فقه العبادات على المذهب الشافعيصفحات 80-119
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 80-119
عن هذه الطبعة
عَلَم
درية العيطة
الكتاب
فقه العبادات على المذهب الشافعي
المؤلف
الحاجة درية العيطة [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]
  • الوضوء لغة: من الوضاءة وهي النظافة والنضارة وشرعاً: استعمال الماء في أعضاء مخصوصة، مفتتحاً بنية، أما الوضوء فالماء الذي يتوضأ به دليل مشروعيته: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ (المائدة 6) وحديث ابن عمر رضي الله عنهما: "إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تقبل صلاة بغير طهور) " (مسلم ج 1 / كتاب الطهارة باب 2) حكم الوضوء -1- الوضوء فرض: (1) للصلاة، سواك كانت فرضاً أو نفلاً ولسجودي التلاوة والشكر (2) لمس المصحف، لقوله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ (الواقعة 79) (3) للطواف، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الطواف حول البيت مثل الصلاة) (الترمذي ج 3 / كتاب الحج باب 112/ 960) -2- الوضوء مستحب: (1) بعد الفصد (شق العرق وإخراج الدم بالإبرة) لحديث تميم الداري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الوضوء من كل دم سائل) (الدارقطني ج 1 / ص 157) (2) بعد الحجامة (مص العضو بالقارورة بعد تشطيب موضع الحاجة) لحديث تميم رضي الله عنه المتقدم (3) بعد الرعاف، لحديث تميم رضي الله عنه أيضاً، ولما روى سلمان رضي اله عنه قال: "رآني النبي صلى الله عليه وسلم وقد سال من أنفي دم فقال: (أحدث وضوءاً) " قال المحاملي: "أي أحدث لما حدث وضوءاً" (الدارقطني ج 1 / ص 156) وللخروج من خلاف العلماء الذين أوجبوا الوضوء من الحجامة والفصد والرعف والقيء (4) بعد القيء لحديث أبي الدرداء رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر فتوضأْ" (الترمذي ج 1 / أبواب الطهارة باب 64/ 87) وأما الدليل على أن الوضوء لا ينتقض بخروج شيء من غير السبيلين كدم الفصد والحجامة والقيء والرعاف، قل ذلك أو كثر حديث جابر رضي الله عنه أن رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حرسا المسلمين ليلة في غزوة ذات الرقاع، فقام أحدهما يصلي، فجاء رجل من الكفار فرماه بسهم، فوضعه فيه، فنزعه، ثم رماه بآخر ثم بثالث، ثم ركع وسجد ودماؤه تجري (انظر أبو داود ج 1 /كتاب الطهارة باب 79/ 224) فلو نقض خروج الدم لما جاز الركوع والسجود وإتمام الصلاة وعلم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولم ينكره.
    فحمل الشافعية الأحاديث التي نصت على الوضوء من ذلك على الاستحباب (5) عند إرادة النوم، لحديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أتيت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قال: اللهم أسلمت وجهي إليك وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلم به) (البخاري ج 1 / كتاب الوضوء باب 75/ 244 (6) بعد النوم قاعداً ممكناً من مقعدته من الأرض (ويكون ذلك بإلصاق الأليين بالأرض، وعليه لا يكون التمكين إلا بالجلسة المعروفة بالتربع) قال الشافعي والأصحاب: "يستحب للنائم ممكناً أن يتوضأ لاحتمال خروج حدث" وللخروج من خلاف العلماء.
    (7) بعد القهقهة في الصلاة، للخروج من خلاف العلماء، والدليل على عدم وجوبه ما روى البخاري عن جابر رضي الله عنه " إذا ضحك في الصلاة، أعاد الصلاة ولم يعد الوضوء" (البخاري ج 1 / كتاب الوضوء باب 33) (8) بعد أكل ما مسته النار، روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (توضأوا مما مست النار) (مسلم ج 1 كتاب الحيض باب 23/ 90) والدليل على أنه غير واجب حديث جابر رضي الله عنه قال: "كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما غيرت النار" (أبو داود ج 1 / كتاب الطهارة باب 75/192) (9) بعد أكل لحم الجزور (ما يجزر من النوق) لحديث جابر بن سمرة رضي الله عنه: أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: (إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا توضأ) قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: (نعم فتوضأ من لحوم الإبل" (مسلم ج 1 / كتاب الحيض باب 25/ 97) (10) بعد لمس أحد الجنسين شعر الأخر أو سنه أو ظفره، قال النووي: "قال الشافعي في الأم، والأصحاب: يستحب أن يتوضأ من لمس الشعر والسن والظفر" (المجموع ج 2 / ص 28) (11) عند الشك بالحدث) (12) عقب الذنوب والخطايا، كالشتم والكلام القبيح والغيبة والكذب والغرض منه تكفير الخطايا، فعن أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه، مع الماء، أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقياً من الذنوب) (مسلم ج 1 / كتاب الطهارة باب 11/ 32) وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "لأن أتوضأ من الكلمة الخبيثة أحب إلي من أن أتوضأ من الطعام الطيب" (المجموع ج 2 / ص 66) (13) عقب الغضب، لحديث عطية السعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ) (أبو داود ج 5 / كتاب الأدب باب 4/4784) (14) عند قراءة القرآن من الذاكرة، لأن قراءته مناجاة لله عز وجل، على أن قراءة المحدث ليست مكروهة لحديث علي رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن على كل حال ليس الجنابة" (النسائي ج 1 / ص 144) (15) عند دراسة الحديث، لأن الحديث مناجاة لرسول الله صلى الله عليه وسلم (16) عند المطالعة في كتب العلم المتعلقة بالحديث أو القرآن، تعظيماُ واحتراماً لكتب العلم الشرعي، حتى إن كتب اللغة والنحو تعظم لأنها وضعت لفهم كتاب الله وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار تعظيمها تعظيماً لكتاب الله وسنة رسول الله (17) عند الذكر، لما روي عن المهاجر بن قنفذ رضي الله عنه: "أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى توضأ ثم اعتذر إليه فقال: (إني كرهت أن أذكر الله عز وجل إلا على طهر) " (أبو داود ج 1 كتاب الطهارة باب 8 / 17) (18) للجلوس في المسجد والمرور فيه، لأنه يكره لداخل المسجد أن يجلس فيه حتى يصلي ركعتين.
    (19) لزيارة القبور، إذ لا يشترط لها الطهارة من الحدثين (20) من حمل الميت، لحديث أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من غسله الغسل، ومن حمله الوضوء) (الترمذي ج 3 / كتاب الجنائز باب 17/ 933) (12) يندب تجديد الوضوء عند كل صلاة، وهو أن يكون على وضوء ثم يتوضأ من غير أن يحدث، هذا إن صلى بالوضوء الأول فرضاً، وإلا فلا، لما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة طاهراً أو غير طاهر" (الترمذي ج 1 /أبواب الطهارة باب 44/58) (22) يندب الوضوء لجنب يريد أكلا أو شرباً أو نوماً أو جماعاً آخر، لحديث عائشة قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان جنباً فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة" (مسلم ج 1 كتاب الحيض باب 6/22) وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما وضوءاً) (مسلم ج 1 / كتاب الحيض باب 6/27) بخلاف الحائض والنفساء، لأن حدثهما مستمر، ولا تصح الطهارة منهما، إلا أن تنقيا فيندب لهما الوضوء عندئذ كالجنب، بالنسبة للأكل والشرب والنوم فقط ريثما تغتسلا

