كتاب الصلاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- درية العيطة
- الكتاب
- فقه العبادات على المذهب الشافعي
- المؤلف
- الحاجة درية العيطة [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]
شروط وجوب الجمعة:
- 1 - الإسلام والبلوغ والعقل 1 . أما الصبي غير البالغ فتستحب له.
-2- الحرية الكاملة، يخرج بذلك المُبَعَّض 2 فلا تجب عليه، ولا على العبد، وإن استحب لسيديهما أن يأذنا لهما فيها، وحينئذ يستحب لهما حضورها، ولا يجب.
-3- الذكورة، فلا تجب على المرأة، لكن إن صلتها أجزأت عن الظهر كالرجال.
-4- الصحة، فلا تجب على المريض المرخص له بترك الجماعة، سواء فاتت الجمعة على أهل القرية بتخلفه، لنقصان العدد، أم لا، وذلك إن لم يحضر مكان إقامتها، لحديث طارق، ابن شهاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الجمعة حق واجب على كل مسلم، في جماعة، إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض) 3 . والمرض المسقط للجمعة هو الذي يلحق صاحبه بذهابه إليها مشقة ظاهرة غير محتملة.
فإن كان في مكان إقامتها ودخل وقتها، ولم يزد ضرره بانتظار فعلها، أو أقيمت الصلاة وهو حاضر فعندئذ تجب عليه، لأنه إنما لم تجب عليه للمشقة، وتد زالت بالحضور.
ولا ينصرف بعد تحرمه إلا لأمر شديد جدا.
أما قبل دخول وقتها فله أن ينصرف ولو أمن الضرر بعد دخول الوقت، على أنه إن تكلف المشقة وحضر كان أفضل.
-5- الإقامة، ويخرج بذلك المسافر سفرا مباحا، ولو قصيرا، لاشتغاله بأسباب السفر، فإن نوى إقامة أربعة أيام غير يومي الدخول والخروج لزمته بلا خلاف.
ويحرم على من تلزمه الجمعة السفر بعد فجر يومها، إلا إذا أمكنه فعلها في مقصده أو طريقه، أو كان يلحقه ضرر بتخلفه عن رفقته.
-6- تجب الجمعة على من بلغه نداء صيت 4 من طرف موضع الجمعة مع سكون الريح والصوت، وهو مستمع، لحديث عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الجمعة على كل من سمع النداء) 5 .
شروط صحة الجمعة:
- أولا - أن تقع الصلاة كلها مع الخطبة في وقت الظهر، لحديث أنس رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلى الجمعة حين تميل الشمس" 1 . وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: "كنا نجمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتبع الفيء" 2 . فلو خطب قبل دخول الوقت لم تصح، لأن الجمعة ردت إلى ركعتين بالخطبة، فإذا لم تجز الصلاة قبل الوقت لم تجز الخطبة.
وإذا ضاق وقت الصلاة، ورأى الإمام أنه إن خطب خطبتين خفيفتين، وصلى ركعتين لم يذهب الوقت لزمتهم الجمعة، وإن رأى أنه لا يمكنهم ذلك صلى الظهر.
ولو شكوا في خروج وقتها، فإن كانوا لم يدخلوا فيها لم يجز الدخول فيها، لأن شرطها الوقت ولم يتحققه، فلا يجوز الدخول مع الشك في الشرط.
وإن دخلوا فيها في وقتها ثم شكوا قبل السلام في خروج الوقت أتموها جمعة لأن الأصل بقاء الوقت وصحة الفرض ولا تبطل بالشك، وكذا إذا صلوا ثم شكوا بعد فراغها هل خرج وقتها فبل الفراغ منها فإنهم تجزئهم الجمعة لأن الأصل بقاء الوقت.
أما إذا شرعوا فيها في وقتها، ثم خرج الوقت قبل التسليمة الأولى فتفوت الجمعة وعليهم إتمامها ظهرا، ويسرون فيها من حينئذ، وتجزيهم، ولا يحتاج إلى نية الشر لأنهما صلاتا وقت واحد فجاز بناء أطولهما على أقصرهما، كالمسافر إذا نوى القصر ثم لزمه الإتمام بإقامة أو غيرها.
ولو مد الإمام الركعة الأولى حتى تحقق أنه لم يبق ما يسع الثانية أتمها ظهراً بلا تجديد نية، وانقلب ما صلى ظهراً من حين تحققه ولو لم يخرج الوقت بعد.
ولا تقضى جمعة على صورتها بعد فوات وقت الظهر، ولو في يوم جمعة أخرى، ولكن من فاتته لزمته الظهر.
ثانيا - أن تقام في أبنية مجتمعة يستوطنها من تنعقد بهم الجمعة، من خطة بلد أو قرية مبنية ولو بالخشب أو القصب، ولو لم تكن في المسجد، كأن تكون في فناء معدود من خطة البلد.
فإذا صليت خارج البلد لم تصح بلا خلاف لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) ولم يصل هكذا.
وإذا انهدمت البلد أو القرية وأقاموا لعمارتها، ولو في غير مظال وسقائف صحت جمعتهم فيها لأنها وطنهم، بخلاف ما لو نزلوا مكانا ليعمروه قرية فإن جمعتهم لا تصح فيه قبل البناء.
