كتاب الإجارة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- الكافي في فقه الإمام أحمد
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، 1414 هـ - 1994 م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وهي بيع المنافع، وهي جائزة في الجملة؛ لقول الله تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ [القصص: 26] .
الآيتين، وقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] ولأن الحاجة إلى المنافع كالحاجة إلى الأعيان، فلما جاز عقد البيع على الأعيان، وجب أن يجوز عقد الإجارة على المنافع، وينعقد بلفظ الإجارة والكري؛ لأنه لفظ موضوع لها، وفي لفظ البيع وجهان: أحدهما: ينعقد به؛ لأنها صنف منه.
والثاني: لا تنعقد به؛ لأنها تخالفه في الاسم والحكم، فلم تنعقد بلفظه، كالنكاح.
فصل: وتجوز إجارة الظئر للرضاع، والراعي لرعاية الغنم، للآيتين، واستئجار الدليل، ليدل على الطريق؛ لأنه ثبت «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبا بكر استأجرا رجلاً من بني الديل هادياً خريتاً والخريت الماهر بالهداية وهو على دين كفار قريش، وأمناه فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال فأتاهما براحلتيهما صبيحة ليال ثلاث فارتحلا» . رواه أحمد والبخاري، وإجارة كل عين يمكن استيفاء المنفعة المباحة منها مع بقاء عينها دائماً، قياساً على المنصوص عليه، وتجوز إجارة النقود للتحلي والوزن، واستئجار شجر ليجفف عليها الثياب، والغنم لتدوس الزرع والطين؛ لأنها منفعة مباحة يجوز أخذ
العوض عنها في غير هذه الأعيان، فجاز فيها، كالبيع، ولا يجوز عقدها على ما لا نفع فيه، مثل أن يستأجر للزرع سبخة لا تنبت، أو لا ماء لها يكفي.
فإن كان لها ماء معتاد، كماء العيون والأنهار، والمد بالبصرة، والمطر في موضع يكتفى به، جاز، وإن كانت الأرض على نهر يستقى بزيادته، كالنيل والفرات، وتسقيها الزيادة المعتادة، جازت إجارتها؛ لأن الغالب وجودها، فهي كالمطر لغيرها، وإن كان لا يسقيها إلا زيادة نادرة، فاستأجرها بعد الزيادة، صح؛ لأنها معلومة، وإن استأجرها قبلها، لم يصح؛ لأنه لا يعلم وجودها، فهي كبيع الطير في الهواء، وإن استأجرها، ولم يذكرها للزراعة، وكانت تصلح لغيرها، صح، وإن لم تصلح لغيرها، لم يصح؛ لأن نفعها معدوم، وإن غرقت الأرض فاكتراها لزرع ما لا ينبت في الماء، كالحنطة، وللماء مغيض يمكن فتحه فينحسر الماء، ويمكن زرعها، صح؛ لأنه يمكن زرعها بفتحه، كما يمكن سكنى الدار بفتحها، وإن علم أنه ينحسر عادة، صح؛ لأنه يعلم بالعادة إمكان الانتفاع.
فإن لم يعلم هل ينحسر أو لا؟ لم يصح، لما ذكرنا، وإن اكترى أرضاً على نهر تغرق بزيادته المعتادة، لم يصح؛ لأنه غير منتفع بها عادة.
فإن كانت بخلاف ذلك، صح.
فصل:
ولا يجوز عقد الإجارة على المنافع المحرمة، كالغناء والنياحة والزمر، ولا إجارة داره لمن يتخذها كنيسة، أو بيت نار، أو يبيع فيها الخمر ونحوه؛ لأنه محرم، فلم تجز الإجارة لفعله، كإجارة الأمة للزنا، ولا يجوز استئجار رجل ليكتب له غناء أو نوحاً، أو شيئاً محرماً لذلك، ولا يجوز استئجاره ليحمل خمراً، ليشربها لذلك، وعنه: فيمن حمل خنزيراً، أو ميتة لنصراني، أكره أكل كرائه، ولكن يقضى له بالكراء، وإذا كان لمسلم، فهو أشد.
قال القاضي: هذا محمول على أنه استأجره ليرقيها، أما للشرب، فمحظور، لا يحل أخذ الأجرة عليه، وإن استأجر حجاماً ليحجمه، جاز، «لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حجمه أبو طيبة، فأعطاه أجره صاعين من طعام وكلم مواليه فخففوا عنه» .
متفق عليه.
قال ابن عباس: ولو كان حراماً ما أعطاه أجره، ويكره للحر أكل أجره؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كسب الحجام خبيث: وقال: أطعمه عبدك أو خادمك» وقال القاضي: لا تصح إجارته لهذا الحديث.
فصل: ولا تجوز إجارة الفحل للضراب، لما روى ابن عمر «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن عسب الفحل» . أخرجه البخاري، ولأن المقصود منه الماء الذي يخلق منه الولد، وهو محرم، لا قيمة له، فلم يجز أخذ عوضه، كالدم، ولا يجوز إجارة النقود، ليجمل بها الدكان
لأنها لم تخلق لذلك، ولا تراد له، فبذل العوض فيه من السفه، وأخذه من أكل المال بالباطل، وكذلك استئجار الشمع للتجميل به، أو ثوب ليوضع على سرير الميت لا يجوز ذلك.
فصل: ولا يجوز عقد الإجارة على ما تذهب أجزاؤه بالانتفاع به، كالمطعوم والمشروب، والشمع ليسرجه، والشجر يأخذ ثمرته، والبهيمة يحلبها؛ لأن الإجارة عقد على المنافع، فلا تجوز لاستيفاء عين، كما لو استأجر ديناراً لينفقه إلا في الظئر تجوز للرضاع؛ لأن الضرورة تدعو إليه، لبقاء الآدمي، ولا يقوم غيرها مقامها.
فصل: ولا تجوز إجارة ما يسرع فساده، كالرياحين؛ لأنه لا يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها دائماً، فجرت مجرى المطعوم، فإن كانت مما تبقى عينه دائماً كالعنبر، جازت إجارته للشم، لما تقدم.
فصل:
وما يخص فاعله أن يكون من أهل القربة، وهم المسلمون، كالحج وتعليم القرآن، ففيه روايتان: إحداهما: يجوز الاستئجار عليه؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله» .
رواه البخاري، وأباح أخذ الجعل عليه، ولأنه فعل مباح، فجاز أخذ الأجرة عليه، كتعليم الفقه.
والثانية: لا يجوز؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعثمان بن أبي العاص: «واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً» رواه أبو داود، ولأنه لا يقع إلا قربة لفاعله، فلم يجز أخذ العوض عليه كالصلاة.
فأما الاستئجار لتعليم الفقه والشعر المباح فيجوز؛ لأن فاعله لا يختص أن يكون من أهل القربة، فجاز كبناء المساجد، وفي إجارة المصحف وجهان، بناء على بيعه.
فصل: قال بعض أصحابنا: لا يجوز إجارة المشاع لغير الشريك، إلا أن يؤجراه معاً؛ لأنه لا يمكنه تسليم حصته إلى المستأجر، إلا بموافقة الشريك، وقال أبو حفص: يجوز؛ لأنه يصح بيعه ورهنه، فصحت إجارته، كالمفرد.
فصل: ولا بأس أن يؤجر نفسه من الذمي، نص عليه؛ «لأن علياً - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أجر نفسه يهودياً، يسقي له كل دلو بتمرة، وأخبر به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلم ينكره» وأكل أجرته، ولا يؤجر نفسه لخدمته؛ لأنه يتضمن إذلال المسلم للكافر فلم يجز، كبيعه إياه، ويتخرج الجواز؛ لأنه عاوضه عن منفعة، فجاز، كإجارته لعمل شيء.
فصل:
والإجارة على ثلاثة أضرب.
إجارة عين معينة، كالدور، وموصوفة في الذمة، كبعير للركوب، وعقد على عمل في الذمة، كخياطة ثوب وحمل متاع؛ لأن البيع يقع في عين حاضرة وموصوفة، ومقدر معلوم، كقفيز من صبرة، فكذلك الإجارة.
فإن كانت الإجارة لعين معينة، اشترط معرفتها برؤية أو صفة إن كانت تنضبط بالصفات، كالحيوان، فإن لم تنضبط كالدار، والأرض، فلا بد من رؤيتها، كما يشترط ذلك في البيع، وفي استئجار عين لم يرها، ولم توصف له وجهان، بناءً على بيعها، ويشترط معرفة المنفعة، فإن كان لها عرف، كسكنى الدار، لم يحتج إلى ذكرها؛ لأنها لا تكترى إلا لذلك، فاستغنى عن ذكرها، كالبيع بثمن مطلق، في موضع فيه نقد معروف، وإن اكترى أرضاً، احتاج إلى ذكر ما يكتري له، من غراس أو بناء، أو زرع؛ لأنها تكترى لذلك كله، وضرره يختلف، فوجب بيانه، وإن أجرها للزرع مطاقاً صح، وله زرع ما شاء؛ لأنه يجوز أن يستأجرها لأعظم الزرع ضرراً، فإذا أطلق العقد تناوله بإطلاقه، ودخل فيه ما دونه، وإن قال: لتزرعنها ما شئت، فهو أولى بالصحة، لتصريحه بذلك، وإن اكتراها لزرع معين، فله زرعه ومثله في الضرر ودونه؛ لأن الزرع إنما ذكر لتقدير منفعة الأرض، فلم يتعين، كما لو اكترى للسكنى، كان له أن يسكن غيره، وإن قال: لتزرعها أو تغرسها لم يصح؛ لأنه لم يعين، أشبه ما لو باعه أحد هذين العبدين، وإن قال: لتزرعها وتغرسها ما شئت، صح، وله ما شاء منهما؛ لأنه جعلهما له، فملكهما كالنوع الواحد.
فصل: وإن اكترى ظهراً للركوب، اشترط معرفته، برؤية أو صفة لأنه يصح بيعه بهما، وذكر المهملج والقطوف من الخيل؛ لأن سيرهما يختلف، ومعرفة ما يركب به من سرج أو غيره؛ لأنه يختلف بالمركوب والراكب، ولا يحتاج إلى ذكر الذكورية والأنوثية؛ لأن التفاوت بينهما يسير، وقال القاضي: يفتقر إلى معرفته لتفاوتهما، ولا بد من معرفة الراكب برؤية أو صفة، ذكره الخرقي؛ لأن الصفة تكفي في بيع مثله، وقال الشريف: لا يجزئ فيه إلا الرؤية؛ لأن الصفة لا تأتي عليه، ولا بد من معرفة المحامل والأغطية،
والأوطئة والمعاليق، كالقدر والسطيحة ونحوهما، إما برؤية أو صفة أو وزن، وإن اكترى ظهراً لعمل في مدة، كالحراثة والدياس والسقي والطحن، اشترط معرفة الظهر بالتعيين أو الصفة؛ لأن العمل يختلف باختلافه، وإن استأجره على عمل معين، كحراثة قدر من الأرض، ودياس زرع معين، وطحن قفزان معلومة، لم يحتج إلى معرفة الظهر؛ لأنه لا يختلف، ويحتاج في الطحن إلى معرفة الحجر، وفي السقي إلى معرفة البئر، والدولاب؛ لأنه يختلف، وإن اكترى لحمل متاع، لم يحتج إلى ذكر جنس الظهر، لعدم الغرض في معرفته ويشترط معرفة المتاع برؤية أو صفة، فيذكر جنسه من حديد أو قطن أو نحوه؛ لأن ضرره يختلف، وقدره بالوزن إن كان موزوناً، أو بالكيل إن كان مكيلاً؛ لأن البيع يصح بكلا الطريقين، وإن ذكر وزن المكيل، فهو أحصر.
