وَمَا وَرَثَة الرَّسُول من الْعلم لم يخْتَص بِهِ عَليّ بل كل وَاحِد من الصَّحَابَة حصل لَهُ نصيب وَحفظ ابْن مَسْعُود من فِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سبعين سُورَة ثمَّ لَيْسَ الْعلم كَالْمَالِ بل الَّذِي يَرِثهُ هَذَا يَرِثهُ الآخر وَلَا يتزاحمان بِخِلَاف المَال ثمَّ قد ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لمَوْلَاهُ زيد أَنْت أخونا ومولانا وَقَالَ لَهُ أَبُو بكر لما خطب ابْنَته أَلَسْت أَخَاك قَالَ بلَى وابنتك حَلَال لي وَفِي الصَّحِيح أَنه قَالَ وَلَكِن أخوة الْإِسْلَام أفضل وَفِي الصَّحِيح أَيْضا وددت أَنِّي قد رَأَيْت إخْوَانِي قَالُوا أَو لسنا إخوانك قَالَ لَا أَنْتُم أَصْحَابِي وَلَكِن إخْوَانِي قوم يأْتونَ بعدِي يُؤمنُونَ بِي وَلم يروني وَقَالَ تَعَالَى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَة) وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمُسلم أَخُو الْمُسلم وَقَالَ كونُوا عباد الله إخْوَانًا وَمُطلق المؤاخاة لَا يَقْتَضِي التَّمَاثُل من كل وَجه وَلَا الْمُنَاسبَة وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم قيل مؤاخاة عَليّ لَو كَانَت صَحِيحَة توجب الْإِمَامَة أَو الْأَفْضَلِيَّة وَقد ثَبت أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَو كنت متخذا من أهل الأَرْض خَلِيلًا لأتخذت أَبَا بكر خَلِيلًا وَصَحَّ أَنه سُئِلَ من أحب النَّاس إِلَيْك من الرِّجَال قَالَ أَبُو بكر وتواتر أَن عليا قَالَ خير هَذِه الْأمة بعد نبيها أَبُو بكر وَعمر أخرجه البُخَارِيّ وَلنْ يرتاب فِي هَذِه النُّصُوص الثَّابِتَة إِلَّا من لَا يعلم أَو غَلبه الْهوى وَنقل الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى الشَّافِعِي قَالَ لم يخْتَلف أحد من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فِي تَفْضِيل أبي وَبكر وَعمر وتقديمهما على جَمِيع الصَّحَابَة وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَمَالك وَأحمد وَالثَّوْري وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَاق وَدَاوُد وَابْن جرير وأصحابهم من الْأَئِمَّة وَالسَّلَف وَالْخلف وَهَذَا مَالك يَحْكِي الْإِجْمَاع عَمَّن لقِيه أَنهم لم يَخْتَلِفُوا فِي تَقْدِيم أبي بكر وَعمر وَابْن جرير وَمُسلم بن خَالِد الزنْجِي وَابْن عُيَيْنَة وعلماء مَكَّة على ذَلِك وَبِه يَقُول ابْن أبي عرُوبَة والحمادان وَغَيرهم من عُلَمَاء الْبَصْرَة وَابْن أبي ليلى وَشريك وَجَمَاعَة من عُلَمَاء الْكُوفَة الَّتِي هِيَ دَار الشِّيعَة وَعمر بن الْحَارِث وَاللَّيْث بن سعد وَابْن وهب من عُلَمَاء مصر
وَالْأَوْزَاعِيّ وَسَعِيد بن عبد الْعَزِيز وَغَيرهمَا من عُلَمَاء الشَّام وَمن لَا يُحْصى عَددهمْ إِلَّا الله تَعَالَى وَقَالَ الْبُرْهَان التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ (وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ) الْآيَة فَفِي كتاب الفردوس عَن حُذَيْفَة قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَو يعلم النَّاس مَتى سمى عَليّ أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا أَنْكَرُوا فَضله سمى أَمِير الْمُؤمنِينَ وآدَم بَين الرّوح والجسد قَالَ الله (وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى) قَالَت الْمَلَائِكَة بلَى فَقَالَ تَعَالَى أَنا ربكُم وَمُحَمّد نَبِيكُم وَعلي أميركم وَهَذَا صَرِيح فِي الْبَاب وَالْجَوَاب منع الصِّحَّة بل هُوَ كذب بإتفاق أهل الْمعرفَة والنقد ثمَّ إِن الَّذِي فِي الْقُرْآن أَنه قَالَ (أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى) لم يتَعَرَّض لذكر نَبِي وَلَا أَمِير فَهَذَا مِيثَاق التَّوْحِيد خَاصَّة أَلا ترَاهُ قَالَ (أَن تَقولُوا إِنَّمَا أشرك آبَاؤُنَا من قبل وَكُنَّا ذُرِّيَّة من بعدهمْ) فَدلَّ على أَنه مِيثَاق التَّوْحِيد خَاصَّة لَيْسَ فِيهِ مِيثَاق النُّبُوَّة فَكيف مَا دونهَا وَأَيْضًا فَإِن الْمِيثَاق أَخذ على الذُّرِّيَّة كلهَا أفيكون عَليّ أَمِيرا على الْأَنْبِيَاء كلهم من نوح إِلَى مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهَذَا كَلَام المجانين فَإِن أُولَئِكَ مَاتُوا قبل أَن يخلق الله عليا فَكيف يكون أَمِيرا عَلَيْهِم وَغَايَة مَا يُمكن أَن يكون أَمِيرا على أهل زَمَانه أما الْإِمَارَة على من خلق قبله وعَلى من خلق بعده فَهَذَا من كذب من لَا يعقل مَا يَقُول وَلَا يستحي مِمَّا يَقُول وَمن الْعجب أَن هَذَا الْحمار الرافضي هُوَ أَحْمَر من عقلاء الْيَهُود الَّذين قَالَ الله فيهم (مثل الَّذين حملُوا التَّوْرَاة ثمَّ لم يحملوها كَمثل الْحمار يحمل أسفارا) والعامة معذورون فِي قَوْلهم الرافضي حمَار الْيَهُودِيّ والعاقل يعلم أَن هَذَا وامثاله بَاطِل عقلا وَشرعا وَإِنَّمَا هَذَا نَظِير قَول ابْن عَرَبِيّ الطَّائِي وَأَمْثَاله إِن الْأَنْبِيَاء كَانُوا يستفيدون الْعلم بِاللَّه من مشكاة خَاتم الْأَوْلِيَاء الَّذِي خلق بعدهمْ بدهور فغلو هَؤُلَاءِ فِي الْولَايَة كغلو أُولَئِكَ فِي
الْإِمَامَة ثمَّ يَقُول هُوَ صَرِيح فِي الْبَاب فَهَل يكون هَذَا حجَّة عِنْد أحد ويحتج بِهَذَا فِي جزرة بقل وَالله حَسبك وحسبنا على مَا تَقول قَالَ الْبُرْهَان الْأَرْبَعُونَ قَوْله (فَإِن الله هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيل وَصَالح الْمُؤمنِينَ) أجمع الْمُفَسِّرُونَ على أَن عليا صَالح الْمُؤمنِينَ روى أَبُو نعيم بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَسمَاء بنت عُمَيْس سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يقْرَأ (فَإِن الله هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيل وَصَالح الْمُؤمنِينَ) عَليّ بن أبي طَالب واختصاصه بِهَذَا يدل على أفضليته فَيكون هُوَ الإِمَام والآيات فِي هَذَا الْمَعْنى كَثِيرَة وَالْجَوَاب أَن نقلك الْإِجْمَاع إفتراء مِنْك فَمَا أَجمعُوا على هَذَا بل كتب التَّفْسِير بنقيض هَذَا فَقَالَ مُجَاهِد وَغَيره هُوَ أَبُو بكر وَعمر نَقله ابْن جريج وَغَيره وَقيل هم الْأَنْبِيَاء وَلم يثبت القَوْل بتخصيص عَليّ بِهِ عَمَّن قَوْله حجَّة والْحَدِيث الْمَذْكُور كذب بِيَقِين ثمَّ قَوْله (وَصَالح الْمُؤمنِينَ) اسْم يعم كل صَالح من الْمُؤمنِينَ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن آل فلَان لَيْسُوا بأوليائي إِنَّمَا وليي الله وَصَالح الْمُؤمنِينَ ثمَّ يُقَال إِن الله جعل فِي الْآيَة صَالح الْمُؤمنِينَ مولى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا أخبر أَن الله مَوْلَاهُ وَالْمولى يمْتَنع أَن يُرَاد بِهِ الْمولى عَلَيْهِ فَلم يبْق المُرَاد بِهِ إِلَّا الموالى وَمن الْمَعْلُوم أَن كل من كَانَ صَالحا من الْمُؤمنِينَ كَانَ مواليا للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قطعا فَإِنَّهُ لَو لم يواله لم يكن من صالحي الْمُؤمنِينَ بل قد يواليه الْمُؤمن وَإِن لم يكن صَالحا وقولك والآيات فِي هَذَا الْمَعْنى كَثِيرَة فغاية ذَلِك أَن يكون الْمَتْرُوك من جنس الْمَذْكُور وَالَّذِي أوردته خُلَاصَة مَا عنْدك وَبَاب الْكَذِب لَا ينسد وَلَكِن الله يقذف بِالْحَقِّ على الْبَاطِل فيدمغه فَإِذا هُوَ زاهق وَلكم الويل مِمَّا تصفون وحكاية قَاسم بن زَكَرِيَّا الْمُطَرز مَشْهُورَة أَنه دخل على عباد بن يَعْقُوب الْأَسدي الروَاجِنِي الرافضي وَكَانَ
صَدُوقًا فِي الحَدِيث على بدعته فَقَالَ لي من حفر الْبَحْر قلت الله تَعَالَى قَالَ هُوَ كَذَلِك وَلَكِن من حفره قلت يذكر الشَّيْخ فَقَالَ حفره عَليّ فَمن أجراه قلت يُفِيد الشَّيْخ قَالَ أجراه الْحُسَيْن وَكَانَ عباد مكفوفا فَرَأَيْت سَيْفا وجحفة فَقلت لمن هَذَا قَالَ أعددته لأقاتل بِهِ مَعَ الْمهْدي فَلَمَّا فرغت من سَماع مَا أردْت مِنْهُ دخلت عَلَيْهِ فَقَالَ لي من حفر الْبَحْر قلت مُعَاوِيَة وأجراه عَمْرو بن الْعَاصِ ثمَّ وَثَبت وعدوت أصيح أدركوا الْفَاسِق عَدو الله فَاقْتُلُوهُ قلت هَذِه حِكَايَة صَحِيحَة رَوَاهَا ابْن مظفر عَن الْقَاسِم وَقد قَالَ مُحَمَّد بن جرير سَمِعت عباد بن يَعْقُوب يَقُول من لم يتبرأ فِي صلَاته كل يَوْم من أَعدَاء آل مُحَمَّد حشر مَعَهم قَالَ الرافضي الْمنْهَج الثَّالِث فِي الْأَدِلَّة المسندة إِلَى الحَدِيث فَمن ذَلِك مَا نَقله النَّاس كَافَّة لما نزلت (وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين) جمع رَسُول
الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بني عبد الْمطلب فِي دَار أبي طَالب وهم أَرْبَعُونَ رجلا وَامْرَأَتَانِ فَصنعَ لَهُم طَعَاما وَكَانَ الرجل مِنْهُم يَأْكُل الْجَذعَة وَيشْرب الْفرق من الشَّرَاب فَأكلت الْجَمَاعَة كلهم من ذَلِك الْيَسِير حَتَّى شَبِعُوا وَلم يتَبَيَّن مَا أكلُوا فبهرهم ذَلِك وَتبين لَهُم أَنه صَادِق فِي نبوته فَقَالَ يَا بنى عبد الْمطلب إِن الله بعثنى إِلَى الْخلق كَافَّة وبعثنى إِلَيْكُم خَاصَّة فَقَالَ (وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين) وَأَنا أدعوكم إِلَى كَلِمَتَيْنِ خفيفتين على اللِّسَان ثقيلتين فِي الْمِيزَان تَمْلِكُونَ بهما الْعَرَب والعجم وتنقاد لكم بهما الْأُمَم وتدخلون بهما الْجنَّة وتنجون بهما من النَّار شَهَادَة أَن لاإله إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُول الله عَن يجيبني إِلَى هَذَا الْأَمر ويؤازرني عَلَيْهِ يكن أخي ووصيتي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدِي فَقَالَ عَليّ أَنا يَا رَسُول الله وَالْجَوَاب الْمُطَالبَة بِصِحَّة النَّقْل فَلَا هُوَ فِي السّنَن وَلَا فِي المسانيد وَلَا فِي الْمَغَازِي فَأَيْنَ قَوْلك فِيهِ نَقله النَّاس كَافَّة وَإِنَّمَا هُوَ من الموضوعات ثمَّ إِن بني عبد الْمطلب لم يبلغُوا أَرْبَعِينَ رجلا وَقت نزُول الْآيَة وَلَا كَانُوا أَرْبَعِينَ فِي حَيَاة الرَّسُول أبدا وَجَمِيع بني عبد الْمطلب من أَوْلَاد الْعَبَّاس وَأبي طَالب والْحَارث وَأبي لَهب فَكَانَ لأبي طَالب أَرْبَعَة على وجعفر وَعقيل وطالب فطالب لم يدْرك الْإِسْلَام وَالْعَبَّاس كَانَ أَوْلَاده رضعا أَو لم يُولد لَهُ والْحَارث كَانَ لَهُ ثَلَاثَة أَبُو سُفْيَان وَرَبِيعَة وَنَوْفَل وَأَبُو لَهب كَانَ لَهُ ولدان أَو ثَلَاثَة فَكل بني هَاشم إِذْ ذَاك لم يبلغُوا بضعَة عشر فَأَيْنَ الْأَرْبَعُونَ ثمَّ قَوْله فِي الحَدِيث كل رجل مِنْهُم يَأْكُل الْجَذعَة وَيشْرب الْفرق من اللَّبن