ولا تصح الجمعة في خيام الأعراب، وبيوتهم، وتجب عليهم الجمعة إن سموا النداء من محلها وإلا فلا، لأن الأعراب كانوا مقيمين حول المدينة المنورة ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بها لكونهم لا يسمعون النداء.
وشرط البلد أو القرية أن يسكنها الأربعون الذين تجب عليهم الجمعة، بحيث لا يظعنون عنها صيفا ولا شتاء إلا لحاجة.
ثالثا - ألا يسبقها أو يقارنها في تحرمها جمعة أخرى في محلها، أي في نفس البلد أو القرية لأن الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين لم يقيموا سوى جمعة واحدة، والاقتصار على واحدة أظهر لشعار الاجتماع واتفاق الكلمة، إلا إذا عسر اجتماعهم بأن كبرت البلدة التي تقام فيها الجمعة وليس فيها مكان واحد يستوعب جماعتها بلا مشقة، مسجدا كان المكان أو غيره، فحينئذ يجوز تعددها بحسب الحاجة، أما إذا تعددت لغير حاجة، وعلمت السابقة منها فهي الصحيحة وما بعدها باطل يجب على أهلها أداء فريضة الظهر في الوقت، وأما إذا تقارنت في جميع الأمكنة فجميعها باطلة.
والعبرة في السبق والمقارنة بالراء من تكبيرة إحرام الإمام.
وإن علم السبق ولم يعرف السابق، أو علم السابق ثم نسى فتجب صلاة الظهر على الجميع لالتباس الصحيحة بالفاسدة.
وإن علمت المقارنة، أو لم يعلم هل حصل سبق أو مقارنة أعيدت الجمعة مجتمعين إن اتسع الوقت لعدم وقوع جمعة مجزئة، ويفضل، احتياطا، وخروجا من مخالفة من منع التعدد ولو لحاجة، نقول، يفضل لمن صلى ببلد تعددت الجمعة فيه لحاجة أن بعيدها ظهرا 3 . ويصلى الظهر بعد الجمعة غير المجزئة جماعة.
رابعا - الجماعة: فلا تصح فرادى، ويشترط أن يكون العدد في جماعة الجمعة أربعين عند الإحرام بما فيهم الإمام، كلهم لا ممن تنعقد بهم الجمعة 4 . ويشترط بقاء العدد كاملا من أول الخطبة إلى انقضاء الصلاة، فإن انفضوا في أثناء الخطبة لم يعتد بالركن المفعول في غيبتهم بلا خلاف، فإن عادوا قريبا عرفا وجبت إعادة الركن الذي لم يحضروه دون الاستئناف، وإن عادوا بعد فصل طويل عرفا 5 وجب الاستئناف لانتفاء الموالاة.
ولو نقصوا في الصلاة بطلت لاشتراط اكتمال العدد فيها أربعين.
وإن زاد العدد على الأربعين صح أن يكون الإمام فيها عبدا أو مسافرا أو صبيا مميزا.
خامسا - خطبتان قبل الصلاة، يجلس بينهما، لما روى جابر بن سمرة رضي الله عنه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائما) 6 . ولأن الخطبة إنما قصرت لأجل الخطبة فإذا لم يخطب رجع إلى الأصل. - شروطهما:
-1- اكتمال العدد الذي تنعقد به الجمعة.
-2- كونهما في وقت الظهر، قبل الصلاة، فلو خطب الخطبتين أو بعضهما قبل الزوال ثم صلى بعدهما لم يصح، ولو صلى قبل الخطبتين لم يصح لأنهما شرط لصحة الصلاة، ومن شأن الشرط أن يقدم.
-3- طهارة الخطيب من الحدثين.
فلو خطب جنبا لم يصح لأن القراءة في الخطبة واجبة، ولا تحسب قراءة الجنب.
ولو لم يعلم حاضرو الجمعة جنابته ثم علموا بعد فراغها أجزأتهم.
وإن أحدث أثناء الخطبة وجب الاستئناف، ولا يجوز البناء بنفسه، ولو تطهر عن قرب، لأنها عبادة واحدة فلا تصح أن تؤدى بطهارتين، فإن أناب حين أحدث فللنائب أن يبنى على ما فعله الأول، أما لو أحدث بين الخطبتين والصلاة وتطهر عن قرب صح ذلك ولا يضر.
-4- الطهارة من الخبث في الثوب والبدن والمكان، وكذا ما يحمله الإمام من سيف أو عكاز، والمنبر كذلك.
فإن كانت النجاسة تحت قدميه أو يديه ضر مطلقا، ولو بان الإمام ذا نجاسة خفية بعد الخطبة لم يضر.
-5- كون الخطيب مستور العورة لأن الخطبتين بمنزلة ركعتين.
-6- القيام مع القدرة لحديث جابر بن سمرة رضي الله عنه المتقدم، فإن عجز استحب له أن يستخلف، فإن خطب قاعدا للعجز، أو مضطجعا إن عجز عن الجلوس، أو مستلقيا إن عجز عن الاضطجاع جاز بلا خلاف، كالصلاة، فإن بان أنه كان قادرا على القيام صحت صلاتهم إن تم العدد دونه، وإن نقص لم تصح، ولا تصح صلاته هو على التقديرين.
