التفريع في فقه الإمام مالك بن أنسصفحات 326-376
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الأقضية

صفحات 326-376
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الجلاب
الكتاب
التفريع في فقه الإمام مالك بن أنس - رحمه الله -
المؤلف
عبيد الله بن الحسين بن الحسن أبو القاسم ابن الجَلَّاب المالكي (المتوفى: 378هـ)
المحقق
سيد كسروي حسن
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1428 هـ - 2007 م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فيها فضل عن شربه فعليه أن يمكن صاحب الزرع المخوف عليه من فضل مائه حتى يصلح بئره، فإن امتنع من ذلك أُجبر عليه.

27 -

باب في القضاء فيما طرح من السفن

فصل في طرح ما في السفن خشية الغرق

وإذا أصاب المركب الخوف من الغرق فطرح ما فيه بإذن أهله أو بغير إذنهم فهم شركاء فيه على قدر اموالهم، ولا شيئ على صاحب المركب ولا على الأجراء، ولا على الركاب الذين لا مال لهم فيه.
وما كان فيه من الرقيق للتجارة حسب على أربابه بقدر أثمانهم.
وما كان من الرقيق نواتيّه وهم ملاحون لم يحسب عليهم شيئ.
ويقوّم المتاع المطروح يوم طرح، وقيل يوم حمله في المركب وقيل: يحسب بالثمن الذي اشترى به.

فصل في غرق المركب واصطدامه

وإذا شد مركب بمركب، ثم هاجت، يرح فحل أحدهما مركبه من الآخر أو حلّه غيره من لآخر، خوفًا من الغرق، فغرق المحلول منهما فلا شيئ على

وإذا اصطدم مركبان في جريهما فانكسر أحدهما فلا ضمان على الآخر بخلاف الفرسين يصطدمان.

28 -

باب في القسمة

فصل في قسم الأموال المشترك

وإذا كان بين جماعة شركة في دار أو أرض، وطلب أحدهم القسمة، وأبى الباقون أجبروا على القسمة حتى يأخذ كل واحد منهم حقه، وتقسم الثياب، والعروض والحيوان، والدواب بين أربابها.

فصل فيما لا ينقسم

وإذا كان بين الرجلين دابة أو ثوب أو سفينة أو غير ذلك مما لا ينقسم فتشاحنا فيه، ولم يتراضيا بالانتفاع به وأراد أحدهما البيع، وأبى الآخر أجبر الذي أبى على البيع حتى يتحصل الثمن فيقتسمانه.
وإذا قسمت الدار وتركت عرصتها مرفقًا لأهلها ثم أراد بعضهم قسمتها ففيها روايتان: إحداهما: أنها تقسم، والأخرى: أنها لا تقسم، وتترك مرفقًا لجماعتهم.

فصل في صفة قسم الدور والأرضين

وإذا كانت الدور والأرضين مشتركة بين جماعة وأرادوا قسمتها فما كان من ذلك متقارب المنافع والمواضع في القسمة، ولم يفرق.
وما تباعدت مواضعه أو تفاوتت منافعه فرق في القسمة، ولم يضم بعضه إلى بعض إلاّ أن يتراضى أربابه على ضمه.
وإذا كانت الدار مختلفة البناء قسمت بالقيمة وعدلت وضرب عليها بالسهام إلاّ أن يختاير أربابها فيجوز ذلك بينهم.
وكذلك الحائط إذا كان مختلف النخل والشجر قسم على القيمة والتعديل، ثم ضرب عليه بالسهام.

فصل في ضرب السهام في القسمة

وتقسم الدور والأرضون على أقل السهام ويسهم عليها فإن خرج السهم اليسير لصاحب السهم الكبير، ضم إليهمما يليه حتى يستوفي حقه.
وإن خرج لمن له ذلك القدر من الشركاء أخذه وأقرع بين الباقين حتى يستوفوا حقوقهم.
ولا يجمع القاسم بين اثنين في القسم إلاّ أن يتراضى الشركاء كلهم بذلك.
وأجرة

القاسم عليهم بالسوية وليست على قدر حصصهم في الملك.
وإذا اختلف المتقاسمان في القرعة، فأراد أحدهما أن يقرع على جهة بعينها، وأراد الآخر سواها، أقرع بين الجهتين، فأيتهما خرجت قرعتها أسهم عليها.
وكل ما لا يجبر على قسمته فلا يجوز أن يسهم عليه، وما يجبر على قسمته فلا بأس بالاستهام عليه.

