الْمَسْأَلَة الْعشْرُونَ وَهِي هَل النَّفس وَالروح شَيْء وَاحِد أَو شَيْئَانِ متغايران
فأختلف النَّاس فِي ذَلِك فَمن قَائِل أَن مسماهما وَاحِد وهم الْجُمْهُور وَمن قَائِل أَنَّهُمَا متغايران وَنحن نكشف سر الْمَسْأَلَة بحول الله وقوته فَنَقُول النَّفس تطلق على أُمُور أَحدهَا الرّوح قَالَ الْجَوْهَرِي النَّفس الرّوح يُقَال خرجت نَفسه قَالَ أَبُو خرَاش نجما سالما وَالنَّفس مِنْهُ بشدقه... وَلم ينج إِلَّا جفن سيف ومئزر أَي بجفن سيف ومئزر وَالنَّفس وَالدَّم قَالَ سَأَلت نَفسه وَفِي الحَدِيث مَالا نفس لَهُ سَائِلَة لَا ينجس المَاء إِذا مَاتَ فِيهِ وَالنَّفس الْجَسَد قَالَ الشَّاعِر نبئت أَن بني تَمِيم أدخلُوا... أَبْنَاءَهُم تامور نفس الْمُنْذر والتامور الدَّم وَالنَّفس الْعين يُقَال أَصَابَت فلَانا أَي عين قلت لَيْسَ كَمَا قَالَ بل النَّفس هَا هُنَا الرّوح وَنسبَة الْإِضَافَة إِلَى الْعين توسع لِأَنَّهَا تكون بِوَاسِطَة النّظر الْمُصِيب وَالَّذِي أَصَابَهُ إِنَّمَا هُوَ نفس العائن كَمَا تقدم قلت وَالنَّفس فِي الْقُرْآن تطلق على الذَّات بحملتها كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَسَلمُوا على أَنفسكُم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿يَوْم تَأتي كل نفس تجَادل عَن نَفسهَا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿كل نفس بِمَا كسبت رهينة﴾ وَتطلق على الرّوح وَحدهَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿يَا أيتها النَّفس المطمئنة﴾ وَقَوله تَعَالَى أخرجُوا أَنفسكُم وَقَوله تَعَالَى ﴿وَنهى النَّفس عَن الْهوى﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿إِن النَّفس لأمارة بالسوء﴾ وَأما الرّوح فَلَا تطلق على الْبدن لَا بإنفراده وَلَا مَعَ النَّفس وَتطلق الرّوح على الْقُرْآن الَّذِي أوحاه الله تَعَالَى إِلَى رَسُوله قَالَ تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيْك روحا من أمرنَا﴾ وعَلى الْوَحْي الَّذِي يوحيه إِلَى أنبيائه وَرُسُله قَالَ تَعَالَى ﴿يلقِي الرّوح من أمره على من﴾
يَشَاء من عباده لينذر يَوْم التلاق وَقَالَ تَعَالَى ﴿ينزل الْمَلَائِكَة بِالروحِ من أمره على من يَشَاء من عباده أَن أنذروا أَنه لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاتقون﴾ وسمى ذَلِك روحا لما يحصل بِهِ من الْحَيَاة النافعة فَإِن الْحَيَاة بِدُونِهِ لَا تَنْفَع صَاحبهَا الْبَتَّةَ بل حَيَاة الْحَيَوَان البهيم خير مِنْهَا وَأسلم عَاقِبَة وَسميت الرّوح روحا لِأَن بهَا حَيَاة الْبدن وَكَذَلِكَ سميت الرّيح لما يحصل بهَا من الْحَيَاة وَهِي من ذَوَات الْوَاو وَلِهَذَا تجمع على أَرْوَاح قَالَ الشَّاعِر إِذا ذهبت الْأَرْوَاح من نَحْو أَرْضكُم... وجدت لمسرها على كَبِدِي بردا وَمِنْهَا الرّوح وَالريحَان والاستراحة فسميت النَّفس روحا لحُصُول الْحَيَاة بهَا وَسميت نفسا إِمَّا من الشَّيْء النفيس لنفاستها وشرفها وَإِمَّا من تنفس الشَّيْء إِذا خرج فلكثرة خُرُوجهَا ودخولها فِي الْبدن سميت نفسا وَمِنْه النَّفس بِالتَّحْرِيكِ فَإِن العَبْد كلما نَام خرجت مِنْهُ فَإِذا اسْتَيْقَظَ رجعت إِلَيْهِ فَإِذا مَاتَ خرجت خُرُوجًا كليا فَإِذا دفن عَادَتْ إِلَيْهِ فَإِذا سُئِلَ خرجت فَإِذا بعث رجعت إِلَيْهِ فَالْفرق بَين النَّفس وَالروح فرق بِالصِّفَاتِ لَا فرق بِالذَّاتِ وَإِنَّمَا سمي الدَّم نفسا لِأَن خُرُوجه الَّذِي يكون مَعَه الْمَوْت يلازم خُرُوج النَّفس وَإِن الْحَيَاة لَا تتمّ إِلَّا بِهِ كَمَا لَا تتمّ إِلَّا بِالنَّفسِ فَلهَذَا قَالَ تسيل على حد الظباة نفوسنا... وَلَيْسَت على غير الظباة تسيل وَيُقَال فاضت نَفسه وَخرجت نَفسه وَفَارَقت نَفسه كَمَا يُقَال خرجت روحه وَفَارَقت وَلَكِن الْفَيْض الاندفاع وهلة وَاحِدَة وَمِنْه الْإِفَاضَة وَهِي الاندفاع بِكَثْرَة وَسُرْعَة لَكِن أَفَاضَ إِذا دفع بإختياره وإرادته إِذا انْدفع قسرا وقهرا فَالله سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي يفيضها عِنْد الْمَوْت فتفيض هِيَ