-7- إسماع العدد الذي تنعقد به الجمعة 7 لقول جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في وصف خطبته صلى الله عليه وسلم: "وقد علا صوته ... " 8 ، فلا يجزئ الإسرار، ولا حضورهم بلا سماع لصمم أو بعد أو نوم.
-8- كونهما بالعربية، ومحل اشتراط العربية أن يكون في القوم عربي، وإلا أجزأت بالعجمية إلا الآية فلا بد فيها من العربية.
ويجب أن يتعلم واحد من القوم العربية، فإن لم يتعلم واحد منهم أثموا جميعهم، ولا تصح جمعتهم مع القدرة على التعلم.
-9- الموالاة بين كلمات كل من الخطبتين، وبين الخطبتين، وبين الخطبة الثانية والصلاة.
فلو فرق ولو لعذر كنوم أو إغماء بطلت.
-10- الجلوس بينهما جلوسا خفيفا بقدر الطمأنينة، لحديث جابر بن سمرة رضي الله عنه المتقدم، ويستحب أن يجعل بقدر سورة الإخلاص، وأن يقرأها فيه، فإن خطب قاعدا للعجز وجب أن يفصل بينهما بسكتة، ولا يجوز أن يضطجع. - فروضهما:
- 1 - حمد الله تعالى ولو ضمن آية، كأن يقول: ﴿الحمد لله الذي خلق السموات والأرض﴾ إذا قصد الذكر، أما إن قصد قراءة الآية، أو الآية والذكر، أو أطلق، أجزأت عن الآية ولم تجزئ عن حمد الله تعالى، قال جابر بن عبد الله رضى الله عنهما: "كانت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يحمد الله ويثنى عليه ثم يقول على إثر ذلك وقد علا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش، يقول صبحكم ومساكم، ويقول: (بعثت أنا والساعة كهاتين) ، ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى ويقول: (أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة) ، ثم يقول: (أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالا فلأهله، ومن ترك دَيْناً أو ضياعأ فإلَىَّ وعَلَىَّ) " 9 .
-2- الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وتندب الصلاة على الآل والصحب.
ويجب الترتيب بأن تكون الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد حمد الله.
-3- الوصية بالتقوى، لحديث جابر رضي الله عنه، ولأنها المقصود الأعظم من الخطبة، ولا يتعين لفظ الوصية بل يجزئ قول الإمام: أطيعوا الله، أو اتقوا الله.
ولا يكفي الاقتصار فيها على التحذير من غرور الدنيا وزخارفها لأن ذلك قد يتواصى به منكرو الشرائع، بل لا بد من الحث على الطاعة والتحذير من المعصية.
-4- قراءة آية مفهمة 10 في إحداهما، والأفضل أن تكون في الأولى لتقابل الدعاء في الثانية فيكون في كل خطبة أربع فرائض، ويسن أن يقرأ سورة ق لما روي عن أم هشام بنت حارثة ابن النعمان رضي الله عنها قالت: " ... وما أخذت ق والقران المجيد إلا عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس" 11 . فإن لم يحسن شيئا من القران أتى ببدل الآية ذكرا أو دعاء، فإن عجز وقف بقدرها.
-5- الدعاء للمؤمنين والمؤمنات في الثانية، فلو أتى به في الأولى لم يعتد به، وإذا خص الحاضرين فقط صح ذلك، لكن الأكمل أن يشمل في دعائه كل المؤمنين والمؤمنات.
ولا يسن الدعاء للسلطان بعينه، بل إن ذلك مكروه عند الشافعي، ولا يجوز وصف السلطان بما ليس فيه، ويسن الدعاء لأئمة المسلمين وولاة الأمور بالصلاح والإعانة على الحق والقيام بالعدل. - سنن الخطبتين:
- أن تكونا على منبر للأحاديث الصحيحة الكثيرة فيه، من ذلك ما قال أنس رضي الله عنه: "خطب النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر" 12 . والسنة أن يكون المنبر ذا ثلاث درجات، فإن لم يكن فعلى مرتفع.
وأن يسلم عند دخوله المسجد، وأن يقبل عليهم إذا صعد المنبر وانتهى إلى الدرجة التي تسمى بالمستراح، ثم يسلم عليهم ثانية لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دنا من منبره يوم الجمعة سلم على من عنده من الجلوس، فإذا صعد المنبر استقبل الناس بوجهه ثم سلم" 13 . ثم يجلس يستريح فيؤذن واحد منهم لحديث السائب بن يزيد رضي الله عنه قال: "كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما" 14 . ويسن أن تكون الخطبة فصيحة جزلة، قريبة من الفهم، متوسطة لا طويلة مملة ولا قصيرة مخلة لحديث جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: "كنت أصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات فكانت صلاته قصداً وخطبته قصداً" 15 . ويسن للخطيب أن يعتمد على نحو عصا بيسراه، وعلى المنبر بيمناه، ويكره التفاته في الخطبة، وأن يرفع يديه يشير بهما إلا إذا كانت له عادة، أو من أجل بث الحماسة في النفوس، لحديث عمارة بن رُؤيبة رضي الله عنه قال: "رأى بشر بن مروان على المنبر رافعا يديه فقال: قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بإصبعه المسَبِّحة" 16 . كما يسن له أن يبادر بالنزول عقب الانتهاء، ويكره دق درج المنبر.
