كتاب الحج
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- درية العيطة
- الكتاب
- فقه العبادات على المذهب الشافعي
- المؤلف
- الحاجة درية العيطة [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]
رابعاً - دم تخيير وتعديل:
- يخير فيه بين الذبح والتصدق بطعام والصيام، على التفصيل الآتي.
أسبابه: -1 - إتلاف الصيد المحَّرم، وهو صيد المُحرِم للحيوان البري الوحشي المأكول، مطلقاً، وصيد الحلال لذلك في الحرم.
والمصيد على نوعين: إما أن يكون له مثل في النعم 1 ، وإما ألا يكون له مثل في النعم، ومنها ما نقل ما يجزئ فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن الصحابة.
الدم الواجب بقتل صيد له مثل في النعم 2 أو لا مثيل له فيها لكن نقل فيه: يذبح مثله من النعم 3 ، ثم يتصدق به على المساكين، ولا يجزئه التصدق به حياً، ولا ذبحه ثم تركه، لعلمه أن الفقراء ستأخذ منه، وإنما يجب ذبحه وتوزيعه من قبله.
والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم، ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم، هدياً بالغ الكعبة، أو كفارة طعام مساكين، أو عدل ذلك صياماً، ليذوق وبال أمره، عفا الله عما سلف، ومن عاد فينتقم الله منه، والله عزيز ذو انتقام﴾ 4 . ففي النعامة بدنة، ولا يجزئ عنها بقرة أو سبع شياه، وفي البقر الوحشي وحمار الوحش بقرة، لا تجزئ عنها سبع شياه، وفي الغزال، وهو ولد الظبية، قبل أن يطلع قرناه، معز صغير، ففي الذكر جدي وفي الأنثى عَناق 5 ، وإن طلع قرناه سمي الذكر ظبياً، وفيه تيس، والأنثى ظبية، وفيها عنز لها سنة، وفي الأرنب عناق، وفي الضَّبُع كبش، في الثعلب شاة، وفي الحمامة شاة، وهذه الأخيرة لا مثل لها ولكن نقل جزاؤها هكذا ففي المثل 6 يخير بين ثلاثة: إما أن يذبح المثل ويتصدق به على فقراء ومساكين الحرم، أو يُقَوَّم المثل من قبل عد لين من أهل الحرم بقيمته في مكة يوم إخراجه، ويشتري بقيمته، أو يخرج من عنه بقيمته طعاماً ويتصدق به على فقراء الحرم ومساكينه القاطنين وغيرهم، أو يصوم عن كل مد يوماً، وعن جزء المد يوماً، في أي مكان كان، ولا يجوز التصدق بقيمة المثل دراهم.
ما يجب بقتل صيد لا مثل له، كالجراد والعصافير: يخرج بقيمة المصيد طعاماً وتعتبر قيمته من مكان الإتلاف لا في الحرم، وفي زمن الإتلاف لا زمن الإخراج، أو يصوم عن كل مد يوماً.
-2 - قطع الأشجار وقلع الحشيش في منطقة الحرم: ويخير فاعل ذلك بين الذبح أو التصدق بطعام أو الصيام، ففي الذبح إن قطع شجرة كبيرة ذبح بقرة لها سنة، وإن كانت الشجرة صغيرة تقرب في حجمها من سبع الكبيرة يذبح شاة أو يصدق بقيمة المذبوح طعاماً، أو يصوم بعدد الأمداد، ولا ذبح عليه.
أمكنة ذبح الدماء الواجبة:
- تقسم الدماء الواجبة من حيث مكان الذبح إلى نوعين:
-1 - الدماء غير الواجب إرسالها إلى الحرم: وهي الواجبة بسبب الإحصار، ويجب ذبحها في مكان الإحصار وتوزيعها على أهل الحرم.
كذلك الطعام يجب توزيعه على أهل مكان الإحصار كما يجوز إرساله إلى الحرم.
