كتاب الصلاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- درية العيطة
- الكتاب
- فقه العبادات على المذهب الشافعي
- المؤلف
- الحاجة درية العيطة [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]
7- ركعتا الطواف: ووقتهما بعد الطواف، ودليلهما ما روي عن جابر رضي الله عنه قوله في حديث طويل في صفة حجه صلى الله عليه وسلم " ... ثم نفذ إلى مقام إبراهيم عليه السلام فقرأ: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ... ﴾ (مسلم ج 2/ كتاب الحج باب 19/147) فهذا إشارة إلى أن صلاته بعد الطواف امتثال لهذا الأمر.
وقد كان صلى الله عليه وسلم يواظب عليهما.
8- صلاة الاستخارة: وهي سنة لمن أراد أمراً من الأمور، فيصلي ركعتين بنية الاستخارة ثم يدعو بما ورد في حديث جابر رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: (إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال عاجل أمري وآجله، فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال في عاجل أمري وآجله، فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به.
قال: ويسمي حاجته) " (البخاري ج 1/ أبواب التطوع باب 1/1109)
ويستحب له أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة بسورة الكافرون وفي الثانية بسورة الإخلاص ثم ينهض بعد الاستخارة لما ينشرح له صدره فإن لم ينشرح صدره لشيء أعادها حتى ينشرح، وقيل يعيدها إلى سبع مرات، فإن لم يتبين له شيء سلك سبيل ذلك الأمر، فتيسيره علامة للخير فيه.
9- صلاة الحاجة: عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كانت له إلى الله حاجة، أو إلى أحد من بين آدم فليتوضأ فليحسن الوضوء، ثم ليصل ركعتين، ثم ليثن على الله، وليصل على النبي ث ثم ليقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، لا تدع لي ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجة هي لك رضاَ إلا قضيتها يا أرحم الراحمين) (الترمذي ج 2/ أبواب الصلاة باب 348/849)
10- ركعتان عند السفر في بيته، لما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أريد أن أخرج إلى البحرين في تجارة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صل ركعتين) " (مجمع الزوائد ج 2/ص 283 رواه الطبراني في الكبير)
11- ركعتان عند القدوم من السفر، لما روي عن كعب بن مالك رضي الله عنه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يقدم من سفر إلا نهاراً في الضحى، فإذا قدم بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ثم جلس فيه" (مسلم ج 1/ كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 12/74)
12- صلاة التطوع: وهو النفل المطلق غير المقيد بوقت ولا سبب.
ولا حصر له، ولا لعدد ركعات الواحدة منه، وله أن ينوي عدداً وله ألا ينويه بل يقتصر على نية الصلاة.
فإذا شرع في تطوع ولم ينو عدداً فله أن يسلم من ركعة، وله أن يزيد فيجعلها ركعتين أو ثلاثاً أو عشراً أو ألفاً أو غير ذلك، وله أن ينقص عما أحرم به، بشرط تغير النية قبل الزيادة والنقص.
ولو صلى عدداً لا يعلمه ثم سلم صح.
ثم إن تطوع بركعة فلا بد من التشهد عقبها، وإن زاد عليها ولو ألفاً، بإحرام واحد وسلام فله أن يقتصر على تشهد واحد في آخر الصلاة، وهذا لا بد منه على كل حال، أو أن يتشهد في الأخيرة وما قبلها فقط، أو يتشهد في كل ركعتين، أو في كل أربع أو ثلاث أو ست، أو غير ذلك.
عن عائشة رضي الله عنها" (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء إلا في آخرها" (مسلم ج 1 / كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 17/123) وفي رواية عنها" ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليماً يُسمعُنا ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم ... " (مسلم ج 1/ كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 18/139)
والأفضل أن يسلم في كل ركعتين، في نوفل الليل والنهار، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى) (أبو داود ج 2/ كتاب الصلاة باب 302/1295)
والتطوع بالليل أفضل منه بالنهار، وأفضله التهجد (وأصل التهجد الصلاة في الليل بعد النوم) لقوله تعالى في وصف المؤمنين: ﴿كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون﴾ (الذاريات: 17) ولأنها تفعل في وقت غفلة الناس وتركهم الطاعات، ولأن الصلاة بعد النوم أشق.
وقد وردت أحاديث كثيرة في الحث عليها، منها حديث أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل) (الترمذي ج 2/ أبواب الصلاة باب 324/438)
ومنها ما روى جابر رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسال الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة) (مسلم ج 1/ كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 23/166) وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (عليكم بقيام الليل فإنه دَأب الصالحين، وهو قربة إلى ربكم، ومَكْفرَة للسيئات، ومنهاة للإثم) (الترمذي ج 5/ كتاب الدعوات باب 102/3549)
وصلاة الليل سنة مؤكدة، وأفضلها ما كان وسط الليل لمن قسم الليل أثلاثاً (وكل ما كان بعد العشاء فهو من الليل، ولو كان العشاء مجموعاً جمع تقديم) لما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ويصلي ثلثه، وينام سدسه) (ابن ماجة ج 1/ كتاب الصيام باب 31/1712 وإسناده ضعيف لكن يعمل به لأن في فضائل الأعمال) وتكون صلاة الليل إما نفلاً مطلقاً، أو وتراً أو قضاء، أو نذراً.
ما يسن للمتهجد:
-1- القيلولة: وهي النوم أو الراحة قبل الزوال، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (استعينوا بطعام السحر على صيام النهار، وبالقيلولة على قيام الليل) (ابن ماجة ج 1/ كتاب الصيام باب 22/1693)
-2- ينبغي له أن ينوي عند نومه قيام الليل نية جازمة ليحوز ما في حديث أبي الدرداء رضي الله عنه يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عيناه حتى أصبح كتب له م نوى، وكان نومه صدقة عليه من ربه عز وجل) (النسائي ج 3/ص 258)
-3- أن يمسح النوم عن وجهه عند اليقظة، وأن يتسوك وينظر في السماء، وأن يقرا الآيات التي في آخر آل عمران: ﴿إن في خلق السموات والأرض ... ﴾ (آل عمران: 190) لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أنه بات- وهو صغير - عند ميمونة خالته، وفيه: "فنام - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم- حتى انتصف الليل أو قريباً منه، فاستيقظ يمسح النوم عن وجهه ثم قرأ عشر آيات من آل عمران" (البخاري ج 1/ كتاب الوتر باب 1/947)
-4- يستحب أن يوقظ أهله وامرأته إذا استيقظ لقيام الليل، والمرأة كذلك، لحديث أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم (رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء.
