الكافي في فقه الإمام أحمدصفحات 43-56
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب النكاح

صفحات 43-56
عن هذه الطبعة
عَلَم
المقدسي، موفق الدين
الكتاب
الكافي في فقه الإمام أحمد
المؤلف
أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، 1414 هـ - 1994 م
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فثبت الرد بالبرص بالخبر، وقسنا عليه سائر العيوب؛ لأنها في معناه في منع الاستمتاع.
وإن كان قد بقي من ذكر المجبوب ما يمكن الجماع به، ويغيب منه في الفرج قدر الحشفة فلا خيار لها؛ لأنه لا يمنع الاستمتاع.
وإن اختلفا في ذلك، فالقول قول المرأة؛ لأنه يضعف بالقطع، والأصل عدم الوطء.

فصل: وإن وجد أحدهما الآخر خنثى، أو وجدت زوجها خصياً ففيه وجهان: أحدهما: لها الخيار؛ لأنه يثير نفرة، وفيه نقص وعار، فأشبه البرص.
والثاني: لا خيار لها؛ لأنه لا يمنع الاستمتاع.
واختلف أصحابنا في البخر، وهو نتن الفم.
وفي الذي لا يستمسك بوله أو خلاه.
فقال أبو بكر: يثبت به الخيار؛ لأنه ينفر عن الاستمتاع، ويتعدى ضرره ونجاسته.
وقال غيره: لا خيار فيه؛ لأنه لا يمنع الاستمتاع ولا يخشى تعديه، ويتخرج عليه الناصور والباسور والقروح السيالة في الفرج؛ لأنها في معناه.
واختلفوا في العفل، وقيل: هي رغوة في الفرج يمنع لذة الوطء، فعده الخرقي مانعاً كذلك، ولم يعده القاضي في الموانع؛ لأنه لا يمنع الاستمتاع.
وكذلك يخرج في الرائحة الكريهة التي في الفرج تثور عند الوطء.
وما عدا هذه العيوب كالقرع والعمى والعرج لا يثبت به خيار؛ لأنه لا يمنع الاستمتاع ولا يخشى تعديه.

فصل: ومن علم العيب وقت العقد فلا خيار له؛ لأنه دخل على بصيرة بالعيب فأشبه من اشترى ما يعلم عيبه.
وإن وجد بصاحبه عيباً به مثله، ففيه وجهان: أحدهما: لكل واحد منهما الخيار، لوجود سببه، فأشبه العبد المغرور بأمة، ولأنه قد يعاف عيب غيره، وإن كان به مثله.
والثاني: لا خيار له؛ لأنهما متساويان في النقص فأشبها القفيزين.
وإن حدث العيب بأحدهما بعد العقد، ففيه وجهان: أحدهما: لا خيار له، وهو قول أبي بكر: لأنه عيب حدث بعد لزوم العقد أشبه الحادث بالمبيع.
والثاني: يثبت به الخيار.
وهو ظاهر قول الخرقي؛ لأنه عيب، لو قارن أثبت الخيار، فإذا حدث أثبته كالإعسار.

فصل: وإذا علم العيب فأخر المطالبة بالفسخ لم يبطل خياره.
وقال القاضي: يبطل.
وأصلهما ما ذكرنا في خيار الرد بالعيب في المبيع، وإن قال: رضيت به معيباً، أو وجد منه دلالة على الرضى، كالاستمتاع، أو التمكين منه بطل خياره.

فصل: وإن فسخ قبل المسيس فلا مهر لها؛ لأنه إن كان الفسخ منها فالفرقة من جهتها، فأسقطت مهرها كردتها.
وإن كان من الزوج فهو لمعنى من جهتها، لحصوله بتدليسها، فأشبه ما لو باشرتها.
وإن كان بعد الدخول استقر المهر ولم يسقط لاستقرار النكاح بالدخول فيه، ويجب المسمى؛ لأنه نكاح صحيح فيه مسمى صحيح، فوجب المسمى فيه.
كما لو ارتدت.
وذكر القاضي: أن فيه رواية أخرى أنه يجب مهر المثل بناء على العقد الفاسد، وليس هذا بفاسد، إذ لو كان فاسداً لما ثبت الخيار فيه، ويرجع بالمهر على من غره، لما روي عن عمر أنه قال: أيما رجل تزوج امرأة بها جنون أو جذام أو برص فمسها فلها صداقها غرم على وليها، ولأنه غره في النكاح بما يجب به المهر فكان المهر عليه، كما لو غره بحرية أمة.
وعنه: لا يرجع على أحد؛ لأن ذلك يروى عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. فإن لم يعلم الولي فالغرور من المرأة.
وإن طلق الزوج ثم علم بها عيباً فعليه المهر، لا يرجع به على أحد؛ لأنه رضي بالتزامه.