وإن دخلت الظروف في وزن المتاع، استغني عن ذكرها، وإن لم تدخل وكانت معروفة لا تختلف كثيراً، صح من غير تعيينها؛ لأن تفاوتها يسير، وإن اختلفت كثيراً، اشترط معرفتها بالرؤية، أو الصفة لذلك، ولو اكترى ظهراً ليحمل عليه ما شاء، لم يصح؛ لأنه يدخل في ذلك ما يقتل البهيمة، وإن شرط أن يحمل عليها طاقتها، لم يصح؛ لأنه لا ضابط له.
فصل:
وإن استأجر راعياً مدة، صح؛ لأن موسى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أجر نفسه لرعاية الغنم ثماني سنين، ويشترط معرفة الحيوان؛ لأن لكل جنس تأثيراً في إتعاب الراعي، ويجوز أن يكون على معين، وعلى موصوف في الذمة، فإن كان على موصوف في الذمة اشترط ذكر العدد؛ لأن العمل يختلف به، وإن استأجر ظئراً، اشترط معرفة الصبي بالتعيين؛ لأن الرضاع يختلف به، ولا تأتي عليه الصفة، وإن استأجر رجلاً ليحفر له بئراً، أو نهراً، اشترط معرفة الأرض؛ لأن الغرض يختلف باختلافها ومعرفة الطول والعرض، والعمق؛ لأن الغرض يختلف بذلك كله، وإن استأجره لبناء حائط، اشترط ذكر طوله وعرضه وعلوه، وآلته من لبن أو طين أو غيره؛ لأن الغرض يختلف بذلك كله، وإن استأجره لضرب لبن، اشترط معرفته الماء والتراب والطول والسمك والعرض والعدد، وعلى هذا جميع الأعمال التي يستأجر عليها.
فإن كان في ما يختلف فيها الغرض ما لا يعرفه، رجع فيه إلى أهل الخبرة به، ليعقد على شرطه، كما لو أراد النكاح، من لا يعرف شروطه، رجع إلى من يعرفه ليعرفه شروطه، وإن عجز عن معرفته، وكل فيه من يعرفه ليعقده.
فصل: ويشترط معرفة قدر المنفعة؛ لأن الإجارة بيع، والبيع لا يصح إلا في معلوم القدر، ولمعرفتها طريقان:
أحدهما: تقدير العمل، كخياطة ثوب معين، والركوب، أو حمل شيء معلوم إلى مكان معين.
والثاني: تقدير المدة كسكنى شهر، فإن كانت المنفعة لا تتقدر بالعمل، كالتطيين والتجصيص، فإن مقداره يختلف في الغلظ والرقة، وما يروي الأرض من الماء، يختلف باختلاف الأرض واحتياجها إلى الماء، وما يشبع الصبي في الرضاع، يختلف باختلاف الصبيان، والأحوال، والسكنى ونحوها، فلا يجوز تقديره إلا بالمدة، لتعذر تقديره بالعمل، وما يتقدر بالعمل، كاستئجار الظهر للحرث والحمل والطحن والدياس، والعبد للخدمة، جاز تقديره بالعمل، فإن شرط تقديره بالعمل والمدة فقال: استأجرتك لتحرث لي هذه الأرض في شهر، لم يصح؛ لأنه إن حرثها في أقل من شهر، أو فرغ الشهر قبل حرثها، فطولب بتمام ما بقي، كان زيادة على المشروط، وإن لم يتمم، كان نقصاً، وعن أحمد ما يدل على الصحة؛ لأن الإجارة معقودة للعمل، والمدة مذكورة للتعجيل، فجاز كالجعالة، ويشترط فيما قدر بمدة، معرفة المدة؛ لأنها الضابطة للمعقود عليه، فإن قدرها بسنة أو شهر، كان ذلك بالأهلة؛ لأنها المعهودة في الشرع، فوجب حمل المطلق عليها، فإن كان ذلك في أثناء شهر، عد باقيه، ثم عد أحد عشر شهراً بالهلال، ثم كمل الأول بالعدد ثلاثين يوماً؛ لأنه تعذر إتمامه بالهلال فكمل بالعدد، وحكي فيه رواية أخرى: أنه يستوفي الجميع بالعدد؛ لأنه يجب إتمام الشهر مما يليه، فيصير ابتداء الثاني في أثنائه، وكذلك ما بعده، وإن عقد على سنة رومية، وهي: ثلاثمائة وخمسة وستون يوماً وربع، وهما يعلمان ذلك، جاز، وإن جهلاها أو أحدهما، لم يصح؛ لأن المدة مجهولة عنده، والحكم في مدة الإجارة، كالحكم في مدة السلم على ما مضى فيه.
فصل: وتجوز الإجارة مدة لا تلي العقد، مثل أن يؤجره شهر رجب وهو في صفر، سواء كانت فارغة أو مؤجرة مع المستأجر، أو غيره؛ لأنها مدة يجوز العقد عليها مع غيرها، فجاز عليها مفردة، كالتي تلي العقد، ويحتاج إلى ذكر ابتدائها؛ لأنها أحد طرفي المدة، فاحتيج إلى معرفتها كالانتهاء، فإن كانت تلي العقد فابتداؤها منه، ولا يحتاج إلى ذكرها؛ لأنها معلومة.
فصل: فإن قال: أجرتكها كل شهر بدرهم، فالمنصوص أنه صحيح، وذهب إليه الخرقي والقاضي؛ لكن تصح في الشهر الأول بإطلاق العقد؛ لأنه معلوم يلي العقد وأجرته معلومة، وما بعده يصح العقد فيه بالتلبس به، ولكل واحد منهما الفسخ عند تقضي كل
شهر؛ «لأن علياً - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أجر نفسه من يهودي يستقي له كل دلو بتمرة، وجاء به إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأكل منه» وذهب أبو بكر وجماعة من أصحابنا إلى بطلانه؛ لأن العقد على كل الشهور، وهي مبهمة مجهولة، فلم يصح، كما لو جعل أجرتها في الجميع شيئاً واحداً.
فصل:
ويشترط في صحة الإجارة ذكر الأجرة؛ لأنه عقد يقصد فيه العوض فلم يصح من غير ذكره كالبيع، ويشترط أن تكون معلومة لذلك، ويحصل العلم بالمشاهدة أو بالصفة كالبيع، ويشترط أن تكون معلومة لذلك، ويحصل العلم بالمشاهدة أو بالصفة كالبيع، وفي وجه آخر، لا بد من ذكر قدره وصفته؛ لأنه ربما انفسخ العقد، ووجب رد عوضه بعد تلفه، فاشترط معرفة قدره ليعلم بكم يرجع، كرأس مال السلم، وقد ذكرنا وجه الوجهين في السلم، وتجوز بأجرة حالة ومؤجلة؛ لأن الإجارة كالبيع، وذلك جائز فيه، فإن أطلق العقد وجبت به حالة، ويجب تسليمها بتسليم العين؛ لأنها عوض في معاوضة، فتستحق بمطلق العقد كالثمن، وإن كانت الإجارة على عمل في الذمة، استحق استيفاء الأجرة عند انقضاء العمل؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه» ولأنه أحد العوضين، فلزم تسليمه عند تسليم الأجر كالبيع، وإن شرطا تأجيلها، جاز إلا أن يكون العقد على منفعة في الذمة، ففيه وجهان: أحدهما: يجوز لأنه عوض في الإجازة، فجاز تأجيله، كما لو كان على عين.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه عقد على ما في الذمة، فلم يجز تأجيل عوضه كالسلم.
فصل:
ويجوز أن يستأجر الأجير بطعامه وكسوته، سواء جعل ذلك جميع الأجرة أو بعضها؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «رحم الله أخي موسى، أجر نفسه ثماني سنين، على طعام بطنه وعفة فرجه» رواه ابن ماجة ولأن العادة جارية به من غير نكير، فأشبه الإجماع.
فإن قدر الطعام والكسوة، فحسن، وإن أطلق، جاز، ويرجع في القوت إلى الإطعام في
الكفارة، وفي الملبوس إلى أقل ملبوس مثله، ولأن لذلك عرفاً في الشرع، فحمل الإطلاق عليه.
فصل:
وإذا استوفى المنفعة، استقرت الأجرة؛ لأنه قبض المعقود عليه، فاستقر بدله، كما لو قبض المبيع، وإن سلم إليه العين مدة يمكن الاستيفاء فيها، استقرت الأجرة عليه؛ لأن المعقود عليه تلف تحت يده، فأشبه تلف المبيع تحت يده، وإن عرض عليه العين ومضت مدة، يمكن الاستيفاء فيها، استقرت الأجرة؛ لأن المنافع تلفت باختياره، فأشبه تلف المبيع بعد عرضه على المشتري، وإن كان العقد على عمل في الذمة، لم تستقر الأجرة إلا باستيفاء العمل؛ لأنه عقد على ما في الذمة، فلم يستقر عوضه ببذل التسليم كالمسلم فيه وإن كان العقد فاسداً، لم يستقر ببذل التسليم، كما لا يستقر ببذل المبيع، ويجب باستيفائها؛ لأنه استوفاها بشبهة عقد، وإن قبض العين ومضت مدة يمكن استيفاء المنفعة فيها، ففيه روايتان: إحداهما: لا يجب شيء؛ لأنه عقد فاسد على منفعة لم يستوفها، فلم يجب العوض كالنكاح.
والثانية: يجب أجر المثل؛ لأن البيع الفاسد كالصحيح في استقرار البدل، فكذلك الإجارة.
فصل: ويجوز أن يكتري الرجلان ظهراً، يتعاقبان عليه، وأن يكتري الرجل عقبة يركب في بعض الطريق إذا كان ذلك معلوماً؛ لأنه يجوز العقد على جميعه، فجاز على بعضه، كالزمان، فإن كان في طريق فيه عادة في الركوب والنزول، جاز العقد مطلقاً، وحمل على العادة، كالنقد في البيع، وإن لم يكن فيه عادة، اشترط بيان ما يركب؛ لأنه غير معلوم، فوجب بيانه كالثمن، وإن اختلفا في البادئ منهما، أقرع بينهما؛ لأنهما تساويا في الملك، فقدم أحدهما بالقرعة، كما في القسمة.
فصل: إذا دخل حماماً، أو قعد مع ملاح في سفينة، فعليه أجرهما وإن لم يعقدا معه إجارة؛ لأن العرف جار بذلك، فجرى مجرى الشرط، كنقد البلد، وكذلك إن دفع ثوبه إلى خياط، أو قصار، منتصبين لذلك، أو مناد، أو رجل معروف بالبيع بالأجر ليبيعه، فلهم أجر أمثالهم لذلك، وإن دفع كتاباً إلى رجل ليحمله إلى صاحب له بأجر، فحمله فوجد صاحبه غائباً فله الأجر للذهاب؛ لأنه فعل ما استأجره عليه، وللرد؛ لأنه بإذنه
تقديراً إذ ليس سوى رده إلا تضييعه، وقد علم أنه لا يرضى تضييعه، فتعين رده.
فصل:
إذا آجره مدة تلي العقد، لم يجز شرط الخيار؛ لأنه يمنع التصرف فيها أو في بعضها فينقص عما شرطاه، وفي خيار المجلس وجهان: أحدهما،: لا يثبت لذلك.
