَاضِحَةِ أَنَّهُ يَغْرَمُ مُطْلَقًا وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الصَّوَابُ عِنْدِي؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ وَالْعَمْدَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ سَوَاءٌ.
[حاشية العدوي]
يَقُمْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي تَقْرِيرِهَا.
[قَوْلُهُ: حَلَفَا وَقُسِمَ بَيْنَهُمَا] وَنُكُولُهُمَا كَحَلِفِهِمَا.
[قَوْلُهُ: وَقُسِمَ بَيْنَهُمَا] يُشْعِرُ بِقِسْمَتِهِ نِصْفَيْنِ وَهُوَ وَاضِحٌ حَيْثُ كَانَ كُلٌّ يَدَّعِي جَمِيعَهُ لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا لَوْ ادَّعَى شَخْصٌ جَمِيعَهُ وَالْآخَرُ بَعْضَهُ فَإِنَّهُ يُقْسَمُ كَالْعَوْلِ، فَإِذَا ادَّعَى أَحَدُهُمَا الْكُلَّ وَالْآخَرُ النِّصْفَ فَإِنَّهُ يُقْسَمُ عَنْ الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ، وَكَيْفِيَّةُ الْعَمَلِ أَنْ يُزَادَ عَلَى الْكُلِّ قَدْرُ الْكَسْرِ الَّذِي يَدَّعِيهِ الْآخَرُ فَيُزَادُ عَلَى الْكُلِّ النِّصْفُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَيُنْسَبُ ذَلِكَ لِمَجْمُوعِ الْكُلِّ وَالْكَسْرُ بِتِلْكَ النِّسْبَةِ يَأْخُذُ كُلَّ وَاحِدٍ فَيَأْخُذُ مُدَّعِي النِّصْفِ الثُّلُثَ وَمُدَّعِي الْكُلِّ الثُّلُثَيْنِ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ] أَيْ أَقَامَ كُلٌّ بَيِّنَةً تَشْهَدُ لَهُ بِأَنَّ مَا بِأَيْدِيهِمَا مَعًا أَيْ لَا بُدَّ لِوَاحِدٍ عَلَيْهِ أَوْ بِيَدِ ثَالِثٍ لَمْ يَدَّعِهِ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يَشْهَدْ بِهِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَمْ يُخْرِجْهُ عَنْهُمَا.
وَأَمَّا لَوْ أَقَامَ كُلٌّ بَيِّنَةً وَتَسَاوَتَا وَهِيَ بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَإِنَّ ذَا الْيَدِ تُرَجَّحُ بَيِّنَتُهُ وَيَبْقَى الشَّيْءُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ بِيَدِ حَائِزِهِ وَيَحْلِفُ هَذَا إذَا لَمْ تُرَجَّحْ بَيِّنَةٌ مُقَابِلَ الْيَدِ، فَإِنْ رُجِّحَتْ بِأَيِّ مُرَجِّحٍ فَإِنَّهُ يُقْضَى بِهِ لِمُقَابِلِ الْيَدِ وَيَحْلِفُ وَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ الْيَدِ.
[قَوْلُهُ: قُضِيَ بِأَعْدَلِهِمَا] وَكَمَا يُقْضَى بِأَعْدَلِهِمَا يُقْضَى بِالْمُؤَرَّخَةِ عَلَى غَيْرِهَا وَبِالسَّابِقَةِ تَارِيخًا وَالنَّاقِلَةِ عَلَى الْمُسْتَصْحَبَةِ كَأَنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةٌ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ أَنْشَأَهَا وَلَا يَعْلَمُونَ خُرُوجَهَا عَنْ مِلْكِهِ إلَى الْآنَ، وَتَشْهَدُ أُخْرَى أَنَّ زَيْدًا اشْتَرَاهَا مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَتُقَدَّمُ النَّاقِلَةُ؛ لِأَنَّهَا عَلِمَتْ مَا لَمْ تَعْلَمْهُ الْأُخْرَى وَتُقَدَّمُ الْمُثْبِتَةُ عَلَى النَّافِيَةِ وَالدَّاخِلَةُ عَلَى الْخَارِجَةِ، وَالْمُرَادُ بِالدَّاخِلَةِ بَيِّنَةُ وَاضِعِ الْيَدِ وَالْخَارِجَةِ بَيِّنَةُ غَيْرِهِ كَمَا قَرَّرْنَا، وَمِنْ الْمُرَجَّحَاتِ تَعْيِينُ سَبَبِ الْمِلْكِ بِأَنْ قَالَتْ إحْدَاهُمَا: نَشْهَدُ أَنَّهُ مَلَكَهُ مِنْ أَبِيهِ أَوْ اشْتَرَاهُ مِنْ زَيْدٍ، وَأَطْلَقَتْ الْأُخْرَى فَقَالَتْ: نَشْهَدُ أَنَّهُ مَلَكَهُ فَقَطْ رُجِّحَتْ الْأُولَى وَيُقَدَّمُ الشَّاهِدَانِ عَلَى شَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ.
[قَوْلُهُ: بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ] إنَّمَا لَزِمَهُ الْيَمِينُ؛ لِأَنَّ مَزِيدَ الْعَدَالَةِ بِمَنْزِلَةِ الشَّاهِدِ.
[قَوْلُهُ: بَلْ اسْتَوَيَا] كَانَ الْوَاجِبُ اسْتَوَيَتَا أَيْ الْبَيِّنَتَانِ فِي الْعَدَالَةِ وَلَا تَرْجِيحَ بِكَثْرَةِ عَدَدٍ إلَّا أَنْ يَبْلُغَ حَدَّ التَّوَاتُرِ لِإِفَادَتِهِ الْعِلْمِ.
[قَوْلُهُ: وَقَالَ ك إلَخْ] لَيْسَ كَلَامُ الْفَاكِهَانِيِّ مُخَالِفًا لِكَلَامِ ابْنِ عُمَرَ، فَإِنَّ كَلَامَ ابْنِ عُمَرَ فِي مَوْضُوعِ مَا إذَا أَقَامَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ بَيِّنَةً فِيمَا بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَقَطْ فَهُوَ لِمَنْ أَقَامَهَا سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الْحَائِزُ أَوْ الْآخَرُ، وَكَلَامُ ك فِي مَوْضُوعِ مَا إذَا لَمْ يَقُمْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ وَهُوَ بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَقَطْ فَهُوَ لَهُ بِيَمِينِهِ كَمَا قَالَ.
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ لَهُ أَنَّهُ مِلْكٌ لَا حَوْزٌ.
وَقَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ بِيَدِ غَيْرِهِمَا مَسْأَلَةٌ أُخْرَى، وَيَتَلَخَّصُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْمُصَنِّفِ مَنْطُوقًا وَمَفْهُومًا تِسْعُ صُوَرٍ؛ لِأَنَّ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ إمَّا بِأَيْدِيهِمَا مَعًا أَوْ أَحَدِهِمَا أَوْ غَيْرِهِمَا، وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يُقِيمَ كُلٌّ بَيِّنَةً أَوْ لَا يُقِيمُهَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَوْ يُقِيمُهَا أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: بَعْدَ الْحُكْمِ] احْتِرَازًا عَنْ الرُّجُوعِ بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَقَبْلَ الْحُكْمِ فَإِنَّهُ لَا يَغْرَمُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُتْلِفْ شَيْئًا، وَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْحُكْمِ غَرِمَ نِصْفَ الْحَقِّ وَإِنْ رَجَعَ عَنْ نِصْفِهِ غَرِمَ رُبْعَهُ وَهَكَذَا.
[قَوْلُهُ: أُغْرِمَ] أَفْهَمَ أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَسَائِلَ مِنْ مَسَائِلِ الْوَكَالَةِ وَغَيْرِهَا فَقَالَ: (وَمَنْ قَالَ) لِمُوَكِّلِهِ (رَدَدْت لَك مَا وَكَّلْتنِي عَلَيْهِ أَوْ عَلَى بَيْعِهِ أَوْ) قَالَ لَهُ: (دَفَعْت إلَيْك ثَمَنَهُ أَوْ) قَالَ الْمُودَعُ لِمَنْ اسْتَوْدَعَهُ شَيْئًا (رَدَدْت عَلَيْك وَدِيعَتَك أَوْ) قَالَ الْعَامِلُ لِمَنْ دَفَعَ إلَيْهِ مَالًا قِرَاضًا فَيَطْلُبُهُ فَيَقُولُ لَهُ: دَفَعْت إلَيْك (قِرَاضَك فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) أَيْ قَوْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَكِيلِ وَالْمُودَعِ وَالْمُقَارَضِ.
