كتاب الحج
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- درية العيطة
- الكتاب
- فقه العبادات على المذهب الشافعي
- المؤلف
- الحاجة درية العيطة [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]
الباب الأول: معنى الحج والعمرة وشروطهما والاستنابة
معنى الحج، حكمه، دليل فرضيته
- معنى الحج
لغة: القصد إلى معظم.
شرعاً: قصد البيت الحرام لأعمال النسك.
- حكمه: هو ركن من أركان الإسلام، وفرض عين على كل مستطيع، يكفر جاحده إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، أو نشأ في بادية بعيداً عن العلماء، وهو عباده بدنية ومالية.
- دليل فرضيته:
القرآن والسنة والإجماع:
فمن القرآن قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ 1
ومن السنة حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان) 2 .
ولا يجب الحج بأصل الشرع إلا مرة واحدة، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج فحجوا) ، فقال رجل أكل عام يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم) " 3 . ولأنه صلى الله عليه وسلم لم يحج بعد أن فرض الحج إلا مرة واحدة، وهي حجة الوداع.
وقد انعقد الإجماع منذ عهد الصحابة إلى يومنا هذا على أن الحج فريضة محكمة على كل مستطيع، في العمر مرة واحدة
معنى العمرة، حكمها
- معنى العمرة
لغة: الزيارة.
شرعاً: زيارة البيت الحرام للنسك.
- حكمها:
هي فرض عين على كل مستطيع، ودليل فرضيتها قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله.﴾ 1 . وما روته عائشة رضي الله عنها، قالت: "قلت يا رسول الله، على النساء جهاد؟ قال: (نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة) " 2 .
وهي فرض لمرة واحدة، لحديث جابر أن سراقة بن جعشم رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن العمرة، فقال: "يا رسول الله، ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدة في الأخرى، وقال: (دخلت العمرة في الحج -مرتين-، لا بل لأبد الأبد) " 3 .
ووجوب الحج والعمرة على التراخي، ما لم يخش المرض، بدليل قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ 4 ، وهذا القول مطلق عن تعيين الوقت، ولا يجوز تقييد النص إلا بدليل، ولا دليل على ذلك.
إلا أنه إن أخر بعد التمكن، ومات قبل أداء فريضة الحج، مات عاصياً، ووجب قضاؤها من تركته.
شروط الحج والعمرة:
أولاً- شروط للصحة مطلقاً:
- وهي الإسلام فقط، فلا يصح الحج أو العمرة من كافر أصلي أو مرتد، لعدم أهليته للعبادة.
ويصح إحرام الولي أو مأذونه عن الصبي المسلم غير المميز ومباشرته الأعمال عنه، بدليل ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما " أن امرأة رفعت صبياً إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: (نعم، ولك أجر) " 1 .
ثانياً - شروط صحة المباشر بالنفس:
- الإسلام والتمييز، فيصح من الصبي والعبد، ويثاب كل منهما عليه، لكن لا يجزئهما عن حجة الإسلام، ويحرم المميز بإذن وليه، ويباشر الأعمال بنفسه، ويجوز للولي أن يحرم عنه، بأن يقول: نويت الإحرام عن فلان بكذا، أو جعلته محرماً بكذا.
وبعد أن يصير محرماً يمنعه وليه عن جميع محرمات الإحرام، ويحضره مواضع النسك كلها وجوباً في الواجب، وندباً في المندوب.
ثالثاً - شروط وقوعه عن حجة الإسلام:
- الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية.
رابعاً - شروط الوجوب:
1- الإسلام: فلا يجب الحج ولا العمرة على الكافر الأصلي، ولا أثر لاستطاعته في حال الكفر، ولا يستقر الحج في ذمته بها، بل يعتبر حاله بعد الإسلام، فإن استطاع لزمه، وإلا فلا، لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه عمرو بن العاص رضي الله عنه: (أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله) 1 . أما المرتد فيجب عليه وجوب مطالبة، بأن يقال له: أسلم ثم حج، فإن كان مستطيعاً قبل ردته أو أثناء ردته ثم أسلم فأعسر، استقر في ذمته بتلك الاستطاعة، وإن مات بعد إسلامه ولم يحج حُجَّ عنه من تركته، أما إن مات مرتداً فلا يحج عنه.
