كتاب الديات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- الكافي في فقه الإمام أحمد
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، 1414 هـ - 1994 م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
يقدم ولد الأبوين على ولد الأب؟ على وجهين بناء التقديم في الولاية، ومتى اتسع الأقربون لحمل العقل، لم يدخل معهم من بعدهم، وإن كثرت العاقلة في درجة، قسم الواجب بينهم بالسوية؛ لأنه حق يستحق بالتعصيب، فيستوون فيه، كالميراث.
فصل
ولا يجب على واحد من العاقلة ما يجحف به ويشق عليه، ولأنه حق لزمهم من غير جنايتهم على سبيل المواساة، فلا يجب ما يضر بهم كالزكاة؛ لأنه وجب للتخفيف عن الجاني، ولا يزال الضرر بالضرر، ويرجع إلى اجتهاد الحاكم في قدر الواجب، فيفرض على كل واحد منهم قدرًا يسهل ولا يؤذي؛ لأن التقدير لا يصار إليه إلا بتوقيف، ولا توقيف هاهنا، فوجب المصير إلى الاجتهاد، وعنه: أنه يفرض على الموسر نصف مثقال، وعلى المتوسط ربع مثقال، وهذا اختيار أبي بكر؛ لأن أقل مال وجب على الموسر على سبيل المواساة نصف مثقال في الزكاة، وأول مقدار يخرج به المال عن حد التافه ربع مثقال، فوجب على المتوسط، ولهذا قالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: كانوا لا يقطعون في الشيء التافه، وهل يتكرر هذا الواجب في الأحوال الثلاثة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يتكرر لأنه قد يتعلق بالحول على سبيل المواساة، فيتكرر بالحول كالزكاة.
والثاني: لا يتكرر؛ لأنه يفضي إلى إيجاب أكثر من أقل الزكاة، فيكون مضرًا، ويعتبر الغنى والتوسط عند حلول الحول كالزكاة.
فصل وإذا جنى العبد جناية توجب المال، تعلق أرشها برقبته؛ لأنه لا يجوز إيجابها على المولى؛ لعدم الجناية منه، وإلا إهدارها؛ لأنها جناية من آدمي، ولا تأخيرها إلى العتق؛ لإفضائه إلى إهدارها، فتعلقت برقبته، والمولى مخير بين فدائه وتسليمه على ما ذكرناه فيما تقدم، وإن قتل عبدان رجلًا عمدًا، فقتل الولي أحدهما، وعفا عن الآخر، تعلق برقبته نصف ديته؛ لأنه قتل واحدًا بنصف، وبقي له النصف.
باب القسامة
إذا وجد قتيل، فادعى وليه على إنسان قتله، لم تسمع الدعوى إلا محررة على معين؛ لأنها دعوى في حق، فاشترط لها تعيين المدعى عليه، كسائر الدعاوى، فإذا حرر الدعوى، ولم يكن بينهم لوث، فالقول قول المدعى عليه؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لو يعطى الناس بدعاويهم، لادعى قوم دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» رواه مسلم.
ولأن الأصل براءة ذمته، فكان القول قوله، كدعوى المال، وهل يستحلف؟ فيه روايتان:
إحداهما: يستحلف للخبر، ولأنه دعوى في حق آدمي، أشبهت دعوى المال.
والأخرى: لا يستحلف، ويخلى سبيله؛ لأنها دعوى فيما لا يجوز بدله، فلم يستحلف فيها، كالحدود، وإذا قلنا: يستحلف، حلف يمينًا واحدة؛ لأنها يمين يعضدها الظاهر والأصل، فلم تغلظ بالعدد، كاليمن في المال.
وإن كان بينهما لوث، فادعى أنه قتله عمدًا، حلف المدعي خمسين يمينًا، واستحق القصاص؛ لما روى سهل بن أبي حثمة، ورافع بن خديج: «أن محيصة بن مسعود، وعبد الله بن سهل انطلقا قبل خيبر، فتفرقا في النخل، فقتل عبد الله بن سهل، فاتهموا اليهود، فجاء عبد الرحمن، وابنا عمه حويصة ومحيصة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فتكلم عبد الرحمن في أمر أخيه، وهو أصغرهم، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كبر الكبر فتكلما في أمر صاحبهما، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يقسم خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع إليكم برمته فقالوا: أمر لم نشهده كيف نحلف؟ قال: فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم فقالوا: يا رسول الله، قوم كفار ضلال.
