فقه العبادات على المذهب الشافعيصفحات 56-73
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصوم

صفحات 56-73
عن هذه الطبعة
عَلَم
درية العيطة
الكتاب
فقه العبادات على المذهب الشافعي
المؤلف
الحاجة درية العيطة [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]
  • أقسامه: -1- ما يتكرر بتكرر السنين: 1 صوم يوم عرفة لغير الحاج والمسافر، لحديث عن أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده) (1) . أما الحاج، فإذا وصل إلى عرفة ليلا سن له صومه، وإلا سن له فطره.
    والأحوط صوم الثامن من ذي الحجة.
    2 صوم عشر ذي الحجة، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر) ، فقالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء) " (2) . 3 صوم عاشوراء وتاسوعاء: وهما التاسع والعاشر من شهر محرم، لحديث رواه أبو قتادة رضى الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله) (3) . وروى ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع) 4 . والأحوط صوم عاشوراء وصوم يوم قبله ويوم بعده.
    (4) صوم ست من شوال، لحديث عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من صام رمضان، ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر) 5 . والأفضل صومها متصلة بيوم العيد، متتابعة، ولكن تحصل السنة بصومها غير متصلة به ولا متتابعة.
    (5) صوم الأشهر الحرم، وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب.
    وكذلك صوم شعبان، وأفضلها صوم محرم، ثم باقي الأشهر الحرم، ثم شعبان، لحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل) 6 . إلا أنه ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه ما صام شهرا كاملا عدا رمضان إلا شهر شعبان، فعن أسامة بن زيد رضي الله عنه لما قال: "قلت يا رسول الله لم أرك تصوم شهرا من الشهور ما تصوم من شعبان، قال: (ذلك شهر يغفل الناس عنه، بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع الأعمال فيه إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم) " 7 . -2- ما يتكرر بتكرر الشهور، وهي الأيام البيض 8 ، عن أيما ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أبا ذر إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام فصم ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة) 9 . والأيام السود 10 . -3- ما يتكرر بتكرر الأسابيع: (1) صوم يومي الاثنين والخميس، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صوم الاثنين والخميس" 11 . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم" 12 . -2 - صوم يوم لا يجد فيه ما يأكله، لحديث عائشة رضي الله عنها المتقدم: ( ... فإني إذن صائم) . -3 - أفضل الصيام صوم يوم وإفطار يوم، لقوله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: (صم يوماً وأفطر يوماً فذلك صيام داود عليه السلام، وهو أفضل الصيام) 13 . أما صوم الدهر فيسن لمن لم يخف ضرراً أو فوت حق.
    ويجوز لمن صام متنفلاً أن يفطر، ويسن له القضاء، على أنه يستحب له الإتمام وعدم الخروج لا لعذر، لقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ 14 . وخروجاً من خلاف العلماء.

القسم الثالث: الصوم المكروه

  • 1 - يكره إفراد يوم الجمعة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا يوماً قبله أو بعده " 1 .

2 - وكذا إفراد يوم السبت أو الأحد، لحديث عبد الله بن بُسر عن أخته رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض الله عليكم " 2 . ولأن اليهود تعظم يوم السبت، والنصارى تعظم يوم الأحد.
فإن لم يفرد ذلك، ووصله بما قبله أو بعده فلا كراهة، وكذا إن وجد سبب من عادة أو نذر.
-3 - ويكره صيام الدهر إن خاف ضرراً أو فوات حق.
-4 - ويكره التطوع بصيام يوم وعليه قضاء فرض.
-5 - ويكره صوم المريض والمسافر والحامل والمرضع والشيخ الكبير، في رمضان وغيره، إذا خافوا مشقة شديدة.
-6 - ويكره صوم يوم الشك 3 ، لقول عمار بن يا سر رضي الله عنهما: "من صام اليوم الذي يشك فيه الناس فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم 4 ، " أما إذا وافق ذلك عادة له في تطوعه، أو من كان عليه صوم نذر أو قضاء، أو كفارة، فلا يكره بحقه.
-7 - وكذا يكره صوم النصف الأخير من شعبان، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا بقي نصف من شعبان فلا تصوموا " 5 ، إلا لورد أو نذر أو قضاء أو كفارة فلا كراهة، وكذا من وصل ما بعد النصف بما قبله ولو بيوم، كأن يصوم يوم النصف، ويستمر صائماً إلى ما بعده، فهذا تجوز له المتابعة.
وأما إذا وصل بما قبله ثن أفطر فيكره له الصوم ثانية بلا سبب.