والثاني: يثبت لأنه يسير، وإن كانت لا تلي العقد، ثبت فيها الخياران؛ لأنها بيع ولا مانع من ثبوته فيها، وكذلك إن كانت على عمل في الذمة، أو على منفعة عين في الذمة ثبتا فيها لذلك.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
باب ما يجوز فسخ الإجارة وما يوجبه
وهي: عقد لازم ليس لواحد منهما فسخها؛ لأنها بيع فأشبهت بيوع الأعيان، إلا أن يجد العين معيبة، فيملك الفسخ بما يحدث من العيب؛ لأن المنافع لا يحصل قبضها إلا بالاستيفاء، فهي كالمكيل يتعيب قبل قبضه، فإن بادر المكتري إلى إزالة العيب من غير ضرر يلحق المستأجر، كدار تشعثت فأصلحها، فلا خيار للمستأجر لعدم الضرر، وإلا فله الفسخ، فإن سكنها مع عيبها، فعليه الأجرة علم أو لم يعلم؛ لأنه استوفى جميع المعقود عليه معيباً، مع علمه به، فلزمه البدل، كالمبيع المعيب إذا رضيه، وإن كان العقد على موصوف في الذمة فرد بعيب، لم ينفسخ العقد، ويطالب ببدله، فإن تعذر بدله، فله الفسخ، لتعذر المعقود عليه، كما لو وجد بالسلم عيباً فرده، والعيب ما تنقص به المنفعة، كانهدام حائط الدار، وتعيبه وانقطاع ماء بئرها أو تغيره، وانقطاع ماء الأرض أو نقصه، وتغير الظهر في المشي، وعرجه الفاحش وربضه، وكونه عضوضاً أو جموحاً، وضعف بصر الأجير في الخدمة ومرضه.
فأما كون الظهر خشن المشي، فليس بعيب؛ لأن المنفعة فيه كاملة، وإن اختلفا في العيب، رجع فيه إلى أهل الخبرة.
فصل: وإن تلفت العين في يده، انفسخت الإجارة، كما لو تلف المكيل قبل قبضه، وإن تلفت قبل مضي شيء من المدة فلا أجرة عليه؛ لأنه لم يقبض شيئاً من المعقود عليه، وإن تلفت بعد مضي شيء منها، فعليه من الأجرة بقدر ما استوفى، ويسقط بقدر ما بقي، فإن كان أجرها في بعض المدة أكثر، قسمت على القيمة، وإن كانت الإجارة على موصوف في الذمة، لم تنفسخ بالتلف، وله البدل كما لو تعيب.
فصل:
إذا اكترى أرضاً للزرع، فانقطع ماؤها، أو داراً فانهدمت، انفسخ العقد في أحد الوجهين؛ لأن المنفعة المقصودة منها تعذرت، فأشبه تلف العبد، والآخر: لا ينفسخ؛ لأنه يمكن الانتفاع بها كالسكنى في خيمة، أو يجمع فيها حطباً أو متاعاً، لكن له الفسخ؛ لأنها تعيبت، وإن ماتت المرضعة، انفسخت الإجارة، وعن أبي بكر: لا تنفسخ ويجب في مالها أجر رضاعه والمذهب الأول؛ لأن المعقود عليه تلف، فأشبه تلف عبد الخدمة، وإن مات المرتضع، انفسخ العقد؛ لأنه تعذر استيفاء المعقود عليه؛ لأن غيره لا يقوم مقامه لاختلافهم في الرضاع، ولذلك وجب تعيينه، ولم استأجر رجلاً ليقلع ضرسه فبرئ، أو ليكحل عينه فبرئت، أو ليقتص له فمات المقتص منه، أو عفي عنه، انفسخ العقد؛ لأنه تعذر استيفاء المعقود عليه فانفسخ، كما لو تعذر بالموت، وإن استأجر للحج فمات، ففيه وجهان: أحدهما: تنفسخ الإجارة؛ لأنه تعذر الاستيفاء بموته، أشبه موت المرتضع.
والثاني: لا تنفسخ، ويقوم وارثه مقامه، كما لو كان المستأجر داراً، وإن لم يمت لكن تلف ماله، لم تنفسخ الإجارة؛ لأن المعقود عليه سليم.
فصل: فإن غصبت العين المستأجرة، فللمستأجر الفسخ؛ لأن فيه تأخير حقه، فإن فسخ، فالحكم فيه كالفسخ بتلف العين، وإن لم ينفسخ حتى انقضت المدة، خير بين الفسخ والرجوع على المؤجر بالمسمى، ويرجع المؤجر على الغاصب بأجر المثل، وبين إمضاء العقد ومطالبة الغاصب بأجرة المثل؛ لأن المنافع تلفت في يد الغاصب، فأشبه ما لو أتلف المبيع أجنبي، وإن كان العقد على موصوف في الذمة، طولب المؤجر بإقامة عين مقامها، فإن تعذر، فله الفسخ؛ لأن فيه تأخير حقه.
فصل: فإن أجر نفسه ثم هرب، أو اكترى عيناً ثم هرب بها، فللمستأجر الخيار بين الصبر والفسخ؛ لأن فيه تأخير حقه، فأشبه ما لو اشترى مكيلاً فمنعه قبضه، وإن كانت الإجارة على موصوف في الذمة، استؤجر من ماله من يعمله، كما لو هرب قبل تسليم المسلم فيه، فإن لم يكن، فللمستأجر الخيار بين الفسخ والصبر إلى أن يقدر عليه فيطالبه بالعمل، كما لو تعذر تسليم المسلم فيه، وإن كانت الإجارة على مدة انقضت في هربه، بطلت الإجارة؛ لأنه أتلف المعقود عليه، فأشبه ما لو باعه مكيلاً فأتلفه قبل تسليمه.
فصل.
وإن أجر عبده، ثم أعتقه، لم تنفسخ الإجارة؛ لأنه عقد على المنفعة فلم تنفسخ بالعتق، كالنكاح، ولا يرجع العبد بشيء؛ لأن منفعته استحقت بالعقد قبل العتق، فلم يرجع ببدله، كما لو زوج أمته، ثم أعتقها، ونفقته على سيده؛ لأنه يملك بدل منفعته، فهو كالباقي على ملكه.
فصل:
وإن أجر عيناً، ثم باعها، صح البيع؛ لأنه عقد على المنفعة، فلم يمنع البيع كالنكاح، ولا تبطل الإجارة قياساً على النكاح، وإن باعها من المستأجر، صح لذلك، وفي الإجارة وجهان: أحدهما: تبطل لأنها عقد على المنفعة، فأبطلها ملك الرقبة كالنكاح، فعلى هذا يسقط من الأجرة بقدر ما بقي من المدة.
والثاني: لا تبطل؛ لأنه عقد على الثمرة، فلم تبطل بملك الأصل، كما لو اشترى ثمرة شجرة ثم ملك أصلها، ومتى وجد المستأجر عيباً ففسخ به، رجع على المؤجر؛ لأن عوض الإجارة له، فالرجوع عليه، وإن كان المستأجر هو المشتري فكذلك، إن قلنا: لا تنفسخ الإجارة، وإن قلنا: تنفسخ، لم يرجع على أحد.
فصل:
ولا تنفسخ الإجارة بموت المتكاريين، ولا موت أحدهما؛ لأنه عقد لازم، فلا يبطل بموت المتعاقدين مع سلامة المعقود عليه كالبيع، وإن أجر عيناً موقوفة عليه، ثم مات ففيه وجهان: أحدهما: لا تبطل؛ لأنه أجر ما له إجارته شرعاً، فلم تبطل بموته كما لو أجر ملكه، ولكن يرجع البطن الثاني في تركة المؤجر بأجر المدة الباقية، إن كان قبضها؛ لأن المنافع لهم فاستحقوا أجرتها.
والثاني: تبطل فيما بقي من المدة؛ لأننا تبينا أنه أجر ملكه وملك غيره، فإن المنافع بعد موته لغيره بخلاف المالك، فإن ورثته إنما يملكون ما خلفه، وما خرج عن ملكه بالإجارة في حياته، غير مخلف فلم يملكوه، والأمر إلى من انتقل إليه الوقف في إجارته أو تركه، فعلى هذا يرجع المستأجر على المؤجر بأجرة بقية المدة، وإن أجر الولي الصبي، أو ماله مدة فبلغ في أثنائها، ففيه وجهان أيضاً كهذين.
باب ما يلزم المتكاريين وما لهما فعله
يجب على المكري ما يحتاج إليه من التمكين، من الانتفاع، كمفتاح الدار، وزمام الجمل والقتب والحزام، ولجام الفرس وسرجه؛ لأن عليه التمكين من الانتفاع، ولا يحصل إلا بذلك، وما تلف من ذلك في يد المكتري، لم يضمنه، كما لا يضمن العين، وعلى المكري بدله، لأن التمكين مستحق عليه إلى أن يستوفي المكتري المنفعة.
فأما ما يحتاج إليه لكمال الانتفاع، كالحبل والدلو والمحمل والغطاء، والحبل الذي يقرن به بين المحملين فهو على المكتري؛ لأن ذلك يراد لكمال الانتفاع فأشبه بسط الدار.
فصل:
وعلى المكري رفع المحمل وحطه، ورفع الأحمال وسوق الظهر وقوده؛ لأن ذلك العادة، فحمل العقد عليه.
وعليه أن ينزل الراكب للطهارة وصلاة الفرض؛ لأنه لا يمكن فعله راكباً، وليس ذلك عليه للأكل والنفل؛ لأنه ممكن على الظهر، وعليه أن يبرك الجمل للمرأة وللمريض والضعيف، وإن كانت الإجارة على تسليم الظهر، لم يكن عليه شيء من ذلك، فأما أجرة الدليل، فإن كانت الإجارة على تحصيل الراكب في البلد فعلى المكري؛ لأنه من مؤنة التحصيل، وإن كانت على تسليم الظهر، أو على مدة، فهو على المكتري؛ لأن الذي على المكري تسليم الظهر وقد فعل، وعلى المكري تسليم الدار فارغة الحش والبالوعة؛ لأنه من التمكن، فإن امتلأ في يد المكتري، فعليه كسحه؛ لأنه ملأه فكان عليه إزالته، كتنظيف الدار، وعلى المكري إصلاح ما انهدم من الدار، وتكسر من خشب؛ لأنه من التمكين وإذا استأجر ظئراً للرضاع وشرط الحضانة، وهي خدمة الصغير وغسل خرقه لزمها، وإن لم يشترطه عليها، لم يلزمها إلا الرضاع؛ لأنهما منفعتان مقصودتان تنفرد إحداهما عن الأخرى، فلم تلزم إحداهما بالعقد على الأخرى، وعليها أن تأكل وتشرب ما يدر به اللبن ويصلح به، وللمكتري مطالبتها به؛ لأنه من التمكين، ويضر الصبي تركه.
فصل: وعلى المكتري علف الظهر وسقيه؛ لأنه من التمكين، فإن هرب، وترك جماله، رفع الأمر إلى الحاكم ليحكم في مال الجمال بالعلف، فإن لم يجد له مالاً، اقترض عليه، فإن اقترض من المكتري، أو أذن له في الإنفاق عليها قرضاً، جاز؛ لأنه موضع حاجة، وإن كان في الجمال فضل عن المكتري، باعه وأنفق منه، فإذا رجع الجمال، أو اختلفا في النفقة، فالقول قول المنفق؛ لأنه أمين إذا كانت دعواه لقدر النفقة بالمعروف، وما زاد لا يرجع به؛ لأنه متطوع، فإن أنفق من غير إذن الحاكم مع إمكانه، وأشهد على
ذلك، فهل يرجع به؟ على وجهين بناء على من ضمن دينه بغير إذنه، وإن لم يجد من يشهد فأنفق، ففي الرجوع وجهان.
