حاشية الصبان على شرح الأشمونى لألفية ابن مالكصفحات 315-330

الابتداء

صفحات 315-330
عن هذه الطبعة
عَلَم
الصبان
الكتاب
حاشية الصبان على شرح الأشمونى لألفية ابن مالك
المؤلف
أبو العرفان محمد بن علي الصبان الشافعي (المتوفى: 1206هـ)
الناشر
دار الكتب العلمية بيروت-لبنان
الطبعة
الأولى 1417 هـ -1997م
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

وبعد لولا غالبا حذف الخبر ... حتم وفي نص يمين ذا استقر  فحذفت هذه الجملة لوقوعها موقع مفرد، وهو كذلك لدلالة الجملة التي قبلها وهي فعدتهن ثلاثة أشهر عليها.
واعلم أن حذف المبتدأ والخبر منه ما سبيله الجواز كما سلف، ومنه ما سبيله الوجوب وهذا شروع في بيانه "وبعد لولا" الامتناعية "غالبا" أي في غالب أحوالها وهو كون الامتناع معلقًا بها على وجود المبتدأ الوجود المطلق "حذف الخبر حتم" نحو: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: 251] ، أي قولك: نعم لمن قال: أزيد قائم كذا في يس عن ابن هشام، وهو لا يظهر إلا على القول بأن الجملة مقدرة بعد نعم لا على القول بأنها مفهومة من نعم بلا تقديرها، ولعل كلام الشارح مبني على هذا فتأمل.
قوله: "كقوله تعالى ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْن﴾ " إنما لم يجعل اللائي معطوفًا على اللائي قبله وما بينهما خبر الاقتران الخبر بالفاء وتقدم أن الخبر المقرون بها يجب تأخيره لتنزله من المبتدأ منزلة الجواب من الشرط، وأيضًا لو جاز ذلك لاستدعى جواز زيد قائمان وعمرو مع أنه لا يجوز للقبح اللفظي بخلاف زيد في الدار وعمرو نقله يس عن ابن هشام.
وفي استدعاء جواز ذلك جواز زيد قائمان وعمرو نظر للفرق بحصول المطابقة بين المعطوف عليه والخبر في الآية دون المثال المذكور فليس فيها قبح لفظي بخلافه، على أن الذي في المغني صحة عدم تقدير شيء في الآية بالجعل السابق.
ولا يرد عندي اقتران الخبر بالفاء لأن المتقدم عليه تابع المبتدأ ويغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع.
ثم ما درج عليه الشارح من تقدير الخبر فعدتهن ثلاثة أشهر قول الفارسي ومن تبعه ليكون المقدر من لفظ الخبر المذكور قال في المغني: والأولى أن يكون الأصل واللائي لم يحضن كذلك لأنه ينبغي تقليل المحذوف ما أمكن ولأن أصل الخبر الافراد ولأنه لو صرح بالخبر لم يحسن إعادة ذلك المتقدم تقليلًا للتكرار.
قوله: "لدلالة الجملة إلخ" علة لحذفت بعد تعليله بالعلة الأولى فاندفع الاعتراض بلزوم تعلق حرفي جر متحدي اللفظ والمعنى بعامل واحد لاختلاف العامل بالإطلاق والتقييد على ما قيل في نظائره.
قوله: "وبعد لولا" متعلق بحذف أو حتم، وتقديم معمول المصدر عليه إذا كان ظرفًا أو جارًّا ومجرورًا جائز على ما قال التفتازاني أنه الحق.
وقال ابن هشام في شرح بانت سعاد: إن كان المصدر ينحل بأن والفعل امتنع مطلقًا وإلا جاز.
قوله: "الامتناعية" خرج التحضيضية إذ لا يقع بعدها المبتدأ كما صرح به الناظم في قوله وأولينها الفعلا.
قوله: "أي في غالب أحوالها وهو إلخ" أشار بذلك إلى دفع الاستشكال بأن الوجوب ينافي الغلبة.
وحاصله أن الوجوب منصب على الحذف والغلبة منصبة على بعض معين من أحوال لولا وهو كون الامتناع معلقًا بها على وجود المبتدأ الوجود المطلق وبتعين محل الغلبة يتعين محل الوجوب.
قوله: "للعلم به" علة لأصل الحذف وقوله وسد إلخ علة لوجوبه وكذا يقال فيما يأتي ويكون العلم بالمحذوف علة لأصل الحذف لا لوجويه.
لا يرد ما قيل أن العلة التي هي العلم موجودة إذا كان الخبر وجودًا مقيدًا ودلت القرينة الخارجية عليه مع أن الحذف حينئذٍ غير واجب حتى يحتاج إلى الجواب عنه بأن

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولولا دفع الله الناس موجود، حذف موجود وجوبًا للعلم به، وسد جوابها مسده، أما إذا كان الامتناع معلقًا على الوجود المقيد وهو غير الغالب عليها، فإن لم يدل على المقيد دليل وجوب ذكره نحو لولا زيد سالمًا ما سلم وجعل منه قوله عليه الصلاة والسلام: "لولا قومك حديثو عهد بكفر لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم" وإن دل عليه دليل جاز إثباته وحذفه نحو لولا أنصار زيد حموه ما سلم، وجعل منه قول المعري: 163- يذيب الرعب منه كل عضب ... فلولا الغمد يمسكه لسالا المراد علم ذلك بمقتضى لولا إذ هي دالة على امتناع الجواب لوجود المبتدأ لا بقرينة خارجية لأنهم لاعتنائهم بالخبر لكونه ركن الإسناد ومحط الفائدة لا يكتفون في وجوب حذفه بالقرينة الخارجية وإن مشى على وروده، والجواب عنه بهذا البعض مع أن في الجواب بحثًا لأنه إن أراد الخارجية عن كلام لولا ورد عليه أن القرينة مع المقيد قد تكون من نفس الكلام وإن كانت غير نفس لولا كما في لولا أنصار زيد حموه ما سلم ولولا الغمد يمسكه لسالا، لدلالة الأنصار على الحماية والغمد على الإمساك، وإن أراد الخارجية عن لولا وإن كانت من الكلام وهذا هو المتبادر من عبارته ورد عليه أن اعتبار دلالة لولا في وجوب الحذف دون دلالة غيرها من أجزاء الكلام تحكم، ولهذا قال سم في الجواب ما نصه: كأنهم اعتبروا في وجوب الحذف أن يكون الخبر مدلولًا عليه من الكلام لا من قرينة خارجية عن الكلام اعتناء بالخبر.
ا. هـ. وإن ورد عليه ما ذكرناه في الشق الأول فتدبره نعم قد يقال: سد الجواب مسد الخبرالمحذوف إذا كان وجودًا مقيدًا أيضًا مع أن حذفه غير واجب.
اللهم إلا أن يمنع السد حينئذٍ فتأمل.
قوله: "وسد جوابها مسده" أي فهو عوض عنه ولا يجمع بين العوض والمعوض، ولا فرق في ذلك بين الجواب المذكور والمقدر نحو: ﴿لَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُون﴾ [الفتح: 25] أي لأذن لكم في الفتح وإن لزم في الثاني حذف العوض والمعوض معًا لأن القرينة تجعله في قوة المذكور والمراد بسد الجواب مسده قيامه مقامه وحلوله محله كما يؤخذ من التصريح.
قوله: "على الوجود المقيد" أي بقيد زائد على أصل الوجود كالمسألة.
قوله: "لولا قومك حديثو عهد" أي قريبو زمن والخطاب لعائشة وممن روى هذه الرواية البخاري في كتاب العلم من صحيحه فما نقل عن ابن أبي الربيع من أنه لم يقف على ورودها من طريق صحيح فيه ما فيه.
قوله: "وإن دل عليه دليل" أي سواء كان من أجزاء كلام لولا كما مثل أو من غيرها كقولك في جواب هل زيد محسن إليك لولا زيد أي محسن إليّ لهلكت.