2- العقل: فلا يجب الحج على المجنون، ودليله ما روي عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل) 2 .
3- البلوغ: فلا يجب على الصبي، لكنه يثاب على حجه بثواب نفل.
فإن بلغ الصبي أثناء القيام بأعمال الحج أو العمرة، وقبل الوقوف بعرفة، أو في أثنائه، أجزأه النسك، ويعيد السعي إن كان قد سعى بعد طواف القدوم.
4- الحرية: فلا يجب على الرقيق ولو مبعضاً، لأن العبد المملوك مستغرق في خدمة سيده، ولأن الاستطاعة شرط، وهي لا تتحقق إلا بملك الزاد والراحلة، والعبد لا يملك شيئاً.
5- الاستطاعة: لقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ ، والمراد منها استطاعة التكليف بهذه الفريضة.
والاستطاعة نوعان: استطاعة بنفسه، واستطاعه بغيره:
أولاً - استطاعة المباشرة بالنفس: وشروطها خمسة للرجل والمرأة سواء، وشرطان خاصان بالمرأة دون الرجل.
أما الخمسة العامة فهي:
-1 - وجود الزاد وقدر النفقة ذهاباً وإياباً، فإذا لم يجد الزاد وحج معولاً على السؤال كره له ذلك، وذهب الشافعي إلى أنه يجب الحج بإباحة الزاد والراحلة ممن لا منة له على المباح له، كالوالد إذا بذل الزاد والراحلة لولده.
كما يشترط وجود أوعية الزاد إن احتاج إليها لحمل الزاد من بلده، أما الشخص القريب من مكة فقد لا يحتاج إلى ذلك.
ويشترط وجود الماء والزاد في المواضع المعتاد حمله منها بثمن المثل، فلو لم يجد الماء أصلاً، أو وجده بأكثر من ثمن المثل لم يجب عليه الحج، وكذلك وجود علف الدابة التي يركبها، في كل مرحلة 3 .
-2 - وجود آلة الركوب التي تليق، في حق المرأة والخنثى مطلقاً، أما في حق الرجل فيشترط ذلك إن طال سفره؛ أي إن كان بينه وبين مكة مرحلتان فأكثر، ولو كان قادراً على المشي.
أما إن كان سفره أقل من مرحلتين، وهو قادر على المشي فلا تشترط آلة الركوب من راحلة وغيرها.
ودليل ما سبق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر السبيل في الآية ﴿من استطاع إليه سبيلاً﴾ باستطاعة الزاد والراحلة، روي عن أنس رضي الله عنه قال: "قيل يا رسول الله ما السبيل؟ قال: (الزاد والراحلة) " 4 .
ويشترط في كل ما سبق من زاد وأوعية وراحلة، أن يكون فاضلاً عن دَيْنه، سواء كان الدين لآدمي أو لحق الله تعالى، كالزكاة والكفارات.
كما يشترط أن يكون فاضلاً عن مؤنة من عليه مؤنتهم، كزوجة وفرعه وأصله، مدة ذهابه ورجوعه وإقامته في الحجاز، لحديث عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت) 5 . وأن يكون فاضلاً عن مسكنه اللائق به، وعن عبد يليق به ويحتاج إليه في خدمته.
-3 - توفر الأمن في الطريق وقت خروج الناس للحج، بأن يكون خالياً من نحو سبع وعدو، فإن لم يأمن على نفسه أو ماله لم يجب عليه الحج.
-4 - صحة البدن: فلا حج على المريض والمزمن والمقعد، والشيخ الكبير الذي لا يثبت على الراحلة بنفسه، ولو وجدت فيهم سائر شروط الحج الأخرى.