كذب لَيْسَ بَنو هَاشم معروفين بِكَثْرَة الْأكل بل وَلَا وَاحِد مِنْهُم يحفظ عَنهُ هَذَا ثمَّ لفظ الحَدِيث رَكِيك يشْهد الْقلب بِبُطْلَانِهِ فَإِنَّهُ عرضه كَمَا زعمت على أَرْبَعِينَ رجلا فَلَو فَرضنَا أَنهم أجابوه كلهم من الَّذِي يكون الْخَلِيفَة مِنْهُم ثمَّ فِي الصَّحِيحَيْنِ مَا يبين بطلَان هَذَا عَن أبي هُرَيْرَة وَغَيره أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما نزلت (وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين) دَعَا قُريْشًا فَاجْتمعُوا فَعم وَخص فَقَالَ يَا بني كَعْب بن لؤَي أَنْقِذُوا أَنفسكُم من النَّار يَا بني عبد شمس أَنْقِذُوا أَنفسكُم من النَّار يَا بني عبد الْمطلب أَنْقِذُوا أَنفسكُم من النَّار يَا فَاطِمَة أَنْقِذِي نَفسك من النَّار فَإِنِّي لَا أملك لكم من الله شَيْئا غير أَن لكم رحما سَأَبلُّهَا بِبلَالِهَا وَفِي الصَّحِيحَيْنِ لما نزلت هَذِه الْآيَة قَالَ يَا معشر قُرَيْش اشْتَروا أَنفسكُم من الله لَا أغْنى عَنْكُم من الله شَيْئا يَا بني عبد الْمطلب لَا أُغني عَنْكُم من الله شَيْئا يَا صَفِيَّة عمَّة رَسُول الله لَا أُغني عَنْك من الله شَيْئا يَا فَاطِمَة بنت رَسُول الله لَا أغْنى عَنْك من الله شَيْئا سلاني مَا شئتما من مَالِي وَأخرجه مُسلم من حَدِيث قبيصَة ابْن مُخَارق وَزُهَيْر وَعَائِشَة وَفِيه أَنه قَامَ على الصَّفَا فَنَادَى قَالَ الْخَبَر الثَّانِي عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لما نزلت (يَا أَيهَا الرَّسُول بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك) خطب بغدير خم وَقَالَ أَيهَا النَّاس أَلَسْت أولى مِنْكُم بِأَنْفُسِكُمْ قَالُوا بلَى قَالَ من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَال من وَالَاهُ وَعَاد من عَادَاهُ وانصر من نَصره واخذل من خذله فَقَالَ عمر بخ بخ أَصبَحت مولَايَ وَمولى كل مُؤمن ومؤمنة وَالْمرَاد بالمولى هُنَا التَّصَرُّف لتقدم التَّقْرِير مِنْهُ بقوله أَلَسْت أولى مِنْكُم بِأَنْفُسِكُمْ وَالْجَوَاب عَن هَذَا قد تقدم وَأَن الْآيَة قد نزلت قبل يَوْم الغدير
عدَّة وَإِن كَانَت من الْمَائِدَة أَلا ترى أَن فِي سياقها (وَالله يَعْصِمك من النَّاس) وَهَذَا شَيْء كَانَ فِي أَوَائِل الْإِسْلَام ثمَّ صدر الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَأحمد فِي الْمسند وَأما اللَّهُمَّ وَال من وَالَاهُ إِلَخ فَلَا ريب فِي كذبه وَنقل الْأَثْرَم فِي سنَنه عَن أَحْمد أَن الْعَبَّاس سَأَلَهُ عَن حُسَيْن الْأَشْقَر وَأَنه حدث بحديثين هَذَا أَحدهمَا وَالْآخر قَوْله لعَلي إِنَّك ستعرض على الْبَرَاءَة مني فَلَا تَبرأ مني فَأنكرهُ أَبُو عبد الله جدا وَلم يشك أَن هذَيْن كذب وَقد صنف ابْن عقدَة مصنفا فِي جمع طرق الحَدِيث وَقَالَ ابْن حزم الَّذِي صَحَّ فِي فَضَائِل على أَنْت مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى ولأعطين الرَّايَة وَعَهده أَن عليا لَا يُحِبهُ إِلَّا مُؤمن وَلَا يبغضه إِلَّا مُنَافِق وَصَحَّ نَحوه فِي الْأَنْصَار وَأما من كنت مَوْلَاهُ فَلَا يَصح إِلَى أَن قَالَ وَأما سَائِر الْأَحَادِيث الَّتِي يتَعَلَّق بهَا الروافض فموضوعة يعرف ذَلِك من لَهُ أدنى علم بالأخبار ونقلتها فَإِن قيل فَمَا ذكر ابْن حزم قَوْله أَنْت مني وَأَنا مِنْك وَحَدِيث المباهلة والكساء قيل مُرَاد ابْن حزم مَا يذكر فِيهِ عَليّ وَحده وَنحن نقُول إِن كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ هَذَا يَوْم الغدير فَلم يرد بِهِ الْخلَافَة قطعا إِذْ لَيْسَ فِي اللَّفْظ مَا يدل عَلَيْهِ دلَالَة ظَاهِرَة وَمثل هَذَا الْأَمر الْعَظِيم يَنْبَغِي أَن يبين بَيَانا وَاضحا فالمولى كالولى وَقد قَالَ الله تَعَالَى (إِنَّمَا وَلِيكُم الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا) وَأَن الْمُؤمنِينَ أَوْلِيَاء الله وَأَن بَعضهم أَوْلِيَاء بعض فالموالاة ضد المعاداة وَهِي تثبت من الطَّرفَيْنِ وَإِن كَانَ أحد المتواليين أعظم قدرا وولايته إِحْسَان وتفضل وَولَايَة الآخر طَاعَة وَعبادَة فَمَعْنَى كَونه تَعَالَى ولي الْمُؤمنِينَ ومولاهم وَكَون نبيه وليهم ومولاهم وَكَون عَليّ مَوْلَاهُم هِيَ الْمُوَالَاة الَّتِي هِيَ ضد الْمُعَادَة والمؤمنون أَيْضا يتولون الله وَرَسُوله الْمُوَالَاة المضادة للمعاداة وَهَذَا حكم ثَابت لكل مُؤمن فعلي من كبارهم يتولاهم ويتولونه فَفِيهِ رد على الْخَوَارِج
والنواصب لَكِن لَيْسَ فِي الحَدِيث أَنه لَيْسَ للْمُؤْمِنين مولى سواهُ وَقد قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أسلم وغفار ومزينه وجهينة وقريش وَالْأَنْصَار موَالِي دون النَّاس لَيْسَ لَهُم مولى دون الله وَرَسُوله قَالَ الثَّالِث قَوْله أَنْت مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى إِلَّا أَنه لَا نَبِي بعدِي وَمن جملَة منَازِل هَارُون أَنه كَانَ خَليفَة لمُوسَى وَلَو عَاشَ بعده لخلفه وَلِأَنَّهُ خَلفه مَعَ وجوده وغيبته مُدَّة يسيرَة فَعِنْدَ مَوته تطول الْغَيْبَة فَيكون أولى بِأَن يكون خَليفَة الْجَواب هَذَا الحَدِيث فِي الصَّحِيحَيْنِ وَقَالَهُ لَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غَزْوَة تَبُوك وَكَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا غَابَ عَن الْمَدِينَة يسْتَخْلف عَلَيْهَا رجلا فَلَمَّا كَانَ فِي غَزْوَة تَبُوك لم يَأْذَن لأحد فِي التَّخَلُّف فَمَا تخلف عَنهُ إِلَّا مَعْذُور بِالْعَجزِ أَو مُنَافِق وَأُولَئِكَ الثَّلَاثَة كَذَا كَانَ الإستخلاف فِي غَزْوَة الْفَتْح أَيْضا وَفِي حجَّة الْوَدَاع فَمَا علميا من يذكر تخلف وَلم يبْق بِالْمَدِينَةِ طَائِفَة من الْمُؤمنِينَ وَكَانَ هَذَا الإستخلاف دون الإستخلافات الْمُعْتَادَة مِنْهُ فَخرج عَليّ إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يبكي وَقَالَ أتخلفني مَعَ النِّسَاء وَالصبيان وَقيل إِن بعض الْمُنَافِقين طعن فِيهِ وَقَالَ إِنَّمَا خَلفه لِأَنَّهُ فَبين لَهُ الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنِّي إِنَّمَا أستخلفتك لأمانتك عِنْدِي وَإِن الإستخلاف لَيْسَ ببغض فإت مُوسَى اسْتخْلف هَارُون على قومه فطيب قلبه وَلم يكن الإستخلاف كإستخلاف هَارُون لِأَن ذَلِك كَانَ على كل قوم مُوسَى وَذهب هُوَ للمناجاة وإستخلاف عَليّ كَانَ على من ذكرنَا وَسَائِر الْمُسلمين كَانُوا مَعَ نَبِيّهم وَقَول الْقَائِل هَذَا بمنزله هَذَا أَو مثل هَذَا أَو كَهَذا تَشْبِيه للشَّيْء بالشَّيْء وَيكون بِحَسب مَا دلّ عَلَيْهِ السِّيَاق وَلَا تَقْتَضِي الْمُسَاوَاة فِي كل شَيْء أَلا ترى إِلَى مَا ثَبت من قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَدِيث الأساري حِين اسْتَشَارَ أَبَا بكر فَأَشَارَ بِالْفِدَاءِ وَاسْتَشَارَ عمر فَأَشَارَ بِالْقَتْلِ فَقَالَ مثلك يَا أَبَا بكر مثل إِبْرَاهِيم إِذْ قَالَ (فَمن تَبِعنِي فَإِنَّهُ مني وَمن عَصَانِي فَإنَّك غَفُور رَحِيم) وَمثلك يَا عمر مثل نوح إِذْ قَالَ (رب لَا تذر على الأَرْض من الْكَافرين ديارًا) الحَدِيث
فقد جعل هذَيْن مثلهمَا وَلم يرد أَنَّهُمَا مثلهمَا فِي كل شَيْء لَكِن فِيمَا دلّ عَلَيْهِ السِّيَاق من الشدَّة واللين وَكَذَلِكَ عَليّ إِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَة هَارُون فِيمَا دلّ عَلَيْهِ السِّيَاق وَهُوَ إستخلافه فِي مغيبه وَهَذَا الإستخلاف لَيْسَ من خَصَائِص عَليّ وَلَا هُوَ مثل سَائِر إستلافاته وَلَا أُولَئِكَ المستخلفون مِنْهُ بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى وتخصيصه لعَلي بِالذكر هُنَا هُوَ مَفْهُوم اللقب وَهُوَ نَوْعَانِ لقب هُوَ جنس ولقب يجْرِي مجْرى الْعلم مثل زبد وَأَنت وَهَذَا الْمَفْهُوم أَضْعَف المفاهيم وَلِهَذَا كَانَ جَمَاهِير الْأُصُولِيِّينَ على أَنه لَا يحْتَج بِهِ وَقَول الْقَائِل إِنَّه جعله بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى فِي كل شَيْء إِلَّا النُّبُوَّة بَاطِل فَإِن قَوْله أما ترْضى أَن تكون مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى دَلِيل على أَنه يسترضيه بذلك ويطيب قلبه أَي مثل منزلَة هَارُون وَلَو كَانَ مثل هَارُون مُطلقًا لما أَمر عَلَيْهِ أَبَا بكر فِي حجَّة سنة تسع فَكَانَ يُصَلِّي خلف أبي بكر ويطيع أمره وَخَصه بنبذ العهود إِلَى الْعَرَب فَقَط فَإِنَّهُ كَانَ من عَادَتهم أَن لَا يعْقد الْعُقُود وَلَا ينبذها إِلَّا السَّيِّد المطاع أَو رجل من أهل بَيته وقولك وَلِأَنَّهُ خَلِيفَته مَعَ وجوده وغيبته مُدَّة يسيرَة فَعِنْدَ مَوته بطول الْغَيْبَة يكون أولى بِأَن يكون خَليفَة فَيُقَال هُوَ مَعَ وجوده وغيبته قد اسْتخْلف غير وَاحِد سوى عَليّ فالإستخلاف على الْمَدِينَة لَيْسَ من خَصَائِصه وَلَيْسَ كل من صلح للإستخلاف فِي الْحَيَاة على بعض الْأمة يصلح أَن يكون خَليفَة بعد الْمَوْت قَالَ الرَّابِع أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إستخلفه على الْمَدِينَة مَعَ قصر مُدَّة الْغَيْبَة فَيجب أَن يكون خَليفَة لَهُ بعد مَوته وَلَيْسَ غير عَليّ إِجْمَاعًا وَلِأَنَّهُ لم يعزله عَن الْمَدِينَة فَيكون خَلِيفَته بعد مَوته فِيهَا وَإِذا كَانَ خَليفَة فِي الْمَدِينَة كَانَ خَليفَة فِي غَيرهَا إِجْمَاعًا قُلْنَا هَذِه حجَّة داحضة كأمثالها من جنس نَسِيج العنكبوت وَالْجَوَاب عَنْهَا من وُجُوه أَحدهَا أَن نقُول على أحد الْقَوْلَيْنِ إِنَّه اسْتخْلف أَبَا بكر بعد مَوته وَإِن قلت بل اسْتخْلف عليا قيل والراوندية من جنسك قَالُوا اسْتخْلف عَمه الْعَبَّاس وكل من لَهُ علم
بالمنقولات الثَّابِتَة يعلم أَن الْأَحَادِيث الدَّالَّة على إستخلاف أحد بعد مَوته إِنَّمَا تدل على إستخلاف أبي بكر لَيْسَ فِيهَا شَيْء يدل على إستخلاف عَليّ وَلَا الْعَبَّاس وَإِن لم يكن اسْتخْلف فقد ترك مُبَاحا أما الإستخلاف فِي الْحَيَاة فَإِنَّهُ نِيَابَة وَلَا بُد مِنْهُ لكل إِمَام عزما وَبعد مَوته انْقَطع التَّكْلِيف عَنهُ كَمَا قَالَ الْمَسِيح (وَكنت عَلَيْهِم شَهِيدا مَا دمت فيهم فَلَمَّا توفيتني كنت أَنْت الرَّقِيب عَلَيْهِم) وقولك لم يعزله عَن الْمَدِينَة قَول زيف فَإِنَّهُ بِمُجَرَّد مَجِيء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انْعَزل عَليّ كَمَا كَانَ غَيره من نواب الرَّسُول على الْمَدِينَة ينعزلون بمقدمه وَقد أرْسلهُ بعد ذَا بِبَرَاءَة إِلَى الْمَوْسِم وَبَعثه عَاملا على الْيمن ثمَّ وافاه فِي حجَّة الْوَدَاع قَالَ الْخَامِس مَا رَوَاهُ الْجُمْهُور بأجمعهم عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ لعَلي أَنْت أخي ووصيي وخليفتي من بعدِي وقاضي ديني وَالْجَوَاب أَولا الْمُطَالبَة بِصِحَّة هَذَا فقد شطحت وَانْتَفَخَتْ إِذْ قلت رَوَاهُ الْجُمْهُور بأجمعهم فَإِن أردْت عُلَمَاء الحَدِيث فقد افتريت وَإِن أردْت أَن أَبَا نعيم رَوَاهُ فِي الْفَضَائِل والمغازلي أَو خطيب خوارزم فَلَيْسَ حجَّة بإتفاق ثمَّ بُطْلَانه مَعْلُوم قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي كتاب الموضوعات لما روى هَذَا
