كتاب الطهارة
صفحات 160-199
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- درية العيطة
- الكتاب
- فقه العبادات على المذهب الشافعي
- المؤلف
- الحاجة درية العيطة [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]
[شروط التيمم]
- شروط التيمم:
- هي شروط صحة الطهارة بالوضوء والغسل، ويضاف إليها:
-1- أن يوجب العذر المبيح للتيمم، على التفصيل المتقدم
-2-أن يكون بتراب طهور، لحديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء) (مسلم ج 1/كتاب المساجد ومواضع الصلاة/ 4)
ولقوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيداً طيباً﴾ فسر السادة الشافعية الصعيد الطيب بالتراب المنبت مستندين في ذلك إلى قوله تعالى: ﴿والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه﴾ (الأعراف: 58) والصعيد هو الذي له غبار، فلا يصح التيمم عند الشافعية بغير التراب، ولا بتراب فيه نداوة، لأن الندي يلصق بالعضو ولا غبار له، ولا يصح بتراب استحجر إلا أن يدق ليصبح له غبار، ولا يصح بتراب مستعمل، لأن استعماله يسلبه الطهورية فيصبح طاهراً غير مطهر، والمستعمل هو ما بقي على العضو أو تناثر منه، ويصح التيمم بتراب مغصوب مع أنه حرام، وبتراب مقبرة لم تنبش، لأن المنبوشة ترابها نجس، لو شك ينبش التراب صح التيمم لأن الأصل في الأشياء طهارتها، ولا يصح التيمم بالتراب الذي خالطته النجاسة كثيراً كان أو قليلاً.
ويجوز أن يتيمم الجماعة من موضع واحد، كما جاز أن يتوضؤوا من إناء واحد، ويجوز أن يتيمم الواحد من تراب يسير يستصحبه معه في خرقة ونحوها مرات، كما يتوضأ من إناء مرات، ويجوز أن يتيمم من غبار تراب على مخدة أو ثوب أو حصير أو جدار أو أداة أو ظهر حيوان طاهر ونحوه، ودليله حديث أبي جهيم الأنصاري رضي الله عنه قال: "أقبل النبي صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ثم رد عليه السلام" (البخاري ج 1/كتاب التيمم باب 2/330) ولأنه قصد الصعيد، فلا فرق بين أن يكون على الأرض أو على غيرها.
-3- ألا يخالط التراب دقيق أو جص يمنع مرور التراب على جميع العضو، وعليه فإنه يجوز التيمم برمل خالطه تراب له غبار -4- أن يزيل النجاسة عن بدنه -5- أن يقع التيمم بعد دخول الوقت (سواء وقت المكتوبة، أو النافلة المؤقتة، أو المنذورة المؤقتة) يقيناً أو ظناً، سواء كان التيمم عن كامل الطهارة أو عن طهارة عضو، لما عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (وجعلت لي الأرض مساجد وطهوراً، أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت) (مسند الإمام أحمد ج 2 / ص 222) والإدراك لا يكون إلا بعد دخول الوقت قطعاً، فإن تيمم قبل دخول الوقت، أو شك في دخوله، لم يصح التيمم وإن صادف الوقت، لأن التيمم طهارة ضرورة ولا ضرورة قبل دخول الوقت.
ويجوز للخطيب أن يتيمم للجمعة قبل الخطبة، لأن وقتها دخل بالزوال وتقدم الخطبة إنما هو شرط لصحة فعلها.
والوقت شامل لوقت العذر عند جمع الصلاة تقديماً أو تأخيراً، فيتيمم للعصر عقب الظهر إذا جمعها تقديماً، وكذلك العشاء مع المغرب، فإنه يتيمم للعشاء بعد صلاة المغرب.
ويدخل وقت صلاة الجنازة بانقضاء طهر الميت من غسل أو تيمم، لكن يكر التيمم لها قبل التكفين، ويدخل وقت صلاة الاستسقاء بإرادة فعلها وبالاجتماع لها إن صليت جماعة، ووقت صلاة الكسوف والخسوف بتغير الكواكب، ووقت صلاة النفل المطلق بإرادته في أي وقت، سوى أوقات الحرمة، ووقت صلاة تحية المسجد بدخوله، ووقت سجود الشكر بإرادته، ووقت سجود التلاوة بالانتهاء من قراءة الآية أو سماعها.
-6- أن يتيمم لكل فرض عين، وبهذا التيمم نفسه تصح صلاة النافلة، وهذا واضح من اشتراط دخول الوقت للتيمم.
وأحسن ما يحتج به في هذا المجال قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ... وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء، فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ (المائدة: 6) فهذه الآية توجب الوضوء والتيمم لكل صلاة، لأنه لا قيام إلى الصلاة قبل دخول الوقت، وقد خرج الوضوء بالإجماع والسنة لما روى بريدة رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، ومسح على خفيه.
فقال له عمر لقد صنعت اليوم شيئاً لم تكن تصنعه.
قال: (عمداً صنعته يا عمر) " (مسلم ج 1 / كتاب الطهارة باب 25/ 86) فيبقى التيمم بمقتضى الآية.
أركان التيمم
- 1- النقل: وهو تحويل التراب إلى العضو الذي يريد مسحه، مع قرن نقل التراب بالنية، أي قصد نقل التراب مع قصد التيمم، فلو تعرض لمهب الريح مكتفياً بما سفته على وجهه أو أحد أعضائه لم يجزئه، لكن إن نقله مثلاً، من على وجهه بقصد النقل، ثم مسح به وجهه مع النية صح، أو نقله من إحدى يديه فكذلك.
-2- النية: لا تكفي نية رفع حدث أصغر، أو أكبر، أو الطهارة عن أحدهما، لان التيمم لا يرفعه، ولو نوى فرض التيمم أو فرض الطهارة، أو التيمم المفروض، لم يكف، لأن التيمم ليس مقصوداً في نفسه، وإنما يؤتى به عن ضرورة، فلا يجعل مقصوداً، بخلاف الوضوء، ولهذا استحب تجدي الوضوء بخلاف التيمم.
وتكون نية التيمم على أحد الصور التالية: (1) نية التيمم لاستباحة فرض: مثل فرض الصلاة أو فرض الطواف أو خطبة الجمعة، فيقصد معنى قوله: "نويت التيمم لاستباحة فرض الصلاة، أو فرض الطواف" ففي هذه النية استباح فرضاً واحداً، كما يستبيح معه النفل قبل الفريضة وبعدها، في الوقت وبعده، لأن النفل تابع للفرض، فإذا صلحت طهارته للأصل فهي للتابع أصلح (وبناء عليه، لو نسي صلاة من صلوات اليوم والليلة ولا يعرف عينها قضى خمس صلوات وكفاه لهن تيمم واحد، لأن المنسية واحدة، وما سواها ليس بفرض، وإذا صلى فريضة منفرداً بتيمم، ثم أدرك جماعة يصلونها، فأراد إعادتها بذلك التيمم بنى على أن الأولى هي الفرض منهما) كما يستبيح بالنية نفسها صلاة الجنازة (مع أنها فرض كفاية إلا أنها بمنزلة النفل) وسجدتي الشكر والتلاوة، ومس المصحف، والوطء بعد الحيض.