ك: يُرِيدُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ مُؤْتَمَنُونَ فَلِذَلِكَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُمْ مَعَ أَيْمَانِهِمْ، نَعَمْ لَوْ قَبَضَ أَحَدُهُمْ شَيْئًا بِبَيِّنَةٍ لَمْ يَبْرَأْ فِي رَدِّهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ الدَّافِعَ إلَيْهِ حِينَ اسْتَوْثَقَ مَنّهُ بِالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ لَمْ يَأْتَمِنْهُ بِخِلَافِ مَا قُبِضَ عَلَى جِهَةِ الْأَمَانَةِ.
ج: وَالْمُرَادُ بِالْبَيِّنَةِ إذَا كَانَتْ مَقْصُودَةً لِلتَّوَثُّقِ.
وَأَمَّا إنْ كَانَتْ اتِّفَاقِيَّةً فَلَا.
قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ
[حاشية العدوي]
الْحُكْمُ لِاحْتِمَالِ كَذِبِهِ فِي رُجُوعِهِ وَإِنَّمَا أُغْرِمَ لِاعْتِرَافِهِ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَيَسْتَحِقُّ الرَّاجِعُ عَنْ شَهَادَتِهِ الْعُقُوبَةَ بِمَا يَرَاهُ الْإِمَامُ وَلَا تُقْبَلُ لَهُ شَهَادَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَوْ تَابَ وَحَسُنَتْ حَالَتُهُ عَلَى أَشْهَرِ الْقَوْلَيْنِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمَا إذَا رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا بَعْدَ الْحُكْمِ وَالِاسْتِيفَاءِ فَإِنَّ الْحُكْمَ لَا يُنْقَضُ سَوَاءٌ كَانَ الْحُكْمُ بِمَالٍ أَوْ نَفْسٍ سَوَاءٌ تَعَمَّدَ الزُّورَ أَمْ لَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ.
فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا رَجَعَا فِي طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ دَيْنٍ أَوْ قِصَاصٍ أَوْ حَدٍّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُمَا يَضْمَنَانِ قِيمَةَ الْمُعْتَقِ وَأَمَّا فِي الطَّلَاقِ فَإِنْ دَخَلَ بِالزَّوْجَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ ضَمِنَا نِصْفَ الصَّدَاقِ وَيَضْمَنَانِ الدَّيْنَ وَيُضَمَّنَانِ الْعَقْلَ فِي الْقِصَاصِ فِي أَمْوَالِهِمَا.
وَقَالَ أَشْهَبُ: يُقْتَصُّ مِنْهُمَا فِي الْعَمْدِ وَاسْتَقَرَّ بِهِ خَلِيلٌ؛ لِأَنَّهُمْ قَتَلُوا نَفْسًا بِغَيْرِ شُبْهَةٍ وَإِنَّمَا غَرِمَا الدِّيَةَ وَإِنْ تَعَمَّدَا عَلَى كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِالتَّعَمُّدِ لَا تَسْتَلْزِمُ الْعَقْلَ لِجَوَازِ الْعَفْوِ مَجَّانًا أَوْ صُلْحًا، فَاَلَّذِي أَوْجَبَ الْقَتْلَ إنَّمَا هُوَ الْحُكْمُ وَالرَّاجِحُ كَلَامُهُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ رُجُوعُهُمَا عَنْ شَهَادَةِ الْقَتْلِ وَقَالَا غَلِطْنَا فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِمَا.
تَنْبِيهٌ
مَا تَقَرَّرَ إذَا كَانَ الرُّجُوعُ بَعْدَ الْحُكْمِ وَالِاسْتِيفَاءِ كَمَا قُلْنَا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الرُّجُوعُ بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ فَنَقُولُ فَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ بِمَالٍ مَضَى اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ بِقِصَاصٍ أَوْ حَدٍّ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَمْضِي كَمَا فِي الْحُكْمِ بِالْمَالِ.
وَقَالَ غَيْرُ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يَمْضِي وَلَا يَسْتَوْفِي الدَّمَ لِحُرْمَتِهِ وَتَجِبُ الدِّيَةُ، وَرَجَعَ إلَى هَذَا ابْنُ الْقَاسِمِ وَاسْتَحْسَنَهُ وَالْقِيَاسُ الْأَوَّلُ.
بَقِيَ شَيْءٌ آخَرُ وَهُوَ مَا إذَا رَجَعَا بَعْدَ الْحُكْمِ وَلَمْ يَحْصُلْ إتْلَافٌ كَمَا لَوْ رَجَعَا عَنْ طَلَاقِ مَدْخُولٍ بِهَا أَوْ عَنْ عِتْقِ أُمِّ وَلَدٍ أَوْ عَفْوٍ عَنْ قِصَاصٍ فَلَا غُرْمَ إذَا لَمْ يُفَوِّتَا عَلَيْهِ فِي الْأَوَّلَيْنِ إلَّا الِاسْتِمْتَاعَ وَقَدْ أَشَرْنَا إلَيْهِ.
[مَسَائِل فِي الْوَكَالَة]
[قَوْلُهُ: عَلَى مَسَائِلَ مِنْ مَسَائِلِ الْوَكَالَةِ إلَخْ] هِيَ نِيَابَةُ ذِي حَقٍّ غَيْرِ ذِي امْرَأَةٍ وَلَا عِبَادَةَ لِغَيْرِهِ فِيهِ غَيْرَ مَشْرُوطَةٍ بِمَوْتِهِ فَيَخْرُجُ نِيَابَةُ إمَامِ الطَّاعَةِ أَمِيرًا أَوْ قَاضِيًا.
وَقَوْلُهُ: وَلَا عِبَادَةَ أَخْرَجَ مَا إذَا أَنَابَ غَيْرَهُ فِي الصَّلَاةِ بَدَلَهُ.
وَقَوْلُهُ: غَيْرَ مَشْرُوطَةٍ بِمَوْتِهِ خَرَجَتْ الْوَصِيَّةُ وَأَرْكَانُهَا الْوَكِيلُ وَالْمُوَكِّلُ وَالْمُوَكَّلُ فِيهِ وَالصِّيغَةُ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ، وَأَمَّا الْمُوَكَّلُ فِيهِ فَهُوَ مَا يَقْبَلُ النِّيَابَةَ مِنْ عَقْدٍ وَفَسْخٍ وَقَبْضِ حَقٍّ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَمَّا الصِّيغَةُ فَهِيَ كُلُّ مَا دَلَّ عُرْفًا عَلَى جَعْلِ التَّصَرُّفِ لِغَيْرِهِ مَعَ قَبُولِ الْمُفَوَّضِ لَهُ قِيلَ عَلَى الْفَوْرِ وَقِيلَ يُرْجَعُ فِيهِ لِلْعَادَةِ.
[قَوْلُهُ: رَدَدْت لَك مَا وَكَّلْتنِي إلَخْ] مِثَالُهُ أَنْ يُوَكِّلَهُ عَلَى دَفْعِ دَيْنٍ لِزَيْدٍ فَلَمْ يَجِدْهُ فَرَدَّهُ لِمُوَكِّلِهِ فَنَازَعَهُ الْمُوَكِّلُ فَيُقْبَلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ فِي رَدِّهِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ عَلَى بَيْعِهِ أَيْ أَوْ قَالَ لِمَنْ وَكَّلَهُ عَلَى بَيْعِ سِلْعَةٍ رَدَدْت إلَيْك مَا وَكَّلْتنِي عَلَى بَيْعِهِ لِتَعَذُّرِ بَيْعِهِ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ قَالَ دَفَعْت أَيْ أَوْ قَالَ: بِعْته وَدَفَعْت إلَيْك ثَمَنَهُ.
[قَوْلُهُ: يُرِيدُ مَعَ يَمِينِهِ] يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُؤَلِّفَ مَاشٍ عَلَى مَا قَالَهُ شُيُوخُ الْمُدَوَّنَةِ، أَنَّهُ إذَا قَالَ فِيهَا الْقَوْلُ قَوْلُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ وَإِذَا قَالَ صُدِّقَ فَبِغَيْرِ يَمِينٍ وَحِينَئِذٍ فَلَا إطْلَاقَ.