الحَدِيث من طَرِيق أبي حَاتِم البستي حَدثنَا مُحَمَّد بن سهل بن أَيُّوب حَدثنَا عمار بن رَجَاء حَدثنَا عبيد الله بن مُوسَى حَدثنَا مطر بن مَيْمُون الإسكاف عَن أنس أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إِن أخي ووزيري وخليلي من أَهلِي وَخير من أترك من بعدِي يقْضِي ديني وينجز موعدي على بن أبي طَالب وَهَذَا مَوْضُوع قَالَ ابْن حبَان مطر يرْوى الموضوعات لَا تحل الرِّوَايَة عَنهُ وَرَوَاهُ من طَرِيق ابْن عدي بِنَحْوِهِ ومداره على مطر هَذَا مَعَ أَنه لَيْسَ فِي لَفظه وخليفتي ووصيي وَأما فِي تِلْكَ الطَّرِيق وخليفتي فِي أَهلِي قَالَ السَّادِس حَدِيث المؤاخاة روى أنس أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما كَانَ يَوْم المباهلة وآخى بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَعلي وَاقِف يرَاهُ ويعرفه وَلم يؤاخ بَينه وَبَين أحد فَانْصَرف باكيا فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا فعل أَبُو الْحسن قَالُوا انْصَرف باكي الْعين فَقَالَت لَهُ فَاطِمَة مَا يبكيك قَالَ آخى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَلم يؤاخ بيني وَبَين أحد قَالَت لَا يخزيك الله لَعَلَّه إِنَّمَا ادخرك لنَفسِهِ فَقَالَ بِلَال يَا عَليّ أجب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأتي فَقَالَ مَا يبكيك يَا أَبَا الْحسن فَأخْبرهُ فَقَالَ إِنَّمَا ادخرك لنَفْسي أَلا يَسُرك أَن تكون أَخا نبيك قَالَ بلَى فَأخذ بِيَدِهِ فَأتى الْمِنْبَر فَقَالَ اللَّهُمَّ هَذَا مني وَأَنا مِنْهُ أَلا إِنَّه مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى أَلا من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ فَانْصَرف فَاتبعهُ عمر فَقَالَ بخ بخ يَا أَبَا الْحسن أَصبَحت مولَايَ وَمولى كل مُسلم فالمؤاخاة تدل على الْأَفْضَلِيَّة فَيكون هُوَ الإِمَام قُلْنَا هَذَا مَوْضُوع بَاطِل والمباهلة إِنَّمَا كَانَت سنة تسع أَو نَحْوهَا والمؤاخاة بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار فِي أول الْهِجْرَة ثمَّ لم تقع مباهلة لَكِن دعِي نَصَارَى نَجْرَان إِلَيْهَا فاستمهلوا حَتَّى يشتوروا فَلَمَّا خلوا قَالُوا هُوَ نَبِي وَمَا بَاهل قوم نَبيا إِلَّا استؤصلوا فأقروا بالجزية وذهبوا
قَالَ السَّابِع حَدِيث فتح خَيْبَر على يَدَيْهِ فَأوردهُ بِلَفْظ مُنكر وَفِيه أروني رجلا يحب الله وَرَسُوله وَيُحِبهُ الله وَرَسُوله وَلَا ريب أَن عليا يُحِبهُ الله فَفِيهِ رد على الْخَوَارِج والأموية قَالَ الْأَشْعَرِيّ فِي كتاب المقالات أَجمعت الْخَوَارِج على كفر عَليّ وَلَيْسَ هَذَا الحَدِيث مِمَّا يخْتَص بِهِ على بل غَيره يُحِبهُ الله وَكَون الْفَتْح على يَدَيْهِ يدل على فضيلته لَا أفضليته قَالَ الثَّامِن خبر الطَّائِر روى الْجُمْهُور كَافَّة أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَتَى بطائر فَقَالَ اللَّهُمَّ ائْتِنِي بِأحب الْخلق إِلَيْك وإلي يَأْكُل معي من هَذَا الطَّائِر فجَاء عَليّ فَنَقُول حَدِيث الطَّائِر من المكذوبات الموضوعات عِنْد أهل الْعلم والمعرفة بحقائق النَّقْل وَسُئِلَ الْحَاكِم عَن حَدِيث الطير فَقَالَ لَا يَصح مَعَ أَن الْحَاكِم مَنْسُوب للتشيع لَكِن تشيعه وتشيع أَمْثَاله من أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ كَالنَّسَائِيِّ وَابْن عبد الْبر وأمثالهما لَا يبلغ إِلَى تَفْضِيل عَليّ على أبي بكر وَعمر فَلَا يعرف فِي عُلَمَاء الحَدِيث من يفضله عَلَيْهِمَا ثمَّ إِمَّا أَن يكون الرَّسُول كَانَ يعرف أَن عليا أحب الْخلق إِلَى الله تَعَالَى أَولا فَإِن كَانَ يعرف هلا أرسل خَلفه أَو هلا قَالَ اللَّهُمَّ ائْتِنِي بعلي فأراح أنفسا من الإحتمال والرجاء الْبَاطِل ثمَّ فِي لَفظه أحب خلقك إِلَيْك وإلي فَكيف لَا يعرف أحب الْخلق إِلَيْهِ لَا سِيمَا وَفِي الصِّحَاح مَا يُنَاقض هَذَا كَقَوْلِه لَو كنت متخذا خَلِيلًا من الْأمة لأتخذت أَبَا بكر خَلِيلًا وَهَذَا متواتر جَاءَ من حَدِيث ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَأبي سعيد وَابْن الزبير والخلة كَمَال الْحبّ وَثَبت فِي الصَّحِيح أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سُئِلَ أَي النَّاس أحب إِلَيْك قَالَ عَائِشَة قيل فَمن الرِّجَال قَالَ أَبوهَا وَقَالَ لَهُ عمر يَوْم السَّقِيفَة بِحَضْرَة الْمَلأ أَنْت خيرنا وأحبنا إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَمَا أنكرهُ على عمر مُنكر وَقَالَ الله تَعَالَى (وسيجنبها الأتقى الَّذِي يُؤْتى مَاله يتزكى وَمَا لأحد عِنْده من نعْمَة تجزى إِلَّا ابْتِغَاء وَجه ربه الْأَعْلَى ولسوف يرضى)
وأئمة التَّفْسِير يَقُولُونَ هَذَا أَبُو بكر فَنَقُول الأتقى قد يكون نوعا فَتدخل فِيهِ جمَاعَة وَقد يكون شخصا معينا فإمَّا أَن يكون أَبَا بكر أَو عليا فَلَا يَصح أَن يكون عليا لِأَنَّهُ قَالَ (الَّذِي يُؤْتى مَاله يتزكى وَمَا لأحد عِنْده من نعْمَة تجزى) وَهَذَا وصف مُنْتَفٍ عَن عَليّ لِأَن السُّورَة مَكِّيَّة وَعلي كَانَ بِمَكَّة فَقِيرا فِي عِيَال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ضمه إِلَيْهِ لما أَصَابَت أهل مَكَّة سنة فَكَانَت للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْده نعْمَة تجزى دنيوية ونعمة الدّين لَا تجزى بل أجرهَا على الله وَحده فالوصف ثَابت للصديق دون عَليّ وَعلي أتقى من غَيره لَكِن أَبُو بكر أكمل فِي الْوَصْف هُنَا مِنْهُ قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا نَفَعَنِي مَال مَا نَفَعَنِي مَال أبي بكر وَقَالَ إِن أَمن النَّاس علينا فِي صحبته وَذَات يَده أَبُو بكر وَاشْترى أَبُو بكر سَبْعَة من الْمُعَذَّبين فِي الله ابْتِغَاء وَجه الله فَإِن قُلْنَا الأتقى اسْم جنس فَأَبُو بكر أول دَاخل فِيهِ وسَادَة الصَّحَابَة وتابعوهم قَالَ التَّاسِع مَا رَوَاهُ الْجُمْهُور من أَنه أَمر الصَّحَابَة بِأَن يسلمُوا على عَليّ وَقَالَ إِنَّه سيد الْمُسلمين وَإِمَام الْمُتَّقِينَ وقائد الغر المحجلين وَقَالَ هَذَا أولى بِكُل مُؤمن من بعدِي فَيكون هُوَ الإِمَام وَالْجَوَاب الْمُطَالبَة بِإِسْنَاد هَذَا وَبَيَان صِحَّته فَمَا هُوَ فِي كتاب صَحِيح وَلَا فِي مُسْند مُعْتَبر بل رَوَاهُ آحَاد النَّاس بِإِسْنَادِهِ فِيهِ مُتَّهم بِالْكَذِبِ ومهو مَوْضُوع عِنْد من لَهُ أدنى معرفَة بِالْحَدِيثِ وَلَا تحل نسبته إِلَى الرَّسُول الْمَعْصُوم وَلَا نعلم أحدا هُوَ سيد الْمُسلمين وَإِمَام الْمُتَّقِينَ وقائد الغر المحجلين غير نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَاللَّفْظ مُطلق مَا قَالَ فِيهِ من بعدِي وَلَا فِي اللَّفْظ مَا يدل على ذَلِك وَلِأَن خير الْمُسلمين والمتقين والمحجلين هم الْقرن الأول وَالرَّسُول قائدهم بل وقائد من بعدهمْ فِي الْقِيَامَة فَلِمَنْ يَقُود عَليّ وعندكم جُمْهُور الْأمة المحجلين كفار وفساق فَكيف يقودهم وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يأْتونَ غرا محجلين يَوْم الْقِيَامَة من آثَار الْوضُوء وَأَنا فَرَطكُمْ
على الْحَوْض فَهَذَا يبين أَن كل من تَوَضَّأ وَغسل وَجهه وَيَديه وَرجلَيْهِ فَإِنَّهُ من المحجلين وَهَؤُلَاء جَمَاهِير أمة مُحَمَّد سواكم فَإِنَّكُم لَا تغسلون الأرجل فَلَا تَكُونُونَ من المحجلين فِي الأرجل فَلَا يقودكم الرَّسُول وَلَا عَليّ وَإِنَّمَا الحجلة فِي الرجل كهي فِي الْيَد قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ويل لِلْأَعْقَابِ وبطون الْأَقْدَام من النَّار وَمَعْلُوم أَن الْفرس لَو لم يكن لَهُ لمْعَة فِي يَده أَو فِي رجله لم يكن محجلا فَمن لم يغسل إِلَى الْكَعْبَيْنِ لم يكن من المحجلين وَمِمَّا يُوضح أَن الحَدِيث كذب مَا ثَبت من أَن الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يفضل على عَليّ أَبَا بكر وَعمر تَفْضِيلًا ظَاهرا عرفه الْخَاص وَالْعَام حَتَّى الْمُشْركُونَ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ وضع عمر على سَرِيره فتكنفه النَّاس يدعونَ لَهُ ويثنون عَلَيْهِ وَيصلونَ عَلَيْهِ قبل أَن يرفع وَأَنا فيهم فَلم يرعني إِلَّا بِرَجُل قد أَخذ بمنكبي من ورائي فَالْتَفت فَإِذا هُوَ عَليّ فترحم على عمر وَقَالَ مَا خلفت أحدا أحب إِلَيّ أَن ألْقى الله بِمثل عمله مِنْك وأيم الله إِن كنت لأَظُن أَن يجعلك الله مَعَ صاحبيك وَذَلِكَ أَنِّي كثيرا مَا كنت أسمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول جِئْت أَنا وَأَبُو بكر وَعمر وَدخلت أَنا وَأَبُو بكر وَعمر وَخرجت أَنا وَأَبُو بكر وَعمر فَإِن كنت لأرجو أَن يجعلك الله مَعَهُمَا فَلم يكن تفضيلهما عَلَيْهِ وعَلى أَمْثَاله مِمَّا يخفى على أحد وَلِهَذَا كَانَت الشِّيعَة الأول مَعَ فرط حبهم لعَلي يقدمُونَ أَبَا بكر وَعمر عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يفضلونه على عُثْمَان كَمَا قَالَ عبد الرَّزَّاق كفى بِي أزرا أَن أحبه وأخالف قَوْله خير هَذِه الْأمة بعد نبيها أَبُو بكر وَعمر وَلَو شِئْت أَن أسمي الثَّالِث لَسَمَّيْته وَلما كَانَ يَوْم أحد وَاسْتظْهر أَبُو سُفْيَان أَمِير الْمُشْركين قَالَ أَفِي الْقَوْم مُحَمَّد أَفِي الْقَوْم مُحَمَّد فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تجيبوه فَقَالَ أَفِي الْقَوْم ابْن أبي قُحَافَة فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تجيبوه فَقَالَ أَفِي الْقَوْم ابْن الْخطاب فَقَالَ لَا تجيبوه فَقَالَ أَبُو سُفْيَان لأَصْحَابه أما هَؤُلَاءِ فقد كفيتموهم فَلم يملك عمر نَفسه أَن قَالَ كذبت يَا عَدو الله إِن الَّذين عددت لأحياء وَقد بَقِي لَك مَا يسؤوك الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فَهَذَا رَأس الْعَدو لَا يسْأَل إِلَّا عَن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة فَدلَّ على عظمهم عِنْد الْمُشْركين بِخِلَاف