قوله: "لولا أنصار إلخ" الدليل قوله أنصار لأن شأن الناصر الحماية.
قوله: "وجعل منه قول المعري إلخ" لأن شأن الغمد إمساك السيف.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  واعلم أن ما ذكره الناظم هو مذهب الرماني وابن الشجري والشلوبين، وذهب الجمهور إلى أن الخبر بعد لولا واجب الحذف مطلقًا بناء على أنه لا يكون إلا كونًا ملطقًا، وإذا أريد الكون المقيد جعل مبتدأ فتقول: لولا مسالمة زيدًا إيانا ما سلم، أي موجودة، وأما الحديث فمروي بالمعنى ولحنوا المعري "وفي نص يمين ذا" الحكم، وهو حذف الخبر وجوبًا.
"استقر" نحو لعمرك لأفعلن، وايمن الله لأقومن، أي لعمرك قسمي، قوله: "كل عضب" هو السيف القاطع والغمد غلاف السيف.
فإن قلت: عجز البيت يناقض صدره إذ العجز يقتضي عدم السيلان لأن جواب لولا منتف والصدر يقتضي وجوده لأن الإذابة الإسالة وهي إيجاد السيلان، وإنما عبر بالمضارع لاستحضار الصورة العجيبة أو لقصد الاستمرار.
قلت: المراد لولا إمساك الغمد له لسال منه فالمنفي سيلان خاص قاله الدماميني.
قوله: "هو مذهب الرماني إلخ" هذا هو الحق.
قوله: "مطلقًا" أَي في كل تركيب.
قوله: "فتقول لولا مسالمة إلخ" أي وأما نحو لولا زيد سالمًا ما سلم فتركيب فاسد.
قوله: "فمروي بالمعنى" والمشهور في الروايات لولا حدثان قومك لولا حداثة قومك لولا أن قومك حديثو عهد، ورد بأنه يؤدي إلى رفع الوثوق عن جميع الأحاديث أو غالبها على أنه إنما يتم لو لم يكن رواة الحديث عربًا أما إذا كانوا عربًا وهو الظاهر فلا لقيام الحجة بلسانهم.
ا. هـ. سم وفي حاشية المغني للدماميني: أسقط أبو حيان الاستدلال على الأحكام النحوية بالأحاديث النبوية باحتمال رواية من لا يوثق بعربيته إياها بالمعنى وكثيرًا ما يعترض بذلك على الإمام بن مالك في استدلاله بها ورده شيخنا ابن خلدون بأنها على تسليم أنها لا تفيد القطع بالأحكام النحوية تفيد غلبة الظن بها لأن الأصل عدم التبديل لا سيما والتشديد في ضبط ألفاظها والتحري في نقلها بأعيانها مما شاع بين الرواة.
والقائلون منهم بجواز الرواية بالمعنى معترفون بأنها خلاف الأولى وغلبة الظن كافية في مثل تلك الأحكام بل في الأحكام الشرعية فلا يؤثر فيها الاحتمال المخالف للظاهر وبأن الخلاف في جواز النقل بالمعنى في غير ما لم يدون في كتب أما ما دون فلا يجوز تبديل ألفاظه بلا خلاف كما قاله ابن الصلاح وتدوين الأحاديث وقع في الصدر الأول قبل فساد اللغة العربية وحين كان كلام أولئك المبدلين على تقدير تبديلهم يسوغ الاحتجاج به وغايته يومئذٍ تبديل لفظ يحتج به بآخر كذلك ثم دون ذلك البدل ومنع من تغييره ونقله بالمعنى فبقي حجة في بابه صحيحة ولا يضر توهم ذلك الاحتمال السابق في استدلالهم المتأخر.
ا. هـ. باختصار.
قوله: "ولحنوا المعري" أي خطأوه ورد تلحينه بورود مثله في الشعر الموثوق به كقول الشاعر: لولا زهير جفاني كنت معتذرًا وكان يغني الجمهور عن تلحينه جعل يمسكه بدل اشتمال من الغمد أن الأصل أن يمسكه فحذفت أن وارتفع حينئذٍ الفعل كما أفاده الدماميني.
قوله: "وفي نص يمين" من إضافة الصفة إلى الموصوف.
قوله: "استقر" إظهاره الكون العام ضرورة أو مراده بالاستقرار الثبات وعدم التزلزل فيكون خاصًا على حد ما قيل في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَه﴾ [النمل: 40] . قوله:

وبعد واو عيت مفهوم مع ... كمثل كل صانع وما صنع  وايمن الله يميني فحذف الخبر وجوبًا للعلم به، وسد جواب القسم مسده فإن كان المبتدأ غير نص في اليمين جاز إثبات الخبر وحذفه نحو عهد الله لأفعلن وعهد الله علي لأفعلن.
تنبيه: اقصتر في شرح الكافية على المثال الأول، وزاد ولده المثال الثاني وتبعه عليه في التوضيح، وفيه نظر إذ لا يتعين كون المحذوف فيه الخبر لجواز كون المبتدأ هو المحذوف والتقدير قسمي ايمن الله بخلاف المثال الأول لمكان لام الابتداء "و" كذا يجب حذف الخبر الواقع "بعد" مدخول "واو عيت مفهوم مع" وهي الواو المسماة بواو المصاحبة "كمثل" قولك "كل صانع وما صنع" وكل رجل وضيعته تقديره مقرونان إلا أنه "لعمرك" أي حياتك التزموا فتح عينه في القسم تخفيفًا لكثرة استعماله فيه وإن صح في غيره الفتح والضم أفاده الدماميني.
قوله: "وايمن الله" أي بركته.
قوله: "للعلم به" أي من كون ما ذكر نصًا في اليمين.
قوله: "نحو عهد الله" إنما لم يكن نصًا في اليمين لعدم ملازمته فقد يستعمل في غيره نحو عهد الله يجب الوفاء به ولا يفهم منه القسم إلا بذكر المقسم عليه قاله المصرّح وأقره شيخنا والبعض وفيه أن قولهم لعمرك كذلك نحو لعمرك طويل أو مبارك فيه والأقرب عندي أن المراد بالنص الظاهر لغلبة استعمال لعمرك في اليمين بخلاف عهد الله، وبحمل إثبات أهل العربية صراحة العمر في القسم على ظهوره فيه ونفي الفقهاء صراحة عمر الله وعهده على نفي كونه يمينًا معتدًا به شرعًا على الإطلاق يجمع بين كلام أهل العربية وقول الفقهاء: عمر الله وعهد الله كل منهما كناية لا ينعقد به اليمين إلا إذا نوى بالعمر البقاء أو الحياة وبالعهد استحقاقه لإيجاب ما أوجبه علينا بخلاف ما إذا أطلق أو نوى بهما ما تعبدنا به لأنهما يطلقان على هذا كما رأيته بخط الشنواني نقلًا عن سم.
قوله: "على المثال الأول" يعني لعمرك لأفعلن.
وقوله: المثال الثاني يعني ايمن الله لأقومن.
قوله: "وفيه نظر إذ لا يتعين إلخ" أجاب سم بأنهم لو يدعوا التعين والمثال يكفيه الاحتمال.
قوله: "هو المحذوف" قال سم: ولعل الحذف حينئذٍ أي حين إذ كان المحذوف المبتدأ غير واجب إذ لم يسد الجواب مسده.
ا. هـ. أي لعدم حلوله محل المبتدأ لكن قال الروداني: لا يتوقف وجوب حذف المبتدأ على أن يسد شيء مسده بخلاف الخبر، والفرق أن الخبر محط الفائدة فاعتنى بشأنه فشرط في وجوب حذفه ذلك.
قوله: "لمكان لام الابتداء" أي كونها أي وجودها فمكان مصدر ميمي من كان التامة، واعترض بأنه يجوز كون اللام داخلة على مبتدأ مقدر كما قيل في قوله خالي لأنت فوجودها لا ينافي كون مدخولها في اللفظ خبرًا.