ويسن أن يقرأ في الصلاة سورة الجمعة في الركعة الأولى وسورة المنافقون في الركعة الثانية، أو سورة الأعلى في الأولى والغاشية في الثانية، وتكون القراءة جهرا.
ما يسن عمله ليلة الجمعة ويومها:
- 1 - قراءة سورة الكهف، لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين) 1 .
-2 - الإكثار من الدعاء، لأن في يومها ساعة إجابة، عن أبي هريرة رضي الله عنه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة فقال: (فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلى يسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه إياه) ، وأشار بيده يقللها" 2 .
-3 - الإكثار من الصدقة وفعل الخير، ومن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، لما روى أوس بن أوس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة ... فأكثروا علي من الصلاة فإن صلاتكم معروضة علي) 3 .
-4- الغسل لمن أراد المجيء إلى الجمعة، ذكراً كان أو أنثى، حرا أو عبدا، مقيما أو مسافرا، بخلاف من لم يرد حضورها فلا يسن له الغسل لقول ابن عمر رض الله عنهما: "إنما الغسل على من تجب عليه الجمعة" 4 . وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لعثمان رضي الله عنه: "ألم تسمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل) " 5 . وبهذا يبدو الفرق بين غسل الجمعة وغسل العيدين، فالقصد من غسل الجمعة التنظف ودفع الأذى عن الناس، أما القصد من غسل العيد فالزينة وإظهار السرور، لذا لم يختص بمن يريد حضور صلاة العيد.
ووقت الغسل ما بين طلوع الفجر إلى أن يدخل في الصلاة، فإن اغتسل قبل طلوعه لم يجزئه لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم) 6 فعلقه على اليوم.
ويسن تأخيره إلى الرواح للمسجد، لأنه إنما يراد لقطع الروائح فإذا فعله عند الرواح كان أبلغ في المقصود.
ويفوت وقته إذا أخر إلى بعد الصلاة لما ذكرنا من مقصوده، أما غسل العيد فتحصل به السنة ولو بعد الصلاة لأن القصد التزين ليوم العيد كما مر.
وإذا تعارض الغسل مع التبكير قدم الغسل عليه لأنه قد قيل بوجوبه في بعض المذاهب.
وإن عجز عن الغسل تيمم بنية الغسل فيقول: نويت التيمم بدلا عن غسل الجمعة، لأن المقصود من الغسل النظافة والعبادة، فإن فاتت النظافة بعدم الغسل بقيت العبادة بالتيمم، ولأن الشرع أقام التيمم مقام الغسل عند العجز.
-5 - أخذ الظفر إن طال، ونتف الإبط، وقص الشارب، وحلق العانة، ودليلها الندب العام إليها 7 . -6 - الاستياك.
-7 - تنظيف الثياب، ولبس أحسن ما عنده منها، والأكمل البيض، فإن لم تكن كلها فأعلاها لحديث سمرة بن جندب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البسوا من ثيابكم البياض، فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم) 8 . أما الإمام فيسن له أن يزيد في الزينة وتحسين الهيئة للاتباع، ولأنه منظور إليه.
-8 - التطيب بأحسن ما وجد من الطيب 9 .
ويسن لحاضر الجمعة:
- 1 - التبكير: لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من اغسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة 1 ، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة.
فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر) 2 . ويستحب أن يمشى إليها وعليه السكينة والوقار، غير راكب إلا لعذر، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون عليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) 3 . إلا الإمام فيسن له التأخير لتهيئة الخطبة.
-2- ويستحب إن حضر قبل الخطبة أن يشتغل بذكر الله تعالى والتنفل، فإذا جلس الإمام حرم التنفل، ولا تنعقد الصلاة المتنفل بها ولو لم يشرع في الخطبة، ومثل ذلك في الحرمة وعدم الانعقاد الصلاة حال جلوس الخطيب بين الخطبتين، لما روي عن ثعلبة بن أبي مالك رضي الله عنه "أن قعود الإمام يقطع السبحة وأن كلامه يقطع الكلام" 4 . ويستثنى من ذلك تحية المسجد للداخل بعد جلوس الخطيب على المنبر، فله فعلها، بل يسن، ويجب تخفيفها والاقتصار على ركعتين لما روى جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما) 5 . هذا ما لم يكن الإمام في آخر الخطبة فلا يفعل لئلا يفوته أول الصلاة مع الإمام.
-3 - الدنو من الإمام لحديث أوس بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من اغتسل يوم الجمعة وغسل، وبكر وابتكر، ودنا واستمع وأنصت، كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة صيامها وقيامها) 6 . -4 - الإنصات في الخطبة بترك الكلام والذكر للسامع مع الإصغاء، وبترك الكلام دون الذكر لغير السامع، لقوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القران فاستمعوا له وأنصتوا) 7 ، نزلت هذه الآية في الخطبة، وإنما سميت الخطبة قرآنا لاشتمالها عليه.