شروط صحة الطهارة (بالوضوء أو الغسل) (1)

1 -1- أهلية النية، ونعني بها: (1) الإسلام، فلا يخاطب كافر بفروع الشريعة حتى لو تزوج المسلم بغير المسلمة لم يجز له أن يقربها ما لم تتطهر من الحيض فتغتسل، وينوي زوجها عنها بغسلها هذا نية الوطء، أما نيتها هي - إن نوت - فغير مقبولة لأنها كافرة، والنية لا تقبل إلا من مسلم.
1 التمييز: إذ لا خطاب بدون العقل، فالصغير غير المميز والمجنون ليسا أهلاً للخطاب.
أما الصبي المميز فنيته صحيحة وطهارته كاملة، فلو تطهر ثم بلغ بالسن (2) جاز له أن يصلي بهذه الطهارة، وسن التمييز منوط بالفعل، بأن يأكل وحده باستقامة، وأن يعرف كيف يتطهر وحده كذلك، وإن لم يبلغ السابعة، وإذا لم يستقم له ذلك فلا يحكم بتمييزه وإن زاد على السابعة، ولكن الغالب أن يكون التمييز في السنة السابعة من العمر.
-2- النقاء من الحيض والنفاس.
-3- ألا يكون على العضو حائل له جرم يمنع وصول الماء إلى البشرة، كالشمع والهان ونحوهما، وذلك لبقاء جرميته، أما دسومة الزيت، وما شابه، فلا تمنع ولو فرقت الماء، لأنه لا جرم لها على البشرة -4- ألا يعتقد المتطهر بقرض أنه سنة، أما إذا اعتقد بسنة أنها فرض فذلك لا يضر -5- العلم بفرضية الوضوء والغسل -6 - إزالة النجاسة العينية.
-7 - ألا يكون على العضو ما يغير الماء كالحبر، إلا أن يكون بقعة صغيرة لا تغيره، فلا يضر -8 - ألا يعلق المتطهر نيته، كأن يقول مثلاً: نويت الوضوء ما لم يأت أخي -9 - أن يجري الماء على العضو، فلو استعمل البرد أو الثلج في الوضوء، قبل إذابتهما، فإن كانا يسيلان على العضو لشدة الحر، وحرارة الجسم، ورخاوة الثلج صح الوضوء لحصول جريان الماء على العضو، وإلا فلا، لكن يصح مسح الممسوح، وهو الرأس والخف والجبيرة.
-10 - دخول الوقت والموالاة (يقصد هنا الموالاة بين الاستنجاء والتحفظ، حيث احتيج إليه، وكذلك الموالاة بينهما وبين الوضوء، أي إنجاز هذه الأفعال متتابعة ليس بينها ما يعد فاصلاً في العرف) لدائم الحدث -11- أن يكون الماء المستعمل طهوراً أي طاهراً مطهراً