رحم الله امرأة قامت من الليل فصلة وأيقظت زوجها فإن أبى نضحت فيوجهه الماء) (أبو داود ج 2/ كتاب الصلاة باب 307/1308) كما يستحب ذلك لغيرهما أيضاً.
-5- أن يفتتح تهجده بركعتين خفيفتين، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كان صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل ليصلي افتتح صلاته بركعتين خفيفتين" (مسلم ج 1/ كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 26/197)
-6- أما القراءة فله أن يجهر بها، وله أن يخفض، وله أن يتوسط، للأحاديث الواردة في ذلك كله، ومنها: حديث أبو هريرة رضي الله عنه قال: "كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل يرفع طَوْراً ويخفض طوراً" (أبو داود ج 2/ كتاب الصلاة باب 315/1328) وحديث أبي قتادة رضي الله عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر رضي الله عنه: (يا أبا بكر مررت بك وأنت تصلي تخفض صوتك) قال: قد أسمعت من ناجيت يا رسول الله قال: وقال لعمر رضي الله عنه: (مررت بك وأنت تصلي رافعاً صوتك) قال فقال: يا رسول الله أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم (يا أبا بكر ارفع من صوتك شيئاً) وقال لعمر: (اخفض من صوتك شيئاً) " (أبو داود ج 2/ كتاب الصلاة باب 315/1329)
-7- أن يكثر من الدعاء والاستغفار، لقوله تعالى ﴿وبالأسحار هم يستغفرون﴾ (الذاريات: 18)
-8- أن يترك الصلاة إذا نعس فيها ويرقد حتى يذهب عنه النوم لحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يستغفر فيسب نفسه) (البخاري ج 1/ كتاب الوضوء باب 52/209)
ما يكره للمتهجد:
-1- ترك تهجد اعتاده، أو نقصه لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عبد الله لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل) (البخاري ج 1/ كتاب التهجد باب 19/1101)
لذا يستحب ألا يعتاد من قيام الليل إلا قدراً يغلب على ظنه بقرائن حاله أنه يمكن الدوام عليه مدة حياته لحديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قالت: "كان عمله ديمة" (البخاري ج 2/ كتاب الصوم باب 63/1886. ديمة: أي دائماً)
-2- أن يقوم كل الليل دائماً، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) (في حديث رواه البخاري ج 5/ كتاب النكاح باب 1/4776 عن أنس رضي الله عنه) ولأنه يضر بالعين وسائر البدن، ولو استوفى في النهار ما فاته في الليل لضيع كثيراً من مصالح دينه ودنياه.
أما بعض الليالي فلا يكره إحياؤها كلها، لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله" (البخاري ج 2/ كتاب صلاة التراويح باب 6/1920، وشد مئزره: قد يراد بهذا الجد في العبادة، كما يقال: شددت لهذا الأمر مئزري، أي تشمرت له، وقد يراد به اعتزال النساء) .
الباب السادس: صلاة الجماعة
معنى الجماعة، فضل صلاة الجماعة، حكمها:
معنى الجماعة
- لغة: الطائفة.
شرعا: ربط صلاة المأموم بصلاة الإمام.
فضل صلاة الجماعة:
- عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفَذِّ 1 بسبع وعشرين درجة) وفي رواية: (بخمس وعشرين درجة) 2 .
حكمها:
- 1- هي فرض كفاية على الرجال الأحرار، المقيمين، ساتري العورة، غير المعذورين، في أداء المكتوبة.
عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليكم بالجماعة، فإنما يأكل الذئب القاصية 1) . وقوله: (لا تقام فيهم الصلاة) دليل على أنها فرض كفاية، ولو كانت فرض عين لقال: لا يقيمون.
ويشترط ظهور شعار الإسلام في إقامتها بمحل في القرية الصغيرة، أو بمحال في القرية الكبيرة والمدينة، فلو أقاموها في البيوت، ولم يظهر الشعار لم يسقط فرض الكفاية عنهم، ولو امتنعوا عن إظهارها في الناس قوتلوا عليها.
-2- وهى سنة مؤكدة في التراويح، وفي وتر رمضان، والعيدين، والكسوفين، والاستسقاء.
-3- وهي سنة كذلك في المقضية التي يتفق الإمام والمأموم فيها، بأن يفوتهما فرض من جنس واحد، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قفل من غزوة خيبر سار ليلة حتى إذا أدركه الكرى عرس 2 ... وفيه: فلم يستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أولهم استيقاظا ففزع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (أي بلال) . فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ - بأبي أنت وأمي، يا رسول الله - بنفسك، قال: (اقتادوا) . فاقتادوا رواحلهم شيئاً، ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بلالاً فأقام الصلاة فصلى بهم الصبح، فلما قضى الصلاة قال: (من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها فإن الله قال: ﴿أقم الصلاة لذكري﴾ " 3) . -4- كما تسن للنساء غير المشتهيات إن أذن الزوج - وهو مستحب له إن أمن المفسدة عليهن وعلى غيرهن - على ألا يلبسن فاخر الثياب ولا يطّيبن إذا حضرنها في المسجد مع الرجال، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، ولكن ليخرجن وهن تفلات 4) . وهى غير متأكدة في حقهن كتأكدها في حق الرجال، وجماعتهن في البيوت أفضل لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن 5) . والدليل على استحباب الجماعة لهن حديث أم ورقة رضي الله عنها "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها في بيتها..... وأمرها أن تؤم أهل دارها" 6 . وما روت رَيْطَة الحنفية قالت: "أمتنا عائشة فقامت بيننا في الصلاة المكتوبة" (7) . وما روت حجيرة قالت: "أمتنا أم سلمة في صلاة العصر فقامت بيننا" (8) . -5- وهي مكروهة للنساء ذوات الهيئات في المسجد، خوف الفتنة ويقاس جمالهن على الطيب بجامع تحريكهما لداع الشهوة عند الرجل.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: "لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن كما منعت نساء بنى إسرائيل" 7 . -6- أما الجماعة في الرواتب والضحى ووتر غير رمضان فغير مسنونة، وكل نفل لا تسن فيه الجماعة فأداؤه في البيت أفضل لما روي عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) 8 .