أصحهما: يرجع به؛ لأنه موضع ضرورة فأشبه ما لو أنفق على الآبق في رده، وإذا وصل دفع الجمال إلى الحاكم، ليوفي المنفق نفقته منها، ويفعل في سائرها ما يرى الحظ فيه لصاحبها، من بيعها وحفظ ثمنها، أو بيع بعضها، وإنفاقه على باقيها.
فصل: وليس على المكتري مؤنة رد العين؛ لأنها أمانة، فلم يلزم مؤنة ردها كالوديعة، ويحتمل أن يلزمه؛ لأنه غير مأذون له في إمساكها بعد انقضاء مدتها، فلزمه مؤنة ردها كالعارية.
فصل:
وللمكتري استيفاء المنفعة بالمعروف؛ لأن إطلاق العقد يقتضي المتعارف، فصار كالمشروط، فإذا استأجر داراً للسكنى، فله وضع متاعه فيها؛ لأنه متعارف في السكنى، ويترك فيها من الطعام ما جرت عادة الساكن به لذلك، وليس له جعلها مخزناً للطعام؛ لأنه غير متعارف وفيه ضرر؛ لأن الفأر تنقب الحيطان للحصول إليه، ولا يجوز أن يربط، فيها الدواب، ولا يطرح فيها الرماد والتراب؛ لأنه غير متعارف به، وإن اكترى قميصاً ليلبسه، لم يكن له أن ينام فيه ليلاً، وله ذلك نهاراً؛ لأن العادة الخلع لنوم الليل دون النهار، وليس له أن يتزر به؛ لأنه يعتمد عليه أكثر من اللبس، وله أن يرتدي به في أحد الوجهين؛ لأنه أخف، والآخر ليس له ذلك؛ لأنه غير المتعارف في لبس القميص، وإن اكترى ظهراً في طريق، العادة السير فيه زمناً دون زمن لم يسر إلا فيه؛ لأنه المتعارف، وإن كانت العادة النزول للرواح، وكان رجلاً قوياً، ففيه وجهان: أحدهما: يلزمه ذلك؛ لأنه المتعارف.
والثاني: لا يلزمه؛ لأنه اكترى للركوب في جميع الطريق، فلم يلزمه تركه في بعضه، وإن اكتره إلى مكة، لم يجز أن يحج عليه؛ لأنه زيادة، وإن اكتراه ليحج عليه، فله الركوب إلى منى، ثم إلى عرفة، ثم إلى مكة، وهل له أن يركبه عائداً إلى منى؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأنه قد حل من الحج.
والثاني: له ذلك؛ لأنه من تمام الحج.
فصل: وله ضرب الظهر، وكبحه باللجام، وركضه برجله للمصلحة؛ «لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضرب جمل جابر حين ساقه» ولأنه لا يتوصل إلى استيفاء المنفعة إلا به، فملكه كركوبه، وإن شرط حمل أرطال من الزاد، فله إبدال ما يأكل؛ لأن له غرضاً في أن يشتري الزاد من الطريق، ليخفف عليه حمله فملك بدله، كالذي يشرب من الماء.
فصل:
وله أن يستوفي النفع المعقود ومثله ودونه في الضرر، ولا يملك فوقه، ولا ما يخالف ضرر ضرره، لأنه يأخذ فوق حقه، أو غير حقه.
فإن اكترى ظهراً في طريق، فله ركوبه إلى ذلك البلد في مثله، ودونه في الخشونة، والمسافة والمخافة، ولا يركبه في أخشن منه، ولا أبعد، ولا أخوف، وإن اكترى أرضاً للغراس والبناء، فله زرعها؛ لأنه أقل ضرراً، وإن استأجرها لأحدهما لم يملك الآخر؛ لأن ضرر كل واحد منهما يخالف ضرر الآخر، وإن استأجرها للزرع لم يغرس، ولم يبين؛ لأنهما أضر منه، وإن استأجرها لزرع الحنطة، فله زرعها، وزرع ما ضرره كضررها أو أدنى، كالشعير، والبقلاء، ولا يملك زرع الدخن والذرة والقطن؛ لأن ضررها أكثر، وإن اكترى ظهراً ليحمل عليه قطناً، لم يجز أن يحمل عليه حديداً؛ لأنه أضر على الظهر لاجتماعه وثقله، وإن اكتراه للحديد، لم يحمل عليه قطناً؛ لأنه أضر لتجافيه، وهبوب الريح فيه، وإن اكتراه ليركبه، لم يحمل عليه؛ لأن الراكب يعين الظهر بحركته، وإن اكتراه للحمل، لم يملك ركوبه؛ لأن الراكب يقعد في موضع واحد، والحمل يتفرق على جنبيه، وإن شرط ركوبه عرياناً، لم يركب بسرج؛ لأنه زيادة، وإن شرط ركوبه بسرج، لم يركبه عرياناً؛ لأنه يضر بظهر الحيوان، والعارية كالإجارة في هذا؛ لأنها تمليك للمنفعة، فأشبهت الإجارة.
فصل: وله أن يستوفي المنفعة بنفسه وبمثله، فإن اكترى داراً، فله أن يسكنها مثله، ومن هو دونه في الضرر، ولا يسكنها من هو أضر منه، وإن اكترى ظهراً يركبه، فله أن يركبه مثله، ومن هو أخف منه، لما ذكرنا في الفصل قبله، فإن شرط أن لا يستوفي غير المنفعة بنفسها، ولا يستوفي مثلها، ولا دونها، ولا يستوفيها بمثله، ولا بدونه، صح الشرط؛ لأنه يملكه المنافع، فلا يملك إلا ما ملكه، ويحتمل أن لا يصح؛ لأنه ينافي موجب الإجارة، ولا يبطل العقد؛ لأن الشرط لا يؤثر المؤجر، فلغي وبقي العقد على مقتضاه.
فصل: وله أن يؤجر العين؛ لأن الإجارة كالبيع، وبيع المبيع جائز، وكذلك إجارة المستأجر، ويجوز أن يؤجرها للمؤجر وغيره، كما يجوز بيع المبيع للبائع وغيره، فإن أجرها قبل قبضها، لم يجز، ذكره القاضي؛ لأنها لم تدخل في ضمانه، فلم تجز إجارتها، كبيع الطعام قبل قبضه، ويحتمل الجواز؛ لأن المنافع لا تصير مقبوضة بقبض العين، فلم يؤثر قبض العين فيها، ويحتمل أن تجوز إجارتها للمؤجر؛ لأنها في قبضه، ولا تجوز من غيره لعدم ذلك، وتجوز إجارتها بمثل الأجرة وزيادة، كالبيع برأس المال وزيادة، وعنه: إن أحدث في العين زيادة، جازت إجارتها بزيادة، وإن لم يفعل لم يؤجرها بزيادة؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نهى عن ربح ما لم يضمن» فإن فعل تصدق بالزيادة، وعنه: يجوز بإذن المالك، ولا يجوز بغير إذنه، والمذهب الأول.
فصل: فإن استوفى أكثر من المنفعة بزيادة متميزة مثل إن اكترى إلى مكان، فجاوزه، أو ليحمل قفيزاً فحمل اثنين لزمه المسمى، لما عقد عليه، وأجرة المثل للزيادة؛ لأنه استوفى المعقود عليه، فاستقر المسمى ولزمته أجرة الزيادة، كما لو اشترى قفيزاً، فقبض اثنين، وإن كانت الزيادة لا تتميز، كرجل اكترى أرضاً ليزرع حنطة فزرع دخناً فكذلك قال أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ينظر ما يدخل على الأرض من النقصان، ما بين الحنطة والشعير، فيعطي رب الأرض، فأوجب المسمى وزيادة؛ لأنه لما عين الحنطة تعلق العقد بما يماثله في الضرر، فصار مستوفياً للمعقود عليه وزيادة كالتي قبلها، وقال أبو بكر: عليه أجرة المثل للجميع؛ لأنه عدل عن المعقود عليه إلى غيره، فلزمته أجرة المثل، كما لو زرع غير الأرض، ولرب الأرض منع المستأجر من زرع الأرض، فإن زرع فحكمه في ذلك حكم الغاصب على ما سيأتي.
فصل: فإن اكترى أرضاً للزرع مدة، فليس له زرع ما لا يستحصد فيها؛ لأن عليه تسليمها، فارغة عند انتهائها، وهذا يمنع ذلك، وللمالك منعه من زرعه لذلك، فإن فعل، لم يجبر، على قلعه في المدة؛ لأنه مالك لمنفعة الأرض، فإذا انقضت ولم يحصد، خير المالك بين أخذه، ودفع نفقته، وبين تركه بالأجرة لأنه تعدى بزرعه، فأشبه الغاصب، وإن كان بقاؤه بغير تفريط، إما لشدة برد، أو قلة مطر ونحوه، فعلى المؤجر تركه بالأجرة؛ لأنه زرعه بحق، فكان عليه المسمى للمدة، وأجرة المثل للزائد لا غير.
فصل: فإن اكتراها مدة ليزرع فيها زرعاً لا يكمل فيها، وشرط قلعه في آخرها، صح العقد والشرط؛ لأنه قد يكون له غرض صحيح فيه، وإن شرط تبقيته حتى يكمل فسد العقد لجهل المدة، ولأن شرط تبقيته تنافي تقدير مدته، وللمؤجر منعه من الزرع؛ لأن العقد فاسد، فإن زرعه، لزم إبقاؤه بشرطه؛ لأنه زرعه بإذن المالك، وإن أطلق العقد، صح؛ لأن الانتفاع بالأرض في هذه المدة ممكن، فإذا انقضت، والزرع باق، احتمل أن يكون حكمه حكم المفرط لزرعه في مدة الإجارة ما لا يكمل فيها، واحتمل أن يكون حكمه حكم غير المفرط لتفريط المؤجر بإجارة مدة لا يكمل فيها.
فصل: وأن استأجرها للغراس مدة، جاز، وله الغرس فيها، ولا يغرس بعدها؛ لأن العقد، يقتضي التصرف في المدة دون ما بعدها، فإن غرس، فانقضت المدة، وكان مشروطاً عليه القلع عند انقضائها، أخذ بما شرطه، ولم يلزمه تسوية الحفر؛ لأنه لما شرط القلع، مع علمه بأنه يحفر الأرض كان راضياً، وإن لم يكن شرط القلع، لم يجب؛ لأن تفريغ المستأجر على حسب العادة، والعادة ترك الغراس حتى ييبس، وللمستأجر قلع غرسه؛ لأنه ملكه، فإن قلعه، لزمه تسوية الحفر؛ لأنه حفرها لتخليص ملكه من ملك غيره بغير إذنه، وإن لم يقلعه، فللمؤجر دفع قيمته ليملكه؛ لأن الضرر يزول عنهما به، أشبه الشفيع في غراس المشتري، وإن أراد قلعه، وكان لا ينقص بالقلع، أو ينقص لكنه يضمن، أرش النقص، فله ذلك؛ لأن الضرر يزول عنهما به، وإن اختار إقراره بأجرة مثله، فله ذلك؛ لأن الضرر يزول عنهما به، ولصاحب الشجر بيعه للمالك ولغيره، فيكون بمنزلته؛ لأن ملكه ثابت عليه، فأشبه الشقص المشفوع، والبناء كالغراس في جميع ما ذكرنا.
