الروحالْمَسْأَلَة الْحَادِيَة وَالْعشْرُونَ وَهِي هَل النَّفس وَاحِدَة أم ثَلَاث فقد وَقع فِي

الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة وَالْعشْرُونَ وَهِي هَل النَّفس وَاحِدَة أم ثَلَاث فقد وَقع فِي

كَلَام كثير من النَّاس أَن لِابْنِ آدم ثَلَاث انفس نفس مطمئنة وَنَفس لوامة وَنَفس أَمارَة وَأَن مِنْهُم من تغلب عَلَيْهِ هَذِه وَمِنْهُم من تغلب عَلَيْهِ الْأُخْرَى ويحتجون على ذَلِك بقوله تَعَالَى ﴿يَا أيتها النَّفس المطمئنة﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَا أقسم بِيَوْم الْقِيَامَة وَلَا أقسم بِالنَّفسِ اللوامة﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِن النَّفس لأمارة بالسوء﴾ وَالتَّحْقِيق أَنَّهَا نفس وَاحِدَة وَلَكِن لَهَا صِفَات فتسمى بإعتبار كل صفة بأسم فتسمى مطمئنة بإعتبار طمأنينتها إِلَى رَبهَا بعبوديته ومحبته والإنابة إِلَيْهِ والتوكل عَلَيْهِ وَالرِّضَا بِهِ والسكون إِلَيْهِ فَإِن سمة محبته وخوفه ورجائه مِنْهَا قطع النّظر عَن محبَّة غَيره وخوفه ورجائه فيستغني بمحبته عَن حب مَا سواهُ وبذكره عَن ذكر مَا سواهُ وبالشوق إِلَيْهِ وَإِلَى لِقَائِه عَن الشوق إِلَى مَا سواهُ فالطمأنينة إِلَى الله سُبْحَانَهُ حَقِيقَة ترد مِنْهُ سُبْحَانَهُ على قلب عَبده تجمعه عَلَيْهِ وَترد قلبه الشارد إِلَيْهِ حَتَّى كَأَنَّهُ جَالس بَين يَدَيْهِ يسمع بِهِ ويبصر بِهِ ويتحرك بِهِ ويبطش بِهِ فتسرى تِلْكَ الطُّمَأْنِينَة فِي نَفسه وَقَلبه ومفاصله وَقواهُ الظَّاهِرَة والباطنة تجذب روحه إِلَى الله ويلين جلده وَقَلبه ومفاصله إِلَى خدمته والتقرب إِلَيْهِ وَلَا يُمكن حُصُول الطُّمَأْنِينَة الْحَقِيقِيَّة إِلَّا بِاللَّه ونذكره وَهُوَ كَلَامه الَّذِي أنزلهُ على رَسُوله كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿الَّذين آمنُوا وتطمئن قُلُوبهم بِذكر الله أَلا بِذكر الله تطمئِن الْقُلُوب﴾ فَإِن طمأنينة الْقلب سكونه واستقراره بِزَوَال القلق والانزعاج وَالِاضْطِرَاب عَنهُ وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى بِشَيْء سوى الله تَعَالَى وَذكره الْبَتَّةَ وَأما مَا عداهُ فالطمأنينة إِلَيْهِ غرور والثقة بِهِ عجز قضى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَضَاء لَا مرد لَهُ أَن من اطْمَأَن إِلَى شَيْء سواهُ أَتَاهُ القلق