غَيرهم وَكَذَلِكَ قَوْله هُوَ ولي كل مُؤمن بعدِي كذب على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بل هُوَ فِي حَيَاته وَبعد مماته ولي كل مُؤمن وكل مُؤمن وليه فِي الْمحيا وَالْمَمَات فالولاية الَّتِي هِيَ ضد الْعَدَاوَة لَا تخْتَص بِزَمَان فَأَما الْولَايَة الَّتِي هِيَ الْإِمَارَة فَإِنَّمَا يُقَال فِيهَا وَإِلَى كل مُؤمن وَأما قَوْله لعَلي أَنْت مني وَأَنا مِنْك فَصَحِيح وَفِي الحَدِيث قَالَ لزيد أَنْت أخونا ومولانا وَقَالَ لجَعْفَر بن أبي طَالب أشبهت خلقي وَخلقِي وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إِن الْأَشْعَرِيين إِذا أرملوا فِي الْغَزْو وجمعوا مَا عِنْدهم فِي ثوب ثمَّ قسموه بِالسَّوِيَّةِ هم مني وَأَنا مِنْهُم فَعلمنَا أَن هَذَا اللَّفْظ مدح وَلَا يدل على الْإِمَامَة وَقَالَ فِي جليبيب هَذَا مني وَأَنا مِنْهُ قَالَ الْعَاشِر مَا رَوَاهُ الْجُمْهُور من قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنِّي تَارِك فِيكُم مَا إِن تمسكتم بِهِ لن تضلوا كتاب الله وعترتي وَلنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يردا على الْحَوْض وَقَالَ أهل بَيْتِي فِيكُم كسفينة نوح من ركبهَا نجا وَمن تخلف عَنْهَا غرق وَسيد أهل بَيته عَليّ فَيكون وَاجِب الطَّاعَة على الْكل فَيكون الإِمَام قُلْنَا إِنَّمَا لفظ الحَدِيث فِي مُسلم عَن زيد بن أَرقم قَالَ قَامَ فِينَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَطِيبًا بخم فَقَالَ إِنِّي تَارِك فِيكُم مَا إِن تمسكتم بِهِ لن تضلوا كتاب الله وَأما قَوْله وعترتي فَهَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ تفرد بِهِ زيد بن الْحسن الْأنمَاطِي عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن جَابر والأنماطي قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِم مُنكر الحَدِيث وَأخرجه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن فُضَيْل حَدثنَا الْأَعْمَش عَن حبيب بن أبي ثَابت عَن زيد بن أَرقم عَن عَطِيَّة عَن أبي سعيد قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنِّي تَارِك فِيكُم مَا إِن تمسكتم بِهِ لن تضلوا بعدِي أَحدهمَا أعظم من الآخر كتاب الله حَبل مَمْدُود من السَّمَاء إِلَى الأَرْض وعترتي أهل بَيْتِي وَلنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يردا عَليّ الْحَوْض
فانظروا كَيفَ تخلفوني فيهمَا حسنه التِّرْمِذِيّ وَأما حَدِيث سفينة نوح فَغير صَحِيح وَلَا هُوَ فِي شَيْء من الْكتب الْمُعْتَمدَة وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لن يَتَفَرَّقَا يدل على أَن إِجْمَاع العترة حجَّة وَهُوَ قَول طَائِفَة من أَصْحَابنَا وَذكر القَاضِي فِي الْمُعْتَمد والعترة هم بَنو هَاشم كلهم ولد عَليّ وَولد الْعَبَّاس وَولد الْحَارِث بن عبد الْمطلب وَسيد العترة هُوَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَانَ ابْن عَبَّاس أفقه العترة وَكَانَ يُخَالف عليا فِي مسَائِل وَعلي مَا كَانَ يُوجب على أحد طَاعَته فِيمَا يُفْتِي بِهِ ثمَّ العترة مَا اجْتَمعُوا على إِمَامَته وَلَا عَليّ أفضليته بل ابْن عَبَّاس بل هُوَ نَفسه يَقُولَانِ إِن أفضل الْأمة أَبُو بكر وَعمر وَإِن خِلَافَتهمَا حق وَكَذَلِكَ سَائِر العباسيين وَأكْثر العلويين وَالْحسن وَالْحُسَيْن وَعلي بن الْحُسَيْن وَابْنه وحفيده جَعْفَر الصَّادِق والنقول بذلك متواترة عَنْهُم وَقد صنف الدَّارَقُطْنِيّ كتاب ثَنَاء الصَّحَابَة على الْقَرَابَة وثناء الْقَرَابَة على الصَّحَابَة ثمَّ إِجْمَاع الْأمة والعترة بَعضهم حجَّة بِلَا نزاع وأفضلهم أَبُو بكر فَإِن كَانَت الطَّائِفَة الَّتِي إجماعها حجَّة يجب أَتبَاع أفضلهَا مُطلقًا فَهُوَ أَبُو بكر وَإِن لم يكن بَطل مَا ذكرْتُمْ فِي إِمَامَة عَليّ رَضِي الله عَنهُ قَالَ الْحَادِي عشر مَا رَوَاهُ الْجُمْهُور من وجوب محبته وموالاته روى أَحْمد فِي مُسْنده أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَخذ بيد حسن وحسين فَقَالَ من أَحبَّنِي وَأحب هذَيْن وَأحب أباهما وأمهما فَهُوَ معي فِي درجتي يَوْم الْقِيَامَة قُلْنَا مُجَرّد رِوَايَة أَحْمد لَهُ لَا توجب صِحَّته مَعَ أَنه مَا رَوَاهُ أبدا وَإِنَّمَا زَاده الْقطيعِي فِي كتاب الْفَضَائِل وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي الموضوعات من رِوَايَة عَليّ بن جَعْفَر عَن مُوسَى بن جَعْفَر وَله يَقُول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذِه المجازفة أصلا من كَون الْمُسلم الخطاء يصير فِي دَرَجَة الْمُصْطَفى بِمُجَرَّد الْحبّ قَالَ وروى ابْن خالويه عَن حُذَيْفَة قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من أحب أَن يتَمَسَّك بقضيب الْيَاقُوت الَّذِي خلقه الله بِيَدِهِ ثمَّ قَالَ لَهُ كن فَكَانَ فليتول عليا من
بعدِي فَهَذَا من كذب الطرقية فَمَا أرك لَفظه مَعَ عدم فَائِدَته فَكيف يُقَال خلقه بِيَدِهِ ثمَّ قَالَ لَهُ كن فَكَانَ بل قد جَاءَ فِي الْأَثر أَن الله لم يخلق بِيَدِهِ إِلَّا آدم والقلم وجنة عدن ثمَّ قَالَ لسَائِر الْخلق كن فَكَانَ قَالَ وَعَن أبي سعيد مَرْفُوعا أَنه قَالَ لعَلي حبك إِيمَان وبغضك نفاق وَأول من يدْخل الْجنَّة محبك وَأول من يدْخل النَّار مبغضك قُلْنَا وَهَذَا من المكذوبات فَهَل يَقُول مُسلم إِن الْخَوَارِج والنواصب يدْخلُونَ النَّار قبل فِرْعَوْن وَأبي جهل ورءوس الْكفْر أم يَقُول مُسلم إِن أول من يدْخل الْجنَّة قبل الْأَنْبِيَاء غلاة الإسماعيلية وكذبة الرافضة وفسقه الإمامية وَهَذَا من جنس قَول الناصبي أَن لَو قَالَ من أحب يزِيد وَالْحجاج أَو قَول الْخَارِجِي من أحب ابْن ملجم دخل الْجنَّة وَمن أبْغضهُم دخل النَّار بِهَذَا الْحبّ والبغض قَالَ وروى أَخطب خوارزم بِإِسْنَادِهِ عَن أبي ذَر قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من ناصب عليا الْخلَافَة فَهُوَ كَافِر وَقد حَارب الله وَرَسُوله وَعَن أنس قَالَ كنت عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَرَأى عليا مُقبلا فَقَالَ أَنا وَهَذَا حجَّة الله على أمتِي يَوْم الْقِيَامَة وَعَن مُعَاوِيَة بن حيدة الْقشيرِي قَالَ سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول لعَلي لَا تبال من مَاتَ ببغضك أَن يَمُوت يَهُودِيّا أَو نَصْرَانِيّا فَإِذا رَأينَا الْمُخَالف يُورد مثل هَذِه الْأَحَادِيث ونقلنا نَحن أضعافها عَن رجالنا الثِّقَات وَجب علينا الْمصير إِلَيْهَا وَحرم الْعُدُول عَنْهَا وَالْجَوَاب أَنا نَتَنَزَّل وبطالب بِصِحَّة النَّقْل فَإِن مُجَرّد رِوَايَة الْمُوفق خطيب خوارزم لَا تدل على الثُّبُوت كَيفَ وَقد حَشا تأليفه بالموضوعات الَّتِي يتعجب مِنْهَا الْمُحدث الصادث وَيَقُول سُبْحَانَكَ هَذَا بهتان عَظِيم وَمن كَانَ خَبِيرا بِمَا جرى وَمهر فِي الْآثَار علم باضطرار أَن هَذَا وَأَمْثَاله مِمَّا وَلَده الكذابون بعد إنقراض عصر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَتقول علمنَا بالتواتر أَن الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار كَانُوا يحبونَ الله وَرَسُوله وَأَن الرَّسُول كَانَ يُحِبهُمْ ويتولاهم أعظم
من علمنَا بِهَذِهِ الْأَخْبَار الملفقة وَأَن الإِمَام بعده أَبُو بكر بإتفاق من أُولَئِكَ السَّادة فَكيف يجوز رد مَا علمناه يَقِينا بأخبار لَا نعلم صدقهَا كَيفَ وَقد علمنَا أَنَّهَا كذب وَأَنَّهَا لَا تُوجد فِي كتاب مُعْتَمد بِإِسْنَاد مقارب ثمَّ هَذَا كتاب الله يشْهد فِي غير مَوضِع بِأَن الله رَضِي عَن الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان وَرَضوا عَنهُ وَبِأَنَّهُ رَضِي (عَن الْمُؤمنِينَ إِذْ يُبَايعُونَك تَحت الشَّجَرَة) وَقَالَ تَعَالَى (للْفُقَرَاء الْمُهَاجِرين الَّذين أخرجُوا من دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ يَبْتَغُونَ فضلا من الله ورضوانا) الْآيَة وَقَالَ (لقد تَابَ الله على النَّبِي والمهاجرين وَالْأَنْصَار) وأمثال ذَلِك فَكيف يجوز رد هَذِه النُّصُوص بأخبارك المفتراة ثمَّ مِنْهَا مَا يقْدَح بعلي وَيُوجب أَنه مكذب بِاللَّه وَرَسُوله أما الَّذين ناصبوه الْخلَافَة إِذا قلت هم كفار فَمَا عمل هُوَ بِمُوجب النَّص بل كَانَ يجعلهم هُوَ مُسلمين وَشر من قَاتلهم الْخَوَارِج وَمَعَ هَذَا فَمَا حكم فيهم بِحكم الْكفَّار بل حرم أَمْوَالهم وَسَبْيهمْ وَلما قَتله ابْن ملجم قَالَ إِن عِشْت فَأَنا ولي الدَّم وَلم يقْتله وَلَو كَانَ ارْتَدَّ لبادر إِلَى قَتله وتواتر عَنهُ أَنه نهى عَن اتِّبَاع مُدبر أهل الْجمل أَو أَن يُجهز على جريحهم أَو تغنم أَمْوَالهم فَإِن كَانُوا كفَّارًا بأحاديثك هَذِه فعلي أول من كذب بهَا وَلم يعْمل بمقتضاها وَكَذَلِكَ أهل صفّين كَانَ
يُصَلِّي على قتلاهم وَيَقُول فِيمَا بلغنَا عَنهُ إِخْوَاننَا بغوا علينا طهرهم السَّيْف ونعلم بالإضطرار أَن علينا مَا كفر الَّذين قَاتلُوهُ وَكَذَا لَو كَانُوا كفَّارًا عِنْد السَّيِّد الْحسن لما حل لَهُ أَن يسلم إِلَيْهِم الْخلَافَة طَوْعًا مِنْهُ فِي عزه ومنعته وَكَثْرَة جَيْشه وَلَكِن بِأَن سؤدده بقول جده فِيهِ إِن ابْني هَذَا سيد وسيصلح الله بِهِ بَين قبيلتين عظيمتين من الْمُسلمين أخرجه البُخَارِيّ وعندك أَنه إِنَّمَا أصلح الله بِهِ بَين الْمُؤمنِينَ والمرتدين ثمَّ إِنَّكُم تدعون أَن الإِمَام الْمَعْصُوم لطف من الله لِعِبَادِهِ فعلي مَا زعمت إِنَّمَا كَانَ نقمة لَا لطفا وَرَحْمَة فَإِن الَّذين خالفوه صَارُوا مرتدين وَالَّذين وافقوه مقهورين منافقين أذلاء فَأَي مصلحَة فِي ذَلِك وَأَنْتُم تَقولُونَ أَن الله يجب عَلَيْهِ أَن يفعل الْأَصْلَح للعباد وَهُوَ تَعَالَى يُمكن الْخَوَارِج حَتَّى كفروه وقاتلوه وَيجْعَل الْأَئِمَّة المعصومين تَحت الْقَهْر وَالْخَوْف والتقية بِمَنْزِلَة أهل الذِّمَّة بل أهل الذِّمَّة يظهرون دينهم فِي الْجُمْلَة فَأَيْنَ اللطف والمصلحة الَّتِي أوجبتها على الله تَعَالَى ثمَّ تزْعم أَنهم حجج الله على عباده وَأَن لَا هدى إِلَّا مِنْهُم وَلَا نجاة إِلَّا بمتابعتهم وخاتمهم قد غَابَ من دهور لم ينْتَفع بِهِ أحد فِي دينه وَلَا دُنْيَاهُ فصح أَن الرَّفْض مَا وَضعه إِلَّا زنديق وَلِهَذَا فَإِن صَاحب دَعْوَة الباطنية أول مَا يَدْعُو المستجيب إِلَى التَّشَيُّع فَإِذا طمع فِيهِ قَالَ عَليّ مثل غَيره فَدَعَاهُ إِلَى الْقدح فِيهِ فَإِذا استوثق مِنْهُ دَعَاهُ إِلَى الْقدح فِي الرَّسُول إِلَى إِنْكَار الصَّانِع وكل عَاقل يعلم أَن أهل الدّين وَالْجُمْهُور لَيْسَ لَهُم غَرَض وَالله لَا مَعَ عَليّ وَلَا مَعَ غَيره وَلَا غرضهم تَكْذِيب نَبِيّهم وَلَا رد مَا أَمر بِهِ وَلَو علمُوا أَن الرَّسُول نَص لَهُم على عَليّ لكانوا أسبق شَيْء إِلَى أمره وَإِلَى التَّصْدِيق بِهِ غَايَة مَا يقدر أَنه خَفِي عَلَيْهِم هَذَا الحكم فَكيف يكون من خَفِي عَلَيْهِ جُزْء من الدّين مثل الْيَهُود وَالنَّصَارَى بل يَكْفِي من وضع مَا جِئْت بِهِ قَول الْمُصْطَفى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار نعم وَمن كتم مَا نَص عَلَيْهِ الرَّسُول مراغمة لله وَرَسُوله فَهُوَ من أَصْحَاب النَّار