وأجيب بأن دخول اللام على شيء واحد لفظًا وتقديرًا أولى من دخولها لفظًا على شيء وتقديرًا على آخر، فالحمل على الأول أرجح مع أن حذف المبتدأ بنافية لام الابتداء كما مر مع ما فيه ثم رأيت صاحب المغني نقل عن ابن عصفور تجويز الوجهين في المثالين وعن غيره الجزم بأنهما من حذف الخبر.
قوله: "عينت مفهوم مع" أي كانت ظاهرة فيه إذ الواو فيما ذكره تحتمل غير

وقبل حال لا يكون خبرا ... عن الذي خبره قد أضمرا  لا يذكر للعلم به، وسد العطف مسده، فإن لم تكن الواو للمصاحبة نصًّا كما في نحو زيد وعمرو مجتمعان لم يجب الحذف.
قال الشاعر: 164- تمنوا الموت الذي يشعب الفتى ... وكل امرئ والموت يلتقيان وزعم الكوفيون والأخفش أن نحو كل رجل وضيعته مستغن عن تقدير خبر لأن معناه مع ضيعته، فكما أنك لو جئت بمع موضع الواو إلى مزيد عليها وعلى ما يليها في حصول الفائدة، كذلك لا تحتاج إليه مع الواو ومصحوبها "وقبل حال لا يكون خبرا" أي ويجب حذف الخبر إذا وقع قبل حال لا تصلح خبرًا "عن" المبتدأ "الذي خبره المعية كأن يقال: كل صانع وما صنع مخلوقان أفاده سم.
قوله: "وما صنع" الأظهر أن ما مصدرية لأن الصنعة هي الملازمة للصانع لا المصنوع.
قوله: "وضيعته" أي حرفته، وسميت ضيعة لأن صاحبها يضيع بتركها أو لأنها تضيع بتركها.
فإن قلت: الضمير في ضيعته لا يصح عوده إلى كل إذ المعنى عليه كل رجل وضيعة كل رجل مقترنان وهو فاسد ولا إلى رجل إذ المعنى عليه كل رجل وضيعة رجل مقترنان وهو أيضًا فاسد.
قلت: لما كانت كل نائبة عن أسماء كثيرة كان ضميرها أو ضمير مدخولها أيضًا كذلك ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحادًا فكأنه قيل زيد وضيعته مقترنان وعمر وضيعته مقترنان وهكذا.
قوله: "وسد العطف" اعترض بأن تقدير الخبر مقرونان فهو مثنى فهو خبر عن مجموع المتعاطفين فمحله بعد المعطوف فكيف يسد المعطوف مسده ولهذا قال الرضي: الظاهر أن الحذف غالب لا واجب.
وأجاب سم بأن الخبر من حيث هو خبر المعطوف عليه محله قبل المعطوف فسد المعطوف مسد الخبر منن حيث هو خبر المعطوف عليه فوجب حذفه من هذه الجهة وإن لم يسد مسده من حيث هو خبره إذ لا يشترط لوجوب الحذف سد الشيء مسد المحذوف من كل وجه.
قوله: "فإن لم تكن الواو للمصاحبة نصًا" أي ظهورًا بأن لم تكن للمصاحبة بالكلية بل لمجرد التشريك في الحكم نحو زيد وعمرو متباعدان أو للمصاحبة لا نصًا أي ظهورًا كما في بيت الشارح ومثاله، لأن ظهور المعية فيهما إنما جاء من مادة الخبر وأما الواو فتحتمل التشريك والمعية بدون ظهور المعية لأن الظاهرة فيها يصح الاكتفاء بها في إفادة المعية كما قاله الشنواني.
قال ولو قيل كل امرىء والموت أي معه لم يكن كافيًا وبذلك التحقيق يعلم ما في كلام البعض فافهم.
قوله: "لم يجب الحذف" بل يجوز إن دل دليل عليه.
قوله: "يشعب" كيذهب أي يفرق.
قوله: "مستغن عن تقدير خبر إلخ" رد بأن كون الواو بمعنى مع لا يستلزم كونها بمنزلتها لأن مع ظرف يصلح للإخبار به بخلاف الواو.
زكريا.
قوله: "وقبل حال" أي 164- البيت من الطويل، وهو لفرزدق في شرح التصريح 1/ 180؛ والمقاصد النحوية 1/ 543؛ وليس في ديوانه وبلا نسبة في أوضح المسالك 1/ 224؛ وتخليص الشواهد ص211؛ وخزانة الأدب 6/ 283.

كضربي العبد مسيئًا وأتم ... تبييني الحق منوطًا بالحكم  قد أضمرا" وذلك فيما إذا كان المبتدأ مصدرًا عاملًا في اسم مفسر لضمير ذي حال بعده لا تصلح لأن تكون خبرًا عن ذلك المبتدأ، أو اسم تفضيل مضافًا إلى المصدر المذكور أو إلى مؤول به فالأول.
"كضربي العبد مسيئًَا و" الثاني مثل "أتم تبييني الحق منوطًا بالحكم" إذا جعل منوطًا جاريًا على الحق لا على المبتدأ.
والثالث نحو أخطب ما يكون مفردة أو جملة أو ظرف مثال الثالث ضربي زيدًا مع عصيانه على جعله حالًا من ضمير زيد.
قوله: "لا تصلح خبرًا" أي بحسب ذاتها كالمثال الأول أو قصد المتكلم كالمثال الثاني ولهذا قال الشارح إذا جعل منوطًا جاريًا على الحق لا على المبتدأ، فاندفع الاعتراض بأن المثال الثاني تصلح الحال فيه للخبرية، واعترض الراعي المثال الأول بأنه يصح الإخبار عن الضرب بكونه مسيئًا على وجه المجاز.
وأجيب بأن المراد لا تصلح على وجه الحقيقة، وقد يقال لا حجر في المجاز حتى يجب إضمار الخبر، ويمتنع رفع الحال على الخبرية المجازية إلا أن يقال لا تصلح على وجه المجاز بحسب قصد المتكلم.
والحاصل أن المثال الأول لا تصلح الحال فيه للخبرية حقيقة بحسب ذاتها ولا مجازًا بحسب قصد المتكلم فاعرف ذلك.
قوله: "عن الذي خبره قد أضمرا" أي وإن صلحت أن تكون خبرًا عن غيره فليس الشرط أن لا تصلح للخبرية أصلًا فلهذا قال عن الذي إلخ فالقصد منه الإشارة إلى ما ذكر لا إلى كون الخبر مضمرًا لأنه معلوم من قوله وقبل حال، لأن المعنى ويحذف الخبر وجوبًا قبل حال.
وقوله: قد أضمرا أي قدر.
قوله: "مصدرًا" أي صريحًا لا مؤولًا عند جمهور البصريين ومذهب قوم أنه لا فرق نحو أن ضربت زيدًا قائمًا.
قوله: "في اسم" أي ظاهر كالعبد والحق في المثالين، أو مضمر كإياه في قولك: العبد ضربي إياه مسيئًا.
وظاهر عبارته عدم اشتراط إضافة المصدر نحو ضرب عمرًا قائمًا.
وظاهر كلام الرضي اشتراطها حيث قال: ويكون المصدر مضافًا للفاعل أو للمفعول أولهما إلا أن يقال قصده التعميم في الإضافة لاشتراطها.
وقوله: أولهما أي كما في تضاربنا أو مضاربتنا، ففي بعض حواشي الجامي أن نا في محل رفع ونصب باعتبار الفاعل والمفعول، وفي محل جر باعتبار الإضافة والجمهور على أنه لا يجوز اتباع المصدر المذكور فلا يقال ضربي زيدًا الشديد قائمًا ولا شربي السويق كله ملتوتًا لغلبة معنى الفعل عليه مع عدم السماع وأجازه الكسائي ووافقه المصنف في تسهيله اتباعًا للقياس.
