كتاب الأقضية
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- الكافي في فقه الإمام أحمد
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، 1414 هـ - 1994 م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أحدهما بأخوة الآخر، فهي كما قال القاضي، سواء ذكرا أباً واحداً أو أبوين، وإن خلف ابناً مسلماً، أو أخاً كافراً، فاختلف في دينه عند موته، فالحكم على ما ذكرناه، وإن خلف أبوين وابنين، فادعى الأبوان، أنه مات على دينهما، وادعى الابنان، أنه مات على دينهما، فذلك بمنزلة معرفة أصل دينه؛ لأن الولد قبل بلوغه محكوم له بدين أبويه، فيكون القول قولهما ما لم تقم بينة بخلافه.
فصل وإن خلف ابنين، كان أحدهما عبداً، فادعى أنه عتق قبل موت أبيه، وأنكره أخوه، فالقول قول المنكر؛ لأن الأصل عدم العتق، فإن اتفقا على أنه عتق في رمضان، واختلفا في وقت موت الأب، فقال الحر: مات في شعبان، وقال الآخر: مات في شوال، فالقول قول المعتق؛ لأن الأصل بقاء الحياة، وكذلك إن مات مسلم، وله ولدان مسلم وكافر، فأسلم الكافر، واختلفا في وقت إسلامه.
فصل وإذا مات رجل، فادعى إنسان أنه وارثه، لم تسمع الدعوى حتى يبين سبب الإرث، لجواز أن يعتقد أنه وارث بسبب لا يرث به، ولا يقبل إلا ببينة تشهد أنه وارثه، لا نعلم له وارثاً سواه، ويبين السبب، كما يبين المدعى، فيدفع إليه ميراثه؛ لأن الظاهر عدم وارث، فإن لم يقولا: لا وارث له سواه، وكان للمشهود له فرض، لا يمكن إسقاطه، أعطي اليقين كالزوج يعطى ربعاً عائلاً، والزوجة تعطى ربع تسع، وكل واحد من الأبوين يعطى سدساً عائلاً، ولا يعطى من سوى هؤلاء شيئاً؛ لأنه يحتمل أن يكون محجوباً، أو لا يعلم ماله بيقين كالولد، فإن قالا: نشهد أن هذا ولد فلان، ولا نعلم له ولداً سواه، قبلت شهادتهما، ويدفع إليه ربع وسدس، إن كان ذكراً؛ لأنه أقل ما يرث، مع زوج وأبوين، والخمسان إن كان أنثى؛ لأنه أقل ما يرث مع زوج وأبوين وبنت ابن، فإن كان الميت رجلاً، فأقل ما يرث الابن نصف وثلث ثمن، والبنت النصف عائلاً، ويبعث الحاكم إلى البلدان التي دخلها الميت، فيسأل عن أحواله، ويستكشف، فإن لم يظهر له وارث، توقف مدة بحيث لو كان له وارث، ظهر، فإن لم يظهر له غيره، دفع إليه كمال ميراثه؛ لأن البحث مع هذه الشهادة، كشهادة أهل الخبرة، أنهم لا يعلمون وارثاً سواه.
فصل ولو مات رجل، وخلف ابناً وزوجة وداراً، فادعت الزوجة أنه أصدقها إياها، وأنكر الابن، فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الصداق، فإن أقامت بينة بدعواها
وأقام الابن بينة، أن أباه تركها ميراثاً، قدمت بينة الزوجة؛ لأنها تشهد بأمر حادث على الملك خفي على بينة الإرث، وكذلك إن ادعت هي أو غيرها شراءها، أو اتهابها، فالحكم كذلك لما ذكرنا.
فصل
وإذا تنازع الزوجان في متاع البيت حال الزوجية، أو بعد الفرقة، أو تنازع ورثتهما بعد موتهما، أو أحدهما وورثة الآخر، ولا بينة لهما، حكم بما يصلح للرجال من ثيابهم، وعمائمهم، وسلاحهم، ونحو ذلك للرجل، وما يصلح للنساء من ثيابهن، ومقانعهن، وحليهن، ومغازلهن، ونحو ذلك للمرأة، وما يصلح لهما من الفرش، والحصر، والآنية، ونحو ذلك، فهو بينهما؛ لأن الظاهر أن من يصلح له شيء، فهو له، فرجح قوله فيه، كصاحب اليد.