وإن كان أعمى لم يجب عليه إلا أن يكون معه قائد، لأن الأعمى من غير قائد كالزمن، ومع القائد كالبصير.
-5 - إمكان السير، وتوفر الوقت اللازم، بحيث يدرك الحج، فإن لم يبق من الوقت ما يتمكن فيه من السير لأداء الحج لم يلزمه.
أما الشرطان الخاصان بالمرأة فهما:
-1 - أن يخرج معها زوجها، أو محرم لها، أو نسوة ثقات، اثنتان فأكثر، تأمن معهما على نفسها، لأن الأطماع تنقطع بجماعتهن.
أما إذا كان الحج نفلاً فلا بد من زوج أو محرم، وإن لم يكن كل منهما ثقة، إنما الشرط أن يكون ذا غيرة عليها.
وليس للمرأة الحج إلا بإذن الزوج، فرضاً كان أو غيره، ولو منعها منه لم يجز لها الخروج له، وإذا أخرت الفرض لمنعه، وماتت، قضي من تركتها، ولا تعتبر عاصية، ما لم تتمكن من الحج قبل النكاح.
-2 - ألا تكون معتدة عن طلاق أو وفاة مدة إمكان السير للحج، لقوله تعالى: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن﴾ 6 .
ثانياً -الاستطاعة بغيره: وتكون بأحد أمرين: بماله أو بمن يطيعه.
-1 - فمن لا يقدر على الحج بنفسه لزمانة أو كبر، أو مرض لا يرجى زواله، بأن أقعده ذلك، وله مال يدفعه إلى من يحج عنه، فيجب عليه فرض الحج، لأنه يقدر على أداء الحج بغيره.
-2 - ومن لا يقدر على الحج بنفسه، وليس له مال، ولكن له ولد يطيعه إذا أمره، فإذا كان الولد مستطيعاً، وجب على الأب الحج، ويلومه أمر الابن بأدائه عنه، وإن لم يكن للولد مال فلا يلزمه.
لما روي عن أبي رَزِيْن العُقيلي رضي الله عنه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن.
قال: (حج عن أبيك واعتمر) " 7 .
- تعقيبات:
-1- من كان له مسكن واسع يفضل عن حاجته، بحيث لو باع الجزء الفاضل عن حاجته لوفّى ثمنه للحج، فيجب عليه الحج.
-2-من ملك بضاعة لتجارته، يلزمه صرف مال تجارته لنفقة الحج، ولو لم يبق رأسمال للتجارة، وهناك قول عند الشافعية أنه لا يلزمه والأول أقوى.
-3- من ملك نفقة الحج وأراد أن يتزوج فله حالان: أن يكون في حال اعتدال بالنسبة للشهوة، فهذا يلزمه الحج، ويستقر في ذمته، لكن له صرف المال إلى النكاح، ويبقى الحج في ذمته.
أن يكون في حال توقان نفس وخوف من الزنى، فهذا يكون الزواج في حقه مقدماً على الحج اتفاقاً.
الاستنابة بالحج:
- حكمها: تجب على الورثة عن الميت من تركته، قبل توزيعها ولو بدون وصية، إذا كان المتوفى في حال حياته قد توفرت فيه شروط وجوب الحج إلا أنه لم يحج، وهذه الحجة تسقط الفريضة عن الميت، فإن لم يفعلوا ورثوا مالاً حراماً، وبقيت فريضة الحج عنه معلقة بذمتهم، ولو لم يوص بها المتوفى.
وإن لم يكن له تركة سن لوليه أو لوارثه أن يحج عنه من ماله الخاص، كما يجوز للأجنبي أن يحج عنه 1 ، قياساً على قضاء الدين، لما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: "إن أمي نذرت أن تحج، فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال صلى الله عليه وسلم: (نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين، أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء) " 2 . أما الاستنابة في حجة النفل ففيها قولان: الأول أنها لا تصح إلا إذا أوصى بها المتوفى وإلا فلا، والثاني أنها تصح ولو لم يوصِ بها وهو المعتمد.
