كتاب الصلاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- درية العيطة
- الكتاب
- فقه العبادات على المذهب الشافعي
- المؤلف
- الحاجة درية العيطة [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]
العاشر- التشهد في القعود الأخير:
- دليل فرضيته: حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: "كنا إذا صلينا خلف النبي صلى الله عليه وسلم قلنا: السلام على جبريل وميكائيل، السلام على فلان وفلان، فالتفت إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إن الله هو السلام، فإذا صلى أحدكم فليقل: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) (البخاري ج 1/ كتاب صفة الصلاة باب / 64/797. والتحيات: جمع تحية، وهي ما يحيا به من قول أو فعل، والقصد الثناء على الله لأنه مستحق لجميع التحيات.
والصلوات: قبل الخمس وقيل مطلق الصلاة والطيبات: الأعمال الصالحة.
السلام عليك: أي السلامة من النقائص والآفات.
وبركاته: أي خيراته، والبركة هي الخير الإلهي.
والسلام علينا: هي للحاضرين من إمام ومأمومين وملائكة وإنس وجن، أو لجميع الأمة.
وعبا الله الصالحين: القائمين بحقوق الله وحقوق عباده.
وأشهد أن لا إله إلا الله: أقر بأنه لا معبود بحق ممكن إلا الله.) أقله: التحيات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله.
شروطه -1- أن يسمع نفسه.
-2- الموالاة، فإن تخلله غيره لم يعتد به، ولا تضر زيادة ياء النداء قبل أيها النبي -3- قراءته قاعداً إلا لعذر.
-4- أن يكون بالعربية عند القدرة عليها.
-5- مراعاة الحروف والكلمات والتضعيفات.
الحادي عشر - الصلاة على النبي بعد التشهد الأخير قاعداً:
- دليل فرضيتها: قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً﴾ (الأحزاب: 56) وحديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: "أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في مجلس سعد ابن عبادة فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله تعالى أن نصلي عليك يا رسول الله فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول الله حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، في العالمين إنكم حميد مجيد.
والسلام كما قد علمتم) " (مسلم ج 1/ كتاب الصلاة باب 17/65 ومعناه يا الله أنزل الرحمة المقرونة بالتعظيم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله.
والحميد: المحمود.
والمجيد: الماجد، من كمل شرفاً وكرماً) وأقلها (وأكملها ما ورد في دليل الفرضية، وسيرد في سنن الصلاة) اللهم صلى على محمد أو على النبي، أو على الرسول.
الثاني عشر - السلام:
- ويجب إيقاعه في حال القعود الأخير.
دليل فرضيته: خبر مسلم المتقدم: (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم) فقرن التسليم بفرضية التكبير.
أقله: السلام عليكم، مرة واحدة، دون أن يلتفت يمنة أو يسرة، بل يجعلها تلقاء وجهه محافظة على العدل بين الملكين.
شروطه: -1- أن يقول مستقبلاً القبلة بصدره، فلو تحول به عن القبلة ضر، بخلاف الالتفات بالوجه فإنه مسنون.
-2- أن يسمع نفسه.
-3- أن يكون بالعربية إن قدر عليها وإلا ترجم عنها.
-4- التعريف بالألف واللام في السلام (بخلاف التشهد فيجزئ فيه إسقاطهما) ولا بد من كاف الخطاب وميم الجمع في عليكم.
-5- موالاة الكلمتين، فلو فصل بينهما بكلام، أو سكت سكوتاً طويلاً أو قصيراً بنية القطع ضر ويجزئ قولنا: عليكم السلام، لأنه لا يشترط ترتيب الكلمتين، ولأن هذا سلام أيضاً، وإذا بدأ بكلمة السلام فلا بد من تحقيق الهمزة وإظهارها هكذا: ألسّلام عليكم، ولا يجزئ نطقها بإهمال الهمزة.
الثالث عشر - الترتيب:
- ويقصد به تقديم القيام على الركوع، والركوع والرفع منه على السجود، والسجود على القعود الأخير، وتقديم التشهد على الصلاة على النبي، وتقديمها على السلام.
آ- فلو قدم ركنا فعلياً على مثله، أو على قولي عامداً عالماً، كأن سجد قبل الركوع، أو ركع قبل قراءة الفاتحة بطلت صلاته.
ب- وإن قدم ركناً فعلياً على مثله أو على قولي سهواً لم تبطل صلاته، لكن عليه أن يأتي به فوراً إن تذكره قبل أن يبلغ مثله.
أما إن بلغ مثله فهذا المثل يقوم مقام المنسي، ثم يتدارك الباقي من صلاته (يأتي تفصيل هذه الحالات في فصل سجود السهو؛ أسبابه) ج- أما لو قدم ركناً - عدا السلام - على مثله أو على فعلي عامداً عالماً، كان قدم الصلاة على النبي على التشهد، أو قدم التشهد على السجود، فلا تبطل صلاته ولكن لا يعتد بالمقدم بل يعيده في محله.
د- وإن قدم ركناً قولياً هو السلام على محله عامداً بطلت صلاته.
الفصل الثاني: سنن الصلاة
- تقسم السنن إلى قسمين:
آ- أبعاض: تجبر بسجود السهو إن تركت، وسميت كذلك لقربها من الفرض.
ب- هيئات: لا تحتاج إلى سجود السهو إن تركت.
آ- الأبعاض:
- وهي أربعة:
-1- التشهد الأول والجلوس له.
-2- الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول، والقعود لها، ولا تندب الصلاة على الآل بعدها بل تكره فيه -3- الصلاة على الآل في التشهد الأخير.
-4- القنوت والقيام له بعد الاعتدال من الركوع الثاني من فرض الصبح، لما روى أنس رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهراً يدعو عليهم ثم تركه (عليهم أي على الكفار الذين قتلوا أصحابه القراء ببئر معونة، وقوله ثم تركه أي: ثم ترك الدعاء على أولئك الكفار ولعنتهم فقط، لا أنه تكر جميع القنوت، أو ترك القنوت في غير الصبح.
المجموع ج 3/ ص 485) فأما في الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا" (البيهقي ج 2/ص 201) وفي الوتر في النصف الثاني من شهر رمضان لما رواه الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: "علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر: اللهم هدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت" (الترمذي ج 2/ أبواب الصلاة باب 341/464) وزاد البيهقي بعد قوله" ولا يذل من واليت": ولا يعز من عاديت" (البيهقي ج 2/ص 209) وزاد النسائي: "وصلى الله على النبي محمد" (النسائي ج 3 ص 248) قال النووي: "ولو زاد عليهن: فلك الحمد على ما قضيت، أستغفرك وأتوب إليك، بعد قوله: تباركت ربنا وتعاليت، فلا بأس به" (المجموع ج 3/ص 477) وإن كان القانت إماماً أتى بلفظ الجمع، ولم يخص نفسه بالدعاء.
وما ذكر هو قنوت النبي صلى الله عليه وسلم، ويسن جمعه إلى قنوت عمر رضي الله عنه، ولكن يبدأ بقنوت النبي صلى الله عليه وسلم وقنوت عمر رضي الله عنه هو: "اللهم إنا نستعينك ونستهديك ونستغفرك، ونؤمن بك ونتوب إليك ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير كله، نشكرك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك، ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم" (انظر البيهقي ج 2/ص 211، ونحفد نسرع) ولا تتعين هذه الكلمات للقنوت، وإنما يحصل بكل دعاء وثناء، وآية فيها دعاء، كآخر سورة البقرة، ثم يصلي على النبي.
لكن الكلمات السابقة أفضل.
ما يندب في القنوت: (1) رفع اليدين لما روى البيهقي عن أنس بن مالك رضي الله عنه بسند صحيح في قصة قتل القراء: "ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما صلى الغداة رفع يديه يدعو عليهم، يعني على الذين قتلوهم" (البيهقي ج 2/ص 211) ولا يسن مسح الوجه أو الصدر عقب القنوت.
قال البيهقي: "أما مسح اليدين بالوجه عند الفراغ من الدعاء فلست أحفظه عن أحد من السلف في دعاء القنوت، وإن كان يروى عن بعضهم في الدعاء خارج الصلاة (البيهقي ج 2/ص 212) (2) أن يجهر به إن كان إماماً لحديث أبو هريرة رضي الله عنه قال: "وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يرفع رأسه يقول: (سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد) ، يدعو لرجال فيسميهم بأسمائهم فيقول: (اللهم أنج الوليد بن الوليد) " (البخاري ج 1/كتاب صفة الصلاة باب 44/771) فلولا جهر لما سمعه الراوي، ولما قدر المؤتمون على التأمين - على ما سيأتي بيانه في حديث أبي داود التالي في قنوته صلى الله عليه وسلم - ويؤمن المأموم على دعاء الإمام لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: ط قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً متتابعاً في الظهر والعصر والمغرب والعشاء وصلاة الصبح، في دبر كل صلات إذا قال سمع الله لمن حمده من الركعة الآخرة يدعو على أحياء من بني سليم، على رعل وذكوان وعصية، ويؤمن من خلفه" (أبو داود ج 2/كتاب الصلاة باب 345/1443) ويشاركه في الثناء سراً مثلما يقول إمامه في قوله: إنك تقضي ولا يقضى عليك ... لأنه ثناء وذكر لا يليق فيه التأمين.