القسم الرابع: الصَّوْم المحرَّم

  • وهو صوم يومي عيد الفطر وعيد الأضحى، لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الفطر والنحر " 1 . وصوم أيام التشريق 2 وهي اليوم الثاني والثالث والرابع من أيام عيد الأضحى، لحديث نُبَيْشة الهُذَلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله " 3 فإن صام لم يصح صومه.
    ويحرم على المرأة صوم التطوع وزوجها حاضر إلا بإذنه، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه " 4 . ولأن حق الزوج فرض، فلا يجوز تركه بنفل، فإن صامت فالصوم صحيح، وهي آثمة.
    وأما صومها التطوع في غيبة زوجها عن بلدها فجائز، لمفهوم الحديث، ولزوال معنى النهي.

ما يستحب في الصيام:

  • 1 - تعجيل الفطر إن تحقق غروب الشمس، لحديث سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر" 1 . -2 - أن يكون الفطر على رطبات، وإلا فتمرات، وإلا فماء، وتحصل السنة برطبة واحدة، وبالاثنتين، والأكمل بثلاث، لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لن تكن رطبات فتميرات، فإن لم تكن تميرات حسا حسوات من ماء " 2 . -3 - أن يقول عقب الفطر" " اللهّم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت، وبك آمنت، ولك أسلمت، وعليم توكلت، ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله، يا واسع المغفرة اغفر لي، الحمد لله الذي أعانني فصمت، ورزقني فأفطرت، اللهم وفقنا للصيام، وبلغنا فيه القيام، وأعنا عليه والناس نيام، وأدخلنا الجنة بسلام " ذلك لأن الصائم دعاؤه مستجاب، لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن للصائم عند فطره لدعوة ما ترد " 3 . -4 - السحور: لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "تسحروا فإن في السحور بركة " 4 ، ولحديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "استعينوا بطعام السحر على صيام النهار، وبالقيلولة على قيام الليل" 5 . ويحصل السحور بقليل الأكل والشرب، ويخل وقته من نصف الليل، فالأكل قبله ليس بسحور، فلا تحصل به السنة، ويسن تأخيره وتقريبه من الفجر ما يسع قراءة خمسين آية، لما روى زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: "تسحرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم قام إلى الصلاة.
    قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية " 6 هذا ما لم يقع في الشك، لقول حسان بن أبي سنان: "ما رأيت شيئاً أهون من الورع، دع ما يريبك إلا ما لا يريبك " 7 . ومن تسحر ثم شك في بقاء الليل فصومه صحيح، لأن الأصل بقاؤه.
    -5 - يسن الغسل من الحدث الأكبر ليلاً، ليكون على طهارة من أول صومه.
    -6 - يسن الإكثار من تلاوة القرآن ومدارسته 8 . -7 - التوسعة على العيال، والإحسان إلى الأرحام والجيران.
    -8 - الإكثار من الصدقة، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان " 9 . وبصورة عامة يسن فيه الإكثار من أعمال الخير، لأن أجر العمل فيه مضاعف.
    -9 - دعوة الصائمين وتفطيرهم، ولو لم يكونوا فقراء، وأن يأكل معهم، ولو لم يكن صائماً، لأم الصائم مغفور له، فلعل الله عز وجل يغفر لمجالسيه، روى زيد بن خالد الجُهَني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من فطر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً " 10 . فإن لم يقدر على عشائه فطره ولو على تمرة أو شربة ماء أو لبن.
    -10 - يسن الاعتكاف في رمضان، لاسيما في العشر الأخير منه، لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره " 11 . وفي هذا العشر ليلة القدر، وهي من خصوصيات هذه الأمة، باقية إلى يوم القيامة، فيها يفرق كل أمر حكيم، ويستحب أن يطلبها، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه " 12 ، وليالي الوتر من العشر الأخيرة أرجاها، وبخاصة الوتر الحادي والعشرون والوتر الثالث والعشرون، ويقول إن وافقها ما روت عائشة رضي الله عنها قالت: "قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني " 13 ، ويندب لمن رآها إخفاؤها، والعمل في ليلها خير من العمل في نهارها في ألف شهر، وإن كان يندب أن يجتهد في يومها وليلتها.
    وأعلى مراتب إحياؤها، أن يحيي الليل كله، بكل أنواع العبادة، وأوسطها أن يحيي معظم الليل وأدناها أن يصلي العشاء في جماعة، ويعزم على صلاة الصبح في جماعة.
    ولا يختص فضلها بمن اطلع عليها، بل يحصل لمن أحياها وإن لم يطلع عليها، وهي أفضل ليالي السنة بعد ليلة المولد النبوي الشريف، تليها ليلة الإسراء، ثم ليلة عرفة، ثم ليلة الجمعة، ثم ليلة النصف من شعبان.