[قَوْلُهُ: إذَا كَانَتْ مَقْصُودَةً لِلتَّوَثُّقِ] هِيَ الَّتِي أَقَامَهَا خِيفَةَ دَعْوَى الرَّدِّ بِأَنْ يُشْهِدَهَا أَنَّهُ إذَا ادَّعَى رَدَّ الثَّمَنِ أَوْ السِّلْعَةِ مَثَلًا فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوَكِيلَ فِي قَوْلِهِ رَدَدْت مَا قَبَضْته مِنْ مُوَكِّلِي لَهُ مِنْ ثَمَنٍ أَوْ مُثَمَّنٍ يُصَدَّقُ بِيَمِينٍ إذَا قَبَضَ ذَلِكَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَأَمَّا بِبَيِّنَةٍ مَقْصُودَةٍ لِلتَّوَثُّقِ فَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ مِثْلُ الْوَدِيعَةِ
كَعَبْدِ الْحَقِّ وَاللَّخْمِيِّ وَابْنِ يُونُسَ.
(وَمَنْ قَالَ دَفَعْت إلَى فُلَانٍ كَمَا أَمَرْتنِي) مِثْلُ أَنْ يُرْسِلَهُ إلَى مَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ إلَى مِسْكِينٍ (فَأَنْكَرَ فُلَانٌ) بِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ مَا أَمَرَهُ بِدَفْعِهِ إلَيْهِ (فَعَلَى الدَّافِعِ الْبَيِّنَةُ) أَنَّهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً بِذَلِكَ (ضَمِنَ) إذَا أَمَرَهُ بِالْإِشْهَادِ أَوْ كَانَتْ الْعَادَةُ الْإِشْهَادَ.
وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ الْعَادَةُ تَرْكَ الْإِشْهَادِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ (وَكَذَلِكَ عَلَى وَلِيِّ الْأَيْتَامِ) وَهُوَ الْوَصِيُّ وَوَصِيُّهُ وَوَلِيُّ الْقَاضِي (الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَيْهِمْ) إذَا لَمْ يَكُونُوا فِي حَضَانَتِهِ وَنَازَعُوهُ فِي مِقْدَارِ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِمْ (أَوْ) أَنَّهُ (دَفَعَ إلَيْهِمْ) أَمْوَالَهُمْ بَعْدَ بُلُوغِهِمْ وَرُشْدِهِمْ وَقَيَّدْنَا بِمَا إذَا لَمْ يَكُونُوا فِي حَضَانَتِهِ لِقَوْلِهِ: (وَإِنْ كَانُوا فِي حَضَانَتِهِ) وَنَازَعُوا (صُدِّقَ فِي النَّفَقَةِ فِيمَا يُشْبِهُ) مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ تُدْرِكُهُ فِي الْإِشْهَادِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى مَا لَا يُشْبِهُ لَا يُصَدَّقُ وَهُوَ كَذَلِكَ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الصُّلْحِ فَقَالَ: (وَالصُّلْحُ) وَهُوَ قَطْعُ الْمُنَازَعَةِ (جَائِزٌ إلَّا مَا جَرَّ إلَى حَرَامٍ) لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» . مِثَالُ الْأَوَّلِ أَنْ يُصَالِحَ عَلَى دَارٍ ادَّعَاهَا بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ، وَمِثَالُ الثَّانِي: أَنْ يُصَالِحَ عَلَى سِلْعَةٍ بِثَوْبٍ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَلْبَسَهَا آخِذُهَا أَوْ لَا يَبِيعَهَا (وَيَجُوزُ) الصُّلْحُ (عَلَى الْإِقْرَارِ) اتِّفَاقًا (وَ) عَلَى (الْإِنْكَارِ) عَلَى الْمَشْهُورِ، وَصُورَتُهُ أَنْ يَدَّعِيَ دَارًا مَثَلًا
[حاشية العدوي]
سَوَاءٌ.
[قَوْلُهُ: قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ كَعَبْدِ الْحَقِّ] وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ تَكُونَ مَقْصُودَةً لِلتَّوَثُّقِ قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: فَأَنْكَرَ] مَفْهُومُهُ لَوْ اعْتَرَفَ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ وَلَكِنْ ادَّعَى أَنَّهُ ضَاعَ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الْوَكِيلِ وَمُصِيبَةُ الْمَالِ لِمَنْ هُوَ لَهُ.
[قَوْلُهُ: إذَا أَمَرَهُ بِالْإِشْهَادِ إلَخْ] كَانَ الْوَكِيلُ مُفَوَّضًا إلَيْهِ أَمْ لَا، كَانَتْ الْعَادَةُ الْإِشْهَادَ أَمْ لَا، وَمَحَلُّ الضَّمَانِ مَا لَمْ يَكُنْ الدَّفْعُ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيطَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ إنَّمَا هُوَ مِنْ الْمُوَكِّلِ.
[قَوْلُهُ: أَمَّا لَوْ كَانَتْ الْعَادَةُ] ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ الضَّمَانُ وَلَوْ جَرَى عُرْفٌ بِعَدَمِ الْإِشْهَادِ فَهِيَ تُسْتَثْنَى مِنْ قَاعِدَةِ الْعَمَلِ بِالْعُرْفِ الَّذِي هُوَ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الْمَذْهَبِ.
[قَوْلُهُ: وَوَلِيُّ الْقَاضِي] أَيْ مَا قَدَّمَهُ الْقَاضِي.
[قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يَكُونُوا فِي حَضَانَتِهِ] كَأَنْ كَانَ يُنْفِقُ مُسَانَاةً أَوْ مُشَاهَرَةً.
[قَوْلُهُ: وَنَازَعُوهُ فِي مِقْدَارِ مَا أَنْفَقَ] أَيْ أَوْ أَصْلُ الْإِنْفَاقِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ أَنَّهُ دَفَعَ إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ بَعْدَ بُلُوغِهِمْ وَرُشْدِهِمْ] وَأَمَّا لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ دَفَعَ إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ زَمَنَ كَوْنِهِمْ فِي حَضَانَتِهِ وَقَبْلَ الْبُلُوغِ وَالرُّشْدِ لَا يُصَدَّقُ، وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى الدَّفْعِ حَيْثُ أَتْلَفُوهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُمَكِّنَهُمْ مِنْ شَيْءٍ قَبْلَ رُشْدِهِمْ سِوَى النَّفَقَةِ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَمَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالرُّشْدِ فَلَا يُقْبَلُ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ، وَلَوْ قَامُوا بَعْدَ طُولٍ مِنْ رُشْدِهِمْ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
[قَوْلُهُ: صُدِّقَ فِي النَّفَقَةِ] أَيْ فِي شَأْنِ النَّفَقَةِ لِيَشْمَلَ مَا إذَا نَازَعُوهُ فِي أَصْلِ الْإِنْفَاقِ أَوْ فِي قَدْرِ الْمُنْفَقِ، وَمِثْلُ كَوْنِهِمْ فِي حَضَانَتِهِ كَوْنُهُمْ فِي حَضَانَةِ أُمِّهِمْ وَهِيَ فَقِيرَةٌ وَظَهَرَ أَثَرُ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ.
[قَوْلُهُ: مَعَ يَمِينِهِ] اُخْتُلِفَ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَحْسُبَ أَقَلَّ مَا يُمْكِنُ وَيُسْقِطَ الزَّائِدَ، وَلَا يَحْلِفُ هَلْ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عِمْرَانَ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ يَمِينِهِ إذْ قَدْ يُمْكِنُ أَقَلُّ مَا حَسَبَ وَهُوَ قَوْلُ عِيَاضٍ قُلْت: وَهُوَ الظَّاهِرُ فَتَدَبَّرْ.
[أَحْكَام الصُّلْح]
[قَوْلُهُ: ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ إلَخْ] الصُّلْحُ انْتِقَالٌ عَنْ حَقٍّ أَوْ دَعْوَى بِعِوَضٍ لِرَفْعِ نِزَاعٍ أَوْ لِخَوْفِ وُقُوعِهِ.