فصل في القسمة بين الورثة

والقسمة بين الورثة على قدر السهام، وليست على عدد الرؤوس، ولا فرق بين أهل سهم في القسم.
ويقسم لكل أهل سهم نصيبهم في حيّز واحد ثم يقتسمونه بينهم قسمة ثانية إن شاء أو يتركونه مشتركًا بينهم.

فصل في قسمة الحمام

وإن كان حمام بين اثنين فأراد أحدهما قسمته وأبى الثاني ففيها روايتان: إحداهما: أنه يقسم بينهما.
والأخرى: أنه لا يقسم، ولكن يباع فيقتسمان ثمنه على ما بيناه فيما لا ينقسم.

29 -

باب القضاء في الشفعة

والشفعة في الدور والأرضين مستحقة، وكذلك في الحوانيت، ولا شفعة في عرض ولا حيوان.
والشفعة للخليط، وليست للجار شفعة ولا شفعة في طريق

ولا بئر، ولا فحل نحل.
ومن كان له في دار طريق أو ميل ماء فبيعت، فلا شفعة له فيها.

فصل في من له حق الشفعة

والشفعة على قدر الأنصباء، وليست على قدر الرؤوس، ولاشفعة بين أهل الميراث على قدر سهامهم، وأهل كل سهم أحق بشفعتهم فيما بينهم دون أهل السهم الآخر.
فإذا باع جميعهم سهمهم كانت الشفعة لأهل السهم الآخر، وإن كان في الورثة ذوو سهام وعصبة فباع أحد من ذوي السهام حقه فالشفعة لأهل سهمه، وإن باع بعض العصبة حقه، فالشفعة لذوي السهام والعصبة جميعًا.

فصل في الشفعة في سهم العقار المفوت فيه على وجه الهبة أو الصداق أو الدية

ومن وهب سهمًا من دار أو أرض مشتركة ففيها روايتان: إحداهما: أن فيه الشفعة بقيمته.
والأخرى: أنه ليس فيه شفعة.
ومن تزوج امرأة بسهم في أرض أو دار ففيه الشفعة بقيمته دون صداق المثل.
ومن صالح مندم عمد على سهم من دار أو أرض مشتركة ففي ذلك الشفعة بقيمة السهم.
ومن صالح مندم خطأ علىسهم مندار أو أرض مشتركة ففيه الشفعة بالدية.

فصل الشفعة فيما بيع مع ما لا شفعة فيه صفقة واحدة

ومن باع ما فيه الشفعة وما لا شفعة فيه صفقة واحد فللشفيع أن يأخذ ما فيه الشفعة بحصته من الثمن.

فصل في منع الشفيع من الشفعة في بعض السهم

دون بعض من دار أو دور مشتركة ومن باع سهمًا من دور مشتركة، وشفيعها واحد، فأراد أن يأخذ بعض ذلك دون بعضه، فليس له ذلك إلا أن يأخذ الجميع أو يتركه.

فصل في تعدد الشفعاء

وإذا بيع سهم له شفعاء عدّة فترك بعضهم الأخذ بالشفعة فلمن بقي أن يأخذ الكل بشفعته أو يتركه وليس له أن يأخذ منه بقدر نصيبه.

فصل في الشفعاء إذا كان بعضهم حضورًا وبعضهم غائبين

وإذا كان بعض الشفعاء حضورًا وبعضهم غيبًا، فالحاضر يأخذ الكل بشفعته أو يتركه، وليس له أن يأخذ منه بقدر حصته.
وإذا قدم الغائب أخذ من الحاضر بقدر حصته ولا تنقطع الشفعة للغائب بطول غيبته.

فصل في سقوط الشفعة بمرور الزمن

وإذا أخر الحاضر الأخذ بشفعته مع علمه بوجوب الشفعة له ففيها روايتان: إحداهما: أنه إذا مضت له سنة انقضت شفعته.
والأخرى: أنه لا تنقطع شفعته أبدًا حاضرًا كان أو غائبًاً، إلاّ أن يسقطها أو يظهر منه ما يدل على إسقاطها.