فرائض الوضوء

أولاً النية

  • وهي لغة: القصد وعزم القلب، تقول العرب: نواك الله بحفظه أي قصدك به وشرعاً: قصد الشيء مقترناً بفعله وحكمها: الوجوب ومحلها القلب ما دام معناها القصد، حتى لو جرى على اللسان خلاف ما نوى في قلبه لم يعتبر، فلو نوى بلسانه التبرد، ونوى بقلبه رفع الحدث أو بالعكس فالاعتبار بما في القلب.
    والمقصود بها تمييز العبادة عن العادة
  • الأدلة على فرضية النية: -1- قوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ (البينة: 5) ولما كان الوضوء عبادة فقد وجب فيه الإخلاص لله تعالى، الذي هو عمل القلب وهو النية وقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ... ﴾ يقتضي أن الوضوء مأمور به للصلاة وهذا معنى النية.
    وحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى ... ) (مسلم ج 3 / كتاب الإمارة باب 45/155) أي أن الأعمال لا تكون شرعية يتعلق بها ثواب وعقاب إلا بالنية والوضوء عمر من الأعمال المشروعة فتجب فيه النية، فإذا لم ينو الوضوء لم يتحصل له.
    -2- أن الوضوء عبادة مشتملة على أركان فتجب فيه النية كما تجب في الصلاة
  • زمنها: عند غسل أول جزء من الوجه، فإذا نسي المتوضئ النية، أو أتى بها بعد غسل الوجه، لم تصح، ومثله لو نوى عند التسمية أو غسل الكفين ثم غابت نيته قبل غسل شيء من الوجه، لم يصح وضوءه.
    والأكمل أن ينوي مرتين، مرة عند ابتداء الوضوء يقول فيها: نويت سنن الوضوء، ومرة عند غسل الوجه يقول فيها: نويت فرائض الوضوء
  • صيغتها: ينوي رفع الحدث (أي رفع حكم الحدث) أو الطهارة للصلاة، أو الطهارة من الحدث، أو فرض الوضوء، أو أداء فرض الوضوء، ولا يجزئه أن ينوي الطهارة المطلقة، لأن الطهارة قد تكون عن حدث وقد تكون عن نجس فلم تصح بنية مطلقة (قال النووي: هذا المشهور مقطوع به عند الجمهور - يعني جمهور الشافعية - وفي المسألة وجه أن يجزيه نية الطهارة مطلقاً وهو قوي، لأن نية الطهارة في أعضاء الوضوء على الترتيب المخصوص لا تكون عن نجس) فإن نوى بطهارته رفع الحدث والتبرد والتنظيف، أو نوى رفع الحدث ورفع نجاسة حكمية كانت على عضو من أعضاءه صح وضوءه لأنه نوى رفع الحدث وضم إليه ما لا ينافيه (ويصح هذا في الغسل أيضاً) بخلاف ما لو نوى نية صحيحة ثم غير النية في بعض الأعضاء، بأن نوى بغسل الرجل التبرد ولم يحضر نية الوضوء، فإنه لم يصح غسل الرجلين، أما إن حضرته نية الوضوء مع نية التبرد فوضوءه صحيح.
    ولو فرق النية على أعضاء الوضوء، فنوى عند غسل الوجه رفع الحدث عن الوجه، وعند غسل اليدين رفع الحدث عنهما، وعند الرأس والرجلين كذلك صح وضوءه، ولو غلط في نية الوضوء رفع حدث النوم، وكان حدثه غيره صح بالاتفاق، وإن تعمد لم يصح (وكذا في الجنابة) أما دائم الحدث (كالمصاب بسلس البول المستمر، أو غازات مستمرة، أو نزيف..... بحيث يستمر حدثهم بلا انقطاع طيلة فترة ما بين الوقتين، حتى لا يطهر فترة تسع الوضوء والصلاة) ففي صيغة نيته تفصيل: -1- لأداء فرض الصلاة: يجب أن يقصد معنى قوله: نويت فرض الوضوء لاستباحة فرض الصلاة، ولا يصح أن يصلي بوضوئه هذا أكثر من فرض واحد (ولو كان الفرض قضاء) ويصح إتباعه بالسنة وبالنوافل، فإذا لم يعين في النية أنه يتوضأ للفرض وقعت نيته على صلاة النفل دون الفرض.
    -2- لأداء النفل: يجب أن يقصد معنى قول: نويت فرض الوضوء لاستباحة الصلاة.

[ثانياً- غسل الوجه]

  • ثانياً- غسل الوجه: ودليل الفرضية قوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ والسنن المتظاهرة، والإجماع، وحد الوجه من مبتدأ تسطيح الجبهة من الأعلى إلى منتهى ما يقبل من الذقن ومنتهى اللحيين طولاً، وما بين شحمتي الأذنين عرضاً وهذا يشمل ما يظهر من حمرة الشفة والحاجبين والشارب والغمم (الشعر النابت على الجبهة) والهذب والعذار (الشعر المحاذي للأذنين) والبياض بين الأذن والعذار، والعنفقة (الشعر النابت تحت الشفة السفلى، وقد تقدم بيانه) فإن خف بحيث ترى البشرة من خلاله غسل ظاهره وباطنه شعراً وبشراً وإن كثف غسل ظاهره فقط، لحديث عطاء بن يسار عن ابن عباس رضي الله عنهما: "أنه توضأ ثم أخذ غرفة من ماء فجعل بها هكذا، أضافها إلى يده الأخرى فعسل بهما وجهه ... ثم قال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ" (البخاري ج 1 / كتاب الوضوء باب 7 / 140) قال النووي: "وبغرفة واحدة لا يصل الماء إلى ما تحت الشعر مع كثافة اللحية"، والمعروف الصحيح أن لحيته الكريمة كانت كثيفة، فقد روى جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير شعر اللحية" (مسلم ج 4 كتاب الفضائل باب 29 / 109) ويستحب تخليل اللحية بالأصابع من الأسفل، لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أخذ كفاً من ماء فأدخله تحت حنكه فخلل به لحيته وقال: (هكذا أمرني ربي عز وجل) " (أبو داود ج 1 / كتاب الطهارة باب 56/ 145) أما لحية المرأة والخنثى فيجب غسلها خفت أو كثفت ويجب على المتوضئ غسل جزء من الرأس والرقبة وما تحت الذقن مع الوجه، لأنه لا يمكن استيعاب الوجه إلا بذلك

[ثالثاً: غسل اليدين مع المرفقين]

  • ثالثاً: غسل اليدين مع المرفقين: (يقال مرفق ومرفق: وهو مجتمع العظمتين المتداخلتين، عظم العضد وعظم الذراع.) ويتضمن ذلك ما على اليدين من إصبع زائد أو شعر كثيف أو جلد متقلع من الذراع متدل منها.
    ودليل وجوب غسل المرافق مع الأيدي قوله تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ (قال بعض أهل اللغة: إلى بمعنى مع، وقال غيرهم هي للغاية، والمعروف أن الحديد يدخل إن كان التحديد شاملاً للحد والمحدود، ويكون المراد من التحديد إخراج ما وراء الحد مع بقاء الحد داخلاً) وحديث نعيم بن عبد الله المُجْمِر قال: "رأيت أبو هريرة رضي الله عنه يتوضأ، فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ" (مسلم ج 1 / كتاب الطهارة باب 12/ 34) وفعله صلى الله عليه وسلم بيان للوضوء المأمور به، ولم ينقل تركه ذلك