فصل: ولا يجوز الفسخ إلا بحكم حاكم؛ لأنه مختلف فيه، فافتقر إلى الحاكم، كالفسخ للإعسار.
فإن رده الحاكم إلى مستحقه جاز، والفرقة الواقعة بينهما فسخ لا طلاق؛ لأنه رد لعيب، فكان فسخاً كرد المشتري.
وإن اتفقا على الرجعة لم يجز إلا بنكاح جديد، ويرجع على طلاق ثلاث.
وقال أبو بكر: فيها قول آخر: إنها تحرم على التأبيد؛ لأنه فرقة حاكم، فأشبهت فرقة اللعان، ولنا أنها فرقة لعيب أشبهت فرقة المعتقة تحت عبد.

فصل: وليس لولي صغير ولا صغيرة ولا سيد أمة تزويجهم بمعيب؛ لأن فيه ضرراً بهم، وعليه النظر في الحظ لهم.
ولا لولي كبيرة تزويجها بمعيب بغير رضاها؛ لأنه فيه ضرراً بها.
فإن طلبت التزويج بمجبوب أو عنين لم يملك منعها؛ لأن الضرر يختص بها.
وإن أرادت التزويج بمعيب غيرهما فله منعها؛ لأن عليه ضرراً أو عاراً، ويخشى تعديه

إليها وإلى ولدها، ويحتمل أنه ليس منعها قياساً على الجب والعنة.
فإن رضيا به جاز ويكره.
قال أحمد ما يعجبني أن يزوجها بعنين، وإن رضيت الساعة فتكره إذا دخلت.
وإن حدث العيب بالرجل، أو وجدته معيباً فرضيت به المرأة لم يكن لوليها إجبارها على الفسخ؛ لأنه حقه في ابتداء العقد لا في دوامه.
ولهذا يملك منعها من نكاح العبد، ولو عتقت تحت عبد لم يملك إجبارها على الفسخ.

فصل: وإذا اختلفا في عيب المرأة أريت النساء الثقات، فرجع إلى قولهن.
فإن ادعت المرأة أن زوجها عنيناً فأنكر فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل السلامة.
وإن اعترف أجله الحاكم عاماً منذ رافعته، لما روى سعيد بن المسيب: إن عمر أجل العنين سنة.
وعن علي والمغيرة مثله؛ ولأن العجز قد يكون لعارض من حرارة، أو برودة، أو يبوسة، أو رطوبة فإذا مضت السنة واختلفت عليه الأهوية ولم يزل علم أنه خلقة.
ولا تثبت المدة إلا بالحكم؛ لأنها مدة مختلف فيها بخلاف مدة الإيلاء.
فإذا مضت السنة منذ ضربت له المدة ولم يطأها خيرت في المقام معه أو فراقه؛ لأن الحق لها.
فإن رضيته عنيناً، أو قالت في وقت: قد رضيته عنيناً لم يكن لها خيار بعد ذلك؛ لأنها رضيت العيب، فأشبه ما لو رضيت المبيع المعيب.
وإن اختارت فراقه فرق الحاكم بينهما.
وإن اعترفت أنه وطئها مرة بطل كونه عنيناً.
وإن ادعى أنه وطئها، فادعت أنها عذراء أريت النساء الثقات، فإن شهدن بما قالت فالقول قولها، وإلا فالقول قوله.
وإن اختلفا في ثيب فالقول قوله؛ لأن الأصل السلامة.
وعنه: القول قولها؛ لأن الأصل عدم الإصابة.
وعنه: يخلى معها في بيت، ويقال: أخرج ماءك على شيء، فإن عجز عن ذلك فالقول قولها.
وإن فعل فالقول قوله.
فإن ادعت أنه ليس بمني جعل على النار، فإن ذاب فهو مني، وبطل قولها؛ لأنه شبيه ببياض البيض، وذاك إذا وضع على النار تجمع ويبس، وهذا يذوب، فيتميز بذلك أحدهما من الآخر، فيختبر به؛ لأن هذا قول عطاء.
وإن اعترفت أنه وطئ غيرها، أو وطئها في الدبر، أو في نكاح آخر لم تزل عنته؛ لأنه قد يعن عن امرأة دون أخرى، وفي نكاح دون نكاح.
والدبر ليس بمحل للوطء، فأشبه ما دون الفرج.
ويقتضي قول أبي بكر أنها متى اعترفت بوطئه لغيرها، أو لها في أي نكاح كان زالت عنته.
وهذا اختيار ابن عقيل؛ لأن العنة جبلة وخلقة، فلا تبقى مع ما ينافيها.
وأدنى الوطء الذي يخرج به من العنة، إيلاج الحشفة في الفرج؛ لأن الوطء الذي تتعلق به الأحكام دون غيره.
وهل يحلف من القول قوله؟ يحتمل وجهين، بناء على الاستحلاف في غير دعوى المال.