أما إن لم يسمعه لبعد عنه، أو لصمم في أذنيه فيَقْنُتُ لنفسه.
أما المنفرد فيسر به في الصلاة السرية ويجهر به في الجهرية.
(3) الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في آخره.
ب- الهيئات، وهن:
1- التلفظ بالنية قبل التكبير.
2- رفع اليدين - وكفاه مكشوفتان متوجهتان إلى القبلة، مفرجتا الأصابع - حذو المنكبين (قبالتهما) بأن تحاذي أطراف الأصابع أعلى الأذنين، وإبهاماه شحمتيهما وكفاه منكبيه (اختلف العلماء في الحكمة من رفع اليدين: فالشافعي رضي الله عنه يراه إعظاماً لجلال الله تعالى، واتباعاً لسنة رسوله، ورجاء لثواب الله.
وقال التميمي الشافعي: من الناس من قال: رفع اليدين تعبد لا يعقل معناه.
ومنهم من قال: هو إشارة إلى طرح ما سواه تعالى والإقبال بكليته على صلاته.
ومنهم من قال: هو استسلام وانقياد كالأسير إذا استسلم.
ومنهم من قال: يرفع ليراه من لا يسمع التكبير فيعلم أنه دخل في الصلاة فيقتدي به)
ويكون الرفع في أربعة مواضع:
(1) مع تكبيرة الإحرام، فيبتدئ بابتداء التكبير وينتهي بانتهائه، فإن سبقت اليد أثبتها مرفوعة حتى يفرغ من التكبير، لأن الرفع للتكبير فكان معه
(2) عند الهوي للركوع، ويبتدئ بابتداء التكبير إلا أنه يمد التكبير بعد الرفع إلى أن يصل إلى الركوع، فالرفع والتكبير يبدأان معاً دون الانتهاء.
(3) الرفع عند الانتهاء من الركوع، مع قولنا: سمع الله لمن حمده.
(4) الرفع عند القيام من التشهد الأول.
وكذا لو كان يصلي قاعداً فيرفع يديه عند ابتداء الركعة الثالثة.
ودليله: حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: "قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام في الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه، وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع، ويفعل ذلك إذا رفع رأسه من الركوع، ويقول: سمع الله لمن حمده، ولا يفعل ذلك في السجود" (البخاري ج 1/ كتاب صفة الصلاة باب 3/703)
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر ورفع يديه حذو منكبيه، ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته وأراد أن يركع، ويصنعه إذا رفع من الركوع، ولا يرفع يديه في شيء من صلاته وهو قاعد، وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك وكبر" (أبو داود ج 1/ كتاب الصلاة باب 118/744) ، وقوله إذا قام من السجدتين يعني به الركعتين، والمراد إذا قام من التشهد الأول، كذا فسره الترمذي وغيره)
3- التفريق بين القدمين في القيام وتوجيه أصابعهما إلى القبلة.
4- وضع اليمنى على اليسرى، وذلك بأن يقبض بيمينه كوع يساره وبعض ساعده ورسغه، وأن تكون أصابع اليمنى حول المفصل، ويكونا تحت صدره فوق سرته لحديث وائل ابن حجر رضي الله عنه " أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه حين دخل في الصلاة وكبر، ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى" (مسلم ج 1/ كتاب الصلاة باب 15/54) وفي رواية أبي داود بإسناد صحيح عن عاصم ابن كليب قال فيه: "ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد" (أبو داود ج 1/ كتاب الصلاة باب 116/727) ولأن وضع اليد على اليد أسلم له من العبث وأحسن في التواضع والتضرع والتذلل، فإن أرسلهما ولم يعبث لم يضر.
5- أن ينظر إلى موضع سجوده في قيامه وقعوده طلباً للخشوع، وغضاً للبصر عما يلهي، ولو كان عند الكعبة، أما في التشهد فينظر إلى مسبحته عند قوله إلا الله.
وفي صلاة الخوف يندب أن ينظر إلى جهة عدوه لئلا يبغته.
6- قراءة دعاء التوجه: وهو مستحب في الفرض والنفل - كما يدل عليه حديث علي رضي الله عنه اللاحق - للمنفرد، وللإمام وللمأموم وإن شرع إمامه في الفاتحة، أو أمن لتأمين إمامه قبل شروعه فيه شروطه:
(1) أن يكون عقب تكبيرة الإحرام، قبل أن يشرع في التعوذ أو القراءة قبله، فإذا شرع بهما أو بأحدهما قبله، ولو سهواً، لم يعد إليه لفوات محله.
(2) أن يكون في غير صلاة الجنازة.
(3) ألا يخاف فوات وقت الأداء، فلو كان ما بقي لا يسع ركعة لم يسن الإتيان به، وأما لو بقي من الوقت ما يسعه ويسع ركعة فتسن قراءته.
(4) ألا يخاف المأموم فوت بعض الفاتحة، فإن خاف ذلك لم يسن له.
(5) أن يكون إدراكه للإمام في القيام لا في غيره، فلو أدركه في الاعتدال لم يقرأه، أما إن أدركه في التشهد وسلم الإمام أو قام قبل أن يجلس معه فتسن له قراءته.
صيغته: وردت في دعاء الافتتاح صيغ عدة أفضلها ما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: (وجهت وجهي (أقبلت بذاتي وقصدت بعبادتي) للذي فطر (ابتدأ خلقها على غير مثال سابق) السموات والأرض حنيفاً (مائلاً عن الأديان الباطلة إلى الحق) وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي (عبادتي) ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت لبيك (هو مثنى، ومعناه أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة) وسعديك (مثنى كذلك ومعناه: مساعدة بعد مساعدة، ومتابعة لدينك الذي ارتضيته بعد متابعة) والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، (لا يتقرب به إليك، أو لا يصعد إليك وإنما يصعد إليك العمل الصالح) أنا بك وإليك، (توفيقي بك والتجائي إليك، أو أعتصم بك وألجأ إليك) تباركت (استحققت الثناء) وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك) (مسلم ج 1/ كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 26/201)
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر في الصلاة سكت هُنَيَّة قبل أن يقرأ.
فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: (أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد) " (مسلم ج 1/ كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب 27/147)
وقد يرد غير ما ذكر من دعاء الافتتاح مثل: "الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله وبحمده بكرة وأصيلاً" (مسلم ج 1/ كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب 27/150 في حديث ابن عمر رضي اله عنهما) أو " الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً" (مسلم ج 1/ كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب 27/149، وهذا الدعاء وسابقه ولاحقه من كلام الصحابة لا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم) أو " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر".
ويستحب الجمع بين كل ما ذكر للمنفرد، ولإمام قوم محصورين راضين بالتطويل.
7- التعوذ (التعوذ والاستعاذة بمعنى الاستجارة) ويسن سراً في كل ركعة قراءة.
ودليله: قوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ (النحل: 98) ويسر به ولو كانت الصلاة جهرية، ويفوت التعوذ بالقراءة ولو سهواً.
شروط التعوذ: هي شروط دعاء التوجه نفسها، لكن تخالفها في اثنين:
(1) يسن التعوذ في كل صلاة حتى الجنازة.
(2) يسن التعوذ للمأموم المسبوق بعد جلوسه مع إمامه، فلو قعد معه ثم قام بعد سلامه أو قيامه تعوذ للقراءة.
ومحله: بعد الفراغ من دعاء التوجه في الأولى، وقبل القراءة في كل ركعة.
ويحصل بكل لفظ يشتمل على التعوذ، والأفضل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
8- السكوت: تسن سكتة لطيفة بين التحريم والتوجه، وبين التوجه والتعوذ، وبين التعوذ والبسملة، وبين الفاتحة وآمين، وبين آمين والسورة، وبين السورة وتكبيرة الركوع، فهذه ست سكتات كلها تكون بقدر سبحان الله باستثناء السكتة التي بين آمين والسورة بالنسبة للإمام في الصلاة الجهرية، فإنه يطيلها بقدر قراءة المأموم للفاتحة، ويشتغل بالدعاء أو الذكر سراً أو بالقراءة، وهي أفضل، يبدؤها سراً ريثما ينتهي المأموم من فاتحته، ثم يجهر بها، روى الحسن عن سمرة بن جندب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم " أنه كان يسكت سكتتين: إذا استفتح، وإذا فرغ من القراءة كلها" وفي رواية: "وسكتة إذا فرغ من فاتحة الكتاب وسورة عند الركوع" وهاتان روايتا أبي داود (أبو داود ج 1/ كتاب الصلاة باب 123/778 و 777) وفي رواية له وللترمذي " سكتة إذا كبر، وسكتة إذا فرغ من قراءة غير المغضوب عليهم ولا الضالين" (أبو داود ج 1/ كتاب الصلاة باب 123/779)
9- الجهر (وحد الجهر أن يسمع من يليه) في الصلاة الجهرية للمنفرد والإمام، أما المأموم فيستحب له الإسرار، ويكره له الجهر سواء سمع قراءة الإمام أم لا لئلا يشوش على الإمام وينازعه القراءة، ولأنه مأمور بالإنصات إلى الإمام، ودليل كراهة الجهر للمأموم حديث عمران بن حصين رضي الله عنه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر فجعل رجل يقرا خلفه بسبح اسم ربك الأعلى فلما انصرف قال: (أيكم قرأ، أو أيكم القارئ؟) فقال رجل: أنا فقال: (قد ظننت أن بعضكم خالجنيها (خالجنيها: جاذبنيها ونازعنيها)) " (مسلم ج 1/ كتاب الصلاة باب 12/48) والمرأة والخنثى تجهران حيث لا يسمعهما أجنبي، وإلا أسرتا.