باب تضمين الأجير واختلاف المتكاريين
الأجير على ضربين: خاص ومشترك، فالخاص: هو الذي يؤجر نفسه مدة، فلا ضمان عليه فيما يتلف في يده بغير تفريط، مثل أن يأمره بالسقي، فيكسر الجرة، أو بكيل شيء، فيكسر الكيل، أو بالحرث، فيكسر آلته نص عليه، أو بالرعي، فتهلك الماشية بغير تفريطه، والمشترك: الذي يؤجر نفسه على عمل، فظاهر كلام الخرقي، أنه يضمن ما تلف بعمله، ونص عليه أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في حائك دفع إليه غزل، فأفسد حياكته يضمن، والقصار ضامن لما يتخرق من مده ودقه وعصره وبسطه، والطباخ ضامن لما أفسد من طبخه، لما روى جلاس بن عمرو: أن علياً - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كرم الله وجهه: كان يضمن الأجير، ولأنه قبض العين لمنفعة من غير استحقاق، فكان ضامناً لها
كالمستعير، وقال القاضي وأصحابه: إن كان يعمل في ملك المستأجر، كخياط أو خباز، أخذه إلى داره ليستعمله فيها، فلا ضمان عليه ما لم يتعد فيه، مثل أن يسرف في الوقود أو يلزقه قبل وقته، أو يتركه بعد وقته فيضمن؛ لأنه أتلفه بعدوانه، وما لا فلا ضمان عليه؛ لأنه سلم نفس إلى صاحب العمل، فأشبه الخاص، وإن كان العمل في غير ملك المستأجر، ضمن ما جنت يداه لما ذكرناه، ولا ضمان عليه فيما تلف من حرزه؛ لأنها أمانة في يده، فأشبه المودع، وإن حبسها على أجرتها فتلفت، ضمنها؛ لأنه متعد بإمساكها إذ ليست رهناً ولا عوضاً عن الأجرة.
فصل: ولا ضمان على المستأجر في العين المستأجرة إن تلفت بغير تفريط؛ لأنه قبضها ليستوفي ما ملكه فيها، فلم يضمنها كالزوجة، والنخلة التي اشتراها ليستوفي ثمرتها، وإن تلفت بفعله بغير عدوان، كضرب الدابة وكبحها، لم يضمن؛ لأنها تلفت من فعل مستحق، فلم يضمنها، كما لو تلفت تحت الحمل، وإن تلفت بعدوان، كضربها من غير حاجة، أو لإسرافه فيه، ضمن؛ لأنه جناية على مال الغير، وإن اكترى إلى مكان، فتجاوزه، فهلك الظهر، ضمنه؛ لأنه متعد، أشبه الغاصب، وإن هلك بعد نزوله عنه، وتسليمه إلى صاحبه، لم يضمنه؛ لأنه برئ بتسليمه إليه إلا أن يكون هلاكه، لتعب الحمل فيضمنه؛ لأنه هلك بعدوانه، وإن حمل عليه أكثر مما استأجره، فتلف، ضمنه لذلك، وإن اكترى دابة ليركبها فركب معه آخر بغير إذن فتلفت، ضمانها الآخر كلها؛ لأن عدوانه سبب تلفها فضمنها، كمن ألقى حجراً في سفينة موقرة فغرقها، وإن تلفت الدابة، بعد عودها إلى المسافة، ضمنها؛ لأن يده صارت ضامنة، فلم يسقط عنه ذلك إلا بإذن جديد، ولم يوجد.
فصل: ولو قال لخياط: إن كان هذا يكفيني قميصاً فاقطعه فقطعه، فلم يكفه، ضمنه؛ لأنه إنما أذن له في قطعه بشرط الكفاية ولم يوجد، وإن قال: هو يكفيك قميصاً فقال: اقطعه، فقطعه، فلم يكفه لم يضمنه؛ لأنه قطعه بإذن مطلق.
فصل: ومن أجر عيناً فامتنع من تسليمها فلا أجرة له؛ لأنه لم يسلم المعقود عليه، فلم يستحق عوضه، كالمبيع إذا لم يسلمه، وإن سلمه بعض المدة، ومنعه بعضاً، فقال أصحابنا: لا أجرة له؛ لأنه لم يسلم ما تناوله العقد، فأشبه الممتنع من تسليم الجميع، ويحتمل أن يلزمه عوض ما استوفاه، كما باعه مكيلاً فسلم إليه بعضه، ومنعه من
باقيه، وإن أجر نفسه على عمل، وامتنع من إتمامه، فكذلك، وإن أجر عبده فهرب، أو دابة فشردت في بعض المدة فله من الأجرة بقدر ما استوفي من المدة؛ لأن الامتناع بغير فعله، فأشبه ما لو مات، وإن تلف الثوب في يد الصانع بغير تفريطه، فلا أجرة له فيما عمل؛ لأنه لم يسلمه إلى المستأجر، فلم يستحق عوضه، وإن تلف بتفريطه خير المالك بين تضمنه إياه معمولاً، ويدفع إليه أجرته، وبين تضمينه إياه غير معمول ولا أجرة له، وإن استأجر الأجير المشترك أجيراً خاصاً، فأتلف الثوب، فلا ضمان على الخاص، ويضمنه المشترك.
فصل:
وإذا اختلف المتكاريان في قدر الأجرة أو المنفعة، تحالفا؛ لأنه عقد معاوضة، أشبه البيع، ثم الحكم في فسخ الإجارة، كالحكم في فسخ البيع؛ لأنها بيع، وإن اختلفا في العدوان، فالقول قول المستأجر؛ لأن الأصل عدم العدوان، والبراءة من الضمان، وإن اختلفا في رد العين، ففيه وجهان: أحدهما: القول قول المؤجر؛ لأن الأصل عدم الرد، ولأن المستأجر قبض العين لنفسه، أشبه المستعير.
والثاني: القول قول الأجير؛ لأنه أمين، فأشبه المودع، وإن هلكت العين، فقال الأجير: هلكت بعد العمل، فلي الأجرة، فأنكره المستأجر، فالقول قوله؛ لأن الأصل عدم العمل، وإن دفع ثوباً إلى خياط، فقطعه قباء، وقال: بهذا أمرتني، فلي الأجرة، ولا ضمان علي وقال صاحبه: إنما أمرتك بقطعه قميصاً، فالقول قول الأجير، نص عليه؛ لأنه مأذون له في القطع، والخلاف في صفته، فكان القول قول المأذون له كالمضارب ولأن الأصل عدم وجوب الغرم، فكان القول قول من ينفيه، ويتخرج أن يقبل قول المالك؛ لأن القول قوله في أصل الإذن، فكذلك في صفته، ولأن الأصل عدم ما ينفيه، فكان القول قوله فيه.
باب الجعالة
وهي أن يجعل جعلاً لمن يعمل له عملاً من رد آبق أو ضالة، أو بناء، أو خياطة، وسائر ما يستأجر عليه من الأعمال فيجوز ذلك؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ﴾ [يوسف: 72]
﴿بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72] ولما روى أبو سعيد «أن ناساً من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتوا حياً من أحياء العرب، فلم يقروهم، فبينا هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك، فقالوا: هل فيكم من راق؟ فقالوا: لم تقرونا فلا نفعل، أو تجعلوا لنا جعلاً، فجعلوا لهم قطيع شياه، فجعل رجل يقرأ بأم القرآن، ويجمع بزاقة ويتفل فبرئ الرجل، فأتوهم بالشياه، فقالوا: لا نأخذها حتى نسأل عنها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: وما أدراك أنها رقية خذوها واضربوا لي منها بسهم» .
متفق عليه.
ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك في رد الضالة ونحوها، فجاز كالإجارة، ويجوز عقد الجعالة لعامل غير معين، وعمل مجهول، فيقول: من رد ضالتي فله كذا للآية، ولأن الحاجة داعية إليه مع الجهل، فجاز كالمضاربة، ولا يجوز إلا بعوض معلوم؛ لأنه عقد معاوضة، فاشترط العلم بعوضه كالإجارة، فإن شرط مجهولاً فسد، وله أجرة المثل؛ لأنه عقد يجب المسمى في صحيحه، فوجبت أجرة المثل في فاسده كالإجارة.
فصل: وهي عقد جائز؛ لأنها تنعقد على مجهول، فكانت جائزة كالمضاربة، وأيهما فسخ قبل الشروع في العمل فلا شيء للعامل، وإن فسخه العامل قبل تمام العمل، فلا شيء له، لأنه إنما يستحق بعد الفراغ من عمله وقد تركه، وإن فسخه الجاعل بعد التلبس به، فعليه أجرة ما عمل العامل؛ لأنه إنما عمل بعوض لم يسلم له، وإن تم العمل، لزم العقد ووجب الجعل؛ لأنه استقر بتمام العمل، فأشبه الربح في المضاربة، وإن زاد في الجعل، أو نقص منه قبل الشروع في العمل، جاز؛ لأنه عقد جائز، فجازت الزيادة فيه والنقصان قبل العمل كالمضاربة.
فصل:
ولا يستحق الجعل إلا بعد فراغه من العمل؛ لأنه كذا شرط، وإن جعل له جعلاً على رد آبق فرده إلى باب الدار، فهرب، أو مات قبل تسليمه لم يستحق شيئاً؛ لأنه لم يأت بما جعل الجعل فيه، وإن قال: من رده من مصر فله دينار، فرده من نصف طريقها، أو قال: من رد عبدي، فله دينار، فرد أحدهما، فله نصف الدينار؛ لأنه عمل نصف العمل، وإن رده من أبعد من مصر، لم يستحق إلا الدينار؛ لأنه لم يضمن لما زاد شيئاً، وإن رده جماعة اشتركوا في الدينار؛ لأنهم اشتركوا في العمل.
فإن جعل لواحد في رده ديناراً، ولآخر اثنين، ولآخر ثلاثة، فلكل واحد منهم ثلث جعله، وإن جعل لواحد منهم ثوباً، فله ثلث أجرة المثل؛ لأنه عوض مجهول، فاستحق ثلث أجرة
المثل، وإن جعل لواحد جعلاً، فأعانه آخر، فالجعل كله للمجعول له؛ لأن العمل كله له.
فإن قال الآخر: شاركته لأشاركه في الجعل، فللعامل نصف الجعل؛ لأنه عمل نصف العمل ولا شيء للآخر؛ لأنه لم يشرط له شيء.
فصل: ومن عمل لغيره عملاً بغير جعل، فلا شيء له؛ لأنه بذل منفعته بغير عوض، فلم يستحقه، وإن التقط لقطة قبل الجعل، ثم بلغه الجعل لم يستحقه؛ لأنه وجب عليه ردها بالتقاطها، فلم يجز له أخذ العوض عن الواجب، وإن التقطها بعد الجعل، ولم يعلم بذلك لم يستحقه؛ لأنه تطوع بالالتقاط، وإن نادى غير صاحب الضالة: من ردها، فله دينار، فردها رجل، فالدينار على المنادي؛ لأنه ضمن العوض وإن قال في النداء: قال فلان: من رد ضالتي فله دينار، فردها رجل، لم يضمن المنادي؛ لأنه لم يضمن، إنما حكى قول غيره.