ما يكره للصائم:

  • 1 - فاحش القول، فينبغي للصائم أن يصون لسانه عن الكذب، والغيبة، والنميمة، ونحو ذلك، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " 1 ولما روى أبو هريرة رضي الله عنه أيضاً قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ... وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم " 2 . -2 - النظر إلى ما يحل التمتع به، كالأزهار من ورد ونرجس وريحان ونحو ذلك، وكذا الشم لأنواع الطيب، لتنكسر في نفسه شِرّة الهوى، ويقوى على التقوى، ولأن في ذلك من الترفه ما لا يناسب حكمة الصوم.
    -3 - الحجامة، لأنها تضعفه، وربما أحوجته إلى الإفطار 3 . -4 - ذوق الطعام إلا لحاجة 4 ، وذلك خشية وصوله إلى حلقه.
    -5 - مضغ العلك الذي ليس له طعم 5 ، لأنه يجمع الريق ويورث العطش.
    أما إذا كان مما يتفتت ويبتلع شيء من أجزائه فهذا يحرم، ويفطر فاعله.
    -6 - ترك القبلة أولى إن لم تحرك شهوة، وإلا حرمت، وضابط تحريك الشهوة إنزال المني، والأصل فيه ما روت عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه " 6 . وعن أبي هريرة رضي الله عنه " أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المباشرة للصائم فرخص له، وأتاه آخر فنهاه، فإذا الذي رخص له شيخ والذي نهاه شاب " 7 . -7 - السواك بعد الزوال، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك " 8 . وكذلك المضمضة في غير وضوء بعد الزوال لشبهها بالسواك.
    -8 - تأخير الفطر لمن قصده، لما روي عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر " 9 . -9 - الاستحمام لغير حاجة 10 إن قدر أنه يحصل منه تأذٍ، وإلا فلا كراهة.
    -10 - يحرم الوصال في الصوم 11 ، وهو من خواص النبي صلى الله عليه وسلم لما روى أبو هريرة رضي الله عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والوصال " مرتين.
    قيل: إنك تواصل.
    قال: "إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني" " 12 . فإن صام فصومه صحيح وهو آثم.