أما الصيام فيصوم متى شاء وحيث شاء، لأنه لا فائدة لأهل مكان الإحصار من صيامه.
-2 - الدماء الواجب ذبحها في الحرم: وهي الواجبة بسبب ترك واجب من واجبات الحج، أو فعل محرم، فهذه يجب ذبحها في الحرم وتوزيع لحمها وأجزائها على مساكين الحرم وفقرائه، ولا يجزئه أن يوزعها على أقل من ثلاثة من الفقراء أو المساكين، ولو لغرباء، ولا يجوز له أكل شيء من اللحم، ولا نقله إلى غير الحرم، وإن لم يجد فقيراً أو مسكيناً، وأفضل بقعة من الحرم لذبح هدي المعتمر المروة من خارج المسجد لا من داخله، لأنها مكان تحلله، ولذبح هدي الحاج منى، لأنها موضع تحلله.
ولا فرق بين الهدي الواجب وهدي النذر وهدي النفل، فكلها تختص بالحرم، ولا يجزئ أن يدفع إليهم حياً، بل لا بد من ذبحه وتوزيع لحمه.
أما الصوم فيجوز له متى شاء وحيث شاء.
الأضْحِيَة
تعريفها، وقتها، حكمها
- تعريفها: الأضحية هي ما يذبح من النعم تقرباً إلى الله تعالى.
- وقتها: من أول أيام عيد النحر، بعد صلاة العيد، إلى غروب شمس آخر أيام التشريق، لما روي عن البراء بن عازب رضي الله عنه، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر بعد الصلاة، فقال (من صلى صلاتنا، ونسك نسكنا، فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة فتلك شاة من لحم) 1 ويكره الذبح في الليل عامة، وهو في الأضحية أشد كراهة، وإن ضحى قبل الوقت لم تصح، بلا خلاف، وإن كانت منذورة لزمه أن يضحي وإن فاته الوقت.
- حكمها:
-1 - هي سنة مؤكدة في كل سنة، في حق الحج وغيره، وطلبها مقيد بكون الفاعل قادراً عليها، فلا تطلب من الفقير العاجز عنها.
وهي سنة مؤكدة على الكفاية، فإن تعدد أصحاب البيت تجزئهم أضحية واحدة.
ودليل سنيتها ما روي عن أنس رضي الله عنه أنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يضحي بكبشين، وأنا أضحي بكبشين" 1 . وحديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شعره وبشره شيئاً 2 وقوله: (أراد) دليل على أنها سنة لا واجب.
-2 - واجبة: إذا نذرها، أو عينها، فقال مثلاً: هذه أضحية، أو جعلتها أضحية، إذ تصبح التضحية بها واجبة يوم النحر، فإذا ماتت التي عينها قبل وقت الذبح، سقطت عنه، ولا يكلف بذبح غيرها
دليلها:
- الأصل فيها الإجماع قوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ 1 أي صل صلاة العيد، وانحر النسك.
وما روته عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله عز وجل من هِراقة دمٍ، وإنه ليأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله عز وجل بمكان قبل أن يقع على الأرض، فطِيبُوا بها نفساً) 2 . وقال الشافعي رضي الله عنه: "لا أسمح لمن قدر عليها بتركها".
ما يجزئ في الأضحية:
- يجزئ فيها الإبل والبقر والغنم بنوعيه المعز والضأن، لقوله تعالى: ﴿ليذكروا اسم الله على مار زقهم من بهيمة الأنعام﴾ 1 . وأفضلها ذكر الجمل أو أنثاه، ويمكن استبدالها بسبع شياه وهي أفضل، ثم البقرة، ثم الضأن، ثم العنز.
ويصح أن يشترك سبعة أشخاص في بدنة أو بقرة.
وأفضل ألوانها البيضاء، ثم الصفراء، ثم الغبراء، وهي التي لا يصفو بياضها، ثم البلقاء، وهي التي يختلط فيها البياض بالسواد، ثم السوداء، ثم الحمراء، وقيل إن الاعتبار بتفاضل الألوان مسألة تعبدية، وقد يكون لحسن المنظر أو لطيب اللحم.