فصل وإن اختلفا في الجعل أو في قدره، أو في المجعول فيه الجعل، فالقول قول المالك؛ لأنه منكر ما يدعى عليه والأصل عدمه.
فصل:
وإن رد آبقاً من غير شرط، ففيه روايتان: إحداهما: لا جعل له فيما ذكرنا.
والثانية: له الجعل؛ لأن ذلك يروى عن عمر، وعلي، وابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، ولا يعرف لهم مخالف في الصحابة، ويروى عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أنه جعل في الآبق إذا جاء به خارجاً من الحرم ديناراً» ولأن في ذلك حثاً على رد الإباق، وصيانة عن الرجوع إلى دار الحرب، وردتهم عن دينهم، فينبغي أن يكون مشروعاً، وقدر الجعل ديناراً أو اثني عشر درهماً، لما روينا، ولأن ذلك يروى عن عمر وعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وعن أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه إن رده من خارج المصر فله أربعون درهماً، وإن رده من المصر، فله دينار؛ لأنه يروى عن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وسواء كان ذلك كقيمة العبد أو أقل أو أكثر، فإن مات السيد، استحق الجعل في تركته، وما أنفقه على الآبق في قوته، رجع به على سيده، سواء رده أو هرب منه في بعض الطريق.
باب المسابقة
تجوز المسابقة على الأقدام والدواب وبالسهام والحراب والسفن وغيرها، لما روى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سابق بين الخيل المضمرة من الحفياء إلى ثنية الوداع، وبين التي لم تضمر من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق» متفق عليه، «وسابق النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - على قدميه» وسابق سلمة بن الأكوع رجلاً من الأنصار بين يديه، «ومر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقوم يربعون حجراً أي يرفعونه بأيديهم ليعلم الشديد منهم، فلم ينكر عليهم» ولا يجوز بعوض إلا في الخيل والإبل والسهام، لما روى أبو هريرة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر» رواه أبو داود.
فتعين حمله على المسابقة بعوض جمعاً بينه وبين ما روينا، والمراد بالحافر الخيل خاصة، وبالخف الإبل، وبالنصل السهام؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ليس من اللهو إلا ثلاث: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته أهله، ورميه بقوسه ونبله» ولأن غير الخيل والإبل لا تصلح للكر والفر والقتال، وغير السهام لا يعتاد الرمي بها، فلم تجز المسابقة عليها كالبقر والتراس.
فصل: والمسابقة بعوض جعالة فيه؛ لأنه عقد على ما لا يعلم القدرة على تسليمه، فأشبه رد الآبق، ولكل واحد منهما فسخها قبل الشروع في المسابقة، وما لم يظهر فضل أحدهما، فإن ظهر، فللفاضل الفسخ والنقصان والزيادة ولا يجوز للمفضول، لئلا يفوت غرض المسابقة، فإنه متى بان له أنه مسبوق، فسخ، وذكر القاضي وجهاً آخر، أنها عقد لازم؛ لأن من شرطها العلم بالعوضين فكانت لازمة كالإجارة، ويجوز بذل العوض من بيت المال، ومن السلطان، ومن المتسابقين وآحاد الرعية؛ لأنه إخراج مال لمصلحة، فجاز من الجميع كارتباط الخيل في سبيل الله، فإن بذل العوض فيها تحريض على التعلم، والاستعداد للجهاد، ومن شرط العوض كونه معلوماً لما ذكرنا في الجعالة له.
فصل:
ولا تجوز المسابقة بين جنسين، كالخيل والإبل؛ لأن تفاضل الجنسين معلوم.
فأما النوعان كالعربي والهجين، والبختي والعرابي، فقال القاضي: تجوز المسابقة بينهما؛ لأن الجنس يشملهما، فأشبها النوع الواحد، وقال أبو الخطاب: لا تصح؛ لأنهما يختلفان في الجري عادة، فأشبها الجنسين، وكذا الخلاف في المناضلة بنوعين من القسي، كالعربي والفارسي وقوس الجرح وقوس النبل لذلك.
فصل: ويشترط تعيين المركوبين؛ لأن القصد جوهرهما، وتعيين الراميين؛ لأن القصد
معرفة حذقهما، ولا يعتبر تعيين الراكبين ولا القوسين؛ لأنهما آلة للمقصود فلم يعتبر تعيينهما، كسرج الدابة، ويعتبر تحديد المسافة، لحديث ابن عمر، ولأنهما إذا أجريا إلى غير غاية، لم يؤمن ألا يسبق أحدهما حتى يعطبا أو أحدهما، ولا يجوز إجراؤهما إلا بتدبير الراكبين؛ لأنهما إذا جريا لأنفسهما، تنافرا ولم يمضيا إلى الغاية، ولا يجوز أن يستبقا على أن من سبق صاحبه بخمسة أقدام، فهو السابق؛ لأن هذا لا ينضبط، فإن الفرسين لا يقفان عند الغاية ليقدر ما بينهما.
فصل: وإذا كان الجعل من غيرهم فقال: من سبق منكم، فله عشرة، صح، فإن سبق واحد، فهي له؛ لأنه سبق، وإن سبق اثنان أو أكثر، اشتركوا في السبق، وإن جاء الكل معاً، فلا شيء لهم؛ لأنهم لا سابق فيهم، وإن جعل السبق للمصلي وحده، أو فضله عن السابق، لم يصح؛ لأن كل واحد منهم يجتهد أن لا يسبق فيفوت الغرض، وكذلك إن جعل للسابق عشرة وللثالث أربعة، ولم يجعل للمصلي شيئاً، لم يصح؛ لأن من عدا السابق يجتهد أن لا يسبق صاحبه، وإن سوى بين السابق والمصلي، ولا ثالث معهما، لم يصح لفوات الغرض به، وإن كان معهما ثالث نقص عنهما، صح؛ لأن كل واحد منهم يجتهد في أن لا يكون الثالث، وإن جعل للمجلي وهو الأول مائة، وللمصلي وهو في الثاني تسعين، وللمسلي وهو الثالث ثمانين، وللتالي وهو الرابع سبعين، وللمرتاح وهو الخامس ستين، وللعاطف وهو السادس خمسين، وللحظي وهو السابع أربعين، وللمؤمل وهو الثامن ثلاثين، وللطيم وهو التاسع عشرين، وللحظي وهو العاشر عشرة، وللفسكل وهو الأخير خمسة، صح؛ لأن الغرض حاصل وكل واحد يجتهد في سبق الآخر، لينال أعلى من رتبته، وإن جعل كل رتبة يشترك فيه جميع من بلغها، احتمل أن يصح لذلك، واحتمل أن لا يصح؛ لأنه قد يشترك في السبق جماعة، وينفرد المصلي فيفضلهم بكثرة ما جعل له فيفوت الغرض، وإن قال: من بلغ الغاية فله عشرة، لم يكن ذلك مسابقة؛ لأن مقصود المسابقة التحريض على السبق وتعلم الفروسية، وهذا يفوت بالتسوية، ولكنه جعالة محضة؛ لأنه بذل العوض في أمر فيه غرض صحيح، وكذلك إن قال: ارم عشرة اسهم، فإن كانت إصابتك أكثر من خطئك، فلك كذا، أو قال: إن أصبت بهذا السهم، فلك كذا، صح ولم يكن مناضلة لذلك.
فصل:
وإن أخرج الجعل أحد المتسابقين، جاز؛ لأن فيهما من يأخذ ولا يعطي، فلا يكون قماراً.
فإن سبق من أخرج، أحرز سبقه، ولم يأخذ من صاحبه شيئاً، وإن سبق الآخر، أحرز الجعل؛ لأنه سابق، وإن جاءا معاً فالجعل لصاحبه؛ لأنه لا سبق فيهما.
وإن أخرجا معاً، لم يجز؛ لأنه يكون قماراً؛ لأنه ليس فيهما إلا من يأخذ إذا سبق، ويعطي إذا سبق، إلا أن يدخلا معهما ثالثاً يساوي فرسه فرسيهما، لما روى أبو هريرة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من أدخل فرساً بين فرسين وهو لا يؤمن أن يسبق، فليس بقمار، ومن أدخل فرساً بين فرسين وقد أمن أن يسبق، فهو قمار» رواه أبو داود، ولأنه مع وجود المحلل المكافئ فيهم من يأخذ ولا يعطي، فيخالف القمار.
فإن كان لا يكافئهما، فوجوده كعدمه؛ لأنه معلوم أنه لا يأخذ شيئاً، وسواء كان المحلل واحداً أو أكثر، والمسابقة بين اثنين أو حزبين؛ لأن الغرض الخروج من القمار وقد حصل على أي صفة كان.
فإذا تسابقوا فجاءوا معاً، أو جاء المستبقان معاً قبل المحلل، أحرز كل واحد منهما سبقه، ولا شيء للمحلل؛ لأنه لم يسبق ولم يسبق أحدهما صاحبه، وإن سبقهما المحلل أخذ سبقيهما؛ لأنه سبقهما، وإن سبق أحد المستبقين وحده، أحرز السبقين لسبقه، ولم يأخذ من المحلل شيئاً، وإن سبق أحدهما مع المحلل، أحرز المستبق سبق نفسه؛ لأنه غير مسبوق، وكان سبق الآخر بينه وبين المحلل نصفين، لاشتراكهما في سبقه.
فصل: وترسل الفرسان معاً من أول المسافة في حال واحدة، ولا يجوز لأحدهما أن يجنب مع فرسه فرساً يحرضه على العدو، ولا يصلح به ولا يجلب عليه، لما روى عمران بن حصين أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا جلب ولا جنب في الرهان» رواه أبو داود، وروى ابن عباس أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من أجلب على الخيل يوم الرهان فليس منا» فإن استوى الفرسان في طول العنق فسبق أحدهما برأسه، فهو سابق، وإن اختلفا في طول العنق، أو كان بعيرين اعتبر السبق بالكتف، فمن سبق به أو ببعضه، فهو سابق، ولا عبرة بالعنق، وإن عثر أحدهما، أو ساخت قوائمه في الأرض، أو وقف لعلة، فسبقه الآخر لم يحكم له بالسبق؛ لأن سبقه إياه للعارض، لا لفضل جريه.
فصل:
وإن مات أحد المركوبين، بطلت المسابقة؛ لأن العقد تعلق بعينه، فأشبه تلف المعقود عليه في الإجارة، وإن مات الراكب، لم تبطل؛ لأنه غير المعقود عليه، وللوارث أن يقوم مقامه، وله أن لا يفعل؛ لأن العقد جائز، ومن جعله لازماً، ألزمه.
أن يقوم مقامه، كالإجارة.
باب المناضلة
وهي المسابقة بالرمي وتجوز بين اثنين وحزبين، لما روي «عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه خرج على أصحاب له يتناضلون فقال: ارموا وأنا مع بني فلان، فأمسك الآخرون، فقالوا: يا رسول الله، كيف نرمي وأنت معهم فقال: ارموا وأنا معكم كلكم» رواه البخاري ولأنه إذا جاز على اثنين، جاز على ثلاثة كسباق الخيل.