قال: فوداه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من قبله» متفق عليه.
ولأن اللوث يقوي جنبة المدعي، ويغلب على الظن صدقه، فسمعت يمينه أولًا، كالزوج في اللعان، وإذا حلف استحق القصاص؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فيدفع إليكم برمته» وفي لفظ: «تحلفون وتستحقون دم صاحبكم» ولأنها حجة يثبت بها القتل العمد، فيجب بها القود كالبينة، وليس له القسامة على أكثر من واحد؛ لقوله: «يقسم خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع إليكم برمته» ولأنها بينة ضعيفة خولف بها الأصل في قتل الواحد، فيقتصر عليه.
فصل
ويقسم الورثة دون غيرهم في إحدى الروايتين؛ لأنها يمين في دعوى، فلم تشرع في حق غير المتداعيين، كسائر الأيمان.
والثانية: يقسم من العصبة الوارث وغيرهم خمسون رجلًا؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يقسم خمسون منكم على رجل منهم» فعلى هذا يحلف أولياؤه - الأقرب منهم فالأقرب، كقولنا في تحمل العقل - كل واحد يمينًا واحدة، وعلى الرواية الأولى يفرض على ورثة المقتول على قد ميراثهم، فإن كان له ابنان، حلف كل واحد منهما خمسة وعشرين يمينًا، وإن كان فيها كسر جبر وكملت يمينًا في حق كل واحد، فإذا كانوا
ثلاثة بنين، حلف كل واحد سبعة عشر يمينًا، وإن كان له أب وابن، حلف الأب تسعة أيمان، وحلف الابن اثنين وأربعين يمينًا؛ لأن اليمين لا تتبعض، فوجب أن تكمل.
فصل
وإن نكل المدعون، حلف المدعى عليه خمسين يمينًا وبرئ؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم» ، وعن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أنهم يحلفون ويغرمون الدية؛ لأن ذلك يروى عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، والأول المذهب للخبر.
وفي لفظ منه قال: «فيحلفون خمسين يمينًا، ويبرءون من دمه» ، ولأنها أيمان مشروعة في حق المدعى عليه، فبرئ بها كسائر الأيمان، فإن لم يحلف المدعون، ولم يرضوا بيمين المدعى عليه، فداه الإمام من بيت المال؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فدى الأنصاري بمائة من الإبل، إذ لم يحلفوا ولم يرضوا بيمين اليهود، فإن تعذرت ديته، لم يكن لهم إلا يمين المدعى عليهم، كسائر الدعاوى، وإن نكل المدعى عليهم، ففيه ثلاث روايات:
إحداهن: يخلى سبيلهم؛ لأنها يمين في حق المدعى عليه، فلم يحبس عليها كسائر الأيمان، قال القاضي: ويديه الإمام من بيت المال، كالتي قبلها.
والثانية: يحبسوا حتى يحلفوا أو يقروا؛ لأنها أيمان مكررة يبدأ فيها بيمين المدعي، فيحبس المدعى عليه في نكولها كاللعان.
والثالثة: تجب الدية على المدعى عليه؛ لأنه حكم يثبت بالنكول، فثبت بالنكول هاهنا، كما لو كانت الدعوى قتل خطأ.
فصل ومن مات ممن عليه الأيمان، قام ورثته مقامه، ويقسم حصته من الأيمان بينهم، ويجبر كسرها عليهم، كورثة القتيل، فإن مات بعد حلفه البعض، بطل ما حلفه، وابتدءوا الأيمان؛ لأن الخمسين جرت مجرى يمين واحدة، ولا يجوز أن يبني الوارث على بعض يمين الموروث، وإن جن ثم أفاق، بنى على ما حلفه؛ لأن الموالاة غير مشترطة في الأيمان.
فصل وتشرع القسامة في كل قتل موجب القصاص، سواء كان المقتول مسلمًا أو كافرًا، أو حرًا أو عبدًا؛ لأنه قتل موجب للقصاص، أشبه قتل المسلم الحر، وظاهر كلام الخرقي: أنها لا تشرع في قتل غير موجب للقود كالخطأ، وشبه العمد، وقتل المسلم الكافر، والحر العبد، والوالد الولد؛ لأن الخبر يدل على وجوب القود بها، فلا
تشرع في غيره، ولأنها مشروطة باللوث، ولا تأثير له في الخطأ، فعلى هذا يكون حكمه حكم الدعوى مع عدم اللوث سواء.