وتجب الاستنابة على من عجز عن الحج بنفسه، لكبر سن أو مرض مزمن لا يرجى برؤه، إن قدر عليه بماله أو بمن يطيعه، على ما تقدم.
أما إن كان بينه وبين مكة دون مسافة القصر فيلزمه الحج بنفسه، ولا تصح الاستنابة، ما لم ينته لحالة لا يقدر معها على الحركة.
شروط المستناب: أن يكون أهلاً للحج، مسلماً، بالغاً، عاقلاً، حراً، ثقة، حج حجة الإسلام عن نفسه، ودليل ذلك ما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: "سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يقول لبيك عن شبرمة.
قال: (من شبرمة؟) قال: أخ لي، أو قريب لي.
قال: (حججت عن نفسك؟) قال: لا.
قال: (حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة) " 3 . أما نية المستناب فتكون بأن يقصد معنى قوله: نويت الحج أو العمرة عن فلان وأحرمت به لله تعالى.
ويشترط في المستناب إن كان مستأجرً أن يدخل بالحج إفراداً 4 ما لم يسمح المستأجِر للمستأجَر أن يحج بأي شكل كان.
أما إذا كان المستناب متبرعاً فيصح له أن يؤدي الحج أو العمرة بأي وجه كان لكن الإفراد أفضل لأنه وجه الكمال.
ويسن ذكر اسم المستناب عنه عند القيام بأركان النسك، أما عند القيام بالنافلة -كطواف النافلة - فيجب ذكر اسم المستناب عنه.
أما المكان الذي يجب أن يحرم فيه المستناب عن الميت، فهو ميقات بلد الميت.
الباب الثاني
: أَركَان الحجّ
والعُمْرة (1)
أرْكَان الحجّ:
الركن الأول - الإحرام:
- هو قصد الدخول في الحج أو العمرة أو كليهما.
والمراد به هنا الدخول في حرمات مخصوصة، هي حرمات الشروع في الحج أو العمرة، ولا يتحقق الإحرام إلا بالنية، لرواية عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى) 2 . والنية هي قصد القلب الدخول بالحج أو العمرة، أو بهما معاً، ولا بد من التعيين؛ فإن أطلق بأن نوى الإحرام ولم يعين، فإن كان في أشهر الحج 3 صرفه لما شاء من النسكين - حج أو عمرة - أو كليهما إن لم يفت وقت الحج، فإن فات صرفه للعمرة، وإن كان في غير أشهر الحج انعقد عمرة، ويكون الصرف بالنية لا باللفظ، ولا يجزئه العمل قبل النية، فلو طاف أو سعى قبلها لم يعتد به.
ويستحب التلفظ بالنية بقوله: نويت الحج أو العمرة، وأحرمت به لله تعالى.
وإن كان نائباً عن غيره قال: نويت الحج أو العمرة عن فلان وأحرمت به لله تعالى.
ويصح الإحرام بإحرام غيره، وذلك بأن يقصد المحرم الاقتداء بشخص من أهل العلم والفضل، فيحرم بما أحرم به، لحديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: "قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منيخ بالبطحاء، فقال لي: (أحججت؟) فقلت: نعم.
فقال (بم أهللت؟) قال: قلت لبيك بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: (فقد أحسنت) " 4 حكم الإحرام لدخول مكة: من حج واعتمر حجة الإسلام وعمرته، ثم أراد دخول مكة لحاجة لا تتكرر، كزيارة أو تجارة أو رسالة، أو كان مكياً مسافراً، فأراد دخولها عائداً من سفره، استحب له الإحرام بعمرة، أو بحج إن كان في أيامه، ويكره الدخول بغير إحرام، لأن تحية الحرم تكون بذلك.