الاعتكاف

  • التعريف به: هو لغة: اللبث، والحبس، والملازمة، والإقامة على الشيء، براً كان أو إثماً، قال تعالى: ﴿ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون﴾ 1 . وشرعاً: إقامة شخص مخصوص في مسجد، على صفة مخصوصة.
    دليله: قوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ 2 . وما روت عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان " 3 . وإجماع المسلمين.
  • حكمه: -1 - سنة مؤكدة لكل أحد، ذكراً كان أو أنثى، في أي وقت من ليل أو نهار، في رمضان أو في غيره، وهو في العشر الأواخر من رمضان أفضل منه في غيره لأجل طلب ليلة القدر، على ما تقدم.
    -2 - واجب في النذر.
    -3 - مكروه لذوات الهيئة من النساء إن أردن الاعتكاف في المساجد، ولو أذن الزوج، خشية الفتنة.
    -4 - حرام على امرأة لم يأذن لها زوجها.
  • أركانه: -1 - النية: لقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنية) . ولأنه عبادة محضة فلم يصح من غير نية كالصوم والصلاة.
    ومحلها القلب، ولا يشترط لفظها باللسان.
    وتجب نية الفرضية في الاعتكاف المنذور، بأن يقول المعتكف: نويت الاعتكاف المفروض، أو فرض الاعتكاف، ويجزئ عن ذلك قوله: نويت الاعتكاف المنذور.
    أما في الاعتكاف المندوب فيكفي أن يقول: نويت الاعتكاف، أو سنة الاعتكاف.
    -2 - اللبث في المسجد حقيقة أو حكماً 1 بمقدار فوق طمأنينة الصلاة؛ فيصح الاعتكاف دقائق معدودات.
    -3 - أن يكون في المسجد، ذكراً كان المعتكف أو أنثى، فلا يصح الاعتكاف في غيره.
    لكن اجتهد بعض الفقهاء، وقالوا بصحة اعتكاف المرأة في بيتها إذا أعدت فيه مكاناً لصلاتها، وقالت هذا مسجدي، ونويت الاعتكاف فيه.
    والاعتكاف في الجامع 2 أفضل منه في المسجد.
    إلا أنه يوجب فيه على من نذر الاعتكاف مدة متتابعة فيها يوم الجمعة، وهو ممن تلزمه الجمعة، ولم يشترط حين نذر أن يخرج من الاعتكاف لها، فعندئذ يجب عليه الاعتكاف في الجامع دون المسجد لكي يتمكن من أداء فريضة الجمعة، ولو خرج لأجلها بطل التتابع وعليه إعادة الاعتكاف.
    ومن عين في نذره مسجداً فإنه لا يتعين، ويكفيه أن يعتكف في أي مسجد غيره، إلا المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى، إذا عين أحدها تعين، ويقوم بعضها مقام بعض على حسب الترتيب في الفضل، فلو نذر الاعتكاف في المسجد الأقصى فإنه يصح اعتكافه فيه، أو في المسجد النبوي الشريف، أو في المسجد الحرام لمزيد فضلهما عليه.
    كما لو نذر في المسجد النبوي الشريف، فإنه يصح فيه وفي المسجد الحرام.
    أما لو عكسنا الترتيب فإنه لا يصح، ويتعين عليه ما عينه، فلو نذر في المسجد الحرام تعين ولا يصح في المسجد النبوي الشريف ولا الأقصى، وكذلك لو عين في المسجد النبوي الشريف فلا يصح في المسجد الأقصى، لحديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه " 3 .
  • أما شروط المعتكف فثلاثة: -1 - الإسلام: ابتداء ودواماً، فلا يصح اعتكاف من كافر، لأنه من فروع الإيمان، ومن ارتد وهو معتكف بطل اعتكافه.
    -2 - العقل - التمييز - ولا يشترط البلوغ، فيصح اعتكاف الصبي دون المجنون، لأنه ليس من أهل العبادة كالكافر.
    -3 - الطهارة من الحدث الأكبر، حيضاً أو نِفاساً أو جنابة، لأن مكث الحائض والنفساء والجنب في المسجد معصية، ولو طرأ الحيض أو الجنابة أثناء الاعتكاف، وجب على المعتكف الخروج من المسجد فوراً.
  • متى يجب تحديد نية الاعتكاف ومتى لا تجب: -1 - إذا كان الاعتكاف غير محدد بمدة، وخرج من المسجد دون العزم على العودة، انقطع الاعتكاف، وعليه تجديد النية إن أراد اعتكافاً ثانياً.
    أما إن وجد العزم على العودة، وخرج لعذر، فلا حاجة إلى تجديد للنية.