وقال غيره: تجري القسامة في كل قتل؛ لأنها حجة تثبت العمد الموجب للقصاص، فيثبت بها غيرها كالبينة، فعلى قولهم تسمع الدعوى على جماعة إذا كان القتل غير موجب للقصاص، وإذا ردت الأيمان عليهم، حلف كل واحد منهم خمسين يمينًا، وقال بعض أصحابنا: تقسم الأيمان عليهم بالحصص؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فتبرئكم يهود بخمسين يمينًا» لم يزد عليها.
والأول: أقيس؛ لأنه لا يبرئ المدعى عليه حال الاشتراك إلا ما يبرئه حال الانفراد كسائر الدعاوى، وإن كانت الدعوى على جماعة في حق بعضهم لوث، حلف المدعون على صاحب اللوث، وأخذوا حصته من الدية، وحلف المدعى عليه يمينًا واحدة وبرئ.
ولا تشرع القسامة فيما دون النفس من الجروح والأطراف؛ لأنها تثبت في النفس لحرمتها، فاختصت بها كالكفارة.
فصل
ويشترط للقسامة اتفاق المستحقين على الدعوى، فإن ادعى بعضهم القتل، فكذبه البعض، لم يجب قسامة؛ لأن المكذب منكر لحق نفسه، فقبل كالإقرار.
وإن قال بعضهم: قتله هذا، وقال بعضهم: قتله هو وآخر، فعلى قول الخرقي: لا قسامة، وعلى قول غيره: يقسمان على المتفق عليه، ويأخذان نصف الدية، ويحلف الآخر ويبرأ، وإن قال أحدهما: قتله زيد، وآخر لا أعرفه، وقال الآخر: قتله عمرو، وآخر لا أعرفه، فقال أبو بكر: ليس هاهنا تكذيب؛ لأنه يمكن أن يكون المجهول في حق أحدهما هو الذي عرفه أخوه، ويحلف كل واحد منهما على الذي عينه خمسين يمينًا، وله ربع الدية، فإن عاد كل واحد منهما، فقال: الذي جهلته، هو الذي عينه أخي، حلف خمسًا وعشرين يمينًا، واستحق عليه ربع الدية، وإن قال: الذي جهلته قد عرفته هو غير الذي عينه أخي، بطلت القسامة وعليه رد ما أخذ؛ لأن التكذيب يقدح في اللوث، وإن رجع الولي عن الدعوى بعد القسامة بطلت، ولزمه رد ما أخذ؛ لأنه يقر على نفسه، فقبل إقراره، وعليه رد ما أخذه.
فصل وإن كان في ورثة القتيل صبي، أو غائب، وكانت الدعوى عمدًا لم تثبت القسامة حتى يبلغ الصبي، ويقدم الغائب؛ لأن حلف أحدهما غير مفيد، وإن كانت موجبة للمال كالخطأ ونحوه، فللحاضر المكلف أن يحلف ويستحق حصته من الدية، وفي قدر أيمانه وجهان: أحدهما: يحلف خمسين يمينًا، هذا قول أبي بكر: لأننا لا نحكم بوجوب الدية
إلا بالأيمان الكاملة، ولأن الخمسين في القسامة، كاليمين الواحدة في غيرها.
والآخر: يحلف خمسًا وعشرين يمينًا، هذا قول ابن حامد؛ لأنه لو كان أخوه كبيرًا حاضرًا، لم يحلف إلا خمسًا وعشرين، فكذلك إذا كان صغيرًا أو غائبًا، ولأنه لا يستحق أكثر من نصف الدية، فلا يلزمه أكثر من نصف الأيمان، فإذا قدم الغائب، وبلغ الصغير، حلف نصف الأيمان وجهًا واحدًا؛ لأنه يبني على يمين غيره، ويستحق قسطه من الدية، فإن كانوا ثلاثة، فعلى قول ابن حامد: يحلف كل واحد سبعة عشر يمينًا، وعلى قول أبي بكر: يحلف الأول خمسين.
وإذا قدم الثاني حلف خمسًا وعشرين، فإذا قدم الثالث حلف سبعة عشر يمينًا.
