قَالَ الْفَصْل الثَّانِي إِن مَذْهَب الإمامية وَاجِب الإتباع لِأَنَّهُ أَحَق الْمذَاهب وَأصْدقهَا وَلِأَنَّهُم باينوا جَمِيع الْفرق فِي أصُول العقائد وَلِأَنَّهُم جازمون بالنجاة أخذُوا دينهم عَن المعصومين وَغَيرهم اخْتلفُوا وتعددت آراؤهم وأهواؤهم فَمنهمْ من طلب الْأَمر لنَفسِهِ بِغَيْر حق وَتَابعه أَكثر النَّاس طلبا للدنيا كَمَا اخْتَار عمر بن سعد بن مَالك الَّذِي لما خير بَينه وَبَين قتال الْحُسَيْن مَعَ علمه بِأَن قتلته فِي النَّار فَإِنَّهُ قَالَ (فوَاللَّه مَا أَدْرِي وَإِنِّي لصَادِق... أفكر فِي أَمْرِي على خطرين) (أأترك ملك الرّيّ والري منيتي... أَو أصبح مأثوما بقتل حُسَيْن) (وَفِي قَتله النَّار الَّتِي لَيْسَ دونهَا... حجاب ولي فِي الرّيّ قُرَّة عين) وَبَعْضهمْ إشتبه عَلَيْهِ الْأَمر وَرَأى طَالب الدُّنْيَا فقلده وَقصر فِي النّظر فخفي عَلَيْهِ الْحق فَاسْتحقَّ الْمُؤَاخَذَة من الله تَعَالَى وَبَعْضهمْ قلد لقُصُور فطنته وَرَأى الجم الْفَقِير فبايعهم وتوهم أَن الْكَثْرَة تَسْتَلْزِم الصَّوَاب وغفل عَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَلِيل مَا هم﴾ وَبَعْضهمْ طلب الْأَمر لنَفسِهِ بِحَق وَبَايَعَهُ الأقلون الَّذين أَعرضُوا عَن زِينَة الدُّنْيَا وَأَخْلصُوا وَاتبعُوا مَا أمروا بِهِ من طَاعَة من يسْتَحق التَّقْدِيم فَوَجَبَ النّظر فِي الْحق واعتماد الْإِنْصَاف وَأَن يقر الْحق بمستقره فقد قَالَ تَعَالَى ﴿أَلا لعنة الله على الظَّالِمين﴾ فَجعل المُصَنّف النَّاس بعد نَبِيّهم أَرْبَعَة أَصْنَاف فكذب فَإِنَّهُ لم يكن فِي الصَّحَابَة المعروفين أحد من هَذِه الْأَصْنَاف أما طَالب الْأَمر بِغَيْر حق كَأبي بكر فِي زَعمه وَأما
طَالب الْأَمر بِحَق عَليّ فِي زَعمه فَهَذَا كذب عَلَيْهِمَا فَلَا عَليّ طلب الْأَمر لنَفسِهِ وَلَا أَبُو بكر وَجعل الْقسمَيْنِ الآخرين إِمَّا مُقَلدًا للدنيا وَإِمَّا مُقَلدًا لقصوره فِي النّظر فالإنسان يجب عَلَيْهِ أَن يعرف الْحق ويتبعه فَإِن الْيَهُود عرفُوا الْحق وَمَا تبعوه فهم مغضوب عَلَيْهِم وَأما النَّصَارَى فجهلوا الْحق وَضَلُّوا وَهَذِه الْأمة خير الْأُمَم فَقَالَ تَعَالَى ﴿كُنْتُم خير أمة﴾ فَخَيرهَا الْقرن الأول الَّذِي يَلِيهِ بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خير النَّاس قَرْني ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ وَهَؤُلَاء الرافضة يَقُولُونَ فيهم مَا قد علمْتُم ويجعلونهم أقل النَّاس علما وأتبعهم للهوى فَلَزِمَ من قَوْلهم أَن الْأمة ضلت بعد نبيها فَإِذا كَانَ فِي هَذَا حكايتك لما جرى عقيب نبيك فَكيف سَائِر مَا تنقله وتحتج بِهِ وقولك تعدّدت آراؤهم بِعَدَد أهوائهم فحاشاهم من ذَلِك أَتَدْرِي من تَعْنِي يَا جويهل عنيت الَّذين قَالَ الله فيهم ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان رَضِي الله عَنْهُم وَرَضوا عَنهُ﴾ وَقَالَ ﴿مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم﴾ وَالثنَاء على الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار فِي غير آيَة وعَلى الَّذين يجيئون من بعدهمْ فَيَقُولُونَ ﴿رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان﴾ ويسألونه أَن لَا يَجْعَل فِي قُلُوبهم غلالهم والرافضة لم يَسْتَغْفِرُوا لَهُم وَفِي قُلُوبهم الغل لَهُم وروى الْحسن بن عمَارَة عَن الحكم عَن مقسم عَن ابْن عَبَّاس
قَالَ أَمر الله بالإستغفار لأَصْحَاب مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ يعلم أَنهم يقتتلون وَقَالَ عُرْوَة عَن عَائِشَة أمروا أَن يَسْتَغْفِرُوا لأَصْحَاب مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فسبوهم وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أبي سعيد قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تسبوا أَصْحَابِي فَلَو أَن أحدكُم أنْفق مثل أحد ذَهَبا مَا بلغ مد أحدهم وَلَا نصيفه وَفِي مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة نَحوه مَرْفُوعا وَفِي مُسلم عَن جَابر قَالَ قيل لعَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا إِن نَاسا يتناولون أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى أَبَا بكر وَعمر فَقَالَت وَمَا تعْجبُونَ من هَذَا إنقطع عَنْهُم الْعَمَل فَأحب الله أَن لَا يقطع عَنْهُم الْأجر وروى الثَّوْريّ عَن نسير بن ذعلوق سَمِعت ابْن عمر يَقُول لَا تسبوا أَصْحَاب مُحَمَّد فلمقام أحدهم سَاعَة يَعْنِي مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خير من عمل أحدكُم أَرْبَعِينَ سنة وَقَالَ تَعَالَى ﴿لقد رَضِي الله عَن الْمُؤمنِينَ إِذْ يُبَايعُونَك تَحت الشَّجَرَة فَعلم مَا فِي قُلُوبهم فَأنْزل السكينَة عَلَيْهِم وأثابهم فتحا قَرِيبا﴾ أخبر سُبْحَانَهُ بِرِضَاهُ عَنْهُم وَبِأَنَّهُ علم مَا فِي قُلُوبهم وَكَانُوا ألفا وَأَرْبَعمِائَة فهم أَعْيَان من بَايع أَبَا بكر وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا
ثَبت عَنهُ فِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث جَابر بن عبد الله لَا يدْخل أحد مِمَّن بَايع تَحت الشَّجَرَة النَّار وَقَالَ تَعَالَى ﴿لقد تَابَ الله على النَّبِي والمهاجرين وَالْأَنْصَار الَّذين اتَّبعُوهُ فِي سَاعَة الْعسرَة﴾ يَعْنِي غَزْوَة تَبُوك وَقَالَ ﴿إِنَّمَا وَلِيكُم الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا﴾ وَقَالَ ﴿والمؤمنون وَالْمُؤْمِنَات بَعضهم أَوْلِيَاء بعض﴾ فَأمر بِمُوَالَاتِهِمْ والرافضة تَبرأ مِنْهُم وَقد قَالَ بعض الجهلة إِن قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذين يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَيُؤْتونَ الزَّكَاة وهم رَاكِعُونَ﴾ نزلت فِي عَليّ رَضِي الله عَنهُ وَذكر فِي ذَلِك خيرا مَوْضُوعا وَأَنه تصدق بِخَاتمِهِ فِي الصَّلَاة فَنزلت قيل لَا لِأَن الْآيَة صِيغَة جمع وَعلي وَاحِد وَمن ذَلِك أَن الْوَاو لَيست فِي ﴿وهم رَاكِعُونَ﴾ وَاو الْحَال إِذْ لَو كَانَ كَذَلِك لتعين بالبدء إِعْطَاء الزَّكَاة فِي الصَّلَاة حَال الرُّكُوع وَمِنْهَا أَن الْمَدْح إِنَّمَا يكون بِعَمَل وَاجِب أَو مُسْتَحبّ وإيتاء الزَّكَاة فِي نفس الصَّلَاة لَيْسَ كَذَلِك بالإتفاق وَإِن فِي الصَّلَاة شغلا وَمِنْهَا أَن عليا لم يكن عَلَيْهِ زَكَاة زمن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا
كَانَ لَهُ خَاتم أَو كَانَ لَهُ فالخاتم زَكَاة مَاذَا لِأَن أَكثر الْفُقَهَاء لَا يجوزون إِخْرَاج الْخَاتم فِي الزَّكَاة وَفِي حَدِيثهمْ أَنه أعطَاهُ سَائِلًا والمدح فِي الزَّكَاة أَن يُخرجهَا إبتداء وعَلى الْفَوْر وَمِنْهَا أَن الْكَلَام فِي سِيَاق النَّهْي عَن مُوالَاة الْكفَّار وَالْأَمر بموالاة الْمُؤمنِينَ والرافضة يعادون الْمُؤمنِينَ ويوالون الْمُنَافِقين مُشْركي التتار كَمَا شاهدنا وَقَالَ الله تَعَالَى لنَبيه ﴿هُوَ الَّذِي أيدك بنصره وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَألف بَين قُلُوبهم﴾ والرافضة تُرِيدُ أَن تفرق بَين قُلُوب خِيَار الْأمة بالأكاذيب وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ وَصدق بِهِ أُولَئِكَ هم المتقون﴾ إِلَى قَوْله ﴿ليكفر الله عَنْهُم أَسْوَأ الَّذِي عمِلُوا﴾ فَهَذَا الصِّنْف هم أشرف الْأمة وَقد وعدهم بِأَنَّهُ يكفر عَنْهُم أَسْوَأ أَعْمَالهم وَعلي فعندهم مَعْصُوم فَقولُوا لم يدْخل فِي الْآيَة وَقَالَ ﴿وعد الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَعمِلُوا الصَّالِحَات ليَستَخْلِفنهم فِي الأَرْض﴾ الْآيَة فَوَعَدَهُمْ الإستخلاف وَأخْبر بِرِضَاهُ عَنْهُم وبأنهم متقون وَبِأَنَّهُ أنزل السكينَة عَلَيْهِم وَهَذِه النعوت منطبقة على الصَّحَابَة الَّذين بَايعُوا أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان فَإِنَّهُ إِذْ ذَاك الزَّمَان حصل لَهُم الإستخلاف وتمكين الدّين والأمن بعد الْخَوْف إِلَى أَن قهروا فَارس وَالروم وافتتحوا الشَّام وَالْعراق ومصر وَالْمغْرب وخراسان وأذربيجان وَغير ذَلِك فَلَمَّا قتل عُثْمَان وحصلت الْفِتْنَة لم يفتحوا شَيْئا بل طمع فيهم الرّوم وَغَيرهم وَحدثت الْبدع من الْخَوَارِج وَالرَّوَافِض والنواصب وأريقت الدِّمَاء فَأَيْنَ مَا بعد قَتله مِمَّا قبله فَإِن قيل فالمنافقون كَانُوا مُسلمين فِي الظَّاهِر قُلْنَا مَا كَانُوا متصفين بِخَير وَلَا كَانُوا مَعَ الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا كَانُوا مَعَ الْمُؤمنِينَ قَالَ الله فيهم ﴿وَلَئِن جَاءَ نصر من رَبك ليَقُولن إِنَّا كُنَّا مَعكُمْ أَو لَيْسَ الله بِأَعْلَم بِمَا فِي صُدُور الْعَالمين وليعلمن الله الَّذين آمنُوا وليعلمن الْمُنَافِقين﴾ وَقَالَ ﴿ويحلفون بِاللَّه إِنَّهُم لمنكم وَمَا هم مِنْكُم وَلَكنهُمْ قوم يفرقون﴾ وَقَالَ ﴿إِن الْمُنَافِقين فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار﴾ أخبر تَعَالَى أَن الْمُنَافِقين لَيْسُوا من الْمُؤمنِينَ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ بل مذبذبين وَكَذَا ترى الرافضة وَقَالَ ﴿لَئِن لم ينْتَه المُنَافِقُونَ وَالَّذين فِي قُلُوبهم مرض والمرجفون فِي الْمَدِينَة لنغرينك بهم ثمَّ لَا يجاورونك فِيهَا إِلَّا قَلِيلا ملعونين﴾