(2) نية التيمم لاستباحة نفل، بقصد معنى قوله: "نويت التيمم لاستباحة نفل الصلاة أو نفل الطواف" وبها يستبيح أكثر من نفل، والوطء بعد الحيض، ولا يستبيح فرضاً أبداً فإن نوى استباحة الصلاة ولم يقصد فرضاً ولا نفلاً وقعت على النفل.
(3) نية التيمم لسجدة الشكر أو التلاوة أو مس المصحف أو الوطء بعد الحيض، وبها لا يستبيح أي فرض أو أي نفل سوى هذه المرتبة.
(4) التيمم بنية الغسل: يقصد معنى قوله: "نويت التيمم عن فرائض الغسل لاستباحة فرض الصلاة" فيستبيح الصلاة والقراءة والمكث في المسجد، وغير ذلك مما يباح بالغسل.
ثم عندما يحدث حدثاً أصغر، بعد ذلك ينوي إحدى النيات الثلاث، التي تقدم ذكرها، حسب الحاجة.
وعلى كل حال، يجب اقتران النية بالنقل، واستدامتها حتى مسج شيء من الوجه على الأقل، فلو أحدث بعد نقل التراب، وقبل أن يبدأ بمسح وجهه، لم يمسح بذلك التراب، بل يجب نقل غيره.
-3- مسح الوجه واليدين مع المرفقين: لقوله: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ (المائدة: 6) والدليل على أن قدر الواجب مسحه من اليدين إلى المرفقين ذكره الشافعي رضي الله عنه بعبارة معناها أن الله تعالى أوجب طهارة الأعضاء الأربعة بالوضوء في ألو الآية المذكورة، ثم أسقط منها عضوين في آخر الآية، فبقي العضوان في التيمم على ما ذكرنا في الوضوء، إذ لو اختلفا لبينهما، وقد أجمع المسلمون على أن الوجه مستوعب في التيمم كالوضوء فكذا اليدان.
ولا يجب إيصال التراب إلى منابت الشعر، بلا ولا يندب، ولو خفيفاً لما فيه من المشقة - بخلاف الماء - لكن يجب أن يتعهد منعطفات الوجه كجوانب الآماق واللحاظ والأنف ومقبله من الأسفل، لأن ذلك من بشرة الوجه، وهذا يغفل عنه الكثيرون، كما لا يجوز أن يغفل عن ظاهر الشفتين عند إطباقهما.
-4- استيفاء الضربتين (قال النووي: هذا هو المعروف من مذهب الشافعي، ونقل أن الرافعي صحح استحبابه دون وجوبه.
والمجموع ج 2 /ص 254) ضربة لليدين، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (التيمم ضربتان، ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين) (الدارقطني ج 1 / ص 180) -5- الترتيب بين المسحتين: فيقدم وجهه على يديه، كالوضوء، وسواء كان التيمم عن حدث أصغر أو حدث أكبر، لأنهما في التيمم عضوان، ودليل الترتيب الآية ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ والواو عند الشافعية للترتيب على ما رأينا في الوضوء، فلو ترك الترتيب لم يصح التيمم لليدين، أما بالنسبة للوجه فهو صحيح، لذلك يعيد مسح اليدين فقط وأما أخذ التراب للوجه واليدين فلا يشترط فيه الترتيب، فلو ضرب بيديه دفعة على التراب، ومسح بيمينه وجهه، وبيساره يمينه جاز، لكن لا بد من ضربة ثانية ليمسح بها يسراه
[سنن التيمم]
- سنن التيمم:
-1 - التسمية: لأن التيمم طهارة عن حدث فاستحب ذكر اسم الله تعالى عليه كالوضوء
-2- تفريق الأصابع عند الضرب ليثير الغبار أكثر، فيكون أسهل وأمكن في تعميم الوجه بضربة واحدة
-3- تخفيف التراب، بأن ينفخه إذا كان كثيراً، بحيث يبقى قدر الحاجة، لحديث عبد الرحمن بن أَبْزَى وفيه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب بكفيه الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه"
-4 - نزع الخاتم في المرة الأولى، أما في الثانية فيجب نزعه، لأنه يشترط إيصال الغبار إلى جميع بشرة اليد، فإن بقي شيء من هذا لم يمسه غبار، لم يصح تيممه.
-5- البداءة بمسح أعلى الوجه كالوضوء -6 - تقديم اليمنى من اليدين على اليسرى لحديث التيامن المتقدم -7 - مسح العضد تطويلاً للتحجيل، وخروجاً من خلاف من أوجبه، فعن عمار بن ياسر رضي الله عنهما أنه كان يحث "أنهم تمسحوا وهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصعيد لصلاة الفجر فضربوا بأكفهم الصعيد، ثم مسحوا وجوههم مسحة واحدة، ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط من بطون أيديهم" (أبو داود ج 1 / كتاب الطهارة باب 123/ 318) -8 - عدم الزيادة على الضربتين -9 - الموالاة لغير دائم الحدث، أما دائم الحدث فالموالاة واجبة عليه -10 - استقبال القبلة والشهادتان بعد الفراغ، كما سبق في الوضوء كيفية التيمم بشكله الأكمل: يضرب بيديه على التراب، مفرقاً أصابعه، ويمسح بهما وجهه، بادئاً من أعلاه، حتى ظاهر ما يسترسل من لحيته، والمقبل من أنفه على شفتيه، ثم يضرب ضربة أخرى، مفرقاً أصابعه، ويضع بطون أصابع يده اليسرى، سوى الإبهام، تحت أصابع يده اليمنى، بحيث لا يخرج أنامل اليمنى عن مسبحة اليسرى، ويمرها على ظهر الكف، فإذا بلغ الكوع (العظم الذي يلي الإبهام) قبض أطراف أصابعه، وجعلها على طرف الذراع، ثم يمرها إلى المرفق، يم يدير المرفق بحيث يصبح بطن الذراع متجهاً إلى الأسفل، ومن تحته بطن كفه اليسرى فيمره عليه، ويرفع إبهامه، فإذا بلغ الكوع أمر إبهام يده اليسرى على إبهام يده اليمنى، ثم يمسح يده اليسرى مثل ذلك، ثم يمسح إحدى الراحتين على الأخرى، ويخلل أصابعهما، متعهداً البراجم، نازعاً الخاتم وجوباً
مبطلات التيمم:
- 1- كل ما يبطل الوضوء يبطل التيمم عن الحدث الأصغر، وإن كان متيمماً عن حدث أكبر، ثم أحدث حدثاً أصغر فيبطل التيمم عن الوضوء فقط، أما التيمم عن الغسل فلا يبطل إلا بحدث أكبر
-2- رؤية الماء الكافي، مع القدرة على استعماله، تبطل تيممه، سواء كان عن حدث أصغر أو عن حدث أكبر، وعليه أن يتوضأ أو يغتسل، لحديث أبي ذر رضي الله عنه المتقدم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خير)
ثم إن لرؤية الماء حالات:
(1) إن رأى الماء قبل الصلاة، بطل تيممه، ولا بد من الوضوء، ولو لم يبق وقت للصلاة أداء.