فصل قال أصحابنا: ولا مدخل للنساء في القسامة؛ لأنه لا مدخل لهن في العقل، فإذا كان في الورثة رجال ونساء، أقسم الرجال دون النساء، فإن كانت المرأة مدعى عليها، فينبغي أن تقسم؛ لأن اليمين لا تشرع في حق غير المدعى عليه، ولو كان جميع ورثة القتيل نساء، احتمل أن يقسم المدعى عليهم؛ لتعذر الأيمان من المدعين، واحتمل أن يقسم من عصبات القتيل خمسون رجلًا، ويثبت الحق للنساء إذا قلنا: إن القسامة تشرع في حق غير الوارث، فإن لم يوجد من عصبته خمسون، قسمت على من وجد منهم.
فصل
واللوث المشترط في القسامة: هو العداوة الظاهرة بين القتيل والمدعى عليه، كنحو ما بين الأنصار ويهود خيبر، وما بين القبائل المتحاربين، وما بين أهل البغي والعدل، وما بين الشرطة واللصوص؛ لأن اللوث إنما ثبت بحكم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الأنصاري المقتول بخيبر عقيب قول الأنصار: عدي على صاحبنا فقتل، وليس لنا بخيبر عدو إلا يهود، فقضى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لهم باليمين، فوجب أن يعلل بذلك، ويعدى إلى مثله، ولا يلحق به ما يخالفه.
وعنه: أن اللوث ما يغلب على الظن صدق المدعي في أن المدعى عليه قتله؛ إما العداوة المذكورة، أو تفرق جماعة عن قتيل، أو وجود قتيل عقيب ازدحامهم، أو في مكان عنده في رجل معه سيف أو حديدة ملطخة بدم، أو يقتتل طائفتان، فيوجد في إحداهما قتيل، أو يشهد بالقتل من لا تقبل شهادته من: النساء، والصبيان، والعبيد، والفساق، أو عدل واحد؛ لأن العداوة إنما كانت لوثًا، لتأثيرها في غلبة الظن بصدق المدعي، فنقيس عليها ما شاركها في ذلك، فأما قول القتيل: دمي عند فلان، فليس بلوث؛ لأن قوله غير مقبول على خصمه، ولو شهد عدلان أن أحد هذين هو القاتل، لم يكن لوثًا؛ لأنهم لم يعينوا واحدًا، ومن شرط القسامة التعيين.
فصل
ولا يشترط في اللوث أن يكون بالقتيل أثر؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يسأل الأنصار عن هذا، ولو اشترط، لاستفصل - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وسأل عنه، ولأنه قد يقتل بما لا يظهر أثره، كغم الوجه، وعصر الخصيتين.
وقال أبو بكر: يشترط ذلك، وقد أومأ إليه أحمد؛ لأن الغالب أن القتل لا يحصل إلا بما يؤثر، فإذا لم يكن به أثر، فالظاهر أنه مات بغير قتل.
فصل
وإذا ادعى رجل على رجل قتل وليه وبينهما لوث، فجاء آخر فقال: أنا قتلته، ولم يقتله هذا، لم تسقط القسامة بإقراره؛ لأنه قول أجنبي، ولا يثبت القتل على المقر؛ لأن الولي لم يدعه، وعن أحمد: أن الدعوى تبطل على الأول؛ لأنها عن ظن، وقد بان خلافه.
وله الدية على الثاني؛ لأنه مقر على نفسه بها ولا قصاص عليه، ولأن دعوى الولي على الأول شبهة في تبرئة الثاني، فيمتنع القصاص، ويحتمل أن لا يملك مطالبته بالدية كذلك، وإن كان قد أخذ الدية من الأول، ردها عليه، والله سبحانه وتعالى أعلم.
باب اختلاف الجاني والمجني عليه
إذا قتل رجلًا، وادعى أنه قتله وهو عبد، فأنكر وليه، فالقول قول الولي مع يمنيه؛ لأن الأصل الحرية، والظاهر في الدار الحرية، ولهذا يحكم بإسلام لقيطها وحريته، وإن ادعى أنه كان قد ارتد، فأنكر الولي؛ فالقول قوله كذلك.
وإن قد ملفوفًا في كساء، وادعى أنه كان ميتًا، فالقول قول الولي؛ لأن الأصل حياته، وكونه مضمونًا، فأشبه ما ذكرنا، وإن جنى على عضو، وادعى أنه كان أشل بعد اتفاقهما على أنه كان سليمًا، فالقول قول المجني عليه، وإن لم يتفقا على ذلك.