فصل في هبة الشفعة وشهادة الشفيع في البيع ومساومته للمشتري

ومن وهب شفعة قبل وجوبها لم تصلح هبته، ولم تسقط شفعته، وشهادته في البيع لا تسقط شفعته، ومساومته للمشتري بعد البيع تسقط شفعته في الشراء والكراء.

فصل في الشفعة فيما بيع بعرض أو حيوان

أو شيئ من المكيلات أو الموزونات ومن اشترى سهمًا فيه الشفعة بعرض أو حيوان فللشفيع أخذه بقيمة العرض أو الحيوان.
وإن اشتراه بشيئ من المكيلات أو الموزونات، فللشفيع أخذه بمثله.

فصل في عهدة الشفيع

وعهدة الشفيع على المشتري ودركه في الاستحقاق لازم له دون البائع، وسواء أخذ بالشفعة قبل القبض أو بعده.
ومن ادعى بيع سهم فيه الشفعة على رجل، فأنكر ذلك المشتري وحلف عليه وبرئ فليس للشفيع فيه شفعة، وإن كان ربه مقرًا بذلك.

الشفعة في حال الإقالة ومن باع سهمًا ثم استقال المشتري فيه فللشفيع أخذه بالشفعة، ولا تسقط الإقالة شفعته وقد اختلف قوله على من عهدته بعد الإقالة، فعنه فيه روايتان: أحداهما: أن عهدته على المشتري، والإقالة باطلة.
والأخرى: أنه بالخيار إن كتب عهدته على المشتري وإن شاء كتبها على البائع.

فصل في الشفعة إذا تعدد البيع مرارًا قبل أخذ الشفيع لها

وإذا بيع السهم الذي فيه الشفعة مرارًا قبل أخذ الشفيع له فله أن يأخذه بأي الصفقات شاء فإن أخذه بالصفقة الأخيرة صحّت الصفقات التي قبلها، وإن أخذها بالصفقة الأولى صحّ الصفقات التي بعدها، اتفق الأثمان أو اختلفت.
والاختيار إليه في العهدة والثمن.
وإن أخذه بالصفقة الوسطى صح ما قبلها من الصفقات وبطل ما بعدها.

فصل في مطل الشفيع

وإذا أراد الشفيع الأخذ بالشفعة، واستنظر المشتري بجميع المال أُجَّلَ ثلاثة أيام، فإن جاء بالمال وإلاّ قضي عليه ببطلان الشفعة وللمشتري أن يرفع الشفيع إلى الحاكم فيأمره بالأخذ أو الترك، فإن أبى الأخذ أو الترك حكم عليه الحاكم بسقوط الشفعة.

30 -

باب المزارعة وكراء الأرض بالطعام وغيره

فصل في الشركة في الأرض

ولا بأس بالشركة في الزرع إذا تكافأ في العمل والمؤنة والبذر.
ولا يجوز أن يكون الأرض من عند أحدهما والبذر من عند الآخر.
ولا بأس إذا كانت الأرض بينهما شراء أو بكراء أن يكون البذر من عند أحدهما والمؤنة من عند الآخر إذا تكافأ في قيمة ذلك.
وإذا زرعا أرضًا والبذر من عند أحدهما، والأرض من عند الآخر، وتكافآ فيما سوى ذلك، فالزرع بينهما نصفان وعلى صاحب الأرض نصف مكيلة البذر، وعلى صاحب البذر نصف كراء الأرض.

فصل في الشريك يساهم بالبذر فقط أو بالأرض فقط

وإذا دفع رجل إلى رجل بذرًا يبذره في أرضه على أن الزرع بينهما نصفان فالزرع كله لصاحب الأرض وعليه مكيلة البذر لربه.
وإذا دفع رجل إلى رجل أرضًا يزرعها ببذر من عنده على أن الزرع بينهمان صفان فالزرع كله لزراعه إذا كان الزارع هو الخادم له، والمقيم له، ولصاحب الأرض كراء المثل في أرضه.
وإذا كان صاحب الأرض المقيم به والعامل فيه فالزرع كله له، ولصاحب البذر مكيلة بذره.

فصل في البذر يحتمله السيل من أرض ربه

ويطرحه في أرض غيره فيثبت فيها ومن بذر بذرًا فأتى السيل فاحتمله فطرحه في أرض غيره، فثبت فهو لصاحب الأرض التي ثبت فيها ولا شيئ عليه لصاحب البذر.
وقد قيل: إن الزرع لصاحب البذر وعليه أجرة الأرض.