(2) إن رأى الماء أثناء الصلاة: لم يبطل تيممه إلا إن كان ممن تلزمه الإعادة، لقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ (محمد: 33) (3) إن رأى الماء بعد الصلاة، فصلاته صحيحة، وفي إعادته أو عدمها تفصيل تقدم.
-3- ومن مبطلات التيمم الردة، أعاذنا الله منها.
حالة فاقد الطهورين:
- إذا لم يجد المكلف ماء ولا تراباً، كأن كان في أرض ذات وحل ولم يجد ما يجففه به، أو حبس في موضع نجس، أو كان أسيراً مشدود الوثاق، أو ما أشبه ذلك، وجب عليه أن يصلي على حسب حاله، لأن الطهارة شرط من شروط صحة الصلاة فالعجز عنها لا يبيح ترك الصلاة، كستر العورة، وإزالة النجاسة، واستقبلا القبلة، لكن يصلي الفرض وحده بغير نفل (سواء كان راتباً أو موقوتاً أو مطلقاً) وليس أن يحمل مصحفاً ولا أن يمسه، ولا أن يمكث في المسجد، أو غير ذلك مما يحرم على الجنب، وذلك لعدم الضرورة.
وإذا كان فاقد الطهورين جنباً اقتصر على قراءة الواجب في صلاته.
(أي الفاتحة أو بدلها، ولا يقرأ السورة) وكذا لو نذر قراءة سورة في وقت معين، فإنه يقرؤها فيه ولو كان جنباً.
والخلاصة أن فاقد الطهورين يقتصر في أداء العبادات على الضروري فقط وحكم الجنب فاقد الطهورين.
ينسحب على الحائض والنفساء إن نقيتا من الحيض والنفاس، وعدمتا الطهورين وتجب إعادة الصلاة المؤداة زمن فقد الطهورين.
وفي زمن هذه الإعادة تفصيل: -1- تجب الإعادة عندا يجد الماء مطلقاً.
-2- إذا وجد التراب فهناك حالات ثلاث: (1) إذا وجد التراب قبل انتهاء أعاد الصلاة بالتيمم، وإن لم تسقط، وذلك ليؤديها في وقتها بأحد الطهورين.
(2) إذا وجد التراب بعد انتهاء الوقت، بمكان تسقط الصلاة فيه بالتيمم، أعاد الصلاة متيمماً، وليس عليه الإعادة ثانية حيث يجد الماء (3) إذا وجد التراب بعد انتهاء الوقت، في محل لا تسقط الصلاة فيه بالتيمم - لأنه يغلب فيه وجود الماء - لا يعيدها لأن عليه إعادتها ثانية حين يجد الماء
الباب السادس: النجاسات
التعريف
- النجاسة لغة: ما يستقذر، ولو كان طاهراّ، مثل البصاق والمخاط والمني.
وشرعاً: كل مستقذر يمنع الصلاة
أنواع النجاسات:
- 1- النجاسات المغلظة: وهي الكلب والخنزير، وما تولد منهما، أو من أحدهما أي مع حيوان طاهر، لأن كل الحيوانات طاهرة ما عداهما، حتى لو كان كلب صيد فإنه نجس، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب) (مسلم ج 1 / كتاب الطهارة باب 27/ 91، وولغ أدخل لسانه في المائع وحركه، ولا يقال ولغ لسوى السباع)
ولقوله تعالى: ﴿إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً، أو لحم خنزير، فإنه رجس﴾ (الأنعام: 145، والرجس في اللغة النجس)
وكذا مني الكلب والخنزير، وما تولد منهما أو من أحدهما، أما مني الآدمي وسائر الحيوانات فطاهر (أما عند السادة الحنفية فالمني عامة نجس، لذلك يستحب غسله جمعاً بين النصوص، وخروجاً من خلاف العلماء) لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن المني يصيب الثوب قال: (إنما هو بمنزلة المخاط والبزاق، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة) " (الدارقطني ج 1 /ص 124 والإذخرة: واحدة الإذخر، وهي الحشيش طيب الريح) وعن علقمة والأسود: "أن رجلاً نزل بعائشة رضي الله عنها فأصبح يغسل ثوبه فقالت عائشة: إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه، فإن لم تر نضحت حوله، ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركاً فيصلي فيه" (مسلم ج 1 / كتاب الطهارة باب 32/105)
-2- النجاسة المخففة: هي بول الصبي دون السنتين، الذي لم يأكل الطعام
-3- النجاسات المتوسطة: وهي بقية النجاسات، ونبينها فيما يلي:
(1) كل مسكر مائع.
من ذلك الخمرة ولو محترمة، والمحترمة هنا هي ما عصر من العنب بقصد الخل (يكون عصير العنب نجساً في فترة تخمره فقط، إلى أن يصبح خلاً فيطهر) أما غير المحترمة فهي ما عصر من العنب بقصد الخمر، ودليل نجاستها قوله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه﴾ (المائدة: 90) وما رواه ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كل مسكر خمر، وكل خمر حرام) (مسلم ج 3 /كتاب الأشربة باب 7/74) ومنه النبيذ الذي يحصل عليه بنقع المواد السكرية كالتمر والشعير، ففي النقع يمر بمرحلة التخمر ويصبح نبيذاً فهذا نجس لأنه شراب فيه شدة مطربة، فكان نجساً كالخمر (أما ما لم يشتد، ولم يصر مسكراً، كالماء الذي وضع فيه حبات تمر أو زبيب أو مشمش أو عسل أو نحوها، فصار حلواً، فهذا ليس بنجس) ومنه الكحول، فهو نجس لكونه مسكراً، إلا أنه إذا أضيف إلى الطيب لأجل إصلاحه (تمديده) دون أن يفسد، فيعفى عنه.
ويخرج بقولنا المائع، غير المائع، فهو ليس بنجس، مثل البنج، والحشيش، فليسا نجسين ولو كانا محلولين، لأن أصلهما غير مائع وإن كانا محرمين لتغييب العقل.
(2) الميتة كلها، ودليل نجاستها قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ (المائدة: 6) ويستثنى منها أربعة: الآدمي، لقوله تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾ (الإسراء: 70) والمكرم لا يكون إلا طاهراً أما قوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس﴾ (التوبة 28) فالمراد منه نجس العقيدة، أما ميتتهم فطاهرة وكذلك السمك والجراد، لما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أحلت لكم ميتتان ودَمَان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال) (ابن ماجة ج 2 / كتاب الأطعمة باب 31/3314) والصيد إذا قتله الكلب أو السهم بشرطه (للصيد شروط ينظر فيها في الأبحاث المتعلقة بها) فهذه ميتات طاهر لحمها وجلدها.