فإن كان من الأعضاء الباطنة، فالقول قول المجني عليه؛ لأن الأصل السلامة، وإن كان من الأعضاء الظاهرة، ففيه وجهان:
أحدهما: القول قول الولي؛ لأن الأصل السلامة.
والثاني: القول قول الجاني؛ لأن العضو يظهر ويعرف حاله، فلو كان سليمًا، لم تتعذر إقامة البينة عليه، وهذا اختيار القاضي.
فصل وإذا زاد المقتص على حقه، وادعى أنه أخطأ، وقال الجاني: تعمد، فالقول قول المقتص مع يمينه؛ لأنه أعلم بقصده، إلا أن يكون مما لا يجوز الخطأ في مثله، فلا يقبل قوله فيه لعدم الاحتمال، وإن قال: هذه الزيادة حصلت باضطرابه، فأنكر الجاني،
فالقول قوله؛ لأن الأصل عدم الاضطراب، وفيه وجه آخر: أن القول قول المقتص؛ لأن الأصل براءة ذمته.
فصل وإذا جرح ثلاثة رجلًا فمات، فادعى أحدهم أن جرحه برأ، وأنكره الآخران، فصدق الولي المدعي في موضع يريد القصاص، قبل تصديقه، وليس على المدعي إلا ضمان الجرح؛ لأنه لا ضرر على الآخرين في تصديقه؛ لأن القصاص يلزمهما في الحالين، وإن أراد أخذ الدية، لم يقبل تصديقه في حقهما؛ لأن عليهما ضررًا، فإنه إذا حصل القتل من ثلاثة، وجب على كل واحد ثلث الدية، وإذا برأ جرح أحدهم، كان القتل من اثنين، فلزم كل واحد نصفها، ويقبل تصديقه في حق نفسه، ويسقط عن المدعي ثلث الدية، ويلزمه أرش الجرح، ويجب على الآخرين ثلثا الدية.
فصل وإن أوضحه موضحتين بينهما حاجز، فأزيل الحاجز، فقال الجاني: تأكل بالسراية، فلا يلزمني إلا دية موضحة، وقال المجني عليه: أنا أزلته، فالقول قول المجني عليه؛ لأن الأصل بقاء أرش موضحتين، وإن قال الجاني: ما أوضحتك إلا واحدة، وقال المجني عليه: بل أوضحتني اثنتين، فخرقت ما بينهما، فصارا واحدة، فالقول قول الجاني؛ لأن الأصل براءة ذمته من أرش أخرى، وإن قطع أصابع امرأة، فقال: قطعت من أصابعك أربعًا، فقالت: إنما قطعت ثلاثًا، والرابعة قطعها غيرك، فالقول قولها؛ لأن الأصل وجوب دية ثلاث.
فصل
وإن قطع أنف رجل وأذنيه فمات، فقال الجاني: مات من الجناية، فلا يلزمني إلا دية نفسه، وقال وليه: بل اندملت الجنايتان، فالقول قول وليه؛ لأن الأصل وجوب ديتين، فلا يسقط بالاحتمال، وإن قطع ذلك، ثم ضرب عنقه في مدة لا يحتمل البرء فيها، فليس عليه إلا دية واحدة، وإن كان بينهما مدة تحتمل البرء فادعاه الولي، فالقول قوله وعلى الجاني ثلاث ديات لما ذكرنا.
وإن ضرب عنقه أجنبي آخر، فعلى الأول ديتان، وعلى الثاني: دية، وإن كان قبل الاندمال؛ لأن جناية الثاني قطعت سراية الأول، فإن قال القاطع: أنا قتلته، وقال الولي: بل قتله غيرك، فالقول قول الولي: لما ذكرنا.
فصل
وإن جنى على عين، فأذهب ضوءها، ثم مات المجني عليه، فقال الجاني: عاد بصره قبل موته، وأنكر الولي، فالقول قوله؛ لأن الأصل معه.
وإن قلع العين آخر،
وادعى أنه قلعها قبل عود بصرها، فأنكر الولي والجاني الأول، فالقول قول الثاني؛ لأن الأصل معه، فإن صدق الولي والمجني عليه الأول، قبل قوله في إبرائه؛ لأنه يسقط حقه، ولم يقبل على الثاني؛ لأنه يوجب عليه حقًا الأصل عدمه.