) فَلَمَّا لم يغره الله بهم وَلم يقتلهُمْ تقتيلا دلّ على أَنهم انْتَهوا وَمَا كَانَ مَعَه يَوْم الشَّجَرَة مِنْهُم إِلَّا الْجد بن قيس فَإِنَّهُ إختبأ خلف بعيره فبالجملة كَانَ المُنَافِقُونَ مغمورين مقهورين مَعَ الصَّحَابَة وَلَا سِيمَا فِي آخر أَيَّام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَبعد تَبُوك لِأَن الله تَعَالَى قَالَ فيهم ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل﴾ ثمَّ قَالَ الله ﴿وَللَّه الْعِزَّة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمنِينَ وَلَكِن الْمُنَافِقين لَا يعلمُونَ﴾ فَتبين أَن الْعِزَّة للْمُؤْمِنين لَا لِلْمُنَافِقين فَعلم أَن الْعِزَّة وَالْقُوَّة كَانَت لأَصْحَاب مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَن الْمُنَافِقين كَانُوا أَذِلَّة بَينهم قَالَ تَعَالَى ﴿يحلفُونَ بِاللَّه لكم ليرضوكم﴾ ﴿يحلفُونَ لكم لترضوا عَنْهُم﴾ وَقَالَ ﴿وَلَكنهُمْ قوم يفرقون﴾ هَذِه صِفَات الذَّلِيل المقهور وَأما السَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار فَمَا زَالُوا أعز النَّاس بعد نَبِيّهم وَقبل مَوته فَلَا يجوز أَن يكون الأعزاء من خَاصَّة أَصْحَاب مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم منافقين وَلَا أدلاء بل هَذِه صفة الرافضة فشعارهم الذل ودثارهم النِّفَاق والتقية وَرَأس مَالهم الْكَذِب وَالْإِيمَان الْفَاجِرَة إِن لم يقعوا فِي الغلو والزندقة يَقُولُونَ بألسنتهم مَا لَيْسَ فِي قُلُوبهم ويكذبون على جَعْفَر الصَّادِق أَنه قَالَ التقية ديني وَدين آبَائِي وَقد نزه الله أهل الْبَيْت عَن ذَلِك وَلم يحوجهم إِلَيْهِ فَكَانُوا من أصدق النَّاس وأعظمهم إِيمَانًا فدينهم التَّقْوَى لَا التقية فَأَما قَوْله تَعَالَى ﴿لَا يتَّخذ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافرين أَوْلِيَاء من دون الْمُؤمنِينَ وَمن يفعل ذَلِك فَلَيْسَ من الله فِي شَيْء إِلَّا أَن تتقوا مِنْهُم تقاة﴾ (فَهَذَا أَمر بالإتقاء من الْكفَّار لَا أَمر بِالْكَذِبِ والتقية وَالله قد أَبَاحَ لمن أكره على الْكفْر التَّكَلُّم بِهِ فَأهل الْبَيْت مَا أكرههم أحد على شَيْء حَتَّى إِن أَبَا بكر لم يكره أحدا مِنْهُم على بيعَته بل بَايعُوهُ لما أَرَادوا طَوْعًا مِنْهُم وَلَا كَانَ عَليّ وَلَا غَيره يذكرُونَ فضل الصَّحَابَة وَالثنَاء عَلَيْهِم خوفًا من أحد وَلَا أكرههم أحد بإتفاق النَّاس وَقد كَانَ فِي زمن بني أُميَّة وَبني الْعَبَّاس خلق كثير دون عَليّ فِي الْإِيمَان وَالتَّقوى يكْرهُونَ من
الْخُلَفَاء أَشْيَاء فَلَا يمدحونهم وَلَا يثنون عَلَيْهِم وَلَا يحبونهم وَلَا كَانَ أُولَئِكَ يكرهونهم ثمَّ إِن الْخُلَفَاء الرَّاشِدين كَانُوا أبعد عَن قهر النَّاس وعقوبتهم على طاعتهم من سَائِر الْخُلَفَاء ثمَّ هَؤُلَاءِ أسرى الْمُسلمين ملْء أَيدي النَّصَارَى وسائرهم يظهرون دينهم فَكيف يظنّ بعلي وبنيه أَنهم كَانُوا أَضْعَف دينا من الأسرى وَمن رعية مُلُوك الْجور وَقد علمنَا بالتواتر أَن عليا وبنيه مَا أكرههم أحد على ذكر فضل الْخُلَفَاء الثَّلَاثَة وَقد كَانُوا يَقُولُونَ ذَلِك وَيَتَرَحَّمُونَ عَلَيْهِم ويتكلمون بذلك مَعَ خاصتهم فقولك فبعضهم طلب الْأَمر لنَفسِهِ بِغَيْر حق وَبَايَعَهُ أَكثر النَّاس للدنيا يُشِير إِلَى أبي بكر وَمن الْمَعْلُوم أَن أَبَا بكر لم يطْلب الْأَمر لنَفسِهِ بل قَالَ قد رضيت لكم إِمَّا عمر وَإِمَّا عبد الرَّحْمَن وَإِمَّا أَبَا عُبَيْدَة قَالَ عمر فوَاللَّه لِأَن أقدم فَتضْرب عنقِي أحب إِلَيّ من أَن أتأمر على قوم فيهم أَبُو بكر وَإِنَّمَا اخْتَارَهُ عمر وَأَبُو عُبَيْدَة وَسَائِر الْمُسلمين وَبَايَعُوهُ لعلمهم بِأَنَّهُ خَيرهمْ وَقد قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَأْبَى الله والمؤمنون إِلَّا أَبَا بكر ثمَّ هَب أَنه طلبَهَا وَبَايَعُوهُ فزعمك أَنه طلبَهَا وَبَايَعُوهُ للدنيا كذب ظَاهر فَإِنَّهُ مَا أَعْطَاهُم دنيا وَقد كَانَ أنْفق فِي حَيَاة الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقل مَا بِيَدِهِ وَالَّذين بَايعُوهُ فأزهد النَّاس فِي الدُّنْيَا قد علم القاصي والداني زهد عمر وَأبي عُبَيْدَة وَأسيد بن حضير وأمثالهم ثمَّ لم يكن عِنْد موت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَيت مَال يبذله لَهُم ثمَّ كَانَت سيرته ومذهبه التَّسْوِيَة فِي قسم الْفَيْء وَكَذَلِكَ سيرة عَليّ فَلَو بَايعُوا عليا أَعْطَاهُم كعطاء أبي بكر مَعَ كَون قبيلته أشرف من بني تيم وَله عشيرة وَبَنُو عَم هم أشرف الصَّحَابَة من حَيْثُ النّسَب كالعباس وَأبي سُفْيَان وَالزُّبَيْر وَعُثْمَان ابْني عمته وأمثالهم وَقد كلم أَبُو سُفْيَان عليا فِي ذَلِك ومت بشرفه فَلم يجبهُ عَليّ لعلمه وَدينه فَأَي رياسة وَأي فَائِدَة دنيوية حصلت لجمهور الْأمة بمبايعة أبي بكر لَا سِيمَا وَهُوَ يُسَوِّي بَين كبار السَّابِقين وَبَين آحَاد الْمُسلمين فِي الْعَطاء وَبقول إِنَّمَا أَسْلمُوا لله وأجورهم على الله وَإِنَّمَا هَذَا الْمَتَاع بَلَاغ فَأهل السّنة مَعَ الرافضة كالمسلمين مَعَ النَّصَارَى فَإِن الْمُسلمين يُؤمنُونَ بنبوة عِيسَى وَلَا
يغلون فِيهِ وَلَا ينالون مِنْهُ نيل الْيَهُود وَالنَّصَارَى تغلو فِيهِ حَتَّى تَجْعَلهُ إِلَهًا وتفضله على نَبينَا بل تفضل الحواريين على الْمُرْسلين فَكَذَا الروافض تفضل من قَاتل مَعَ عَليّ كالأشتر وَمُحَمّد بن أبي بكر على أبي بكر وَعمر والسابقين فالمسلم إِذا نَاظر النَّصْرَانِي لَا يُمكنهُ أَن يَقُول يَقُول فِي عِيسَى إِلَّا الْحق بِخِلَاف النَّصْرَانِي فدع الْيَهُودِيّ يناظره فَإِنَّهُ لَا يقدر أَن يُجيب الْيَهُودِيّ عَن شبهته إِلَّا بِمَا يُجيب بِهِ الْمُسلم وَيَنْقَطِع فَإِنَّهُ إِذا أَمر بِالْإِيمَان بِمُحَمد ثمَّ قدح فِي نبوته بِأَمْر لم يُمكنهُ أَن يَقُول شَيْئا إِلَّا قَالَ لَهُ الْيَهُودِيّ فِي الْمَسِيح مَا هُوَ أعظم من ذَلِك فَإِن الْبَينَات لمُحَمد أعظم من الْبَينَات لعيسى وَبعده عَن الشُّبْهَة أعظم من بعد عِيسَى عَن الشُّبْهَة وَمن هَذَا أَمر السّني مَعَ الرافضي فِي أبي بكر وَعلي فَإِن الرافضي لَا يُمكنهُ أَن يثبت إِيمَان عَليّ وعدالته ودخوله الْجنَّة إِن لم يثبت ذَلِك لأبي بكر وَعمر وَإِلَّا فَمَتَى أثبت ذَلِك لعَلي وَحده خذلته الْأَدِلَّة كَمَا أَن النَّصْرَانِي إِذا أَرَادَ إِثْبَات نبوة الْمَسِيح دون مُحَمَّد عَلَيْهِمَا السَّلَام لم تساعده الْأَدِلَّة فَإِذا قَالَت لَهُ الْخَوَارِج الَّذين يكفرون عليا والنواصب الَّذين يفسقونه إِنَّه كَانَ ظَالِما طَالبا للدنيا والخلافة وَقَاتل بِالسَّيْفِ عَلَيْهَا وَقتل فِي ذَلِك ألوفا مؤلفة من الْمُسلمين حَتَّى عجز عَن إنفراده بالخلافة وتفرق عَلَيْهِ أَصْحَابه وَكَفرُوا بِهِ وقاتلوه يَوْم النهروان فَهَذَا الْكَلَام إِن كَانَ فَاسِدا ففساد كَلَام الرافضي فِي أبي بكر أعظم فَسَادًا فَإِن كَانَ كلامكم فِي أبي بكر وَعمر مُتَوَجها فَهَذَا مثله وَأولى وَلما ذهب أَبُو بكر بن الباقلاني فِي السفارة بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ عرفُوا قدره وخافوا أَن يمْتَنع من السُّجُود للْملك فأدخلوه من بَاب صَغِير ليدْخل محنيا فقطن لَهَا فَدخل مستدبرا بعجزه وَلما أَرَادَ بَعضهم الْقدح فِي الْمُسلمين فَقَالَ مَا قيل فِي امْرَأَة نَبِيكُم يُرِيد شَأْن الْإِفْك فَقَالَ نعم ثِنْتَانِ رميتا بِالزِّنَا إفكا وكذبا مَرْيَم وَعَائِشَة فَأَما مَرْيَم فَجَاءَت بِولد وَهِي عذراء واما عَائِشَة فَلم تأت