[قَوْلُهُ: جَائِزٌ] أَيْ جَوَازًا رَاجِحًا؛ لِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِلَفْظِ جَائِزٍ الْمُوهِمِ الْجَوَازَ الْمُسْتَوِيَ الطَّرَفَيْنِ لِأَجْلِ الِاسْتِثْنَاءِ بِقَوْلِهِ إلَّا مَا جَرَّ إلَى حَرَامٍ.
[قَوْلُهُ: أَحَلَّ حَرَامًا] أَيْ أَدَّى إلَى ارْتِكَابِ مُحَرَّمٍ شَرْعًا.
[قَوْلُهُ: مِثَالُ الْأَوَّلِ] أَيْ وَكَالصُّلْحِ عَنْ الذَّهَبِ الْمُؤَجَّلِ بِالْوَرِقِ وَلَوْ عَلَى الْحُلُولِ.
[قَوْلُهُ: أَنْ لَا يَلْبَسَهَا آخِذُهَا إلَخْ] الْمُنَاسِبُ أَنْ لَا يَلْبَسَهُ أَيْ الثَّوْبَ، وَتَرْجِيعُ الضَّمِيرِ لِلسِّلْعَةِ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّهَا صَادِقَةٌ بِكَوْنِهَا مِمَّا لَا يُلْبَسُ وَالْأَمْرُ سَهْلٌ.
[قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ الصُّلْحُ عَلَى الْإِقْرَارِ] وَيَكُونُ تَارَةً بَيْعًا إنْ وَقَعَ عَلَى أَخْذِ غَيْرِ الْمُقَرِّ بِهِ كَأَنْ يَكُونَ لَهُ عَرْضٌ أَوْ حَيَوَانٌ وَيُصَالِحُ عَنْهُ بِدَرَاهِمَ، وَتَارَةً تَكُونُ إجَارَةً وَذَلِكَ كَأَنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيْهِ ذَاتٌ مُعَيَّنَةٌ كَثَوْبٍ أَوْ عَبْدٍ فَيُصَالِحُهُ عَنْ ذَلِكَ بِمَنَافِعَ دَارٍ مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ، وَتَارَةً يَكُونُ هِبَةً وَذَلِكَ كَمَا إذَا كَانَ لَهُ
فَيُنْكِرَ ثُمَّ يُصَالِحَهُ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ لَهُ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِلصُّلْحِ عَلَى السُّكُوتِ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ وَلَا إقْرَارٍ.
ك: هُوَ كَالْإِقْرَارِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
ج: مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْخِلَافِ لَا أَعْرِفُهُ لَكِنَّهُ جَارٍ عَلَى قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ فِي السُّكُوتِ هَلْ هُوَ كَالْإِقْرَارِ أَمْ لَا، وَلِلصُّلْحِ عَلَى الْإِنْكَارِ وَالسُّكُوتِ شُرُوطٌ نَقَلْنَاهَا فِي الْأَصْلِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَسْأَلَةٍ مِنْ مَسَائِلِ التَّغْرِيرِ بِالزَّوْجَةِ فَقَالَ: (وَالْأَمَةُ) الْقِنُّ (الْغَارَّةُ) الَّتِي تَدْعُو رَجُلًا أَنْ
[حاشية العدوي]
عَلَيْهِ مِائَةٌ فَصَالَحَهُ عَنْهَا بِخَمْسِينَ وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ إبْرَاءٌ، وَيَجُوزُ عَنْ الدَّيْنِ بِمَا يُبَاعُ بِهِ فَإِنْ كَانَ عَرْضًا جَازَ الصُّلْحُ عَنْهُ وَلَوْ بِعَيْنٍ حَالَّةٍ وَإِنْ كَانَ عَيْنًا جَازَ الصُّلْحُ عَنْهُ بِعَرْضٍ حَالٍّ وَعَنْ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ وَعَكْسِهِ حَيْثُ حَلَّا وَعَجَّلَا الْمَصَالِحَ بِهِ.
[قَوْلُهُ: وَعَلَى الْإِنْكَارِ عَلَى الْمَشْهُورِ] خِلَافًا لِابْنِ الْجَهْمِ فَإِنَّهُ يَقُولُ بِعَدَمِ الْجَوَازِ، وَعِلَّتُهُ مَذْكُورَةٌ فِي ابْنِ نَاجِي.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ يُصَالِحُهُ] أَيْ يَجُوزُ لَهُ وَلَوْ عَلِمَ بَرَاءَةَ نَفْسِهِ عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَالْجَوَازُ إنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ إلَى الْعَقْدِ، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ الْبَاطِنِ بِحَيْثُ يَحِلُّ تَنَاوُلُ مَا وَقَعَ بِهِ الصُّلْحُ فَإِنْ كَانَ الصَّادِقُ الْمُنْكِرَ فَالْمَأْخُوذُ مِنْهُ حَرَامٌ وَإِلَّا فَحَلَالٌ.
[قَوْلُهُ: مَا ذَكَرَهُ] أَيْ الْفَاكِهَانِيُّ.
وَقَوْلُهُ: مِنْ الْخِلَافِ أَيْ الْمُشَارِ لَهُ بِقَوْلِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
[قَوْلُهُ: هُوَ كَالْإِقْرَارِ] أَيْ الَّذِي هُوَ الْمَشْهُورُ كَمَا قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ، وَأَقُولُ يُبْحَثُ فِي ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَوْ جُعِلَ كَالْإِقْرَارِ لَمَا اُشْتُرِطَ فِيهِ شُرُوطُ الْإِنْكَارِ مَعَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ شُرُوطُ الْإِنْكَارِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: نَقَلْنَاهَا فِي الْأَصْلِ] هِيَ مَا أَفَادَهَا فِي التَّحْقِيقِ بِقَوْلِهِ: أَيْ يَجُوزُ ذَلِكَ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَارِيًا عَلَى دَعْوَى الْمُدَّعِي، وَعَلَى إنْكَارِ الْمُنْكِرِ، وَعَلَى ظَاهِرِ الْحُكْمِ، وَشَرَطَ ابْنُ الْقَاسِمِ الشَّرْطَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فَقَطْ وَأَصْبَغُ اشْتَرَطَ شَرْطًا وَاحِدًا وَهُوَ أَنْ لَا تَتَّفِقَ دَعْوَاهُمَا عَلَى فَسَادٍ، فَلَوْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ دَرَاهِمَ وَطَعَامًا مِنْ بَيْعٍ فَاعْتَرَفَ الْبَائِعُ بِالطَّعَامِ وَأَنْكَرَ الدَّرَاهِمَ فَصَالَحَهُ عَلَى طَعَامٍ لِأَجَلٍ أَكْثَرَ مِنْ طَعَامِهِ أَوْ اعْتَرَفَ لَهُ بِالدَّرَاهِمِ وَصَالَحَهُ عَلَى دَنَانِيرَ مُؤَجَّلَةٍ أَوْ دَرَاهِمَ أَكْثَرَ مِنْ دَرَاهِمِهِ فَحَكَى ابْنُ رُشْدٍ الِاتِّفَاقَ عَلَى فَسَادِهِ وَفَسْخِهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ السَّلَفِ بِزِيَادَةٍ وَالصَّرْفِ الْمُؤَخَّرِ، وَلَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فَأَنْكَرَهُ فَأَرَادَ أَنْ يُصَالِحَهُ عَنْهَا بِدَرَاهِمَ إلَى أَجَلٍ فَهَذَا مُمْتَنِعٌ عَلَى دَعْوَى الْمُدَّعِي إذْ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ فِي دَنَانِيرِهِ دَرَاهِمَ إلَى أَجَلٍ، وَجَائِزٌ عَلَى دَعْوَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذْ إنَّمَا صَالَحَ عَلَى يَمِينٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِ فَيَمْتَنِعُ عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ عِنْدَهُمَا أَنْ يَجُوزَ عَلَى دَعْوَاهُمَا مَعًا.