[رابعاً- مسح بعض الرأس]

  • رابعاً- مسح بعض الرأس: لقوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ والمسح إمرار اليد المبتلة على العضو، والرأس ما اشتمل على منابت الشعر المعتاد، وهذا يشمل الناصية (مقدم الرأس) والنزعتين (النزعتان: الموضعان المحيطان بالناصية من جانبي الجبين، اللذان ينحسر شعر الرأس عنهما في بعض الناس، والمفرد نزعة) والقذال (مؤخر الرأس) والفودين (الفودان: جانبا الرأس) والواجب من المسح تحقيق ما يقع عليه اسم مسح فأيما فعل حقق اسم المسح فقد وفى بالفريضة لأن الباء في ﴿برؤوسكم﴾ للتبعيض في رأي الشافعية، والتبعيض يتحقق بشعرات من الرأس بل ببعض شعرة، أو بغسل الرأس، أو إلقاء قطرات من الماء عليه، أو وضع اليد المبتلة على الرأس أجزأه ذلك، لأن الجميع يسمى رأساً، وسواء مسح الشعر من منابته، أو ما استرسل منه عن منابته أجزأه ذلك، ما لم يكن الممسوح خارجاً عن محل الفرض ولو تقديراً بأن كان الشعر مجعداً أو معقوصاً، وكان بحيث لو مد موضع المسح لخرج عن محل الفرض، ففي هذه الحال لا يجزئ المسح، ويجب أن يكون المسح بماء جديد غير ماء اليدين.

خامساً - غسل الرجلين

  • خامساً - غسل الرجلين مع الكعوب والشقوق (الكعبان: هما العظمتان الناتئتان على جانبي الساق، بين الساق والقدم) لحديث محمد بن زياد قال: سمعته وكان يمر بنا والناس يتوضؤون من المطهرة، قال: "اسبغوا الوضوء فإن أبا القاسم صلى الله عليه وسلم قال: (ويل للأعقاب من النار) " (البخاري ج 1 كتاب الوضوء باب 28/ 163) والدليل على دخول الكعبين في غسل الرجلين حديث أبو هريرة رضي الله عنه المتقدم: "ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق" والواجب فيما فرض غسله أو مسحه، فإن اقتصر عليها وأسبغ أجزأه، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "توضأ النبي صلى الله عليه وسلم مرة مرة" (البخاري ج 1 كتاب الوضوء باب 21/156)

[سادساً- الترتيب]

  • سادساً- الترتيب: وهو البداء بالوجه مقروناً بالنية، ثم اليدين، ثم الرأس، ثم الرجلين والدليل على فرضية الترتيب حديث جابر رضي الله عنه في صفة حجه صلى الله عليه وسلم وفيه (..... نبدأ بما بدأ الله به) (الترمذي ج 3 كتاب الحج باب 38/862) كما أن الأحاديث الصحيحة في صفة وضوئه صلى الله عليه وسلم تدل على أنه قد التزم الترتيب الوارد في آية الوضوء.
    ودليله من العقل أن الله تعالى فرض ممسوحاً بين مغسولات، ولا يفرق عند العرب بين المتجانسات إلا لعلة، والعلة هنا لزوم الترتيب، ثم إن الوضوء عبادة مشتملة على أركان مختلفة كالصلاة، لذا وجب الترتيب فيه.
    وبناء عليه، لو نسي المتوضئ في أثناء الوضوء غسل عضو من أعضاءه لزمه غسل ما بعده لكي يصل الترتيب، وكذلك بفعل الشاك يبني على اليقين، فيغسل ما شك فيه وما بعده (أما لو شك بعد فراغه من الوضوء فلا شيء عليه، لأن الشك بعد الفراغ من العبادة لا يؤثر، إلا الشك في النية فإنه يؤثر إذ لا تنعقد العبادة وعليه الإعادة) فإن ترك الترتيب عامداً أو ناسياً لم يصح وضوؤه.

[سابعاً- الموالاة واستصحاب النية لدائم الحدث]

  • سابعاً- الموالاة واستصحاب النية لدائم الحدث: والموالاة هي إنجاز أفعال الوضوء متتابعة ليس بينها ما يعد فاصلا في العرف.
    واستصحاب النية وهو استحضار نية الوضوء في قلبه خلال وضوءه كله كما تجب على دائم الحدث الموالاة بين الوضوء والصلاة، فإذا فصل بين الوضوء والصلاة لمصلحة الصلاة (كستر العورة) ولو سنة (كانتظار صلاة الجماعة أو التعطر) لم يضر ذلك وإلا لم يجز الفصل أما في حق السليم فالموالاة سمنة، وكذلك استصحاب النية، لحديث مالك عن نافع: "أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بال في السوق ثم توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه، ثم دعي لجنازة ليصلي عليها حين دخل المسجد، فمسح على خفيه ثم صلى عليها" (الموطأ ج 1 كتاب الطهارة باب 8/43) وابن عمر رصي الله عنه فعله بحضرة حاضري الجنازة، ولم ينكر عليه.