وقولك ونقلنا أضعافها عَن رجالنا الثِّقَات فَنَقُول نَحن ننقد رجالنا من أهل السّنة والْحَدِيث نَقْدا لَا مزِيد عَلَيْهِ وَلنَا مصنفات كَثِيرَة جدا فِي تعديلهم وضعفهم وَصدقهمْ وغلطهم وكذبهم ووهمهم لَا نحابيهم أصلا مَعَ صَلَاحهمْ وعبادتهم ونسقط الإحتجاج بِالرجلِ مِنْهُم لِكَثْرَة غلظه وَسُوء حفظه وَلَو كَانَ من أَوْلِيَاء الله وَأَنْتُم حد الثِّقَة عنْدكُمْ أَن يكون إماميا سَوَاء غلط أَو حفظ أَو كذب أَو صدق فغاية رجالكم أَن يَكُونُوا مثل رجالنا فيهم وَفِيهِمْ فَإِذا كَانَ من الْمَعْلُوم بالإضطرار أَن أهل السّنة فيهم كذابون وَأَنْتُم أكذب مِنْهُم بِكُل حَال حرم علينا الْعَمَل بالأحاديث حَتَّى نَنْظُر فِي أسانيدها فَمن أَيْن لَك يَا مغتر أَن توثق من لَا تعرفه وَلَا تعرف أَن تتهجى اسْمه بل وَلَا ذكر فِي الثِّقَات وغالب مَا فِي أَيْدِيكُم صحف وأخبار على أَلْسِنَتكُم مكذوبة أَو لم تعلم صِحَّتهَا كدأب أهل الْكِتَابَيْنِ سَوَاء وَكذب الرافضة مِمَّا يضْرب بِهِ الْمثل وَنحن نعلم أَن الْخَوَارِج شَرّ مِنْكُم وَمن هَذَا فَمَا نقدر أَن نرميهم بِالْكَذِبِ لأننا جربناهم فوجدناهم يتحرون الصدْق لَهُم وَعَلَيْهِم وَأَنْتُم فالصادق فِيكُم شامة قَالَ ابْن الْمُبَارك الدّين لأهل الحَدِيث وَالْكَلَام والحيل لأهل الرَّأْي وَالْكذب للرافضة فَأهل السّنة والْحَدِيث لَا يرضون بِالْكَذِبِ وَلَو وَافق أهواءهم فكم قد رُوِيَ لَهُم من فَضَائِل أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان بل وَمُعَاوِيَة وَغَيرهم أَحَادِيث بِالْأَسَانِيدِ يَرْوِيهَا مثل النقاش والقطيعي والثعلبي والأهوازي وَأبي نعيم والخطيب وَابْن عَسَاكِر وأضعافهم وَلم يقبل مِنْهَا عُلَمَاء الحَدِيث شَيْئا ويبينون الْكَذِب مِنْهُ بل إِذا كَانَ فِي إِسْنَاد الحَدِيث وَاحِد مَجْهُول الْحَال توقفوا فِي الحَدِيث وَأَنْتُم شَرط الحَدِيث عنْدكُمْ أَن يُوَافق أهواءكم غثا كَانَ أَو سمينا وَإِن أتيتم بِنَصّ ثَابت فَلَا يدل على مَا قُلْتُمْ وَنحن عمدتنا نُصُوص الْقُرْآن وَمَا يثبت من السّنة أَو أجمع عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ سواكم فَإِذا جَاءَنَا مَا يُنَاقض ذَلِك رددناه قَالَ أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ فَضَائِل عَليّ الصَّحِيحَة كَثِيرَة غير أَن الرافضة لَا تقنع فَوضعت لَهُ مَا يضع لَا مَا يرفع وحوشيت حَاشِيَته من الإحتياج إِلَى الْبَاطِل وَأَنت أَيهَا الرافضي لم تورد كل مَا قيل وَنحن نَعْرِف أَحَادِيث عَدو سَاقِطَة أدل على مقصودك فَمن أماثل الموضوعات مَا رَوَاهُ
النَّسَائِيّ فِي كتاب خَصَائِص عَليّ من حَدِيث الْعَلَاء بن صَالح عَن الْمنْهَال بن عَمْرو عَن عباد ابْن عبد الله الْأَسدي قَالَ قَالَ عَليّ انا عبد الله وأخو رَسُوله وانا الصّديق الْأَكْبَر لَا يَقُولهَا بعدِي إِلَّا كَاذِب صليت قبل النَّاس سبع سِنِين وَرَوَاهُ أَحْمد فِي الْفَضَائِل وَفِي رِوَايَة لَهُ وَلَقَد أسلمت قبل النَّاس بِسبع سِنِين قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ هَذَا مَوْضُوع وَالْمُتَّهَم بِهِ عباد قَالَ ابْن الْمَدِينِيّ وَكَانَ ضَعِيف الحَدِيث والمنهال تَركه شُعْبَة وَقَالَ الْأَثْرَم سَأَلت أَبَا عبد الله عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ اضْرِب عَلَيْهِ فَإِنَّهُ حَدِيث مُنكر ثمَّ نقُول عَليّ كَانَ أبر وأصدق من أَن يَقُول هَذَا فالناقل إِمَّا متعمد الْكَذِب اَوْ أَخطَأ سَمعه وَنَظِير هَذَا مَا رَوَاهُ عبد الله فِي المناقب حَدثنَا يحيى بن عبد الحميد حَدثنَا شريك عَن الْأَعْمَش عَن الْمنْهَال بن عَمْرو عَن عباد بن عبد الله وَأخْبرنَا أَبُو خَيْثَمَة حَدثنَا أسود بن عَامر حَدثنَا شريك عَن الْأَعْمَش عَن الْمنْهَال عَن عباد عَن عَليّ قَالَ لما نزلت (فَأَنْذر عشيرتك الْأَقْرَبين) دَعَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رجَالًا من أهل بَيته إِن كَانَ الرجل لآكلا جَذَعَة ولشاربا فرقا إِلَخ وَهَذَا كذب على عَليّ لم يروه قطّ وَكذبه ظَاهر من وُجُوه وَقد رَوَاهُ أَحْمد فِي الْفَضَائِل حَدثنَا عَفَّان حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن عُثْمَان بن الْمُغيرَة عَن أبي صَادِق عَن ربيعَة بن ناجد عَن عَليّ وسَاق ابْن الْجَوْزِيّ من طَرِيق أجلح عَن سَلمَة بن كهيل عَن حَبَّة بن جُوَيْن سمع عليا يَقُول أَنا عبدت الله مَعَ رَسُوله قبل أَن يعبده رجل من هَذِه الْأمة خمس سِنِين أَو سبع سِنِين قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ وحبة لَا يُسَاوِي حَبَّة قَالَ يحيى لَيْسَ بِشَيْء وَقَالَ السَّعْدِيّ غير ثِقَة وَأما الْأَجْلَح فَقَالَ أَحْمد وَقد روى غير حَدِيث مُنكر قَالَ أَبُو الْفرج وَمِمَّا يبطل هَذِه
الْأَحَادِيث انه لَا خلاف فِي تقدم إِسْلَام خَدِيجَة وَأبي بكر وَزيد وَأَن عمر أسلم فِي سنة سِتّ من النُّبُوَّة بعد أَرْبَعِينَ رجلا فَكيف يَصح أَن عليا صلى قبل بِسبع سِنِين ثمَّ ذكر حَدِيثا مَرْفُوعا أَن عليا الصّديق الْأَكْبَر وَهُوَ من كذب أَحْمد بن نصر الذِّرَاع وحديثا يَقُول فِيهِ أَنا أقومهم بِأَمْر الله وأقسمهم بِالسَّوِيَّةِ قَالَ وَهُوَ مَوْضُوع الْمُتَّهم بِهِ بشر بن إِبْرَاهِيم رَمَاه بِالْوَضْعِ ابْن عدي وَابْن حبَان وحديثا يَقُول فِيهِ أَنْت أول من يصافحنى يَوْم الْقِيَامَة وَأَنت الصّديق الْأَكْبَر وَأَنت الْفَارُوق وَأَنت يعسوب الْمُؤمنِينَ وَقَالَ هَذَا مَوْضُوع وَفِيه عباد بن يَعْقُوب وَعلي بن هَاشم وَغَيرهمَا مِمَّن تكلم فِيهِ وَفِي طَرِيقه الآخر عبد الله بن داهر قَالَ ابْن معِين لَا يكْتب عَنهُ فصل وَهنا طَرِيق يكن سلوكها لمن لَهُ معرفَة بالأخبار فَإِن كثيرا من الْعلمَاء يتَعَذَّر عَلَيْهِم التَّمْيِيز بَين الصدْق وَالْكذب وَمن جِهَة الْإِسْنَاد وَإِنَّمَا ينْهض بذلك جهابذة الْحفاظ نقدر أَن الْأَخْبَار الْمُتَنَازع فِيهَا لم تكن فنرجع إِلَى مَا هُوَ مَعْلُوم بالتواتر أَو بِالْعقلِ والعادات أَو مَا دلّت عَلَيْهِ النُّصُوص الْمُتَّفق عَلَيْهَا فَنَقُول من الْمُتَوَاتر أَن أَبَا بكر لم يطْلب الْخلَافَة برغبة وَلَا برهبة فَلَا بذل فِيهَا مَالا وَلَا شهر عَلَيْهَا سَيْفا وَلَا كَانَت لَهُ عشيرة ضخمة وَلَا عدد من الموالى تقوم بنصره كَمَا جرت عَادَة طلاب الْملك بل وَلَا قَالَ
بايعوني وَإِنَّمَا أَشَارَ ببيعة عمر أَو بيعَة أبي عُبَيْدَة ثمَّ من تخلف عَن مبايعته لم يؤذه وَلَا أكرهه عَلَيْهَا كسعد بن عبَادَة ثمَّ الَّذين طائعين بَايعُوهُ هم الَّذين بَايعُوا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَحت الشَّجَرَة الَّذين رَضِي الله عَنْهُم فقاتل بهم الْمُرْتَدين وَفَارِس وَالروم وَثَبت الْإِسْلَام وَأَهله وَلَا أكل مِنْهَا وَلَا لبس إِلَّا كعادته وعيشه فَلَمَّا جَاءَهُ الْيَقِين خرج مِنْهَا أزهد مِمَّا دخل فِيهَا لم يستأثر مِنْهَا بِشَيْء عَنْهُم وَلَا آثر بهَا قرَابَة بل نظر إِلَى أفضلهم فِي نَفسه فولاه عَلَيْهِم فأطاعوه كلهم فَفتح الْأَمْصَار وقهر الْكفَّار وأذل أهل النِّفَاق وَبسط الْعدْل وَوضع الدِّيوَان وَالعطَاء لَازِما لعيش من قبله فِي مأكله ومشربه وملبسه حَتَّى خرج مِنْهَا شَهِيدا لم يتلوث لَهُم بِمَال وَلَا ولي أحدا من أَقَاربه ولَايَة هَذَا أَمر يعرفهُ من يعرف وينصف ثمَّ بَايعُوا عُثْمَان كلهم طَوْعًا مِنْهُم فَسَار وَبني على أَمر قد اسْتَقر قلبه بسكينة وحلم وَهدى وَرَحْمَة وكرم ولين لَكِن لم تكن فِيهِ قُوَّة عمر وَلَا سياسته الَّتِي بهرت الْعُقُول وَلَا كَمَال عدله الَّذِي مَلأ الْوُجُود وَلَا فرط زهده الَّذِي مَا يُنكره إِلَّا جَاهِل فطمع فِيهِ النَّاس بعض الطمع وتوسعوا فِي الدُّنْيَا وَكَثُرت عَلَيْهِم الْأَمْوَال وَدخل بِسَبَب تَوليته أَقَاربه عَلَيْهِ الدَّاخِل وَأنْكرت مِنْهُم أُمُور مَا اعتادها النَّاس قبله وتولد من رَغْبَة بعض النَّاس فِي الدُّنْيَا وَضعف خوفهم من الله تَعَالَى وَمِنْه وَمن ضعفه هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كَمَال الَّذين قبله وَمِمَّا حصل من أَقَاربه فِي الْولَايَة وَالْمَال مَا استحكم بِهِ الشَّرّ وحرك الْفِتْنَة حَتَّى قتل مَظْلُوما وذبحوه صبرا فَتَوَلّى عَليّ رَضِي الله عَنهُ والفتنة قَائِمَة وأتهم بالتخلي عَن عُثْمَان حَتَّى قتل وَبَعْضهمْ اتهمه بدمه وَالله يعلم بَرَاءَته من دَمه
ثَبت عَنهُ أَنه لم يرض بقتْله وَلَا أعَان عَلَيْهِ فَلم تصف قُلُوب كثير مِنْهُم وَلَا أمكنه هُوَ قهرهم حَتَّى يطيعوه وَلَا اقْتضى رَأْيه الْكَفّ عَن الْقِتَال حَتَّى ينظر مَا يأول إِلَيْهِ أمره كَمَا أَشَارَ عَلَيْهِ وَلَده الْحسن فَظن أَن الطَّاعَة تحصل وَالْأمة تَجْتَمِع بِالْقِتَالِ فَمَا زَاد الْأَمر إِلَّا شدَّة وافتراقا حَتَّى خرج عَلَيْهِ من جنده أُلُوف ومرقوا وكفروه وقاتلوه قَاتلهم الله حَتَّى كَانَ فِي آخر أمره يطْلب هُوَ أَن يكف عَن قتال من لم يطعه فَكَانَ آخر الْخُلَفَاء الرَّاشِدين الَّذين ولايتهم خلَافَة النُّبُوَّة ثمَّ آل الْأَمر إِلَى مُعَاوِيَة أول الْمُلُوك كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْخلَافَة بعدِي ثَلَاثُونَ سنة ثمَّ تكون ملكا وسيرة مُعَاوِيَة من أَجود سير الْمُلُوك بِالنِّسْبَةِ فَإِذا جَاءَ القادح فَقَالَ فِي أبي بكر وَعمر كَانَا طَالِبين للرياسة مانعين للحقوق ظلما الْمَنْصُوص عَلَيْهِ ومنعا أهل الْبَيْت إرثهم أوشك أَن يَقُول قَادِح النواصب نَحوا من ذَلِك فِي عَليّ أَنه قَاتل على الرياسة وَسَفك الدِّمَاء وَلم ينل غَرَضه فَإِذا كُنَّا ندفع من يقْدَح فِي عَليّ بِهَذِهِ الشُّبْهَة فَلِأَن ندفع من يقْدَح فِي أبي بكر وَعمر بطرِيق الأولى لِأَنَّهُمَا أبعد عَن التُّهْمَة إِذْ لم يقاتلا على الْإِمَارَة وأطاعهما عَليّ والكبار وَإِذا كُنَّا نظن بعلي أَنه كَانَ قَاصِدا الْحق غير مُرِيد علوا وَلَا فَسَادًا فِي الأَرْض فَلِأَن نظن ذَلِك بهما بطرِيق الأولى فدع عَنْك المكابرة والهوى طَرِيق آخر وَهُوَ أَن يُقَال دواعي الْمُسلمين بعد موت نَبِيّهم كَانَت متوجهة إِلَى أَتبَاع الْحق قطعا وَلَيْسَ لَهُم مَا يصرفهم عَن الْحق وهم قادرون على ذَلِك وَإِذا حصل الدَّاعِي إِلَى الْحق وانتفى الصَّارِف مَعَ الْقُدْرَة وَجب الْفِعْل فَعلم أَن المسملين خير الْقُرُون اتبعُوا الْحق فِيمَا فَعَلُوهُ لأَنهم خير الْأُمَم أكمل الله لَهُم الدّين وَأتم عَلَيْهِم النِّعْمَة بَايعُوا أَبَا بكر تدينا لَا لرغبة وَلَا لرهبة فَلَو فعلوا بِمُوجب الطَّبْع لقدموا عليا أَو الْعَبَّاس لشرف بني هَاشم على بني تيم وَلما قيل لأبي قُحَافَة وَكَانَ بِمَكَّة شَيخا كَبِيرا إِن ابْنك ولي الْخلَافَة قَالَ ورضيت بَنو أُميَّة وَبَنُو هَاشم وَبَنُو مَخْزُوم قَالُوا نعم فَعجب وَقَالَ
ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء لعلمه بِأَن بني تيم أَضْعَف الْقَبَائِل وَالْإِسْلَام إِنَّمَا يقدم بالتقوى لَا بِالنّسَبِ طَرِيق آخر تَوَاتر أَن الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ خير هَذِه الْأمة قَرْني ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ فَخير الْأُمَم بِلَا نزاع الْقرن الأول وَمن تَأمل حَال الْمُسلمين فِي الْقرن الثَّانِي بِالنِّسْبَةِ إِلَى الأول علم تبَاين مَا بَينهمَا فَإِن كَانَ الْقرن الأول قد جحد حق الإِمَام الْمَنْصُوص عَلَيْهِ وَمنعُوا آل نَبِيّهم ميراثهم وَبَايَعُوا فَاسِقًا ظَالِما وَمنعُوا عادلا عَالما عنادا ودفعا للحق فَهَؤُلَاءِ شَرّ الْخلق وَهَذِه الْأمة شَرّ أمة أخرجت للنَّاس طَرِيق آخر عرف بالتواتر الَّذِي لَا يخفى أَن أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان كَانَ لَهُم بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اخْتِصَاص عَظِيم وخلطة وصحبة ومصاهرة لَهُم وَمَا عرف عَنهُ أَنه كَانَ يذمهم وَلَا يمقتهم بل يثني عَلَيْهِم ويحبهم فإمَّا أَن يَكُونُوا على الإستقامة ظَاهرا وَبَاطنا مَعَه وَبعده أَولا فَالْأول هُوَ الْمَطْلُوب وَالثَّانِي إِمَّا أَنه علم وداهنهم أَو لم يعلم وَأيهمَا قدر فَهُوَ من أعظم الْقدح فِي الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِن كَانُوا انحرفوا بعد الإستقامة فَهَذَا خذلان من الله لنَبيه فِي خَواص أمته فَمن قد أخبر بِمَا سَيكون أَيْن كَانَ عَن علم ذَلِك فَأَيْنَ الإحتياط للْأمة حَتَّى لَا يُولى هَؤُلَاءِ وَمن وعد أَن يظْهر دينه على الْأَدْيَان كَيفَ يكون أكَابِر خواصه مرتدة هَذَا من أعظم الْقدح فِي الرَّسُول والطعن فِيهِ ليقول الباطني والزنديق رجل سوء كَانَ لَهُ أَصْحَاب سوء وَلَو كَانَ صَالحا لكانوا مثله وَلِهَذَا قَالَ أهل الْعلم إِن الرَّفْض دسيسة الزندقة
وَطَرِيق آخر أَن يُقَال الْأَسْبَاب الْمُوجبَة لولاية عَليّ إِن كَانَ هُوَ الأولى قَوِيَّة والصوارف منتفية وَالْقُدْرَة مَوْجُودَة وَمَعَ توفر الدَّوَاعِي وَالْقُدْرَة وَانْتِفَاء الصوارف يجب الْفِعْل وَذَلِكَ أَن عليا هُوَ ابْن عَم نَبِيّهم وأفضلهم نسبا وَله السَّبق وَالْجهَاد والصهر مَعَ إنتفاء عداوتهم لَهُ وَلم يقتل أحدا من بني تيم وَلَا من بني عدي بل الَّذِي قتل مِنْهُم بَنو عبد منَاف وَكَانُوا يوالونه ويختارون ولَايَته لقربهم مِنْهُ وَكَلمه فِي ذَلِك أَبُو سُفْيَان فَلَو كَانَ الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَص على ولَايَته أَو كَانَ هُوَ الْأَفْضَل الأولى كَانَ ذَلِك مُوجبا لإنبعاث إرادتهم إِلَى ولَايَته وَالْحَالة هَذِه وَلَو قدر أَن الصَّارِف كَانَ فِي نفر قَلِيل فغالبهم لم يكن لَهُم صَارف يصرفهم عَنهُ بل هم قادرون على ولَايَته وَلَو قَالَت الْأَنْصَار عَليّ أَحَق بهَا من سعد وَمن أبي بكر مَا أمكن أُولَئِكَ النَّفر من الْمُهَاجِرين أَن يدافعوهم ولقام أَكثر النَّاس مَعَ عَليّ بل جُمْهُور الَّذين فِي قُلُوبهم مرض يبغضون عمر لِشِدَّتِهِ عَلَيْهِم فَالْقِيَاس أَن لَا ينقادوا لبيعته وَبعد هَذَا فَلَمَّا اسْتَخْلَفَهُ أَبُو بكر أطاعوه
كلهم حَتَّى إِن طَلْحَة قَالَ لأبي بكر مَاذَا تَقول لِرَبِّك وَقد وليت علينا فظا غليظا فَقَالَ أجلسوني أبالله تخوفوني أَقُول وليت عَلَيْهِم خَيرهمْ فَإِذا فَرضنَا أَن غَالب الْمُسلمين قَامُوا مَعَ عَليّ فَمن الَّذِي يغلبه هَب أَنهم لَو قَامُوا وَلم يغلبوا أما كَانَت الدَّوَاعِي الْمَعْرُوفَة فِي مثل ذَلِك توجب الْقيام أَو أَن يجْرِي فِي ذَلِك قيل وَقَالَ وَنَوع جِدَال اما ذَلِك أولى بالْكلَام مِنْهُ فِي تَوْلِيَة سعد وَإِذا كَانَ الْأَنْصَار بِشُبْهَة مَا طمعوا أَن يتأمر سعد فَمن يكون مَعَه الْحق وَفِيه النَّص من الرَّسُول كَيفَ لَا يكون أعوانه أطمع فِي تأميره فَإِذا لم يتَكَلَّم أحد وَلم يدع دَاع إِلَى عَليّ لَا هُوَ وَلَا غَيره وَاسْتمرّ الْأَمر إِلَى أَن وصلت النّوبَة إِلَيْهِ فَقَامَ هُوَ أوأعوانه وَقَاتل وَلم يسكت حَتَّى جرى مَا جرى علم بالإضطرار أَن سكوتهم أَولا كَانَ لعدم الْمُقْتَضى لَا لوُجُود الْمَانِع وَقد كَانَ أَبُو بكر أبعد من الممانعة بِكَثِير من مُعَاوِيَة لَو كَانَ لعَلي حق مَنْصُوص وَلَو قَامَ أَبُو بكر وَهُوَ ظَالِم يدافع عليا وَهُوَ محق لَكَانَ الشَّرْع وَالْعقل يقْضِي أَن يكون النَّاس مَعَ المحق الْمَعْصُوم الْمَنْصُوص عَلَيْهِ على أبي بكر المعتدي الظلوم لَو كَانَ الْأَمر كَذَلِك فاسلك التَّحْقِيق ودع بنيات الطَّرِيق فالسفسطة أَنْوَاع احدها النَّفْي والجحد والتكذيب إِمَّا بالوجود وَإِمَّا بِالْعلمِ بِهِ وَالثَّانِي الشَّك والريب وَقَول لَا نَدْرِي فَهَذِهِ طَريقَة اللاأدرية فَلَا ينفون وَلَا يثبتون فهم فِي الْحَقِيقَة قد نفوا مَا يعلم الثَّالِث قَول من يَجْعَل الْحَقَائِق تبعا للعقائد فَيَقُول من اعْتقد الْعَالم قَدِيما فَهُوَ قديم وَمن اعتقده مُحدثا فَهُوَ مُحدث وَإِذا كَانَ كَذَلِك فالقدح فِيمَا علم من أَحْوَال الرَّسُول وخلفائه الرَّاشِدين وسيرتهم بأخبار ترْوِيهَا الرافضة وتكذبهم فِيهَا جَمَاهِير الْأمة من أعظم السفسطة وَكَذَلِكَ من روى لمعاوية وَأَصْحَابه من الْفَضَائِل مَا يُوجب تَقْدِيمه على عَليّ وَأَصْحَابه كَانَ مسفسطا كَاذِبًا قَالَ الْمنْهَج الرَّابِع فِي الْأَدِلَّة الدَّالَّة على إِمَامَته من أَحْوَاله فَذكر أَنه كَانَ أزهد النَّاس وأعبدهم وأعلمهم وأشجعهم وَذكر أنواعا من خوارق الْعَادَات لَهُ فَيُقَال بل كَانَ أزهد النَّاس بعد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَبُو بكر فَإِنَّهُ كَانَ لَهُ مَال يتجر بِهِ
فأنفقه كُله فِي سَبِيل الله وَولى الْخلَافَة فَذهب إِلَى السُّوق على يَدَيْهِ برود يَبِيع ويتكسب فَأخْبر بذلك الْمُهَاجِرُونَ ففرضوا لَهُ شَيْئا فاستخلف عمر أَبَا عُبَيْدَة فخلف لَهُ أَنه يُبَاح لَهُ أَخذ دِرْهَمَيْنِ كل يَوْم قَالَ ابْن زَنْجوَيْه كَانَ عَليّ فَقِيرا فِي أول الْإِسْلَام ثمَّ اسْتَفَادَ الرباع والمزارع والنخيل وَاسْتشْهدَ رَضِي الله عَنهُ وَعِنْده تسع عشرَة سَرِيَّة وَأَرْبع نسْوَة وَقَالَ شريك عَن عَاصِم بن كُلَيْب عَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ قَالَ قَالَ عَليّ لقد رَأَيْتنِي على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أربط الْحجر على بَطْني من شدَّة الْجُوع وَإِن صَدَقَة مَالِي لتبلغ الْيَوْم أَرْبَعِينَ ألفا وروى إِبْرَاهِيم بن سعيد الْجَوْهَرِي فَقَالَ لتبلغ أَرْبَعَة آلَاف دِينَار فَأَيْنَ هَذَا من هَذَا وَإِن كَانَا زاهدين وتلا عمر أَبَا بكر فِي زهده وَكَذَا أَبُو عُبَيْدَة وَأَبُو ذَر بِخِلَاف غَيرهم من الصَّحَابَة فَإِنَّهُم توسعوا فِي الدُّنْيَا وتمتعوا وَاتَّخذُوا الْأَمْوَال قَالَ ابْن حزم من جملَة عقار عَليّ يَنْبغ كَانَت تغل كل سنة ألف وسق تمر سوى زَرعهَا والزهد عزوف النَّفس عَن حب الصَّوْت وَعَن المَال وَاللَّذَّات وَعَن الْميل إِلَى الْوَلَد والحاشية فَلَا معنى للزهد إِلَّا هَذَا وَأَبُو بكر قد أنْفق مَاله قيل كَانَ أَرْبَعِينَ ألفا حَتَّى بَقِي فِي عباءة قد خللها بِعُود إِذا جلس افترشها وَغَيره اقتنى الرباع والضياع ثمَّ إِنَّه ولى الْخلَافَة فَمَا اتخذ جَارِيَة وَلَا توسع فِي مَال وَأما عَليّ فتوسع فِيمَا يحل لَهُ وَمَات عَن زَوْجَات وتسع عشرَة أم ولد وَعبيد وخدم وَتُوفِّي عَن أَرْبَعَة وَعشْرين ولدا من ذكر وَأُنْثَى وَترك لَهُم من الْعقار مَا أغناهم هَذَا أَمر مَشْهُور لَا يقدر أحد على إِنْكَاره ثمَّ قد كَانَ لأبي بكر من الْوَلَد مثل عبد الرَّحْمَن وَمن الْقَرَابَة مثل طَلْحَة أحد الْعشْرَة فَمَا
اسْتعْمل هَذَا وَلَا هَذَا فِي جهاته وَهِي مَكَّة وَالْمَدينَة واليمن وخيبر والبحرين وحضرموت وعمان والطائف واليمامة ثمَّ جرى عمر على مجْرَاه وَلم يسْتَعْمل من بني عدي أحدا على سَعَة عمله وَقد فتح الشَّام ومصر وَالْعراق إِلَى خُرَاسَان إِلَّا النُّعْمَان بن عدي الْعَدوي وَحده على ميسَان ثمَّ أسْرع عَزله وَكَانَ فيهم مثل سعيد بن زيد أحد الْعشْرَة وَأبي جهم بن حُذَيْفَة وخارجة بن حذافة وَمعمر بن عبد الله وَولد عبد الله بن عمر ثمَّ كل مِنْهُمَا لم يسْتَعْمل ابْنه من بعده على الْأمة وَقد رَضِي بإبن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا بعض النَّاس وَكَانَ أَهلا لذَلِك وَلَو اسْتَخْلَفَهُ لما اخْتلف عَلَيْهِ أحد وَوجدنَا عليا اسْتعْمل أَقَاربه ابْن عَبَّاس على الْبَصْرَة وَعبيد الله بن عَبَّاس على الْيمن وقثما ومعبدا ابْني عَبَّاس على الْحَرَمَيْنِ وَابْن أُخْته جعده بن هُبَيْرَة على خُرَاسَان وَابْن امْرَأَته وأخا وَلَده مُحَمَّد بن أبي بكر على مصر وَرَضي ببيعة الْمُسلمين لإبنه بعده ولسنا ننكر أَهْلِيَّته وزهده وعظمته وَلَا أَهْلِيَّة عبد الله ابْن عَبَّاس للخلافة وَلَكنَّا نقُول إِن أَبَا بكر وَعمر أتم زهدا وأعزف عَن الدُّنْيَا من زاهد يفعل الْمُبَاحَات قَالَ وَعلي عَلَيْهِ السَّلَام قد طلق الدُّنْيَا ثَلَاثًا وَكَانَ قوته جريش الشّعير ولبسه خشن الثِّيَاب ورقع مدرعته وَكَانَ حمائل سَيْفه ليفا وَكَذَا نَعله وروى أَخطب خوارزم عَن عمار قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول يَا عَليّ إِن الله زينك بالزهد فِي الدُّنْيَا وبغضها إِلَيْك وحبب إِلَيْك الْفُقَرَاء فرضيت بهم أتباعا وَرَضوا بك إِمَامًا طُوبَى
لمن أحبك وَصدق عَلَيْك وَالْوَيْل لمن أبغضك وَكذب عَلَيْك الحَدِيث وَقَالَ سُوَيْد ابْن غَفلَة دخلت على عَليّ فَوجدت بَين يَدَيْهِ صفحة فِيهَا لبن أجد رِيحه من شدَّة حموضته وَفِي يَده رغيف أرى قشار الشّعير فِي وَجهه الحَدِيث بِطُولِهِ وَقَالَ ضرار دخلت على مُعَاوِيَة بعد قتل عَليّ فَقَالَ لي صف لي عليا فَقلت كَانَ بعيد المدى شَدِيد القوى يَقُول فضلا وَيحكم عدلا يتفجر الْعلم من جوانبه وتنطق الْحِكْمَة عَن نواحيه يستوحش من الدُّنْيَا وزهرتها ويأنس بِاللَّيْلِ ووحشته كَانَ غزير الْعبْرَة طَوِيل الفكرة يُعجبهُ من اللبَاس مَا خشن وَمن الطَّعَام مَا قشب وَكَانَ فِينَا كأحدنا وَذكر أَشْيَاء فَبكى مُعَاوِيَة وَقَالَ رحم الله أَبَا الْحسن لقد كَانَ وَالله كَذَلِك فَمَا حزنك عَلَيْهِ يَا ضرار قَالَ حزن من ذبح وَلَدهَا فِي حجرها فَلَا ترقأ عبرتها وَلَا يسكن حزنها وَالْجَوَاب لَا نزاع فِي زهد عَليّ لكنه لَا يبلغ زهد أبي بكر كَمَا ذكرنَا وَبَعض مَا أوردته كذب عَلَيْهِ وَلَا مدح فِيهِ أما كَونه قد طَلقهَا ثَلَاثًا فَمن الْمَشْهُور عَنهُ أَنه قَالَ يَا صفراء يَا بَيْضَاء قد طَلقتك ثَلَاثًا غري غَيْرِي لَا رَجْعَة لي فِيك فَهَذَا لَا يدل على أَنه أزهد مِمَّن لم يقل هَذَا فَإِن نَبينَا وَعِيسَى وَغَيرهمَا مِمَّن هُوَ أزهد الْأَنْبِيَاء لم يَقُولُوا هَذَا وَالسُّكُوت أجمل وَأقرب إِلَى الْإِخْلَاص وقولك كَانَ يقتات خبز الشّعير بِلَا أَدَم فكذب عَلَيْهِ ثمَّ لَا مدح فِيهِ فالرسول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِمَام الزهاد وَكَانَ يَأْكُل مَا اتّفق أكل لحم الْغنم وَلحم الدَّجَاج والحلوى وَالْعَسَل وَكَانَ يحب ذَلِك وَإِذا حضر طَعَام فَإِن اشتهاه أكل وَإِلَّا تَركه فَلَا يرد مَوْجُودا وَلَا يُكَلف مفقودا وَرُبمَا ربط الحجرعلى بَطْنه من الْجُوع وَفِي الصَّحِيحَيْنِ إِن رجَالًا قَالَ أحدهم أما أَنا فأصوم وَلَا أفطر وَقَالَ آخر أما أَنا فأقوم وَلَا أَنَام وَقَالَ آخر أما أَنا فَلَا أَتزوّج وَقَالَ آخر أما أَنا فَلَا آكل اللَّحْم فَبلغ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لكني أَصوم وَأفْطر وأنام وأتزوج النِّسَاء وآكل اللَّحْم فَمن رغب عَن سنتي فَلَيْسَ مني فَكيف تظن بعلي أَنه رغب عَن سنة ابْن عَمه بل النَّقْل عَنهُ بِخِلَاف مَا أوردت وقولك فِي حَدِيثك كَانَ حمائل سَيْفه وَنَعله ليفا