شروطها:
-1 - يشترط إن كانت من الإبل أن يكون عمرها خمس سنين كاملة، وإن كانت من البقر أو المعز أن يكون عمرها سنتين تامتين، أو من الضأن فسنة ودخلت بالثانية، أو أجذعت مقدم أسنانها، لأنها قد تسقط أسنانها بعد ستة أشهر وقبل بلوغها السنة.
لما رواه جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يَعْسُرَ عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن) 1 .
-2 - ألا تكون جرباء، ولو قل ذلك، ولا شديد العرج، ولا عجفاء 2 ، ولا عمياء، ولا عوراء ولا مريضة مرضاً يفسد لحمها، ومعنى ذلك أنها يجب أن تكون سالمة من العيوب، أما قرونها فلا يضر كونها مكسورة، ولو ذهبت كلها.
ودليل ذلك ما روى البراء بن عازب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يجوز من الضحايا العوراء البين عورها، والعرجاء البين عرجها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء التي لا تنقي) 3 .
-3 - سلامة الأضحية من العيوب التي تنقص مأكولاً منها، مثل قطع شيء من أذنها أو لسانها أو ضرعها أو أليتها، أو شيء ظاهر من فخدها، كما يجب ألا تذهب جميع أسنانها.
-4 - أن ينوي التضحية بها عند الذبح أو قبله.
-5 - أن يلتزم الوقت المحدد للذبح.
-6 - يجب التصديق بشيء من لحمها نيئاً، فيحرم عليه أكلها جميعها، لقوله تعالى في هدي التطوع، ومثله أضحية التطوع: ﴿فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر﴾ 4 . ولا يصح إعطاء اللحم مطبوخاً ولا قديداً، ولا يصح أن يجعل طعاماً ويدعى إليه الفقير، لأن حقه في تملكه لا في أكله.
ويفضل للمضحي أن يقتصر على أكل لقم من الكبد ويتصدق بالباقي، ويجوز له أن يأكل الثلث ويتصدق بالثلث الآخر ويهدي الثلث الباقي إلى الأغنياء 5 ، وفي هذه الحال يثاب على الأضحية كلاً وعلى التصدق بعضاً.
وأقل التصدق قدر أوقيتين من اللحم، ولا يجوز في نحو الكبد أو الكرش.
ولا يكره الادخار من لحمها.
ويحرم نقلها من بلد الأضحية.
-7 - ألا يبيع شيئاً منها، فلا يجوز إعطاء الجزار جلدها أو شيئاً منها على سبيل الأجرة، ويمكنه أن يعطيه شيئاً منها أو جلدها، بالإِضافة إلى الأجرة، على سبيل الإهداء.
ويكره لمن يريد التضحية أن يزيل شيئاً من شعر الرأس وغيره، أو أن يزيل ظفراً، أو يقص شارباً، أو غير ذلك، في عشر ذي الحجة، حتى يضحي، ولا يكره له الاغتسال، وذلك لحديث أم سلمة رضي الله عنها المتقدم، وفي رواية من طريق أخرى عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي، فليمسك عن شعره وأظفاره) 6 فإذا أزال شيئاً من ذلك كره له
والأفضل أن يذبح المضحي بنفسه إن أحسن الذبح، وإلا كره له ذلك لأن فيه عذاباً للأضحية، فيوكل من يحسنه، وجوباً، بقوله: وكلتك بذبح أضحيتي.
وليحضر ذبحها ندباً، لما روي عن عمران بن حصين رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا فاطمة قومي فاشهدي أضحيتك، فإنه يغفر لك بأول قطرة تقطر من دمها كل ذنب عملته) 7 .
ويستحب أن يوجه الذبيحة إلى القبلة، ويبسمل ويكبر.