وَهَذَا لَا يَجُوزُ عَلَى دَعْوَى الْمُدَّعِي وَأَجَازَهُ أَصْبَغُ إذْ لَمْ تَتَّفِقْ دَعْوَاهُمَا عَلَى فَسَادٍ، وَهَكَذَا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ عَشَرَةَ أَرَادِب مِنْ قَرْضٍ فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: بَلْ لَك عِنْدِي خَمْسَةٌ مِنْ سَلَمٍ فَأَرَادَ أَنْ يُصَالِحَهُ عَلَى دَرَاهِمَ وَنَحْوِهَا مُعَجَّلَةٍ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى دَعْوَى الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ طَعَامَ الْقَرْضِ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَلَا يَجُوزُ عَلَى دَعْوَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ طَعَامَ السَّلَمِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ فَهَذَا أَيْضًا يُجِيزُهُ أَصْبَغُ وَيَمْنَعُهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ، وَلَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ مِائَةَ دِرْهَمٍ فَأَنْكَرَ فَصَالَحَهُ عَلَى خَمْسِينَ إلَى أَجَلٍ أَوْ عَلَى تَأْخِيرِ جَمِيعِهَا فَهَذَا جَائِزٌ عَلَى دَعْوَى كُلٍّ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ يَقُولُ: حَطَطْت وَأَخَّرْت وَأَنَا دَائِنٌ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَقُولُ: افْتَدَيْت مِنْ يَمِينٍ وَجَبَتْ عَلَيَّ.
وَظَاهِرُ الْحُكْمِ أَنَّ فِيهِ سَلَفًا جَرَّ مَنْفَعَةً، فَالسَّلَفُ هُوَ التَّأْخِيرُ وَالْمَنْفَعَةُ هِيَ سُقُوطُ الْيَمِينِ الْمُنْقَلِبَةِ عَلَى الْمُدَّعِي بِتَقْدِيرِ نُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ حَلِفِهِ فَيَسْقُطُ جَمِيعُ الْمَالِ، فَهَذَا مَمْنُوعٌ عِنْدَ مَالِكٍ لِاشْتِرَاطِ الْجَوَازِ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ وَأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ هَذَا الشَّرْطَ وَلَا إشْكَالَ فِي جَوَازِهِ عَلَى قَوْلِ أَصْبَغَ اهـ كَلَامُ التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: بِالزَّوْجَةِ] حَالٌ مِنْ التَّغْرِيرِ أَيْ حَالَ كَوْنِ التَّغْرِيرِ مُلْتَبِسًا بِالزَّوْجَةِ.
[قَوْلُهُ: وَالْأَمَةُ الْقِنُّ] بَلْ وَالْمُكَاتَبَةُ وَالْمُدَبَّرَةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ كَذَلِكَ، لَكِنَّ الْقِنَّ وَالْمُكَاتَبَةَ تُعْتَبَرُ قِيمَةُ وَلَدِهِمَا عَلَى أَنَّهُ قِنٌّ، وَقِيمَةُ وَلَدِ الْمُدَبَّرَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ عَلَى الْغَرَرِ.
أَمَّا الْأُولَى فَلِاحْتِمَالِ مَوْتِهِ قَبْلَ السَّيِّدِ فَيَكُونُ رَقِيقًا أَوْ بَعْدَهُ وَيَحْمِلُهُ الثُّلُثُ فَحُرٌّ أَوْ يَحْمِلُ بَعْضَهُ أَوَّلًا يَحْمِلُ مِنْهُ شَيْئًا فَيَرِقُّ مَا لَا يَحْمِلُهُ الثُّلُثُ مِنْ بَعْضِهِ أَوْ كُلِّهِ.
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَمُوتَ سَيِّدُ أُمِّهِ قَبْلَهُ فَيَكُونَ حُرًّا أَوْ احْتِمَالِ أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ سَيِّدِ أُمِّهِ فَيَكُونَ رَقِيقًا وَيَغْرَمَ قِيمَةَ وَلَدِ الْمُعْتَقَةِ لِأَجَلٍ عَلَى الْغَرَرِ لِذَلِكَ الْأَجَلِ أَيْ عَلَى أَنَّهُمْ أَحْرَارٌ بَعْدَ
يَتَزَوَّجَهَا مُخَبِّرَةً بِمَقَالِهَا أَوْ بِشَاهِدِ حَالِهَا أَنَّهَا حُرَّةٌ ف (تَتَزَوَّجُهُ عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ) ثُمَّ يَظْهَرُ خِلَافُهُ (فَلِسَيِّدِهَا أَخْذُهَا وَأَخْذُ قِيمَةِ الْوَلَدِ يَوْمَ الْحُكْمِ لَهُ) بِهَا إذَا لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَى السَّيِّدِ وَكَانَ الزَّوْجُ حُرًّا غَيْرَ عَالِمٍ بِأَنَّهَا أَمَةٌ سَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِي النِّكَاحِ أَمْ لَا.
وَعَلَى الزَّوْجِ الْأَقَلُّ مِنْ الْمُسَمَّى وَصَدَاقُ الْمِثْلِ، ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْوَلَدَ حُرٌّ وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا، وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ رَقِيقٌ لِلسَّيِّدِ فَلِذَلِكَ قَيَّدْنَا كَلَامَهُ بِقَوْلِنَا: وَكَانَ الزَّوْجُ حُرًّا، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَخْذِ الْقِيمَةِ يَوْمَ الْحُكْمِ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ: يَوْمَ الْوِلَادَةِ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ لَوْ مَاتَ الْوَلَدُ قَبْلَ ذَلِكَ فَعَلَى الْمَشْهُورِ لَا شَيْءَ فِيهِ وَعَلَى مُقَابِلِهِ لَهُ قِيمَتُهُ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَسَائِلَ مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ فَقَالَ: (وَمَنْ اسْتَحَقَّ أَمَةً) وَالْحَالُ أَنَّهَا (قَدْ وَلَدَتْ) مِنْ حُرٍّ غَيْرِ
[حاشية العدوي]
الْأَجَلِ، وَوَلَدُ الْمُبَعَّضَةِ بِمَنْزِلَتِهَا مُعْتَقٌ بَعْضُهُ فَيَغْرَمُ قِيمَةَ الْبَعْضِ الْقِنِّ.
[قَوْلُهُ: الْغَارَّةُ] لَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ الْغَارَّةُ بِالنِّسْبَةِ لِقِيمَةِ الْوَلَدِ فَإِنَّهَا لَازِمَةٌ لِلْأَبِ كَانَ الْغَارُّ الْأَمَةَ أَوْ أَجْنَبِيًّا أَوْ السَّيِّدَ، وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ الْحَالُ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَنُفَصِّلُهُ فَنَقُولُ: فَإِذَا كَانَ الْغَارُّ أَجْنَبِيًّا وَتَوَلَّى الْعَقْدَ فَلِسَيِّدِهَا عَلَى الزَّوْجِ جَمِيعُ الْمُسَمَّى كَقِيمَةِ الْوَلَدِ ثُمَّ يَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ بِالصَّدَاقِ لَا بِقِيمَةِ الْوَلَدِ، أَيْ إذًا يُخْبِرُ أَنَّهُ غَيْرُ وَلِيٍّ خَاصٍّ وَإِنَّمَا تَوَلَّى عُقْدَةَ النِّكَاحِ بِوِلَايَةِ الْإِسْلَامِ الْعَامَّةِ أَوْ الْوَكَالَةِ وَإِلَّا فَلَا رُجُوعَ، وَمِثْلُ الْإِخْبَارِ بِأَنَّهُ غَيْرُ وَلِيٍّ عِلْمُ الزَّوْجِ بِذَلِكَ، وَقَوْلُنَا: وَتَوَلَّى الْعَقْدَ احْتَرَزَ بِهِ عَمَّا إذَا حَصَلَ مِنْهُ إخْبَارٌ فَقَطْ بِالْحُرِّيَّةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غُرُورٌ.
قَوْلِي: لَمْ يُصَاحِبْ عَقْدًا، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْغَارُّ السَّيِّدَ فَحُكْمُهُ أَنَّ عَلَيْهِ الْأَقَلَّ مِنْ الْمُسَمَّى وَصَدَاقِ الْمِثْلِ كَغُرُورِهَا.
[قَوْلُهُ: فَلِسَيِّدِهَا أَخْذُهَا] أَيْ إنْ أَرَادَ الزَّوْجُ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ لِلْمَغْرُورِ وَلَهُ إبْقَاؤُهَا زَوْجَةً إنْ أَذِنَ لَهَا فِي النِّكَاحِ وَفِي اسْتِخْلَافِ رَجُلٍ يَعْقِدُ عَلَيْهَا، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَحْصُلْ إذْنٌ بِالنِّكَاحِ أَوْ أَذِنَ لَهَا وَلَمْ يَأْذَنْ فِي اسْتِخْلَافِ مَنْ يَعْقِدُ نِكَاحَهَا لَتَحَتَّمَ.