فكذب ثمَّ قد كَانَ نعل سيف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فضَّة وَالله قد يسر ووسع عَلَيْهِم فَأَي مدح فِي أَن يعدل عَن السيور مَعَ كثرتها بالحجاز وَإِنَّمَا يمدح هَذَا عِنْد الْعَدَم كَمَا قَالَ أَبُو أُمَامَة لقد فتح الْبِلَاد أَقوام كَانَت خطم خيلهم الحبال وركبهم العلابي رَوَاهُ البُخَارِيّ قَالَ وَبِالْجُمْلَةِ زهده لم يلْحقهُ أحد فِيهِ وَلَا سبق إِلَيْهِ وَإِذا كَانَ كَذَلِك كَانَ هُوَ الإِمَام قُلْنَا كلا المقدمتين بَاطِلَة لم يكن أزهد من أبي بكر وَلَا كل من كَانَ أزهد كَانَ أَحَق بِالْإِمَامَةِ قَالَ عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل أخبرنَا عَليّ بن حَكِيم حَدثنَا شريك عَن عَاصِم بن كُلَيْب عَن مُحَمَّد بن كَعْب سَمِعت عليا يَقُول إِن صدقتي الْيَوْم لتبلغ أَرْبَعِينَ ألفا وَخلف عِنْد مَوته سراري وعبيدا وأملاكا ووقوفا لَكِن لم يتْرك من المَال إِلَّا سَبْعمِائة دِرْهَم وَهَذَا عمر قد وقف نصِيبه من خَيْبَر مَا علمنَا لَهُ عقارا غَيره وَمَات وَعَلِيهِ من الدُّيُون ثَمَانُون ألفا قَالَ وَكَانَ أعبد النَّاس يَصُوم النَّهَار وَيقوم اللَّيْل وَمِنْه تعلم النَّاس صَلَاة اللَّيْل ونوافل النَّهَار وَأكْثر الْعِبَادَات والأدعية المأثورة عَنهُ تستوعب الْوَقْت وَكَانَ يُصَلِّي فِي ليله ونهاره ألف رَكْعَة إِلَى أَن قَالَ وَجمع بَين الصَّلَاة وَالزَّكَاة فَتصدق وَهُوَ رَاكِع إِلَى أَن قَالَ وَأعْتق ألف عبد من كسب يَده وَكَانَ يُؤجر نَفسه
وَينْفق على رَسُول الله فِي الشّعب قُلْنَا فِي هَذَا من الأكاذيب مَا لَا يخفى على الْعَالم ثمَّ لَا مدح فِيهِ لمُخَالفَة أَكْثَره السّنة فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عبد الله بن عَمْرو أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَهُ ألم أخْبرك أَنَّك تَقول لأصومن النَّهَار ولأقومن اللَّيْل مَا عِشْت قَالَ بلَى قَالَ فَلَا تفعل الحَدِيث وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَليّ قَالَ طرقني رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفَاطِمَة فَقَالَ أَلا تقومان تصليان فَقلت يَا رَسُول الله إِنَّمَا أَنْفُسنَا بيد الله إِن شَاءَ أَن يبعثنا بعثنَا فولي وَهُوَ يضْرب فَخذه وَيَقُول (وَكَانَ الْإِنْسَان أَكثر شَيْء جدلا) فَهَذَا دَلِيل على نَومه بِاللَّيْلِ وَأَن الرَّسُول مَا أعجبه مجادلته لَهُ وقولك وَمِنْه تعلم النَّاس إِن أردْت بعض الْمُسلمين فَهَكَذَا الْكِبَار يعلمُونَ أتباعهم وَإِن أردْت الْكل مِنْهُ تعلمُوا فَهَذَا من أسمج الْكَذِب فإخوانه من الصَّحَابَة أخذُوا عَن نَبِيّهم وَأما التابعون فخلائق مِنْهُم لم يروه ثمَّ قلت والأدعية المأثورة عَنهُ تستوعب الْوَقْت قُلْنَا عامتها مَوْضُوع عَلَيْهِ هُوَ كَانَ أجل من أَن يَدْعُو بِهَذِهِ الْأَدْعِيَة الَّتِي لَا تلِيق بِحَالهِ وَأفضل الْأَدْعِيَة المأثورة مَا ثَبت عَن الرَّسُول وَهِي بِحَمْد الله كَثِيرَة فِيهَا غنى وَأما قَوْلك يُصَلِّي ألف رَكْعَة فَبَاطِل فَهَذَا نَبِي الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ مَجْمُوع صلَاته
فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة أَرْبَعِينَ رَكْعَة وَالزَّمَان لَا يَتَّسِع لِأَلف رَكْعَة من أَمِير الْأمة مَعَ سياستهم وَمُصَالَحَة فِي أَهله وَنَفسه إِلَّا أَن تكون صلَاته صَلَاة نقر نزه الله عليا عَنْهَا وَأما قَوْلك جمع بَين الصَّلَاة وَالزَّكَاة فكذب كَمَا تقدم وَلَا مدح فِيهِ وَلَا يشرع لنا فعله وقولك أعتق ألف عبد من كسب يَده كذب لَا يروج إِلَّا على الجهلة بل وَلَا أعتق مائَة وَلم يكن لَهُ كسب بِيَدِهِ يقوم بِعشر هَذَا وَكَانَ مَشْغُولًا بِالْجِهَادِ وَبِغَيْرِهِ وَمَا علمناه يتجر وَلَا لَهُ صَنْعَة فَمن أَيْن هَذَا وقولك كَانَ يُؤجر نَفسه وَينْفق على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقت الشّعب كذب بَين فَإِنَّهُم لم يَكُونُوا يخرجُون من الشّعب وَلَا ثمَّ من يستأجرهم وَكَانَ أَبوهُ أَبُو طَالب مَعَهم ينْفق عَلَيْهِ وَكَانَت خَدِيجَة موسرة تنْفق من مَالهَا وَكَانَ عَليّ زمن الشّعب لَهُ نَحْو من خمس عشرَة سنة أقل أَو أَكثر قَالَ وَكَانَ أعلم النَّاس قُلْنَا بل أَبُو بكر وَعمر فَإِنَّهُ لم يكن أحد يقْضِي ويخطب ويفتي بِحَضْرَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَّا أَبُو بكر وَقد شكّ النَّاس فِي موت نَبِيّهم فبينه أَبُو بكر ثمَّ توقفوا فِي دَفنه فبينه أَبُو بكر ثمَّ شكوا فِي قتال مانعي الزَّكَاة فبينه بِالنَّصِّ وأوضح قَوْله (لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام إِن شَاءَ الله
آمِنين لعمر وَبَين لَهُم قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن عبدا خَيره الله بَين الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَفسّر لَهُم الْكَلَالَة وَحمل عَليّ عَنهُ شَيْئا من الْعلم فَفِي السّنَن عَن عَليّ قَالَ كنت إِذا سَمِعت من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَدِيثا يَنْفَعنِي الله بِمَا شَاءَ أَن يَنْفَعنِي مِنْهُ وَإِذا حَدثنِي غَيره اسْتَحْلَفته فَإِذا حلف لي صدقته وحَدثني أَبُو بكر وَصدق أَبُو بكر أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مَا من مُسلم يُذنب ذَنبا ثمَّ يتَوَضَّأ وَيُصلي رَكْعَتَيْنِ ويستغفر الله إِلَّا غفر لَهُ ثمَّ قد نقل غير وَاحِد الْإِجْمَاع على أَن أَبَا بكر أعلمهم وَحَكَاهُ مَنْصُور بن السَّمْعَانِيّ وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اقتدوا باللذين من بعدِي أبي بكر وَعمر وَفِي صَحِيح مُسلم أَن الْمُسلمين كَانُوا مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سفر فَقَالَ إِن يطع الْقَوْم أَبَا بكر وَعمر بن الْخطاب يرشدوا وروى عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ لأبي بكر وَعمر إِذا اتفقتما على أَمر لم أخالفكما وَثَبت عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ إِذا لم يجد نصا أفتى بقول أبي بكر وَعمر وَثَبت فِي حق ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دَعَا لَهُ اللَّهُمَّ فقهه فِي الدّين وَعلمه التَّأْوِيل وَعَن ابْن أبي شيبَة أخبرنَا أَبُو مُعَاوِيَة حَدثنَا الْأَعْمَش حَدثنَا إِبْرَاهِيم أخبرنَا عَلْقَمَة عَن عمر قَالَ كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يسمر عِنْد أبي بكر رَضِي الله عَنهُ فِي الْأَمر من أُمُور الْمُسلمين وَأَنا مَعَه وَفِي هِجْرَة الرَّسُول وخوفه لم يصحب غير أبي بكر وَلم يبْق مَعَه يَوْم بدر فِي الْعَريش غَيره وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ كنت جَالِسا عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذْ أقبل أَبُو بكر آخِذا بِطرف ثَوْبه حَتَّى أبدى عَن رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أما صَاحبكُم فقد غامر فَسلم وَقَالَ إِنَّه كَانَ بيني وَبَين ابْن الْخطاب شَيْء فأسرعت إِلَيْهِ ثمَّ نَدِمت فَسَأَلته أَن يغْفر لي فَأبى عَليّ وَإِنِّي أَتَيْتُك فَقَالَ يغْفر الله لَك يَا أَبَا بكر ثَلَاثًا ثمَّ إِن عمر نَدم فَأتى منزل أبي بكر فَلم يجده فَأتى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَجعل وَجه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
يتمعر حَتَّى أشْفق أَبُو بكر وَقَالَ أَنا كنت أظلم يَا رَسُول الله مرَّتَيْنِ فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن الله بَعَثَنِي إِلَيْكُم فقلتم كذبت وَقَالَ أَبُو بكر صدقت وواساني بِنَفسِهِ وَمَاله فَهَل أَنْتُم تاركو لي صَاحِبي فَهَل أَنْتُم تاركو لي صَاحِبي فَمَا أوذي بعْدهَا قَالَ البُخَارِيّ غامر سبق بِالْخَيرِ وَقَالَ غَيره غامر خَاصم وَقد سَأَلَ الرشيد مَالك بن أنس عَن منزله أبي بكر وَعمر من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ منزلتهما مِنْهُ فِي حَيَاته كمنزلتهما مِنْهُ بعد مماته وَلم يحفظ لأبي بكر قَول يُخَالف نصا فَهَذَا يدل على غَايَة البراعة وَالْعلم وَأما غَيره فَلهُ أَقْوَال مُخَالفَة للنصوص لكَونهَا لم تبلغهم وَثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد كَانَ فِي الْأُمَم قبلكُمْ محدثون فَإِن يكن فِي هَذِه الْأمة أحد فعمر وَفِي الصَّحِيحَيْنِ رَأَيْت كَأَنِّي أتيت بقدح فِيهِ لبن فَشَرِبت حَتَّى أَنِّي لأرى الرّيّ يخرج من أظفاري ثمَّ ناولت فضلي عمر قَالُوا مَا أولته يَا رَسُول الله قَالَ الْعلم وَفِي التِّرْمِذِيّ من حَدِيث بكر بن عَمْرو عَن مشرح بن عاهان عَن عقبَة بن عَامر قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَو كَانَ بعدِي نَبِي لَكَانَ عمر حسنه التِّرْمِذِيّ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ كَانَ أَبُو بكر أعلمنَا بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ عَليّ لَا يبلغنِي أَن أحدا فضلني على أبي بكر وَعمر إِلَّا جلدته حد المفتري وَقد روى عَن عَليّ من نَحْو ثَمَانِينَ وَجها أَنه قَالَ على منبره خير هَذِه الْأمة بعد نبيها أَبُو بكر وَعمر وَقَالَ البُخَارِيّ حَدثنَا مُحَمَّد بن كثير حَدثنَا سُفْيَان