تحققها:
- تتحقق باثنين فأكثر لما روي عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أنا وصاحب لي، فلما أردنا الإقفال من عنده قال لنا: (إذا حضرت الصلاة فأذنا ثم أقيما وليؤمكما أكبركما) 1 ".
وتحصل الفضيلة بصلاة الرجل في بيته، مع زوجته ونحوها، وسواء قل الجمع أو كثر، لكن يفضل الجمع الكثير، إلا في حالات سنذكرها، لما روى أبى بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله تعالى) 2 .
وتفضل الصلاة المكتوبة في المسجد عليها في البيت أو في غير المسجد، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تطهر في بيته، ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضى فريضة من فرائض الله، كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة 3) . ولأن المسجد أكثر جمعا.
والصلاة في المساجد التي يكثر فيها الناس أفضل لحديث أبي بن كعب رضي الله عنه المتقدم.
أما الحالات التي يفضل فيها الجمع القليل على الكثير فهي: -1- إذا كان إمام الكثرة مبتدعا كمعتزلي، أو فاسقا، لما روي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ألا لا تؤمن امرأة رجلا، ولا يؤم أعرابي مهاجرا، ولا يؤم فاجر مؤمن 4) . أو كان الإمام معتقدا ندب بعض الواجبات كحنفي إماما لشافعي.
-2- إذا كان إمام الجمع القليل يبادر إلى الصلاة في وقت الفضيلة، وغيره بخلافه.
-3- إذا كان إمام الجمع القليل ليس في أرضه شبهة، كثير الجمع بخلافه.
-4- إذا كان الذهاب إلى الجمع الكثير يعطل الجماعة في المسجد القريب.
أما إذا لم يجد إلا جماعة واحدة إمامها مبتدع أو نحوه فليصل خلفه لأن هذا أفضل من الانفراد، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (الصلاة المكتوبة واجبة خلف كل مسلم برا كان أو فاجرا، وإن عمل الكبائر 5) .
إدراك فضيلة الجماعة:
- يدرك المأموم الجماعة ما لم يسلم الإمام التسليمة الأولى 1 ، أما إن أدركه وقد شرع فيها فتنعقد صلاة المأموم منفردا.
ومعنى الإدراك أن يحصل له فضلها.
وتدرك فضيلة التحريم بالاشتغال به عقب تَحَرُّم الإمام، مع حضور تكبيرة الإمام، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا ... ) 2 فالفاء تدل على وجوب التعقيب، فإذا أبطأ، ولو لمصلحة الصلاة كالتطهر، ولم يحضر تكبيرة إحرام الإمام فاتته فضيلتها.
شروط صحة الجماعة:
أولا - شروط يجب توفرها في الإمام لتصح القدوة به:
-1- أن تكون صلاة الإمام صحيحة في اعتقاد المأموم؛ فإن علم بطلان صلاة الإمام 1 قبل الصلاة امتنع عليه الاقتداء، أو أثناءها وجبت عليه نية المفارقة، فإن لم يفعل بطلت صلاته لأنه ربطها بصلاة باطلة، أما إذا لم يظهر له حال إمامه إلا بعد انتهاء الصلاة فصلاته صحيحة ولا تلزمه الإعادة، وهو مدرك فضل الجماعة لأن عمر رضى الله عنه صلى بالناس وهو جنب فأعاد ولم يأمرهم أن يعيدوا 2 . أما من علم بحال إمامه ثم نسي واقتدى، وتذكر بعد الفراغ فتجب عليه الإعادة إذ لا عذر بالنسيان.
وكذلك إذا ظن كل من اثنين بطلان صلاة الآخر، كأن اختلف اجتهادهما في القبلة، أو طهارة الماء أو الثوب أو المكان، فعندئذ كل منهما كما يعتقد بطلان صلاة الآخر، فلا يصح اقتداء أحدهما بالآخر.
-2- أن تكون صلاة الإمام صحيحة في مذهب المأموم، فإذا كان الإمام حنفيا وعلم المأموم أن إمامه ترك فرضا في الوضوء وهو النية أو الترتيب مثلا فصلاة الإمام غير صحيحة في نظره فلا يصح الاقتداء به 3 .
-3- ألا تكون صلاة الإمام واجبة الإعادة، كمتيمم في محل يغلب فيه وجود الماء، أو متيمم لبرد، إذا كان المأموم متوضئا.
-4 - ألا يكون الإمام مقتديا بإمام آخر، ولا مشكوكا في اقتدائه بغيره، لأنه في هذه الحال تابع فلا يصح أن يكون متبوعا في الوقت نفسه، مثاله ما لو نوى الاقتداء بمأموم، أو اقتدى به وظنه إماما؛ بأن رأى رجلين يصليان وقد خالفا الوقوف المسنون، فوقف المأموم عن يسار الإمام، فاقتدى به وقد ظنه منفردا، فصلاته باطلة.
أما إذا دخل فوجد مصليا فاقتدى به، وكان هذا المصلى مأموما مسبوقا انتهى إمامه قبله فتصح صلاته، ويدرك فضل الجماعة، علم ذلك أثناء الصلاة أم بعدها، أم لم يعلم.
-5- ألا يكون الإمام أميا، إلا إذا كان المقتدي مثله، والأمي هو الذي لا يحسن الفاتحة بكمالها، سواء كان لا يحفظها أو يحفظها كلها إلا حرفا، أو يخفف مشددا لرخاوة في لسانه، أو غير ذلك، وسواء كان ذلك لخرس أو غيره، وكذلك لا تصح الصلاة خلف الأرت 4 ، ولا خلف الألثغ 5 ، وتصح إمامتهما لأمثالهما إن اتفق الحرف المعجوز عنه 6 . أما إذا كان الإخلال في غير الفاتحة فتصح القدوة.
-6- ألا يكون الإمام أدنى من المأموم بالأنوثة والذكورة، فلا يصح اقتداء الرجل بامرأة أو بخنثى، ولا اقتداء الخنثى بامرأة، ولا اقتداء الخنثى بالخنثى 7 ، وتصح قدوة رجل برجل، وامرأة بخنثى، وامرأة بامرأة.
ثانيا - شروط تطلب من المأموم لتصح قدوته:
-1- ألا يتقدم على إمامه بعقبه في حال القيام، أو ألييه إن صلى قاعدا، أو بجنبه إن صلى مضطجعا، أو برأسه إن صلى مستلقيا، وإن تقدم بطلت صلاته، إلا في صلاة شدة الخوف، فإن الجماعة فيها صحيحة وإن تقدم المأموم على الإمام، بل هي أفضل من الانفراد، وكذا عند الكعبة، فلو استداروا حولها لم يضر كون أحدهم أقرب إلى الكعبة من الإمام، إذا كان في غير جهته.