وإن كان دخوله لقتال، أو خوفاً من ظالم، ولا يمكنه أن يظهر لأداء النسك فله أن يدخل بغير إحرام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح بغير إحرام، لأنه كان لا يأمن أن يقاتل ويمنع.
أما من يتكرر دخوله، كالحطاب والحشاش والصياد والسقاء وحامل البريد، فيدخلها بغير إحرام، لما ورد في صحيح البخاري: "وإنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإهلال لمن أراد الحج والعمرة، ولم يذكره للحطابين وغيرهم" 51
الركن الثاني -الوقوف بعرفة:
- دليل فرضيته: قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الحج عرفة فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه) 1 تفسيراً للأمر القرآني بالحج، والمجمل إذا فسر يلتحق به التفسير، ويصير للتفسير حكم الأصل.
- مكان الوقوف:
عرفة كلها موقف، فيصح أداء الركن في أي موضع منها، إلا بطن وادي عُرْنة، لحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وقفت ههنا، وعرفة كلها موقف) 2 . وحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أيضاً، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل عرفة موقف، وارتفعوا عن بطن عرفة) 3 .
وحد عرفة: من الجبل المشرف على وادي عُرْنة إلى الجبال المقابلة له، إلى ما يلي منطقة البساتين المعروفة قديماً ببساتين بني عامر.
ومسجد نَمِرَة ليس من عرفة.
والواجب في الوقوف أن يحضر المحرم بأرض عرفة.
ويصح وقوفه حتى لو وقف على غصن شجرة فيها، أو على دابة، ولكن لا يصح بهوائها - كأن يكون في طائرة فوق أرض عرفة -، وليس المقصد خصوص الوقوف، بل مطلق الحضور، ولو كان نائماً أو ماراً في طلب آبق، أو هارباً، وإن لم يعرف كون الموضع عرفة، بشرط وجود نية الحج. - زمن الوقوف:
يبدأ وقت الوقوف من زوال الشمس يوم عرفة - وهو التاسع من ذي الحجة -، ويستمر إلى طلوع الفجر الثاني يوم النحر، بدليل حديث جابر رضي الله عنه في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه صلى الله عليه وسلم أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له" 4 ، وهو القائل صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني مناسككم) 5 ، وحديث عبد الرحمن بن يَعْمَر الدَّيلي رضي الله عنه المتقدم: (من جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه) .
ويتحقق الفرض ببقائه لحظة في أرض عرفة خلال الوقت المذكور.
ولو وقف الحجاج في اليوم العاشر من ذي الحجة ظناً منهم أنه اليوم التاسع، بأن غم عليهم هلال ذي الحجة، أجزأهم وقوفهم هذا، بخلاف ما لو وقفوا في اليوم الثامن أو الحادي عشر خطأ فلا يجزئهم الوقوف.
ولا يشترط للوقوف الطهارة من الحدثين، فيصح من المحدث والجنب والحائض والنفساء، لما روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها لما حاضت: (افعلي كما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري) 6
الركن الثالث -الطواف:
- بعد أن يفيض الحاج من عرفة، ويبيت بمزدلفة، يأتي منى يوم العيد فيرمي وينحر ويحلق، ثم بعد ذلك يفيض إلى مكة فيطوف بالبيت 1 ، وهذا الطواف يسمى طواف الزيارة، لأنه يأتي من منى فيزور البيت، ولا يقيم بمكة، وإنما يبيت في منى، ويسمى أيضاً طواف الإفاضة، لأنه يفعله عند إفاضته من منى إلى مكة.
وهو فرض في الحج، لذلك يسمى أيضاً طواف الفرض أو طواف الركن. - دليل فرضيته:
قوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ 2 .
وحديث عن عائشة رضي الله عنها "أن صفية بنت حيي رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم حاضت، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (أحابستنا هي؟) قالوا: إنها قد أفاضت.