فصل: السبب الثاني: إذا عتقت المرأة وزوجها عبد فلها الخيار في فسخ النكاح، لما روت عائشة قالت: «كاتبت بريرة، فخيرها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في زوجها وكان عبداً، فاختارت نفسها.
قال عروة: ولو كان حراً ما خيرها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . رواه مالك في " موطئه " وأبو داود في " سننه ". وإن عتقت وزوجها حر فلا خيار لها، للخبر، ولأنها كملت تحت كامل، فلم يثبت لها خيار، كما لو أسلمت الكتابية تحت مسلم، بخلاف زوجة العبد.
ولها الفسخ بنفسها؛ لأنه خيار ثبت بالنص والإجماع، ولما روى الحسن عن عمر بن أمية قال: سمعت رجالاً يتحدثون عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «إذا أعتقت الأمة فهي بالخيار ما لم يطأها، إن شاءت فارقته، فإن وطئها فلا خيار لها» رواه الإمام أحمد في المسند.
وخيارها على التراخي، للخبر ما لم يطأها، فإن أمكنته من وطئها عالمة بالحال بطل خيارها، للخبر؛ ولأنه دليل على رضاها به فبطل خيارها، كما لو نطقت به.
وإن لم تعلم بطل خيارها أيضاً، نص عليه أحمد للخبر.
وقال القاضي وأبو الخطاب: لا يبطل؛ لأن تمكينها مع جهلها لا يدل على رضاها به.
وإن لم تعلم بالعتق حتى وطئها، ففيه وجهان كالتي قبلها فعلى هذا إن ادعت الجهل بالعتق وهي ممن يجوز خفاؤه عليها لبعدها عن المعتق فالقول قولها مع يمينها، وإن كانت ممن لا يخفى عليها ذلك لقربه واشتهاره لم يقبل قولها، فإن ادعت الجهل بثبوت الخيار فالقول قولها؛ لأنه لا يعلمه إلا خواص الناس.
وإن أعتق العبد قبل اختيارها بطل خيارها؛ لأن الخيار لدفع الضرر الحاصل بالرق، وقد زال بعتقه فزال، كرد المعيب إذا زال عيبه.
ولو أعتقا معاً فلا خيار لها.
وعنه: لها الخيار، والأول أولى؛ لأنها لو عتقت تحت حر لم يثبت لها خيار، لعدم الضرر، فكذا هاهنا.
ويستحب لمن أراد عتق عبد وجاريته المتزوجين البداءة بعتق الرجل، لئلا يكون للمرأة عليه خيار.
وقد روى أبو داود «عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أنه كان غلام وجارية، فقالت للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إني أريد أن أعتقهما، فقال لها: فابدئي بالرجل» .

فصل: فإن أعتقت المجنونة والصغيرة فلا خيار لهما؛ لأنهما لا عقل لهما، ولا قول

معتبر، ولا يملكه وليهما؛ لأن هذا طريقه الشهوة، فلا يدخل تحت الولاية، كالقصاص، فإذا بلغت الصغيرة، وعقلت المجنونة فلها الخيار حينئذ، لكونهما صارا على صفة يعتبر كلامهما.
والحكم في وطئهما كالحكم في وطء الجاهلة بالعتق.

فصل: إذا عتق بعض الأمة فلا خيار لها في إحدى الروايتين اختارها الخرقي؛ لأنه لا نص فيها، ولا يصح قياسها على من عتق جميعها؛ لأنها أكمل منها.
والثانية: لها الخيار اختارها أبو بكر؛ لأنها أكمل من زوجها، فأشبهت الكاملة بالعتق.

فصل: إذا فسخت قبل الدخول سقط مهرها؛ لأن الفسخ من جهتها.
وعنه: يجب نصف المهر للسيد؛ لأنه المستحق له، فلا يسقط نصفه من جهة غيره.
وإن رضيته فالمهر للسيد؛ لأنه استحقه بالعقد، وروي وإن فسخت بعد الدخول استقر المسمى للسيد؛ لأنه وجب له بالعقد، واستقر بالدخول، فأشبه ما لو ارتدت.
وإن طلقها قبل اختيارها وقع طلاقه، ولسيدها نصف المهر، وإن كان قبل الدخول، وجميعه إن كان بعده.
وقال القاضي: طلاقه موقوف إن فسخت، تبينا أنه لم يقع، وإن لم تفسخ وقع.
ولنا أنه طلاق من زوج جائز التصرف في نكاح صحيح فوقع، كما لو لم يعتق.

فصل: وإن طلقها الزوج طلاقاً بائناً، ثم أعتقت فلا خيار لها؛ لأنه لا نكاح بينهما يفسخ.
وإن كان رجعياً فلها الفسخ في العدة؛ لأن نكاحها باق ويمكن فسخه، فإذا فسخت انقطعت الرجعة، وبنت على ما مضى من العدة، كما لو طلقها بائنة.
وإن اختارت المقام معه بطل خيارها؛ لأنها حالة صح منها اختيار الفسخ، فصح اختيار المقام، كصلب النكاح.

فصل: السبب الثالث: الغرر.
فلو تزوجت المرأة رجلاً مطلقاً، أو على أنه حر فبان عبداً فلها الخيار في فسخ النكاح؛ لأنها إذا ملكت الفسخ بالحرية الطارئة، فللسابقة أولى.
ولها الفسخ من غير حاكم، كما لو عتقت تحت عبد.
ومن جعل الحرية من شروط الكفاءة، والكفاءة من شروط النكاح أبطله، لفوات شرطه.