فصل في ما يجوز أن تكري به الأرض

ولا بأس بكراء الأرض بالذهب والورق والعروض والحيوان.
ولا يجوز كراؤها بالحيوان، كان مما تنبت الأرض أو لا تنبته.
ولا يجوز كراؤها بشيئ مما تنبته طعامًا كان أو غيره مثل القطن، والكتان وما أشبه ذلك.
ولا بأس بكرائها

بالخشب والقصب والحطب والعود، ولا يجوز كراؤها بالزعفران ولا العصفر.

فصل في كراء أرض الري

ولا بأس بكراء أرض مصر التي تروى بزيادة النيل قبل ريها، يكره النقد فيها بشرط قبل ريها.
فإ، تطوع المستأجر بانلقد من غير شرط فلا بأس به.
وإن كانت لأرض مأمونة لا يخلف ريها فلا بأس بالنقد فيها.
ولا بأس بكراء الأرض

المطر والنقد فيها إذا كانت الأرض مأمونة لا يخلف ريّها.

فصل في كراء الأرض إذا تلف الزرع بانقطاع الماء أو بحائحه

ومن اكترى أرضًا فزرعها، ثم انقطع ماؤها فتلف الزرع سقط عنه كراؤها.
ومن اكترى أرضًا فزرعها، ثم أصابت زرعه جائحة فأتلفته، لم يسقط الكراء عنه.

فصل في كراء الأرض إذا غار بئرها

ومن اكترى أرضًا ليزرعها فغارت بئرها قبل زرعه لها انفسخ كراؤها، إلاّ أن يعَمّر البئر ربُّها، ويتمكن المكتري من زرعها، فيلزمه كراؤها.
وإن زرعها ثم غار بئرها بعد زرعها فالمكتري بالخيار بين فسخ كرائها، وبين أن ينفق عليها أجرة سنَتَها إن لم يكن نقد كراءها، أو يسترجع من المكري كراء سنة إن كان نقد

كراءها، فينتفعه على بئرها.
فإن جاءه من الماء ما يكفيه لزمه الكراء، وإن لم يجئه من السماء ماء يكفيه لم يلزمه شيئ، ولا يكون على رب الأرض غرم لنفقته.
وقال عبد الملك: إن اكتراها سنين فزرعها ثم غارت بئرها، فله أن ينفق عليها كراء السنين كلها إن احتاجت إلى ذلك.

31 -

باب في الحبس (وهو الوقف)

فصل في وجوه الحبس

والحبس جائز صحيح، ومن حبس حبسًا على وجه صحيح لزمه إخراجه في الوجه الذي جعله فيه، ولم يجز له الرجوع فيه بعد حبسه.
ومن حبس حبسًا ولم تجعل له وجهًا جُعل في وجوه البر والخير، وهو موقوف أبدًا، ولم يرجع ملكًا له ولا لورثته بعد وفاته.
ومن قال: مالي حبس من وجه كذا، ففيها روايتان: إجداهما: أنه يتأبد تحبيسه فيكون أولاً في الوجه الذي جعله فيه، فإذا انقرض ذلك الوجه جعل حبسًا على أقرب الناس إليه فإذا انقرضت قرابته كان على الفقراء والمساكين.
والرواية الأخرى: أنه يكون في الوجه الذي جعله فيه، فإذا انقرض ذلك الوجه رجع ملكًا له في حياته وورثته بعد وفته وكذلك إذا قال: مالي صدقة في وجه كذا إلاّ أن يريد التصدق بعين ماله لا بمنفعته فيكون ملكًا لما تصدق به عليه.
وإن قال: مالي حبس صدقة أو صدقة حبس، ففيها روايتان على ما بيناه.
وإن قال: مالي حبس لا يباع ولا يوهب ولا يملك، وما أشبه ذلك من الألفاظ التي توجب التأييد كان حبسًا أبدًا، ولم يرجع ملكًا له ولا إلى ورثته ولو قال: مالي وقف على وجه كذا وكذا كان واقفًا أبدًا ولم يرجع ملكًا له ولا لورثته.

فصل في الوقت إذا لم يقبض من الواقف حتى مات

ومن حبس حبسًا، فلم يقبض منه ولم يخرج من يده حتى مات، فهو باطل ويصير ملكًا لورثته.
ومن وقف وقفًا في صحته فهو في رأس ماله.