قال القاضي: هذا إذا كانت أيديهما عليه من طريق الحكم، بأن يكون في منزلهما، فإن كان في يد أحدهما المشاهدة، فهو له، وإن كان في أيديهما، فهو بينهما؛ لأن اليد المشاهدة أقوى، فرجح بها.
فصل وإن اختلف صانعان في دكان في الآلات التي فيه، حكم بآلة كل صناعة لصاحبها؛ لأن الظاهر معه، وإن تنازعا في شيء خارج من الدكان، لم يرجح دعوى أحدهما، بصلاحية المدعى له؛ لأنه إنما يصلح للترجيح مع اليد الحكمية، ولا يكفي مع انفراده، كما لو اختلف الزوجان في متاع خارج من البيت.
فصل
وإن تنازع رب الدار، والمكتري في شيء في الدار المكتراة، وكان مما يتبع الدار في البيع، كالسلم المسمر، والرف المسمر، والخابية المنصوبة، والمفاتيح، فهو لرب الدار؛ لأنه من توابعها، فأشبه الشجرة المغروسة فيها، فإن كان مما لا يتبعها، كالفرش، والأواني، فهو للمكتري؛ لأن يده عليه، والعادة أن الإنسان يؤجر داره فارغة، وإن تنازعا في رفوف موضوعة على أوتاد فعن أحمد: أنه لرب الدار؛ لأن الظاهر أنه يترك الرفوف فيها، فأشبه المتصلة، وقال القاضي: يتحالفان ويكون بينهما؛ لأن هذا الظاهر معارض بكون الرفوف لا تتبع الدار في البيع، فاستويا.
وقال أبو الخطاب: إن كان لها شكل منصوب في الدار فهو لصاحبها؛ لأن أحدهما له، فكان الآخر له، وإن لم يكن لها شكل منصوب، فهو للمكتري؛ لأن يده عليه، وهو مما لا يتبع الدار، فأشبه الفرس.
وإن اختلفا في مصرع باب مقلوع، فالحكم فيه، كالحكم في الرف، إلا أن القاضي قال: إن كان له شكل في الدار، فالقول قول رب الدار، وإلا فالقول قول المكتري.
فصل وإن اختلف رب الدار والخياط الذي فيها، في الإبرة والمقص، فهما للخياط؛ لأن تصرفه فيهما أظهر، وإن اختلفا في الثوب، فهو لصاحب الدار؛ لأن الظاهر أنه لا يحمل قميصه يخيطه في دار غيره، وإن اختلف النجار ورب الدار، فالقول قول النجار في القدوم والمنشار، والقول قول رب الدار في الرفوف والخشب، لما ذكرناه، وإن تنازع رجلان دابة، أحدهما راكبها، أو له حمل عليها، والآخر آخذ بزمامها، فهي لراكبها؛ لأن تصرفه فيها أقوى، ويده آكد، فإن كان لأحدهما عليها حمل، والآخر راكبها، فهي للراكب؛ لأن يده عليها وعلى الحمل، وإن اختلف صاحب الدابة وراكبها في حملها، فهو لراكبها؛ لأن يده على الدابة، فتكون يده على حملها، وإن تنازعا في رحل الدابة وسرجها، فهو لصاحبها؛ لأنه تابع للدابة، والعادة جارية بأن ذلك يكون لصاحبها.
فصل
وإن تنازعا حائطاً معقوداً ببناء أحدهما عقداً، لا يمكن إحداثه، فالقول قوله فيه؛ لأن الظاهر أنه بناه مع ملكه، وإن كان له عليه أزج فهو له؛ لأن الظاهر أنه لا يضع أزجه إلا على ملكه، ولا يرجح أحدهما بوضع خشبه عليه؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر أن لا يمنع المرء جاره من وضع خشبه على حائطه، وإن كان معقوداً ببناء كل واحد منهما، أو محلولاً منهما، أو لكل واحد منهما عليه أزج، أو لا أزج لواحد منهما تحالفا، وكان بينهما؛ لأنهما استويا فيه مع ثبوت يديهما عليه، فأشبه ما لو تنازعا داراً في يديهما.