بِولد مَعَ أَنه كَانَ لَهَا زوج فبهت النَّصْرَانِي وَظهر أَن بَرَاءَة عَائِشَة أظهر من بَرَاءَة مَرْيَم فَإِذا قلت يَا رَافِضِي إِن أَبَا بكر ومبايعيه طلبُوا الدُّنْيَا والرياسة مَعَ كَونه بُويِعَ بإختيارهم بِلَا سيف وَلَا عَصا واستوسق لَهُ الْأَمر فَلم يول أحدا من أَقَاربه وَلَا خلف لوَرثَته مَالا وَأنْفق مَالا كثيرا فِي سَبِيل الله وَأوصى إِلَى بَيت مَالهم مَا كَانَ لَهُم عِنْده وَهُوَ جرد قطيفة وَأمه وَبكر وَنَحْو ذَلِك حَتَّى قيل يَرْحَمك الله أَبَا بكر لقد أَتعبت الْأُمَرَاء بعْدك وَمَا قتل مُسلم على إمارته بل قَاتل بِالْمُسْلِمين الْمُرْتَدين وَالْكفَّار فَلَمَّا احْتضرَ إستخلف على الْأمة الْقوي الْأمين العبقري عمر لَا لقرابة وَلَا لنسابة وَلَا لدُنْيَا بل اجْتهد للْمُسلمين فحمدت فراسته وشكر نظره بِالَّذِي إفتتح الْأَمْصَار وَنصب الدِّيوَان وملأ بَيت المَال وَعم النَّاس بِالْعَدْلِ مَعَ ملازمته لهدي صَاحبه وخشونة عيشه وَعدم تَوليته أَقَاربه ثمَّ ختم الله لَهُ بِالشَّهَادَةِ فَإِن سَاغَ للرافضي أَن يَقُول كل ذَا طلب للرياسة وَالدُّنْيَا سَاغَ للناصبي نَظِير قَوْله فِي عَليّ إِنَّه كَانَ طَالبا للرياسة وَالدُّنْيَا فقاتل على الإمرة وَلم يُقَاتل الْكفَّار
وَلَا افْتتح مَدِينَة فَإِن قلت كَانَ مرِيدا لوجه الله غير مداهن فِي أَمر الله مُجْتَهدا مصيبا وَغَيره كَانَ مخطئا قُلْنَا وَكَذَلِكَ من قبله كَانَ أبلغ وَأبْعد عَن شُبْهَة طلب الرياسة وَأَيْنَ شُبْهَة أبي مُوسَى الَّذِي وَافق عمرا على عزل عَليّ وَمُعَاوِيَة ورد الْأَمر شُورَى من شُبْهَة عبد الله بن سبأ وَأَمْثَاله الَّذين يدعونَ عصمته أَو ألوهيته أَو نبوته وكل هَذَا مِمَّا يبين عجز الرافضي عَن إِثْبَات إِيمَان عَليّ وعدالته مَعَ نفي ذَلِك عَمَّن قبله فَإِن إحتج بِمَا تَوَاتر من إِسْلَامه وهجرته وجهاده فقد تَوَاتر مثل ذَلِك عَن أبي بكر وَإِن قلت كَانُوا منافقين فِي الْبَاطِن معادين مفسدين للدّين بِحَسب إمكانهم أمكن الْخَارِجِي أَن يَقُول فِي عَليّ ذَلِك وَيَقُول كَانَ يحْسد ابْن عَمه والعداوة فِي الْأَهْل وَأَنه كَانَ يُرِيد فَسَاد دينه فَلَمَّا تمكن أراق الدِّمَاء وسلك التقية والنفاق وَلِهَذَا قَالَت الباطنية من أَتْبَاعه عَنهُ أَشْيَاء قد أَعَاذَهُ الله مِنْهَا كَمَا أعاذ الشَّيْخَيْنِ ثمَّ مَا من آيَة يدعونَ أَنَّهَا مُخْتَصَّة بعلي إِلَّا أمكن إختصاصها بصاحبيه فباب الدَّعْوَى مَفْتُوح وَإِن ادعوا ثُبُوت فَضله بالآثار فثبوت فضلهما أَكثر وَأَصَح وَهَذَا كمن أَرَادَ أَن يثبت فقه ابْن عَبَّاس دون عَليّ أَو فقه عمر دون بن مَسْعُود فَمَا لَهُ طَرِيق إِلَّا بالظلم وَالْجهل كدأب الرافضة ثمَّ تمثيلك ذَلِك بِقصَّة عمر بن سعد لما خَيره عبيد الله بن زِيَاد بَين حَرْب الْحُسَيْن وَبَين عَزله من أقبح الْقيَاس فَإِن عمر بن سعد كَانَ طَالبا للرياسة مقدما على الْمحرم
مَعْرُوفا بذلك أفيلزم من تمثيلك بِهِ أَن يكون السَّابِقُونَ بمثابته وَهَذَا أَبوهُ سعد بن أبي وَقاص كَانَ من أزهد النَّاس فِي الْإِمَارَة وَالْولَايَة بعد مَا فتح الله على يَدَيْهِ الْأَمْصَار وَلما وَقعت الْفِتْنَة اعتزل النَّاس بالعقيق فِي قصره وجاءه ابْنه هَذَا فلامه وَقَالَ لَهُ النَّاس يتنازعون الْملك وَأَنت هُنَا فَقَالَ اذْهَبْ فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول إِن الله يحب العَبْد التقي الْخَفي الْغَنِيّ هَذَا وَلم يكن قد بَقِي أحد من أهل الشورى غَيره وَغير عَليّ رَضِي الله عَنْهُمَا وَهُوَ الَّذِي فتح الْعرَاق وأذل جنود كسْرَى وَهُوَ أخر الْعشْرَة موتا فَإِذا لم يحسن أَن يشبه بِابْنِهِ عمر أيشبه بِهِ أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان هَذَا وهم لَا يجْعَلُونَ مُحَمَّد بن أبي بكر بِمَنْزِلَة أَبِيه بل يفضلون مُحَمَّدًا ويعظمونه ويتولونه لكَونه آذَى عُثْمَان وَكَانَ من خَواص أَصْحَاب عَليّ لِأَنَّهُ كَانَ ربيبه ويسبون أَبَاهُ أَبَا بكر ويلعنونه فَلَو أَن النواصب فعلوا بعمر بن سعد مثل ذَلِك فمدحوه على قتل الْحُسَيْن لكَونه كَانَ من شيعَة عُثْمَان وَمن المنتصرين لَهُ وَسبوا أَبَاهُ سَعْدا لكَونه تخلف عَن الْقِتَال مَعَ مُعَاوِيَة والإنتصار لعُثْمَان هَل كَانَت النواصب لَو فعلت ذَلِك
إِلَّا من جنس الرافضة بل الرافضة شَرّ مِنْهُم فَإِن أَبَا بكر أفضل من سعد وَعُثْمَان كَانَ أبعد عَن إستحقاق الْقَتْل من الْحُسَيْن كِلَاهُمَا مظلوم شَهِيد رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَلِهَذَا كَانَ الْفساد الَّذِي حصل فِي الْأمة بقتل عُثْمَان أعظم من الْفساد الَّذِي حصل فِي الْأمة بقتل الْحُسَيْن وَعُثْمَان من السَّابِقين الْأَوَّلين وَهُوَ خَليفَة مظلوم طلب مِنْهُ أَن يعْزل بِغَيْر حق فَلم يَنْعَزِل وَلم يُقَاتل عَن نَفسه حَتَّى قتل وَالْحُسَيْن رَضِي الله عَنهُ لم يكن مُتَوَلِّيًا وَإِنَّمَا كَانَ طَالبا للولاية حَتَّى رأى أَنَّهَا متعذرة وَطلب مِنْهُ أَن يستأسر ليحمل إِلَى يزِيد مأسورا فَلم يجب إِلَى ذَلِك وَقَاتل حَتَّى قتل مَظْلُوما شَهِيدا فظلم عُثْمَان كَانَ أعظم وَصَبره وحلمه كَانَ أكمل وَكِلَاهُمَا مظلوم شَهِيد وَلَو مثل ممثل طلب عَليّ وَالْحُسَيْن الْأَمر بِطَلَب الإسماعيلية كالحاكم وَأَمْثَاله وَقَالَ إِن عليا وَالْحُسَيْن كَانَا ظالمين طَالِبين للرياسة بِغَيْر حق بِمَنْزِلَة الْحَاكِم وَأَمْثَاله من مُلُوك بني عبيد أما كَانَ يكون كَاذِبًا مفتريا فِي ذَلِك لصِحَّة إِيمَان عَليّ وَالْحُسَيْن ودينهما ولنفاق هَؤُلَاءِ وإلحادهم وَكَذَلِكَ من شبه عليا وَالْحُسَيْن بِبَعْض من قَامَ من الطالبيين أَو غَيرهم بالحجاز أَو الشرق أَو الغرب يطْلب الْولَايَة بِغَيْر حق وَيظْلم النَّاس فِي أَمْوَالهم وأنفسهم أما كَانَ يكون ظَالِما كَاذِبًا فالمشبه لأبي بكر وَعمر بعمر بن سعد أولى بِالْكَذِبِ وَالظُّلم ثمَّ إِن عمر بن سعد على بعده من الْخَيْر إعترف بكبير ذَنبه وباء بمعصيته وَهُوَ خير من الْمُخْتَار الْكذَّاب الَّذِي إدعى أَن جِبْرِيل يَأْتِيهِ بِالْوَحْي وَأظْهر الإنتصار للحسين وتتبع قاتليه فَهَذَا الشيعي شَرّ من عمر بن سعد وَمن الْحجَّاج الناصبي لِأَن الشيعي كذب على الله
وَرَسُوله وَقد ثَبت فِي صَحِيح مُسلم عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ سَيكون فِي ثَقِيف كَذَّاب ومبير فَكَانَ الْكذَّاب هُوَ الْمُخْتَار بن أبي عبيد وَكَانَ المبير هُوَ الْحجَّاج بن يُوسُف الثَّقَفِيّ وَمن الْمَعْلُوم أَن عمر بن سعد أَمِير السّريَّة الَّتِي قتلت الْحُسَيْن مَعَ ظلمه وتقديمه الدُّنْيَا على الدّين لم يصل فِي الْمعْصِيَة إِلَى فعل الْمُخْتَار بن أبي عبيد الَّذِي أظهر الإنتصار للحسين وَقتل قَاتله بل كَانَ هَذَا أكذب وَأعظم ذَنبا من عمر بن سعد فَهَذَا الشيعي شَرّ من ذَلِك الناصبي بل وَالْحجاج بن يُوسُف خير من الْمُخْتَار بن أبي عبيد فَإِن الْحجَّاج كَانَ مبيرا كَمَا سَمَّاهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يسفك الدِّمَاء بِغَيْر حق وَالْمُخْتَار كَانَ كذابا يَدعِي الْوَحْي وإتيان جِبْرِيل إِلَيْهِ وَهَذَا الذَّنب أعظم من قتل النُّفُوس فَإِن هَذَا كفر وَإِن كَانَ لم يتب مِنْهُ كَانَ مُرْتَدا والفتنة أعظم من الْقَتْل وَهَذَا بَاب مطرد لَا تَجِد احدا مِمَّن تذمه الشِّيعَة بِحَق أَو بَاطِل إِلَّا وَفِيهِمْ من هُوَ شَرّ مِنْهُ وَلَا تَجِد أحدا مِمَّن تمدحه الشِّيعَة إِلَّا وفيمن تمدحه الْخَوَارِج من هُوَ خير مِنْهُ فَإِن الروافض شَرّ من النواصب وَالَّذين تكفرهم أَو تفسقهم الروافض هم أفضل من الَّذين تكفرهم أَو تفسقهم النواصب وَأما أهل السّنة فيتولون جَمِيع الْمُؤمنِينَ ويتكلمون بِعلم وَعدل لَيْسُوا من أهل الْجَهْل وَلَا من أهل الْأَهْوَاء ويتبرأون من طَرِيقه الروافض والنواصب جَمِيعًا ويتولون السَّابِقين الْأَوَّلين كلهم ويعرفون قدر الصَّحَابَة وفضلهم ومناقبهم ويرعون حُقُوق أهل الْبَيْت الَّتِي شرعها الله لَهُم وَلَا يرضون بِمَا فعله الْمُخْتَار وَنَحْوه من الْكَذَّابين وَلَا مَا فعل الْحجَّاج وَنَحْوه من الظَّالِمين ويعلمون مَعَ هَذَا مَرَاتِب السَّابِقين الْأَوَّلين فيعلمون أَن لأبي بكر وَعمر من التَّقَدُّم والفضائل مَا لم يشاركهما فِيهِ أحد من الصَّحَابَة لَا عُثْمَان وَلَا عَليّ وَلَا غَيرهمَا وَهَذَا كَانَ مُتَّفقا عَلَيْهِ فِي الصَّدْر الأول إِلَّا أَن يكون خلاف شَاذ لَا يعبأ بِهِ حَتَّى إِن الشِّيعَة الأولى أَصْحَاب عَليّ لم يَكُونُوا يرتابون فِي تَقْدِيم أبي بكر وَعمر عَلَيْهِ كَيفَ وَقد ثَبت عَنهُ من وُجُوه متواترة أَنه كَانَ يَقُول خير هَذِه الْأمة بعد نبيها أَبُو بكر وَعمر وَلَكِن كَانَت طَائِفَة من شيعَة عَليّ تقدمه على عُثْمَان وَهَذِه مَسْأَلَة أخْفى من تِلْكَ وَلِهَذَا كَانَ أَئِمَّة أهل السّنة متفقين على تَقْدِيم أبي بكر وَعمر كَمَا هُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَمَالك وَأحمد بن حَنْبَل
وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث بن سعد وَسَائِر أَئِمَّة الْمُسلمين من أهل الْفِقْه والْحَدِيث والزهد وَالتَّفْسِير من الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين وَأما عُثْمَان وَعلي فَكَانَ طَائِفَة من أهل الْمَدِينَة يتوقفون فيهمَا وَهِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن مَالك وَكَانَ طَائِفَة من الْكُوفِيّين يقدمُونَ عليا وَهِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن سُفْيَان الثَّوْريّ ثمَّ قيل إِنَّه رَجَعَ عَن ذَلِك لما اجْتمع بِهِ أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ وَقَالَ من قدم عليا على عُثْمَان فقد أزرى بالمهاجرين وَالْأَنْصَار وَسَائِر أَئِمَّة السّنة على تَقْدِيم عُثْمَان وَهُوَ مَذْهَب جَمَاهِير أهل الحَدِيث وَعَلِيهِ يدل النَّص وَالْإِجْمَاع والإعتبار وَأما مَا يحْكى عَن بعض الْمُتَقَدِّمين من تَقْدِيم جَعْفَر أَو تَقْدِيم طَلْحَة أَو نَحْو ذَلِك فَذَلِك فِي أُمُور مَخْصُوصَة لَا تَقْدِيمًا عَاما وَكَذَلِكَ مَا ينْقل عَن بَعضهم فِي عَليّ وَأما قَوْله وَبَعْضهمْ إشتبه الْأَمر عَلَيْهِ وَرَأى لطَالب الدُّنْيَا مبايعا فقلده وَبَايَعَهُ وَقصر فِي نظره فخفي عَلَيْهِ الْحق فَاسْتحقَّ الْمُؤَاخَذَة من الله تَعَالَى بِإِعْطَاء الْحق لغير مُسْتَحقّه قَالَ وَبَعْضهمْ قلد لقُصُور فطنته وَرَأى الجم الْغَفِير فتابعهم وتوهم أَن الْكَثْرَة تَسْتَلْزِم الصَّوَاب وغفل عَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَلِيل مَا هم﴾ ﴿وَقَلِيل من عبَادي الشكُور﴾ فَيُقَال لهَذَا المفتري الَّذِي جعل الصَّحَابَة الَّذين بَايعُوا أَبَا بكر ثَلَاثَة أَصْنَاف أَكْثَرهم طلبُوا الدُّنْيَا وصنف قصروا فِي النّظر وصنف عجزوا عَنهُ لِأَن الشَّرّ إِمَّا أَن يكون لفساد الْقَصْد وَإِمَّا أَن يكون للْجَهْل وَالْجهل إِمَّا أَن يكون لتفريط فِي النّظر وَإِمَّا أَن يكون لعجز عَنهُ وَذكر أَنه كَانَ فِي الصَّحَابَة وَغَيرهم من قصر فِي النّظر حِين بَايع أَبَا بكر وَلَو نظر لعرف الْحق وَهَذَا يُؤَاخذ على تفريطه بترك النّظر الْوَاجِب وَفِيهِمْ من عجز عَن النّظر فقلد الجم الْغَفِير يُشِير بذلك إِلَى سَبَب مبايعة أبي بكر فَيُقَال لَهُ هَذَا من الْكَذِب الَّذِي لَا يعجز عَنهُ أحد والرافضة قوم بهت فَلَو طلب من هَذَا المفتري دَلِيل على ذَلِك لم يكن لَهُ ذَلِك دَلِيل وَالله تَعَالَى قد حرم القَوْل بِغَيْر علم فَكيف إِذا
كَانَ الْمَعْرُوف ضد مَا قَالَه فَلَو لم نَكُنْ نَحن عَالمين بأحوال الصَّحَابَة لم يجز أَن نشْهد عَلَيْهِم بِمَا لَا نعلم من فَسَاد الْقَصْد وَالْجهل بالمستحق قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم إِن السّمع وَالْبَصَر والفؤاد كل أُولَئِكَ كَانَ عَنهُ مسؤولا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿هَا أَنْتُم هَؤُلَاءِ حاججتم فِيمَا لكم بِهِ علم فَلم تحاجون فِيمَا لَيْسَ لكم بِهِ علم﴾ فَكيف إِذا كُنَّا نعلم أَنهم كَانُوا أكمل هَذِه الْأمة عقلا وعلما ودينا وَقد قَالَ ابْن مَسْعُود إِن الله نظر فِي قُلُوب الْعباد فَوجدَ قلب مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خير قُلُوب الْعباد فاصطفاه لنَفسِهِ ثمَّ نظر فِي قُلُوب الْعباد فَوجدَ قُلُوب أَصْحَابه خير قُلُوب الْعباد فجعلهم وزراء نبيه يُقَاتلُون على دينه فَمَا رَآهُ الْمُسلمُونَ حسنا فَهُوَ عِنْد الله حسن وَمَا رَآهُ الْمُسلمُونَ سَيِّئًا فَهُوَ عِنْد الله سيء وَقد رأى أَصْحَاب مُحَمَّد أَن يستخلفوا أَبَا بكر وَعَن ابْن مَسْعُود قَالَ من كَانَ مِنْكُم مستنا فَليَسْتَنَّ بِمن قد مَاتَ فَإِن الْحَيّ لَا تؤمن عَلَيْهِ الْفِتْنَة أُولَئِكَ أَصْحَاب مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانُوا وَالله أفضل هَذِه الْأمة وأبرها قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم إختارهم الله لصحبة نبيه وَإِقَامَة دينه فاعرفوا لَهُم فَضلهمْ واتبعوهم فِي آثَارهم وتمسكوا بِمَا اسْتَطَعْتُم من أَخْلَاقهم وَدينهمْ فَإِنَّهُم كَانُوا على الْهدى الْمُسْتَقيم رَوَاهُ ابْن بطة بِإِسْنَاد عَن قَتَادَة وروى هُوَ وَغَيره عَن زر بن حُبَيْش فَهَذَا بضد مَا إدعاه هَذَا الْجَاهِل عَلَيْهِم من طلب الدُّنْيَا وَالْجهل وَالْعجز والتفريط بل لَهُم كَمَا الْعلم وَحسن الْقَصْد وهم خير الْقُرُون وَلَكِن ياما فعل الْجَهْل والرفض بأَهْله فنحمد الله على الْعَافِيَة فَإِن الرَّفْض مأوى شَرّ الطوائف كالنصيرية والإسماعيلية والملاحدة الطرقية وَأهل الْجَبَل والبوادي والقرامطة مَا بَينهم وَبَين الْعلم مُعَاملَة قَالَ ابْن الْقَاسِم
سُئِلَ مَالك عَن أبي بكر وَعمر فَقَالَ مَا رَأَيْت أحدا مِمَّن أهتدي بِهِ يشك فِي تقديمهما ثمَّ قلت وَبَعْضهمْ تَعْنِي عليا طلب الْأَمر لنَفسِهِ بِحَق وَبَايَعَهُ الأقلون فَهَذَا بَاطِل بِلَا ريب اتّفقت السّنة والشيعة على أَن عليا لم يدع إِلَى مبايعته إِلَّا بعد مقتل عُثْمَان وَلَا بَايعه أحد إِلَّا ذَلِك الْوَقْت أَكثر مَا يُقَال كَانَ فيهم من يخْتَار مبايعته قَالَ وَإِنَّمَا كَانَ مَذْهَبنَا وَاجِب الإتباع لِأَنَّهُ أَحَق الْمذَاهب وَأصْدقهَا وأخلصها عَن شوائب الْبَاطِل وَأَعْظَمهَا تَنْزِيها لله وَلِرَسُولِهِ وأوصيائه إعتقدنا أَن الله هُوَ الْمَخْصُوص بالقدم وَأَنه لَيْسَ بجسم وَلَا فِي مَكَان وَإِلَّا لَكَانَ مُحدثا إِلَى أَن قَالَ وَأَنه غير مرئي بالحواس وَلَا فِي جِهَة وَأَن أمره وَنَهْيه حَادث لإستحالة أَمر الْمَعْدُوم وَنَهْيه وَأَن الْأَئِمَّة معصومون كالأنبياء من الصَّغَائِر والكبائر أخذُوا الْأَحْكَام عَن جدهم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يلتفتوا إِلَى الرَّأْي وَالْقِيَاس والإستحسان فَيُقَال مَا ذكرته لَا تعلق لَهُ بِالْإِمَامَةِ بل نقُول فِي مَذْهَب الإمامية من يُنكر هَذَا فَإِن هَذَا طَرِيقه الْعقل وَتعين الإِمَام طَرِيقه السّمع ثمَّ مَا فِي هَذَا من حق فَأهل السّنة يَقُولُونَ بِهِ وَمَا فِيهِ من بَاطِل فمردود وغالبه قَوَاعِد الْجَهْمِية والمعتزلة ومضمونه أَن الله لَيْسَ لَهُ علم وَلَا قدرَة وَلَا حَيَاة وَأَنه لَا يتَكَلَّم وَلَا يرضى وَلَا يسْخط وَلَا يحب وَلَا يبغض وَأما أهل السّنة فيثبتون لله مَا أثْبته لنَفسِهِ من الصِّفَات وينفون عَنهُ مماثلة الْمَخْلُوقَات إِثْبَات بِلَا تَشْبِيه وتنزيه بِلَا تَعْطِيل ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ ردا