فصل: وإن تزوج أمة على أنها حرة، أو يظنها حرة، وهو ممن لا يحل نكاح الإماء، فالنكاح فاسد، وعليه فراقها متى علم، وحكمه حكم الأنكحة الفاسدة في المهر وغيره.
وإن كان ممن تحل له الإماء، فالنكاح صحيح؛ لأن فوات صفة في المعقود عليه لا تفسد العقد، كما لو تزوجها على أنها بيضاء فبانت سوداء.
وفي الموضعين متى أصابها فولدت منه فالولد حر، حراً كان الزوج أو عبداً؛ لأنه اعتقد حريتها، وعليه فداء أولاده؛ لأن عمر وعلياً وابن عباس قضوا بذلك.
وعنه: ليس عليه فداؤهم؛ لأن الولد ينعقد حراً، فلم يضمنه لسيدها؛ لأنه لم يملكه.
وعنه: يقال للزوج افتد ولدك وإلا فهم يتبعون الأم.
والمذهب الأول.
وله فسخ نكاحها إن أحب؛ لأنه غرور بالحرية، أشبه غرور المرأة.
فإن فسخ قبل الدخول فلا مهر عليه؛ لأن الفسخ لسبب من جهتها.
وإن فارقها بعد الدخول فعليه المهر بما أصاب منها، ويرجع بما غرمه من المهر، وفداء الأولاد في الموضعين على من غره، نص عليه أحمد.
وذكره الخرقي؛ لأن الصحابة الذين ذكرناهم قضوا به.
وعن أحمد: لا يرجع بالمهر، وهو اختيار أبي بكر؛ لأنه يروى عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ ولأنه وجب في مقابلة نفع وصل إليه.
وظاهر المذهب الأول؛ لأن العاقد ضمن له سلامة الوطء، كما ضمن له سلامة الولد، فوجب أن يرجع به كقيمة الولد.

فصل: ويفدي الأولاد بقيمتهم يوم الولادة؛ لأنه يروى عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ ولأنه محكوم بحريتهم يوم وضعهم، فاعتبر فداؤهم يومئذ.
وتجب القيمة؛ لأنه ضمان وجب لفوات حرية، فأشبه ضمان حصة شريكه إذا سرى العتق إليه.
وعنه: يفديهم بعبيد مثلهم؛ لأنه يروى عن عمر أنه قضى بفداء ولده بغرة غرة، مكان كل غلام غلام، ومكان كل جارية جارية؛ ولأن الولد حر فلا يضمن بقيمته، كسائر الأحرار.
وعنه: أنه مخير بين فدائهم بمثلهم وقيمتهم؛ لأن الأمرين يرويان جميعاً عن عمر.
فإن فداهم بمثلهم وجب مثلهم في القيمة.
اختاره أبو بكر؛ لأن الحق ينجبر بذلك، ويحتمل أن ينظر إلى صفاتها تقريباً؛ لأن الآدمي ليس من ذوات الأمثال، ولا يفدى منهم إلا من ولد حياً في وقت يعيش مثله، سواء عاش أو مات بعد ذلك؛ لأن غير ذلك لا قيمة له.

فصل: وإن كان المغرور عبداً فولده أحرار؛ لأنه وطئها يعتقد حريتها فكان ولده حراً، كولد الحر.
وعليه فداؤهم؛ لأنه فوت رقهم.
وهل يتعلق فداؤهم برقبته، أو بذمته؟ على وجهين:

أحدهما: برقبته كأرش جنايته.
والثاني: بذمته، كعوض الخلع من الأمة.
ويرجع به على من غره.
فإن قلنا برقبته رجع به في الحال؛ لأنه يؤخذ من سيده في الحال.
وإن قلنا: يتعلق بذمته لم يلزمه أداؤه حتى يعتق، ولا يرجع به حتى يغرمه؛ لأنه لا يرجع بشيء لم يفت عليه، وتتعجل حريتهم في الحال.
وللعبد الخيار إذا علم، ويحتمل أن لا يثبت؛ لأنه فقد صفة لم ينقص بها عن رتبته، فأشبه ما لو شرط نسب امرأة فبان خلافه.
والأول ظاهر المذهب؛ لأنه مغرور بحرية فملك الفسخ، كالحر الذي يباح له نكاح الإماء.
وإن غرت الأمة بعبد، فتزوجته على أنه حر فلها الخيار أيضاً؛ لأنها مغرورة بحرية من ليس بحر، أشبهت المرأة الحرة، والعبد المغرور.
ويحتمل ألا يثبت لها خيار؛ لأنه يكافئها، ولا يؤثر رقه في إرقاق ولدها، فأشبه ما لو شرطته أشرف نسباً منها، فتبين أنه مثلها.