والانزعاج وَالِاضْطِرَاب من جِهَته كَائِنا من كَانَ بل لَو اطْمَأَن العَبْد إِلَى علمه وحاله وَعَمله سبله وزايله وَقد جعل سُبْحَانَهُ نفوس المطمئنين إِلَى سواهُ أغراضها بسهام الْبلَاء ليعلم عباده وأولياؤه أَن الْمُتَعَلّق بِغَيْرِهِ مَقْطُوع والمطمئن إِلَى سواهُ عَن مَصَالِحه ومقاصده مصدود وممنوع وَحَقِيقَة الطُّمَأْنِينَة الَّتِي تصير بهَا النَّفس مطمئنة أَن تطمئِن فِي بَاب معرفَة أَسْمَائِهِ وَصِفَاته ونعوت كَمَا لَهُ إِلَى خَبره الَّذِي أخبر بِهِ عَن نَفسه وأخبرت بِهِ عَنهُ رسله فتتلقاه بِالْقبُولِ وَالتَّسْلِيم والإذعان وانشراح الصَّدْر لَهُ وَفَرح الْقلب بِهِ فَإِنَّهُ معرف من معرفات الرب سُبْحَانَهُ إِلَى عَبده على لِسَان رَسُوله فَلَا يزل الْقلب فِي أعظم القلق وَالِاضْطِرَاب فِي هَذَا الْبَاب حَتَّى يخالط الْإِيمَان بأسماء الرب تَعَالَى وَصِفَاته وتوحيده وعلوه على عَرْشه وتكلمه بِالْوَحْي بشاشة قلبه فَينزل ذَلِك عَلَيْهِ نزُول المَاء الزلَال على الْقلب الملتهب بالعطش فيطمئن إِلَيْهِ ويسكن إِلَيْهِ ويفرح بِهِ ويلين لَهُ قلبه ومفاصله حَتَّى كَأَنَّهُ شَاهد الْأَمر كَمَا أخْبرت بِهِ الرُّسُل بل يصير ذَلِك لِقَلْبِهِ بِمَنْزِلَة رُؤْيَة الشَّمْس فِي الظهيرة لعَينه فَلَو خَالفه فِي ذَلِك من بَين شَرق الأَرْض وغربها لم يلْتَفت إِلَى خلافهم وَقَالَ إِذا استوحش من الغربة قد كَانَ الصّديق الْأَكْبَر مطمئنا بِالْإِيمَان وَحده وَجَمِيع أهل الأَرْض يُخَالِفهُ وَمَا نقص ذَلِك من طمأنينة شَيْئا فَهَذَا أول دَرَجَات الطُّمَأْنِينَة ثمَّ لَا يزَال يقوى كلما سمع بِآيَة متضمنة لصفة من صِفَات ربه وَهَذَا أَمر لَا نِهَايَة لَهُ فَهَذِهِ الطُّمَأْنِينَة أصل أصُول الْإِيمَان الَّتِي قَامَ عَلَيْهِ بِنَاؤُه ثمَّ يطمئن إِلَى خَبره عَمَّا بعد الْمَوْت من أُمُور البرزخ وَمَا بعْدهَا من أَحْوَال الْقِيَامَة حَتَّى كَأَنَّهُ يُشَاهد ذَلِك كُله عيَانًا وَهَذَا حَقِيقَة الْيَقِين الَّذِي وصف بِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أهل الْإِيمَان حَيْثُ قَالَ ﴿وبالآخرة هم يوقنون﴾ فَلَا يحصل الْإِيمَان بِالآخِرَة حَتَّى يطمئن الْقلب إِلَى مَا أخبر الله سُبْحَانَهُ بِهِ عَنْهَا طمأنينته إِلَى الْأُمُور الَّتِي لَا يشك فِيهَا وَلَا يرتاب فَهَذَا هُوَ الْمُؤمن حَقًا بِالْيَوْمِ الآخر كَمَا فِي حَدِيث حَارِثَة أَصبَحت مُؤمنا فَقَالَ رَسُول الله إِن لكل حق حَقِيقَة فَمَا حَقِيقَة إيمانك قَالَ عزفت نَفسِي عَن الدُّنْيَا وَأَهْلهَا وَكَأَنِّي أنظر إِلَى عرش رَبِّي بارزا وَإِلَى أهل الْجنَّة يتزاورون فِيهَا وَأهل النَّار يُعَذبُونَ فِيهَا فَقَالَ عبد نور الله قلبه

جارٍ التحميل