والمأكول من ميتات البحر له حكم السمك من حيث طهارة ميتته، أما ما لا يؤكل كالضفدع فميتته نجسة.
أما جنين ما يؤكل لحمه، إذا ذبحت أمه وخرج ميتاً بعدئذ، فهو طاهر، لأن ذكاة أمه ذكاة له.
والعضو المنفصل من الحيوان الحي كميتته فالعضو المنفصل من الشاة في حال حياتها نجس، لما ورد عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم (ما قطع من البهيمة وهي حية فهي ميتة) (أبو داود ج 3/كتاب الصيد باب 3/2858) أما القطعة المنفصلة من السمك أو الجراد فطاهرة.
(3) شعر الميتة، سوى الآدمي، وشعر غير المأكول المنفصل عنه حال الحياة أو بعد الممات (وعليه ففرو غير مأكول اللحم لا تجوز الصلاة عليه ولا به، سواء جزء منه حال الحياة، أو بعد الذبح أو الممات ولا يطهر بدباغ الجلد) مثل شعر البغل والهرة، ويعفى عن قليله، أما المتصل بالحيوان الحي فيبقى تابعاً للحيوان، والحيوانات، سوى الكلب والخنزير، كلها طاهرة ما كانت حية، فأوبارها وشعورها طاهرة أيضاً ما دامت متصلة بها، أما الذي يؤكل لحمه فشعره وريشه وصوفه ووبره، كل أولئك طاهر، سواء جز من الحيوان حال الحياة، أو بقي عليه بعد الذبح، أما إن مات فهذه كلها نجسة، ودليل طهارة ما يتبع الحيوانات المأكولة اللحم، قوله تعالى: ﴿ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين﴾ (النحل: 80) (4) جلود الميتة كلها، باستثناء جلود الميتات الأربعة التي ذكرنا، وكذلك جلود ما لا يؤكل لحمه ولو ذبح، فهي نجسة، أما ما يؤكل لحمه، كالخروف إذا ذبح، فجلده طاهر (5) ما لا يؤكل لحمه إذا ذبح (6) لبن ما لا يؤكل لحمه، إلا الآدمي، أما لبن ما يؤكل لحمه فطاهر، لقوله تعالى: ﴿لبناً خالصاً سائغاً للشاربين﴾ (النحل: 66) إلا ما كان في ضرع الميتة فإنه ينجس بملاقاة النجاسة كاللبن في الإناء النجس.
(7) العظم والسن والقرن والظلف (الظلف: للبقر والشاة والظبي وشبهها بمنزلة القدم لنا) والظفر من غير المأكول، ومن ميتة المأكول.
والعاج المتخذ من عظم الفيل نجس كنجاسة غيره من العظام، ولا يجوز استعماله من شيء رطب لأنه ينجسه، ويكره استعماله في الأشياء اليابسة، وعليه لو اتخذ المرء مشطاً من عظم الفيل فاستعمله في شعره أو لحيته، فإن وجدت رطوبة في أحد الجانبين تنجس شعره، وإلا فلا، لكن يكره، ولو توضأ من ماء قليل في إناء مضبب بالعاج لم يجز إن أصاب الماء تضبيبه.
(8) الدم المسفوح، بدليل قوله تعالى: ﴿أو دماً مسفوحاً ... فإنه رجس﴾ (الأنعام: 145) إلا اليسير عرفاً فيعفى عنه، والدم الخارج من بعض البثور يعتبر قليلاً، ولو بلغ قدر رأس الإصبع، وما علق على اللحم والعظم من الدم فهو نجس معفو عنه، ما لم يخالطه أجنبي، لذلك ينبغي عدم غسله، بل يكفي مسحه بخرقة غير مبتلة، فإن غسل وجب تكرار غسله حتى يزول أثر الدم من الغسالة (9) القيح، لأنه يد مستحيل إلى فساد، وأما ماء القروح فإن كان له رائحة فهو نجس وإلا فطاهر.
(10) الأبوال (باستثناء بول الصبي دون السنتين، والذي لم يأكل الطعام، فقد تقدم أنه نجاسة مخففة) والغائط والأرواث، والمذي والودي، وكذلك كل مائع يخرج من أحد السبيلين، سوى المني، ورطوبة فرج المرأة الخارجة من أدنى الرحم، والعلقة والمضغة، فهذه كلها طاهرات.
أما الأبوال فثلاثة: بول الآدمي الكبير، وبول الحيوانات المأكولة، وبول الحيوانات غير المأكولة، وكلها نجسة: أما الأول فلحديث المعذبين في القبر، وأما الثاني والثالثة، فلقوله تعالى: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ (الأعراف: 157) والعرب تستخبث هذا.
وأما ما صح عنه صلى الله عليه وسلم في حدث أنس رضي الله عنه أنه أمر الذين اجتووا (اجتووا: أي أصابهم الجوى، وهو المرض وداء الجوف إذا تطاول) في المدينة بشرب أبوال إبل الصدقة (انظر البخاري ج 5/ كتاب الطب باب 6/5362) فذاك كان للتداوي، ومعروف أنه جائز بجميع النجاسات سوى الخمر.
وأما الغائط فنجس كذلك بالإجماع، ولا فرق بين غائط الصغير والكبير، وكذلك الأرواث من كل حيوان، حتى السمك والجراد والذباب، وذرق الطيور، كلها نجسة، لحدث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "أتى النبي صلى الله عليه وسلم الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده فأخذت روثة فأتيته بها فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: (هذا ركس) " ولأنه خارج من الدبر أحالته الطبيعة، فكان نجساً كالغائط.
قال النووي: "إذا عمت البلوى (أراد ذرق الطيور، كما في صحون المساجد) وتعذر الأحتراز منه، يعفى عنه، وتصح الصلاة".
وأما المذي والودي فنجسان بالإجماع، ولقوله لعلي رضي الله عنه، وقد سأله عن المذي: (رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة) (أبو داود / كتاب الطهارة باب 83/206) ولأنهما خارجان من سبيل الحدث.
(11) الماء المتغير لونه من فم النائم، إذا تحقق أنه من المعدة، أما إذا ابتلي به شخص فيعفى عنه فيحق نفسه، ويلتحق بدم البراغيث وسلس البول والاستحاضة مما يعفى عنه للمشقة.