أما إن ساوى المأموم إمامه فالصلاة صحيحة، إلا أن ذلك مكروه ومفوت لفضيلة الجماعة 1 ، كما لو قارنه في شيء من أقوال الصلاة وأفعالها التي يطلب فيها عدم المقارنة، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه المتقدم ( ... فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا لك الحمد ... ) 2 فالفاء فيه دالة على التعقيب لا على المقارنة.
ويندب تأخر المأموم عن إمامه في الموقف بقدر ثلاثة أذرع فأقل، فإن زاد على ثلاثة أذرع فاتته فضيلة الجماعة، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في أصحابه تأخرا فقال لهم: (تقدموا فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله) ، 3 .
والسنة أن يقف المأموم الواحد عن يمين الإمام، رجلا كان أو صبيا، ويستحب أن يتأخر قليلا عن مساواة الإمام، فإن خالف ووقف يساره أو خلفه استحب له أن يتحول إلى يمينه محترزا من أفعال تبطل الصلاة، فإن لم يتحول استحب للإمام أن يحوله، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "نمت عند ميمونة - خالته - والنبي صلى الله عليه وسلم عندها تلك الليلة، فتوضأ ثم قام يصلى، فقمت عن يساره، فأخذني فجعلني عن يمينه" 4 . فإذا استقر على اليسار أو خلفه كره، وصحت صلاته.
فإذا حضر مأمومان تقدم الإمام واصطفا خلفه، سواء كانا رجلين أو صبيين، أو رجلا وصبيا، أو تأخرا هما عن الإمام وهو أفضل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى في بيت مليكة جدة أنس رضي الله عنه، صف أنس رضي الله عنه واليتيم وراءه، والعجوز من ورائهما 5 .
وإن حضر ذكران منذ البداية صفا خلفه، لما روى الترمذي عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا ثلاثة أن يتقدمنا أحدنا" 6 . وكذا المرأة أو النسوة تقف خلفه وخلف الرجال جميعا، عن أنس رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى به وبأمه أو خالته، قال: فأقامني عن يمينه، وأقام المرأة خلفنا" 7 .
والأفضل في حال اجتماع رجال وصبيان ونساء أن يقف الرجال خلفه، ثم الصبيان، إن لم يسبقوا إلى الصف الأول، ثم النساء.
ويسن عدم وقوف الصبي خلف الإمام مباشرة وإن سبق إلى الصف بل تجب إزاحته، لحديث أبي مسعود رضي الله عنه "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: (استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليلنى منكم أولو الأحلام والنهي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) " 8 . ولأن الإمام قد يضطر إلى ترك الصلاة فيقدم من خلفه.
إلا أن يكون الصبي أعلم القوم أو أقرأهم، فليس لأحد تنحينه عن محله الذي سبق إليه، بل هو أولى من الجاهل وإن كان أسن.
أما إمامة النساء الخلص فتقف وسطهن، لما تقدم من أن عائشة وأم سلمة رضى الله عنهما أمتا نساء فقامتا وسطهن.
وإذا وجد الداخل في الصف فرجة أو سعة دخلها، وله أن يخرق الصف المتأخر إذا لم يكن فيه فرجة وكانت في صف أمامه، لتقصيرهم بتركها، فإن لم يجد فرجة أو سعة كره له الوقوف منفردا عن الصف، واستحب له أن يجذب بنفسه واحدا من الصف، لكن بعد أن يحرم حتى لا يخرجه عن الصف لا إلى صف، ويسن للمجذوب الموافقة ليحصل لهذا فضيلة صف، وليخرج من خلاف من قال لا تصح صلاة منفرد خلف الصف.
ويستأنس فيه أيضا بحديث مقاتل بن حيان مرفوعا قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن جاء رجل فلم يجد أحداً فليختلج إليه رجلا من الصف، فليقم معه، فما أعظم أجر المختلَج) 9 .
-2- أن يعلم انتقالات إمامه ليتمكن من متابعته، وذلك إما بمشاهدة الإمام أو بمشاهدة بعض صف، أو بسماع صوت الإمام، أو المبلغ، لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: "كانت لنا حصيرة نبسطها بالنهار، ونحتجرها بالليل، فصلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فسمع المسلمون قراءته فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الثانية كثروا، فاطلع إليهم فقال: (اكلَفوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا) " 10 .
-3- اجتماع المقتدي مع الإمام في مكان واحد.
وفي ذلك تفصيل:
(1) إذا كانا معا في المسجد فتصح الجماعة وإن بعدت المسافة، وحالت بينهما أبنية نافذة إلى حيث الإمام، وإن ردت أبوابها أو أغلقت ما لم تسمر في الابتداء، لأن كل موضع.
من المسجد موضع جماعة.
أما إن كانت الأبنية غير نافذة بينهما فلا تصح القدوة وإن أمكنت رؤية الإمام، والمساجد المتلاصقة المتنافذة التي يؤدي بعضها إلى بعض 11 تعتبر كالمسجد الواحد.
ولا يضر كون أحدهما أعلى من الآخر، كأن كان أحدهما في سطح المسجد أو منارته والآخر في سردابه، ما علم صلاة الإمام ولم يتقدم عليه، لأنه كله مبني للصلاة، لكن يكره ارتفاع أحدهما عن الآخر إن أمكن وقوفهما على مستوى واحد، لما روى أبو داود عن هَمَّام "أن حذيفة أمّ الناس بالمدائن على دكان، فأخذ أبو مسعود بقميصه فجبذه 12 ، فلما فرغ من صلاته قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال؟ بلى، قد ذكرت حين مددتني" 13 . إلا إن كان ارتفاع أحدهما لحاجة، كاستتار النسوة، أو التبليغ، أو التعليم، فلا يكره لما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه سهل بن سعد رضي الله عنه " ... ثم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى عليها - أي على أعواد المنبر - وكبر وهو عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم نزل القهقرى، فسجد في أصل المنبر ثم عاد، فلما فرغ أقبل على الناس فقال: (أيها الناس، إنما صنعت هذا لتأتموا، ولِتَعَلّموا صلاتي) " 14 .