[قَوْلُهُ: وَأَخْذُ قِيمَةِ الْوَلَدِ] أَيْ مِنْ أَبِيهِ دُونَ مَالِهِ لِتَخَلُّقِهِ عَلَى الْحُرِّيَّةِ.
[قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَى السَّيِّدِ] أَيْ فَإِذَا كَانَ يُعْتَقُ عَلَى السَّيِّدِ فَإِنَّهُ لَا غَرَامَةَ عَلَى الْأَبِ الْمَغْرُورِ حِينَئِذٍ بِقِيمَةِ وَلَدِهِ كَمَا لَوْ غَرَّتْ الْوَلَدَ أَمَةُ أَبِيهِ أَوْ أَمَةُ جَدِّهِ مِنْ أَبٍ أَوْ أُمٍّ أَوْ أَمَةُ أُمِّهِ بِالْحُرِّيَّةِ فَتَزَوَّجَهَا ظَانًّا حُرِّيَّتَهَا وَأَوْلَدَهَا ثُمَّ عَلِمَ بَعْدَ ذَلِكَ بِرِقِّهَا فَإِنَّ الْوَلَدَ يُعْتَقُ عَلَى جَدِّهِ أَوْ جَدَّتِهِ وَلَا قِيمَةَ فِيهِ.
[قَوْلُهُ: غَيْرَ عَالَمٍ بِأَنَّهَا أَمَةٌ] هُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ الْغَارَّةُ.
[قَوْلُهُ: سَوَاءٌ أَذِنَ لَهَا السَّيِّدُ فِي النِّكَاحِ إلَخْ] يُفِيدُ أَنَّ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ جَارٍ فِيمَا إذَا كَانَ النِّكَاحُ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا فَيَأْخُذُ السَّيِّدُ قِيمَةَ الْوَلَدِ فِي الصُّورَتَيْنِ كَمَا قَالَهُ عج.
[قَوْلُهُ: وَعَلَى الزَّوْجِ الْأَقَلُّ] هَذَا إذَا فَارَقَهَا، وَأَمَّا إنْ أَمْسَكَهَا فَعَلَيْهِ الْمُسَمَّى وَإِنَّمَا لَهُ إمْسَاكُهَا بِشَرْطِ خَوْفِ الْعَنَتِ وَعَدَمِ الطَّوْلِ وَإِذْنِ السَّيِّدِ لَهَا فِي الِاسْتِخْلَافِ، وَإِذَا اخْتَارَ الْإِمْسَاكَ فَلِيَسْتَبْرِئهَا؛ لِأَنَّ الْمَاءَ السَّابِقَ عَلَى الْإِجَازَةِ الْوَلَدُ فِيهِ حُرٌّ وَالْمُتَأَخِّرُ عَنْهَا رَقِيقٌ، وَأَمَّا إنْ أَذِنَ لَهَا فِي التَّزْوِيجِ دُونَ الِاسْتِخْلَافِ فَإِنَّ نِكَاحَهَا يُفْسَخُ أَبَدًا وَيَجِبُ لَهَا صَدَاقُ الْمِثْلِ.
[قَوْلُهُ: وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ رَقِيقٌ لِلسَّيِّدِ] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَعَلَيْهِ فَيَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَيْهَا بِالْفَضْلِ عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ.
تَنْبِيهٌ
لَوْ حَصَلَ الْغُرُورُ مِنْ السَّيِّدِ وَمِمَّنْ تَوَلَّى الْعَقْدَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَحُكْمِ غُرُورِ السَّيِّدِ.
[قَوْلُهُ: فَعَلَى الْمَشْهُورِ إلَخْ] هَذَا إذَا مَاتَ الْوَلَدُ بِلَا سَبَبٍ، وَأَمَّا لَوْ قُتِلَ الْوَلَدُ قَبْلَ الْحُكْمِ عَلَى أَبِيهِ بِقِيمَتِهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ أَبَاهُ الْأَقَلُّ مِنْ الدِّيَةِ أَوْ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْقَتْلِ، وَالدِّيَةُ تَشْمَلُ الْخَطَأَ وَصُلْحَ الْعَمْدِ فَلَوْ اقْتَصَّ الْأَبُ أَوْ هَرَبَ الْقَاتِلُ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَبْلَ يَوْمِ الْحُكْمِ بِالْقِيمَةِ.
[مَسَائِلَ مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ]
[قَوْلُهُ: ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَسَائِلَ مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ] الِاسْتِحْقَاقُ لُغَةً إضَافَةُ الشَّيْءِ لِمَنْ يَصْلُحُ بِهِ وَلَهُ فِيهِ حَقٌّ كَاسْتِحْقَاقِ هَذَا مِنْ الْوَقْفِ مَثَلًا بِوَصْفِ الْفَقْرِ وَشَرْعًا فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: رَفْعُ مِلْكِ شَيْءٍ بِثُبُوتِ مِلْكٍ قَبْلَهُ أَوْ حُرِّيَّةٍ كَذَلِكَ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَرَفْعُ الْمِلْكِ بِالْهِبَةِ وَالْعِتْقِ وَغَيْرِهِمَا لَا يُسَمَّى اسْتِحْقَاقًا؛ لِأَنَّهُ رَفْعُ مِلْكٍ لَا
غَاصِبٍ سَوَاءٌ وَطِئَهَا بِمِلْكٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ مِيرَاثٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْمِلْكِ مِنْ غَاصِبٍ لَمْ يُعْلَمْ بِغَصْبِهِ (فَلَهُ) أَيْ لِمُسْتَحِقِّ الْأَمَةِ (قِيمَتُهَا وَقِيمَةُ الْوَلَدِ) أَيْ أَخْذُ قِيمَتِهَا وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ (يَوْمَ الْحُكْمِ) وَيَكُونُ الْوَلَدُ حُرًّا ثَابِتَ النَّسَبِ، وَإِذَا كَانَ لَهُ مَالٌ لَا يُقَوَّمُ بِهِ (وَقِيلَ يَأْخُذُهَا) أَيْ الْأَمَةَ (وَقِيمَةَ الْوَلَدِ وَقِيلَ لَهُ قِيمَتُهَا) أَيْ أَخْذُ قِيمَتِهَا (فَقَطْ) يَوْمَ وَطْئِهَا وَالْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ لِمَالِكٍ وَبِالْأَخِيرِ أَفْتَى مَالِكٌ لَمَّا اُسْتُحِقَّتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَاقْتَصَرَ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ عَلَى الْأَوَّلِ وَقَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ يَخْتَارَ الثَّمَنَ فَيَأْخُذَ مِنْ الْغَاصِبِ الَّذِي بَاعَهَا لَهُ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ فَلَهُ لِلتَّخْيِيرِ لَا لِلتَّمْلِيكِ وَإِذَا اخْتَارَ الثَّمَنَ كَانَ كَالْمُقَرَّرِ لِبَيْعِ الْغَاصِبِ (وَ) أَمَّا (لَوْ كَانَتْ) الْأَمَةُ الْمُسْتَحِقَّةُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ (بِيَدِ غَاصِبٍ) عُلِمَ بِغَصْبِهِ (فَعَلَيْهِ) أَيْ الْغَاصِبِ (الْحَدُّ) ؛ لِأَنَّهُ زَانٍ (وَوَلَدُهُ رَقِيقٌ مَعَهَا) أَيْ مَعَ الْأَمَةِ (لِرَبِّهَا) إذَا كَانَ غَيْرَ أَبٍ، وَلَوْ قَالَ وَوَلَدُهَا بِالْإِضَافَةِ إلَى ضَمِيرِ الْأُنْثَى لَكَانَ أَحْسَنَ؛ لِأَنَّهُ لَاحِقٌ بِهَا لَا بِهِ، وَحُكْمُ مَنْ اشْتَرَاهَا مِنْ الْغَاصِبِ عَالِمًا بِغَصْبِهِ كَحُكْمِ الْغَاصِبِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْأَرْضِ الْمُسْتَحَقَّةِ فَقَالَ: (وَمُسْتَحِقُّ الْأَرْضِ) أَيْ وَمَنْ اسْتَحَقَّ أَرْضًا مِنْ يَدِ مُشْتَرٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ لَيْسَ بِغَاصِبٍ (بَعْدَ أَنْ عَمَرَتْ) بِفَتْحِ الْمِيمِ مِنْ الْعِمَارَةِ أَيْ بَعْدَ أَنْ تَصَرَّفَ فِيهَا بِالْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّ
[حاشية العدوي]
بِثُبُوتِ مِلْكٍ قَبْلَهُ كَمَا خَرَجَ الرَّفْعُ بِالْمَوْتِ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ حُرِّيَّةٍ عَطْفٌ عَلَى مِلْكٍ لِتَدْخُلَ صُورَةُ الِاسْتِحْقَاقِ بِحُرِّيَّةٍ.