فصل فيمن وقف وقفًا في مرضه أو وصيته

وإن وقف وقفًا في مرضه أو في وصيته فهو من ثلثه ومن وقف وقفًا في مرضه أو وصيته، على ورثته خاصة دون غيرهم لم يصح وقفه، وكان ملكًا لورثته.
ومن وقف وقفًا في مرضه على ورثته وغيرهم من الأجانب، جاز وقفه من ثلثه، وقسم بين ورثته والأجانب على شرطه، فإذا انقرض ورثته جعل في الوجه الذي جعله بعضهم فيه.
ومن وقف وقفًا في مرضه على بعض ورثته وعلى أجانب سواهم قسم الوقف بين من وقفه عليهم من ورثته والأجانب، فما أصاب الورثة جعل بين جميعهم من أدخله في الوقف ومن أخرجه منهم على الفرائض، فإذا انقرض ورثته صار الوقف كله لمن جعله له بعد ورثته، فإذا انقرض واحد من ورثته سقط حقه، وصار لمن جعله له بعده.

فصل في جواز حيازة الوقف على الصغير

ومن وقف وقفًا على ولد له صغير فحيازته له جائزة إذا لم يتصرف فيه

لنفسه، وتصرف فيه لولده

فصل فيما ينقسم وما لا ينقسم

إذا وقف على رجلين حياتهما فمات أحدهما ومن حبس عبدًا أو دابة على رجلين حياتهما، ثم جعلهما في وجه آخر بعد وفاتهما، فمات أجد الرجلين رجع نصيبه على الآخر، فإذا ماتا جميعًا رجع على وجه الذي بعدهما.
وقد قيل: يرجع نصيب الميت منهما في الوجه الثاني بعده، ولا يرجع نصيبه على الرجل الآخر.
وإن حبس عليهما ثمرة أو غلة أو شيئًا مما يتجزأ أو ينقسم فمات أحدهما، لم يرجع نصيبه على صاحبه ورجع في الوجه الآخر.
وإن حبس عليهما مسكنًا فهو على وجهين:

  • إن حبسه للسكن كان كما ذكرناه في العبد والدابة.
  • وإن كان حبسه عليهما ليستغلاه، كان كما ذكرناه فيما يتجزأ وينقسم.

فصل فيمن أسكن مسكنًا إلى أجل فمات

قبل الأجل ومن أوصى بالنفقة عليه إلى مدة فمات قبل تمامها ومن أسكن رجلاً مسكنًا إلى أجل فمات الساكن قبل الأجل فذلك لورثته إلى تمام أجله، فإن لم يكن له ورثة عاد المسكن إلى ربه.
ومن أوصى بنفقة على رجل إلى مدة، فمات قبل تمامها لم يكن لورثته شيئ من نفقته.

فصل في منع بيع الحبس

ومن حبس عقارًا فخرب لم يجز بيعه.
ومن حبس حيوانًا فهرم فلا بأس ببيعه، واستبدال مثله.
وقال عبد الملك: لا يجوز بيعه، اعتبارًا بالعقار.

فصل في تحبيس الحيوان والثمار والزكاة فيها

ولا بأس بتحبيس الخيل في سبيل الله عز وجل، وقد اختلف في قوله إذا حبس غير الخيل من الحيوان فكرهه مرة، وأجازه مرة أخرى.
ومن حبس ماشية،

فالزكاة فيها واجبة إذا كانت نصابًا.
وكذلك من حبس ثمرة أخذت الزكاة منها.

فصل في حبس الدور مع استمرار السكن فيها

من حبس دارًا فسكن منها بيتًا، أو ما شابهه، جازت كلها، ما سكنه منها وما لم يسكنه، وما سكن منها كثيرًا بطلت كلها ما سكنه وما لم يسكنه.
وكذلك لو حبس دورًا عدة فسكن يسيرًا منها، جازت كلها ما سكنه وما لم يسكنه، وإن سكن كثيرًا منها، بطلت كلها، ما سكنه منها وما لم يسكنه.
وقال ابن القاسم يبطل ما سكنه قليلاً كان أو كثيرًا، ويجوز وينفذ ما لم يسكنه قليلاً كان أو كثيرًا.