أما غير المتغير لونه أو ريحه فهو طاهر، وكذا الذي يخرج من الصدر أو الحلق أو الدماغ فليس بنجس، مثال ذلك النخامة والبلغم واللعاب، فإن اشتبه الأمر فلم يعرفه استحب غسله احتياطاً (12) القيء، ولو كان من رضيع، ولو لم يتغير (أما عند السادة الحنفية فإذا لم يكن ملء الفم فليس بنجس، وعند المالكية إذا لم يتغير الحليب الخارج من فم الرضيع فليس بنجس، لذا في حال الضرورة نلجأ إلى التقليد، والخلاف قائم عند الشافعية بالنسبة لثياب أمه وثديها خاصة، والعفو موجود) (13) الإنفحة (الإنفحة: شيء يستخرج من بطن الجدي الرضيع أصفر، فيعصر في صوفة فيغلظ كالجبن، فإذا أكل الجدي فهو كرش) إن أخذت من السخلة (السخلة: ولد الغنم من الضأن والمعز ساعة وضعه، ذكراً كان أو أنثى) بعد موتها، أو بعد ذبحها، وقد أكلت غير اللبن، أما إن أخذت من سخلة ذبحت قبل أن تأكل غير اللبن فطاهرة.
(14) دخان النجاسة إذا أحرقت
- تعقيب: الأصل في الأشياء الطهارة، ولا يحكم بنجاسة شيء إلا بعد التحقيق، مثال ذلك أن يشاع عن دهن من دهون البدن مثلاً، أو مأكول يجتلب من بلاد الكفار، بأن فيه نجاسة كشحوم الخنزير وعظامه أو الكحول، فلا يحكم بنجاسة الدهن والمأكول ونحوهما إلا بعد التحقيق.
ما يطهر من النجاسات بالاستحالة:
- 1- الخمرة مع إنائها إذا أصبحت خلاص بنفسها طهرت، وكذا لو تخللت بنقلها من الشمس إلى الظل، ومن الظل إلى الشم، بشرط ألا يطرح بها شيء.
-2- جلود الميتة تطهر بالدباغة - إلا جلد الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما - ثم يجوز بعد الانتفاع بها في شتى أنواع الانتفاع، لحديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا دبغ الإهاب (الإهاب: الجلد قبل أن يدبغ، وجمعه أهب أو أهب) فقد طهر) (مسلم ج 1 / كتاب الحيض باب 27/105) وعنه أيضاً، قال: "تصدق على مولاة لميمونة بشاة فماتت فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟) فقالوا: إنها ميتة فقال: (إنما حرم أكلها) " (مسلم ج 1: كتاب الحيض باب 27/100) ويحصل الدباغ بكل ما ينشف فضول الجلد وينظفها، ويستخرجها من باطن الجلد، وينظفه ويحفظه من أن يسرع إليه الفساد، والمرجع فيذلك إلى أهل الصنعة -3- دم الظبية يطهر باستحالته مسكاً
التنجس بالنجاسة
- إذا اتصل النجس أو المتنجس بالطاهر، نظر، فإن كانا جافين فلا تؤثر النجاسة بالطاهر، بناء على القاعدة الفقهية: الجاف طاهر، بلا خلاف، وإن كان أحدهما أو كلاهما رطباً تنجس الطاهر بالآخر
تطهير ما تنجس بشيء من النجاسات:
- إن ما تصيبه النجاسة إما أن يكون ماء، أو مائعاً سوى الماء، أو جامداً
فالأول: وهو الماء، وهو إما أن يكون أقل من قلتين، أو قلتين فأكثر
فإذا كان الماء المتنجس أقل من قلتين فتطهيره يكون بتكثيره بماء حتى يبلغ القلتين بدون تغير في أي من أوصافه الثلاثة: الطعم واللون والريح، وسواء كان الماء المضاف طاهراً أو متنجساً أو مستعملاً، فإذا فرقت القلتان بعد فهما على طهوريتهما.
أما لو كوثر بمائع آخر غير الماء، متنجس أو طاهر، فبلغ القلتين، ولا تغيُّر فيه فالجميع متنجس.
وإذا كان الماء كثيراً، أي أكثر من قلتين، وتنجس بسبب تغير أحد أوصافه الثلاثة بالنجاسة، طهر إذا زال تغيره، ويزول التغير بأحد الأمور الثلاثة: -1- بأن يزول بنفسه، فيذهب اللون أو الطعم أو الريح بطلوع الشمس، أو هبوب الريح، أو مرور الزمان.
-2- بأخذ بعضه، بشرط أن يكون الباقي بعد الأخذ قلتين فأكثر، فإن بقي دونهما لم يطهر بلا خلاف.
ويتصور زوال التغير بأخذ بعضه، بأن يكون كثيراً يملأ الإناء، فلا تدخله الريح، فإذا نقص دخلته، وكذلك الشمس، فيطيب.
ثم إذا زالت التغير، وحكمنا بطهارته، ثم تغير، فهو باق على طهارته، ولا يضر تغيره، لأنه ماء طاهر تغير بغير نجاسة لاقته، فكان طاهراً كالذي لم ينجس قط.
-3- إضافة ماء آخر إليه، سواء كان الماء المضاف طاهراً أو متنجساً أو قليلاً أو كثيراً، وسواء صب عليه الماء أو نبع عليه.
أما إذا زال التغير بساتر، كأن يلقى فيه مسك فتتغير ريحه، أو يخض الماء حتى يتعكر بكدورة التراب الذي في أسفله، فإنه لا يصبح طهوراً لأن الساتر لا يطهر.
والثاني: وهو المائع سوى الماء، كالزيت والخل، فلا يطهر أبداً، مهما كان كثيراً (أما عند الحنفية فيمكن تطهير المائع المتنجس بصب الماء عليه ورفعه عنه ثلاثاً، أو يوضع في إناء مثقوب ثم يصب عليه الماء فيطفو - إن كان زيتاً، أو سائلاً له خواص الزيت - يحرك ثم يفتح الثقب إلى أن يذهب الماء.
وهو قول عند الشافعية أيضاً) ولو زالت عين النجاسة (لكن يجوز استعمال مثل هذه المائعات المتجسة في الصناعة، كما في صناعة الصابون، مع وجوب الاحتياط من نجاستها) فإذا كان الزيت أو السمن أو غيره من الدهون جامداً، فلا يطهر بالغسل ولا بغيره، بل تلقى النجاسة وما اتصل بها ويستعمل الباقي، فإذن كانت النجاسة مخالطة للدهن، لم يطهر، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا وقعت الفأرة في السمن، فإن كان جامداً فألقوها وما حولها، وإن كان مائعاً فلا تقربوه) (أبو داود ج 4/ كتاب الأطعمة باب 48/3842) والثالث: وهو الجامد، فتطهيره يكون بحسب نوع النجاسة التي أصابته: -1- تطهير ما تنجس بنجاسة مغلظة: إذا تنجس شيء بملاقاة كلب أو خنزير أو فروعهما أو بملاقاة أسآرهما (جمع سور، وهو ما بقي من الإناء بعد الأكل أو الشرب، ومراد الفقهاء بقولهم سؤر الحيوان طاهر أو نجس، لعابه ورطوبة فمه) فلا يطهر إلا بغسله سبع مرات مع مزج ماء إحداهن بالتراب، ولا يكفي الذر على المحل، ويندب أن يكون في الأولى أو الثانية، ولا يقوم مقام التراب الصابون ولا الإشنان ولا غيرهما، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه المتقدم في سؤر الكلب: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب) وفي رواية (إحداهن) ولا يجب الدلك بل يكفي إلقاؤه في الإناء وتحريكه.