ويحرم الجهر في حضرة من يتأذى به، وقيل يكره.
ويندب في نوافل الليل المطلقة التوسط بين الجهر والإسرار بشرط ألا يشوش على نائم أو مصل آخر، أو مطالع في كتب العلم ...
موضع الجهر:
في الفرائض: صلاة الصبح، ودليله ما رواه البخاري، تحت باب الجهر بقراءة الفجر، أن أم سلمة رضي الله عنها قالت: ""طفت وراء الناس والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي ويقرأ بالطور" (البخاري ج 1/ كتاب صفة الصلاة باب 23) وأوليا المغرب والعشاء؛ عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب بالطور" (البخاري ج 1/ كتاب صفة الصلاة باب 17/731) وعن البراء رضي الله عنه" أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر فقرأ في العشاء في إحدى الركعتين بالتين والزيتون" (البخاري ج 1/ كتاب صفة الصلاة باب 18/733) وركعتي الجمعة.
أما الفريضة المقضية فالجهر والإسرار فيها منوطان بوقت القضاء لا بوقت لزوم الأداء.
فلو قضى السرية بالليل جهر، أو قضى الجهرية بالنهار أسر.
ولو أدرك ركعة من الصبح في وقتها، والأخرى خارجة جهر في الأولى وأسر في الثانية، إلا الإمام فيجهر فيها بالقنوت.
وفي النوافل: يجهر في صلاة العيدين، وفي صلاة الاستسقاء ولو نهاراً، وصلاة خسوف القمر، والتراويح، ووتر رمضان، وركعتي الطواف إن أتى بهما ليلاً أو وقت الصبح.
موضع الإسرار:
في سوى ما ذكر من الصلوات، كصلاة الظهر والعصر، وأخيرة المغرب، وأخيرتي العشاء، عن أبي معمر قال: قلت لخباب بن الأرت رضي الله عنه: "أكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم.
قال: قلت: بأي شيء كنتم تعلمون قراءته؟ قال: باضطراب لحيته" (البخاري ج 1/ كتاب صفة الصلاة باب 15/727) ويسر في السنن الراتبة مطلقاً حتى الليلة منها، وفي صلاة كسوف الشمس، ونوافل النهار مطلقاً.
ولو جهر في موضع الإسرار، أو أسر في موضع الجهر لم تبطل صلاته، ولا سجود سهو فيهلكنه مكروه إلا لعذر.
10- التأمين (وهو قول آمين، وآمين فعل أم بمعنى استحب، وقيل إنه اسم من أسمائه تعالى) بعد الفراغ من الفاتحة، ودليله حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) (البخاري ج 1/ كتاب صفة الصلاة باب 29/747) وموضع التأمين: بعد الفراغ من الفاتحة، أو أية آية فيها دعاء، سواء في الصلاة، أية صلاة، أو خارجها، لكنه في الصلاة أشد استحباباً.
من يسن له التأمين: يسن التأمين بصورة عامة للقارئ، أو السامع، وفي الصلاة للمنفرد، وللإمام والمأموم، يقولها مع إمامه لا يتقدم عليه فيها ولا يتأخر لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبو هريرة رضي الله عنه: (فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) ، فينبغي أن يقع تأمين الإمام والمأموم والملائكة دفعة واحدة (التأمين وحده الذي يستحب فيه مقارنة الإمام، والسبب في ذلك أن التأمين لا لتأمين الإمام بل لقراءته وقد فرغت قراءته.) فإذا أخر الإمام التأمين عن وقته المندوب فيه أو تركه أمن المأموم جهراً ليسمعه الإمام فيأتي به.
وإذا انتهى الإمام والمأموم من الفاتحة معاً كفى المأموم تأمين واحد مع تأمين الإمام لا قبله ولا بعده لما تقدم.
ولو انتهى المأموم قبل الإمام أمن على قراءته ثم يؤمن مع إمامه، أو وقع العكس قطع فاتحته وأمن لقراءة إمامه، ثم يؤمن لقراءة نفسه إذا فرغ.
ويكون التأمين سراً في الصلاة السرية وجهراً في الصلاة الجهرية.
وإذا ترك المصلي التأمين حتى اشتغل بغيره فات، ولم يعد إليه.
11- قراءة شيء من القرآن بعد الفاتحة في الصبح والأوليين من سائر الصلوات لحديث أبي قتادة رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب، ويسمعنا الآية، ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الركعة الثانية، وهكذا في العصر، وهكذا في الصبح" (البخاري ج 1/ كتاب صفة الصلاة باب 25/743)
أما صلاة التطوع فيقرأ فيها السورة في جميع الركعات إن صلاها بتشهد واحد، وإلا لم يقرأها بعد التشهد الأول قياساً على ما بعد الأوليين من الفرائض.
أما المأموم فلا يقرأ بعد الفاتحة شيئاً إن كانت الصلاة جهرية، أما إن كانت سرية أو كان لا يسمع الإمام في صلاة جهرية، أو كان يسمعه ولا يفهم، فالقراءة له سنة في هذه الحال.
ومن فاتته السورة في الأوليين تداركها في باقي صلاته، فالمسبوق بالأوليين في صلاة رباعية يقرأ في الثالثة والرابعة من صلاة الإمام لأنهما أول صلاته، فإن لم يتمكن قرأ في أخيرتين سراً لئلا تخلوا صلاته من السورة بلا عذر
ولو قرأ المصلي السورة، ثم قرأ الفاتحة أجزأته الفاتحة ولا تحسب له السورة لأنه أتى بها في غير موضعها.
ولو قرأ الفاتحة مرتين لم تبطل صلاته، لكن لا تحسب له المرة الثانية عن السورة، لأن الفاتحة مشروعة في الصلاة فرضاً، والشيء الواحد لا يؤدي به فرض ونفل في محل واحد.
ومن المستحبات في القراءة ما يلي:
(1) الترتيل (الترتيل: وصل الحروف والكلمات على ضرب من التأني) والتدبر (التدبر: التبصر والتفكر) لقوله تعالى: ﴿ورتل القرآن ترتيلاً﴾ (المزمل: 4) وقوله تعالى أيضاً: ﴿كتاب أنزلناه مبارك ليدبروا آياته﴾ (ص: 29)
(2) قراءة السورة كاملة، وهو أفضل من بعض السورة الطويلة، ولو كان بقدر القصيرة الكاملة، لأنه قد يقف في غير موضع الوقف المستحب أو الواجب.
(3) تطويل قراءة الركعة الأولى عن الثانية لحديث أبي قتادة رضي الله عنه المتقدم، إلا حيث ورد النص على العكس؛ كما لو وجد زحمة في المسجد فيسن للإمام تطويل الثانية عن الأولى ليلحقه منتظر السجود (وهو المأموم الذي لم يجد موضعاً للسجود بسبب الزحام فينتظر حتى يرفع الإمام رأسه من السجود، ويتسع المكان لسجوده، وعندها يسجد ثم يلحق بالإمام)
(4) عدم تكرار السورة في الركعتين، إلا إذا كان لا يحفظ غيرها.
(5) يسن أن تكون القراءة على ترتيب المصحف وتواليه، فمثلاً لو قرأ في الركعة الأولى سورة الناس فالأولى أن يقرأ في الثانية أول البقرة.
(6) تسن قراءة سورة من قصار المفصل (سمي المفصل لكثرة الفصول فيه بين سوره، وقصار المفصل من سورة الضحى إلى آخر القرآن) في المغرب، وطوال المفصل (طوال المفصل من سورة الحجرات إلى سورة النبأ) في الصبح، وبقريب منه في الظهر، وذلك للمنفرد، ولإمام محصورين في مسجد غير مطروق، رضوا بالتطويل، وليس فيهم ذوات أزواج، ولا أجراء عين (أجير عين: هو أجير بنفسه خلال زمن محدد) إلا أن يأذن الزوج والمستأجر، فإن تخلف شرط من ذلك ندب الاقتصار، في كل الصلوات، على فصار المفصل، ويكره خلافه وفي العصر والعشاء بأوساط المفصل (وأوساط المفصل من سورة النبأ إلى سورة الضحى) وذلك لحديث سليمان بن يسار عن أبو هريرة رضي الله عنه قال: "ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله من فلان.