32 -

باب في الصدقة

فصل في شرط القبض في الصدقة

والصدقة لازمة بالقول وتمامها بالقبض.
ومن تصدق بصدقة، وهو صحيح، ثم مات قبل إخراجها فهي باطلة.
وإن كان مريضًا فهي جائزة من ثلثه.
وإن مات المتصدق بها عليه، فلورثته.
ومن تصدق على ولده صغيرًا فحيازته له جائزة إذا أشهد على صدقته وميزها بتصرفه له فيها.

فصل فيما يجوز وما لا يجوز في الصدقة

ومن تصدق بصدقة فلا رجعة له فيها ولا ثواب له عليها.
وإن مات المتصدق بها عليه فورثها المصدق جاز له تملكها والتصرف فيها، ويكون له شراؤها، واستيهابها.
ومن تصدق على ولد له بدنانير أو دراهم مقدرة غير معينة، وأشهد له بذلك فصدقته باطلة، وإن تصدق عليها بجزء مشاع في دار أو أرض وأشهد على ذلك، ففيها روايتان: إحداهما: جوازها.
والأخرى: بطلانها وكذلك الهبة.

33 -

باب في الهبة

فصل في إلزام الواهب دفع ما وهب

ومن وهب شيئًا من ماله لزمه دفعه إلى الموهوب له إذا طالبه به، فإذا أبى

ذلك حكم عليه به إذا أقرّ وقامت عليه بينة، وإن أنكر الهبة حلف عليها وبرئ منها، وإن نكل عن اليمين حلف الموهوب له وأخذها منه.

فصل في الهبة إذا مات الواهب أو الموهوب له قبل قبضها

وإذا مات الواهب قبل دفعها إلى الموهوب له بطلت الهبة إذا كان قد أمكنه أخذها ففرط فيها، فإن مات الموهوب له قبل قبضه قام ورثته مقامه في مطالبة الواهب بهبته.

فصل في الرجعة في الهبة

وكل من وهب هبة فليس له فيها رجعة ولا عصرة إلا للوالدين خاصة فإن لهما الرجعة فيما وهباه لولدهما ما لم يداين أو يتزوج، فإن داين أو تزوج لم يكن للوالدين في الهبة رجعة، فإن تغيرت العلة عند الولد فليس للوالدين فيها رجعة، وإن باعها الولد وأخذ ثمنها لم يكن للوالدين إلى الثمن سبيل، ومن وهب لولده دنانير أو دراهم أو شيئًا مما له مثل فخلطه الولد بمثله فليس للوالد فيه رجعة ولا شريكًا للولد بقدره.

فصل في الهبة للثواب والعوض

والهبة للثواب والعوض جائزة، ومن وهب هبة للثواب فمات قبل دفع الهبة فهي صحيحة لازمة وليس تحتاج هبة الثواب لحيازة.
ومن وهبت له هبة للثواب فقبضها فهو بالخيار إن شاء أصاب منها قيمتها، وإن شاء ردها، فإن أثاب منها قيمتها لزم واهبها قبولها شاء أو أبى، وإن ردها انفسخت هبتها، وإن فاتت عبده لزمه قيمتها إلاّ أن يرضى الواهب بأقل من قيمتها.

فصل في الاختلاف في الغرض من الهبة

ومن وهب هبة مطلقة، وادَّعى أنه وهبها للثواب نظر في ذلك وحمل على العرف فيه، فإن كان مثله يطلب الثواب على هبته قُبل قوله مع يمينه.
وإن كان مثله لا يطلب الثواب على هبته، فالقول قول الموهوب له مع يمينه.
فإن أشكل

ذلك واحتمل الوجهين فالقول قول الواهب مع يمينه.

فصل في الهبة لصلة الرحم والهبة لله عزل وجل

ومن وهب هبة لصلة رحم فليس فيها مثوبة.
وكذلك من وهب هبة الله عز وجل حسبْه فليس له على هبته مثوبة.

فصل في هبة الرجل ولده دون البعض والتصدق بماله كله

ومن ولا بأس أن يهب الرجل لبعض ولده دون بعض جزءًا من ماله، ويكره أن يهب له ماله كله إلاّ أن يكون ماله يسيرًا ولا بأس أن يتصدق المرء بماله كله.