على المشبهة ﴿وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ ردا على المعطلة وَالله منزه عَن مُشَاركَة العَبْد فِي خَصَائِصه وَإِذا اتفقَا فِي مُسَمّى الْوُجُود وَالْعلم وَالْقُدْرَة فَهَذَا الْمُشْتَرك مُطلق كلي فِي الذِّهْن لَا وجود لَهُ فِي الْخَارِج وَالْمَوْجُود فِي الْأَعْيَان مُخْتَصّ لَا إشتراك فِيهِ وَهنا زل خلق حَيْثُ توهموا أَن الإتفاق فِي مُسَمّى هَذِه الْأَشْيَاء يُوجب أَن يكون الْوُجُود الَّذِي للرب هُوَ الْوُجُود الَّذِي للْعَبد فظنت طَائِفَة أَن لفظ الْوُجُود يُقَال للإشتراك اللَّفْظِيّ وكابروا عُقُولهمْ فَإِن هَذِه الْأَسْمَاء عَامَّة قَابِلَة للتقسيم كَمَا يُقَال الْوُجُود يَنْقَسِم إِلَى وَاجِب وممكن وقديم وحادث وَاللَّفْظ الْمُشْتَرك كَلَفْظِ المُشْتَرِي الْوَاقِع على الْكَوْكَب وعَلى الْمُبْتَاع لَا يَنْقَسِم مَعْنَاهُ وَلَكِن يُقَال لفظ المُشْتَرِي يُقَال على كَذَا وعَلى كَذَا وَطَائِفَة ظنت أَنَّهَا إِذا سمت هَذَا اللَّفْظ وَنَحْوه مشككا لكَون الْوُجُود بِالْوَاجِبِ أولى مِنْهُ بالممكن نجت من هَذِه الشُّبْهَة وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن تفاضل الْمَعْنى الْمُشْتَرك الْكُلِّي لَا يمْنَع أَن يكون مُشْتَركا بَين إثنين وَطَائِفَة ظنت أَن من قَالَ الْوُجُود متواطيء عَام فَإِنَّهُ يَقُول وجود الْخَالِق زَائِد على حَقِيقَته وَمن قَالَ حَقِيقَته هِيَ وجوده قَالَ إِنَّه مُشْتَرك إشتراكا لفظيا فَأصل خطأ النَّاس توهمهم أَن هَذِه الْأَسْمَاء الْعَامَّة يكون مسماها الْمُطلق الْكُلِّي هُوَ بِعَيْنِه ثَابتا فِي هَذَا الْمعِين وَهَذَا الْمعِين وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن مَالا يُوجد فِي الْخَارِج لَا يُوجد مُطلقًا كليا وَلَا يُوجد إِلَّا معينا مُخْتَصًّا وَهَذِه الْأَسْمَاء إِذا سمي الله تَعَالَى بهَا كَانَ مسماها مُخْتَصًّا بِهِ وَإِذا سمي بهَا العَبْد كَانَ مسماها مُخْتَصًّا بِهِ فَإِذا قيل قد إشتركا فِي مُسَمّى الْوُجُود فَلَا بُد أَن يتَمَيَّز أَحدهمَا عَن الآخر بِمَا يَخُصُّهُ وَهُوَ الْمَاهِيّة والحقيقة قيل إشتراكا فِي الْوُجُود الْمُطلق الذهْنِي لَا إشتراكا فِي مُسَمّى الْمَاهِيّة والحقيقة والذات وَالنَّفس فالغلط نَشأ من جِهَة أَخذ الْوُجُود مُطلقًا وَأخذ الْحَقِيقَة مُخْتَصَّة
وكل وَاحِد مِنْهُمَا يُمكن أَخذه مُطلقًا ومختصا فالمطلق مسَاوٍ للمطلق والمختص مسَاوٍ للمختص فالوجود الْمُطلق مُطَابق للْحَقِيقَة الْمُطلقَة والوجود الْمُخْتَص مُطَابق لحقيقتة المختصة والمسمى بِهَذَا وَهَذَا وَاحِد وَإِن تعدّدت جِهَة التَّسْمِيَة كَمَا يُقَال هَذَا هُوَ ذَاك فالمشار إِلَيْهِ وَاحِد لَكِن بِوَجْهَيْنِ مُخْتَلفين وَالْمَقْصُود أَن إِثْبَات الصِّفَات والأسماء لله لَا يسْتَلْزم أَن يكون الْخَالِق مماثلا لخلقه وَلَا مشتبها لَهُم فَهُوَ تَعَالَى مَوْصُوف بِصِفَات الْكَمَال اللَّازِمَة لذاته وَهِي قديمَة أزلية وَاجِبَة بقدم الْمَوْصُوف ووجوبه وَهَذَا حق لَا مَحْذُور فِيهِ فإثبات الْأَسْمَاء دون الصِّفَات سفسطة فِي العقليات وقرمطة فِي السمعيات قَالَ الْجُمْهُور هَذَا خطأ وبدعة أَعنِي هَذَا التَّقْسِيم فَالَّذِي عَلَيْهِ أهل الْحق من السّنة أَنه تَعَالَى لَا يُوصف بالجسمية أصلا بل وَلَا فِي فطْرَة الْعَرَب العرباء جَاهِلِيَّتهَا وإسلاميتها أَن الله جسم أبدا تَعَالَى الله عَن ذَلِك وقولك لَيْسَ بجسم فالجسم فِيهِ إِجْمَال قد يُرَاد بِهِ الْمركب الَّذِي كَانَت أجزاؤه مفرقة فَجمعت أَو مَا يقبل التَّفْرِيق والإنفصال أَو الْمركب من مَادَّة وَصُورَة وَالله منزه عَن ذَلِك كُله وَقد يُرَاد بالجسم مَا يشار إِلَيْهِ أَو مَا يرى أَو مَا تقوم بِهِ الصِّفَات فَالله يشار إِلَيْهِ فِي الدُّعَاء وبالقلوب والعيون وَيرى فِي الْآخِرَة عيَانًا وَتقوم بِهِ الصِّفَات فَإِن أردْت لَيْسَ بجسم هَذَا الْمَعْنى قيل لَك هَذَا الْمَعْنى الَّذِي قصدت نَفْيه بِهَذَا اللَّفْظ
معنى ثَابت بِصَحِيح الْمَنْقُول وصريح الْمَعْقُول وَأَنت لم تقم دَلِيلا على نَفْيه وَأما اللَّفْظ فبدعة نفيا وإثباتا فَمَا فِي النُّصُوص وَلَا فِي قَول السّلف إِطْلَاق لفظ الْجِسْم على الله وَلَا نَفْيه وَكَذَلِكَ لفظ الْجَوْهَر والمتحيز وَكَذَلِكَ قَوْلك لَا فِي مَكَان قد يُرَاد بِالْمَكَانِ مَا يحوي الشَّيْء ويحيط بِهِ وَيحْتَاج إِلَيْهِ وَقد يُرَاد بِهِ مَا فَوق الْعَالم وَإِن يكن أمرا مَوْجُودا فَالْأول الله منزه عَنهُ وَالثَّانِي فَنعم الله فَوق خلقه وَإِذا لم يكن إِلَّا خَالق أَو مَخْلُوق فالخالق بَائِن من الْمَخْلُوق فَهُوَ الظَّاهِر لَيْسَ فَوْقه شَيْء وَهُوَ فَوق سماواته فَوق عَرْشه بَائِن من خلقه كَمَا دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة واتفقت عَلَيْهِ الْأَئِمَّة وقولك وَإِلَّا لَكَانَ مُحدثا أَي لَو كَانَ جسما أَو فِي مَكَان لَكَانَ مُحدثا فَمَا الدَّلِيل على مَا إدعيت فكأنك إكتفيت بِالدَّلِيلِ الْمَشْهُور لسلفك الْمُعْتَزلَة من أَنه لَو كَانَ جسما لم يخل عَن الْحَرَكَة والسكون وَمَا لم يخل عَن الْحَوَادِث فحادث لإمتناع حوادث لَا أول لَهَا وَيَقُولُونَ لَو قَامَ بِهِ علم وحياة وقدرة وَكَلَام لَكَانَ جسما وَالْجَوَاب إِنَّه
عنْدك حَيّ عليم قدير وَمَعَ هَذَا فَلَيْسَ بجسم مَعَ أَنَّك لَا تعقل حَيا عَالما قَادِرًا إِلَّا جسما فَإِن كَانَ قَوْلك حَقًا أمكن لَهُ حَيَاة وَعلم وقدرة وَأَن يكون مباينا للْعَالم عَالِيا عَلَيْهِ وَلَيْسَ بجسم فَإِن قلت لَا أَعقل مباينا عَالِيا إِلَّا جسما قيل لَك وَلَا يعقل حَيّ عليم قدير إِلَّا جسم وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَيْسَ إِذا كَانَ هَذَا الْحَادِث لَيْسَ بدائم وَهَذَا لَيْسَ بدائم بَاقٍ يجب أَن يكون نوع الْحَوَادِث لَيْسَ دائمة بَاقِيَة وَأَيْضًا فَإِن ذَلِك يسْتَلْزم حُدُوث الْحَوَادِث بِلَا سَبَب وَذَلِكَ مُمْتَنع فِي صَرِيح الْعقل وَلَكِن على النَّاس أَن يُؤمنُوا بِاللَّه وَرَسُوله ويصدقوه ويطيعوه فَهَذَا أصل السَّعَادَة كلهَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿كتاب أَنزَلْنَاهُ إِلَيْك لتخرج النَّاس من الظُّلُمَات إِلَى النُّور بِإِذن رَبهم إِلَى صِرَاط الْعَزِيز الحميد﴾ فَالله سُبْحَانَهُ بعث الرُّسُل بِمَا يَقْتَضِي الْكَمَال من إِثْبَات أَسْمَائِهِ وَصِفَاته المقدسة على وَجه التَّفْصِيل وَالنَّفْي على طَرِيق الْإِجْمَال للنقص والتمثيل فالرب تَعَالَى مَوْصُوف بنعوت الْكَمَال الَّتِي لَا غَايَة فَوْقهَا منزه عَن النَّقْص بِكُل وَجه مُمْتَنع أَن يكون لَهُ مثل فِي شَيْء من صِفَات الْكَمَال وَقد أخبر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن فِي الْجنَّة مَا لم يخْطر على قلب بشر فَإِذا كَانَ هَذَا فِي الْمَخْلُوق فَمَا الظَّن بالخالق وَقَالَ ابْن عَبَّاس لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا فِي الْجنَّة إِلَّا الْأَسْمَاء فَإِذا كَانَ هَذَانِ المخلوقان متفقين فِي الإسم مَعَ أَن بَينهمَا فِي الْحَقِيقَة تباينا لَا يعرف قدره فِي الدُّنْيَا فَمن الْمَعْلُوم أَن مَا يَتَّصِف بِهِ الرب من صِفَات الْكَمَال أعظم مباينة لما يَتَّصِف بِهِ العَبْد إِلَى أَن قَالَ شَيخنَا فَمَا ثَبت عَن الرَّسُول وَجب الْإِيمَان بِهِ وَمَا لم يثبت عَنهُ فَلَا يجب الحكم فِيهِ بِنَفْي وَلَا إِثْبَات حَتَّى يعلم مُرَاد الْمُتَكَلّم وَتعلم صِحَة نَفْيه وإثباته فَالْكَلَام فِي
الْأَلْفَاظ المجملة بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَات دون الإستفصال يُوقع فِي الْجَهْل والضلاك والقيل والقال وَقد قيل أَكثر إختلاف الْعُقَلَاء من جِهَة الإشتراك فِي الْأَسْمَاء ومثبتو الْجِسْم ونفاته موجودون فِي الشِّيعَة وَفِي السّنة وَأول مَا ظهر إِطْلَاق لفظ الْجِسْم من مُتَكَلم الرافضة هِشَام بن الحكم كَذَلِك نقل ابْن حزم وَغَيره قَالَ الْأَشْعَرِيّ فِي مقالات الإسلاميين إختلف الروافض فِي التجسيم وهم سِتّ فرق فَالْأولى الهشامية أَصْحَاب هِشَام بن الحكم يَزْعمُونَ أَن معبودهم جسم وَله نِهَايَة وحد طوله كعرضه وعمقه وَأَنه نور سَاطِع كالسبيكة يتلألأ كاللؤلؤة المدروة ذُو لون وَطعم وريح ومجسه الْفرْقَة الثَّانِيَة زَعَمُوا أَنه لَيْسَ بِصُورَة وَلَا كالأجسام وَإِنَّمَا يذهبون فِي قَوْلهم إِنَّه جسم إِلَى أَنه مَوْجُود وينفون عَنهُ الْأَجْزَاء والأبعاض ويزعمون أَنه على الْعَرْش بِلَا مماسة وَلَا كَيفَ الْفرْقَة الثَّالِثَة من الرافضة يَزْعمُونَ أَنه على صُورَة الْإِنْسَان وَيمْنَعُونَ أَن يكون جسما الْفرْقَة الرَّابِعَة أَصْحَاب هِشَام بن سَالم الجواليقي يَزْعمُونَ أَنه على صُورَة الْإِنْسَان وَيُنْكِرُونَ أَن يكون لَحْمًا ودما وَيَقُولُونَ هُوَ نور يتلألأ وَأَنه ذُو حواس خمس وَله يَد وَرجل وأنف وفم وَعين وَسَائِر حواسه مُتَغَايِرَة وَحكى أَبُو عِيسَى الْوراق أَن