قال سليمان: كان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر ويخفف الأخريين، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بوسط المفصل، ويقرأ في الصبح بطول المفصل" (النسائي ج 2/ص 167)
وفي فج الجمعة يسن أن يقرأ ﴿ألم تنزيل﴾ السجدة، و ﴿هل أتى على الإنسان﴾ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الجمعة في صلاة الفجر ألم تنزيل السجدة، وهل أتى على الإنسان" (البخاري ج 1/ كتاب الجمعة باب 9/851) والحكمة من هذه السنة:
آ- أن وقت الصبح طويل وصلاته قصيرة فكان التطويل مناسباً.
ب- ووقت الظهر طويل وصلاته كذلك، وهو وقت نشاط فناسب فيه قراءة القريب من طول المفصل.
ج- ووقت العصر والعشاء طويل وفروضهما كذلك، وأوقاتهما ليست بأوقات نشاط، فلما تعارضا ناسبهما التوسط.
د- ووقت المغرب قصير فناسبه القصر.
هذا للمقيم، أما المسافر فيقرأ في صلواته جميعها بسورة الكافرون وسورة الإخلاص تخفيفاً عليه.
أما ترك السورة أصلاً فمكروه.
(7) سؤال الرحمة عند قراءة آية فيها ذكر الرحمة والاستعاذة عند آية فيها ذكر العذاب، والتسبيح عن آية فيها تسبيح والاستغفار عند آية فيها استغفار، والإجابة عن الأسئلة في الآيات الاستفهامية (كما لو قرأ: ﴿أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى﴾ فيجيب بلى قادر، وأنا على ذلك من الشاهدين) ويفعل ذلك الإمام والمأموم ويجهران بها في الصلاة الجهرية.
12- التكبير للانتقال، ومده إلى الركن الذي بعده لئلا يخلو جزء من صلاته من ذكر الله، ويكون المد بلام الجلالة، بخلاف تكبيرة الإحرام فندب الإسراع بها لئلا تزول النية.
ويجهر بالتكبيرات إن كان إماماً أو مبلغاً ليسمعه المأمومون، لما روي عن أبو هريرة رضي الله عنه: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد، ثم يكبر حين يهوي، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس" (البخاري ج 1/ كتاب صفة الصلاة باب 35/756) ولا بد أن يستحضر (ومعنى يستحضر: أن يقصد ذكر الله أو أن يشرك بين قصد الذكر والتبليغ) بقلبه ذكر الله ولو مع التبليغ، أما لو قصد التبليغ أو الإسماع فقط فإن الصلاة تبطل، أما المنفرد والمأمومون - غير المبلغ- فيسرون بالتكبيرات، ويكره لهم الجهر بها.
وأما المرأة فإن أمت النساء جهرت أيضاً إن لم يسمعها أجنبي.
13- ويسن في الركوع مد الظهر والعنق من غير أن يصوب رأسه أو يقنعه (لم يصوب رأسه: لم يبالغ في خفضه وتنكيسه، ولم يقنعه: لم يرفعه) لحديث أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود) (أبو داود ج 1/ كتاب الصلاة باب 148/855) وحديث عائشة رضي الله عنها في صفة صلاته صلى الله عليه وسلم، قالت: " ... وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوِّبه، ولكن بين ذلك" (مسلم ج 1/ كتاب الصلاة باب 46/240، ويشخص رأسه: يرفعه.) كما يسن نصب الساقين والفخذين، وأخذ الركبتين باليدين وتفريق أصابعهما وتوجيهها إلى القبلة، لما روي عن سالم البراد قال: "أتينا عقبة بن عمر وأبا مسعود، فقلنا: حدثنا عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام بين أيدينا في المسجد فكبر، فلما ركع كبر ووضع راحتيه على ركبتيه، وجعل أصابعه أسفل من ذلك، ثم جافى مرفقيه، ثم قال: هكذا رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل" (المستدرك ج 1/ ص 224) أما أقطع اليد فيفعل بالسليمة ما ذكر، ويرسل الثانية أما أقطع اليدين فيرسلهما، ومثله قصيرهما، ويجافي الرجل مرفقيه للحديث المتقدم أما المرأة فتضمهما إلى جنبيها لأنه أستر لها، وكذلك تفعل الخنثى، كما يجافي الرجل قدميه إحداهما عن الأخرى، وركبتيه كذلك بقدر شبر.
ويقول في الركوع سبحان ربي العظيم وبحمده.
وتتحقق السنة بواحدة لكن الأفضل قولها ثلاثاً وذلك أدنى الكمال، لحديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا ركع أحدكم فقال في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاث مرات فقد تم ركوعه، وذلك أدناه، وإذا سجد فقال في سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات فقد تم سجوده، وذلك أدناه) (الترمذي ج 2/ أبواب الصلاة باب 194/261)
والزيادة على الثلاث أفضل للمنفرد، ولإمام محصورين رضوا بالتطويل على أن يختم عددها بوتر، ولا تزيد على إحدى عشرة مرة ويستحب أن يضيف على السُبْحَةِ "وبحمده" فيقول: سبحان ربي العظيم وبحمده.
والأفضل أن يقول بعد هذا التسبيح - قل أو كثر اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي" (مسلم ج 1/ كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 26/201. من رواية علي رضي الله عنه في حديث التوجه وقد تقدم بعضه) وهذا أتم الكمال.
وإن أراد الاقتصار على التسبيح أو الدعاء فالتسبيح أفضل.
وتكره القراءة في الركوع - وغيره من بقية الأركان غير القيام - لحديث علي رضي الله عنه قال: "نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قراءة القرآن وأنا راكع أو ساجد" (مسلم ج 1/كتاب الصلاة باب 41/210)
14- يسن إذا رفع رأسه للاعتدال أن يرفع يديه حال ارتفاعه قائلاً: سمع الله لمن حمده، لحديث أبو هريرة رضي الله عنه المتقدم، يقولها الإمام والمأموم والمنفرد، يجهر بها الإمام والمبلغ ويسران بربنا لك الحمد، أما المأموم والمنفرد فيسران بهما.
فإذا استوى قائماً قال ما رواه ابن عباس رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: (اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض، وما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد) " (مسلم ج 1/ كتاب الصلاة باب 40/206) ويزيد المنفرد وإمام محصورين رضوا بالتطويل ما ورد في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: "أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذات الجد منك الجد" (مسلم ج 1/ كتاب الصلاة باب 40/205 والجَدَُ بالفتح: الحظ والغنى، والمعنى: لا ينفع ذا المال والحظ والغنى غناه من عقابك، وإنما ينفعه ويمنعه من عقابك العمل الصالح)
15- ويسن في السجود وضع ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته وأنفه، مكشوفة، على الأرض لما روى وائل بن حجر رضي الله عنه قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد يضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه" (الترمذي ج 2/ أبواب الصلاة باب 199/268) قال الخطابي: "وهو - يعني وضع الركبتين قبل اليدين - أرفق بالمصلي وأحسن في الشكل ورأي العين" (المجموع ج 3/ ص 394) ويسن للرجل في السجود مجافاة مرفقيه عن جنبيه، ورفعهما عن الأرض، والاعتماد على الكفين، لحديث عبد الله بن مالك بن بُحَيْنة رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه" (البخاري ج 1/ كتاب صفة الصلاة باب 46/774) ولحديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب) (البخاري ج 1 / كتاب صفة الصلاة باب 57/788) والاعتماد على الكفين، ومجافاة بطنه عن فخذيه، لحديث أبي حُمَيد رضي الله عنه في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه" إذا سجد فرج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه" (أبو داود ج 1/ كتاب الصلاة باب 117/735) ويجافي بين قدميه، وبين ركبتيه بقدر شبر.
أما المرأة فتضم بعضها إلى بعض لأن ذلك أستر لها، وترفع مفرقيها، وتعتمد على راحتيها كالرجل.
ويسن ضم أصابع اليدين ونشرها واستقبال القبلة بها.
لحديث وائل بن حجر رضي الله عنه في صفة صلاته صلى الله عليه وسلم وفيه: "وإذا سجد ضم أصابعه" (البيهقي ج 2/ص 112) ولحديث البيهقي بإسناده عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد فوضع يديه بالأرض استقبل بكفيه وأصابعه القبلة" (البيهقي ج 2/ص 113) ويجعل كفيه حذو منكبيه ورأسه بينهما، لحديث أبي حميد رضي الله عنه في رواية البيهقي في صفة صلاته صلى الله عليه وسلم وفيه" سجد ... ووضع كفيه حذو منكبيه" (البيهقي ج 2/ص 112) وينصب القدمين- ويسن للجل كشفهما وإبرازهما من ثوبه - ويوجه أصابعهما للقبلة، ويعتمد على بطونهما، لحديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه - من رواية البخاري - وفيه: "فإذا سجد ... واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة" (البخاري ج 1/ كتاب صفة الصلاة باب 61/794)
ويسن أن يقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى، ويفضل أن يقول ذلك ثلاثاً.