ولو ولغ الكب في إناء فيه طعام جامد ألقي ما أصابه وما حوله وبقي الباقي على طهارته (على غرار ما يفعل بالسمن الجامد تموت فيه الفأرة) . وأما الدليل على أن الخنزير كذلك يجب فيه سبع قطعاً مع التراب، فقد قال جمهور الشافعية: إن الخنزير أسوأ حالاً من الكلب، فهو باعتبار العدد أولى: -2- تطهير ما تنجس بنجاسة مخففة: ينضح بالماء فيطهر، والنضح هو الرش بالماء حتى يعمه، من غير سيلان، لحديث أم قيس بنت محصن رضي الله عنها" أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بابن لها لم يأكل الطعام، فوضعته في حجره، فبال، قال عبيد الله: فلم يزد على أن نضح بالماء" (مسلم ج 1 / كتاب الطهارة باب 31/103) ولحديث أبي السمح خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام) (النسائي ج 1 ص 158) وفي رواية عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "مال يم يطعم" (أبو داود ج 1 / كتاب الطهارة باب 137/377) 3- تطهير ما تنجس بنجاسة متوسطة: وهي تقسم إلى عينية وحكمية.
والنجاسة العينية: هي التي لها جرم أو لون أو ريح أو طعم، ولا يطهر ما تنجس بنجاسة عينية، إلا بزوال عين النجاسة، ولا يضر بقاء اللون أو الريح إذا عسر زوال أحدهما، وضابط العسر أن يغسل ثلاث مرات مع الفرك ثم يبقى أثر اللون أو أثر الريح، أما إذا بقيا معاً فلا يطهر، لكن يعفى عنهما إن تعذر زوالهما.
وكذا إذا تعسر زوال الطعم، فلا تحصل الطهارة، لكن يعفى عنه، فيكون المحل نجساً معفواً عنه لا طاهراً.
وضابط التعذر ألا يزول إلا بالقطع.
أما النجاسة الحكمية: فهي التي لا لون لها ولا طعم ولا ريح ولا حجم، كبول جف ولم تدرك له صفة ويطهر المحل منها بسيلان الماء عليه، ولو من غير فعل فاعل، كالمطر مثلاً فالمهم ورود الماء ولو قليلاً، أي صبه على النجاسة، والغسالة (هي الماء المتبقي بعد غسل النجاسة الحكمية عن الثوب ونحوه) القليلة طاهرة غير مطهرة إذا لم تتغير.
والغسل من سائر النجاسات - سوى المغلظة - مرة، ومعنى المرة أن تزول عين النجاسة ولو تعددت المرة، والسنة الثلاث، يعني ثانية وثالثة بعد تتميم الأولى بإزالة عينها.
ولا يشترط العصر للطهارة.
تعقيب: - عند غسل جزء من متنجس، يتعين علينا عند غسل باقيه إعادة غسل قسم من المغسول أولاً مما جاور هذا الباقي، وإلا بقي هذا القسم على نجاسته.
الباب السابع
: الحيض
والنفاس والاستحاضة
الحيض:
[التعريف]
- التعريف: هو لغة: السيلان، يقال: حاض الوادي، إذا سال ماؤه واصطلاحاً: دم جبلة (غير مرضي) يخرج من أقصى رحم المرأة بعد بلوغها، في أوقات معتادة من غير سبب الولادة، لونه أسود محتدم (حار كأنه محترق، ضارب إلى سواد) لذاع (مؤلم موجع) والأصل فيه قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض﴾ (البقرة: 222) وما روت عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحيض: (إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم) (البخاري ج 1/ كتاب الحيض باب 1/290)
سن الحيض:
- أقل زمن تحيض فيه المرأة تسع سنوات قمرية (السنة القمرية 354 يوماً) فلو رأته قبل تمام التسع بزمن يضيق عن حيض وطهر فهو حيض، وإلا فهو دم فساد ينقض الوضوء، ولا تتعلق به أحكام الحيض.
ولا حد لأكثر الحيض عند الشافعية، إذ يمكن أن تمكث المرأة فيه إلى حلول الموت، على أن الغالب انقطاع الحيض بعد اثنتين وستين سنة، خلاف ما عند باقي الأئمة.
مدة الحيض:
- اقل الحيض يوم وليلة على الاتصال المعتاد في الحيض (وبناء عليه فما تراه الآيسة من دم متفرق خلال الخمسة عشر يوماً، إن لم يبلغ مجموعه سيلان دم يوم وليلة يعتبر استحاضة، والآيسة: هي المرأة المسنة التي انقطع حيضها ويئست منه) أي لا يتخلله نقاء، وأكثره خمسة عشر يوماً مع لياليها، فإن زاد على ذلك فهي مستحاضة.
أما غالب الحيض فهو ستة أو سبعة أيام بلياليها (هذه المعلومات في بحث الحيض والنفاس حصلها الشافعي بالاستقراء، فما لم يوجد له ضابط في الشرع ولا في اللغة رجع فيه إلى العرف العام) لما روته حنة بنت جحش رضي الله عنها - وكانت تستحاض فلا تطهر - في حديث لها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: (إنما هو ركضة (أصل الركض الضرب بالرجل والإصابة بها، كما تركض الدابة وتصاب بالرجل، أراد الإضرار بها والأذى، والمعنى أن الشيطان قد وجد بذلك طريقاً إلى التلبيس عليها في أمر دينها وطهرها وصلاتها حتى أنساها ذلك عادتها، وصار في التقدير كأنه ركضة بآلة من ركضاته) من الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله (أي التزمي الحيض وأحكامه فيما أعلمك الله من عادة النساء) ثم اغتسلي، فإذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي أربعاً وعشرين ليلة، أو ثلاثاً وعشرين ليلة وأيامها، وصومي وصلي فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي كما تحيض النساء وكما يطهرن لميقات حيضهن وطهرهن) (الترمذي ج 1/ أبواب الطهارة باب 95/128)
مدة الطهر
- أقل الطهر بين حيضتين خمسة عشر يوما بلياليها، ولا حد لأكثره ولا حد لأكثره، فقد تمكث المرأة دهراً بلا حيض.
أما مدة الطهر بين حيض ونفاس فليس لها حد، فلو انقطع نفاسها يوماً ثم رأت الدم، فإنه قد يكون دم حيض.