    -2 - أما إذا كان محدداً بمدة مطلقة، دون نية التتابع، فإن خرج لقضاء الحاجة، فلا يلزمه تجديد النية عند العودة، أما إن خرج لغير ذلك ثم عاد فعليه تجديد النية.
    -3 - إن حدد الاعتكاف بمدة شرط فيها التتابع، فإن كان الخروج لعذر لم يجدد النية عند العودة.
  • والأعذار التي لا تقطع التتابع هي: -1 - الخروج من المسجد لأكل، أو شرب إن لم يتوفر في المسجد، أو لبول أو غائط، أو لغسل جنابة، لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: "وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخل علي رأسه وهو في المسجد فأرجّله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفاً " 1 . لكن لا تجوز له الإقامة بعد فراغه من قضاء حاجته، لعدم الحاجة إلى ذلك.
    -2 - الخروج من المسجد إلى المنارة المنفصلة عنه للأذان، إن كان المعتكف مؤذناً راتباً ألف الناس صوته، وألف هو صعود المنارة، وإلا بطل اعتكافه.
    -3 - خروج المعتكف لإقامة حد ثبت عليه بغير إقراره.
    -4 - خروج المرأة لأجل عدة ليست بسببها.
    -5 - الخروج لأداء شهادة تعين عليه تحملها وأداؤها.
    (6) الخروج من المسجد لمرض شق عليه معه لبث فيه، كأن يحتاج إلى من يخدمه، أو طبيب يعالجه، أو خشي تلويث المسجد إن كان مصاباً بإسهال أو إقياء.
    أما المرض الخفيف كصداع أو حمى خفيفة فلا يعتبر عذراً للخروج من المسجد.
    (7) الخروج من المسجد لحيض، إذا كانت مدة الاعتكاف لا تخلو غالباً، بأن كانت تزيد على خمسة عشر يوماً.
    (8) الخروج من المسجد لإغماء، وإذا لبث المغمى عليه في المسجد حسبت له مدة إغمائه من الاعتكاف، بخلاف الجنون، فلا تحسب مدته من الاعتكاف لفقدان أهلية العبادة.
    (9) خروجه مكرهاً بغير حق، أو ناسياً، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " 2 . وكل عذر ليس قاطعاً للتتابع، يجب العود عند الفراغ منه بلا تجديد للنية، ولو أخر انقطع التتابع، وتعذر البناء، ووجب عليه الاستئناف بنية جديدة.
    ويجب قضاء الأوقات المصروفة إلى غير قضاء الحاجة دون المصروفة له وللذهاب إليه والمجيء منه.
  • ما يبطل الاعتكاف: -1- الجماع مختاراً، ذاكراً للاعتكاف، عاملاً بالتحريم، ويبطل الجماع سواء كان في المسجد أو غيره، لقوله تعالى: ﴿ولا تباشرونهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ 1 . -2 - مباشرة المعتكف بشهوة.
    أما غير المصحوبة بها فلا تبطل.
    -3 - الردة، والسكر إن وجد التعدي به، وكذلك الجنون والإغماء إن وجد التعدي بهما، والجنابة إن لم يبادر إلى التطهر، أما إن بادر فلا يبطل اعتكافه.
    -4 - الحيض والنفاس إذا كانت مدة الاعتكاف تخلو عنهما غالباً.
    -5 - تعمد الخروج من المسجد لغير عذر، لحديث عائشة رضي الله عنها المتقدم، وفيه: "وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفاً "، ولأن الاعتكاف هو اللبث في المسجد، فإذا خرج فقد فعل ما ينافيه بلا عذر، فبطل، كالأكل في الصوم.
    -6 - عدم العودة إلى المسجد، مع التمكن منها، إذا خرج لعذر ثم زال ذلك العذر.
    ومعنى البطلان أن زمن ذلك لا يحسب من الاعتكاف، فإذا زال جدد النية، وبنى على ما مضى إن كان مقيداً بمدة من غير تتابع، أما إن كان مقيداً بمدة وتتابع أبطله، وخرج منه، ووجب الاستئناف.
    وإن كان مطلقاً، فمعنى البطلان أنه انقطع استمراره ودوامه، ولا بناء ولا تجديد نية، وما مضى داخل في الحساب، وحصل به الاعتكاف.
    ولا يضر بالاعتكاف التطيب ولا الاغتسال ولا قص الشارب ولا الترجل، ولا لبس ما يلبسه في غير الاعتكاف ولا الزواج والتزويج.
    وللمعتكف أن يأكل ويشرب ويكتب، ولا يكره الإكثار من كتابة العلم وتعليمه وقراءة القرآن، لأن كل ذلك طاعة، وله كذلك البيع والشراء والحديث المباح، فإن أكثر كره لأن المسجد منزه عن أن يتخذ موضعاً للبيع والشراء.
فصول الكتاب · 8 فصل · 500 صفحة
جارٍ التحميل