قوله: "لضمير" بالتنوين وهو الضمير في إذ كان أو إذا كان، ويصح ترك التنوين على أن الإضافة للبيان إن أريد ذو الحال الاصطلاحي الذي هو لفظ الضمير أو حقيقة إن أريد ذو الحال المعنوي الذي هو مدلول الضمير.
قوله: "بعده" نعت لحال أي بعد الضمير أو المفسر.
قوله: "إذا جعل منوطًا جاريًا على الحق" أي جعل حالًا من ضميره وقيد بذلك ليكون المثال مما نحن فيه، لأنه لو جعل جاريًا على المبتدأ بأن قصد إيقاعه على معنى المبتدأ وأرجع الضمير في الخبر المقدر إلى المبتدأ وجعل منوطًا حالًا من ذلك الضمير لم يكن مما نحن فيه لعدم إضافة اسم التفضيل إلى مصدر عامل في اسم مفسر لضمير ذي حال؛ إذ ليس المفسر حينئذٍ معمول المصدر بل يكون مما يصلح فيه الحال للخبرية بحسب الذات

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأمير قائمًا، والتقدير إذ كان أو إذا كان مسيئًا ومنوطًا وقائمًا، نصب على الحال من الضمير في كان، وحذفت جملة كان التي هي الخبر للعلم بها وسد الحال مسدها، وقد عرفت أن هذه الحال لا تصلح خبرًا لمباينتها المبتدأ إذ الضرب مثلًا لا يصح أن يخبر عنه بالإساءة.
فإن قلت: جعل هذا المنصوب حالًا مبني على أن كان تامة، فلم لا جعلت ناقصة والمنصوب خبرها؛ لأن حذف الناقصة أكبر: فالجواب أنه منع من ذلك أمران: أحدهما أنا لم نر العرب استعملت في هذا الموضع إلا أسماء منكورة مشتقة من المصادر فحكمنا بأنها أحوال إذ لو كانت أخبارًا لكان المضمرة لجاز أن تكون معارف ونكرات ومشتقة وغير مشتقة.
الثاني وقوع الجملة الاسمية مقرونة بالواو موقعه، كقوله عليه الصلاة والسلام: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" وقول الشاعر: وقصد المتكلم فيجب رفعه على الخبرية.
قوله: "أخطب ما يكون" أي أخطب كون بمعنى أكوان، ومن أول بالجمع ابتداء فقد تسمح، وأخطب من الخطب وهو الشدة أي أشد أحواله قاله بعضهم.
قوله: "والتقدير" أي تقدير ما زاد على متعلق الظرف من المحذوف من هذه المثل، ولم يتعرض لتقدير المتعلق الذي هو حاصل أو حصل مثلًا لوضوحه.
قوله: "إذا كان" أي عند إرادة المضي أو إذا كان أي عند إرادة الاستقبال.
قاله الدماميني والسيوطي وغيرهما.
وفي الرضي أن إذا هنا للاستمرار كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْض﴾ [البقرة: 11] ، وقال الروداني: بقي أنه قد يراد الحال أو الاستمرار ولو قال: يقدر وقت كان أو حين كان لكان أشمل لسائر الأزمنة بلفظ واحد.
ا. هـ. ورأيت بخط الشنواني أنه إذا أريد الاستمرار يؤتى بإذا لأنها تأتي للاستمرار.
قوله: "وحذفت جملة كان" أي مع الظرف المضاف إليها.
وقوله: التي هي الخبر، فيه مسامحة إذ الخبر إما متعلق الظرف كما هو الأصح أو نفس الظرف المضاف إلى تلك الجملة.
قوله: "للعلم بها" أي مع الظرف أي من كون المراد الإخبار عن المصدر أو ما أضيف إليه بالكون مقيدًا بحال من أحوال من تعلق به المصدر أو ما أضيف إليه، وقوله: وسد الحال مسدها أي مع الظرف.
والحاصل أن الحال قامت مقام إذ كان لأن في الحال معنى الظرفية إذ معنى لقيت زيدًا راكبًا لقيته في وقت الركوب، وإذ كان سد مسد المتعلق الذي هو الخبر في الحقيقة كسداد بقية الظروف مسد متعلقاتها العامة فالحال سدت مسد الخبر في الظاهر مباشرة والخبر في الحقيقة بواسطة.
قوله: "لمباينتها" أي بالذات أو باعتبار قصد المتكلم.
قوله: "إلا أسماء منكورة مشتقة" الحصر إضافي أي لا معارف ولا جوامد فلا ينافي مجيء الحال جملة كما سيأتي.
قوله: "لجاز" أي جوازًا وقوعيًا أن تكون معارف إلخ وكون مجيئها منكور مشتقة أمرًا اتفاقيًا لا لكون المنصوب حالًا بعيد، لأن الظاهر أن التزامهم التنكير والاشتقاق لا يكون إلا لنكتة وأن النكتة كونها أحوالًا.
قوله: "مقرونة بالواو" ويجوز أيضًا وقوع الاسمية موقعه بلا واو على ما قاله الكسائي وارتضاه

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  165- غير اقتراني من المولى حليف رضا ... وشر بعدي عنه وهو غضبان فإن قلت: فما المحوج إلى إضمار كان لتكون عاملة في الحال وما المانع أن يعمل فيها المصدر، فالجواب أنه لو كان العامل في الحال هو المصدر لكانت من صلته فلا تسد مسد خبره فيفتقر الأمر إلى تقدير خبر ليصح عمل المصدر في الحال فيكون التقدير ضربي العبد مسيئًا موجود وهو رأي كوفي.
وذهب الأخفش إلى أن الخبر المحذوف مصدر مضاف إلى ضمير ذي الحال والتقدير ضربي العبد مسيئًا.
واختاره في التسهيل، وفي منع الفراء وقوع هذه الحال فعلًا مضارًعا وأجازه سيبويه، ومنه قوله: المصنف ونقل عن البصريين أيضًا فيجوز ضربي زيدًا هو قائم.
قوله: "موقعه" أي موقع المنصوب.
قوله: "حليف رضا" أي إذا كنت أو إذا وجدت حليف رضا قاله العيني، وبه يعرف أنه لا يتعين لفظ كان بل مثلها ما في معناها وأن الضمير الذي يفسره معمول المصدر قد يكون بارزًا عند تقدير الخبر وأن معمول المصدر صادق بما أضيف إليه المصدر ولو ضميرًا وإن لزم عليه كون المفسر والمفسر ضميرين لكن الظاهر عندي أنه يصح أن يكون التقدير إذ كان حليف رضا أي مصاحبًا للرضا بل هذا أنسب بقوله وهو غضبان لتعلق كل من الحالين حينئذٍ بالمولى فافهم، وحليف الرضا المحالف المعاقد على الرضا.
قوله: "وهو غضبان" هذا هو الشاهد.
قوله: "أن يعمل فيها المصدر" وذلك بأن تجعل حالًا من منصوب المصدر لأن العامل في صاحب الحال عامل فيها.
قوله: "لكانت من صلته" أي متعلقاته فمحلها قبل الخبر فلا تسد مسده لما علمت من أن الشيء لا يسد مسد غيره إلا إذا كان في محله أفاده سم.
قوله: "إلى تقدير خبر" أي بعد الحال، إذ لو قدر قبلها لم يصح عمل المصدر فيها للفصل بين المصدر ومعموله حينئذٍ كذا قيل، وفيه أن الفصل ليس بأجنبي لأن الخبر معمول للمبتدأ إلا أن يجعل كالأجنبي للخلاف في كونه معموله والمراد تقديره مع عدم ما يسد مسده وإلا فالخبر مقدر على كل حال.
قوله: "وهو رأي كوفي" أي إعمال المصدر في الحال وتقدير الخبر بعده رأي كوفي وهو معترض بفوات المعنى المقصود عليه من الحصر أي حصر الضرب مثلًا في كونه حال الإساءة، ولعل وجه إفادة نحو ضربي العبد مسيئًا للحصر مشابهة المصدر بإضافته المعرف بلام الجنس، والمعرف بلام الجنس منحصر في الخبر فكذا ما شابهه، وعلى كلامهم يكون الحذف جائزًا لا واجبًا لعدم سد شيء مسده.