ويزيد المنفرد وإمام محصورين رضوا بالتطويل (اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين) (هو تتمة حديث علي رضي الله عنه المتقدم، أخرجه مسلم ج 1/ كتاب صلاة المسافرين باب 26/201) وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه وسجوده: (سبوح قدوس، رب الملائكة والروح) (مسلم ج 1/ كتاب الصلاة باب 42، 223، وسبوح قدوس: صفتان لله تعالى أي مسبح ومقدس، ومعناه مبرأ من كل نقص، ومن الشريك، ومن كل ما لا يليق بالإلهية.
الروح جبريل عليه السلام.) ويسن اجتهاد المنفرد بالدعاء في سجوده رجاء الإجابة، لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء) (مسلم ج 1/ كتاب الصلاة باب 42/215)
16- يسن في الجلوس بين السجدتين: (1) الافتراش: وهو أن يجلس المصلي على عقب رجله اليسرى بحيث يلي ظهرها الأرض، وينصب رجله اليمنى، ويضع أطراف أصابعه منها على الأرض، ويوجه أصابعها نحو القبلة، وكذا في سائر الجلوس (عدا الجلوس للتشهد الأخير فإنه يطلب فيه التورك) كجلوس المصلي قاعداً للقراءة، وجلوسه للاستراحة، والجلوس للتشهد الأول، وجلوس المسبوق في حال تورك إمامه، وجلوس الساهي (الساهي: من طلب منه سجود السهو وأراد فعله، فإنه يفترش في التشهد الأخير، ثم يسجد للسهو، ثم يتورك ليسلم) والدليل على الافتراش حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه في وصف صلاته صلى الله عليه وسلم: "فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى" (البخاري ج 1/ كتاب صفة الصلاة باب 61/794) (2) أن يضع المصلي يديه على فخذيه قريباً من ركبتيه، وينشر أصابعهما مضمومة موجهة إلى القبلة، ويقول ما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بين السجدتين: (اللهم اغفر لي، وارحمني واجبرني واهدني وارزقني) (الترمذي ج 2/ أبواب الصلاة باب 211/284)
17- تسن جلسة خفيفة للاستراحة عقب السجدتين في كل ركعة يعقبها قيام (وهي السجدة الثانية في الركعة التي لا يعقبها تشهد) ولو لم يجلسها الإمام فيجلسها المأموم لأنها بسيطة، ولا تعتبر مخالفة للإمام ويستثنى من ذلك سجدة التلاوة في الصلاة فلا يستحب لها جلسة استراحة، والدليل عليها حديث أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث المسيئ صلاته: (اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً) (البخاري ج 5/ كتاب الاستئذان باب 18/5897) ولا يكبر لها بل يرفع رأسه من السجود الثاني مكبراً ويمده إلى أن يستوي قائماً، ويخفف الجلسة وذلك حتى لا يخلو جزء من الصلاة عن ذكر.
18- الاعتماد بيديه على الأرض عند القيام، وبجعل راحتيه وبطون أصابعها على الأرض لحديث أيوب السَّختياني عن أبي قلابة قال: "جاءنا مالك بن الحويرث فصلى بنا في مسجدنا هذا، فقال: إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة، لكن أريد أن أريكم كيف رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي قال أيوب: فقلت لأبي قلابة: وكيف كانت صلاته؟ قال: مثل صلاة شيخنا هذا - يعني عمرو بن سلمة - قال أيوب: وكان ذلك الشيخ يتم التكبير، وإذا رفع رأسه عن السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض ثم قام" (البخاري ج 1/ كتاب صفة الصلاة باب 59/790) ولأن ذلك أبلغ في الخشوع والتواضع وأعون للمصلي، وأحرى ألا ينقلب.
19- ويسن في التشهد الأخير:
(1) التورك، وهو أن يخرج رجله اليسرى على حالتها في الافتراش من جهة يمينه، ويلصق وركه الأيسر بالأرض، ويبقي القدم اليمنى على بطون الأصابع، وذلك للإتباع، إلا من كان عليه سجود سهو فيفترش.
والحكمة من التورك التمييز بين التشهدين ليعلم المسبوق حال الإمام في الجلسة الأخيرة، ودليله ما ورد في حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه من رواية البخاري: " ... وإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى، ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته"
(2) أن يضع يديه على فخذيه - في الجلوس للتشهدين - منعاً للعبث؛ يبسط أصابع اليسرى منهما جهة القبلة مضمومة، محاذياً برؤوسها طرف ركبتيه، ويضع اليمنى على طرف الركبة اليمنى مقبوضة الأصابع إلا المسبحة فيرسلها جهة القبلة، ويضع الإبهام تحتها، ويرفعها إذا بلغ الهمزة الثانية من قوله: لا إله إلا الله بلا تحريك.
وأكمل التشهد ما ورد في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، فكان يقول: (التحيات المباركات، والصلوات الطيبات، لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله) (مسلم ج 1/كتاب الصلاة باب 16/60، المباركات: الناميات، وقد تقدم شرح باقي الألفاظ في فصل أركان الصلاة)
وأكمل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أن يجمع ما في الأحاديث الصحيحة فيقول: "اللهم صل على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي، وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد النبي الأمي، وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد" (قد تقدم الشرح في أركان الصلاة)
ولا بأس بزيادة كلمة سيدنا قبل ذكر اسمه صلى الله عليه وسلم، والدعاء بما شاء.
ومن الأدعية الواردة بين التشهد والتسليم:
ما روت أم سلمة رضي الله عنها: "أنه كان أكثر دعائه صلى الله عليه وسلم: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) (الترمذي ج 5/ كتاب الدعوات باب 90/3522) وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: قال: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أن الغفور الرحيم) " (البخاري ج 1/ كتاب صفة الصلاة باب 65/799)
وأفضل الأدعية ما روته عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم) (البخاري ج 1/ كتاب صفة الصلاة باب 65/798، والمغرم: الدين) ومنه: (اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت) (مسلم ج 1/ كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 26/201، من رواية علي بن أبي طالب رضي الله عنه) .
ويكره الجهر بالتشهد وبالصلاة على النبي والدعاء والتسبيح.
20- ويسن في السلام أن يقول: ورحمة الله، بعد السلام عليكم، وأن يأتي بتسليمة ثانية، وفي كل منهما يبتدئ من جهة القبلة، وينتهي مع انتهاء الالتفات إلى اليمين في الأولى وإلى اليسار في الثانية بحيث ترى صفحة خده في كل مرة، ويفصل بينهما بسكتة لطيفة.
وينوي السلام على من التفت هو إليه من ملائكة، ومؤمني الإنس والجن، وينوي أيضاً الرد على من سلم عليه من إمام ومأموم.
كما يستحب أن يدرج لفظة السلام ولا يمدها، لحديث أبو هريرة رضي الله عنه قال: "حذف (قال ابن المبارك عناه: لا يمده مداً، المجموع ج 3 ص 463) السلام سنة" (أبو داود ج 1 كتاب الصلاة باب 192/1004)
21- ومن سنن الصلاة الخشوع، وهو حضور القلب، وسكون الجوارح، وأن يتدبر القراءة والأذكار.
لقوله تعالى: ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ (المؤمنون: 2) ولحديث عقبة بن عامر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة) (مسلم ج 1/ كتاب الطهارة باب 6/17) ويندب الاستغفار والذكر عقب الصلاة، ودليله ما ورد عن ثوبان رضي الله عنه موله رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً وقال: (اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ذا الجلال والإكرام) " (مسلم ج 1/ كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب 26/135) ويسر به، أما الإمام الذي يريد تعليم الحاضرين فيجهر به ويقبل على المأمومين عاجلاً يساره إلى المحراب.
ويندب رفع اليدين بالدعاء ثم مسح الوجه بهما.
ومن الأدعية المأثورة ما رواه البخاري من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد) (البخاري ج 1 / كتاب صفة الصلاة باب 71/808) ومنها: اللهم إني أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، وسلامة من كل إثم) (الترمذي ج 2/ أبواب الصلاة باب 348/479) ومنها (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) (أبو داود ج 2/ كتاب الصلاة باب 361/1522) وعن سعد رضي الله عنه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ منهن - أي من الأشياء المذكورة في هذه الكلمات - دبر الصلاة: (اللهم إني أعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر) " (البخاري ج 3/ كتاب الجهاد باب 25/2667)
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "قلنا لأبي سعيد هل حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً كان يقوله بعدما سلم؟ قال: نعم، كان يقول: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين) " (رواه الطبراني، مجمع الزوائد ج 2/ص 147)
ويندب حمد الله في أول الدعاء، والصلاة على النبي في أوله وآخره، لما روى الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه موقوفاً قال: "إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك صلى الله عليه وسلم" (الترمذي ج 2/ أبواب الصلاة باب 352/486) ويستحب للمصلي منفرداً أو مأموماً أن يطيل الذكر بعد الصلاة، ويكثر الدعاء بعد المكتوبة رجاء الإجابة.