وفي جميع الحالات يشترط لصحة الجماعة أن يكون بالإمكان المرور من عند المؤتم إلى عند الإمام، ولو بازورار وانعطاف، وأن يكون المأموم عالما بصلاة إمامه ليتمكن من متابعته، وألا يتقدم عليه.
هذا من حيث الصحة، أما من حيث فضيلة الجماعة فإنها تفوت إن تأخر عن الإمام أو عن الصف اكثر من ثلاثة أذرع، وإن ساوى الإمام في المكان.
(2) إذا كانا معا خارج المسجد، في فناء أو بناء فيشترط لصحة الجماعة ألا يكون بين الإمام والمؤتم، أو بين كل صفين ممن ائتم بالإمام خلفه أو جانبه أكثر من ثلاثمائة ذراع تقريبا، ولا بأس بزيادة ثلاثة أذرع فأقل.
وألا يكون بينهما حائل كالباب المردود ابتداء، أما الباب المفتوح فيصح اقتداء الواقف بحذائه أو خلفه.
(3) إن كان الإمام في المسجد والمقتدي خارجه تصح الجماعة بشرط ألا تزيد مسافة البعد ما بين آخر المسجد وأول مقتد يقف خارجه، أو بين كل صفين أو شخصين خارج المسجد، على ثلاثمائة ذراع تقريبا، ولا بأس بزيادة ثلاثة أذرع فأقل، بذراع الآدمي، ويعتبر صحن المسجد من المسجد.
وألا يوجد حائل بينهما، بحيث يمكن الوصول إلى الإمام من غير ازورار ولا انعطاف.
إلا أن فضيلة الجماعة تفوت إذا زادت المسافة بين كل صفين أو شخصين أو بين الإمام والمؤتم على ثلاثة أذرع.
-4- نية الاقتداء: وهي واجبة قبل الدخول في الصلاة، مقرونة بتكبيرة الإحرام، وسبب ذلك أن التبعية عمل يفترق عن الصلاة فهو بحاجة إلى نية، فإن لم ينو انعقدت صلاته فردية ولا تبطل، لكن لا تجوز له المتابعة، بخلاف ما لو كانت المتابعة شرطا من شروط صحة الصلاة مثل صلاة الجمعة فإن لم ينو المأموم الائتمام أو القدوة في هذه الحال بطلت صلاته ولم تنعقد أصلا.
وإذا ترك نية الاقتداء والانفراد، وأحرم مطلقا انعقدت صلاته منفردا، فإن تابع الإمام في أفعاله من غير تجديد نية بطلت صلاته لأنه ارتبط بمن ليس بإمام له.
وكذلك لو شك أثناء صلاته هل كان نوى الاقتداء لم تجز له المتابعة إلا أن ينوي الآن المتابعة، فإن تابع بلا نية جديدة بطلت صلاته لأنه ربطها بصلاة غيره دون رابط متيقن.
أما إن وقع الشك بعد التسليم فلا شيء عليه وصلاته ماضية على الصحة.
وتكره نية الاقتداء أثناء الصلاة لمن أحرم منفردا، وتصح الجماعة إلا أنه لا يحصل على فضلها لأنه صير نفسه تابعا بعد أن كان مستقلا، وتجب عليه في هذه الحال متابعة الإمام فيما هو فيه، فلو كان في سجوده الأخير أو تشهده الأخير ونوى القدوة بإمام واقف بقى جالسا إلى أن يجلس الإمام.
ولو قطع الإمام الصلاة لسبب ما جاز له أن يستخلف مأموما.
ولا يلزم المأمومين تجديد نية القدوة في هذه الحال.
أما نية الإمامة في حق الإمام فهي مستحبة قبل الدخول في الصلاة وأثناءها، فإن نواها قبل الدخول في الصلاة حصل على فضيلة الجماعة، أما إن نواها أثناء الصلاة فيحصل على فضل الجماعة من حين أن نوى، ولا يكره له ذلك لأنه لا يصير نفسه تابعا في هذه الحال، لكن لا تنعطف نيته على ما قبلها.
وإن لم ينوها صحت صلاة الجماعة إلا أنه لم يحصل هو على فضلها وإن حصل ذلك لمن خلفه، إذ ليس للمرء إلا ما نوى.
ذلك ما لم تحن الصلاة صلاة الجمعة، فإن كانت وجبت عليه نية الإمامة حين التحرم بها، فإن تركها ولو سهوا لم تصح جمعته، أما المؤتمون فإذا لم يعلموا بسهو إمامهم عن النية إلا بعد انتهاء الصلاة صحت جمعتهم، أما إن علموا ذلك قبل الصلاة أو أثناءها فصلاتهم باطلة.
-5- توافق نظم صلاتيهما في الأفعال الظاهرة، فلا يصح الاقتداء مع اختلافه كمكتوبة خلف كسوف أو العكس، أو مكتوبة خلف جنازة أو العكس، أو جنازة خلف كسوف أو العكس وذلك لتعذر المتابعة.
ولا يضر اختلاف نية المأموم عن نية الإمام، فيصح اقتداء المفترض بالمتنفل والعكس، لما روي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: "كان معاذ يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يأتي قومه فيصلى بهم" 15 . ولما روي عن يزيد بن عامر رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا جئت إلى الصلاة فوجدت الناس يصلون فصل معهم، وإن كنت قد صليت، تكون لك نافلة وهذه مكتوبة) 16 .
كما يصح اقتداء المؤدي بالقاضي، ومصلى الرباعية بمصلى الثنائية أو الثلاثية والعكس، ولا تضر صلاة السرية خلف الجهرية أو العكس.
والصلاة صحيحة في هذه الحالات كلها كما علم لكن تفوت بها فضيلة الجماعة.
-6- الموافقة في سنن تفحش المخالفة فيها: كسجدة التلاوة فتجب فيها الموافقة فعلا وتركا، وإلا بطلت الصلاة، وكسجود السهو، فتجب فيه الموافقة فعلا لا تركا، فإن فعله الإمام وجبت متابعته به، وإن تركه فلا تجب، ويسن للمأموم الإتيان به.
والتشهد تجب فيه الموافقة تركا لا فعلا، فإن تركه الإمام وجب على المأموم تركه 17 ، وإن فعله الإمام جاز للمأموم تركه، والانتظار في القيام حتى يلحقه إمامه فيمضي معه، مع جواز العودة للمتابعة 18 ، بل يندب له العود للمتابعة ما لم يقم الإمام، وما لم يطل وقوفه قبل أن يهوي لمتابعة الإمام.