هِشَام بن سَالم كَانَ يزْعم أَن لرَبه وفرة سَوْدَاء وَأَن ذَلِك نور أسود الْفرْقَة الْخَامِسَة يَزْعمُونَ أَن لَهُ ضِيَاء خَالِصا ونورا كالمصباح من حَيْثُ مَا جِئْته يلقاك بِأَمْر وَاحِد وَلَيْسَ بِذِي صُورَة وَلَا إختلاف فِي الْأَجْزَاء الْفرْقَة السَّادِسَة من الرافضة يَزْعمُونَ أَنه لَيْسَ بجسم وَلَا صُورَة وَلَا يَتَحَرَّك وَلَا يسكن وَلَا يماس وَقَالُوا فِي التَّوْحِيد بقول الْمُعْتَزلَة قَالَ الْأَشْعَرِيّ وَهَؤُلَاء قوم من متأخريهم فَأَما أوائلهم فَإِنَّهُم كَانُوا يَقُولُونَ بِمَا حكيناه عَنْهُم من التَّشْبِيه وَلَقَد طول شَيخنَا هُنَا إِلَى الْغَايَة وَأَطْنَبَ وأسهب وَاحْتج بِمَسْأَلَة الْقدر والرؤية وَالْكَلَام إِلَى أَن قَالَ وَأما قَوْله إِن الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام معصومون من الْخَطَأ والسهو والصغائر من أول الْعُمر إِلَى آخِره فَيُقَال الإمامية متنازعون فِي هَذَا قَالَ الْأَشْعَرِيّ فِي المقالات اخْتلف الروافض فِي الرَّسُول هَل يجوز أَن يَعْصِي ففرقة قَالَت يجوز ذَلِك وَأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عصى فِي أَخذ الْفِدَاء يَوْم بدر قَالُوا وَالْأَئِمَّة لَا يجوز عَلَيْهِم ذَلِك فَإِن الرَّسُول إِذا عصى جَاءَهُ الْوَحْي وَرجع وَالْأَئِمَّة لَا يُوحى إِلَيْهِم فَلَا يجوز عَلَيْهِم سَهْو وَلَا غلط قَالَ بِهَذَا هِشَام بن الحكم فَنَقُول إتفق الْمُسلمُونَ على أَنهم معصومون فِيمَا يبغلونه فَلَا
يقرونَ على سَهْو فِيهِ وَبِهَذَا يحصل الْمَقْصُود من الْبعْثَة أما وجوب كَونه قبل النُّبُوَّة لَا يُذنب وَلَا يخطيء فَلَيْسَ فِي النُّبُوَّة مَا يسْتَلْزم هَذَا فَمن إعتقد أَن كل من لم يكفر وَلم يقتل وَلم يُذنب أفضل من كل من آمن بعد كفره واهتدى بعد ضلاله وَتَابَ بعد ذنُوبه فَهُوَ مُخَالف لما علم بالإضطرار من الدّين فَمن الْمَعْلُوم أَن السَّابِقين أفضل من أَوْلَادهم الَّذين ولدُوا فِي الْإِسْلَام وَهل يشبه أَبنَاء الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار بآبائهم عَاقل وَأَيْنَ الْمُنْتَقل بِنَفسِهِ من الْكفْر إِلَى الْإِيمَان وَمن السَّيِّئَات إِلَى الْحَسَنَات بنظره وإستدلاله وَصَبره وتوبته ومفارقته عاداته ومعاداته لرفاقه إِلَى من وجد أَبَوَيْهِ وأقاربه وَأهل بَلَده على دين الْإِسْلَام وَنَشَأ فِي الْعَافِيَة قَالَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ إِنَّمَا ينْقض عرى الْإِسْلَام من لم يعرف الْجَاهِلِيَّة وَقد وعد الله من تَابَ من الموبقات وآمن وَعمل صَالحا بِأَن يُبدل سيئاتهم حَسَنَات وَجُمْهُور الْأمة مِمَّن يَقُول بِجَوَاز الصَّغَائِر على الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام يَقُولُونَ هم معصومون من الْإِقْرَار عَلَيْهَا فَمَا يزدادون بِالتَّوْبَةِ إِلَّا كمالا فالنصوص والْآثَار وَإِجْمَاع السّلف مَعَ الْجُمْهُور والمنكرون لذَلِك يَقُولُونَ فِي تَحْرِيف الْقُرْآن مَا هُوَ من جنس قَول أهل الْبُهْتَان كَقَوْلِهِم فِي ﴿ليغفر لَك الله مَا تقدم من ذَنْبك﴾ أَي ذَنْب آدم ﴿وَمَا تَأَخّر﴾ ذَنْب أمتك فَأَما آدم فنبي كريم فوقعوا فِيمَا فروا مِنْهُ فنفوا الذَّنب عَن نَبينَا وألصقوه بِآدَم ثمَّ إِن آدم تَابَ الله عَلَيْهِ قبل أَن يهْبط إِلَى الأَرْض وَقبل أَن يُولد نوح وَإِبْرَاهِيم وَالله يَقُول ﴿وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ فَكيف يُضَاف ذَنْب هَذَا إِلَى ذَنْب هَذَا ثمَّ إِن هَذِه الْآيَة لما نزلت قَالَ أَصْحَابه يَا رَسُول الله هَذَا لَك فَمَا لنا فَأنْزل الله ﴿هُوَ الَّذِي أنزل السكينَة فِي قُلُوب الْمُؤمنِينَ ليزدادوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانهم﴾ ثمَّ كَيفَ يَقُول من لَهُ مسكة عقل إِن الله غفر ذنُوب أمته جَمِيعهَا وَقد علم أَن مِنْهُم
من يدْخل النَّار بذنوبه فَأَيْنَ الْمَغْفِرَة وَأما قَوْلك إِن هَذَا يَنْفِي الوثوق بهم وَيُوجب التنفير فَلَيْسَ بِصَحِيح بل إِذا أعترف الْكَبِير بِمَا هُوَ عَلَيْهِ من الْحَاجة إِلَى تَوْبَته ومغفرة الله وَرَحمته دلّ ذَلِك على صدقه وتواضعه وَبعده من الْكبر وَالْكذب بِخِلَاف من يَقُول مَالِي حَاجَة إِلَى شَيْء من هَذَا فَمَا صدر مني مَا يحوجني إِلَى مغْفرَة وَلَا تَوْبَة فَإِن مثل هَذَا إِذا عرف من رجل نسبه النَّاس إِلَى الْكبر وَالْجهل وَالْكذب وَثَبت أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لن يدْخل أحد مِنْكُم الْجنَّة بِعَمَلِهِ قَالُوا وَلَا أَنْت يَا رَسُول الله قَالَ وَلَا أَنا إِلَّا أَن يتغمدني الله برحمة مِنْهُ وَفضل وَثَبت عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ اللَّهُمَّ إغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي فِي أَمْرِي وَمَا أَنْت أعلم بِهِ مني اللَّهُمَّ أَغفر لي هزلي وجدي وخطأي وعمدي وكل ذَلِك عِنْدِي مُتَّفق عَلَيْهِ وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كل بنى آدم خطاء وَخير الْخَطَّائِينَ التوابون وَمَا ذكرته من عدم الوثوق والتنفير يحصل مَعَ الْإِصْرَار والإكثار لَا مَعَ ندور الذُّنُوب المتبوعة بِكَثْرَة الإستغفار وَالتَّوْبَة أما من إدعي الْبَرَاءَة والسلامة فَمَا أحوجه إِلَى الرُّجُوع إِلَى الله وَالتَّوْبَة والإنابة وَمَا علمنَا أَن بني إِسْرَائِيل وَلَا غَيرهم قَدَحُوا فِي نَبِي من الْأَنْبِيَاء بتوبته فِي أَمر من الْأُمُور إِلَى أَن قَالَ فَأَما مَا تَقوله الرافضة من أَن النَّبِي قبل النُّبُوَّة وَبعدهَا لَا يَقع مِنْهُ خطأ وَلَا ذَنْب صَغِير وَكَذَلِكَ الإثني عشر فَهَذَا مِمَّا انفردوا بِهِ عَن الْأمة كلهَا وَقد كَانَ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام بعد التَّوْبَة خيرا مِنْهُ قبل الْخَطِيئَة وَقَالَ بعض الْمَشَايِخ لَو لم تكن التَّوْبَة أحب الْأَشْيَاء إِلَيْهِ مَا ابتلى بالذنب أكْرم الْخلق عَلَيْهِ وَلِهَذَا تَجِد التائب الصَّادِق أثبت على الطَّاعَة وَأَشد حذرا من الذُّنُوب من كثير مِمَّن لم يبتل بذنب فَمن جعل التائب الَّذِي إجتباه الله وهداه منقوصا فَهُوَ جَاهِل
وقولك وَالْأَئِمَّة معصومون كالأنبياء فَهَذِهِ خَاصَّة الرافضة الإمامية الَّتِي مَا شركهم فِيهَا أحد إِلَّا من هُوَ شَرّ مِنْهُم كالإسماعيلية الْقَائِلين بعصمة بني عبيد المنتسبين إِلَى مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر قَالُوا بِأَن الْإِمَامَة بعد جَعْفَر فِي مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل دون مُوسَى بن جَعْفَر وهم ملاحدة زنادقة وَأما قَوْلك لَا يجوز على الْأَنْبِيَاء سَهْو فَمَا علمت أحدا قَالَه وَأما أَخذ المعصومين عَن جدهم فَيُقَال أَولا الْقَوْم إِنَّمَا تعلمُوا حَدِيث جدهم من الْعلمَاء وَهَذَا متواتر فعلي بن الْحُسَيْن يروي عَن أبان بن عُثْمَان عَن أُسَامَة بن زيد وَمُحَمّد ابْن عَليّ يروي عَن جَابر وَغَيره وَثَانِيا فَمَا فيهم من أدْرك النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَّا عَليّ وولداه وَهَذَا عَليّ يَقُول إِذا حدثتكم عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فوَاللَّه لِأَن أخر من السَّمَاء إِلَى الأَرْض أحب إِلَيّ من أَن أكذب عَلَيْهِ وَإِذا حدثتكم فِيمَا بيني وَبَيْنكُم فَإِن الْحَرْب خدعة وَلِهَذَا كَانَ يَقُول القَوْل وَيرجع عَنهُ وَكتب الشِّيعَة مَمْلُوءَة بالروايات الْمُخْتَلفَة عَن الْأَئِمَّة وقولك إِنَّكُم تتناقلون ذَلِك خلفا عَن سلف إِلَى أَن تتصل الرِّوَايَة بِأحد المعصومين فَإِن كَانَ مَا تَقول حَقًا فالنقل عَن الْمَعْصُوم الْوَاحِد كَاف فَأَي حَاجَة فِي كل زمَان إِلَى مَعْصُوم وَإِذا كَانَ النَّقْل كَافِيا مَوْجُودا فَأَي فَائِدَة فِي المنتظر الَّذِي لَا ينْقل عَنهُ كلمة وَإِن لم يكن النَّقْل كَافِيا فَأنْتم فِي نُقْصَان وَجَهل من أَرْبَعمِائَة وَسِتِّينَ سنة ثمَّ الْكَذِب من الرافضة على هَؤُلَاءِ يتجاوزون بِهِ الْحَد لَا سِيمَا على جَعْفَر الصَّادِق حَتَّى كذبُوا عَلَيْهِ كتاب الجفر والبطاقة وَكتاب إختلاج الْأَعْضَاء وَأَحْكَام الرعود والبروق وَمَنَافع الْقُرْآن وَصَارَت هَذِه معايش للطرقية فَكيف يَثِق الْقلب بِنَقْل من كثر مِنْهُم الْكَذِب إِن لم يعلم صدق النَّاقِل وإتصال السَّنَد وَقد تعدى شرهم إِلَى غَيرهم من أهل الْكُوفَة وَأهل