قوله: "إلى ضمير ذي الحال" الإضافة للبيان أن أريد ذو الحال الاصطلاحي الذي هو لفظ الضمير لأن صاحب الحال هنا اصطلاحًا الضمير وحقيقية أن أريد ذو الحال المعنوي الذي هو مدلول الضمير.
قوله: "ضربه مسيئًا" بالحال حصل التغاير بين المبتدأ والخبر.
قوله: "واختاره في التسهيل" وكذا ابن هشام في المغني لقلة المقدر عليه؛ لأن المقدر 165- البيت من البسيط، وهو بلا نسبة في تذكرة النحاة ص650؛ والدرر 2/ 30؛ والمقاصد النحوية 1/ 579؛ وهمع الهوامع 1/ 107.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  166- ورأي عيني الفتى أباكا ... يعطي الجزيل فعليك ذاكا أما إذا صلح الحال لأن يكون خبر العدم مباينته للمبتدأ فإنه يتعين رفعه خبرًا فلا يجوز ضربني زيدًا شديدًا، وشذ قولهم: حكمك مسمطًا أي حكمك لك مثبتًا، كما شذ زيد قائمًا وخرجت فإذا زيد جالسًا فيما حكاه الأخفش، أي ثبت قائمًا وجالسًا.
ولا يجوز أن يكون الخبر المحذوف إذ كان أو إذا كان لما عرفت من أنه لا يجوز الإخبار بالزمان عن الجثة.
تنبيه: لم يتعرض هنا لمواضع وجوب حذف المبتدأ وعدها في غير هذا الكتاب أربعة: الأول ما أخبر عنه بنعت مقطوع للرفع في معرض مدح أو ذم أو ترحم الثاني ما عليه شيئان والمقدر على الأول خمسة أشياء ولأن التقدير من اللفظ مع صحة المعنى أولى، ولأن تقدير إذ مع الجملة المضاف إليها لم يثبت في غير هذا الموضع، نعم يلزم عليه حذف المصدر وإبقاء معموله والجمهور على منعه.
قوله: "ورأي عيني إلخ" رأي مصدر مضاف لفاعله والفتى مفعوله وأباك بدل أو بيان وقوله: يعطي الجزيل حال سد مسد خبر رأي، وقوله: فعليك ذاكا أي الزم الإعطاء الذي كان عليه أبوك.
قوله: "فإنه يتعين رفعه" أي عند عدم قصد المتكلم جعله حالًا من ضمير معمول المصدر المستتر في الخبر فإن قصد ذلك وجب النصب وذكر الخبر بأن يقال: ضربي زيدًا إذ كان شديدًا أو ضربه شديدًا كما نقله شيخنا.
قوله: "فلا يجوز ضربي زيدًا شديدًا" بل يجب الرفع عند قصد الخبرية والنصب وذكر الخبر عند قصد الحالية كما مر إذ لو لم يذكر الخبر لربما وقف على المنصوب بالسكون على لغة ربيعة فيتوهم الخبرية والقصد الحالية كذا قيل، وفيه أن هذه العلة تأتي في نحو أتم تبييني إلخ مع أنهم لم يوجبوا فيه ذكر الخبر فتأمل.
قوله: "وشذ قولهم" أي لرجل حكموه عليهم، وشذوذه من وجهين النصب مع صلاحية الحال للخبرية، وكون الحال ليست من ضمير معمول المصدر بل من ضمير المصدر المستتر في الخبر قاله المصرح.
قوله: "مسمطًا" بضم الميم الأولى وفتح السين المهملة وتشديد الميم الثانية مفتوحة.
قوله: "مثبتًا" يعني نافذًا.
قوله: "أي ثبت قائمًا وجالسًا" التقدير في فإذا زيد جالسًا على غير القول بأن إذا الفجائية ظرف مكان أما عليه فلا حذف بل هي الخبر.
قوله: "أن يكون الخبر المحذوف" أي في زيد قائمًا وخرجت فإذا زيد جالسًا.
قوله: "أربعة" بقيت أشياء في الهمع وغيره منها المبتدأ المخبر عنه باسم واقع بعد لا سيما في لا سيما زيد برفع زيد، ومنها المبتدأ المخبر عنه بجار ومجرور مبين 166- الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ص181؛ والدرر 2/ 28؛ والكتاب 1/ 191؛ والمقاصد النحوية 1/ 572؛ وبلا نسبة في تخليص الشواهد ص212؛ والدرر 5/ 249؛ وشرح أبيات سيبويه 1/ 398؛ وهمع الهوامع 1/ 107، 2/ 93.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أخبر عنه بمخصوص نعم وبئس المؤخر، نحو نعم الرجل زيد وبئس الرجل عمرو إذا قدر المخصوص خبرًا، فإن كان مقدمًا نحو زيد نعم الرجل فهو مبتدأ لا غير، وقد ذكر الناظم هذين في موضعهما من هذا الكتاب.
الثالث ما حكاه الفارسي من قولهم: في ذمتي لأفعلن التقدير في ذمتي عهد أو ميثاق الرابع ما أخبر عنه بمصدر مرفوع جيء به بدلًا من اللفظ بفعله نحو سمع وطاعة، أي أمري سمع وطاعة.
ومنه قوله: 167- وقالت حنان ما أتى بك ههنا ... أذو نسب أم أنت بالحي عارف لفاعل أو مفعول المصدر قبله البدل عن الفعل نحو سقيا لك ورعيا لك فلك خبر مبتدأ محذوف وجوبًا ليلي الفاعل أو المفعول في المعنى المصدر كما كان يلي الفعل، أي وهذا الدعاء لك نقل هذا الثاني الدنوشري عن الرضي وعندي أنه إنما يحتاج إليه إذا كان المجرور ضمير المخاطب كما في التمثيل لعدم صحة الجمع بين الخطاب بفعل أمر أو بدله لشخص، والخطاب بغيره لشخص في جملة واحدة.
أما نحو سقيا لزيد ورعيا لعمرو فالظاهر أن اللام لتقوية العامل ومدخولها معمول للمصدر فاحفظ هذا التحقيق.
قوله: "ما أخبر عنه بنعت مقطوع إلخ" قال أبو علي: إنما التزموا في النعت المقطوع في المدح والذم والترحم حذف الفعل أو المبتدأ في النصب أو الرفع للتنبيه على شدة الاتصال بالمنعوت، وقيل: للإشعار بإنشاء المدح أو الذم أو الترحم كما فعلوا في النداء دماميني بتصرف، وتسمية المقطوع نعتًا باعتبار ما كان.
قوله: "في معرض مدح إلخ" خرج بذلك ما إذا كان النعت للتخصيص أو للإيضاح فإنه يجوز ذكر المبتدأ وحذفه كما في التصريح وغيره.
قوله: "ما أخبر عنه بمخصوص إلخ" إنما وجب حذفه لصيرورة الكلام لإنشاء المدح أو الذم فجرى مجرى الجملة الواحدة.
قوله: "المؤخر" بيان للواقع إذ لا يكون المخصوص خبرًا إلا إذا أخر قوله: "من قولهم في ذمتي إلخ" لدلالة الجواب عليه وسد مسده وحلوله محله لأن المبتدأ هنا واجب التأخير.
قوله: "في ذمتي عهد" أي متعلق عهد أو ميثاق وهو مضمون الجواب لأنه الذي يستقر في الذمة، دنوشري.
قوله: "بدلًا من اللفظ بفعله" أي بواسطة لأن الأصل أسمع سمعًا وأطيع طاعة، حذف الفعل اكتفاء بدلالة مصدره عليه ثم عدل إلى الرفع لإفادة الدوام، وأوجبوا حذف المبتدأ إعطاء للحال الفرعية حكم الحالة الأصلية التي هي حالة النصب إذ يجب فيها حذف الفعل أفاده زكريا.