أما الإمام فيندب له الانصراف عقب سلامه إذا لم يكن ثمة نساء لحديث أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت" كان يسلم فينصرف النساء فيدخلن بيوتهن من قبل أن ينصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم" (البخاري ج 1/ كتاب صفة الصلاة باب 73/812) وذلك باستثناء ما بعد الصبح وبعد العصر، فإن الجلوس أفضل في هذين الوقتين إلى طلوع الشمس وغروبها، لما روي عن أنس قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من صلى الغداة في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تامة تامة تامة) " (الترمذي ج 2/ أبواب الصلاة باب 412/586)
ويمكث المأموم حتى يقوم الإمام، وينصرف جهة حاجته، وإلا ففي جهة يمينه.
ويندب الفصل بين السنة والفرض بذكر أو انتقال، وهو أفضل.
كما يسن للمرء أن يصلي إلى سترة يدنو منها، من جدار أو سارية أو شاخص ينصبه، لحديث سَهْل بن أبي حَثْمة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها لا يقطع الشيطان عليه صلاته) (النسائي ج 2/ ص 62)
ويستحب ألا يقل طول السترة عن ثلثي ذراع (الذراع المقصود هو الذراع الهاشمي، وهو من المرفق إلى رؤوس الأصابع مبسوطة) أما عرضها فلا ضابط فيه، بل يكفي الغليظ والدقيق لحديث أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يجزئ من السترة مثل مؤخرة الرحل ولو بدقة شعرة) (المستدرك ج 1/ص 252، ومؤخرة الرحل هي الخشبة التي يستند إليها الراكب من رحل البعير، والرحل للبعير كالسرج للفرس) ومؤخرة الرحل هي قدر عظم الذراع، وهو نحو ثلثي ذراع، كما يستحب ألا تزيد المسافة بين المصلي والجدار أو الشاخص على ثلاثة أذرع لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة فصلى وبينه وبين الجدار نحو من ثلاثة أذرع (انظر البخاري ج 2 كتاب الحج باب 51/1522)
فإن لم يجد بسط طاهراً يصلي عليه، أو خط خطاً وفقاً للمسافة المذكورة، روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً، فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يكن معه عصا فليخط خطاً، ثم لا يضره ما مر أمامه) (أبو داود ج 1/ كتاب الصلاة باب 103/689)
ويجوز له الاستتار بالدابة لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يَعرِض راحلته وهو يصلي إليها" (مسلم ج 1/ كتاب الصلاة باب 47/247، ويعرض راحلته أي يجعلها معترضة بينه وبين القبلة)
ويحرم المرور بين المصلي السترة، حتى يحرم المرور بين المصلي والخط، ويستحب للمصلي دفع من أراد الاجتياز بين يديه والسترة لحديث أبي سعيد رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان) (البخاري ج 1 / كتاب سترة المصلي باب 10/487) وعن أبي جُهَيم الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه (أي ماذا عليه من الإثم) لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه) قال أبو النضر: "لا أدري قال أربعين يوماً أو شهراً أو سنة" (مسلم ج 1/ كتاب الصلاة باب 48/261) لكن لا تبطل صلاته بمرور من مر وما مر على الإطلاق (والأحاديث الواردة في قطع المرأة، والدابة والكلب، للصلاة بعضها ضعيف، وصحيحها محمول على قطع الخشوع لا الصلاة نفسها، لصحة الأحاديث المعارضة.)
أما المرور بين يدي المصلي لسد فرجة في الصف المتقدم (صفوف المصلين كل صف ستر لما بعده، فلا يجوز أن يمر بين الصفين إلا في الحالة التي ذكرنا) فلا شيء فيه، ومثله المرور من بعد الشاخص، لما في حديث أبو هريرة رضي الله عنه المتقدم (ثم لا يضره ما مر أمامه) وكذلك المرور بين يدي المصلي إذا صلى في قارعة الطريق غير متخذ سترة.
الفصل الثالث: مكروهات الصلاة
-1- ترك شيء من سنن الصلاة.
-2- الالتفات بالوجه من غير حاجة، ولا بأس بلمح العين دون الالتفات.
عن عائشة رضي الله عنها: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة فقال: (هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد) ". (البخاري ج 1/ كتاب صفة الصلاة باب 11/718، والاختلاس الأخذ بسرعة، على غفلة.)
فإن كان لحاجة لم يكره لحديث سهل بن الحنظلية رضي الله عنه قال: "ثُوِّب بالصلاة - يعني صلاة الصبح - فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو يلتفت إلى الشِّعب" قال أبو داود: "وكان أرسلا فارساً إلى الشِّعب من الليل يحرس" (أبو داود ج 1 / كتاب الصلاة باب 168/916)
-3- رفع البصر إلى السماء، ولو في دعاء القنوت لحديث أنس قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم) فاشتد قوله في ذلك حتى قال: (لينتهن عن ذلك أو لتُخْطَفَنَّ أبصارهم) " (البخاري ج 1/ كتاب صفة الصلاة باب 10/717)
-4- أن يصلي الرجل شاداً شعره إلى مؤخرة الرأس، لحديث أبي رافع قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي الرجل وهو عاقص شعره" (ابن ماجة ج 1 / كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها باب 67/1042) أو أن يصلي رافعاً ثوبه من قبل أو دبر لحديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ولا أكفَّ ثوباً ولا شعراَ) (مسلم ج 1 / كتاب الصلاة باب 44/228)
وهذا خاص بالرجل دون المرأة، والحكمة في ذلك أن الشعر يسجد معه إذا سجد، وفيه امتهانله في العبادة، أما المرأة فشعرها عورة فإذا نقضته ربما استرسل وتعذر ستره فتبطل صلاتها فضلاً عما في نقضه للصلاة من مشقة عليها.
-5- التثاؤب، وهو مكروه في الصلاة وفي غيها فليرده ما استطاع، ويستحب وضع يده فيه سواء كان في الصلاة أم لا لحديث أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (التثاؤب من الشيطان فإذا تثائب أحدكم فليكظم ما استطاع) (مسلم ج 4/كتاب الزهد والرقائق باب 9/56)
-6- تسوية الحصى والتراب حيث يسجد، إلا لعذر، عن مُعيقيب رضي الله عنه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الرجل يسوي التراب حيث يسجد، قال: (إن كنت فاعلاً فواحدة) " (مسلم ج 1/ كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب 12/49) ولأنه ينافي التواضع والخشوع.
كما يكره مسح الجبهة في الصلاة، وقبل الانصراف مما يعلف بها من غبار ونحوه لمنافاته التواضع والخشوع كذلك.
-7- يكره القيام على إحدى رجليه بلا عذر، أو تقديمها على الأخرى، أو لصقها بها.
-8- تكره الصلاة حاقناً (الحاقن محتبس البول) أو حاقباً (الحاقب محتبس الغائط) أو حازقاً (الحازق محتبس الريح) بل يحرم إن ضرته المدافعة لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: "إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا صلاة بحضرة الطعام ولا وهو يدافعه الأخبثان) " (مسم ج 1/ كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب 16/67)
وينبغي أن يزيل هذا العارض ثم يشرع في الصلاة، ولو فاتته الجماعة، إلا إذا خاف فوت الوقت فيصلي مع العارض محافظة على حرمة الوقت.
-9- تكره الصلاة وهو تائق إلى الطعام إن وسع الوقت وكان الطعام حاضراً أو قريب الحضور حفاظاً على الخشوع في الصلاة، ودليله حديث عائشة رضي الله عنها المتقدم.
وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتقديم العَشاء على العِشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعَشاء) (مسلم ج 1/ كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب 16/64)
-10 يكره أن يضع يده - اليمنى أو اليسرى- على خاصرته، لحديث أبو هريرة رضي الله عنه قال: "نُهي عن الخصر في الصلاة" (البخاري ج 1/ كتاب العمل في الصلاة باب 17/1161) ولأن فيه كبراً أو سوء أدب، أو تشبهاً بفعل اليهود.
-11- أن يخفض رأسه في ركوعه
-12- الاستناد إلى ما يسقط بسقوطه إلا لعذر
-13- الزيادة في جلسة الاستراحة على الجلوس بين السجدتين.
-14- إطالة التشهد الأول، والدعاء فيه.
-15- مقارنة الإمام في أفعال الصلاة لحديث البراء رضي الله عنه قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم لا يحنو أحد منا ظهره حتى نراه قد سجد" (مسلم ج 1 / كتاب الصلاة باب 39/200)
-16- تكره الصلاة محاذياً للنجاسة، ولو لم يتصل بها، كالصلاة في المزبلة والمجزرة، والمقبرة ولو غير منبوشة لحديث ابن عمر رضي الله عنهما " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلي في سبعة مواطن: في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام وفي معاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله" (الترمذي ج 2/ أبواب الصلاة باب 258/346) أما المقبرة المنبوشة فلا تصح الصلاة فيها لأن ترابها نجس، إلا أن يفرش ثوباً طاهراً يصلي عليه فتصح مع الكراهة.