وإن تنازع صاحب العلو والسفل السقف الذي بينهما، فهو بينهما؛ لأنه حاجز توسط بين ملكيهما، أشبه الحائط بين الملكين، وإن تنازعا درجة تحتها مسكن، فهي بينهما؛ لأنهما تساويا في الانتفاع بها، وإن لم يكن تحتها مسكن، أو تنازعا سلماً منصوباً، فهو لصاحب العلو؛ لأنها وضعت لنفعه، وإن كانت تحتها جب، فهي لصاحب العلو؛ لأن المقصود بها نفعه، وإن تنازعا حائط العلو، فهو لصاحبه؛ لأنه مختص بنفعه، وإن تنازعا حائط السفل، احتمل أن يكون بينهما؛ لأنه لنفعهما، فهو كالسلم تحته مسكن واحتمل أن يكون لصاحب السفل؛ لأنه لم تجر العادة ببيت لا حائط له، وإن تنازعا صحن الدار والدرجة فيه، فهو بينهما؛ لأن لكل واحد منهما عليه يداً، وإن لم يكن فيه درجة، فهو لصاحب السفل، ولهذا يملك منع صاحب العلو من الاستطراق فيه، وإن تنازعا مسناة بين أرض أحدهما، ونهر الآخر، فهي بينهما؛ لأنه حائط بين ملكيهما، ينتفع به كل واحد منهما، أشبه الحائط بين الدارين، وإن تنازعا عمامة في يد أحدهما طرفها، وباقيها في يد الآخر، تحالفا وكانت بينهما؛ لأن يد كل واحد منهما ثابتة عليها.
وإن كان
أحدهما لابسها، والآخر آخذ بطرفها، أو تنازعا قميصاً، أحدهما لابسه، والآخر آخذ بكمه، فهو للابسه؛ لأن المنتفع به المتصرف فيه، وإن تنازعا عبداً، عليه ثياب لأحدهما، فهما سواء؛ لأن نفع الثياب تعود إلى العبد لا إلى صاحبه.
فصل
وإن كان في يده غلام بالغ عاقل، فادعاه عبداً له، فصدقه، حكم له بملكه، وإن كذبه، فالقول قوله؛ لأن الظاهر الحرية، وإن كان طفلاً لا يميز، فهو للمدعي؛ لأنه لا يعبر عن نفسه، أشبه البهيمة، فإن بلغ فقال: إني حر، لم يقبل منه؛ لأنه حكم برقه قبل دعواه، وإن لم يدع ملكه، لكنه كان في يده يتصرف فيه، فهو كما لو ادعى رقه؛ لأن اليد دليل الملك، فإن ادعى أجنبي نسبه، ثبت ولم يزل ملك سيده؛ لأنه يجوز أن يكون ولده وهو مملوك إلا أن يكون المدعي امرأة، فتثبت حرية ولدها، أو يكون رجلاً عربياً، فإن فيه روايتين: إحداهما: لا يسترق ولده فيحكم بحريته حينئذ، وإن كان الصبي مميزاً، فأنكر رق نفسه، ففيه وجهان: أحدهما: لا يثبت رقه؛ لأنه معرب عن نفسه في دعوى الحرية، فأشبه البالغ.
والثاني: يثبت الملك عليه؛ لأنه لا قول له، فأشبه الطفل، ولو ادعى رجلان رق كبير في أيديهما، فأقر لأحدهما، فهو لمن أقر له؛ لأن رقه إنما يثبت بإقراره، وإن جحدهما، فالقول قوله، فإن أقام كل واحد منهما بينة بملكه تعارضتا، فإن قلنا بسقوطهما، رجع إلى قوله، وإن قلنا بقسمته بينهما أو بقرعته بينهما، عمل على حسب ذلك.