فصل
وإذا ادعى المجني عليه ذهاب سمعه بالجناية، فأنكر الجاني، امتحن في أوقات غفلاته بالصياح مرة بعد أخرى، فإن ظهر منه انزعاج، أو إجابة، أو أمارة للسماع، فالقول قول الجاني؛ لأن الظاهر معه ويحلف؛ لئلا يكون ما ظهر من أمارة السماع اتفاقًا، وإن لم يظهر منه أمارة السماع، فالقول قول المجني عليه؛ لأن الظاهر معه ويحلف، لئلا يكون ذلك لجودة تحفظه، وإن ادعى ذهاب شمه، امتحن في أوقات غفلاته بالرائحة الطيبة والمنتنة، فإن ظهر منه تعبيس من المنتنة، وارتياح للطيبة، فالقول قول الجاني مع يمينه، وإلا فالقول قول المجني عليه مع يمينه.
وإن ادعى ذهاب سمع إحدى أذنيه، أو الشم من أحد منخريه، سد الصحيح، وامتحن بما ذكرنا.
وإن ادعى نقص سمعه، أو شمه، فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه يدعي محتملًا لا يعرف إلا من جهته، ولا سبيل إلى إقامة البينة عليه، فيقبل قوله مع يمينه، كقول المرأة في حيضها، ومتى حكم له بالدية ثم انزعج عند صوت، أو غطى أنفه عند رائحة منتنة، فطولب بالدية فادعى أنه فعل ذلك اتفاقًا، فالقول قوله؛ لأنه يحتمل ما قاله، فلا ينقض الحكم بالاحتمال، وإن تكرر منه ذلك، بحيث تعلم صحة سمعه وشمه، رد ما أخذ؛ لأننا تبينا كذبه، ولو كسر صلبه، فادعى ذهاب جماعه، فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه محتمل لا يعرف إلا من جهته.
فصل
وإن ضرب بطن امرأة، فألقت جنينًا، وقالت: هو من ضربك فأنكرها، وكان الإسقاط عقيب الضرب، أو بقيت متألمة إلى أن أسقطت، فالقول قولها؛ لأن الظاهر معها، وإن بقيت مدة غير متألمة، فالقول قوله؛ لأنه يحتمل ما قاله، احتمالًا ظاهرًا، والأصل براءة ذمته.
وإن اختلفا في التألم، فالقول قول الجاني؛ لأن الأصل عدم التألم، وهو مما يظهر، ويمكن إقامة البينة عليه، وإن أسقطت الجنين حيًا ثم مات، فقالت المرأة: مات من ضربك فأنكرها، وكان موته عقب الإسقاط، أو بقي متألمًا إلى أن مات، فالقول قولها؛ لأن الظاهر معها، وإن بقي مدة صحيحًا ثم مات، فالقول قول الجاني، وإن اختلفا في تألمه، فالقول قوله لما ذكرنا، وإن قالت المرأة: استهل ثم مات، فأنكرها، فالقول قوله؛ لأن الأصل عدمه، وإن اتفقا على استهلاله، وقالت: كان ذكرًا، وقال: بل أنثى، فالقول قوله؛ لأن الأصل براءة ذمته من الزائد على دية أنثى.
وإن صدق الجاني المرأة في حياته، وكونه ذكرًا، وأنكرت العاقلة، وجبت الدية في مال الجاني؛ لأن العاقلة لا تحمل اعترافًا، وإن مات الجنين مع أمه، واعترف الجاني، أنه سقط حيًا، ثم مات، وأنكرت العاقلة، فعلى العاقلة غرة؛ لأنها لم تعترف بأكثر منها وما زاد على الجاني؛ لأن قوله مقبول على نفسه دون العاقلة.
فصل وإن اصطدمت سفينتان، فتلفت إحداهما، فادعى صاحبها أن القيم فرط في ضبطها فأنكر، فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل عدم التفريط، ومتى اختلفا في وجود جناية غير ما يوجب القسامة، كالجناية على الأطراف وغيرها، فالقول قول الجاني؛ لأن الأصل براءة ذمته، وعدم الجناية.
فصل وإذا سلم دية العمد ثم اختلفا، فقال الولي: لم يكن فيها خلفات، وقال الجاني: كانت فيها، ولم تكن، رجع فيه إلى أهل الخبرة، فالقول قول الولي؛ لأن الأصل عدم الحمل، وإن رجع في الدفع إليهم، فالقول قول الدافع؛ لأننا حكمنا بأنها خلفات بقولهم، فلا ينقض ما حكمنا به إلا بدليل.