-17- تكره الصلاة في الكنيسة، وفي البيعة، وفي الحمام، وعلى سطح الكعبة، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما المتقدم.
-18- تكره الصلاة في كل حال يشوش على المصلي، كالصلاة في طريق يمر الناس فيه، وفي مأوى الإبل، وفي بطن الوادي مع توقع السيل، وإلى جدار عليه نقوش، أو بثوب فيه صور أو أعلام تلهيه، لما روت عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في خميصة لها أعلام فقال: (شغلتني أعلام هذه، اذهبوا بها إلى أبي جهم وأتوني بأنبجانية) " (البخاري ج 1 / كتاب صفة الصلاة باب 11/719، الخميصة: كساء ذو أعلام والأنبجانية: كساء غليظ لا علم له)
-19- يكره التلثم (التلثم: تغطية الفم والأنف) للرجل لما ورد عن أبو هريرة رضي الله عنه قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغطي الرجل فاه في الصلاة (ابن ماجة ج 1/ كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها باب 42/966) والتنقب (التنقب: تغطية الفم والأنف بما زاد عن خمار المرأة، وهو غطاء رأسها) للمرأة، إلا إذا خشيت رؤية الأجنبي لها والفتنة فترخي الخمار على وجهها أثناء القيام والركوع، وترفعه عند السجود لتلامس جبهتها الأرض.
-20- تكره الصلاة عند غلبة النوم لحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا نعس أحدكم في الصلاة فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه) (مسلم ج 1/ كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 31/222)
-21- يكره أن يبصق المصلي أمامه أو عن يمينه إذا كان في غير المسجد، ومطلقاً إذا كان في المسجد، إلا على شيء كمنديل، للنهي عنه في الصحيح.
وهذه الكراهة ثابتة لغير المصلي أيضاً.
عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (البزاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها) (البخاري ج 1/ كتاب المساجد باب 5/405) وروى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في مسجدنا هذا وفي يده عُرْجُون ابن طاب (العرجون: أصل العِذقِ الذي يَعوجُّ ويقطع منه الشماريخ فيبقى على النخل يابساً.
وابن طاب: ضرب من الرطب) ، فنظر فرأى نخامة فأقبل عليها فحتها بالعرجون ثم قال (أيكم يحب أن يعرض الله عنه بوجهه؟) ثم قال: (إن أحدكم إذا قام يصلي فإن الله قبل وجهه فلا يبصقن قبل وجهه ولا عن يمينه وليبزق عن يساره تحت رجله اليسرى.
فإن عجلت به بادرة فليقل بثوبه هكذا، ووضعه على فيه ثم دلكه) " (أبو داود ج 1/كتاب الصلاة باب 22/485)
-22- تفقيع الأصابع وتشبيكها في الصلاة، لأنه ينافي الخشوع
الفصل الرابع: مبطلات الصلاة
-1- فقد شرط من شروط صحتها مع القدرة عليه، سواء دخل فيها بخلافه، أو دخل فيها وهو موجود ثم أخل به.
وينضوي تحت هذا:
(1) ملاقاة النجاسة التي لا يعفى عنها.
(2) الحدث قبل التسليمة الأولى
(3) انكشاف العورة أو شيء منها.
(4) الانحراف عن القبلة (مر تفصيل هذه المبطلات الأربعة عند بحث شروط صحة الصلاة)
(5) الردة والعياذ بالله.
-2- قطع ركن عمداً: كأن يعتدل قبل تمام الركوع، أو يسجد عامداً قبل تمام الاعتدال، أو يجلس للتشهد عامداً قبل تمام السجدة الثانية.
-3- ترك ركن من الأركان، لقوله صلى الله عليه وسلم للمسيء صلاته: (ارجع فصل فإنك لم تصل) .
-4- تقديم ركن فعلي على محله عمداً، بخلاف الركن القولي فتقديمه على محله لا يبطل، ولكن لا يعتد بالمقدم بل يعيده في محله، ويستثنى من الركن القولي السلام فتقديمه عمداً يبطل الصلاة.
-5- تطويل الركن القصير (تقديم تحديد الطويل والقصير من الأركان) عمداً، وضابط التطويل أن يطول الاعتدال بقدر قراءة الفاتحة زيادة على الدعاء الوارد فيه، وأن يطول الجلوس بين السجدتين بقدر أقل التشهد زيادة على الذكر الوارد فيه، فإن كان دون ذلك فلا يبطل (أما الاعتدال فعلى أنه ركن قصير، إلا أن النووي يرى أن الأقوى جواز تطويله لورود النص، فقد روى مسلم عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: "صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت يركع عند المائة، ثم مضى فقلت يصلي بها في ركعة فمضى فقلت يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلاً، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سال، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول: (سبحان ري العظيم) فكان ركوعه نحواً من قيامه، ثم قال: (سمع الله لمن حمده) ثم قام طويلاً قريباً مما ركع، ثم سجد فقال: (سبحان ربي الأعلى) فكان سجوده قريباً من قيامه" مسلم ج 1/ كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 27/203. قال النووي: "وفي التصريح بجواز إطالة الاعتدال بالذكر، والجواب عنه صعب على من منع الإطالة، فالأقوى جوازها بالذكر والله أعلم".)
-6- أن يطول زمن الشك (ويختلف الشك عن الوسواس الذي يصاب به بعض الناس) في النية وتكبيرة الإحرام حتى يمضي ركن قولي أو فعلي: فمن شك هل كبر للإحرام أم لا أو هل نوى أم لا؟ أو هل أتى ببعض شروط النية أم لا؟ وهو في الصلاة فينبغي له ألا يفعل شيئاً في حال الشك، فإن تذكر أنه أتى بكمال ذلك قبل أن يفعل شيئاً على الشك، وقصر الزمان، لم تبطل صلاته بلا خلاف، وإن طال بطلت لانقطاع نظمها، وإن تذكر بعد أن أتى مع الشك بركن فعلي أو قولي بطلت صلاته.
-7- العزم على قطع الصلاة؛ كأن يعزم في الركعة الأولى على قطعها في الثانية فتبطل في الحال، وكذا إذا شط في قطعها كأن يتردد هل يخرج منها أو يستمر، بطلت، ومثله أن يعلق قطعها بشيء، لأن النية شرط في جميع الصلاة، وقد قطع ذلك بما فعل فبطلت صلاته كالطهارة إذا قطعها بالحدث.
ولو دخل في الظهر مثلاً ثم نوى صرف النية إلى العصر بطل الظهر لأنه قطع نيته، ولم تصح العصر لأنه لم ينوه عند الإحرام.
ويحرم على المصلي إذا دخل في الصلاة المكتوبة قطعها إلا لضرورة؛ كإنقاذ حياة طفل، أو تجنب حصول ضرر شديد كنشوب حريق.
ويجوز قطع النافلة إجابة لأحد الوالدين إن لم يعلم أنه في صلاة، وكان يشق عليه عدم الإجابة.
-8- تخلف المأموم عن إمامه أو تقدمه عليه بركنين فعليين عمداً لغير عذر.
-9- الكلام الكثير ولو مكرهاً.
ودليله: قول الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث يسار بن معاوية ابن الحكم السَّلمي ض: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) (مسلم ج 1/ كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب 7/33)
وَحَدُّ الكلام الذي يبطل الصلاة موضح فيما يلي:
(1) أن يتكلم عمداً بحرفين من حروف الهجاء فأكثر، ولو لمصلحة الصلاة، ولو لم يفهما، أو حرف واحد مفهم لمعنى كما إذا قال: عِ أو قِ (أمران من وعى، ووقى)
أما إن تكلم عمداً بحرف غير مفهم فلا تبطل صلاته إلا إن قصد بنطقه إبطال صلاته، فتبطل عندئذ لأن فعله شروع في الإبطال.
(2) وتبطل الصلاة إذا بان منه حرف مفهم أو حرفان غير مفهومين، أثناء تنحنحه (التنحنح: تردد الصوت في الصدر) أو ضحكه أو أنينه أو بكائه - ولو خشية من الله تعالى-0 أو بنفخ من أنفه أو فمه أو بسعاله أو عطاسه أو تأوهه، إن كان قادراً على كتمه، أما إن لم يخرج شيئاً من الأحرف بكل ذلك فلا تبطل الصلاة.
وإن خرج منه صوت كالنهيق أو الصهيل أو صوت الطائر دون أن يظهر ذلك حرفاً لم تبطل الصلاة ما لم يقصد بذلك اللعب.
(3) إذا نطق بنظم القرآن بقصد التفهيم والإعلام لا بقصد التلاوة، كأن يأذن لرجل بالدخول فيقول له: ﴿ادخلوها بسلام آمنين﴾ بطلت صلاته/ وكذلك لو أطلق دون قصد تبطل صلاته لأنه أشبه كلام الآدميين.
أما إن قصد التفهيم مع التلاوة فلا تبطل.
ويعذر بالكلام في الصلاة في حالات:
(1) أن يسبق لسانه إلى الكلام بغير قصد، أو يغلبه الضحك أو العطاس أو السعال ويظهر منه حرفان.