ومعنى الآية محمول على الندب لا على تحريم الكلام، بدليل ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "أتى رجل أعرابي من أهل البدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، فقال: يا رسول الله هلكت الماشية، هلك العيال، هلك الناس.
فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه يدعو، ورفع الناس أيديهم معه يدعون ... " 8 . وعليه، يجب رد السلام، وإن كره ابتداؤه، ويسن تشميت العاطس، ورفع الصوت بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند قراءة الخطيب: {إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ 9 ، وكذا عند ذكر اسمه ولو من غير الخطيب.
أما في سوى ذلك فالصمت مستحب لما ذكرنا من قوله تعالى، ولحديث أيي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصا فقد لغا) 10 .
ما يكره لحاضر الجمعة:
- 1 - تخطي الرقاب: لما روى عبد الله بن بسر رضي الله عنه قال: "كنت جالسا إلى جانبه يوم الجمعة.
فقال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أي، اجلس فقد آذيت) " 1 . إلا الإمام إذا لم يجد طريقا إلى المنبر أو المحراب إلا بالتخطي لم يكره، لأنه ضرورة، أو رجل صالح، يتبرك به، أو عظيم، ولو في الدنيا، يسر الناس بمروره، لزوال علة الكراهة التي هي التأذي.
ومن وجد فرجة لا يصلها إلا بالتخطي فله ذلك، وكذا إذا سبق الصبيان والعبيد، ثم حضر المكلفون بالجمعة، ولم يسمعوا الخطبة من حيث انتهى بهم المجلس أول مرة فلهم التخطي للسماع.
-2 - تشبيك الأصابع أثناء الخطبة لقوله صلى الله عليه وسلم من رواية أبي هريرة رضي الله عنه: (فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة) 2 ، ولحديث عن كعب بن عجرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدا إلى المسجد، فلا يشبكن بين أصابعه فإنه في صلاة) 3 . -3 - الاحتباء 4 أثناء الخطبة، لما روى سهل بن معاذ عن أبيه "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب" 5 .
إدراك الجمعة:
- من دخل والإمام في الصلاة أحرم بها مهما أدرك منها، فإن أدرك معه الركوع في الثانية بحيث اطمأن قبل رفع الإمام عن أقل الركوع فقد أدرك الجمعة.
وإن لم يدرك معه ركعة كاملة لم يدرك الجمعة فيتمها ظهرا.
ولو أدركه في الركوع، ثم شك هل سجد مع الإمام سجدة أو سجدتين، فإن كان ذلك قبل السلام سجد أخرى وأدرك الجمعة، وإن كان بعده سجد أخرى، وأتمها ظهرا، ولا تحصل الجمعة.
ولو أدرك ركعة مع الإمام ثم سلم الإمام، وأتى بركعته الأخرى، فلما جلس للتشهد شك هل سجد مع الإمام سجدة أم سجدتين لم يكن مدركا للجمعة، وتحصل له ركعة من الظهر ويأتي بثلاث ركعات.
أعذار الجمعة والجماعة:
- 1 - المطر إن بل ثوبه ولم يجد كنّاً، وشدة الريح بالليل، والبرد والوحل، والحر في الظهر لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر يقول: ألا صلوا في الرحال" 1 . وعن عبد الله بن حارث قال: "خطبنا ابن عباس في يوم ذي رَدْغ 2 فأمر المؤذن لما بلغ حي على الصلاة قال: قل الصلاة في الرحال.
فنظر بعضهم إلى بعض فكأنهم أنكروا، فقال: كأنكم أنكرتم هذا، إن هذا فعله من هو خير مني - يعني النبي صلى الله عليه وسلم - إنها عزمة 3 وإني كرهت أن أحرجكم" 4 . -2 - المرض الذي يشق معه الحضور.
وتمريض من لا متعهد بتمريضه غيره، وإشراف قريب له أو شخص يأنس به على الموت لما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما "أن سعيد بن زيد، وكان بدريا، مرض في يوم جمعة، فركب إليه بعد أن تعالى النهار واقتربت الجمعة، وترك الجمعة" 5 . -3 - الخوف على نفسه من عدو، وعلى عرضه أو ماله، والخوف من انقطاع عن رفقة يريد السفر المشروع معهم.
لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر) . قالوا: وما العذر؟ قال: (خوف أو مرض، لم تقبل منه الصلاة التي صلى) " 6 . -4 - ملازمة غريمه إذا خرج إلى الجماعة، وهو معسر.
-5 - رجاء رفع عقوبة عنه.
-6 - مدافعة الحدث.
-7 - فقد ما يليق به لبسه.
-8 - غلبة النوم.
-9 - شدة الجوع والعطش، لحديث ابن عمر رضى الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كان أحدكم على الطعام فلا يعجل حتى يقضى حاجته منه، وإن أقيمت الصلاة) 7 . -10 - أكل منتن نيء إن لم يمكنه إزالة ريحه، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من كل هذه البَقْلة، فلا يقربن مساجدنا حتى يذهب ريحها) 8 يعني الثوم.
-11 - تجهيز ميت.
-12 - أن يحلف عليه غيره ألا يخرج خوفا عليه.