باب كفارة القتل
تجب الكفارة، على كل من قتل نفسًا محرمة مضمونة خطأ، بمباشرة أو تسبب، كحفر البئر، وشهادة الزور؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] ، وتجب على من قتل في بلاد الروم مسلمًا يعتقده كافرًا؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] ، وكذلك يلزم من رمى صف الكفار فقتل مسلمًا، قياسًا عليه، ومن ضرب بطن امرأة، فألقت جنينًا حيًا أو ميتًا، فعليه كفارة؛ لأنه آدمي محقون الدم لحرمته، فوجبت فيه الكفارة كغيره، وإن قتله وأمه، فعليه كفارتان؛ لأنه قتل نفسين، وإن قتل نفسه أو عبده خطأ، فعليه كفارة؛ لأنها تجب لحق الله تعالى، وقتل نفسه وعبده كقتل غيرهما في التحريم، لحق الله تعالى، وإن اشترك جماعة في قتل واحد، فعلى كل واحد منهم كفارة؛ لأنها كفارة لا تجب على سبيل البدل، اشتركوا في سببها فلزم كل واحد
كفارة، كالطيب في الإحرام، وعنه: على الجميع كفارة؛ لأنها تجب بالقتل، فإذا كان واحدًا، وجبت كفارة واحدة، كقتل الصيد.
فصل
ولا تجب الكفارة بالعمد المحض، سواء أوجب القصاص أو لم يوجبه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] فتخصيصه بها يدل على نفيها في غيره، ولأنها لو وجبت في العمد، لمحت عقوبته في الآخرة؛ لأنها شرعت لستر الذنب، وعقوبة القاتل عمدًا ثابتة بالنص لا تمحى بها، فوجب ألا تجب الكفارة فيه، وعنه: أنها تجب؛ لأنها إذا وجبت في الخطأ مع قلة إثمه، ففي العمد أولى.
وأما شبه العمد، فتجب فيه الكفارة؛ لأنه أجري مجرى الخطأ في نفي عقوبته، وتحمل العاقلة ديته وتأجيلها، فكذلك في الكفارة، ولأنه لو لم تجب الكفارة، لم يلزم القاتل شيء؛ لأن الدية تحملها العاقلة، وتجب الكفارة في مال الصبي والمجنون إذا قتلا وإن تعمدا؛ لأن عمدهما أجري مجرى الخطأ في أحكامه، وهذا من أحكامه، وتجب على النائم إذا انقلب على شخص فقتله، وعلى من قتلت بهيمته بيدها، أو فمها إذا كان قائدها، أو راكبها، أو سائقها؛ لأن حكم القتل لزمه، فكذلك كفارته.
فصل ولا يجب بالجناية على الأطراف كفارة، ولا بقتل غير الآدمي؛ لأن وجوبها من الشرع، وإنما أوجبها في النفس، وقياس غيرها عليها ممتنع؛ لأنها أعظم حرمة، ولذلك اختصت بالقسامة، ولا تجب بقتل مباح، كقتل الزاني المحصن، والقصاص، وقتل أهل البغي، والصائل، ومن ضرب الحد فمات فيه أو في التعزير، أو قطع بالسرقة، أو القصاص، فسرى إلى نفسه، ونحو ذلك؛ لأن الكفارة شرعت للتكفير والمحو، وهذا لا شيء فيه يمحى.
فصل والكفارة تحرير رقبة مؤمنة، فمن لم يجد، فصيام شهرين متتابعين للآية، فإن لم يستطع؛ ففيه روايتان: إحداهما: يلزمه إطعام ستين مسكينًا؛ لأنها كفارة فيها العتق وصيام شهرين، فوجب فيها إطعام ستين مسكينًا إذا عجز عنهما، ككفارة الظهار، والجماع في رمضان.
والأخرى: لا يجب فيها الإطعام؛ لأن الله تعالى لم يذكره، وصفة الرقبة والصيام والإطعام، كصفة الواجب في كفارة الظهار على ما ذكر فيه، ومن عجز عن الكفارة، بقيت في ذمته؛ لأنها كفارة تجب بالقتل، فلا تسقط بالعجز، ككفارة قتل الصيد الحرمي.