[ما يجزئ عن الوضوء]

  • ما يجزئ عن الوضوء:

1- إذا غطس المكلف في ماء بنية الوضوء أو الغسل صح ذلك، ولو استغرق مكثه فيه دقيقة واحدة فقط.
إذا يقدر حصول الترتيب في لحظات بسيطة

2- غسل الفرض - أي الغسل من جنابة أو حيض أو نفاس أو ولادة - يجزئ عن الوضوء، ولو لم يسبق الغسل بوضوء، بشرط ألا يكون أثناء غسله مس الفرج أو حلقة الدبر، أو خرج شيء من أحد السبيلين، والسبيل إلى ذلك أن يرفع الحدث الأكبر عن السوأتين قبل الغسل بنيته، وإن أتى بسنة الوضوء قبل الغسل فيرفع الحدث الأكبر عن السوأتين قبل الوضوء.
أما غسل السنة، مثل غسل الجمعة والعيدين، فلا يجزئ عن الوضوء، إذا لا تجزئ سنة عن فرض، أما الفرض فيجزئ عن السنة

[سنن الوضوء]

  • سنن الوضوء (السنة طريقة مسلوكة في الدين، وهي قسمان: ما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم وما واظب عليه الصحابة) -1- السواك: لحديث أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء) 0 البخاري ج 2 / كتاب الصوم باب 27) -2- وضع الإناء عن اليمين إذا كان واسعاً لكي يغترف باليمين، ووضعه على اليسار إذا كان صغيراً لكي يصب باليسار على اليمين، فإن استعان بغيره استحب للصاب أن يقف على يساره لأنه أمكن وأعون وأحسن في الأدب -3- استقبال القبلة: لأن الوضوء وإن كان وسيلة إلا أنه عبادة.
    ويسن له تخير مكان لا يرجع رشاش الماء إليه فيه.
    -4- التلفظ بالنية، واستصحابها، بمعنى استحضارها في القلب خلال الوضوء كله.
    -5- التسمية: لحديث أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه) (أبو داود ج 1 / كتاب الطهارة باب 48/ 101) زمنها: تقرن التسمية بنية سنن الوضوء مع أول غسل الكفين، فإن ترك التسمية في أوله ولو عمداً أتى بها قبل فراغه، فيقول باسم الله على أوله وآخره (وذلك كما في الأكل والشرب) حتى لا يخلو الوضوء من اسم الله عز وجل، فإذا لم يسم حتى فرغ من الوضوء، لم يسم لفوات محلها.
    -6- غسل الكفين في ابتداء الوضوء، لأنهما آلة التطهير فيبدأ بتطهيرهما أولاً، ولحديث ابن أوس بن أبي أوس عن جده قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استوكف ثلاثاً" (النسائي ج 1 / ص 64، واستوكف: أي استقطر الماء وصبه على يديه ثلاث مرات وبالغ حتى وكف منهما أي قطر منهما) وتتأكد هذه السنة عند الاستيقاظ من النوم، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، فإنه لا يدري أين باتت يده) (مسلم ج 1 / كتاب الطهارة باب 26/ 87) قال الشافعي: "وأحب لكل من استيقظ من نومه، قائلة كانت أو غيرها ألا يدخل يده في وضوئه حتى يغسلها، فإن أدخل يده قبل أن يغسلها كرهت ذلك له، ولم يفسد ذلك الماء إذا لم يكن على يده نجاسة (الترمذي ج 1 / أبواب الطهارة باب 19) وبناء عليه إذا شك في نجاستهما كره له غمسهما في الماء القليل، أو بأي مائع آخر قبل غسلهما، سواء كان قائماً من نوم أم لا، وإذا تيقن طهرهما فغسلهما له سنة، وأما إذا تيقن نجاستهما فيجب عليه غسلهما قبل غمسهما في الماء -7- المضمضة والاستنشاق، لحديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه قال: "قيل له توضأ لنا وضوء رسول الله رضي الله عنه فدعا بإناء فأكفأ منها على يديه فغسلهما ثلاثاً، ثم أدخل يده فاستخرجها فمضمض واستنشق من كف (الكف تذكر وتؤنث) واحدة ففعل ذلك ثلاثاً" (مسلم ج 1 / كتاب الطهارة باب 7/18) وتتم السنة بأن تكون المضمضة أولاً ثم الاستنشاق، وبإدخال الماء إلى الفم، سواء أداره فيه ومجه أم لا، فإن أراد الأكمل مجه، ويكون الاستنشاق بإدخال الماء إلا الأنف سواء جذبه بنفسه إلى خياشيمه ونثره أم لا.
    فإن أراده الأكمل نثره، لحديث أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من توضأ فليستنثر) (البخاري ج 1 كتاب الوضوء باب 24/159) والأفضل الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة وذلك ثلاث مرات بثلاث غرفات، لحديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه المتقدم وتسن المبالغة فيهما لحديث لقيط بن صبرة رضي الله عنه أنه قال: "فقلت يا رسول الله أخبرني عن الوضوء فقال: (أسبغ الوضوء، وخلل الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) " (أبو داود ج 1 / كتاب الطهارة باب 55/ 142) ويسن أن يغترف الماء للمضمضة والاستنشاق باليمنى وأن يستنثر باليسرى، لحديث علي رضي الله عنه في صفة وضوئه صلى الله عليه وسلم " فأدخل يده اليمنى في الإناء فملأ فمه فتمضمض واستنشق واستنثر بيده اليسرى، ففعل ذلك ثلاثاً" (البيهقي ج 1 ص 48) -8- البداءة بأعلى الوجه، والبداءه بالأصابع من اليد والرجل، فإن صب له غيره بدأ بالمرفق والكعب -9- تعاهد الماقين (الماق هو المؤق وجمعه آماق ومآق: وهو مجرى الدمع من العين أو هو مقدمها أو مؤخرها) من كل عين، وغيرهما من غضون الوجه، بزيادة ما، لحديث أبي أمامة رضي الله عنه، وذكر وضوء النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح المأقين" (أبو داود ج 1 / كتاب الطهارة باب 50 / 134) أما غسل داخل العين فليس بمسنون، لأنه لم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنه يؤدي إلى الضرر -10 - إطالة الغرة (بياض في الجبهة) والتحجيل (بياض في قوائم الفرس كلها) وتكون إطالة الغرة بأن يغسل فوق الوجه جزءاً من الرأس وجزءاً من العنق، أما إطالة التحجيل فيغسل ما فوق المرفقين في اليدين، وما فوق الكعبين في الرجلين، ودليل السنية حديث أبو هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته (أطلق أحد القرينين - إطالة الغرة - مع إرادة الآخر - إطالة التحجيل - وهو معروف في اللغة، ومنه قوله تعالى ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ أي والبر) وعن أبي حازم قال: "كنت خلف أبو هريرة رضي الله عنه وهو يتوضأ للصلاة فكان يمد يده حتى تبلغ إبطه.