حَدثنَا جَامع بن شَدَّاد حَدثنَا مُنْذر الثَّوْريّ عَن مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة قَالَ قلت لأبي يَا أَبَة من خير النَّاس بعد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ يَا بني أَو مَا تعرف فَقلت لَا فَقَالَ أَبُو بكر قلت ثمَّ من قَالَ ثمَّ عمر قَالَ وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أقضاكم عَليّ وَالْقَضَاء مُسْتَلْزم للْعلم وَالدّين قُلْنَا لم يَصح لَهُ إِسْنَاد تقوم بِهِ الْحجَّة وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أعلمكُم بالحلال وَالْحرَام معَاذ أصح مِنْهُ وَالْعلم بالحلال وَالْحرَام أعظم وحديثك لم يروه أحد فِي السّنَن الْمَشْهُورَة وَلَا المساند الْمَعْرُوفَة لَا بِإِسْنَاد صَحِيح وَلَا ضَعِيف وَإِنَّمَا جَاءَ من طَرِيق من هُوَ مُتَّهم وَقَول عمر عَليّ أقضانا وَالْقَضَاء إِنَّمَا هُوَ فصل الْخُصُومَات فِي الظَّاهِر مَعَ جَوَاز أَن يكون الحكم فِي الْبَاطِن بِخِلَافِهِ كَمَا صَحَّ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إِنَّكُم تختصمون إِلَيّ وَلَعَلَّ بَعْضكُم أَن يكون أَلحن بحجته من بعض فأقضي لَهُ على نَحْو مَا أسمع فَمن قضيت لَهُ من حق أَخِيه شَيْئا فَلَا يَأْخُذهُ فَإِنَّمَا أقطع لَهُ قِطْعَة من النَّار فقد أخبر سيد الْقُضَاة أَن حكمه لَا يحل حَرَامًا وَلَا يحرم حَلَالا وَحَدِيث أَنا مَدِينَة الْعلم وَعلي بَابهَا أَضْعَف وأوهى وَلِهَذَا إِنَّمَا يعد فِي الموضوعات وَإِن رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ وَبَين أَن سَائِر طرقه مَوْضُوعَة وَالْكذب يعرف من نفس مَتنه فَإِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا كَانَ مَدِينَة الْعلم وَلم يكن لَهَا إِلَّا بَاب وَاحِد وَلم يبلغ الْعلم عَنهُ إِلَّا وَاحِد فسد أَمر الْإِسْلَام وَلِهَذَا اتّفق الْمُسلمُونَ على أَنه لَا يجوز أَن يكون الْمبلغ عَنهُ الْعلم وَاحِدًا بل يجب أَن يكون المبلغون أهل التَّوَاتُر الَّذين يحصل الْعلم بخبرهم للْغَائِب وَخبر الْوَاحِد لَا يُفِيد الْعلم بِالْقُرْآنِ وَالسّنَن المتواترة وَإِذا قَالُوا ذَلِك الْوَاحِد الْمَعْصُوم يحصل الْعلم بِخَبَرِهِ قيل لَهُم فَلَا بُد من الْعلم بعصمته أَولا وعصمته لَا تثبت بِمُجَرَّد خَبره قبل أَن تعرف عصمته لِأَنَّهُ دور وَلَا نثبت بِالْإِجْمَاع فَإِنَّهُ
لَا إِجْمَاع فِيهَا ثمَّ علم الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْكتاب وَالسّنة قد طبق الأَرْض وَمَا انْفَرد بِهِ عَليّ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فيسير قَلِيل وَأجل التَّابِعين بِالْمَدِينَةِ هم الَّذين تعلمُوا فِي زمن عمر وَعُثْمَان وَتَعْلِيم معَاذ للتابعين وَلأَهل الْيمن أَكثر من تَعْلِيم عَليّ رَضِي الله عَنهُ وَقدم عَليّ على الْكُوفَة وَبهَا من أَئِمَّة التَّابِعين عدد كشريح وَعبيدَة وعلقمة ومسروق وأمثالهم قَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم احْتج الرافضة بِأَن عليا رَضِي الله عَنهُ كَانَ أَكْثَرهم علما قَالَ وَهَذَا كذب وَإِنَّمَا يعرف علم الصَّحَابِيّ بِكَثْرَة رِوَايَته أَو بفتاويه وَكَثْرَة اسْتِعْمَال الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُ فَنَظَرْنَا فوجدناه قد اسْتعْمل أَبَا بكر على الصَّلَاة أَيَّام مَرضه بِمحضر من عمر وَعلي وَابْن مَسْعُود وَأبي والكبار وَهَذَا خلاف استخلافه عليا إِذْ غزا لِأَن ذَلِك كَانَ على النِّسَاء وَذَوي الْأَعْذَار فَقَط فَوَجَبَ ضَرُورَة أَن نعلم أَن أَبَا بكر أعلم بِالصَّلَاةِ وَهِي عَمُود الْإِسْلَام وَأَيْضًا فَاسْتَعْملهُ على الصَّدقَات وعَلى الْحَج فصح أَنه أعلم من جَمِيع الصَّحَابَة بذلك وَهَذِه دعائم الْإِسْلَام ثمَّ وَجَدْنَاهُ اسْتَعْملهُ على الْبعُوث فصح أَن عِنْده من أَحْكَام الْجِهَاد مثل مَا عِنْد سَائِر من اسْتَعْملهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الْبعُوث إِذْ لَا يسْتَعْمل إِلَّا عَالما بِالْعَمَلِ فَعِنْدَ أبي بكر من علم الْجِهَاد كَالَّذي عِنْد عَليّ وَسَائِر أُمَرَاء الْبعُوث لَا أقل وَإِذا صَحَّ التَّقَدُّم لأبي بكر على عَليّ وَغَيره فِي الْعلم وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالْحج وساواه فِي الْجِهَاد فَهَذِهِ عُمْدَة للْعلم وَكَانَ شَدِيد الْمُلَازمَة للرسول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فشاهد فَتَاوِيهِ وَأَحْكَامه أَكثر من مُشَاهدَة على لَهَا فصح ضَرُورَة أَنه أعلم بهَا فَهَل
بقيت من الْعلم بَقِيَّة إِلَّا وَأَبُو بكر الْمُقدم فِيهَا والمشارك وَأما الرِّوَايَة وَالْفَتْوَى فَتوفي أَبُو بكر بعد الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِسنتَيْنِ وَنصف وَلم يحْتَج إِلَى مَا عِنْده لِأَن رَعيته صحبوا الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مثله وَقد روى عَنهُ مائَة وَأَرْبَعُونَ حَدِيثا وَجُمْلَة فَتَاوَى وَعلي روى لَهُ خَمْسمِائَة وَسِتَّة وَثَمَانُونَ حَدِيثا لكَونه عَاشَ بعد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثَلَاثِينَ سنة وَكثر لِقَاء النَّاس لَهُ واحتاجوا إِلَى علمه لذهاب جُمْهُور الصَّحَابَة وسألوه بِالْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَة والكوفة وبصفين فَإِذا نسبنا مُدَّة أبي بكر من حَيَاته وأضفنا تقري عَليّ الْبِلَاد بَلَدا بَلَدا وَكَثْرَة سَماع النَّاس مِنْهُ إِلَى لُزُوم أبي بكر موطنه وَأَنه لم تكْثر حَاجَة من حواليه إِلَى الرِّوَايَة عَنهُ ثمَّ نسبنا عدد حَدِيثه من عدد حَدِيثه وفتاويه من فَتَاوِيهِ علم كل ذِي حَظّ من علم أَن الَّذِي عِنْد أبي بكر من الْعلم أَضْعَاف مَا كَانَ عِنْد عَليّ مِنْهُ وبرهان ذَلِك أَن من عمر من الصَّحَابَة عمرا قَلِيلا قل النَّقْل عَنهُ وَمن طَال عمره مِنْهُم كثر النَّقْل عَنهُ وَعمر مَا برح بِالْمَدِينَةِ بل جَاءَ إِلَى الشَّام وَقد روى لَهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَمْسمِائَة وَسَبْعَة وَثَلَاثُونَ حَدِيثا وَذَلِكَ نَحْو مِمَّا روى عَليّ رَضِي الله عَنهُ وَلكنه مَاتَ قبل عَليّ بِسبع عشرَة سنة وَخلق من عُلَمَاء الصَّحَابَة أَحيَاء بعد فَكل مَا زَاد حَدِيث عَليّ على حَدِيث عمر تِسْعَة وَأَرْبَعُونَ حَدِيثا فِي هَذِه الْمدَّة وَلم يزدْ عَلَيْهِ فِي الصَّحِيح إِلَّا حَدِيث أَو حديثان وفتاوى عمر موازية لفتاوى عَليّ فِي أَبْوَاب الْفِقْه فَإِذا نسبنا مُدَّة من مُدَّة وضربنا فِي الْبِلَاد من ضرب فِيهَا وأضفنا حَدِيثا إِلَى حَدِيث وفتاوى إِلَى فَتَاوَى علم كل ذِي حس علما ضرويا أَن الَّذِي كَانَ عِنْد عمر من الْعلم أَضْعَاف مَا كَانَ عِنْد عَليّ ثمَّ نَظرنَا عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا لتأخرها رَوَت أَكثر من ألفي حَدِيث وَكَذَلِكَ ابْن عمر وَأنس وَوجدنَا أَبَا هُرَيْرَة روى نَحْو خَمْسَة آلَاف مُسْند وثلاثمائة مُسْند ولإبن مَسْعُود ثَمَانمِائَة ونيف وَله ولعائشة ولإبن عمر من الْفَتَاوَى أَكثر مِمَّا لعَلي لتأخر حياتهم وَكَذَا لإبن عَبَّاس أَزِيد من ألف وَخَمْسمِائة حَدِيث وَلَا يُحْصى مَاله من الْفَتَاوَى وَالتَّفْسِير وَغير ذَلِك فَبَطل قَول
الرافضة نعم قد اسْتعْمل الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عليا أَيْضا وَلَا يسْتَعْمل إِلَّا عَالما وَاسْتعْمل معَاذًا وَأَبا مُوسَى على الْيمن قَالَ وَكَانَ فِي غَايَة الذكاء شَدِيد الْحِرْص على التَّعَلُّم ملازما للرسول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الصغر إِلَى أَن مَاتَ فَيُقَال من أَيْن علم أَنه أذكى من أبي بكر وَعمر وأرغب فِي الْعلم مِنْهُمَا وَأَن استفادته من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَكثر مِنْهُمَا وَفِي الصَّحِيحَيْنِ فِي علمهما أَحَادِيث وَمن ذَلِك قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَأَيْت النَّاس يعرضون عَليّ وَعَلَيْهِم قمص مِنْهَا مَا يبلغ الثدي وَمِنْهَا مَا دون ذَلِك وَعرض عَليّ عمر وَعَلِيهِ قَمِيص يجره قَالُوا فَمَا أولته يَا رَسُول الله قَالَ الدّين وَقَالَ ابْن مَسْعُود لما مَاتَ عمر إِنِّي لأحسب أَن هَذَا بِتِسْعَة أعشار الْعلم وشارك النَّاس فِي الْعشْر الْبَاقِي قَالَ وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْعلم فِي الصغر كالنقش فِي الْحجر فَتكون عُلُوم عَليّ أَكثر من غَيره لحُصُول الْقَابِل الْكُلِّي وَالْفَاعِل التَّام فَيُقَال هَذَا من فضول الحَدِيث فَإِن هَذَا مثل سَائِر مَا قَالَه لَيْسَ من كَلَام الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالصَّحَابَة قد تعلمُوا الْقُرْآن وَالسّنَن مَعَ الْكبر فيسر الله ذَلِك عَلَيْهِم وَكَذَلِكَ على فَمَا كمل الْوَحْي حَتَّى صَار لعَلي نَحْو من ثَلَاثِينَ سنة وَإِنَّمَا حفظ أَكثر ذَلِك فِي كبره وَقد اخْتلف فِي حفظه لجَمِيع الْقُرْآن وَهَذَا أَبُو هُرَيْرَة قد حفظ فِي أَكثر من ثَلَاث سِنِين مَا لم يحفظه غَيره قَالَ وَأما النَّحْو فَهُوَ وَاضعه قَالَ لأبي الْأسود الْكَلَام كُله ثَلَاثَة أَشْيَاء اسْم وَفعل وحرف وَعلمه وُجُوه الْإِعْرَاب قُلْنَا لَيْسَ هَذَا من عُلُوم النُّبُوَّة وَإِنَّمَا هُوَ
علم مستنبط وَلم يكن فِي زمن الْخُلَفَاء الثَّلَاثَة لحن فَلم يحْتَج إِلَيْهِ فَلَمَّا سكن عَليّ الْكُوفَة وَبهَا الأنباط رُوِيَ أَنه قَالَ لأبي الْأسود الدؤَلِي ذَلِك وَقَالَ لَهُ انح هَذَا النَّحْو كَمَا أَن غَيره استخرج لِلْخَطِّ الشكل والنقط وعلامة الْمَدّ والشد وَنَحْوه للْحَاجة وكما استخرج الْخَلِيل الْعرُوض قَالَ وَالْفُقَهَاء كلهم يرجعُونَ إِلَيْهِ قُلْنَا هَذَا كذب فَلَيْسَ فِي الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَلَا غَيرهم من يرجع إِلَى فقهه أما مَالك فَعلمه عَن أهل الْمَدِينَة وَأهل الْمَدِينَة لَا يكادون يَأْخُذُونَ بقول عَليّ بل مادتهم من عمر وَزيد وَابْن عمر وَغَيرهم وَأما الشَّافِعِي فَإِنَّهُ تفقه أَولا على المكيين أَصْحَاب ابْن جريج وَابْن جريج أَخذ عَن أَصْحَاب ابْن عَبَّاس ثمَّ قدم الشَّافِعِي الْمَدِينَة وَأخذ عَن مَالك ثمَّ كتب كتب أهل الْعرَاق وَاخْتَارَ لنَفسِهِ وَأما أَبُو حنيفَة فشيخه الَّذِي اخْتصَّ بِهِ حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان صَاحب إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَإِبْرَاهِيم صَاحب عَلْقَمَة وعلقمة صَاحب ابْن مَسْعُود وَأخذ أَبُو حنيفَة عَن عَطاء بِمَكَّة وَعَن غَيره وَأما أَحْمد بن حَنْبَل فَكَانَ على مَذْهَب أَئِمَّة الحَدِيث أَخذ عَن هشيم وَابْن عُيَيْنَة ووكيع وَالشَّافِعِيّ وَغَيرهم وَاخْتَارَ لنَفسِهِ وَكَذَا فعل ابْن رَاهَوَيْه وَأَبُو عبيد وقولك إِن الْمَالِكِيَّة أخذُوا علمهمْ من عَليّ وَأَوْلَاده فكذب هَذَا الْمُوَطَّأ لَيْسَ فِيهِ عَن عَليّ وَأَوْلَاده إِلَّا الْيَسِير وَكَذَلِكَ الْكتب وَالسّنَن وَالْمَسَانِيد جُمْهُور مَا فِيهَا