فصل ولو كان في يده صغيرة، فادعى نكاحها، لم تقبل دعواه، ولا يخلى بينه وبينها إلا أن تكون بينة؛ لأن النكاح لا يثبت إلا بعقد وشهادة، بخلاف الرق، فإذا كبرت، واعترفت له بالنكاح، قبل إقرارها والله أعلم.
فصل
ومن كان له حق على من يقر به ويبذله، لم يكن له أن يأخذ من ماله إلا ما يعطيه؛ لأن الخيرة إلى الغريم في تعيين ما يقضيه، فإن أخذ من ماله شيئاً بغير اختياره، لزمه رده؛ لأنه لا يجوز أن يتملك غير ماله بغير ضرورة، فإن أتلفه، صار ديناً في ذمته، فإن كان من جنس حقه تقاص الدينان، وتساقطا، وإن كان من غير جنسه، صار دين كل واحد منهما فى ذمة الآخر.
وإن كان من عليه الدين مانعاً له، بجحد، أو تعد، فالمذهب أنه ليس له الأخذ أيضاً؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» والأخذ من ماله بغير علمه خيانة، ولأنه إن أخذ من غير جنس حقه، فهي معاوضة بغير تراض منهما، فلا يجوز؛ لقول الله تعالى: ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29] ، وإن أخذ من جنسه، فليس له تعيين الحق بغير رضى صاحبه، كحالة البذل، قال ابن عقيل: وجعل أصحابنا المحدثون لجواز الأخذ وجهاً، وخرجه أبو الخطاب احتمالاً؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» حين أخبرته أن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيها ما يكفيها، ولقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الرهن محلوب ومركوب بنفقته» ، فعلى هذا إن أخذ من جنس حقه، أخذ قدره، وإن أخذ من غير جنسه، اجتهد في تقويمه، كقولنا في المرتهن: يركب ويحلب بقدر العلف.
فصل
وإذا ادعى حقاً على إنسان، وأقام به شاهدين، فلم يعرف الحاكم عدالتهما، فسأل حبس غريمه حتى تثبت عدالة شهوده، أجيب إليه؛ لأن الظاهر عدالة المسلم، ولأن الذي على الشاهد قد أتى به، وإنما بقي ما على الحاكم، وهو الكشف عن عدالة الشهود.
وإن أقام شاهداً واحداً في حق، لا يثبت إلا بشاهدين، وسأل حبس غريمه، ليقيم آخر، لم يحبس؛ لأن الحبس عذاب، فلا يتوجب قبل تمام البينة، وإن كان الحق مما يثبت بشاهد واحد، احتمل أن يحبس؛ لأن الشاهد حجة فيه، واليمين إنما هي مقوية، واحتمل أن لا يحبس؛ لأن الحجة ما تمت، ويحتمل أنه إن كان المدعي باذلاً لليمين، ولم تثبت عدالة الشاهد، حبس؛ لأنها في معنى التي قبلها، وإن كان التوقف عن الحكم لغير ذلك، لم يحبس؛ لأنه إن حبس ليقيم شاهداً آخر، فهي كالتي لا تثبت إلا بشاهدين، وإن حبس ليحلف الخصم، فلا حاجة إلى الحبس مع إمكان اليمين في الحال، وكل موضع حبس على تعديل الشهود، استديم حبسه حتى تثبت عدالتهم، أو فسقهم، وإن حبس، ليقيم شاهداً آخر، حبس ثلاثاً، فإن أقام الخصم شاهداً، وإلا خلي سبيله، وإن ادعى العبد أن سيده أعتقه، وأقام شاهدين، فلم يعدلا، فسأل الحاكم أن يحول بينه وبين سيده إلى أن يبحث الحاكم عن عدالة شهوده، فعل ذلك، ويؤخره الحاكم، وينفق عليه من كسبه لما ذكرنا فيما تقدم.
باب اليمين في الدعاوى
ومن ادعى حقاً من المال، أو يقصد به المال، كالبيع، والإجارة، فأنكر المدعى عليه، فعليه اليمين؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى قوم دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين، على المدعى عليه» رواه مسلم ورواه البخاري بمعناه.