أما غالب الطهر فيعتبر بغالب الحيض، فإن كان الحيض ستة أيام مثلاً كان الطهر أربعة وعشرين يوماً وبناء على ما تقدم من أقل الحيض وأكثره: لو حاضت سبعة أيام مثلاً، ونقيت بعده اثني عشر يوماً، ثم رأت الدم في اليوم الثالث عشر بعد النقاء، فيعتبر هذا الدم دم استحاضة، لأن أقل الطهر خمسة عشر يوماً، ويكون حكمها حكم المستحاضة في اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر اعتباراً من بدء النقاء، أما إن استمرت رؤية الدم لليوم السادس عشر وما بعده فيعتبر دم حيض عندئذ لأن المدة جاوزت أقل الطهر.
ولو حاضت أربعة أيام مثلاً ثم نقيت بعدها ستة أيام، ثم رأت الدم ثانية فيعتبر هذا الدم دم حيض، لأن مجموع الأربعة والستة، عشرة وهي أقلمن أكثر الحيض، أي تعتبر الأيام الستة التي طهرت فيها من الحيض، ويبقى حكمها حكم الحائض لمدة خمسة أيام بعد ذلك، فإن جاوز الدم الثاني الخمسة أيام، تبين عندئذ أنها مستحاضة، لأن مجموع الأربعة والستة والخمسة، خمسة عشر يوماً وهي أكثر مدة الحيض، فما جاوزها يعتبر استحاضة، وسيرد بيان حالات الاستحاضة في حينه.
ويعتبر طهر غير المستحاضة منذ رؤيتها القصة البيضاء، لما روي " أن النساء كن يبعثن إلى عائشة بالدُّرْجَة فيها الكُرْسُف فيه الصفرة فتقولك لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء، تريد بذلك الطهر من الحيضة" (البخاري ج 1/ كتاب الحيض باب 19، والدرجة: سفط صغير تضع المرأة فيه طيبها وما أشبهه، والكرسف: القطن، والقصة: الجصة، والجص معروف، والمراد في الحديث حتى ترين الخرقة بيضاء كالقصة لانقطاع الصفرة والكدرة في نهاية الحيض وخروج الرطوبة البيضاء) أما الصفرة والكدرة فهما من الحيض ما كانتا أيام الحيض قبل رؤية القصة البيضاء، سواء كانت مبتدأة (المبتدأة: هي التي حاضت للمرة الأولى) أو معتادة خالف عادتها أو واقعها، فإذا رؤيتا بعدها لم تعتبر من الحيض لما روت أم عطية رضي الله عنها قالت: "كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئاً" (أبو داود ج 1/ كتاب الطهارة باب 119/307)
النفاس:
تعريفه:
- لغة: الولادة
واصطلاحاً: هو الدم الخارج عقب الولادة، وقبل مضي خمسة عشر يوماً، وإلا أي إذا لم يخرج الدم إلا بعد خمسة عشر يوماً من الولادة - فهو حيض لا نفاس.
أما لو رأت الدم بعد عشرة أيام من الولادة مثلاً فتبلك العشرة من النفاس عداً لا حكماً، فتجب عليها فيها الصلاة ونحوها، أما ما صامته خلالها فتجب عليها إعادته، هذا إذا كانت مبتدأة (المبتدأة هنا: هي التي نفست للمرة الأولى) أما المعتادة فتترك الصلاة والصيام بعد الولادة مباشرة، وإن لم تر الدم، والعادة تثبت بمرة، ويرجع دوماً إلى آخر مرة في العادة ومثل الولادة إلقاء العلقة أو المضغة، فالدم الخارج عقب ذلك نفاس (وعليه فإن الإسقاط الحاصل قبل مرور أربعين يوماً على الإلقاح لا يعتبر ولادة والدم الذي تراه بعده تجري عليه أحكام الحيض) أما الدم الذي يصاحب الولد أو يخرج قبله فليس بدم نفاس، إنما له حكم دم المستحاضة، فتصلي وتصوم قبل انفصال الولد ونحوه من العلقة والمضغة.
مدة النفاس:
- أقل النفاس لحظة.
وغالب النفاس أربعون يوماً وأكثره ستون.
وعليه لو نفست ثمانية وثلاثين يوماً وطهرت بعدها عشرة أيام مثلاً، ثم عادت فرأت الدم، فيمكن أن يكون هذا الدم حيضاً أو نفاساً بحسب صفاته، فإن كان حيضاً صح صيامها في فترة الطهر وليس عليها إعادة، وإن كان نفاساً فعليها إعادة ما صامت، لأن مجموع الثمانية والثلاثين إلى العشرة هو ثمانية وأربعون، وهو لا يجاوز ستين يوماً ولو نفست فعبر الدم الستين فحكمها حكم الحيض إذا عبر الخمسة عشر في الرد إلى التمييز والعادة والأقل والغالب، لأنه بمنزلة الحيض في أحكامه، فكذلك في الرد عند الإشكال.
ما يحرم بالحيض والنفاس:
- 1- تحرم على الحائض والنفساء الطهارة بنية رفع الحدث، أو نية العبادة كغسل الجمعة، أما الطهارة المسنونة للنظافة كالغسل للإحرام وغسل العيد ونحوه من الأغسال المشروعة التي لا تفتقر إلى طهارة فلا تحرم، والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها حين حاضت في الحج: (افعلي كما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري) (البخاري ج 2/ كتاب الحج باب 80/1567)
-2- الصلاة فرضاً أو نفلاً، وصلاة الجنازة، وسجدة الشكر، والتلاوة، فإذا حرمت هذه الأمور بالحدث الأصغر فلأن تحرم بالحدث الأكبر أولى.
روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للنساء: (أليس إذا حاضت - يعني المرأة _ لم تصل ولم تصم) (البخاري ج 1 / كتاب الحيض باب 6/298) -3- الصوم فرضاً أو نفلاً، للحديث المتقدم -4- قراءة القرآن أي التلفظ به بحيث تسمع نفسها إذا كانت معتدلة السمع لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن) (الترمذي ج 1 / أبواب الطهارة باب 98/131) ولا مانع إذا أجرت القرآن على قلبها، أو نظرت في المصحف أو حركت لسانها وهمست همساً بحيث لا تسمع نفسها، فكل ذلك لا يحرم لأنه لا يسمى قراءة، وإشارة الأخرس حكمها حكم النطق إذا كان يفهمها كل أحد، وإلا فلا تحرم وتقع الحرمة كذلك إن قصدت القراءة ولو مع غيرها من النيات، أما إن قصدت الذكر أو أطلقت - أي لم تنو شيئاً - فلا حرمة لأنه لا يسمى قرآنا لوجود الصارف (أي الحيض أو النفاس) أما في حال عدم وجود الصارف فمجرد القراءة يسمى قرآنا ولو لم يقصد والنطق ولو بحرف واحد بقصد التلاوة، مع وجود الصارف يحرم، لأنه شروع في معصية أما التسبيح والتهليل وسائر الأذكار غير القرآن فجائز -5- مس المصحف (المصحف اسم المكتوب من كلام الله، والمراد به كل ما كتبه عليه كلام الله ولو عموداً، ولو لوحاً، أو نحو ذلك، وبهذا تخرج التميمة ما لم تسم مصحفاً، والتميمة عوذة تعلق على الإنسان دفعاً للحسد أو سائر الأذى، وقد يكون خرزة أو ما يماثلها من شَبَّةٍ وغيرها، وهذه لا فائدة منها، يحرم الاعتقاد بنفعها، وتعتبر مصحفاً إذا كان عليها آيات من القرآن فلا يجوز عندئذ حملها في الحيض والنفاس.