34 -

باب القضاء في الوكالة

فصل في الوكالة وفي ضمان الوكيل

والوكالة جائزة على البيع والابتياع، والخصومة والقضاء، والاقتضاء وغير ذلك.
والوكيل مؤتمن لا يضمن إلاّ أن يتعدّى.
ويصدق في رد السلعة أو ثمنها إلى الآمر.
ولو باع الوكيل ولم يشهد على المشتري فجحده، فإنه ضامن لتغريره.
وإذا وكلت المرأة زوجها في حق لها من بيع أو شراء، ثم ادعت أنه لم يعطها شيئًا فإنه ليس عليه إلاّ يمينه ويبرأ.
وكذلك يقوم الوكلاء بالبلدان يقبضون لهم الأموال، وإذا وكله لقبض ماله، فزعم الوكيل أنه قد أخذه، وليس للذي عليه الدّين بينه بالدفع والوكيل مقر له،

ولم يدفع إلى صاحب الحق شيئًا فليس ينفع إقرار الوكيل إلاّ بينة عليه وإلاّ غرم الغريم الحق.
ومن باع متاعًا ووكل على قبض ثمنه رجلاً، فزعم الوكيل أنه قد قبضه ودفعه إلى صاحب الحق فعلى الذي عليه الحق البينة يدفعه إلى الوكيل، وليس على الوكيل إلاّ اليمين بالله لقد دفع.
ولا يخاصم في الغائب قريبه إلاّ بوكالة أو أمر يعرف.

فصل في تصرف الوكيل بعد موت الموكل

وإذا اشترى الوكيل بعد موت الآمر، ولم يعلم بموته، لزم الشراء ورثته، وإن لم يكن قبض الثمن لزم الثمن تركته.
وإذا اشترى بعد علمه بموته لم يلزم الورثة وعليه غرم الثمن، وكذلك ما باع بهذا المعنى.

فصل في خلع الوكيل

ومن وكل وكيلاً وفوض إليه في البيع والشراء واقتضاء الديون وأشهد له بذلك، ثم خلعه وأشهد على خلعه، ولم يعلم بذلك غرماؤه، فلا يبرأ غريم بما دفع إليه بعد خلعه، كان ذلك من ثمن شيئ باعه الوكيل أو من غير ذلك.
وقد قيل: إن لم يعلم الوكيل والغريم بالخلع، فالغريم برئ.
فإن علم بذلك أحدهما والآخر عالم أو غير عالم لم يبرأ الغريم.

فصل في الوكيل المفوض والوكيل المخصوص

وإذ حطّ الوكيل المفوض إليه أو أخر نظرًا أو استيلافًا جاز، إلاّ أن يكون

وكيلاً مخصوصًا فلا يجوز ما أحط أو أخر، بخلاف المفوَض إليه.

فصل في الوكيل والموكل يبيعان شيئًا واحدًا ببيعين مختلفين

وإذا باع الآمر وباع الوكيل، فأول البيعين أحق إلاّ أن يقبض الثاني السلعة فهو أحق بها كإنكاح الوليين.

فصل في تعدي الوكيل

وإذا باع الوكيل بالدين فقد تعدى، كالمقارض.
وكذلك لو أخذ بالثمن رهنًا فهو متعد، وكذلك إن باع بالعرض ما يباع بالعين.
وإن باع الوكيل أو ابتاع بما لا يشبه الثمن أو بما لا يتغابن الناس بمثله لم يلزمه الموكل.
وإذا وكله على شراء جارية أو ثوب، ولم يصف له ذلك، فإن اشترى ما لا يشبه أن يبتاع لمثله لم يلزمه إلاّ أن يشاء، ويلزم ذلك الوكيل.
وإن وكله على شراء سلعة بعشرة فابتاعها بخمسة، فغ، كانت على الصفة لزمته وإلاّ فلا، وإن ابتاعها بعشرين فهو مخير في أخذها أو ردها ولو زاد يسيرًا مما يزاد في مثل الثمن لزمته الزيادة، وإن وكل على شراء شيئ بعينه، ولم يدفع إليه ثمنًا أو اشترى بما أمره، ولم ينقد، ثم أخذ الثمن منه لينقده فضاع، فعليه غرمه ثانية.
وكذلك لو ضاع مرارًا حتى يصل إلى البائع.
ولو كان الموكل دفع إلى الوكيل الثمن قبل الشراء فضاع بعد الشراء لم يلزمه غرمه؛ لأنه مال بعينه ذهب، ويلزم الوكيل الثمن، والسلعة له.
[

فصل فيما يجوز وما يكره من الوكلاء

ولا بأس أن يوكل عبدًا محجورًا عليه أو مأذونًا له.
ويكره أن يوكل نصرانيًّا على بيع أو ابتياع أو يبضع معه، وكذلك لو كان عبدًا له.