قال (فلا إذاً) " 3 . - وقته: يدخل وقته من نصف ليلة النحر، بدليل حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: "أرسل النبي صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت" 4 . ولا آخر لوقته، ولكن الأفضل فعله يوم النحر ويكره تأخيره عنه، وتأخيره عن أيام التشريق أشد كراهة.
- واجباته:
-1- ستر العورة: وهي العورة الواردة في بحث الصلاة.
والدليل ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه "أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه بعثه في الحجة التي أمّره عليها رسول الله قبل حجة الوداع، يوم النحر، في رهط، يؤذن في الناس ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان" 5 . -2- الطهارة من الحدثين الأصغر والأكبر، والطهارة من النجاسة في الثوب والبدن والمكان الذي يطؤه.
ويعفى عما يشق الاحتراز منه، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه) 6 . وإذا زال الستر أو انتقض الوضوء أثناء الطواف جدد ستره أو وضوءه، وبنى على ما طافه سابقاً، وإن تعمد ذلك وطال الفصل، بخلاف الصلاة، إذ يحتمل في الطواف ما لا يحتمل فيها ككثير الكلام.
لكن يسن للمرء استئناف الطواف في هذه الحال.
-3- جعل البيت عن يساره ماراً تلقاء وجهه، فلو استقبله أو استدبره، أو جعله عن يمينه لم يصح طوافه.
-4- الابتداء من الحجر الأسود في كل شوط، فلو بدأ من غيره لم يحتسب له ما طافه قبله.
-5-كون الطواف سبع طوفات من الحجر الأسود للحجر الأسود، فإن ترك شيئاً من السبع وإن قل لا يجزئ، والدليل ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: "قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت سبعاً ثم صلى خلف المقام ركعتين" 7 . ولا ينجز شيء منه بالدم ولا بغيره.
ولو شك في العدد لزمه الأخذ بالأقل أثناء الطواف، أما إذا شك بعد الانتهاء فلا شيء عليه.
-6- كون الطواف داخل المسجد وإن وسع، ما لم يخرج عن الحرم، ويجوز في هواء المسجد وعلى سطحه، ولو مرتفعاً عن البيت، ولا بأس بالحائل بين الطائف والبيت.
-7- أن يكون الطائف خارجاً بجميع بدنه عن جميع البيت.
ويعتبر الشاذروان 8 من البيت، وكذا حجر سيدنا إسماعيل، وهو الحطيم لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: "سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الجَدْر -هو الحجر أو الحطيم -أمن البيت هو؟ قال: (نعم) " 9 . والدليل على وجوب كون الطائف خارجاً بجميع بدنه عن جميع البيت، قوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ . فيكون المرء طائفاً به إذا لم يكن جزء منه فيه، وإلا فهو طائف فيه.
ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف خارجه، وقد قال: (خذوا عني مناسككم) . لذا من دخل جزء من بدنه في هواء الشاذروان أو الحجر، أو مس جدار الحجر أو جدار البيت أثناء سيره، لم يصح طوافه، فيعيد الشوط الذي حصل فيه شيء من ذلك.
وإذا أراد أن يستلم الركن اليماني أو الحجر الأسود أثناء طوافه، فيجب عليه أن يقف ويثبت قدميه ثم يستلم، بحيث لا يمشي أية خطوة وهو لامس للحجر أو الركن أو الجدار، وإلا فعليه إعادة الشوط.
-8- عدم صرف الطواف لغيره، كطلب غريم، فإذا انصرف انقطع، أما اقتران نية الطواف بنية أخرى كالتفتيش عن شخص تائه عنه، فلا مانع منه.
وإذا كان الطواف نفلاً فتجب فيه النية، أما في الطواف الواجب فالنية سنة، لأن نية الحج أو العمرة تشمل الطواف.
الركن الرابع -السعي بين الصفا والمروة:
- تعريفه:
أصل السعي الإسراع، والمراد به هنا مطلق المشي.