-13 - فقد الأعمى لمن يقوده، لحديث عِتبان بن مالك رضي الله عنه "أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إنها تكون الظلمة، والسيل، وأنا رجل ضرير البصر، فصل يا رسول الله في بيتي مكانا أتخذه مصلى، فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أين تحب أن أصلي؟) ، فأشار إلى مكان من البيت، فصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم" 9 . فإن وجد متبرعاً لزمته، وكذلك لو وجده بأجرة المثل وهو واجدها.
وفائدة الأعذار سقوط الإثم في حال وجودها.
فإن كانت أمنيته أن يحضرها لولا العذر كتب له فضلها لحديث أبي بردة قال: "سمعت أبا موسى مرارا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا) " 10 . وللمعذور في ترك الجمعة، المتوقع زوال عذره ووجوب الجمعة عليه، أن يصلى الظهر قبل الجمعة، لكن الأفضل تأخيرها إلى اليأس من الجمعة لاحتمال تمكنه منها، ويحصل اليأس برفع الإمام رأسه من ركوع الثانية.
أما من لا يرجو زوال عذره فيستحب له تعجيل الظهر في أول الوقت محافظة على فضيلته أول الوقت.
وإذا صلى المعذور ثم زال عذره، وتمكن من الجمعة أجزأه ظهره ولا تلزمه الجمعة، لأن فرض المعذور الظهر، ثم هو مخير بين الظهر والجمعة؛ فإن صلى الظهر صحت وإن صلى الجمعة أجزأته عن الظهر.
ولا تصح صلاة الظهر من الرجال غير المعذورين حتى يحصل لهم اليأس من إدراك الجمعة، ويكون ذلك برفع الإمام رأسه من ركوع الثانية.
أما النساء فصلاتهن صحيحة من أول الوقت لأنهن غير مكلفات بالجمعة أصلا.
الباب الثامن: صلاة المسافر (القصر والجمع)
الفصل الأول: قصر الصلاة
- القصر هو صلاة الظهر والعصر والعشاء، ركعتين ركعتين.
دليله:
- قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم 1 في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ 2 . سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: (إن خفتم) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته) 3 ، أي أن القصر ليس من شرطه وجود الخوف.
وروى يحيى بن أبي إسحاق قال: سمعت أنساً رضي الله عنه يقول: "خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة" 4 .
الحكمة من القصر:
- التخفيف على المسافر لما يلحقه من المشقة.
أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم نومه وشرابه، فإذا قضى أحدكم نهمته فليعجل إلى أهله) 1 .
حكم القصر:
-1- مباح: إذا كان السفر مرحلتين إلى دون الثلاث.
لما روي عن مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما كان يقصر الصلاة في مثل ما بين مكة والطائف، وفي مثل ما بين مكة وعسفان، وفي مثل ما بين مكة وجدة.
قال مالك: وذلك أربعة بُرد 1 .
لكن الإتمام أفضل خروجا من خلاف أبي حنيفة وغيره ممن لا يبيحون القصر إلا إذا كان السفر ثلاث مراحل فأكثر.
كما يستحب الإتمام لمن يديم السفر بأهله في البحر.
-2- سنة مؤكدة:
أ- إذا كان السفر ثلاث مراحل فأكثر، من 121 كم فأكثر.
لما روي عن عائشة رضي الله عنها "أنها اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قالت يا رسول الله بأبي أنت وأمي، قصرتَ وأتممتُ، وأفطرتَ وصمتُ، قال.
قال: (أحسنت يا عائشة) ، وما عاب عليّ" 2 .
ب- إذا وجد في نفسه كراهة القصر يقصر ليرغم نفسه على الحكم الشرعي.
-3- واجب مع الجمع: في حالة تأخير الظهر لوقت العصر بنية الجمع، وتأخير الصلاة إلى أن يبقى من الوقت ـ وقت العصر ـ ما يسع أربع ركعات فقط.
شروط جواز القصر:
أولا- التلبس بالسفر بمفارقة موضع الإقامة، فلا يكفي جرد العزم عليه، لقوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ فعلق القصر على الضرب.
ولا فرق في ذلك بين أن يكون وقت الصلاة قد دخل بدء سفره أو بعده ولا بين أن يكون قد مضى بعد دخول الوقت زمن يتمكن فيه من فعلها قبل سفره.
ويكون الجواز من ابتداء السفر، ويبدأ السفر منذ الخروج من السور في بلد أو قرية مسورة، أو ما يقوم مقام السور من لوحات توضع على حدود المدينة أو البلدة، وسواء كان داخل السور بساتين ومزارع أم لم يكن، وسواء كان خارج السور دور ومقابر متصلة به أم لا أو من مجاوزة العمران وإن تخلله خراب، والخراب المهجور أو المزروع أو الدارس ـ بحيث لم يبق للعمران فيه أثر ـ لا يعتبر من العمران ولا يشترط تجاوز البساتين والمزارع وإن اتصلت بالبلدة أو القرية التي سافر منها.
وإذا كان سفره بحرا يبدأ السفر من بدء ركوب السفينة.
وابتداؤه لساكن الخيام بمجاوزة الخيام كلها مجتمعة، ومرافقها 1 إذا كانت الخيام حلة واحدة.
فإن كانت متفرقة فبمجاوزة ما يقرب من خيمته.