فصول الكتاب · 32 فصل · 436 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التفريع في فقه الإمام مالك بن أنس · 436 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الزكاةكتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب الجهادكتاب الجنائزكتاب الايمان والنذوركتاب الأضاحيكتاب العقيقةكتاب الصيدكتاب الذبائحكتاب الأطعمةكتاب الأشربةكتاب الأولادكتاب التدبيركتاب المكاتبكتاب العتق
كتاب النكاح
كتاب الرضاع
كتاب الطلاق وما جانسه
كتاب البيوع
كتاب الإجارةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الشركةكتاب الخراج والدياتكتاب الحدود
كتاب الأقضية
باب في القضاء فيما طرح من السفنفصل في طرح ما في السفن خشية الغرقفصل في غرق المركب واصطدامهباب في القسمةفصل في قسم الأموال المشتركفصل فيما لا ينقسمفصل في صفة قسم الدور والأرضينفصل في ضرب السهام في القسمةفصل في القسمة بين الورثةفصل في قسمة الحمامباب القضاء في الشفعةفصل في من له حق الشفعةفصل في الشفعة في سهم العقار المفوت فيه على وجه الهبة أو الصداق أو الديةفصل الشفعة فيما بيع مع ما لا شفعة فيه صفقة واحدةفصل في منع الشفيع من الشفعة في بعض السهمفصل في تعدد الشفعاءفصل في الشفعاء إذا كان بعضهم حضورًا وبعضهم غائبينفصل في سقوط الشفعة بمرور الزمنفصل في هبة الشفعة وشهادة الشفيع في البيع ومساومته للمشتريفصل في الشفعة فيما بيع بعرض أو حيوانفصل في عهدة الشفيعفصل في الشفعة إذا تعدد البيع مرارًا قبل أخذ الشفيع لهافصل في مطل الشفيعباب المزارعة وكراء الأرض بالطعام وغيرهفصل في الشركة في الأرضفصل في الشريك يساهم بالبذر فقط أو بالأرض فقطفصل في البذر يحتمله السيل من أرض ربهفصل في ما يجوز أن تكري به الأرضفصل في كراء أرض الريفصل في كراء الأرض إذا تلف الزرع بانقطاع الماء أو بحائحهفصل في كراء الأرض إذا غار بئرهاباب في الحبس (وهو الوقف)فصل في وجوه الحبسفصل في الوقت إذا لم يقبض من الواقف حتى ماتفصل فيمن وقف وقفًا في مرضه أو وصيتهفصل في جواز حيازة الوقف على الصغيرفصل فيما ينقسم وما لا ينقسمفصل فيمن أسكن مسكنًا إلى أجل فماتفصل في منع بيع الحبسفصل في تحبيس الحيوان والثمار والزكاة فيهافصل في حبس الدور مع استمرار السكن فيهاباب في الصدقةفصل في شرط القبض في الصدقةفصل فيما يجوز وما لا يجوز في الصدقةباب في الهبةفصل في إلزام الواهب دفع ما وهبفصل في الهبة إذا مات الواهب أو الموهوب له قبل قبضهافصل في الرجعة في الهبةفصل في الهبة للثواب والعوضفصل في الاختلاف في الغرض من الهبةفصل في الهبة لصلة الرحم والهبة لله عزل وجلفصل في هبة الرجل ولده دون البعض والتصدق بماله كلهباب القضاء في الوكالةفصل في الوكالة وفي ضمان الوكيلفصل في تصرف الوكيل بعد موت الموكلفصل في خلع الوكيلفصل في الوكيل المفوض والوكيل المخصوصفصل في الوكيل والموكل يبيعان شيئًا واحدًا ببيعين مختلفينفصل في تعدي الوكيلفصل فيما يجوز وما يكره من الوكلاء
كتاب الوصاياكتاب المواريثكتاب الجامع
جارٍ التحميل