وأما القنوت فلا تجب فيه الموافقة لا تركا ولا فعلا، فإن فعله الإمام جاز للمأموم أن يتركه ويسجد عامدا، وإذا تركه الإمام سن للمأموم فعله إن لحقه في السجدة الأولى، وجاز له إن لحقه بالجلوس بين السجدتين، وامتنع عليه إن لم يلحقه إلا في السجدة الثانية، ما لم ينو المفارقة 19 .
أما السنن التي لا تفحش المخالفة فيها، كجلسة الاستراحة مثلا، فليست الموافقة فيها شرطا لصحة الجماعة.
-7- المتابعة: وهي أن يجري على أثر إمامه، بحيث يكون ابتداؤه لكل فعل متأخرا عن ابتداء الإمام، ومقدما على فراغه منه، وكذلك في الأقوال، إلا التأمين فإنه يستحب فيه مقارنته.
ودليلها حديث أبي هريرة رضي الله عنه المتقدم ( ... فإذا كبر فكبروا) .
حكم صلاة الجماعة في حال عدم المتابعة:
1 في الأفعال:
أ - المقارنة: إن قارن إمامه في فعل من أفعال الصلاة لم تبطل صلاته، لكن يكره، وتفوت فيه فضيلة الجماعة.
ب - السبق: إن سبقه بركن فعلي كامل عمدا حرم ذلك وصحت الجماعة، كأن يركع ويرفع رأسه والإمام لم يزل قائما.
وكذلك إن سبقه ولكن ليس بكامل الركن، بأن ركع قبل الإمام فلم يرفع حتى ركع الإمام، لم تبطل صلاته عمدا فعله أو سهوا، لأنه مخالفة يسيرة، لكن ذلك مكروه، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار) (1) . ويسن له العود إلى القيام والركوع معه إن فعله عامدا، ولا يلزمه ذلك.
وأما إن سها بالركوع قبله فيتخير بين العود والاستمرار فيما هو فيه، ولا تفوته فضيلة الجماعة في الحالين.
وإن سبقه بركنين فعليين ولو غير طويلين 2 بلا عذر بطلت صلاته لمنافاته للمتابعة المأمور بها.
كأن هوى للسجود والإمام لم يزل قائما يقرأ.
أما إن سبقه بركنين لعذر فلا تبطل الصلاة، ولا تفوته فضيلة الجماعة.
والعذر في السبق: النسيان، أو الجهل بفقه المسائل الدقيقة.
ب - التخلف: إن تخلف بركن فعلي بلا عذر لم تبطل صلاته، لكن يكره.
وإن تخلف بركنين فعليين بلا عذر بطلت صلاته لمنافاته المتابعة.
وأما إن كان التخلف لعذر فلا تبطل الصلاة، ولا تفوته فضيلة الجماعة، ويباح له أن يتخلف ليتم القراءة الواجبة عليه وهى الفاتحة فقط، ثم يسعى خلف إمامه على نظم صلاة نفسه، ما لم يسبقه الإمام بأكثر من ثلاثة أركان طويلة، فإن سبقه بأكثر من ذلك تبعه فيما هو فيه ثم يتدارك بعد سلام إمامه ما فاته كالمسبوق، أو ينوي المفارقة.
أما إن شرع الإمام بالخامس وهو لم يزل يقرأ دون أن ينوي المفارقة فصلاته باطلة.
والأعذار في التخلف هي:
- بطء قراءة المأموم لضعف لسانه ونحوه، أو لوسوسة، والإمام معتدلها.
- إسراع الإمام في القراءة.
- اشتغال الموافق 3 بسنة، كدعاء الافتتاح، فيتخلف لإتمام قراءة الفاتحة إن لم يتمها.
- النسيان؛ فلو شك أو تذكر قبل ركوعه وبعد ركوع إمامه أنه لم يقرأ الفاتحة، أو شك في قراءتها فيتخلف لقراءتها.
أما لو تذكر ترك الفاتحة أو شك فيه بعد ركوعه فلا يعود لقراءتها بل يتبع إمامه، ويأتي بركعة بعد تسليم الإمام.
(2) في الأقوال:
- إن قارن إحرام المأموم إحرام إمامه أو سبقه لم تنعقد صلاته، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر) 1 ولأنه علق صلاته بصلاة إمامه قبل أن تنعقد.
ومثل ذلك ما لو شك في مقارنته، أو ظن أنه تأخر فبانت مقارنته، فيشترط تأخر جميع تكبيرة المأموم على جميع تكبيرة الإمام. - أما السلام فإن قارنه فيه كره له ذلك ولا تبطل صلاته.
- أما الفاتحة - في الصلاة السرية - أو التشهد، فإن فرغ منهما قبل شروع الإمام فلا يضر بل يجزيان، لأنه لا يظهر في ذلك مخالفة.
- أما المقارنة في الفاتحة في الصلاة الجهرية فتكره، وتفوت فضيلة الجماعة في هذا الركن.
ويسن للمسبوق 2 ألا يشتغل بسنة مثل دعاء الافتتاح أو التعوذ بل يبادر إلى قراءة الفاتحة مباشرة لأنها فرض فلا يشتغل عنها بنفل، إلا إن ظن أنه يدركها مع اشتغاله بالسنة، فإن اشتغل.
بسنة تخلف وقرأ من الفاتحة بقدر السنة وجوبا لتقصيره بالتشاغل عن الواجب بسنة، فإذا فرغ مما عليه وأدرك الإمام في الركوع فقد أدرك الركعة، أما إن أدركه بالاعتدال فيوافقه ولا يركع وتفوته الركعة، فيأتي بركعة بعد انتهاء إمامه، وإن لم يفرغ مما عليه، وأراد الإمام الهوي للسجود تعينت نية المفارقة، أما إن هوى للسجود ولم ينو المأموم المفارقة فتبطل صلاته، وكذا لو هوى معه.
وإن لم يشتغل بسنة فيتبع إمامه وجوبا في الركوع، ويسقط عنه ما بقي عليه من الفاتحة وتحسب له الركعة، لأن متابعة الإمام آكد، فإن تخلف لإتمام قراءته حتى رفع الإمام من الركوع فاتته الركعة لأنه متخلف بلا عذر، ولا تبطل صلاته، فيتابع الإمام في الهوي إلى السجود، ويصير كأنه أدركه الآن، والركعة غير محسوبة له.