وهذه التي كتب عليها شيء من القرآن لا مانع من أن يعلقها الطاهر عليه تبركاً، معتمداً على الله) بأي جزء من البدن لقوله تعالى ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ ولو كان المس بحائل، ومس ثوبه، وصندوقه، وكرسيه وهو عليه، وجلده المتصل به أو المنفصل عنه ما لم تنقطع نسبته إليه، كأن يجعل جلداً لكتاب آخر، ويحرم أيضا حمل المصحف ولو ضمن أمتعة إن قصد حمله هو فقط، أما إن قصد حمل المتاع، أو قصد حمله والمتاع فلا حرمة، كذلك لا حرمة في حمل تفسيره الذي مزجت فيه آياته بتفسيرها وكان التفسير أكثر منه أما التفاسير التي فصلت فيها الآيات الكريمة عن التفسير فلا يجوز مسها وحملها إلا على طهارة.
أما إن خافت إحداهما (الحائض والنفساء) على المصحف من حريق أو نجاسة أو وقوع بيد كافر، فلها أن تحمله بل يجب -6- يحرم اللبث في المسجد والتردد فيه لقوله صلى الله عليه وسلم فيما روته عنه عائشة رضي الله عنها (فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب) (أبو داود ج 1 / كتاب الطهارة باب 93/232) أما العبور لأخذ شيء ألو للوصول إلى جانب آخر من الطريق، أو غير ذلك فجائز، لقوله تعالى: ﴿إلا عابري سبيل﴾ على أن تستوثق من نفسها، وتأمن التلويث، وإلا حرم.
أما عبورها المسجد بلا حاجة فمكروه، ولو أمنت التلويث وصورة العبور أن يكون للمسجد بابان فتدخل من أحدهما تخرج من الآخر، وإلا كان تردداً وهو لا يجوز.
-7- الطواف لأنه بمنزلة الصلاة، إلا أن الله أحل فيه النطق بخير.
وسواء كان الطواف فرضاً كطواف الإفاضة، أو واجباً كطواف الوداع، أو نفلاً كطواف القدوم، لما روت عائشة رضي الله عنها من قوله صلى الله عليه وسلم لها لما حاضت في الحج (فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم فافعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري) (البخاري ج 1 / كتاب الحيض باب 7/299) . -8 - الوطء، ولو في الدبر، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها، أو كاهناً فقد كفر بما أنزل على محمداً) (الترمذي ج 1/ أبواب الطهارة باب 102/135) ويحرم ذلك قبل انقطاع الدم، ويكفر مستحله إن كان عامداً مختاراً عالماً بالتحريم وبالحيض، ذاكراً له، أما بعد انقطاع الدم، وقبل الغسل فحرام على كليهما ولكن لا يكفر مستحله، أما بعد الغسل فله أن يطأها في الحال من غير كراهة، إن لم تخف عودة الدم، وإلا استحب له تجنب الوطء احتياطاً.
قال تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن، فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ (البقرة 222) ويكفر مستحل الوطء في الزمن المجمع على الحيض فيه - أي الأيام العشرة الأوائل من الحيض - بخلاف غير المجمع عليه، وهو الزائد على العشرة، فلا يكفر مستحل الوطء فيه كل ذلك ما لم يخف الوقوع في الزنى، وإلا جاز له الوطء ولو لم ينقطع الدم، والمشهور في المذهب الشافعي أنه لا كفارة فيه، لكن يسن له التصدق بدينار إن كان الوطء فيه إقبال الدم، وبنصف دينار إن كان دماً أحمر فدينار وإن كان دماً أصفر فنصف دينار) (الترمذي ج 1 / أبواب الطهارة باب 103/137) -9- يحرم الاستمتاع - التمتع والتلذذ - فيما بين السرة والركبة، بوطء أو غيره، لقوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ ، ولما روي عن حرام بن حكيم عن عمه " أنه سأل الرسول صلى الله عليه وسلم ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: (لك ما فوق الإزار) " ولأن الاستمتاع ولو بلا شهوة قد يدعو إلى الجماع، فمن يرعى حول الحمى يوشك أن يخالط الحمى، لذا حرم.
فما سوى ما بين السرة والركبة مباشرتها فيه حلال بإجماع المسلمين، روي عن عائشة رضي الله عنها قالت" كانت إحدانا إذا كانت حائضاً فأراد الرسول أن يباشرها (المباشرة هنا: التقاء البشرتين على أي وجه كان) أمرها أن تتزر في فور حيضتها، ثم يباشرها.
قالت: وأيكم يملك إربه كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يملك إربه" (البخاري ج 1 / كتاب الحيض باب 5/296) وقيل لا يحرم إلا الوطء، وهذا ما رأى الإمام النووي أنه الأقوى، لما روى أنس رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) (مسلم ج 1 / كتاب الحيض باب 3/16) لكن المعتمد هو الحديث الأول.
-10 - يحرم الطلاق، لأن الطلاق والمرأة حائض أو نفساء يطيل عليها العدة، لأن مدة الحيض أو النفاس أثناء الطلاق لا تحسب من العدة، وهذا فيه ضرر.
وإذا نقيت الحائض أو النفساء، ارتفع من الأمور المحرمة - المتقدم ذكرها في الأحكام - قبل أن تغتسل: تحريم الصوم، والطهارة، والعبور بالمسجد، وارتفعت عن الزوج حرمة الطلاق، وذلك لانتفاء على التحريم في كل منها: وهي في الصوم اجتماع ضعفين الصوم والنزف، وفي الطلاق إطالة مدة العدة، وفي عبور المسجد خوف التلويث، فصارتا عن انقطاع الدم كالجنب ولا تحل الصلاة والطواف، وقراءة القرآن، وحمل المصحف حتى تغتسلا، لأن المنع منها للحدث، والحدث باق، وكذا لا يحل الاستمتاع بها حتى تغتسل، كما تقدم.
ويجب على الحائض والنفساء بعد النقاء قضاء الصوم دون الصلاة، للحديث المروي عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان يصيبنا ذلك- تعني الحيض - فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة" (مسلم ج 1 / كتاب الحيض باب 15/69) والعلة في عدم قضاء الصلاة أنها تكثر فيشق قضاؤها، وقال بعضهم بحرمة قضاء الصلاة عن أيام الحيض والنفاس، وقال آخرون بكراهته، والأوجه عدم التحريم.