    فقلت له يا أبا هريرة، ما هذا الوضوء؟ فقال يا بني فُروخ أنتم ههنا، لو علمت أنكم ههنا ما توضأت هذا الوضوء، سمعت خليلي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (تبلغ الحلية من المؤمن حيث بلغ الوضوء) " (مسلم ج 1 / كتاب الطهارة باب 13: 40) -11- تخليل أصابع اليدين بالتشبيك، مبتدئاً برؤوسها، لحديث لقيط بن صبرة رضي الله عنه المتقدم ( ... وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائماً) -12- تحريك الخاتم: فعن رافع رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ حرك خاتمه" (ابن ماجة ج 1 / كتاب الطهارة باب 54/449) -13- التيامن: لما روت عائشة قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترحله (الترجل: الامتشاط) وطهوره، وفي شأنه كله" (البخاري ج 1 / كتاب الوضوء باب 30 / 166) -14- دلك العضو، لحديث عبد الله بن زيد بن عاصم رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فجعل يقول: (هكذا يدلك) " (مسند الإمام أحمد ج 4 / ص 49) وخروجاً من خلاف العلماء (هو عند مالك رضي الله عنه فرض) -15- مسح جميع الرأس: وذلك بأن يضع يديه على مقدم رأسه، ويلصق إحدى سبابتيه بالأخرى، وإبهامه على صدغيه، ثم يذهب بهما إلى قفاه، ثم يردهما إلى حيث بدأ، وإن كان له شعر ينقلب، ويعتبر الذهاب والرد مسحة واحدة، وإن لم يكن له شعر ينقلب أو كان له شعر ينفش فلا يردهما، وذلك لحديث يحيى المازني: "أن رجلاً قال لعبد الله بن زيد: أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بماء.؟ ... ثم مسح رأسه بيده فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه....." (البخاري ج 1 / كتاب الوضوء باب 37/ 183) فإذا لم يرد نزع ما على رأسه مسح جزءاً من الرأس ثم تمم المسح بالكيفية السابقة على الساتر ثلاثاً.
    لحديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: "توضأ النبي صلى الله عليه وسلم ومسح على الخفين والعمامة" (الترمذي ج 1 / أبواب الطهارة باب 75/100) -16 - مسح الأذنين بعد مسح الرأس، ظاهرهما وباطنهما (ظاهرهما مما يلي الرأس وباطنهما مما يلي الوجه) بماء جديد غير ماء الرأس (أما لو بل أصابعه ومسح ببعضها رأسه وببعضها أذنيه ففعله صحيح) لحديث عمرو بن شعيب في صفة الوضوء، وفيه: "ثم مسح برأسه، وأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه ظاهر أذنيه، وبالسباحتين باطن أذنيه" (أبو داود ج 1 / كتاب الطهارة باب 51/ 135 والحديث بتمامه سيرد في فقرة التثليث) ويكون مسح الأذنين بعد مسح الرأس، ولو قدمه عليه لم يحصل له مسح الأذنين لأنه فعله قبل وقته.
    -17 - تخليل أصابع الرجلين من الأسفل إلى الأعلى، وذلك بخنصر اليد اليسرى، مبتدئاً بخنصر الرجل اليمنى منتهياً بخنصر الرجل اليسرى لما حدّث المستورد بن شداد رضي الله عنه قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فخلل أصابع رجليه بخنصره" (ابن ماجة ج 1 / كتاب الطهاة باب 54/ 446) والتخليل سنة إن كانت أصابع الرجلين منفرجة، فإن كانت ملتفة، لا يصل إليها الماء إلا بالتخليل وجب التخليل.
    ويستحب عند غسل الرجل البدء بالأصابع، والاجتهاد في ذلك العقب، لا سيما في الشتاء، فإن الماء يتجافى عنها.
    -18 - تثليث كل من الغسل والمسح والتخليل، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:: يا رسول الله كيف الطهور؟ فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل ذراعه ثلاثاً، ثم مسح برأسه، فأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه وبالسباحتين باطن أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً ثم قال: (هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم) " (أبو داود ج 1 كتاب الطهارة باب 51/ 135) وعن شفيق بن سلمة قال: "رأيت عثمان بن عفان غسل ذراعيه ثلاثاً ثلاثاً ومسح رأسه ثلاثاً ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل هذا" (أبو داود ج 1/ كتاب الطهارة باب 50/110) -19 - التتابع (هو سنة للسليم، فقد قدمنا أنه واجب في حق دائم الحديث) أي عدم ترك فاصل زمني ين غسل الأعضاء، فقد صح عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: "أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد الوضوء والصلاة" (أبو داود ج 1 / كتاب الطهارة باب 67/175) وخروجاً من خلاف العلماء الذين أبطلوا الوضوء بالتفريق الزمني الكبير بين الأعضاء (وضابط الكثير والقليل أنه إذا مضى بين الوضوءين زمن يجف فيه العضو المغسول على اعتدال الزمان وحال اشخص فهو تفريق كثير وإلا فقليل) -20- أن يقول عقيب الوضوء غير متأخر عن الفراغ، وهو مستقبل القبلة: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله"، ودليله حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه وفيه قول عمر رضي الله عنه قال - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم -: (ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء، ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبد الله ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل منه أيها شاء) (مسلم ج 1 / كتاب الطهارة باب 6/17) وزاد الترمذي (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) (الترمذي ج 1 / أبواب الطهارة باب 41/ 55) وله أن يزيد (سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك) (رواه الطبراني، من رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، مجمع الزوائد ج 1 ص 239) ولا بأس بالدعاء أثناء غسل الأعضاء 1