متى يدرك المأموم المسبوق الركعة مع الإمام:
- من أدرك الإمام راكعا واطمأن معه 1 قبل ارتفاعه أدرك الركعة، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها قبل أن يقيم الإمام صلبه) 2 .
أما إن أدركه في ركوع زائد في سهو أو غيره، كأن كان في ركعة خامسة في الرباعية، أو في ركعة رابعة في الصلاة الثلاثية، أو في الركوع الثاني من صلاة الخسوف، فلا يعتبر مدركا للركعة.
وما يدركه المسبوق هو أول صلاته لما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( ... فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا) 3 ، وما يتداركه بعد سلام الإمام آخر صلاته، فإذا كان في صلاة فيها قنوت فقنت مع الإمام أعاد القنوت في آخر صلاته، لأن ما فعله مع الإمام فعله للمتابعة، فإذا بلغ موضعه أعاده، ولو أدرك ركعة من المغرب قام بعد سلام الإمام ليصلي ركعة ثم يتشهد، تم ثالثة ويتشهد، ولو سبق بركعتين من الرباعية أو الثلاثية لم يجهر فيما أتم بعد فراغ الإمام، بخلاف السورة بعد الفاتحة، فإنه يقرؤها فيما أتم وإن كان ذلك آخر صلاته، لئلا تخلو صلاته منها.
مسألة الاستخلاف:
- إذا خرج الإمام على الصلاة لسبب أو بلا سبب حاز له أن يستخلف، لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: "لما تقل رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بلال يُؤْذِنْه بالصلاة، فقال: (مروا أبا بكر أن يصلى بالناس) ... فقلت لحفصة قولي له: إن أبا بكر رجل أسِيْف 1 ، وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر.
قال: (إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر أن يصلي بالناس) . فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه خفة فقام يُهادى بين رجلين، ورجلاه تخطان في الأرض حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر حسه، ذهب أبو بكر يتأخر، فأومأ إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس عن يسار أبي بكر، فكان أبو بكر يصلى قائما، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى قاعدا، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والناس مقتدون بصلاة أبي بكر رضي الله عنه" 2 . ويشترط أن يكون الاستخلاف على قرب، فلو فعلوا في الانفراد ركنا امتنع الاستخلاف بعده.
كما يشترط أن يكون الخليفة صالحا لإمامة هؤلاء المصلين.
ثم إن كان المستخلف مأموما يصلى تلك الصلاة أو مثلها في عدد الركعات صح، سواء كان مسبوقا أم غيره وسواء اسُتخلف في الركعة الأولى أو غيرها، لأنه ملتزم لترتيب الإمام باقتدائه فلا يؤدي إلى المخالفة.
فإن كان الخليفة مأموما مسبوقا لزمه مراعاة ترتيب الإمام، فيقعد موضع قعوده، ويقوم موضع قيامه، كما كان يفعل لو لم يخرج الإمام من الصلاة، فلو اقتدى المسبوق في ثانية الصبح ثم أحدث الإمام فيها فاستخلفه فيها قنت وقعد عقبها وتشهد ثم يقنت في الثانية لنفسه، ولو كان الإمام قد سها قبل اقتدائه أو بعده سجد في آخر صلاة الإمام وأعاد في آخر صلاة نفسه، وإذا تمت صلاة الإمام قام لتدارك ما عليه، والمأمومون بالخيار، إن شاؤوا فارقوا وسلموا، وتصح صلاتهم للضرورة، وإن شاؤوا صبروا جلوسا ليسلموا معه.
هذا إذا عرف الخليفة المسبوق نظم صلاة الإمام وما بقي منها، فإن لم يعرف راقب المأمومين إذا أتم ركعة، فإن هموا بالقيام قام، وإلا قعد.
وسهو الخليفة قبل الاستخلاف يحمله الإمام فلا يسجد له أحد، أما سهوه بعد الاستخلاف فيقتضي سجوده وسجودهم.
وسهو القوم قبل حدث الإمام وبعد الاستخلاف محمول، وبينهما غير محمول فيسجد الساهي بعد سلام الخليفة.
ولو أحدث الإمام وانصرف ولم يستخلف، قدم القوم واحداً بالإشارة، ولو تقدم واحد بنفسه جاز.
وإن استخلف الإمام أجنبياً، فإن كان ذلك في الركعة الأولى أو الثالثة من رباعية جاز، لأنه لا يخالفهم في الترتيب.
وإن استخلفه في الثانية أو الأخيرة لم يجز لأنه مأمور بالقيام، غير ملتزم لترتيب الإمام، وهم مأمورون بالقعود على ترتيب الإمام فيقع الاختلاف.
أحق الناس بالإمامة:
- الوالي بمحل ولايته مقدم على الجميع، ثم الإمام الراتب، فالساكن بملك أو إعارة أو إجارة أو وقف أو وصية أو هبة أو نحوها، يتقدم ولو كان عنده عالم، لحديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ... ولا يَؤُمَّنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته، إلا بإذنه) 1 .
وإذا اجتمع المعير والساكن فيقدم المعير على الساكن.
ويجوز للأحق بالإمامة ممن سبق ذكرهم أن يتقدم أو يقدم غيره لها.
أما أحق الناس بالإمامة من حيث الصفات: فالأفقه ثم الأقرأ 2 ، فالأزهد، فالأورع، ثم الأقدم هجرة، ثم الأسبق إسلاما، ثم الأسن، ثم الأقرب نسباً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقدم الهاشمي ثم المطلبي ثم بقية العرب، ويقدم ابن الصالح أو العالم على غيره، ثم الأحسن سيرة، فالأنظف ثوبا، فالأنظف بدنا، فالأطيب صنعة، فالأحسن صوتا، فالأحسن صورة، فالمتزوج، فإن استووا تقارعوا لعموم حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اجعلوا أئمتكم خياركم فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم) 3 . والعدل أولى من الفاسق وإن كان الفاسق أفقه على أن الصلاة خلفه تصح.
وإذا بلغ الصبي حداً يعقل وهو من أهل الصلاة صحت إمامته في الجمعة وغيرها، لما روي عن عمرو بن سلمة رضي الله عنه، أنه أمّ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ست أو سبع سنين 4 . على أن البالغ أولى من الصبي المميز، وإن كان الصبي لأفقه وأقرأ.
والمقيم أولى من المسافر، لأنه إذا تقدم المقيم أتموا صلاتهم كلهم فلا يختلفون، وإن تقدم المسافر اختلفوا.