فصل: ويشترط لصحتها شروط ثمانية: أحدهما: تعيين الرماة؛ لأن الغرض معرفة الحذق في الرمي، فلا يتحقق مع عدم التعيين، كسباق الخيل، فإن عقد اثنان نضالاً على أن يكون مع كل واحد منهما ثلاثة لم يصح لذلك، وإن عقد جماعة نضالاً ليتناضلوا حزبين، احتمل أن لا يصح؛ لأن التعيين لا يتحقق قبل التفاضل، وقال القاضي: يصح ويجعل لكل حزب رئيس، فيختار أحدهما واحداً، ويختار الآخر آخر كذلك حتى يتناضلوا، فإن اختلفا في المبتدئ منهما بالخيار، أقرع بينهما، ولا يجوز أن يقتسموا بالقرعة؛ لأنها ربما وقعت على الحذاق في أحد الحزبين، ولا يجوز أن يجعل زعيم الحزبين واحداً؛ لأنه قد يميل إلى أحدهما فتلحقه التهمة، ولا يجوز أن يجعل الخيرة في تمييز الحزبين إلى واحد، ولا يجوز أن يجعل إلى واحد، والسبق عليه؛ لأنه يختار الحذاق فيبطل معنى النضال.
فصل:
الشرط الثاني: تعيين نوع القسي؛ لأن الأغراض تختلف باختلافها، فقد يكون الرامي أحذق بنوع منه بالنوع الآخر، وإن لم يكن في البلد إلا نوع واحد، لم يحتج إلى التعيين؛ لأن الإطلاق ينصرف إليه كالنقد، فإن عقدا على نوع، فأراد أحدهما أن ينتقلا إلى غيره، أو ينتقل أحدهما، لم يجز لما ذكرناه وإن عقدا على قوس بعينه، فانتقل أحدهما إلى غيره من نوعه، جاز؛ لأن الأغراض لا تختلف باختلاف الأعيان.
وإن شرط عليه أن لا ينتقل خرج على الوجهين فيما إذا شرط في الإجارة أن لا يستوفي المنفعة بمثله.
فصل: الشرط الثالث: أن يرميا غرضاً، وهو ما يقع فيه السهم المصيب من جلد أو ورق أو نحوه، وإن قالا: السبق لأبعدنا رمياً لم يصح؛ لأن القصد بالرمي الإصابة لا الإبعاد، فلم يجز أخذ العوض من غير المقصود، والسنة أن يكون لهما غرضان في هدفين متقابلين يرميان من أحدهما الآخر، ثم يرميان من الآخر الأول، فإن أصحاب
النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كذلك كانوا يرمون، فروي عن حذيفة، وابن عمر أنهما كانا يشتدان بين الغرضين، إذا أصاب أحدهما خصلة قال: أنا بها في قميص رواه سعيد.
ويروى أن «ما بين الهدفين روضة من رياض الجنة» . والهدف: اسم لما ينصب الغرض فيه.
فصل:
الشرط الرابع: أن يكون قدر الغرض معلومًا طوله وعرضه وانخفاضه وارتفاعه؛ لأن الإصابة تختلف باختلافه، فوجب علمه كتعيين النوع.
فصل:
فإن أطلقا العقد، حمل على إصابته أي موضع كان من الغرض من أطرافه وعراه وغيرها، وإن أصاب علاقته، لم يحسب له؛ لأن العلاقة ما يعلق به، والغرض: هو المعلق.
وإن شرطا إصابة موضع من الغرض، كالدارة التي في وسطه، أو الخاتم الذي في الدارة، لم يحتسب بإصابة غيره، ويستحب أن يصفا الإصابة، فيقولا: خواصل، وهو اسم للإصابة كيفما كانت، أو خوارق، وهو ما ثقب الغرض، أم خواسق، وهو ما ثقبه وثبت فيه، أو موارق، وهو ما ثقبه ونفذ منه، أو خوارم وهو ما قطع طرفه.
فإن أطلقا الإصابة حمل على الخواصل، والقرع كالخصل، فإن أصاب سهمًا في الغرض قد عرق إلى فوقه حسب له؛ لأنه لولاه لوقع السهم في الغرض، وإن كان السهم معلقًا بنصله، وباقيه خارج من الغرض، لم يحسب له ولا عليه؛ لأن بينه وبين الغرض طول السهم، فلا يدري أكان يصيب أم لا؟ فإن أطارت الريح الغرض، فأصاب السهم موضعه، حسب له، وإن وقع في الغرض في الموضع الذي انتقل إليه حسب عليه في الخطأ؛ لأنه أخطأ في الرمي، وإنما أصاب بفعل الريح، وإن عرضت ريح شديدة، لم يحسب له السهم في إصابة ولا خطأ؛ لأن ذلك من أجل الريح، وإن كانت لينة حسب في الإصابة والخطأ؛ لأنها لا تمنع.
وإن وقع السهم دون الغرض، ثم ازدلف فأصابه حسب خاطئًا؛ لأن هذا لسوء رميه، وإن عرض عارض، من كسر قوس، أو انقطاع وتر، أو ريح في يده، فأصاب، حسب له؛ لأن إصابته مع اختلال الآلة أدل على حذقه، وإن أخطأ لم يحسب عليه؛ لأنه للعارض، وقال القاضي: يحسب له؛ لأنه لا يحسب عليه في الخطأ، فلا يحسب له في الإصابة كما في الريح الشديدة.
وإن انكسر السهم فوقع دون الغرض، لم يحسب عليه؛ لأنه لعارض، وإن أصاب بنصله حسب له لما ذكرناه، وإن أصاب بغيره، لم يحسب له، وإن أعرق الرامي في النزع حتى أخرج السهم من الجانب الآخر، احتسب له وعليه؛ لأنه لسوء رميه أخطأ، ولحذقه أصاب، ولأن ما حسب عليه في الخطأ حسب له في الإصابة كغيره، وإن مرت بهيمة بين يديه، وتشوش رميه، لم يحسب عليه في الخطأ؛ لأنه لذلك العارض، وإن خرقه وأصاب، حسب له؛
لأن هذا لقوة نزعه، وسداد رميه، وإن شرطا الخسق، فأصاب الغرض، وثبت فيه، حسب له، فإن سقط بعد، لم يؤثر، كما لو نزعه إنسان، وإن ثقب ولم يثبت، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يحسب له؛ لأن الخاسق ما ثبت، ولم يوجد.
والثاني: يحسب له؛ لأنه ثقب ما يصلح له، فالظاهر أنه لم يثبت لعارض من سعة الثقب، أو غلظ لقيه، وإن مرق منه، حسب له؛ لأنه لقوة رميه، وإن خدشه، ولم يثبت فيه لمانع من حجر، أو غلظ الأرض، فعلى الوجهين، لكن إن لم يحسب له لم يحسب عليه؛ لأن العارض منعه، وإن لم يكن مانع حسب عليه، فإن اختلفا في العارض، وعلى موضع السهم، وفيه مانع، فالقول قول صاحب السهم، وإلا فالقول قول رسيله، ولا يمين؛ لأن الحال تشهد بصدق المدعي، وإن لم يعلم موضع السهم، ولم يوجد وراء الغرض مانع، فالقول قول رسيله لذلك، وإن كان وراءه مانع، فقال الرسيل: لم يثقب موضع المانع، أو أنكر الثقب، فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل عدم ما يدعيه صاحبه، لكنه محتمل فأحلفناه لذلك، وإن كان في الغرض خرق، أو موضع بال، فوقع السهم فيه، وثبت في الهدف، وكان صلابته كصلابة الغرض، حسب له؛ لأنه لولا الخرق لثبت في الغرض، وإن لم يكن كذلك، لم يحسب له ولا عليه؛ لأننا لا نعلم هل كان يثبت في الغرض أو لا؟ وإن ثبت في الهدف، فوجد في نصله قطعة من الغرض، فقال الرامي: هذا الجلد قطعه سهمي لقوته، وقال رسيله: بل هذه جلدة كانت منقطعة من قبل، فالقول قول الرسيل؛ لأن الأصل عدم الخسق، والله أعلم.
فصل:
الشرط الخامس: أن يكون مدى الغرض معلومًا مقدرًا بما يصيب مثلهما، وفي مثله عادة؛ لأن الإصابة تختلف بالقرب والبعد، فاشترط العلم به كالنوع، وإن جعلاه قدرًا لا يصيبان في مثله، أو لا يصيبان إلا نادرًا، كالزائد على ثلاثمائة ذراع، لم يجز؛ لأن الإصابة تندر في مثل هذا، فيفوت الغرض.
فصل:
الشرط السادس: أن يكون الرشق معلومًا، والرشق بكسر الراء: عدد الرمي؛ لأن الحذق في الرمي لا يعلم إلا بذلك.
فصل: الشرط السابع: أن يكون عدد الإصابة معلومًا، كخمسة من عشرين ونحوها، ويعتبر أن يكون إصابة لا يندر مثلها، فإن شرطا إصابة الجميع، أو تسعة من عشرة، لم
يصح؛ لأن هذا يندر، فيفوت الغرض.
ويستحب أن يبينا حكم الإصابة هل هي مبادرة أو محاطة؟ والمبادرة: أن يقولا: من سبق إلى إصابتين أو نحوهما، فهو السابق، فأيهما سبق إليهما مع تساويهما في الرمي، فهو السابق، فإذا رمى كل واحد عشرة، فأصاب أحدهما إصابتين دون الآخر، فهو السابق.
ولا يلزم إتمام الرمي؛ لأن المقصود قد حصل، وإن أصاب كل واحد منهما من العشرة إصابتين، فلا سابق فيهما، وبطل النضال؛ لأن الزيادة على عدد الإصابة غير معتد بها، فإن رميا العشرين، فلم يصب واحدًا منهما إصابتين، أو أصاباهما معًا، فلا سابق فيهما.
وأما المحاطة، فهي أن يشترطا حط ما تساويا فيه من الإصابة، ثم من فضل صاحبه بإصابة معلومة، فقد سبق، فإن شرطا فضل ثلاث إصابات، فرميا خمسة عشر، أصابها أحدهما كلها، أو أخطأها الآخر، فالمصيب سابق، ولا يجب إتمام الرمي، لعدم الفائدة فيه؛ لأن أكثر ما يحتمل أن يصيب المخطئ الخمسة الباقية، ويخطئها الأول، ولا يخرج الثاني بذلك عن كونه مسبوقًا، وإن كان في إتمامه فائدة مثل أن يكون الثاني أصاب من الخمسة عشر تسعة، فإذا أصاب الخمسة الباقية، وأخطأها الأول، لم يكن مسبوقًا، وجب إتمام الرمي، فإن أطلقا العقد، انصرف إلى المبادرة؛ لأن العقد على المسابقة، والمبادر سابق، ذكر هذا القاضي، وقال أبو الخطاب: يشترط بيان ذلك في المسابقة؛ لأن الغرض يختلف به، فمن الناس من تكثر إصابته في الأول دون الثاني، فوجب اشتراطه، كقدر مدى الغرض.
فصل: الشرط الثامن: التسوية بين المتناضلين في عدد الرشق والإصابة وصفتها وسائر أحوال الرمي، فإن تفاضلا في شيء منه، أو شرطا أن يكون في يد أحدهما من السهام أكثر أو أن يرمي أحدهما والشمس في وجهه، أو يحسب له خاصل بخاسق، أو لا يحسب عليه سهم خاطئ، لم يصح؛ لأن القصد معرفة حذقهما، ولا يعرف مع الاختلاف؛ لأنه ربما فضله بشرطه لا بحذقه، وإن شرطا بحسب خاسق كل واحد منهما بخاصلين، أو يسقط القريب من إصابة أحدهما ما هو أبعد منها من رمي الآخر، فمن فضل بعد بثلاث إصابات فهو السابق صح؛ لأنه لا فضل لأحدهما في عدد ولا صفة، وهذه نوع محاطة، فصحت كاشتراط حط ما تساويا فيه.