[قَوْلُهُ: قَدْ وَلَدَتْ] أَفْهَمَ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَلِدْ لَكَانَ لِمُسْتَحِقِّهَا أَخْذُهَا عَلَى جَمِيعِ الْأَقْوَالِ وَلَا شَيْءَ عَلَى مُشْتَرِيهَا فِي وَطْئِهَا وَلَوْ بِكْرًا وَافْتَضَّهَا.
[قَوْلُهُ: مِنْ حُرٍّ غَيْرِ غَاصِبٍ] أَيْ الَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ رِقٌّ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ، أَيْ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ كَوْنَهُ غَاصِبًا أَوْ مُشْتَرِيًا أَوْ مَوْهُوبًا، وَاحْتَرَزَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: مِنْ حُرٍّ عَمَّا إذَا كَانَ الِاسْتِحْقَاقُ مِنْ يَدِ رَقِيقٍ فَإِنَّهُ يُقْضَى لِسَيِّدِهَا بِأَخْذِهَا مَعَ وَلَدِهَا بِلَا خِلَافٍ كَمَا لَوْ كَانَ الْوَلَدُ مِنْ زِنًا.
[قَوْلُهُ: أَوْ هِبَةٍ أَوْ مِيرَاثٍ] أَنْوَاعٌ لِلْمِلْكِ فَلَا وَجْهَ لِلْإِتْيَانِ بِأَوْ.
وَقَوْلُهُ: مِنْ غَاصِبٍ تُنَازَعُ فِيهِ هِبَةٌ وَمَا بَعْدَهَا إلَّا أَنَّ فِيهِ قُصُورًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَشْمَلُ مَا إذَا اشْتَرَيْت مِنْ مُشْتَرٍ مِنْ غَاصِبٍ مَثَلًا.
وَقَوْلُهُ: لَمْ يَعْلَمْ بِغَصْبِهِ أَيْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ الَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ.
[قَوْلُهُ: وَقِيمَةُ الْوَلَدِ] فَلَوْ مَاتَ الْوَلَدُ حَتْفَ أَنْفِهِ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ، وَأَمَّا لَوْ قُتِلَ عَمْدًا فَلَا شَيْءٌ فِيهِ عَلَى الْأَبِ إنْ اقْتَصَّ مِنْ قَاتِلِهِ أَوْ عَفَا عَنْهُ لَكِنْ لِلْمُسْتَحِقِّ فِي الْعَفْوِ الرُّجُوعُ عَلَى الْقَاتِلِ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ دِيَتِهِ، فَلَوْ قُتِلَ خَطَأً فَالدِّيَةُ مُنَجَّمَةٌ وَيَأْخُذُ السَّيِّدُ مِنْهَا قَدْرَ قِيمَتِهِ فَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهُ عَلَى الدِّيَةِ فَإِنَّ الْأَبَ يَغْرَمُ لِلسَّيِّدِ الدِّيَةَ، فَلَوْ مَاتَتْ الْأُمُّ قَبْلَ قِيَامِ الْمُسْتَحِقِّ فَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَا شَيْءَ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي قَوْلِ مَالِكٍ الَّذِي قَالَ فِيهِ يَأْخُذُ قِيمَتَهَا فَقَطْ إذَا وَجَدَهَا حَيَّةً اهـ.
[قَوْلُهُ: وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ] أَيْ قِيمَةُ كُلٍّ مِنْ الْأَمَةِ وَالْوَلَدِ وَلَا تَكُونُ الْجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ مِمَّنْ اسْتَحَقَّتْ مِنْ يَدِهِ، وَيَرْجِعُ مَنْ اسْتَحَقَّتْ مِنْهُ عَلَى بَائِعِهِ بِثَمَنِهِ سَوَاءٌ سَاوَى مَا غَرِمَهُ لِمُسْتَحِقِّهَا أَوْ نَقَصَ، وَأَمَّا لَوْ زَادَ الثَّمَنُ عَلَى الْقِيمَةِ لَرَجَعَ الْمُسْتَحَقُّ مِنْهُ عَلَى الْبَائِعِ بِقَدْرِ مَا أَخَذَهُ الْمُسْتَحِقُّ ثُمَّ يَرْجِعُ الْمُسْتَحِقُّ بِبَاقِي الثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ.
[قَوْلُهُ: لَمَّا اُسْتُحِقَّتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ] أَيْ مُحَمَّدٍ قِيلَ: كَانَ لِمَالِكٍ ابْنَانِ يَحْيَى وَمُحَمَّدٌ وَابْنَةٌ اسْمُهَا فَاطِمَةٌ زَوْجُ ابْنِ أُخْتِهِ، وَابْنُ عَمِّهِ إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، وَقِيلَ: كَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ بَنِينَ يَحْيَى وَمُحَمَّدٌ وَحَمَّادٌ وَأُمُّ الْبَهَاءِ.
[قَوْلُهُ: وَاقْتَصَرَ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ عَلَى الْأَوَّلِ] وَهُوَ الرَّاجِحُ.
[قَوْلُهُ: عُلِمَ بِغَصْبِهِ] بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ.
[قَوْلُهُ: إذَا كَانَ غَيْرَ أَبٍ] أَيْ إذَا كَانَ الْغَاصِبُ غَيْرَ أَبٍ أَيْ لِرَبِّهَا.
[قَوْلُهُ: وَحُكْمُ مَنْ اشْتَرَاهَا إلَخْ] لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ وَكَذَا الْمَوْهُوبُ لَهُ مَثَلًا وَالْعَالِمُ كَذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: كَحُكْمِ الْغَاصِبِ] أَيْ فِي قَطْعِ نَسَبِ الْوَلَدِ وَحْدَهُ حَيْثُ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى إقْرَارِهِ بِعِلْمِهِ قَبْلَ الْوَطْءِ أَنَّهَا مَغْصُوبَةٌ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا مُجَرَّدُ إقْرَارٍ مِنْهُ بَعْدَ وَطْئِهَا أَنَّهُ وَطْئِهَا مَعَ عِلْمِهِ بِغَصْبِهَا فَيُحَدُّ لِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا وَيَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ لِحَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ الْوَلَدِ فِي ثُبُوتِ نَسَبِهِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ يَدِ مُشْتَرٍ أَوْ غَيْرِهِ] أَيْ كَوَارِثٍ وَمَوْهُوبٍ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَاهَا مِنْ الْغَاصِبِ حَيْثُ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ بِالْغَصْبِ.
[قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الْمِيمِ] أَيْ فَالْفِعْلُ مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ مُسْنَدٌ لِتَاءِ
الْمُسْتَحِقَّ (يَدْفَعُ) لِمَنْ أَعْمَرَهَا (قِيمَةَ الْعِمَارَةِ قَائِمًا) وَيَأْخُذُ أَرْضَهُ بِمَا فِيهَا (فَإِنْ أَبَى) أَنْ يَدْفَعَ قِيمَةَ مَا أَعْمَرَ فِيهَا (دَفَعَ إلَيْهِ الْمُشْتَرِي) أَوْ مَنْ هُوَ فِي مَنْزِلَتِهِ (قِيمَةَ الْبُقْعَةِ بَرَاحًا) أَيْ لَا شَيْءَ فِيهَا (فَإِنْ أَبَى) الْمُشْتَرِي مِنْ ذَلِكَ، وَفِي نُسْخَةٍ أَبَيَا بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ أَيْ الْمُسْتَحِقُّ وَالْمُشْتَرِي أَيْ أَبَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ دَفْعِ مَا نُسِبَ إلَيْهِ (كَانَا شَرِيكَيْنِ بِقِيمَةِ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) فَالْمُسْتَحِقُّ بِقِيمَةِ أَرْضِهِ وَاَلَّذِي أَعْمَرَ بِقِيمَةِ عِمَارَتِهِ، فَإِذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْبُقْعَةِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ وَقِيمَةُ الْعِمَارَةِ عِشْرِينَ دِينَارًا فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ فِي ذَلِكَ يَوْمَ الْحُكْمِ عَلَى الْمَشْهُورِ لَا يَوْمَ الْبِنَاءِ.