وينتهي السفر:
-1- ببلوغه مبدأ سفره من سور وغيره
-2- ببلوغ سور موضع، أو ما يقوم السور، إن نوى قبله الإقامة في هذا الموضع مطلقا، أو نوى إقامة أربعة أيام صحيحة سوى يومي الدخول والخروج، لحديث العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا) 2 ، فقد رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للمهاجر في إقامة الثلاثة بين أظهر الكفار، وكانت الإقامة عندهم محرمة، فالترخيص يدل على أنه بالثلاث لا يصير مقيما.
أما إذا لم ينو قبل ذلك فينتهي سفره بإقامته، أو بنزوله وترك سيره.
-3- وإذا وصل إلى موضع يقصد فيه حاجة يرجو فيه حاجة يرجو قضاءها في كل يوم فلا يتيسر له فيتأخر إلى ما بعده رجاء قضاءها، وهو لا يعلم أن قضاءها يتأخر أربعة أيام فله القصر والجمع أيضا 3 - ثمانية عشر يوما صحاحا، ثم بعد ذلك يمتنع القصر على كل حال.
-4- وينتهي السفر كذلك بنية الرجوع إلى الوطن، إن نوى ذلك قبل أن يقطع مرحلتين في طريق سفره، فعندها يمتنع عليه القصر من حين نيته، فلو أراد السفر من دمشق إلى درعا مثلا يحق له أن يقصر من أول الطريق، فإذا خطر بباله أثناء الطريق، وقبل أن يقطع مرحلتين، أن يعود إلى دمشق، فيعتبر سفره منتهيا بدأ من هذه اللحظة، وعليه ألا يقصر في طريق العودة لأن المسافة ليست مسافة قصر.
أما إن سار أكثر من مرحلتين ثم نوى الرجوع فبل الوصول، فله أن يقصر بالرجوع أيضا، ولا ينتهي سفره بنية الرجوع.
- ثانياً- أن يعزم في الابتداء على قطع مسافة القصر، فلا يقصر طالب غريم - صاحب دين - ذهب يفتش عن مدينه ولا يعلم أين هو، ولا طالب آبق لا يعرف موضعه، كالأب الذي خرج يفتش عن ابنه العاق العاصي، ولا الهائم الذي لا يدري أين يتوجه وليس له قصد في موضع، ولا الأسير يسافر به آسروه، وكذا كل من سافر دون أن يعلم مقصده، فإذا قطع كل من هؤلاء مرحلتين في طريق سفره جاز له القصر منذئذ.
- ثالثا- أن يكون السفر طويلا - مرحلتين فأكثر -، ولا تحسب منها مسافة طريق الرجوع، فلو يقصد محلا على بعد مرحلة واحدة، ناوياً ألا يقيم فيه بل يرجع، لم يقصر ذهابا ولا إيابا، وإن حصلت له مشقة مرحلتين متواليتين.
- رابعا- ألا يكون السفر لمعصية، فمن كان سفره واجبا كالمسافر لقاء دين، أو مندوبا كالمسافر لصلة رحم، أو مباحا كالمسافر لتجارة، جاز له القصر، ولا يضر إن دخل في سفره مكروه، كسفر الشخص وحده، أو سفر اثنين لا ثالث معهما 1 ، فهؤلاء يجوز لهم القصر.
وكذلك يجوز القصر للعاصي في سفره، كمن سافر لسبب مما تقدم لكنه في سفره عصى الله، أن شرب خمرا أو زنى.
أما العاصي بالسفر، وهو الذي أنشأ سفره لمعصية، كأن سافر لقطع طريق، والعاصي بالسفر في السفر، فكلاهما ليس له أن يقصر في السفر.
فإن تاب العاصي في السفر اعتبر أول سفره من حين توبته، فإن كان الباقي من السفر طويلا قصر، وإلا فلا.
وإن تاب العاصي بالسفر في السفر رخص له القصر مطلقا وإن كان الباقي من سفر قصيرا.
وعلى العكس، من خرج بنية سفر مباح ثن نقله إلى معصية فلا يترخص من حين أن نوى المعصية.
- خامسا- أن يكون مؤديا للصلاة الرباعية، أو قاضيا لفائتة سفر رباعية، لا فائته الحضر.
ويقصر فائته السفر إن قضاها في السفر، ولو كان غير السفر الذي فاتته فيه، لكن بشرط أن يكو السفر الثاني طويلا أيضا.
أما إن قضاها في الحضر، أو في السفر، قصير فيتمها.
وأما فائتة الحضر فعليه أن يتمها ولو قضاها في السفر.
وأما الفائتة المشكوك فيها: أهي فائتة حضر أم سفر فتقضى تامة للاحتياط، سواء قضاها في الحضر أو السفر.
شروط صحة القصر:
1- أن ينوي القصر مع الإحرام، بأن يقول مثلا: نويت أن أصلي فرض الظهر مقصورا، فلو نواه بعد الإحرام لم ينفعه.
فلو نوى الإتمام أو أطلق أتم، ولو شك هل نوى القصر أو الإتمام وجب عليه الإتمام ولو تذكر على قرب نية القصر، لأنه مضى جزء من صلاته على حكم الإتمام.