وولد الحلال أولى من ولد الزنى.
والأعمى مثل البصير، لأن الأول لا يري ما يلهيه، والبصير يجتنب النجاسة.
والمقدم لصفة من صفاته لا يجوز له تقديم غيره.
ما يندب في الجماعة:
- 1 - ألا يقوم المصلون إلا بعد فراغ الإقامة.
-2 - تسوية الصفوف، والأمر بذلك، ومن الإمام آكد، يقبل عليهم بوجهه ويأمرهم بإقامة الصفوف، لما روى أبو مسعود البدري رضي الله قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: (استووا وتختلفوا فتختلف قلوبكم) 1 . وأفضل الصفوف الأول فالأول للرجال، وكذلك للنساء إن لم يكن معهن رجال، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يسْتَهِموا عليه لاستهموا) 2 . أما إن كانت الجماعة رجالاً ونساء فالأفضل أن تقف النساء خلف الرجال، وإذا وقفت المرأة بحذاء الرجل أو أمامه صحت صلاتهما لكن الأفضل أن تتأخر عنه، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها) 3 . -3- التخفيف 4 ، إلا أن يرضى بتطويله جماعة محصورون لا يصلى وراءه غيرهم لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا صلى أحدكم للناس فليخفف، فإن منهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء) 5 . -4 - أن يجهر الإمام بالتكبير، ويقول: سمع الله لمن حمده، وبالسلام، ولو كانت الصلاة سرية.
ويجب أن ينوي بجهره الذكر مع الإعلام، أما إذا قصد الإعلام فقط، أو أطلق فتبطل صلاته.
-5- انتظار الداخل في الركوع والتشهد الأخير، على ألا يطول الانتظار، وألا يميز الإمام بين الداخلين.
ولا شك في أن هذا الانتظار يقيد جوازه بعدم الضرر بالمؤتمين، موافقة لأمره صلى الله عليه وسلم بالتخفيف في صلاة الجماعة.
-6 - تسن إعادة الفرض جماعة بنية الفرض، سواء كان إماما أو مأموما أو منفردا في الأولى، لحديث جابر رضي الله عنه قال: "كان معاذ بن جبل رضي الله عنه يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يأتي قومه فيصلى بهم" 6 . وتقع الأولى فرضا والثانية نافلة، لحديث يزيد بن الأسود العامري عن أبيه قال: "شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم حجته، فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف قال: فلما قضى صلاته وانحرف إذا هو برجلين في أخرى القوم لم يصليا معه فقال: (علي بهما) ، فجيء بهما ترعد فرائصهما، فقال: (ما منعكما أن تصليا معنا؟) فقالا: يا رسول الله إنا كنا قد صلينا في رحالنا.
قال: (فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة) " 7 . وإذا نواها قضاء وقعت قضاء، وإذا نواها إعادة ثم تذكر خللا في الأولى لم تصح الثانية، وعليه أن ينويها كما لو لم يصل الأولى.
ما يكره في الجماعة:
- 1 - يكره انتظار الداخل في غير الركوع والتشهد الأخير.
-2- يكره التطويل ليلحق به آخرون تكثر بهم الجماعة، أو ليلحقه رجل مشهور عادته الحضور أو نحو ذلك.
لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف) . -3- تكره إمامة الأقلف 1 ، والفاسق، والمبتدع الذي لا يكفر ببدعته، والكراهة للإمام، أما المؤتمون فتحصل لهم فضيلة الجماعة.
تعقيبات: -1- يكره أن يصلي الرجل بقوم أكثرهم له كارهون، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرا ... ) فذكر فيه: (رجل أم قوما وهم له كارهون) 2 . -2- يكره أن يصلى الرجل بامرأة أجنبية لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم) 3 . أما إن أم أجنبيات فيجوز.
-4- تصح إمامة القاعد المعذور للقائم لحديث عائشة رضي الله عنها المتقدم: " ... فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلى عن يسار أبي بكر، فكان أبو بكر يصلى قائما، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى قاعدا، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله، والناس مقتدون بصلاة أبي بكر رضي الله عنه" 4 . -4- تصح صلاة الطاهرة خلف المستحاضة غير المتحيرة، وصلاة السليم خلف سلس البول أو المذي، أو من به جرح سائل.
-5- إذا أُرْتِجَ 5 على الإمام ووقفت عليه القراءة استحب للمأموم تلقينه لحديث المسور رضي الله عنه قال: "شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصلاة، فترك شيئا لم يقرأه، فقال له رجل: يا رسول الله تركت آية كذا وكذا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هلا أذكرتنيها) " 6 . وكذا إذا قرأ في موضع فسها وانتقل إلى غيره استحب تلقينه، أو سها عن ذكر فأهمله أو قال غيره استحب للمأموم أن يقوله جهرا ليسمعه فيقوله.
-6- إذا ترك الإمام فرضا، ولم يرجع إليه، لم تجز للمأموم متابعته في تركه، سواء تركه عمدا أو سهوا، لأنه إن تركه عمدا فقد بطلت صلاته، وإن تركه سهوا ففعله غير محسوب، فيفارقه ويتم منفردا، لكن يستحب للمأموم أن يسبح ليتذكر الإمام إن فعل ذلك ناسيا، وعلى الإمام أن يعمل بيقين نفسه لا بقول المأمومين.
ولو قام الإمام إلى ركعة خامسة في صلاة رباعية، فلا يتابعه المأموم إن علم ذلك، لأنه أتم صلاته يقينا.
ولو كان المأموم مسبوقا بركعة، أو شاكا في فعل ركن كالفاتحة، فقام الإمام إلى الخامسة، لم تجز للمأموم متابعته فيها، إن علم أنها زائدة، لأنها غير محسوبة للإمام وهو غالط فيها.
الباب السابع: صلاة الجمعة
-هي ركعتان، وتقام في وقت الظهر بدلا عنه، يوم الجمعة.
حكمها:
- هي فرض عين لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ 1 . فالأمر بالسعي يعني الوجوب، وما نهى عن البيع الذي هو مباح إلا لواجب.
والمراد بذكر الله الصلاة، وقيل الخطبة.
وروت حفصة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رواح الجمعة واجب على كل محتلم) 2 . وعن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على أعواد منبره: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين) 3 . وعن أبي الجعد الضمري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونا بها طبع الله على قلبه) 4 .