قوله: "وقالت حنان" أي رحمة وأكثر النسخ بإسقاط الواو فيكون فيه الثلم.
167- البيت من الطويل، وهو لمنذر بن درهم الكلبي في خزانة الأدب 2/ 112، وشرح أبيات سيبويه 1/ 235؛ وبلا نسبة في أمالي الزجاجي ص131؛ وأوضح المسالك 1/ 217؛ والدرر اللوامع 3/ 66؛ وشرح التصريح 1/ 177؛ وشرح عمدة الحافظ ص190؛ وشرح المفصل 1/ 188؛ والصاحبي في فقه اللغة ص255؛ والكتاب 1/ 320؛ ولسان العرب 13/ 129 "حنن"، والمقاصد النحوية 1/ 539؛ والمقتضب 3/ 225؛ وهمع الهوامع 1/ 189.

وأخبروا باثنين أو بأكثرا ... عن واحد كهم سراة شعرا  أي أمري حنان أي رحمة.
وقول الراجز: 168- شكا إلي جملي طول السرى ... صبر جميل فكلانا مبتلى أي أمرنا جميل "وأخبروا باثنين أو بأكثرا عن" مبتدأ "واحد" لأن الخبر حكم، ويجوز أن يحكم على الشيء الواحد بحكمين فأكثر.
ثم تعدد الخبر على ضربين الأول تعدد في اللفظ والمعنى "كهم سراة شعرًا" ونحو: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ، ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ، فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: 14] ، وقوله: 169- من يك ذا بت فهذا بتي ... مقيظ مصيف مشتي وقوله: أذو نسب إلخ أي ذو قرابة هنا جئت لهم أم لك معرفة بالحي.
وإنما قالت ذلك خوفًا عليه من إنكار الحي إياه قاله العيني، فلقنته الحجة موهمة أنها لا تعرفه.
قوله: "وأخبروا باثنين أي بأكثرا" أي مع كون كل مفردًا أو جملة أو شبه جملة أو مع الاختلاف.
وفي المغني زعم الفارسي أن الخبر لا يتعدد مختلفًا بالافراد والجملة فيتعين عنده في نحو زيد عالم يفعل الخير كون الجملة الفعلية صفة للخبر، ومثله عنده وعند غيره نحو زيد رجل صالح أو يفعل الخبر لعدم إفادة الإخبار بالأول وحده، ويجوز عنده وعند غيره في نحو زيد كاتب شاعر كون شاعر خبرًا ثانيًا وكونه صفة لكاتب.
ا. هـ. بتصرف، ثم قال: وأجب الفارسي في: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِين﴾ [البقرة: 65] ، كون خاسئين خبرًا ثانيًا لأن جمع المذكور السالم لا يكون صفة لما لا يعقل.
ا. هـ. وأما نحو زيد يقرأ يكتب فمن تعدد الخبر لا غير.
قوله: "لأن الخبر حكم" أي محكوم به.
قوله: "في اللفظ والمعنى" علامة ذلك صحة الاقتصار على كل من الخبرين أو الإخبار كما في الدماميني.
قوله: "سراة" بفتح السين وقد تضم أصلها سرية جمع سرى على غير قياس، إذ قياس جمع فعيل المعتل اللام أفعلاء كنبي وأنبياء وتقي وأتقياء وزكي وأزكياء.
وأما قول شيخنا وشيخنا السيد والبعض كغيرهم لأن قياس جمع فعيل فعلاء كشريف وشرفاء فغير مستقيم لأن ما قالوه في فعيل الصحيح اللام وما نحن بصدده من فعيل معتلها وقيل اسم جمع.
قوله: "من يك ذا بت" البت الكساء الغليظ المربع، ومن شرطية لا موصولة وإن زعمها البعض تبعًا لصدر كلام العيني المتناقض بدليل يك.
والمعنى من يك ذا بت فأنا مثله لأن هذا 168- الرجز للملبد بن حرملة في شرح أبيات سيبويه 1/ 317؛ وبلا نسبة في أمالي المرتضى 1/ 107؛ والكتاب 1/ 321؛ ولسان العرب 14/ 440 "شكا".
169- الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ص189؛ وجمهرة اللغة ص162؛ والدرر 2/ 32؛ والمقاصد النحوية 561؛ وبلا نسبة في الإنصاف 2/ 725؛ وتخليص الشواهد ص214؛ والدرر 5/ 109؛ وشرح أبيات سيبويه 2/ 33؛ وشرح ابن عقيل ص132؛ وشرح المفصل 1/ 99؛ والكتاب 2/ 84؛ ولسان العرب 2/ 8 "بتت"، 7/ 456 "قيظ" 9/ 201 "صرف" 14/ 421 "شتا"، وهمع الهوامع 1/ 108، 2/ 67.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقوله: 170- ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ... بأخرى الأعادي فهو يقظان نائم وهذا الضرب يجوز فيه العطف وتركه.
والثاني تعدد في اللفظ دون المعنى، وضابطه أن لا يصدق الإخبار ببعضه عن المبتدأ نحو هذا حلو حامض أي مز، وهذا أعسر أيسر: أي أضبط.
وهذا الضرب لا يجوز فيه العطف خلافًا لأبي علي هكذا اقتصر الناظم على هذين النوعين في شرح الكافية، وزاد ولده في شرحه نوعًا ثالثًا يجب في العطف وهو أن يتعدد الخبر لتعدد ما هو له إما حقيقة نحو بنوك كاتب وصائغ وفقيه.
وقوله: البت بتي فحذف المسبب وأقام السبب مقامه، وقوله: مقيظ إلخ أي كاف لي قيظًا وصيفًا وشتاء، والقيظ شدة الحر.
قوله: "ينام إلخ" الضمير للذنب والذي وقع في الشارح يقظان نائم لكن المروي الذي يدل عليه بقية القوافي من القصيدة يقظان هاجع أي نائم.
والشاهد في قوله فهو يقظان نائم فإن الخبر فيه تعدد لفظًا ومعنى على ما قاله الشارح وغيره وهو مبني على أن المراد يقظان من وجه نائم من وجه، ولك أن تجعله مما تعدد فيه الخبر لفظًا فقط بناء على أن المراد بين اليقظان والنائم أي جامع بين طرف من اليقظة وطرف من النوم.
قوله: "يجوز فيه العطف" أي بالواو وغيرها بخلاف النوع الثالث فالعطف فيه لا يكون إلا بالواو أفاده شيخنا السيد.
قوله: "وضابطه إلخ" هذا صادق بنحو هذا أبيض أسود للأبلق مع أن الرضي سرح بجواز العطف فيه إلا أن يراد عن المبتدأ كلًا أو بعضًا فيخرج نحو هذا المثال.
قوله: "أن لا يصدق الأخبار إلخ" ولهذا قال بعضهم إطلاق الخبر على كل واحد مجاز من إطلاق ما للكل على الجزء.
قوله: "أي مز" يعني أن الموجود في الرمان هو المزازة، وهي كيفية متوسطة بين الحلاوة والحموضة الصرفتين وليس فيه طعم الحلاوة وطعم الحموضة إذ هما ضدان لا يجتمعان فليس المعنى هنا كالمعنى في زيد كاتب شاعر من أنه جامع للصفتين إذ كل من الصفتين الصرفتين موجودة في زيد قاله الناصر اللقاني.
قوله: "أي أضبط" أي في العمل لكونه يعمل بكلتا يديه وكان عمر بن الخطاب كذلك، ولا يقال أعسر أيسر كما في الصحاح.
قوله: "لا يجوز فيه العطف" أي نظرًا للمعنى لأن الخبرين في المعنى شيء واحد والعطف يقتضي خلاف ذلك.
قوله: "خلافًا لأبي علي" فإنه أجاز العطف نظرًا إلى تغاير اللفظ.