فصل: فإن غرها بنسبة وكان مخلاً بالكفاءة، فقد مضى القول فيه، وإن لم يخل بها، ففيه وجهان: أحدها: لا خيار لها؛ لأن زيادة نسبه عليها، لا يضرها فواته، فأشبه ما لو شرطته جميلاً أو فقيهاً فبان بخلافه.
والثاني: لها الخيار؛ لأنها شرطت ما يقصد، فأشبه شرط الصفة المقصودة في المبيع.

فصل: وإن شرطها بكراً، فبانت ثيباً أو نسيبة أو جميلة أو بيضاء، فبانت بخلافه ففيه وجهان: أحدهما: لا خيار له؛ لأن النكاح لا يرد فيه بعيب سوى العيوب السبعة، فلا يرد بمخالفة الشرط، كما لو شرطت ذلك في الرجل.
والثاني: له الخيار؛ لأنها صفات مقصودة فصح شرطها، كالحرية.
وإن شرطها مسلمة فبانت كافرة، أو تزوجها في دار الإسلام يظنها مسلمة، فبانت كافرة فله الخيار؛ لأنه نقص وضرر يتعدى إلى الولد، فملك الخيار به إذا شرط عدمه، كالرق.
وإن تزوجها على أنها كتابية، فبانت مسلمة فلا خيار له؛ لأنها زيادة.
وقال أبو بكر: له الخيار؛ لأنه قد يكون له غرض في إسقاط العبادات عنها، فيضره فواته.
وإن تزوجها على أنها أمة، فبانت حرة فلا خيار له؛ لأنها زيادة، وكذلك لو شرطها على صفة،

فبانت خيراً منها؛ لأنه نفع، فلم يثبت به الخيار، كما لو شرطه في المبيع.

فصل: والسبب الرابع: الإعسار بالنفقة ونحوها على ما نذكره في موضعه، ومخالفته شرطها اللازم، كاشتراطها دارها ونحوها على ما مضى، والله أعلم.

باب نكاح الكفار

أنكحتهم صحيحة إذا اعتقدوا إباحتها في شرعهم، وإن خالفت أنكحة المسلمين فهي صحيحة، إلا أن يتزوج محرمة عليه؛ لأنه أسلم خلق كثير في عصر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأقرهم في أنكحتهم، ولم يكشف عن كيفيتها.
ولا يتعرض لهم ما لم يترافعوا إلينا؛ لأننا صالحناهم على إقرارهم على دينهم.
وعن أحمد في مجوسي تزوج نصرانية: أو ملك نصرانية يحول بينهما الإمام، فيخرج من هذا أنه يفرق بينهم، وبين ذوات المحارم؛ لأن عمر كتب: أن فرقوا بين كل ذي رحم محرم من المجوس.
وإن ملك نصراني مجوسية لم يحل بينهما؛ لأنه أعلى منها.
وقال أبو بكر: يمنع من وطئها أيضاً، كما يمنع المجوسي من النصرانية، فأما إن أسلموا وترافعوا إلينا لم ينظر في كيفية عقدهم، ونظرنا في الحال، فإن كانت المرأة ممن يجوز عقد نكاحها في الحال أقررناهما.
وإن كانت ممن يحرم نكاحها في الحال، كذات محرمة، والمعتدة، والمطلقة ثلاثاً، فرقنا بينهما.
وإن تزوجها بشرط الخيار مدة، أو في عدتها، ثم أسلما في المدة أو العدة فرقنا بينهما كذلك.
وإن أسلما بعد انقضائهما أقررناهما عليه.
وإن قهر حربي حربية، فوطئها وطاوعته، واعتقداه نكاحاً أقررناهما عليه وإلا فلا.
وإن أسلما وبينهما نكاح متعة، أو نكاح شرط فيه الخيار متى شاء لم يقرا عليه؛ لأنهما لا يعتقدان لزومه ولا تأبيده.
وإن اعتقدا فساد الشرط وحده أقرا عليه.

فصل: وإذا اسلم الزوجان معاً فهما على نكاحهما، سواء أسلما قبل الدخول أو بعده؛ لأن ذلك إجماع، ولأنه لم يوجد بينهما اختلاف دين يقتضي الفرقة.
وإن سبق أحدهما صاحبه وكان المسلم زوج كتابية، فالنكاح بحاله؛ لأنه يحل له ابتداء نكاحها.
وإن أسلمت المرأة قبله، أو أسلم أحد الزوجين الوثنيين، أو المجوسيين قبل الدخول، بانت منه امرأته، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: 10] . وقوله: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: 10] .