وإذا لم ينو القصر ثم فسدت صلاته لم يجز له قصرها بعدئذ، لأن الصلاة استقرت في ذمته تامة.
2- ألا يقتدي بمتم، فلو اقتدى به ولو بجزء من صلاته، كأن أدركه في التشهد الأخير لزمه الإتمام.
وألا يقتدي بمن سفره مشكوك فيه، فإن فعل لزمه الإتمام وإن تبين أنه مسافر قاصر.
ولو اقتدى بمن ظنه أنه مسافرا فتبينت إقامته، بأن أخبره شخص بذلك، لزمه الإتمام.
ولو اقتدى بمسافر ولكن شك بنيته في القصر فنوى هو القصر جاز له أن يقصر إن تبين أن الإمام قاصر، أما إن تبين أنه متم، أو لم تتبين حاله لزمه الإتمام، ولو علق نية القصر على نية الإمام، كأن قال: إن قصر قصرت وإلا أتممت صح التعليق وجاز له القصر إن قصر الإمام، ولزمه الإتمام إن أتم.
3- العلم بجواز القصر.
4- أن يدوم سفره من أول الصلاة إلى آخرها، فلو وصل قبل أن يفرغ من الصلاة لزمه الإتمام ولو كان ناوياً القصر، ويتم دون تجديد النية، صورة ذلك أن يكون أحرم على سفينة في السفر ثم اتصلت السفينة بموضع الإقامة، أو نوى الإقامة لزمه الإتمام.
الفصل الثاني: جمع الصَّلاة
حكمه ودليله:
- يجوز للمسافر سفرا طويلا مباحا، مبيحا للقصر، الجمع بين العصرين أو العشائين تقديما أو تأخيرا.
والدليل على ما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين صلاة الظهر والعصر إذا كان على ظهر سير، ويجمع بين المغرب والعشاء" 1 . والجمع هو ضم إحدى الصلاتين إلى الأخرى في وقت إحداهما، سواء كانتا تامتين أو مقصورتين، أو كانت إحداهما تامة، والأخرى مقصورة.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر آخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر، ثم يجمع بينهما" 2 . ثم لهذا الحكم تفصيل: -1- حالات الجواز وشروطه: (1) أن يكون مسافرا سفراً طويلا مباحا.
(2) أن يكون الجمع بين الظهر والعصر.
وبين المغرب والعشاء فقط، فلا يجوز جمع الصبح إلى غيرها، ولا المغرب إلى العصر.
ومثل الظهر الجمعة في جمع التقديم فقط، بشرط أن تغني عن الظهر، وإلا لم يصح الجمع معها جمع تقديم.
وأما التأخير في الجمعة فلا يصح لأن شرطها أن تكون في وقت الظهر.
ورغم جواز الجمع إلا أن تركه أفضل مراعاة للخلاف فيه 3 ، ولأن الجمع يؤدي إلى إخلاء أحد الوقتين من العبادة.
-2- حالات يفضل فيها القصور والجمع: (1) حالة الحاج المسافر في مزدلفة وعرفة، لما روى عبد الرحمن بن يزيد قال: "خرجنا مع عبد الله رضي الله عنه إلى مكة، ثم قدمنا جمعا 4 فصلى الصلاتين كل صلاة وحدها بأذان وإقامة، والعشاء بينهما، ثم صلى الفجر حين طلع الفجر، قائل يقول طلع الفجر، وقائل يقول لم يطلع الفجر.
ثم قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن هاتين الصلاتين حوِّلتا عن وقتهما في هذا المكان، المغرب والعشاء، فلا يقدم الناس جمعا حتى يُعتموا.
وصلاة الفجر هذه الساعة) 5 ". (2) لمن وجد في نفسه كراهة الجمع، أو الشك في جوازه.
(3) لمن إذا جمع صلى جماعة، أو خلا عن حدثه الدائم أو كشف عورته.
-3- حالة وجوبهما معا: الأصل في القصر والجمع الجواز، كما تقدمنا، وقد يجبا لعارض، وذلك إذا آخر صلاة الظهر ليجمعها مع العصر، وقد ضاق وقت العصر على الإتيان بهما تامين، فيجب عليه حينئذ القصر والجمع.
شروط جمع التقديم:
1- نية الجمع في الصلاة الأولى، بأن يقول مثلا: نويت أن أصلي فرض الظهر مجموعا مع العصر جمع تقديم.
ويفضل أن تقرن نية الجمع بالتحريم في الأولى، ولا يجزئ تقديمها على التحريم، ويجوز أن يأتي بها أثناء الصلاة، حتى عند السلام، أما بعده فلا يصح.
2- البداءة بالأولى: لأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع هكذا، وقد قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ولأن الأولى هي المتبوعة والثانية تابعة لها فقدمت الأولى على الثانية لتحقق التبعية.
فإذا بدأ بالثانية قبل الأولى لم يصح الجمع إن كان عالما عامدا، وعليه أن يعيد الثانية بعد الأولى فورا إن أراد الجمع، فإن لم يرد أخر الثانية إلى وقتها ولا جمع.
أما إن وصل الثانية قبل الأولى ناسيا أو جاهلا فتقع قضاء إن كان عليه فائتة من نوعها، وإن لم يكن وقعت نفلا مطلقا.