قوله: "وزاد ولده" أي على ما في شرح الكافية فلا ينافي أنه تابع في هذه الزيادة لأبيه في شرح التسهيل.
قوله: "لتعدد ما هو له" بهذا التعليل حصل الفرق بين هذا النوع ونحوهم سراة شعرًا لأن تعدد الخبر فيه ليس لتعدد المبتدأ لأن كلًّا من أفراد المبتدأ فيه متصف بأنه سرى شاعر بخلاف نحو بنوك إلخ فإنه 170- البيت من الطويل، وهو لحميد بن ثور في ديوانه ص105، وأمالي المرتضى 2/ 213؛ وخزانة الأدب 4/ 292؛ والشعر والشعراء 1/ 398؛ والمقاصد النحوية 1/ 562؛ وبلا نسبة في تخليص الشواهد ص214؛ وشرح ابن عقيل ص132.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  171- يداك يد خيرها يرتجى ... وأخرى لأعدائها غائظة وإما حكمًا كقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الحديد: 20] ، واعترضه في التوضيح فمنع أن يكون النوع الثاني والثالث من باب تعدد الخبر بما حاصله أن قولهم: حلو حامض في معنى الخبر الواحد بدليل امتناع العطف وأن يتوسط بينهما مبتدأ، وأن نحو قوله: 172- يداك يد خيرها يرتجى وأخرى لأعدائها غائظة في قوة مبتدأين لكل منهما خبر، وأن نحو: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [الحديد: 20] ، الثاني تابع لا خبر.
قلت: وفي الاعتراض نظر أما ما قاله في الأول فليس بشيء إذ لم يصادم كلام الشارح بل هو عينه لأنه إنما جعله متعددًا في اللفظ دون المعنى وذكر له ضابطًا بأن لا يصدق الإخبار ببعضه عن المبتدأ كما قدمته فكيف يتجه الاعتراض عليه بما ذكر.
وأما الثاني فهو أن كون يداك ونحوه في قوة مبتدأين لا ينافي كونه بحسب اللفظ مبتدأ واحدًا إذ النظر إلى كون المبتدأ واحدًا أو متعددًا إنما هو إلى لفظه لا إلى معناه وهو واضح لا خفاء فيه.
وأما قوله في الثالث أن الثاني يكون تابعًا لم يتصف كل من البنين بالأوصاف الثلاثة بل اختص كل بوصف فتعدد الخبر لتعدد المبتدأ.
قوله: "يداك يدٌ إلخ" يد خبر المبتدأ وأخرى معطوف عليه وما بعد كل صفة له.
قوله: "وأما حكمًا إلخ" إنما كان التعدد حكميًا في الآية لكون المبتدأ المفرد ذا أقسام فجعل في حكم الجمع الدال على الافراد.
قوله: "إنما الحياة" أي حالها.
قوله: "واعترضه" أي ما ذكر من النوعين الثاني والثالث والمفهوم من اعتراض الموضح قصر تعدد الخبر على تعدده لفظًا ومعنى مع اتحاد المبتدأ لفظًا ومعنى، وابن الناظم لا يقصره على ذلك.
قوله: "وأن يتوسط بينهما مبتدأ" كما يمتنع توسط المبتدأ بينهما يمتنع تأخر المبتدأ عنهما فلا يجوز حلو حامض الرمان نقله صاحب البديع عن الأكثر كما في الهمع فقول البعض بعد عزوه إلى بعضهم ولا وجه له لا يسمع.
قوله: "في قوة مبتدأين إلخ" إنما رد بهذا مع إمكان الرد بأن الثاني تابع كما فعل في الآية لأن هذا الذي ذكره يرفع تعدد الخبر معنى واصطلاحًا، بخلاف كونه تابعًا فإنه يرفع التعدد اصطلاحًا فقط أفاده الناصر.
قوله: "الثاني تابع" أي الثاني منه تابع فالرابط محذوف وإنما لم يرد بكون المبتدأ في قوة مبتدآت لتعدده حكمًا كما فعل فيما قبله مع أنه أقوى في رفع تعدد الخبر كما مر لأن تعدد 171- البيت من المتقارب، وهو لطرفة بن العبد في ملحق ديوانه ص155؛ وشرح التصريح 1/ 182؛ والمقاصد النحوية 1/ 752؛ وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 7/ 17، 18؛ وأوضح المسالك 1/ 228؛ وتخليص الشواهد ص212؛ وخزانة الأدب 1/ 133؛ ولسان العرب 7/ 454 "غيظ".
172- راجع التخريج رقم 171.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا خبرًا، فإنا نقول: لا منافاة أيضا بين كونه تابعًا وكونه خبرًا؛ إذ هو تابع من حيث توسط الحرف بينه وبين متبوعه، خير من حيث عطفه على خبر إذ المعطوف على الخبر خبر، كما أن المعطوف على الصلة صلة، والمعطوف على المبتدأ مبتدأ، وغير ذلك وهو أيضًا ظاهر.
خاتمة: حق خبر المبتدأ أن لا تدخل عليه فاء لأن نسبته من المبتدأ نسبة الفعل من الفاعل ونسبة الصفة من الموصوف، إلا أن بعض المبتدآت يشبه أدوات الشرط فيقترن خبره بالفاء إما وجوبًا وذلك بعد أما نحو ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُم﴾ [فصلت: 17] . وأما قوله: المبتدأ في الآية خفي لكونه حكميًّا فلم يعرج عليه في الرد لذلك فافهم.
قوله: "وفي هذا الاعتراض" أي الاعتراض المذكور على النوعين.
قوله: "وأما الثاني" أي دفع ما قاله في الثاني.
فائدة: في البحر المحيط للزركشي: قال بعض الفضلاء: الصفات المذكورة في الحدود لا يجوز أن تعرب أخبارًا ثواني بل يتعين إعرابها صفة لما يلزم على الأول من استقلال كل جزء بالحد ومن هنا منع جماعة أن يكون حلو حامض خبرين، وأوجب الأخفش أن يكون حامض صفة والجمهور القائلون إن كلًا منهما خبر لا يلزمهم القول بمثله في نحو الإنسان حيوان ناطق لأن حلو حامض ضدان، فالعقل يصرف عن توهم قصد كل منهما استقلالًا بخلاف الإنسان حيوان ناطق.
ا. هـ. ولم يتعرض الشارح كالناظم لتعدد المبتدأ وهو قسمان: أحدهما أن يجرد كل من المبتدآت عن إضافته لضمير ما قبله ويؤتى بعد خبر المبتدأ الأخير بالروابط نحو زيد عمرو هند ضاربته في داره من أجله، والمعنى هند ضاربته عمرو في داره من أجل زيد.
الثاني أن يضاف كل من المبتدآت غير الأول لضمير ما قبله نحو زيد عمه خاله أخوه قائم، والمعنى أخو خال عم زيد قائم.
قوله: "لأن نسبته" أي الخبر من المبتدأ أي إلى المبتدأ نسبة الفعل من الفاعل أي كنسبة الفعل إلى الفاعل، يعني أن الخبر بالنسبة إلى المبتدأ كالفعل بالنسبة إلى الفاعل ووجه الشبه كون كل منهما محكومًا به وبسبب هذه المشابهة منع الخبر من الفاء كما منع منها الفعل إلا لمقتض كإفادة التسبب في نحو قام زيد فدخل عمرو، فاندفع الاعتراض بأن الفعل يقترن بالفاء كما في هذا المثال.
هذا ملخص ما قاله البعض والأقرب عندي في تقرير عبارة الشارح ودفع الاعتراض عنها أن يبقى كلام الشارح على ظاهره من أن التشبيه النسبتين لا بين الخبر والفعل، وأن يجعل المعنى أن نسبة الخبر إلى المبتدأ كنسبة الفعل إلى الفاعل في أن كلًّا نسبة محكوم به إلى محكوم عليه، فكما لا يفصل بين الفعل وفاعله بالفاء لا يفصل بين الخبر ومبتدئه بالفاء.