الْعرَاق حَتَّى كَانَ أهل الْمَدِينَة يتوقون أَحَادِيثهم وَكَانَ مَالك يَقُول نزلُوا أَحَادِيث أهل الْعرَاق منزلَة أَحَادِيث أهل الْكتاب لَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تكذبوهم وَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن ابْن مهْدي يَا أَبَا عبد الله سمعنَا فِي بلدكم أَرْبَعمِائَة حَدِيث فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَنحن فِي يَوْم وَاحِد نسْمع هَذَا كُله فَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن من أَيْن لنا دَار الضَّرْب الَّتِي عنْدكُمْ دَار الضَّرْب تضربون بِاللَّيْلِ وتنفقون بِالنَّهَارِ وَمَعَ هَذَا إِنَّه كَانَ فِي الْكُوفَة وَغَيرهَا من الثِّقَات الأكابر كثير وَمن كَثْرَة الْكَذِب الَّذِي كَانَ أَكْثَره فِي الشِّيعَة صَار الْأَمر يشْتَبه على من لَا يُمَيّز بَين هَذَا وَهَذَا بِمَنْزِلَة الرجل الْغَرِيب إِذا دخل إِلَى بلد نصف أَهله كذابون خوانون فَإِنَّهُ يحترس مِنْهُم حَتَّى يعرف الصدوق الثِّقَة وبمنزلة الدَّرَاهِم الَّتِي كثر فِيهَا الْغِشّ يحترس عَن الْمُعَامَلَة بهَا من لَا يكون نقادا وَلِهَذَا كره لمن لَا يكون لَهُ نقد وتمييز النّظر فِي الْكتب الَّتِي يكثر فِيهَا الْكَذِب فِي الرِّوَايَة والضلال فِي الآراء ككتب الْبدع وَكره تلقي الْعلم من الْقصاص وأمثالهم الَّذين يكثر الْكَذِب فِي كَلَامهم وَإِن كَانُوا يَقُولُونَ صدقا كثيرا فالرافضة أكذب من كل طَائِفَة بإتفاق أهل الْمعرفَة بأحوال الرِّجَال وقولك فَلم يلتفتوا إِلَى القَوْل بِالرَّأْيِ والإجتهاد وحرموا الْقيَاس فالشيعة فِي ذَا كالسنة فيهم أهل رَأْي وَأهل قِيَاس وَفِي السّنة من لَا يرى ذَلِك والمعتزلة البغداديون لَا يَقُولُونَ بِالْقِيَاسِ وَخلق من الْمُحدثين يذمون الْقيَاس وَأَيْضًا فَالْقَوْل بِالرَّأْيِ وَالْقِيَاس خير من الْأَخْذ بِمَا يَنْقُلهُ من عرف بِالْكَذِبِ نقل غير مُصدق عَن قَائِل غير مَعْصُوم وَلَا ريب أَن الإجتهاد فِي تَحْقِيق الْأَئِمَّة الْكِبَار لمناط الْأَحْكَام وتنقيحها وتخريجها خير من
التَّمَسُّك بِنَقْل الرافضة عَن العسكريين فَإِن مَالِكًا وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَأَبا حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وأمثالهم رَضِي الله عَنْهُم أعلم من العسكريين بدين الله وَالْوَاجِب على مثل العسكريين أَن يتعلموا من الْوَاحِد من هَؤُلَاءِ وَمن الْمَعْلُوم أَن عَليّ بن الْحُسَيْن وَأَبا جَعْفَر وجعفر بن مُحَمَّد كَانُوا هم الْعلمَاء الْفُضَلَاء وَأَن من بعدهمْ لم يعرف عَنهُ من الْعلم مَا عرف عَن هَؤُلَاءِ وَمَعَ هَذَا فَكَانُوا يتعلمون من عُلَمَاء زمانهم ويرجعون إِلَيْهِم قَالَ أما بَاقِي الْمُسلمين فقد ذَهَبُوا كل مَذْهَب فَقَالَ بَعضهم وهم جمَاعَة من الأشاعرة إِن القدماء كَثِيرُونَ مَعَ الله وَهِي الْمعَانِي الَّتِي يثبتونها مَوْجُودَة فِي الْخَارِج كالقدرة وَالْعلم وَغير ذَلِك فجعلوه مفتقرا فِي كَونه عَالما إِلَى ثُبُوت معنى هُوَ الْعلم وَفِي كَونه قَادِرًا إِلَى ثُبُوت معنى هُوَ الْقُدْرَة وَغير ذَلِك وَلم يَجْعَلُوهُ قَادِرًا لذاته وَلَا عَالما لذاته وَلَا حَيا لذاته بل لمعان قديمَة يفْتَقر فِي هَذِه الصِّفَات إِلَيْهَا وَاعْترض شيخهم فَخر الدّين الرَّازِيّ عَلَيْهِم بِأَن قَالَ النَّصَارَى كفرُوا بِأَن قَالُوا القدماء ثَلَاثَة والأشاعرة أثبتوا قدماء تِسْعَة فَيُقَال الْكَلَام على هَذَا من وُجُوه أَحدهَا أَن هَذَا كذب على الأشعرية لَيْسَ فيهم من يَقُول إِن الله كَامِل بِغَيْرِهِ وَلَا قَالَ الرَّازِيّ مَا ذكرته بل ذكره الرَّازِيّ عَمَّن اعْترض بِهِ واستهجن الرَّازِيّ ذكره وَهُوَ إعتراض قديم من إعتراضات نفاة الصِّفَات الْجَهْمِية ذكره الإِمَام أَحْمد فِي الرَّد على الْجَهْمِية ثمَّ قَالَ لَا نقُول إِن الله لم يزل وَقدرته وَلم يزل ونوره بل نقُول لم يزل الله بقدرته ونوره لَا مَتى قدر وَلَا كَيفَ قدر فَقَالُوا لَا تَكُونُونَ مُوَحِّدين حَتَّى تَقولُوا كَانَ الله وَلَا شَيْء فَقُلْنَا نَحن نقُول قد كَانَ الله وَلَا شَيْء وَلَكِن إِذا قُلْنَا إِن الله لم يزل بصفاته كلهَا أَلَيْسَ إِنَّمَا تصف إِلَهًا وَاحِدًا بِجَمِيعِ صِفَاته وضربنا لَهُم فِي ذَلِك مثلا فَقُلْنَا أخبرونا عَن هَذِه النَّخْلَة أَلَيْسَ لَهَا جذع وكرب
وليف وسعف وخوص وجمار وَاسْمهَا إسم وَاحِد وَسميت نَخْلَة بِجَمِيعِ صفاتها فَكَذَلِك الله وَله الْمثل الْأَعْلَى بِجَمِيعِ صِفَاته إِلَه وَاحِد لَا نقُول إِنَّه كَانَ فِي وَقت من الْأَوْقَات وَلَا يقدر حَتَّى خلق قدرَة وَلَا كَانَ وَلَا يعلم حَتَّى خلق لنَفسِهِ علما وَالَّذِي لَا يقدر وَلَا يعلم عَاجز جَاهِل وَلَكِن نقُول لم يزل الله عَالما قدارا مَالِكًا لَا مَتى وَلَا كَيفَ الثَّانِي أَن يُقَال هَذَا القَوْل الْمَذْكُور لَيْسَ قَول الأشعرية كلهم وَإِنَّمَا هُوَ قَول مثبتي الْحَال مِنْهُم الَّذين يَقُولُونَ إِن العالمية حَال معطلة بِالْعلمِ فيجعلون الْعلم يُوجب حَالا آخر لَيْسَ هُوَ الْعلم بل هُوَ كَونه عَالما وَهَذَا قَول الباقلاني وَالْقَاضِي أبي يعلى وَأول قولي أبي الْمَعَالِي وَأما جُمْهُور مثبتة الصِّفَات فَيَقُولُونَ إِن الْعلم هُوَ كَونه عَالما وَيَقُولُونَ لَا يكون عَالما إِلَّا بِعلم وَلَا قَادِرًا إِلَّا بقدرة أَي يمْتَنع أَن يكون عَالما من لَا علم لَهُ أَو قَادِرًا من لَا قدرَة لَهُ أَو حَيا من لَا حَيَاة لَهُ فَإِن وجود اسْم الْفَاعِل بِدُونِ الْمصدر مُمْتَنع وَهَذَا كَمَا لَو قيل مصل بِلَا صَلَاة وصائم بِلَا صِيَام وناطق بِلَا نطق فَإِذا قيل لَا يكون مصل إِلَّا بِصَلَاة لم يكن المُرَاد أَن هُنَا شَيْئَيْنِ أَحدهمَا الصَّلَاة وَالثَّانِي حَال مُعَلل بِالصَّلَاةِ بل الْمُصَلِّي لَا بُد أَن يكون لَهُ صَلَاة وهم أَنْكَرُوا قَول نفاة الصِّفَات الَّذين يَقُولُونَ هُوَ حَيّ لَا حَيَاة لَهُ وعالم علم لَهُ وقادر لَا قدرَة لَهُ فَمن قَالَ هُوَ حَيّ عليم قدير بِذَاتِهِ وَأَرَادَ بذلك أَن ذَاته مستلزمة لِحَيَاتِهِ وَعلمه وَقدرته لم يحْتَج فِي ذَلِك إِلَى غَيره وَمن تدبر كَلَام هَؤُلَاءِ وجدهم مضطرين إِلَى إِثْبَات الصِّفَات وَأَنَّهُمْ لَا يُمكنهُم أَن يفرقُوا بَين قَوْلهم وَقَول المثبتة بفرق مُحَقّق لأَنهم أثبتوا كَونه تَعَالَى حَيا وَكَونه عَالما وَكَونه قَادِرًا وَلَا يجْعَلُونَ هَذَا هُوَ هَذَا وَلَا هَذَا هُوَ هَذَا وَلَا هَذِه الْأُمُور هَذِه الذَّات فقد أثبتوا مَعَاني زَائِدَة على الذَّات الْمُجَرَّدَة فقولك أثبتوا قدماء كَثِيرَة لفظ مُجمل يُوهم أَنهم أثبتوا آلِهَة غير الله فِي الْأَزَل وأثبتوا
مَعَ الله غَيره وَهَذَا بهتان عَلَيْهِم وَإِنَّمَا أثبتوا صِفَات قَائِمَة بِهِ قديمَة بقدمه فَهَل يُنكر هَذَا إِلَّا مخذول مسفسط وَاسم الله يتَنَاوَل الذَّات المتصفة بِالصِّفَاتِ لَيْسَ هُوَ اسْما للذات الْمُجَرَّدَة وقولك يجعلونه مفتقرا فِي كَونه عَالما إِلَى ثُبُوت معنى هُوَ الْعلم فَهَذَا يرد على مثبتة الْحَال وَأما الْجُمْهُور فعندهم كَونه عَالما هُوَ الْعلم وَبِتَقْدِير أَن يُقَال كَونه عَالما مفتقر إِلَى الْعلم الَّذِي هُوَ لَازم لذاته لَيْسَ فِي هَذَا إِثْبَات فقر لَهُ إِلَى غير ذَاته فَإِن ذَاته مستلزمة للْعلم وَالْعلم مُسْتَلْزم لكَونه عَالما فذاته هِيَ الْمُوجبَة لهَذَا فالعلم كَمَال وَكَونه عَالما كَمَال فَإِذا أوجبت ذَاته هَذَا وَهَذَا كَانَ كَمَا لَو أوجبت الْحَيَاة وَالْقُدْرَة وقولك لم يَجْعَلُوهُ عَالما لذاته قَادِرًا لذاته إِن أردْت أَنهم لم يَجْعَلُوهُ عَالما قَادِرًا لذات مُجَرّدَة عَن الْعلم وَالْقُدْرَة كَمَا يَقُول نفاة الصِّفَات إِنَّه ذَات مُجَرّدَة عَن الصِّفَات فَهَذَا حق لِأَن الذَّات الْمُجَرَّدَة عَن الْعلم وَالْقُدْرَة لَا حَقِيقَة لَهَا فِي الْخَارِج وَلَا هِيَ الله وَإِن أردْت أَنهم لم يَجْعَلُوهُ عَالما قَادِرًا لذاته المستلزمة للْعلم وَالْقُدْرَة فَهَذَا غلط عَلَيْهِم بل نفس ذَاته الْمُوجبَة لعلمه وَقدرته هِيَ الَّتِي أوجبت كَونه عَالما قَادِرًا وأوجبت علمه وَقدرته فَإِن هَذِه الْأُمُور متلازمة وقولك فجعلوه مُحْتَاجا نَاقِصا فِي ذَاته كَامِلا بِغَيْرِهِ كَلَام بَاطِل فَإِنَّهُ هُوَ الذَّات الموصوفة بِالصِّفَاتِ اللَّازِمَة لَهَا وَمَا فِي الْخَارِج ذَات مُجَرّدَة عَن صِفَات وَلَيْسَت صِفَات الله غير الله وَقَول الْقَائِل إِن النَّصَارَى قد كفرُوا بِأَن قَالُوا القدماء ثَلَاثَة والأشاعرة