[ما يسن تركه في الوضوء]

  • ما يسن تركه في الوضوء (خلاف الأولى) : -1 - الاستعانة بمن يصب عليه الماء ليتوضأ، بغير عذر، لأنه ترفه لا يليق بالمتعبد، فغن فعله جاز، لأنه صح أن أسامة رضي الله عنه وغيره صبوا على النبي صلى الله عليه وسلم الماء فتوضأ (انظر البخاري ج 1 / كتاب الوضوء باب 34/179-180) وأما الاستعانة بغيره في إحضار الماء فلا بأس بها -2- النفض: أي نفض اليدين من الماء بعد الوضوء لأنه كالتبرُّؤ من العبادة -3 - التنشيف بمنديل، إلا لعذر كحر أو برد أو خوف نجاسة، لما روت ميمونة رضي الله عنها في باب صفة غسل الجنابة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بمنديل فلم يمسه" (مسلم ج 1 / كتاب الحيض باب 9/38) ولأنه أثر عبادة فكان تركه أولى -4- نقصان ماء الوضوء عن المد، لما روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل بالصاع (الصاع أربعة أمداد، والمد إناء مكعب طول حرفه 9,2 سم) -5 - الكلام، إلا لمصلحة، لأنه يشغل عن الدعاء، إلا رد السلام لأنه واجب، وترك الكلام سنة، فالواجب أقوى من السنة، على أنه ينبغي للداخل على المتوضئ ألا يسلم عليه حتى ينتهي من وضوئه، لئلا يضطره إلى الكلام -6 - لطم الوجه بالماء

[مكروهات الوضوء]

  • مكروهات الوضوء: -1 - الإسراف في الصب، ولو كان يتوضأ من بحر، لقوله تعالى ﴿ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾ (الأنعام: 141) ولحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بسعد وهو يتوضأ فقال: (ما هذا السرف؟) فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: نعم، وإن كنت على نهر جار) " (ابن ماجة ج 1 / كتاب الطهارة باب 48/425) -2- تخليل اللحية للمحرم خشية أن يسقط شعر منها.
    -3 - الزيادة في الغسل والمسح على ثلاث.
    لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عمرو بن شعيب المتقدم: (فمن زاد على هذا - التثليث- أو نقص فقد أساء وظلم) -4 - الاستعانة بمن يغسل أعضاءه إلا لعذر، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يكل طهوره لأحد.
    -5- ترك التيامن.
    -6- مبالغة الصائم في المضمضة والاستنشاق، لقوله صلى الله عليه وسلم (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) وقد تقدم -7 - الوضوء في موضع متنجس، خوف أن يصيبه شيء من النجس، أو يصيبه الوسواس.

المسح على الخفين:

التعريف بالمسح:

  • هو لغة: إمرار اليد على الشيء وشرعاً: أن يصيب البلل خفاً مخصوصاً في زمن معين، والخف المخصوص ما تحققت فيه شروط آت بيانها.

حكمه

  • الأصل فيه الجواز، في الوضوء فقط، وهو رخصة في السفر والحضر، وهو وإن كان جائزا فغسل الرجل أفضل منه، بشرط ألا يترك المسح شكاً في جوازه.
    ودليل تفضيل غسل الرجل، أنه الذي واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم في معظم الأوقات، ولأن غسل الرجل هو الأصل فكان أفضل

أدلة جواز المسح على الخفين:

  • عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: "كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأهويت لأنزع خفيه، فقال: (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين) فمسح عليهما" (البخاري ج 1 كتاب الوضوء باب 48/ 203) وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوماً وليلة للمقيم" (مسلم ج 1 / كتاب الطهارة باب 24/ 85) وعن صفوان بن عسال رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سفراً ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن (قال الخطابي في "لكن" هي موضوعة للاستدراك، ليعلم أن الرخصة إنما جاءت من هذا النوع من الأحداث دون الجنابة.
    الترمذي ج 1 ص 160) من غائط وبول ونوم" (الترمذي ج 1 / أبواب الطهارة باب 71/96) ثم إن الحاجة تدعو إلى لبسه، وتلحق المشقة في نزعه فجاز المسح عليه كالجبائر وقد دل حديث صفوان رضي الله عنه على أن المسح جائز في الحدث الأصغر، ولا يصح في الجنابة، ولا في سائر الأغسال، لأن غسل الجنابة يندر فلا تدعو الحاجة فيه إلى المسح على الخف

شروط المسح على الخفين:

  • 1- لبسهما على طهارة كاملة من الحدثين لحديث أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم " أنه رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة، إذا تطهر ولبس خفيه، أن يمسح عليهما" (الدارقطني ج 1 / ص 194) فلو لبسهما قبل غسل رجليه وغسلهما فيهما لم يجز المسح إلا أن ينزعهما عن القدم ثم يدخلهما، ولو أدخل إحدى رجليه بعد غسلها، وقبل غسل الأخرى ثم أدخل الأخرى بعد غسلها، لم يجز المسح حتى ينزع الأولى ثم يدخلها، وهذا معنى قولنا: "على طهارة كاملة" وكذلك لو ابتدأ اللبس بعد غسلهما ثم أحدث قبل وصولهما القدم لم يجز المسح، على هذا لو تيمم المحدث ولبس الخف، ثم وجد الماء، لم يجز له المسح على الخف لأن التيمم طهارة ضرورة فإذا زالت الضرورة بطلت من أصلها فيصير كما لو لبس الخف على حدث (وإذا تيمم المسافر لجنابة ثم أحدث حدثاً أصغر، ووجد ما كافياً لأضاء الوضوء يلزمه خلع الخفين وغسل الرجلين) ولو دميت رجله في الخف فوجب غسلها لا يجزيه المسح على الخف بدلاً من غسلها.
    -2- أن يكونا طاهرين، لأن الخف يقوم مقام الرجل، والرجل لا تطهر من الحدث ما نزل نجاستها، فكيف يمسح على بدلها وهو نجس العين -3- أن يكونا قويين تمكن متابعة المشي فيهما والتردد للحاجة، سواء كانا من الجلود، أو الخرق المطبقة، أو الخشب، أو غير ذلك.
    وسواء كان لهما نعل من جلد أم لا.
    وقد ذكروا ضابط التردد فقالوا هو بمقدار تردد المسافر في حاجاته عند الحط والترحال، من تردده للاحتطاب والاحتشاش، فإن كان مقيماً فبمقدار تردده لحاجاته في يوم وليلة، وإن كان مسافراً فبمقدار تردده لحاجاته ثلاثة أيام، والمقصود بالسفر هنا السفر الطويل الذي تقصر فيه الصلاة، وهو ما كان لمسافة مرحلتين فأكثر (والمرحلة تساوي بالكيلو مترات ما يقارب واحداً وأربعين كيلوا متراً) وليست العبرة بوسيلة السفر، إنما العبرة بالمسافة بين البلدين، أما ما كان أقل من ذلك فيعتبر سفراً قصيراً، والسفر القصير حكمه حكم الإقامة.
    -4- أن يكونا ساترين للمحل المفروض غسله في الوضوء من الجوانب، لا من الأعلى، فلو كان يرى القدم من الفوهة فلا ضير، لأنه لا يشترط تماسك الفوهة في الخف -5 - أن يكونا مانعين لنفوذ الماء من غير مواضع الخرز (مكان الخياطة) والشق (السحاب) فإذا نفذ الماء منهما فلا ضرر، أما المخرق، فإن كان الخرق فوق الكعب لم يضر، وإن كان في محل الفرض لم يجز المسح، سواء أمكنت متابعة المشي فيه أم لا -6 - أن ينزعه بعد يوم وليلة إن كان مقيماً، وبعد ثلاثة أيام بلياليها إن كان مسافراً، لحديث علي رضي الله عنه المتقدم، ولأن الحاجة لا تدعو إلى أكثر من ذلك فلم تجز الزيادة عليه، فإن كان سفره لمعصية كقطع الطريق ونحوه لم يجز له أن يمسح أكثر من يوم وليلة، لأن هذا جائز بالسفر (وكذلك لا يستبيح من سفره لمعصية شيئاً من رخص السفر، كالقصر والجمع، والفطر، والمسح ثلاثاً، والتنفل على الراحلة، وترك الجمعة، وأكل الميتة، إلا التيمم إذا عدم الماء) فإذا توفرت هذه الشروط جاز له أن يصلي في مدة المسح ما شاء من الصلوات فرائض الوقت والقضاء والنذر والتطوع.

متى تبدأ المدة:

  • تبدأ المدة من انتهاء أول حدث بعد لبسهما على طهارة، لا من وقت لبسهما، لأنها عبادة مؤقتة فكان ابتداء وقتها من حين جواز فعلها كالصلاة، فلو لبسهما ولم يحدث بعد لبسهما لم تحسب المدة مهما طالت، أما لو أحدث ولم يمسح حتى انقضت المدة فيجب استئناف لبسهما على طهارة، أي أن العبرة في حساب الزمن بوقت انتهاء أول حدث يحدثه بعد لبسهما على طهارة.
    وإذا توضأ قبل انقضاء مدة المسح على الخفين ومحس عليهما، ثم انتهت مدة المسح عليهما مع سلامة الوضوء الذي تم بوجودهما، فإنه ينزعهما ويغسل القدمين، دون إعادة كامل الوضوء، ولن يضر غسل القدمين وحدهما بالترتيب في الوضوء، لأن القدمين آخر ما يغسل فيه.
    وإذا مسح وهو في الحضر ثم سافر فالمدة أن يتم مسح مقيم، إذا العبرة هنا للمسح لا للحدث، فلو كان حضراً وأحدث ولم يمسح ثم سافر فيمسح مسح مسافر، أما لو مسح قبل أن يسافر فيتم مسح مقيم، كما قدمنا.
    وإذا مسح المسافر ثم أقام (ويسمى مقيماً إذا أقام في البلدة التي سافر إليها أربعة أيام كاملة مع نية مسبقة في هذه الإقامة.
    أما إن لم يعرف مسبقاً كم سيبقى في هذه البلدة التي سافر إليها فيعتبر مسافراً مدة 18 يوماً) فيتم مسح مقيم فإذا كان مسح مدة يومين فيجزئ ذلك عن مسح المقيم ويجب عليه نزع الخف عند الإقامة، أما إذا لم يكن أتم الأربع والعشرين ساعة فله إتمامها.
    وإذا شك هل مسح في الحضر أو السفر بنى الأمر على أنه مسح في الحضر، لأن الأصل غسل الرجل، والمسح رخصة بشرط فإذا لم يتيقن شرط الرخصة رجع إلى أصل الفرض وهو الغسل.
    وإن شك هل أحدث في وقت الظهر أو في وقت العصر، بنى الأمر على أنه أحدث في وقت الظهر لأن الأصل غسل الرجل، فلا يجوز المسح إلا فيما تيقنه.

ما يبطل المسح على الخفين:

فصول الكتاب · 8 فصل · 500 صفحة
جارٍ التحميل