وتقع الفرقة بسبق أحدهما الآخر بلفظه؛ لأنه يحصل بذلك اختلاف الدين المحرم، ويحتمل أن يقف على المجلس كالقبض؛ لأن حكم المجلس حكم حالة العقد، ولأنه يبعد اتفاقهما على النطق بكلمة الإسلام دفعة واحدة.
فإن كان إسلام أحدهما بعد الدخول ففيه روايتان: إحداهما: تتعجل الفرقة، لما ذكرنا.
والثانية: تقف على انقضاء العدة.
فإن أسلم الآخر فيها فهما على نكاحهما، وإن لم يسلم حتى انقضت تبينا أن الفرقة وقعت حين أسلم الأول، بحيث لو كان وطئها في عدتها ولم يسلم أدب، ولها عليه مهر مثلها، لما روى ابن شبرمة قال: كان الناس على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يسلم الرجل قبل المرأة والمرأة قبله، فأيهما أسلم قبل انقضاء عدة المرأة فهي امرأته.
وإن أسلم بعد العدة فلا نكاح بينهما.
ولم يعلم أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فرق بين زوجين أسلما، مع أن جماعة منهم أسلموا قبل أزواجهم، منهم أبو سفيان، وجماعة أسلم أزواجهن قبلهم، منهم صفوان بن أمية وعكرمة وأبو العاص بن الربيع.
والفرقة الواقعة بينهما فسخ؛ لأنها فرقة عريت عن الطلاق، فكانت فسخاً كسائر الفسوخ.

فصل: وإن أسلم الحر وتحته أكثر من أربع فأسلمن معه، أو كن كتابيات، أمر أن يختار منهن أربعاً ويخلي سائرهن، سواء تزوجهن في عقد، أو عقود متفرقة، وسواء اختار أول من عقد عليها أو آخرهن، لما روى «قيس بن الحارث قال: أسلمت وتحتي ثمان نسوة، فأتيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقلت له ذلك.
فقال: اختر منهن أربعا» رواه أبو داود.
فإن أبى أجبر بالحبس والتعزير؛ لأنه حق عليه يمكنه إيفاؤه فأجبر عليه، كالدين.
ولا يملك الحاكم الاختيار عنه؛ لأنه حق لغير معين.
فإن جن خلي حتى يفيق، ثم يخير

لأنه عجز عن الاختيار، فأشبه العاجز عن الدين بالإعسار، وعليه نفقة الجميع إلى أن يختار؛ لأنهن محبوسات عليه بحكم النكاح.
فإن مات قبل الاختيار لم يقم وارثه مقامه، لما ذكرنا.
ولزم جميعهن العدة؛ لأن كل واحدة يجوز أن تكون زوجة.
وعدة الحامل وضع حملها.
وعدة ذوات الأشهر أربعة أشهر وعشراً.
وعدة ذوات الأقراء أطول الأجلين من ثلاثة قروء وعدة الوفاء، ليسقط الفرض بيقين، والميراث لأربع منهن بالقرعة، إلا أن يصطلحن عليه فيكون بينهن على ذلك.

فصل: والاختيار أن يقول: قد اخترت هؤلاء، أو نكاح هؤلاء، أو أمسكتهن، أو نحو هذا.
وإن قال: اخترت فسخ نكاح هؤلاء، كان اختياراً لغيرهن.
وإن طلق واحدة، كان اختياراً لها؛ لأن الطلاق لا يكون إلا لزوجة.
وإن قال: فارقت هذه ففيه وجهان: أحدهما: يكون اختياراً لنكاحها؛ لأن الفراق طلاق.
والثاني: يكون فسخاً لنكاحها واختياراً لغيرها، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أمسك منهن أربعاً وفارق سائرهن» وهذا يقتضي أن يكون لفظ الفراق صريحاً في ترك نكاحها.
وإن وطئ إحداهن كان اختياراً لها في قياس المذهب، كما لو وطئ الجارية المعيبة في مدة الخيار.
وإن آلى، أو ظاهر منها لم يكن اختياراً لها؛ لأنه يصح في غير زوجة، ويحتمل أنه اختيار لها؛ لأنه لا يؤثر إلا في زوجة.
فإن طلق الجميع أقرع بينهن، فإذا وقعت القرعة على أربع منهن فهن المختارات، فيقع طلاقه بهن، وينفسخ طلاق البواقي، وله نكاح من شاء منهن بعد انقضاء عدة المطلقات.
وإن أسلم قبلهن وقال: كلما أسلمت واحدة منهن، فقد اخترتها أو فقد فسخت نكاحها لم يصح؛ لأن الاختيار والفسخ لا يصح تعليقه على شرط ولا على غير معين؛ لأنه كالعقد، ولأن الفسخ إنما يستحق فيما زاد على الأربع، وقد يجوز ألا يسلم أكثر من أربع، وإن قال: كلما أسلمت واحدة فهي طالق، ففيه وجهان: أحدهما: يصح؛ لأن الطلاق يصح تعليقه على شرط.
وكلما أسلمت واحدة طلقت، وكان اختياراً لها.
والثاني: لا يصح؛ لأنه يتضمن الاختيار الذي لا يصح تعليقه بالشرط.
وإن قال: اخترت فلانة، أو فسخت نكاحها قبل إسلامها لم يصح؛ لأنه ليس بوقت لاختيار ولا فسخ.
وإن طلقها كان موقوفاً إن أسلمت تبينا وقوع طلاقه، وإلا فلا.
وإن وطئ

واحدة، فأسلمت في عدتها تبينا أنه وطئ زوجته.
وإن لم تسلم فقد وطئ أجنبية، وإن طلق الجميع، فأسلمن في العدة، أمر باختيار أربعة منهن، فيتبين وقوع طلاقه بهن، ويعتددن من حين طلاقه، وبان سائرهن بغير طلاق.