فإن قلت: هذا التقرير يؤدي إلى جواز فقائم زيد لعدم الفصل بين المبتدأ والخبر.
قلت: رتبة المبتدأ التقديم فالفصل حاصل تقديرًا، فافهمه فإنه نفيس.
قوله: "يشبه أدوات الشرط" أي أسماءه أي في العموم.
قوله: "فيقترن خبره بالفاء" أي أن تأخر عن المبتدأ فإن سبقه تحوله له درهم الذي يأتيني

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  173- أما القتال لا قتال لديكم فضرورة، وإما جوازًا وذلك إما موصولة بفعل لا حرف شرط معه، أو بظرف وإما موصوف بهما أو مضاف إلى أحدهما، وإما موصوف بالموصول المذكور بشرط قصد العموم واستقبال معنى الصلة أو الصفة، نحو الذي يأتيني أو في الدار فله درهم، ورجل وجب ترك الفاء لأن الجواب إنما يقترن بالفاء إذا تأخر.
قوله: "إما وجوبًا وذلك بعد أما" كان ينبغي إسقاط هذا القسم لأن اقتران الخبر فيه بالفاء لأجل أما المتضمنة معنى الشرط لا لشبه المبتدأ بأداة الشرط.
قوله: "وذلك" أي المبتدأ الذي يقترن خبره بالفاء جوازًا إما موصول إلخ وجملة صوره خمس عشرة صورة: موصول بفعل لا حرف شرط معه، موصول بظرف موصول بجار ومجرور، موصوف بأحد هذه الثلاثة، فهذه ست صور.
مضاف إلى الموصول أو الموصوف المذكورين وتحته ست صور موصوف بالموصول المذكور وتحته ثلاث صور وقد تدخل الفاء على خبر كل مضافًا إلى غير موصوف نحو كل نعمة فمن الله، أو موصوف بغير ما ذكر نحو: كل أمر مباعد أو مداني ... فمنوط بحكمة المتعالي قيل: ومنه حديث كل أمر ذي بال إلخ وفيه بحث أبديته في رسالتي الكبرى في البسملة.
قوله: "لا حرف شرط معه" فلو كان معه حرف شرط نحو الذي أن يأتني أكرمه مكرم امتنعت الفاء لأنها إنما دخلت في الخبر لشبه المبتدأ بالشرط وهو هنا منتف إذ لا يدخل شرط على شرط وأجاز بعضهم دخولها في هذا أيضًا، وخرج بقوله بفعل أو ظرف الموصول بغيرهما فلا يجوز الذي أبوه محسن فمكرم خلافًا لابن السراج، ولا القائم فزيد أو فاضربه خلافًا للناظم في تسهيله فإنه صرح فيه بجوازه ومثل له في شرحه بقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] ، وجعل الجمهور الخبر محذوفًا أي مما يتلى عليكم حكم السارق، وكان على الشارح أن يزيد وأن لا يكون مصدرًا بعلم استقبال ولا بقد ولا بما النافية أو بقول موصول بفعل صالح للشرطية كما في التسهيل ليفيد اشتراط ما ذكر.
قوله: "أو بظرف" المراد به ما يشمل الجار والمجرور كما يدل عليه تمثيله بالجار والمجرور.
قوله: "وإما موصوف" أي اسم منكر موصوف.
وقوله: بهما أي بواحد من الفعل والظرف.
قوله: "أو مضاف إلى أحدهما" أي الموصول والموصوف المذكورين بأقسامهما.
واعلم أن المضاف إلى الموصول بما ذكر لا يشترط أن يكون لفظ كل وما بمعناها كجميع فيجوز غلام الذي عندك فلا درهم معه.
وأما المضاف إلى النكرة الموصوفة بما ذكر فيشترط أن يكون لفظ كل وما بمعناها فقول الشارح وكل الذي تفعل إلخ ذكر كل فيه ليس قيدًا، وقوله كل رجل يتقي الله ذكر كل فيه قيد معتبر قاله شيخنا السيد.
قوله: "بشرط قصد العموم" قيد في جميع ما قبله ولو حذف لفظ كما في قوله فلو عدم العموم وكما في قول التسهيل عام لكان أخصر لعدم الحاجة لذكره، بل لا حاجة كما قاله الدماميني إلى اشتراط العموم من أصله بعد كونه موضوع المسألة المبتدأ المشبه لاسم الشرط في العموم.
قوله: "واستقبال معنى الصلة" يفهم أنه لا يشترط استقبال لفظها وهو كذلك فشمل نحو وما أصابكم

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يسألني أو في المسجد فله بر، وكل الذي تفعل فلك أو عليك، وكل رجل يتقي الله فسعيد، والسعي الذي تسعاه فستلقاه.
فلو عدم العموم لم تدخل الفاء لانتفاء شبه الشرط وكذا لو عدم الاستقبال أو وجد مع الصلة أو الصفة حرف شرط، وإذا دخل شيء من نواسخ الابتداء على المبتدأ الذي اقترن خبره بالفاء أزال الفاء إن لم يكن إن أو أن أو لكن بإجماع المحققين، فإن كان الناسخ إن وأن ولكن جاز بقاء الفاء، نص على ذلك في إن وأن سيبويه وهو الصحيح الذي ورد نص القرآن المجيد به كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ﴾ [الاحقاف: 13] ، ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الاحقاف: 13] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾ [آل عمران: 91] ، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: 21] ، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [ألانفال: 41] ، ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: 8] ، ومثال ذلك مع لكن قوله الشاعر: 174- بكل داهية ألقى العداء وقد ... يظن أني في مكري بهم فزع من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويدل على أن ما موصولة سقوط الفاء في قراءة نافع وابن عامر.
همع.
قوله: "فلو عدم العموم" وعدمه إما بتقييد الصلة أو الصفة كالسعي الذي تسعاه في الخير ستلقاه، وكل رجل يأتيني في المسجد له كذا، وإما بتقييد الموصوف نحو كل رجل كريم يأتيني له كذا هذا ما قالوه وفيه بحث لأن ما ذكر من الأمثلة لم يعدم فيه العموم بل قلّ.
فإن قيل المراد بعدم العموم قلته لا عدمه رأسًا، قلت لا وجه لإرادة ذلك لأن قلة العموم لا تخرج المبتدأ عن شبه اسم الشرط لأنها توجد فيه نحو من يقم في المسجد فله درهم فتأمل.
قوله: "وكذا لو عدم الاستقبال" نحو الذي زارنا أمس له كذا وأجاز بعضهم دخول الفاء هنا أيضًا تمسكًا بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّه﴾ [آل عمران: 166] ، وأول على معنى وما يتبين إصابته إياكم قاله الدماميني.
قوله: "الذي اقترن خبره بالفاء" أي الذي يجوز اقتران خبره بالفاء وقوله أزال الفاء أي أزال جواز دخولها، وليس المراد أن النواسخ دخلت على تركيب فيه الفاء فأزالتها كما نبه عليه الدماميني، لكن هذا التأويل مع كونه غير ضروري يأباه قول الشارح بعد جاز بقاء الفاء، وكون المراد جاز بقاء الفاء لا يخفى ما فيه، وإنما أزال الناسخ جواز الفاء لزوال شبه المبتدأ بالشرط بدخول الناسخ لأن اسم الشرط لازم التصدير فلا يعمل فيه ما قبله، وهنا تقدم على المبتدأ الناسخ وعمل فيه.
قوله: "جاز بقاء الفاء" أي لأنها ضعيفة العمل إذ لم يتغير بدخولها المعنى الذي كان مع الابتداء ولهذا جاز العطف معها بالرفع على الاسم مراعاة لمحل الابتداء بخلاف بقية أخوات إن فإنها قوية في العمل لتغييرها المعنى.
قوله: "قل إن 174- البيتان من البسيط.

جارٍ التحميل