ولحديث الحضرمي والكندي، فأما غير ذلك من الحقوق، وهو ما لا يثبت إلا بشاهدين، وهو القصاص، والقذف، والنكاح، والطلاق، والرجعة، والنسب، والاستيلاد، والرق، والعتق، والولاء، ففيه روايتان: إحداهما: لا يستحلف فيها؛ لأن البدل لا يدخلها، فلم يستحلف فيها، كحقوق الله تعالى.
والثانية: يستحلف في الطلاق، والقصاص، والقذف.
وذكر الخرقي: أنه يستحلف في مدة الإيلاء، وتستحلف المرأة إذا ادعت انقضاء عدتها، قبل رجعة زوجها، وذكر أبو الخطاب: أنه يستحلف في كل حق لآدمي، لعموم الخبر، وهو ظاهر في القصاص؛ لقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لادعى قوم دماء رجال وأموالهم» ، ولأنها دعوى صحيحة في حق آدمي فيستحلف عليه، كدعوى المال، فإذا توجهت اليمين عليه في المال، فحلف، برىء، وإن نكل، قضي عليه بعد أن يقول له الحاكم: إن حلفت، وإلا قضيت عليك ثلاثاً.
ولا ترد اليمين على المدعي؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «اليمين على المدعى عليه» ، فحصرها في جانبه.
وادعى زيد بن ثابت على ابن عمر: أنه باعه عبداً يعلم عيبه عند عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فقال له: أحلف أنك ما بعته وبه عيب علمته، فأبى ابن عمر أن يحلف، فرد عليه العبد، ولم يرد اليمين، وقال أبو الخطاب: ترد اليمين على المدعي، فيحلف، ويحكم له بما ادعاه.
وقال: قد صوبه أحمد، وقال: ما هو ببعيد، يحلف ويستحق، لما روى ابن عمر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رد اليمين على طالب الحق» رواه الدارقطني.
ولا ترد إلا أن يردها المدعى عليه، فإن نكل المدعي عن اليمين أيضاً، أخر الحكم حتى يحتكما في مجلس آخر.
فإن كانت الدعوى في غير المال، فنكل المدعى عليه، لم يقض بالنكول، وهل يحبس حتى يقرأ ويحلف، أم يخلى سبيله؟ على وجهين: أصلهما إذا نكلت الزوجة عن اللعان، وروي عن أحمد في القذف والقصاص فيما دون النفس: أنه يقضى فيه بالنكول، إلا أن أبا بكر قال: هو قول قديم، المذهب على خلافه.
فصل
واليمين المشروعة التي يبرأ بها المطلوب هى اليمين بالله تعالى؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: 106] ، وقال سبحانه: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: 6] ، وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأنعام: 109] «وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لركانة بن عبد يزيد في الطلاق: الله ما أردت إلا واحدة؟ قال: الله ما أردت إلا واحدة» .
وسواء كان الحالف مسلماً، أو كافراً، عدلاً أو فاسقاً؛ «لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال للحضرمي المدعي على الكندي: ليس لك إلا يمينه، فقال الحضرمي: إنه رجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه، قال: ليس لك منه إلا ذلك» .
«وقال الأشعث بن قيس: كان بيني وبين رجل من اليهود أرض، فجحدني فقدمته إلى النبى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال لي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هل لك بينة؟ قلت لا، قال لليهودي: احلف ثلاثاً، قلت: إذاً يحلف، فيذهب بمالي، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 77] » رواه أبو داود وأين حلف، ومتى حلف، أجزأ، لظاهر ما روينا، وحلف عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في حكومة لأبي في النخل في مجلس زيد، فلم ينكره أحد.
واختار الخرقي تغليظها في حق الكافر خاصة في المكان واللفظ، فقال: واليمين التي يبرأ بها المطلوب، هي اليمين بالله، إلا أنه إن كان
يهودياً، قيل له: قل: والله الذي أنزل التوراة على موسى، وإن كان نصرانياً، قيل له: قل: والله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، وإن كان لهم مواضع يعظمونها، ويتوقون أن يحلفوا فيها كاذبين، حلفوا فيها، لما روى أبو هريرة قال: «قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعني لليهود: نشدتكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، ما تجدون في التوراة على من زنى؟» رواه أبو داود.