وأصل الصفا الحجارة الملس، ومفردها صفاة، كحصى وحصاة، والمراد بالصفا هنا: طرف من جبل أبي قبُيَسْ، وسمي كذلك لأن سيدنا آدم اقتبس منه النار.
والمروة حجر أبيض براق، والمراد به هنا طرف من جبل قينقاع.
وهذان الجبلان الصغيران يوجدان على مقربة من البيت العتيق، والمسافة بينهما 420 متراً تقريباً.
والسعي بين الصفا والمروة مأخوذ من طواف هاجر أم إسماعيل عليه السلام في طلب الماء، كما في صحيح البخاري في حديث طويل عن ابن عباس رضي الله عنهما. - دليله: قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله، فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ 1 . وماروت حبيبة بنت أبي تَجْزئة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يسعى: (اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي) 2 .
- واجباته:
-1 - وقوع السعي بعد طواف صحيح، سواء كان بعد طواف الإفاضة، أو بعد طواف القدوم لحاج لم يقف بعرفة، أما إذا تخلل الوقوف بعرفة بين طواف القدوم والسعي، فقد امتنع السعي إلا بعد طواف الإفاضة.
ولو سعى الحاج عقيب طواف القدوم لم تستحب إعادته بعد طواف الإفاضة.
-2 - أن يبدأ الساعي بالصفا، لحديث جابر رضي الله عنه قال: "لما دنا النبي صلى الله عليه وسلم من الصفا قرأ: (إن الصفا والمروة من شعائر الله، أبدأ بما بدأ الله به) فبدأ بالصفا " 3 . فلو عكس لم تحسب المرة الأولى، ويشترط في المرة الثانية أن يبدأ بالمروة، وفي الثالثة بالصفا، وهكذا ...
3- أن يكون عدد مرات السعي سبعاً، فلو ترك من السبع شيئاً لم يصح، ويحسب ذهابه من الصفا إلى المروة مرة، وعودة مرة أخرى.
ويشترط أن يقطع جميع المسافة بين الصفا والمروة.
فلو بقي منها بعض خطوة لم يصح سعيه.
ويجب على الماشي أن يلصق رجله بالجبل في الابتداء والانتهاء بحيث لا يبقى بينهما فرجة، هذا إذا لم يصعد على الصفا والمروة، فإن صعد فهو الأكمل، لأن الصعود سنة مؤكدة.
-4 -كونه في المسعى المعروف الآن، فلا يجزئ مع الخروج عنه
-5 - عدم الصارف: فلو سعى بقصد طلب غريم له لم يصح.
وما يفعله العوام من المسابقة في السعي يضر إذا لم يقصد معها السعي.
ولا يشترط للسعي الطهارة من الحدثين، لأن المسعى ليس من المسجد، ولا سائر شروط صحة الصلاة.
الركن الخامس - الحلق أو التقصير:
- تعريفه: هو استئصال الشعر بالموسى، والتقصير هو قطع الشعر من غير استئصال.
- دليله: قوله تعالى: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلِّقين رؤوسكم ومقصرين﴾ 1 . والحلق للرجل أفضل، فإن نذره أصبح واجباً.
- شروطه:
أن لا يقل الحلق أو التقصير عن إزالة ثلاث شعرات، أو بعضها، بأية طريقة كانت، ولو لم يكن في رأسه غيرهن، وسواء كانت هذه الشعرات مسترسلة أو متفرقة.
فإن لم يكن في رأسه إلا شعرة واحدة لزمه حلقها.
ولا يقوم شعر الوجه -الشارب واللحية -مقام شعر الرأس.
أن يكون بعد رمي جمرة العقبة، أو بعد طواف الإفاضة. - وقته: يدخل وقت الحلق أو التقصير بنصف ليلة النحر.
أركان العمرة:
-1- الإحرام مع النية.
-2- الطواف.
-3- السعي.
-4 - الحلق أو التقصير.