فصل: وإن أسلم عبد وتحته أكثر من اثنتين فأسلمن معه لزمه اختيار اثنتين؛ لأنهما في حقه كالأربع في حق الحر.
فإن عتق قبل الاختيار لم يجز له الزيادة على اثنتين؛ لأنه ثبت له الاختيار وهو عبد.
وإن أسلم وعتق ثم أسلمن، أو أسلمن ثم عتق، ثم أسلم لزمه نكاح أربع؛ لأنه في وقت الاختيار ممن له نكاح أربع.

فصل: ومن أسلم وتحته أختان لزمه أن يختار إحداهما، لما روى «الضحاك بن فيروز عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله إني أسلمت وتحتي أختان.
قال: طلق أيهما شئت» رواه أبو داود؛ ولأن الجمع بينهما محرم، فأشبه الزيادة على الأربع.
وهذا القول في المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها؛ لأن جمعهما محرم.
وإن أسلم وتحته امرأة وبنتها ولم يدخل بالأم انفسخ نكاحها؛ لأنها تحرم بمجرد العقد على ابنتها، وثبت نكاح بنتها؛ لأنها لا تحرم قبل الدخول بأمها.
وإن كان قد دخل بالأم انفسخ نكاحهما، وحرمتا على التأبيد.

فصل: ولو أسلم حر وتحته إماء، فأسلمن معه، وهو ممن لا يحل له نكاح الإماء انفسخ نكاح الإماء.
وإن كان ممن يحل له نكاح الإماء اختار منهن واحدة؛ لأنه يملك ابتداء نكاحها فملك اختيارها كالحرة.
ولو أسلم وهو موسر، فلم يسلمن حتى أعسر فله الاختيار منهن؛ لأن وقت الاختيار حين اجتماعهن على الإسلام، فاعتبر حاله حينئذ.
وإن أسلم وهو معسر فلم يسلمن حتى أيسر لم يكن له الاختيار منهن كذلك.
فإن أسلمت معه واحدة فله اختيارها، وله انتظار الباقيات؛ لأن له غرضاً صحيحاً فيه، فإن اختار الأولى ثبت نكاحها، وانقطعت عصمة البواقي منذ اختلف دينهن.
وإن اختار فسخ نكاح المسلمة لم يكن له ذلك؛ لأن الفسخ إنما يكون في الفضل عمن يثبت نكاحها

ولا فضل.
فإن فسخ ولم تسلم البواقي لزمه نكاحها وبطل الفسخ.
وإن أسلمن فله اختيار واحدة.
فإن اختار التي فسخ نكاحها ففيه وجهان: أحدهما: له ذلك؛ لأن الفسخ كان قبل وقته، فوجوده كعدمه.
والثاني: ليس له ذلك؛ لأننا إنما منعنا الفسخ فيها، لكونها غير فاضلة، وبإسلام غيرها صارت فاضلة، فصح فسخ نكاحها.

فصل: وإن أسلم وتحته حرة وأمة، فأسلمتا في عدتهما ثبت نكاح الحرة، وبطل نكاح الأمة؛ لأن لا يجوز له ابتداء نكاح أمة وتحته حرة.
وإن لم تسلم الحرة في عدتها ثبت له نكاح الأمة إن كان ممن له نكاح الإماء.
وإن أسلمتا في العدة، ثم ماتت الحرة، أو عتقت الأمة لم يكن له إمساك الأمة؛ لأن نكاحها انفسخ بإسلام الحرة.
وإن عتقت الأمة قبل إسلامها فله إمساكها؛ لأن الاعتبار بحالة اجتماعهم على الإسلام، وهي حرة حينئذ.
وإن أسلمت قبله وعتقت، ثم أسلم الزوج فله إمساكها كذلك.
ولو أسلم وتحته إماء، فعتقت إحداهن، ثم أسلمن كلهن لزم نكاح الحرة، وانفسخ نكاح الإماء.
وإن أسلمت إحداهن، ثم عتقت، ثم أسلم البواقي فله الاختيار منهن؛ لأن الاعتبار بحالة الاختيار، وحالة الاختيار حالة اجتماعهما على الإسلام، وهي أمة حينئذ.

فصل: وإذا ارتد الزوجان، أو أحدهما قبل الدخول انفسخ النكاح، لاختلاف دينهما، أو كون المرأة بحال لا يحل نكاحها.
وإن كان بعده ففيه روايتان: إحداهما: تتعجل الفرقة.
والثانية: تقف على انقضاء العدة.
فإن اجتمعا على الإسلام قبل انقضائها فهما على النكاح.
وإن لم يجتمعا وقعت الفرقة من حين الردة؛ لأنه انتقال عن دين يمنع ابتداء النكاح، فكان حكمه ما ذكرنا، كإسلام أحد الزوجين.