أثبتوا قدماء تِسْعَة وَالنَّصَارَى لم يكفرهم الله بقَوْلهمْ القدماء ثَلَاثَة بل بقَوْلهمْ ﴿إِن الله ثَالِث ثَلَاثَة وَمَا من إِلَه إِلَّا إِلَه وَاحِد﴾ فَبين تَعَالَى أَنهم كفرُوا بِأَن قَالُوا الله ثَالِث ثَلَاثَة آلِهَة وَلم يقل وَمَا من قديم إِلَّا قديم وَاحِد ثمَّ أتبع ذَلِك بكشف حَال الآخرين فَقَالَ ﴿مَا الْمَسِيح ابْن مَرْيَم إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل وَأمه صديقَة كَانَا يأكلان الطَّعَام﴾ والإله يطعم وَلَا يطعم وَقَالَ ﴿يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم أَأَنْت قلت للنَّاس اتخذوني وَأمي إِلَهَيْنِ من دون الله قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ فَلَيْسَ فِي الْكتاب وَالسّنة ذكر لفظ الْقَدِيم فِي أَسمَاء الله وَإِن كَانَ الْمَعْنى صَحِيحا ثمَّ النَّصَارَى معترفون بِأَن مَرْيَم وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَام ولدا وحدثا فَكيف يَقُولُونَ قديمان ثمَّ إِن الَّذين أثبتوا الصِّفَات لَا يَقُولُونَ ان الله تَاسِع تِسْعَة قدماء بل اسْم الله عِنْدهم يتَضَمَّن الذَّات وَالصِّفَات وَلَا أطْلقُوا على الصِّفَات أَنَّهَا غير الله وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من حلف بِغَيْر الله فقد أشرك وَثَبت فِي الصَّحِيح الْحلف بعزة الله وَعمر الله فالحلف بذلك لَيْسَ حلفا بِغَيْر الله وَالصَّوَاب أَن الصِّفَات لَا تَنْحَصِر فِي ثَمَانِيَة كَمَا قَالَ بعض الأشعرية بل وَلَا تَنْحَصِر بِعَدَد ثمَّ إِن النَّصَارَى أثبتوا ثَلَاثَة أقانيم إِنَّهَا ثَلَاثَة جَوَاهِر يجمعها جَوْهَر وَاحِد وَإِن كل وَاحِد مِنْهَا إِلَه يخلق ويرزق والمتحد بالمسيح هُوَ أقنوم الْكَلِمَة وَالْعلم وَهَذَا متناقض فَإِن المتحد إِن كَانَ صفة فالصفة لَا تخلق وَلَا ترزق وَلَا تفارق الْمَوْصُوف وَإِن كَانَ الصّفة هوالموصوف فَهُوَ الْجَوْهَر الْوَاحِد وَهُوَ الْأَب فَيكون الْمَسِيح هُوَ الْأَب وَلَيْسَ هَذَا قَوْلهم فَأَيْنَ هَذَا مِمَّن يَقُول الْإِلَه وَاحِد وَله الْأَسْمَاء الْحسنى الدَّالَّة على صِفَاته العلى وَلَا خَالق غَيره وَلَا معبود سواهُ
وَمِمَّا إفترته الْجَهْمِية على ابْن كلاب لما صنف كتابا فِي الرَّد عَلَيْهِم أَنهم وضعُوا على أُخْته حِكَايَة أَنَّهَا نَصْرَانِيَّة وَأَنه لما أسلم هجرته فَقَالَ لَهَا يَا أُخْتِي إِنِّي أُرِيد أفسد دين الْمُسلمين فرضيت عَنهُ بذلك ومقصود المفتري لهَذِهِ الْحِكَايَة أَن يَجْعَل قَوْله بِإِثْبَات الصِّفَات هُوَ قَول النَّصَارَى وَبَين الْقَوْلَيْنِ من الْفرق كَمَا بَين الْقدَم وَالْفرق قَالَ الرافضي وَقَالَت الحشوية المشبهة إِن لله جسما لَهُ طول وَعرض وعمق وَيجوز عَلَيْهِ المصافحة وَأَن الصلحاء يعاينونه فِي الدُّنْيَا وَحكي عَن دَاوُد أَنه قَالَ اعفوني
عَن الْفرج واللحية وسلوني عَمَّا وَرَاء ذَلِك وَقَالَ معبودي جسم وَلحم وَدم وَله جوارح حَتَّى قَالُوا اشتكت عَيناهُ فعادته الْمَلَائِكَة وَبكى على الطوفان حَتَّى رمد فَيُقَال هَذَا بِعَيْنِه قَول هِشَام بن الحكم الرافضي كَمَا قدمنَا نَقله الناقلون للمقالات عَنهُ مثل أبي عِيسَى الْوراق وزرقان وَابْن النوبختي والأشعري وَابْن حزم
والشهرستاني وَطَائِفَة وَقَالُوا أول من قَالَ إِنَّه جسم هِشَام بن الحكم ونقلوا عَن بَيَان ابْن سمْعَان التَّمِيمِي أحد غلاة الشِّيعَة أَن الله على صُورَة الْإِنْسَان وَأَنه يهْلك كُله إِلَّا
وَجهه فَقتله خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي ونقلوا عَن الْمُغيرَة بن سعيد أَن معبوده رجل من نور على رَأسه تَاج من نور وَله أَعْضَاء كَالرّجلِ وَله جَوف وقلب وَأَن حُرُوف أبي جاد على عدد أَعْضَائِهِ وَزعم أَنه يحيي الْمَوْتَى وأراهم نيرنجيات ومخاريق فَادعوا نبوته فَقتله خَالِد بن عبد الله وَذكروا عَن المنصورية أَصْحَاب أبي مَنْصُور أَنه قَالَ آل مُحَمَّد هم السَّمَاء والشيعة هم الأَرْض وَأَنه عرج بِهِ إِلَى السَّمَاء فَمسح معبوده رَأسه ثمَّ قَالَ إذهب فَبلغ عني وَيَمِين أَصْحَابه إِذا حلفوا لَا والكلمة وَزعم أَن عِيسَى أول من خلق الله ثمَّ عَليّ وَأَن الرُّسُل لَا تَنْقَطِع وَزعم أَن الْجنَّة اسْم رجل وَالنَّار كَذَلِك
واستحل الْمَحَارِم وَالدَّم وَالْميتَة وَالْخمر وَأَن هَذِه أَسمَاء أَقوام حرم الله وَلَا يتهم وَأسْقط الْفَرَائِض وَقَالَ هِيَ أَسمَاء رجال تجب ولايتهم قَتله يُوسُف بن عمر والنصيرية
يشبهون المنصورية وَذكروا عَن الخطابية أَصْحَاب أبي الْخطاب بن أبي
زَيْنَب أَنهم يَزْعمُونَ أَن الْأَئِمَّة أَنْبيَاء مرسلون لَا يزَال مِنْهُم رسولان وَاحِد نَاطِق وَآخر صَامت فالناطق مُحَمَّد والصامت عَليّ وعبدوا أَبَا الْخطاب ثمَّ خرج أَبُو الْخطاب على الْمَنْصُور فَقتله عِيسَى بن مُوسَى بِأَرْض الْكُوفَة وهم يدينون بِشَهَادَة الزُّور لمن وافقهم
وَذكروا عَن البزيعية أَنهم يَقُولُونَ إِن جَعْفَر بن مُحَمَّد هُوَ الله وَأَن كل مُؤمن يُوحى إِلَيْهِ قَالَ الْأَشْعَرِيّ وَقد قَالَ قوم بإلهية سلمَان الْفَارِسِي قَالَ وَفِي النساك من الصُّوفِيَّة من يَقُول بالحلول وَأَن الْبَارِي يحل فِي الْأَشْخَاص وَأَنَّهُمْ إِذا رَأَوْا مَا يعجبهم قَالُوا مَا نَدْرِي لَعَلَّ الله حل فِيهِ ومالوا إِلَى إطراح الْفَرَائِض وَزَعَمُوا أَن العَبْد إِذا وصل إِلَى معبوده سَقَطت عَنهُ الْوَاجِبَات قَالَ وَمن الغالية من يزْعم أَن روح الْقُدس هُوَ الله كَانَت فِي النَّبِي ثمَّ فِي عَليّ ثمَّ فِي الْحسن إِلَى أَن ذكر المنتظر قَالَ وَهَؤُلَاء آلِهَة
عِنْدهم كل وَاحِد إِلَه على التناسخ وَمِنْهُم صنف يَزْعمُونَ أَن عليا هُوَ الله ويشتمون النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَيَقُولُونَ إِن عليا وَجه بِهِ ليبين أمره فَادّعى الْأَمر لنَفسِهِ وَمِنْهُم من يَقُول إِن الله حل فِي خَمْسَة فِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعلي وَالْحسن وَالْحُسَيْن وَفَاطِمَة رَضِي الله عَنْهُم أَجْمَعِينَ وَلَهُم خَمْسَة أضداد أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَمُعَاوِيَة وَعَمْرو وَمِنْهُم السبئية أَصْحَاب عبد الله بن سبأ يَزْعمُونَ أَن عليا لم يمت وَأَنه يرجع إِلَى الدُّنْيَا فَيمْلَأ الأَرْض عدلا وَكَانَ السَّيِّد الْحِمْيَرِي يَقُول برجعة الْأَمْوَات وَهُوَ الْقَائِل (إِلَى يَوْم يؤوب النَّاس فِيهِ... إِلَى دنياهم قبل الْحساب) وَمِنْهُم من يزْعم أَن الله وكل الْأُمُور إِلَى مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فخلق الدُّنْيَا ودبرها ويزعمون أَن الْأَئِمَّة ينسخون الشَّرَائِع وتهبط عَلَيْهِم الْمَلَائِكَة بِالْوَحْي وَمِنْهُم من يسلم على السَّحَاب وَيَقُول إِذا مرت سَحَابَة إِن عليا فِيهَا وَذكر الْأَشْعَرِيّ أَشْيَاء سوى ذَلِك وَلم تكن حدثت النصيرية وَلَا الإسماعيلية بعد وَمن قَول النصيرية
(أشهد أَلا إِلَه إِلَّا... حيدرة الأنزع البطين) (وَلَا حجاب عَلَيْهِ إِلَّا... مُحَمَّد الصَّادِق الْأمين) (وَلَا طَرِيق إِلَيْهِ إِلَّا... سلمَان ذُو الْقُوَّة المتين) وَيَقُولُونَ إِن رَمَضَان أَسمَاء ثَلَاثِينَ رجلا وَهَذِه المصائب أَبُو جادها الرَّفْض وَأما مَا نقلت فَلَا يعرف عَن إِمَام مَعْرُوف بِالسنةِ وَلَا من الْفُقَهَاء وَلَا حفاظ الحَدِيث وَلَا مَشَايِخ الطّرق فَمَا علمنَا من قَالَ فيهم بالجسم والطول والعمق وَاتَّفَقُوا على أَن الله لَا يرى فِي الدُّنْيَا بل فِي الْآخِرَة كَمَا ثَبت فِي الصِّحَاح قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَاعْلَمُوا أَن أحدا مِنْكُم لن يرى ربه حَتَّى يَمُوت وَمن أَرَادَ أَن ينْقل مقَالَة عَن طَائِفَة فليسم الْقَائِل وَإِلَّا فَكل أحد يُمكنهُ الْكَذِب وَأما لفظ الحشوية فَلَيْسَ فِيهِ مَا يدل على شخص معِين فَلَا يدْرِي من هم هَؤُلَاءِ وَإِن أردْت بالحشوية أهل الحَدِيث فاعتقادهم هُوَ السّنة الْمَحْضَة وَمَا ثَبت نَقله وَمَا فيهم من يعْتَقد وَله الْحَمد مَا قلت فَبَان كَذبك فِي هَذَا وَغَيره وَأما لفظ المشبهة فَلَا ريب أَن أهل السّنة متفقون على تَنْزِيه الله عَن مماثلة الْخلق فالمشبهة هم الَّذين يمثلون صِفَاته بِصِفَات خلقه وَأهل السّنة يصفونَ الله بِمَا وصف بِهِ نَفسه