وَقَيَّدْنَا بِمَنْ لَيْسَ بِغَاصِبٍ لِقَوْلِهِ: (وَالْغَاصِبُ) يُرِيدُ وَمَنْ وَصَلَتْ إلَيْهِ مِنْ الْغَاصِبِ عَالِمًا بِغَصْبِهِ (يُؤْمَرُ بِقَلْعِ بِنَائِهِ وَزَرْعِهِ وَشَجَرِهِ) مِنْ الْأَرْضِ الْمُسْتَحَقَّةِ (وَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ رَبُّهَا قِيمَةَ ذَلِكَ النُّقْضِ) بِضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الْقَافِ (وَقِيمَةَ الشَّجَرِ
[حاشية العدوي]
الْمُخَاطَبِ مَصْدُوقُهَا الْمُشْتَرِي أَوْ غَيْرُهُ الْمُشَارُ لَهُ بِقَوْلِهِ مِنْ يَدِ مُشْتَرٍ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: قَائِمًا] أَيْ عَلَى التَّأْبِيدِ الْغَيْرِ الْمُغَيَّا إنْ كَانَ الْبَانِي مُشْتَرِيَهَا مَثَلًا، وَعَلَى التَّأْبِيدِ الْمُغَيَّا بِحَدٍّ إنْ كَانَ الْبَانِي مُسْتَأْجِرًا أَوْ مُسْتَعِيرًا لِلْأَرْضِ وَحَصَلَ الِاسْتِحْقَاقُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ.
قَالَ تت: وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَا أَنْفَقَ كَانَ الْبِنَاءُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا جَيِّدًا أَوْ رَدِيئًا.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ أَبَى الْمُشْتَرِي] أَيْ أَوْ كَانَ عَدِيمًا وَبَدَأَ بِصَاحِبِ الْأَرْضِ بِالْخِيَارِ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى سَبَبًا إذْ الْأَرْضُ لَهُ وَانْتَقَلَ الْخِيَارُ لِلْبَانِي إذَا أَبَى الْمُسْتَحِقُّ لِيَزُولَ الضَّرَرُ عَنْهُمَا وَكَانَا شَرِيكَيْنِ إذَا أَبَيَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَهُ حَقٌّ، فَإِذَا قَالَ الْمَالِكُ مَا عِنْدِي مَا أُعْطِيهِ الْآنَ وَمَا أُرِيدُ إخْرَاجَهُ وَلَكِنْ يَسْكُنُ وَيَنْتَفِعُ حَتَّى يَرْزُقَنِي الْإِلَهُ مَا أُؤَدِّي مِنْهُ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، وَلَوْ رَضِيَ الْمُسْتَحَقُّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا، وَكَذَا لَا يَجُوزُ التَّرَاضِي عَلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ مَا وَجَبَ لَهُ مِنْ كِرَاءِ الشَّيْءِ الْمُسْتَحَقِّ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ.
تَنْبِيهٌ
هَذَا إذَا اسْتَحَقَّتْ بِمِلْكٍ، وَأَمَّا لَوْ اسْتَحَقَّتْ بِحَبْسٍ مِنْ يَدِ صَاحِبِ شُبْهَةٍ بَعْدَ أَنْ بَنَاهَا أَوْ غَرَسَهَا فَلَيْسَ لِلْبَانِي أَوْ الْغَارِسِ إلَّا نَقْضُهُ أَوْ شَجَرُهُ إذْ لَا يَجُوزُ لَهُ دَفْعُ قِيمَةِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى بَيْعِ الْوَقْفِ، وَلَيْسَ لَنَا وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ يُطَالِبُهُ الْبَانِي بِقِيمَةِ بِنَائِهِ أَوْ غَرْسِهِ قَائِمًا كَانَ الْحَبْسُ عَلَى مُعَيَّنٍ أَوْ غَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: وَفِي نُسْخَةٍ أَبَيَا إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى إبَايَةِ الْمُسْتَحِقِّ؛ لِأَنَّهُ الْمَوْضُوعُ.
[قَوْلُهُ: فَإِذَا كَانَتْ إلَخْ] وَيُقَالُ: مِثْلُ ذَلِكَ فِيمَنْ اشْتَرَى ثَوْبًا فَرَقَّعَهُ أَوْ سَفِينَةً خَرِبَةً وَأَصْلَحَهَا أَوْ ثَوْبًا وَصَبَغَهُ.
[قَوْلُهُ: يَوْمَ الْحُكْمِ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ يَوْمَ الْبِنَاءِ ج وَهُوَ الْأَقْرَبُ.
[قَوْلُهُ: وَالْغَاصِبُ] أَيْ لِعَرْصَةٍ وَيَبْنِيهَا أَوْ يَغْرِسُهَا.
[قَوْلُهُ: يُؤْمَرُ] بَنَى يُؤْمَرُ لِلْمَجْهُولِ لِلْعِلْمِ بِفَاعِلِ ذَلِكَ وَهُوَ الْمَالِكُ.
[قَوْلُهُ: بِقَلْعِ بِنَائِهِ وَزَرْعِهِ وَشَجَرِهِ] أَيْ إذَا كَانَ الزَّرْعُ قَدْ بَلَغَ حَدَّ الِانْتِفَاعِ بِهِ وَلَمْ يَفُتْ وَقْتُ الزَّرْعِ الْمَقْصُودِ مِنْ تِلْكَ الْأَرْضِ، وَأَمَّا إنْ فَاتَ وَقْتُ الزَّرْعِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا يُزْرَعُ مِنْهَا فَلَيْسَ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِقَلْعِ زَرْعِهِ وَإِنَّمَا يَكُونُ لَهُ كِرَاءُ تِلْكَ السَّنَةِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَنْتَفِعْ بِالزَّرْعِ أَوْ الشَّجَرِ فَإِنَّ مَالِكَ الْأَرْضِ يَأْخُذُهُ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهَا إذَا زُرِعَتْ الْأَرْضُ وَاسْتَحَقَّهَا صَاحِبُهَا مِنْ يَدِ الْغَاصِبِ فَإِنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِالزَّرْعِ أَخَذَهُ مَالِكُ الْأَرْضِ بِلَا شَيْءٍ وَإِلَّا فَلَهُ قَلْعُهُ وَلَهُ أَخْذُهُ بِقِيمَتِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى إبْقَائِهِ فِي الْأَرْضِ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ لَهُ الْكِرَاءَ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى بَيْعِ الزَّرْعِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ عَلَى التَّبْقِيَةِ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَمَّا كَانَ قَادِرًا عَلَى أَخْذِهِ مَجَّانًا فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَوْ قِيمَتِهِ مَقْلُوعًا فِي هَذَا الْقِسْمِ الثَّانِي يُعَدُّ بَائِعًا لَهُ.
هَذَا إذَا لَمْ يَفُتْ وَقْتُ مَا يُرَادُ لَهُ وَإِلَّا فَلَيْسَ لِرَبِّ الْأَرْضِ إلَّا كِرَاءُ السَّنَةِ.
وَأَمَّا مَنْ اسْتَحَقَّهَا مِنْ ذِي الشُّبْهَةِ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا كِرَاءُ السَّنَةِ حَيْثُ كَانَ الْإِبَّانُ بَاقِيًا فَلَوْ فَاتَ الْإِبَّانُ فَلَا شَيْءَ لِرَبِّ الْأَرْضِ مِنْ كِرَاءِ تِلْكَ السَّنَةِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الشُّبْهَةِ يَفُوزُ بِالْغَلَّةِ.
تَنْبِيهٌ
وَكَمَا يُؤْمَرُ بِالْقَلْعِ يُؤْمَرُ بِتَسْوِيَةِ الْأَرْضِ.