(2) أن يتكلم ناسياً، أو جاهلاً للتحريم بسبب قرب عهده بالإسلام، أو نشوئه في بادية بعيدة عن العلماء، على أن يكون الكلام يسيراً، وضابط اليسير ست كلمات عرفية فأقل، أما إذا تجاوز الست كلمات فإنه يقطع الصلاة.
(3) يعذر في التنحنح، ولو كثر إن تعذر عليه النطق بركن قولي من أركان الصلاة كقراءة الفاتحة.
كما لا تبطل الصلاة بما يلي من الكلام:
(1) الذكر والدعاء إلا أن يكون خطاباً لمخلوق، كرد السلام وتشميت العاطس وقوله: غفر الله لك، أو عافاك الله، أما إن قال ذلك جميعه بغير لفظ الخطاب، كما لو قال: وعليه السلام، أو يرحمه الله أو عافاه الله، فلا تبطل لأنه دعاء محض
(2) التلفظ بقربة كالعتق ونذر التبرر (إن لفظه دون أن يعلق أو يعقب على النذر، ودون مخاطبة أحد.
ويقسم النذر إلى قسمين:
أولاً- نذر التبرر وهو نوعان آ- نذر تبرر منجز: وهو ما أوجب على نفسه فعله تقرباً إلى الله تعالى، ولا يكون إلا بطاعة غير واجبة، كأن يقول: لله علي صوم كذا، أو علي صوم كذا، دون ذكر لفظ الجلالة، وهذا لازم الأداء، ولا يبطل الصلاة إن لفظه أثناءها ب- التبرر المعلق: هو كنذر التبرر المنجز إلا أنه متعلق بمرغوب فيه، كأن يقول: لله علي صوم كذا شفي فلان، فإن تحقق النذر لزمه أداء ما التزم، وهذا لا يصح لفظه بالصلاة.
ثانياً- نذر اللجاج أو الخصومة أو الغضب: وهو ما تعرق بمرغوب عنه، كحث على فعل شيء، أو منعه منه أو تحقيق خبر، فإذا تحقق النذر فهو بالخيار إما أداء ما التزمه أو التكفير بكفارة يمين، ونذر اللجاج مكروه) مثل ذبح لله تعالى أو صوم أو صلاة لأنه مناجاة لله تعالى، ولا تبطل الصلاة لأنه لو انتظر حتى ينتهي منها قد تحدثه نفسه بالرجوع عن النذر.
كما لا تبطل الصلاة بالسكوت الطويل بلا عذر (في الأركان الطويلة بلا شك، / لأنه مر أن تطويل الركن القصير عمداً مبطل للصلاة)
ويسن لمن نابه شيء في الصلاة (كأن كلمه إنسان وهو في الصلاة فأراد إعلامه أن يصلي، أو سها الإمام فأراد أن يعلمه السهو) أن يسبح الله تعالى (بقصد الذكر مع الإعلام، أما إن قصد الإعلام وحده فتبطل صلاته) إن كان رجلاً، أما إن كانت امرأة فتصفق ببطن الكف على ظهر الكف الأيسر أو العكس (أما إن ضربت بطناً ببطن على وجه اللعب ولو قليلاً فتبطل صلاتها لمنافاته الخشوع إلا إن جهلت التحريم) ولو صفق وسبحت فقد خالفا السنة ولا تبطل صلاتهما.
عن سهل بن سعد رضي الله عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث نيابة أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم في إمامة الناس: (من نابه شيء في صلاة فليسبح، فإنه إذا سبَّح التفت إليه، وإنما التصفيح للنساء) " (مسلم ج 1/ كتاب الصلاة باب 22/102 وفي نسخة أخرى التصفيق بدل التصفيح، وهما بمعنى واحد.)
-10- الزيادة على أفعال الصلاة:
(1) إن كان الفعل من جنس أفعال الصلاة، بأن زاد ركوعاً أو غيره من الأركان الفعلية (ولا تقاس زيادة الركن القولي، على زيادة الركن الفعلي، فتكرار قراءة الفاتحة لا يبطل الصلاة لأنه لا يغير نظمها، لأنه تكرار ذكر فهو كما لو قرأ السورة بعد الفاتحة مرتين.
ويستثنى من ذلك السلام فزيادته عمداً تبطل)
آ- فإن كان عامداً بطلت صلاته قل العمل أو كثر لأنه متلاعب بالصلاة.
ب- وإن كان ناسياً لم تبطل قل العمل أو كثر، لحديث عبد الله رضي الله عنه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمساً فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فقال: (وما ذاك؟) قال: صليت خمساً، فسجد سجدتين بعدما سلم" (البخاري ج 1/ كتاب أبواب السهو باب 2/1168) ولأنه لا يمكن الاحتراز منه.
(2) أما إن لم يكن العمل من جنس الصلاة، كالمشي والضرب وإصلاح الرداء والإشارة:
آ- فإن كان قليلاً لم تبطل صلاته عمداً فعله أو سهواً إلا إذا قصد به اللعب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المصلي بدفع المارين بين يديه، على ما قدمنا، وأمر بقتل الأسودين، الحية والعقرب، في الصلاة (انظر أبو داود ج 1/ كتاب الصلاة باب 169/921) وحمل أمامة بن أبي العاض فكان إذا سجد وضعها فإذا قام رفعها (انظر مسلم ج 1 / كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب 9/41) وقد جاوب بعضهم على حمله صلى الله عليه وسلم أمامة باحتمال طهارة ثيابها، أو أن ذلك من خصوصياته ث أما لو ركب طفل على ظهر مصل مع تحقق نجاسة ثيابه فإن صلاته تبطل، بخلافه مع يقين الطهارة فإن ذلك لا يضر) وسلم عليه الأنصار فرد عليهم في الصلاة باسطاً كفه جاعلاً بطنه أسفل وظهره إلى فوق (انظر أبو داود ج 1/كتاب الصلاة باب 170/927)
ولأن المصلي لا يخلو من عمل قليل، فلم تبطل صلاته بذلك.
ب- وإن كان كثيراً - بأن مشى خطوات متتابعات، أو ضرب ضربات متواليات - بطلت صلاته عمداً فعله أو سهواً لأنه لا تدعو إليه الحاجة في الغالب.
وضابط الكثير يرجع فيه إلى العادة، فلا يضر ما يعده الناس قليلاً، كالإشارة برد السلام، وخلع النعل، ورفع العمامة ووضعها، ولبس ثوب خفيف ومزعه، وحمل صغير ووضعه.
قالوا: وعليه فالفَعَلات الثلاث كثير بلا خلاف، ولا يشترط أن تكون الأفعال الثلاثة من نوع واحد فمثلاً إذا حرك رأسه ويده ومشى اعتبر ذلك عملاً كثيراً يبطل الصلاة.
ومن العمل الكثير الوثبة الفاحشة المفردة، وكذا تحريك البدن كله أو معظمه، ولو من غير نقل قدميه، والضربة المفرطة.
وشروط إبطال الصلاة في العمل الكثير:
(1) التتابع عرفاً، كأن لا يطمئن بين الفعلين.
(2) أن يكون الفعل بعضو ثقيل، فإن كان بعضو خفيف، فلا يبطل الصلاة كتحرك أصابعه، كل أصبح بمفردها، من غير تحريك الكف (أما تحريك الأصابع جميعها بحيث يتحرك معها الكف كما هو الغالب، فإنه يضر مع التوالي) في سبحة أو حكة أو حل أو عقد أو تحريك لسانه، أو شفتيه من غير تحريك الحنك، أو تحريك حاجبيه أو أجفانه فكل هذه الحركات لا تبطل ولو كثرت متوالية، لكن يكره إن تعمده.
-11- الأكل والشرب:
(1) الأكل والشرب الكثيران يبطلان الصلاة، ولو كان الفاعل ناسياً، أو جاهلاً بإبطاله الصلاة بخلاف الصوم، فلا يبطل صومه بالأكل والشرك إن كان جاهلاً بشروط الصوم (لقرب عهده بالإسلام أو نشوئه بعيداً عن العلم والعلماء) أو كان ناسياً للصوم، ولو كثر، ولهذا التفريق بين الصوم والصلاة أسباب منها
آ- أن للصلاة هيئة مذكرة بخلاف الصوم
ب- أن الصلاة ذات أفعال منظومة، فكثير الأكل والشرب يقطع نظمها بخلاف الصوم فإنه كف وإمساك
(2) الأكل والشرب القليلان لا يبطلان الصلاة إن فعلهما ناسياً أو جاهلاً معذوراً أما العامد فتبطل صلاته قل الطعام أو كثر، حتى لو نزلت من رأسه نخامة فابتلعها عمداً بطلت صلاته، بخلاف ما لو لم يتمكن من إمساكها.
ولا بأس بجري الريق بين الأسنان إلا إذا انفصل شيء من الطعام مع الريق فابتلعه المصلي، فإنه يبطل الصلاة.
وأما المكره ولو على قليل الأكل والشرب في الصلاة فتبطل صلاته لأن هذه الحالة نادرة الوقوع.