وعلى هذا يحلف المجوسي: قل: والله الذي خلقني ورزقني، ويحلف الوثني، ومن لا يعبد الله، بالله وحده، واختار أبو الخطاب: أن الحاكم إن رأى تغليظها في حق المسلم والكافر في اللفظ، والمكان، والزمان، فعل وتغليظها في حق المسلم باللفظ، مثل قوله: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية.
وفي الزمان أن يحلف بعد العصر؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ [المائدة: 106] ويحلف بين الأذانين، وفي المكان: أن يحلف بين الركن والمقام بمكة، وعند منبر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالمدينة، وعند الصخرة بالقدس، وعند المنبر في سائر المساجد، لما روى مالك في الموطأ عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «من حلف على منبري هذا بيمين آثمة فليتبوأ مقعده من النار» ولأنه ثبت التغليظ في أهل الذمة، فنقيس عليهم غيرهم، ولا تغلظ إلا فيما له خطر، كالنصاب من المال، والقصاص، والطلاق، والعتق ونحوه.
فصل ويستحلف على حسب جوابه، فإذا ادعى عليه قرضاً، أو بيعاً فأجاب بأنه: ما أقرضني، ولا باعني، حلف على ذلك، وإن أجاب: بأنه لا يستحق علي شيئاً، حلف عليه؛ لأن اليمين شرعت لتحقيق جوابه، وتأكيد صدقه فيما أخبر به، فكانت على حسبه، فإن ادعى ألفاً، فجوابه لا يستحق علي الألف، ولا شيئاً منها، أو لا يستحق علي شيئاً، ويحلف كذلك، ولا يكتفى منه بأنه لا يستحق علي الألف؛ لأن ذلك لا ينفي استحقاقه بعضها، وإن ادعى على معسر حقاً هو عليه، لم يجز له أن يحلف أنه لا يستحق علي شيئاً؛ لأنه كذب، فإن الحق في ذمته.
فصل ومتى كانت الدعوى على الخصم في نفسه، حلف على البتات في النفي
والإثبات، لما روى ابن عباس أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «استحلف رجلاً، فقال: قل: والله الذي لا إله إلا هو ما له عندي شيء، رواه» أبو داود ولأن له طريقاً إلى العلم به، فلزمه القطع بنفيه.
فإن كانت الدعوى عليه في حق غيره في الإثبات، حلف على البت؛ لأن له طريقاً إلى العلم به، وفي النفي يحلف على نفي علمه، نص عليه أحمد وذكر حديث القاسم بن عبد الرحمن عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تضطروا الناس في أيمانهم أن يحلفوا على ما لا يعلمون.
» وفي حديث الحضرمي: «ولكن أحلفه: والله ما يعلم أنها أرضي اغتصبنيها أبوه» رواه أبو داود: ولأنه لا يمكنه الإحاطة بنفي فعل غيره، فلم يكلف ذلك، وذكر ابن أبي موسى عنه: أنه قال: على كل حال اليمين على العلم فيما يدعي عليه في نفسه، أو فيما يدعي على ميته، قال: وبالأول أقول، قال: وعنه فيمن باع سلعة، فظهر المشتري على عيب بها، وأنكره البائع، هل اليمين على علمه، أو على البتات؟ على روايتين.
وإن باع عبداً فأبق عند المشتري، هل يحلف على علمه، أو على أنه لم يأبق عنده؟ على روايتين.
فصل وإذا ادعى عليه جماعة حقاً، فأنكر، لزمه لكل واحد يمين؛ لأنه منكر لحق كل واحد منهم، فإن قال: أنا أحلف للجميع يميناً واحدة، لم يقبل منه، وإن رضي الجماعة بيمين واحدة، جاز؛ لأن الحق لهم، لا يخرج عنهم.