فصل: وإن انتقل الكتابي إلى دين غير أهل الكتاب، كالمجوسية وغيرها، ففيه ثلاث روايات: إحداهن: يجبر على الإسلام، ولا يقبل منه غيره؛ لأن ما سواه باطل اعترف ببطلانه؛ لأنه لما كان على دينه اعترف ببطلان ما سواه، ثم اعترف ببطلان دينه حين انتقل عنه، فلم يبق إلا الإسلام.

والثانية: لا يقبل منه إلا الإسلام، أو الدين الذي كان عليه؛ لأننا أقررناه عليه أولاً، فنقره عليه ثانياً.
والثالثة: لا يقبل منه إلا الإسلام، أو دين أهل الكتاب؛ لأنه دين أهل كتاب فيقر عليه كغيره من أهل ذلك الدين.
وإن انتقل المجوسي إلى دين أهل الكتاب، أو انتقل كتابي إلى دين آخر من دين أهل الكتاب، ففيه ثلاث روايات: إحداهن: لا يقبل منه إلا الإسلام، لما ذكرنا.
والثانية: يقر على ما انتقل إليه.
والثالثة: لا يقبل منه إلا الإسلام، أو دينه الذي كان عليه، لما تقدم.
وإذا قلنا: لا يقبل منه إلا الإسلام ففيه روايتان: إحداهما: أنه يجبر عليه بالقتل، كالمرتد.
والثانية: أنه إن انتقل إلى المجوسية أجبر بالقتل، وإن انتقل إلى دين أهل الكتاب لم يجبر بالقتل، لكن يجبر بالضرب والحبس؛ لأنه لم يخرج عن دين أهل الكتاب، فلم يقبل كالباقي على دينه.
وكل موضع قلنا: لا يقر، فإذا انتقلت الكتابية المتزوجة للمسلم فحكمها حكم المرتدة على ما يبين في موضعه.

فصل: إذا أسلم الزوجان قبل الدخول، فقالت المرأة: أسلم أحدنا فانفسخ النكاح، وقال: بل أسلمنا معاً، ففيه وجهان: أحدهما: القول قول الزوج؛ لأن الأصل بقاء النكاح.
والثاني: القول قولها؛ لأن الظاهر معها، فإن اجتماع إسلامهما حتى لا يسبق أحدهما الآخر بعيد.
وإن اتفقا على سبق أحدهما، وقالت المرأة: أنت السابق فعليك نصف المهر.
وقال الزوج: بل أنت سبقت فلا مهر لك، فالقول قول المرأة؛ لأن الأصل بقاء المهر وعدم سقوطه.
وإن أسلما بعد الدخول فقال الزوج: أسلمت في عدتك فالنكاح باق، وقالت: بل انقضت عدتي قبل إسلامك فالقول قول الزوج؛ لأن الأصل بقاء النكاح.
وفيه وجه آخر أن القول قول المرأة؛ لأن الأصل عدم إسلام الثاني.
وإن قال: أسلمت قبلك فلا نفقة لك، فقالت: بل أسلمت قبلك فلي النفقة، ففيه وجهان: أحدهما: القول قولها؛ لأن الأصل وجوب النفقة.

والثاني: القول قوله؛ لأن النفقة إنما تجب بالتمكين من الاستمتاع، والأصل عدم وجوبه.

فصل: إذا أسلم أحد الزوجين الكافرين، ثم ارتد ولم يسلم الآخر في العدة فعدتها من حين أسلم الأول.
وإن أسلم الثاني في العدة، فابتداء العدة من حين ارتد؛ لأن الحكم اختلاف الدين بإسلام الأول زال بإسلام الثاني منهما.
ولو أسلم رجل وتحته عشر نسوة فأسلمن، ثم ارتددن، أو ارتد دونهن لم يكون له أن يختار منهن؛ لأنه لا يملك العقد عليهن في الحال.

فصل: ولو أسلم عبد وتحته أمة كافرة فأعتقت، أو أسلمت قبله ثم أعتقت فلها فسخ النكاح؛ لأنها عتقت تحت عبد، فإذا فسخت، ثم أسلم الثاني في العدة بانت بفسخ النكاح.
وإن لم يسلم الثاني تبينا أنها بانت باختلاف الدين، وعليها عدة حرة في الموضعين؛ لأنها وجبت وهي حرة، أو عتقت في أثناء عدة يمكن الزوج تلافي نكاحها فيها، فأشبهت الرجعية.
وإن أخرت الفسخ حتى أسلم الثاني منهما لم يسقط حقها؛ لأنها تركته اعتماداً على جريانها إلى البينونة، فأشبهت الرجعية.
وإن قالت: قد رضيت بالزوج، فذكر القاضي: أنه يسقط حقها؛ لأنها رضيته في حال يمكن فسخه فصح، كحالة اجتماعهما على الإسلام.

فصول الكتاب · 38 فصل · 561 صفحة
الانتقال إلى صفحة
جارٍ التحميل