فصل:
وإن كان الرماة حزبين، اشترط كون الرشق يمكن قسمته عليهم، إن كان كل حزب ثلاثة، وجب أن يكون له ثلث صحيح؛ لأنه يجب التسوية بينهما في عدد الرمي، ولا يمكن إلا بذلك، فوجب.
وإذا نضل أحد الحزبين صاحبه، فالجعل بين الناضلين سواء من أصاب ومن لم يصب، ويحتمل أن يكون بينهما على قدر إصابتهم؛ لأنهم بها
يستحقون، والجعل على المنضولين بالسوية وجهًا واحدًا؛ لأنه لزمهم بالتزامهم لإصابتهم بخلاف الناضلين.
فصل:
فإن كان في أحد الحزبين من لا يحسن الرمي، بطل العقد فيه؛ لأنها لا تنعقد على من لا يحسن الرمي، ويخرج من الحزب الآخر بإزائه، كما إذا بطل البيع في بعض المبيع، بطل في ثمنه، وهل يبطل العقد في الباقين؟ على وجهين بناء على تفريق الصفقة، فإن قلنا: لا يبطل، فلهم الخيار في الفسخ والإمضاء؛ لأن الصفقة تفرقت عليهم، فإن اختاروا إمضاءه، ورضوا بمن يخرج بإزائه وإلا انفسخ العقد.
فصل:
ويرمي واحد بعد الآخر؛ لأن رميهما يفضي إلى التنازع بالمصيب، فإن اتفقا على المبتدئ منهما جاز، وإن كان بينهما شرط عمل به، وإن اختلفا ولا شرط بينهما، قدم المخرج، فإن كان المخرج غيرهما، اختار منهما، فإن لم يختر أقرع بينهما، وإذا بدأ أحدهما في وجه، بدأ الآخر في الثاني تعديلًا بينهما، فإن شرطا البداية لأحدهما في كل الوجوه، لم يصح؛ لأنه تفضيل، وإن فعلاه بغير شرط جاز؛ لأنه لا أثر له في إصابة، ولا تجويد رمي، ويرميان مراسلة سهمًا وسهمًا، أو سهمين وسهمين.
وإن اتفقا على غير هذا، جاز لعدم تأثيره في مقصود المناضلة.
فصل: وإن مات أحد الراميين، أو ذهبت يده، بطل العقد؛ لأن المعقود عليه تلف، فأشبه موت الفرس في السباق، وإن مرض أو رمد لم تبطل؛ لأنه يمكن الاستيفاء بعد زوال العذر، وله الفسخ؛ لأن فيه تأخير المعقود عليه، فملك الفسخ كالإجارة، وإن عرض مطر، أو ريح، أو ظلمة؛ أخر إلى زوال العارض، وإن أراد أحدهما التأخير لغير عذر، فله ذلك إن قلنا: هي جعالة؛ لأنها جائزة، وليس له ذلك إن قلنا: هي إجارة، ويكره للأمين مدح أحدهما أو زجره؛ لأن فيه كسر قلبه أو قلب صاحبه.
باب اللقطة
وهي المال المضاع عن ربه وهي ضربان: ضال وغيره، فأما غير الضال فيجوز التقاطه بالإجماع، وهو نوعان: يسير يباح التصرف فيه بغير تعريف؛ لما روى جابر قال: «رخص لنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في العصا والسوط والحبل وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به» رواه أبو داود.
ولا تحديد في اليسير إلا أنه ينبغي أن يعفى عما رخص فيه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الحديث وشبهه، وقال أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ما كان مثل التمرة والكسرة والخرقة، وما لا خطر له؛ فلا بأس، ويحتمل أن لا يجب تعريف ما لا يقطع فيه السارق؛ لأنه تافه.
قالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: كانوا لا يقطعون في الشيء التافه.
والنوع الثاني: الكثير؛ فظاهر كلام أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن ترك التقاطه أفضل؛ لأنه أسلم من خطر التفريط، وتضييع الواجب من التعريف، فأشبه ولاية اليتيم، واختار أبو الخطاب: أن أخذه أفضل إذا وجد بمضيعة، وأمن نفسه عليه، لما فيه من حفظ مال المسلم، فكان أولى كتخليصه من الغرق، ولا يجب أخذه؛ لأنه أمانة، فلم يجب كالوديعة، ومن لم يأمن نفسه عليه، ويقوى على أداء الواجب، لم يجز له أخذه؛ لأنه تضييع لمال غيره، فحرم كإتلافه.
فصل:
إذا أخذها، عرف عفاصها، وهو: وعاؤها.
ووكاءها وهو: الذي تشد به، وجنسها وقدرها؛ لما روى زيد بن خالد الجهني قال: سئل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن لقطة الذهب والورق فقال: «اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة، فإن لم تعرف، فاستنفقها، ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يومًا من الدهر فادفعها إليه» متفق عليه.
نص على الوكاء والعفاص، وقسنا عليهما القدر والجنس، ولأنه إذا عرف هذه الأشياء، لم تختلط بغيرها، وعرف بذلك صدق مدعيها، أو كذبه، وإن أخر معرفة صفتها إلى مجيء مدعيها، أو تصرفه فيها جاز؛ لأن المقصود يحصل، وقد جاء ذلك في حديث أبي.
ولا يحل له التصرف فيها إلا بعد معرفة صفتها؛ لأن عينها تذهب، فلا يعلم صدق مدعيها إلا من حفظ صفتها، ويستحب أن يشهد عليها، نص عليه؛ لما روى عياض بن حمار: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من وجد لقطة فليشهد ذا عدل، أو ذوي عدل، ولا يكتم ولا يغيب» رواه أبو داود.
ولأن فيه حفظها من ورثته إن مات وغرمائه إن أفلس، وصيانته من الطمع فيها، ولا يجب ذلك لتركه في حديث زيد، ولأنه أمانة فلا يجب الإشهاد عليها كالوديعة، قال أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ولا يبين في الإشهاد كم هي، لكن يقول: أصبت لقطة.
فصل: ويجب تعريفها، لأمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - به، ولأنه طريق وصولها إلى صاحبها فوجب كحفظها، ويجب التعريف حولًا من حين التقاطها متواليًا؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر به عند وجدانها، والأمر يقتضي الفور، ولأن الغرض وصول الخبر وظهور أمرها، وإنما يحصل
بذلك؛ لأن صاحبها إنما يطلبها عقيب ضياعها، ويكون التعريف في مجامع الناس، كالأسواق وأبواب المساجد، وأوقات الصلوات؛ لأن المقصود إشاعة أمرها، وهذا طريقه، ويكثر منه في موضع وجدانها، وفي الوقت الذي يلي التقاطها، ولا يعرفها في المسجد؛ لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله تعالى عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا» رواه مسلم.
ويقول: من ضاع منه كذا، يذكر جنسها: أو يقول: شيء ولا يزيد في صفتها؛ لئلا يفوت طريق معرفة صاحبها، وأجرة المعرف على الملتقط؛ لأن التعريف عليه، ولأنه سبب تملكها، فكان على متملكها، قال أبو الخطاب: إن التقطها للحفظ لصاحبها لا غير، فالأجرة على مالكها يرجع بها عليه.
وقاله ابن عقيل فيما لا يملك بالتعريف.
فصل:
فإذا جاء مدعيها، فوصفها بصفاتها المذكورة، لزم دفعها إليه؛ لأمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - به، ولأنها لو لم تدفع بالصفة لتعذر وصول صاحبها إليها، لتعذر إقامة البينة، فإن وصفها اثنان، أقرع بينهما، فمن قرع صاحبه، حلف وسلمت إليه، كما لو ادعى الوديعة اثنان، وقال أبو الخطاب: تقسم بينهما، وإن وصفها أحدهما وللآخر بينة، قدم ذو البينة؛ لأنها أقوى من الوصف، فإن كان الواصف سبق فأخذها نزعت منه، وإن تلفت في يده، فلصاحبها تضمين من شاء منهما؛ لأن الواصف أخذ مال غيره بغير إذنه، والملتقط دفعه إليه بغير إذن مالكه، ويستقر الضمان على الواصف؛ لأن التلف حصل في يده، فإن ضمن لم يرجع على أحد، وإن ضمن الملتقط رجع عليه، إلا أن يكون الملتقط دفعها بحكم حاكم، فلا يضمن؛ لأنها تؤخذ منه قهرًا.
وإن أتلفها الملتقط، فغرمه الواصف عوضها، ثم جاء صاحب البينة، لم يرجع إلا على الملتقط؛ لأن الواصف إنما أخذ مال الملتقط ولم يأخذ اللقطة، ثم يرجع الملتقط على الواصف.
فصل:
فإن لم تعرف، دخلت في ملك الملتقط عند الحول حكمًا، كالميراث؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديث زيد: «وإن لم تعرف فاستنفقها» وفي لفظ: «وإلا فهي كسبيل مالك» ولأنه كسب مال بفعل، فلم يعتبر فيه اختيار التملك كالصيد.
واختار أبو الخطاب: أنه لا يملكها إلا باختياره؛ لأنه تملك مال ببدل، فاعتبر فيه اختيار التملك، كالبيع.
والغني والفقير سواء في هذا؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يفرق، ولأنه تملك مال بعوض، أشبه البيع.
فصل: وما جاز التقاطه ووجب تعريفه، ملك به، نص عليه أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في
الصياد يقع في شبكته الكيس والنحاس يعرفه سنة، فإن جاء صاحبه، وإلا فهو كسائر ماله.
وهذا ظاهر كلام الخرقي.
وقال أكثر أصحابنا: لا يملك غير الأثمان؛ لأن الخير ورد فيها، ومثلها لا يقوم مقامها من كل وجه؛ لعدم تعلق الغرض بعينها، فلا يقاس عليها غيرها، وقال أبو بكر: ويعرفها أبدًا، وقال القاضي: هو مخير بين ذلك، وبين دفعها إلى الحاكم.
وقال الخلال: كل من روى عن أبي عبد الله أنه يعرفها سنة، ثم يتصدق بها، والذي نقل عنه أنه يعرفها أبدًا، قول قديم رجع عنه، والأول أولى؛ لما روى عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: «أتى رجل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: يا رسول الله، كيف ترى في متاع يوجد في الطريق الميتاء، أو في قرية مسكونة؟ قال: عرفه سنة، فإن جاء صاحبه، وإلا فشأنك به» رواه الأثرم.
«وقال عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في عيبة - والعيبة: هي وعاء من أدم توضع فيه الثياب -: عرفها سنة، فإن عرفت وإلا، فهي لك.
أمرنا بذلك رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» ، ولأنه مال يجوز التقاطه، ويجب تعريفه فملك به، كالأثمان وقد دل الخبر على جواز أخذ الغنم مع تعلق الغرض بعينها، فيقاس عليها غيرها.
فصل: ولقطة الحرم تملك بالتعريف في ظاهر كلامه، لظاهر الخبر، ولأنه أحد الحرمين أشبه المدينة، وعنه: لا تملك بحال، ويجب تعريفها أبدًا أو يدفعها إلى الحاكم؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في مكة: «لا تحل ساقطتها إلا لمنشد» متفق عليه.
فصل: واللقطة مع الملتقط قبل تملكها أمانة، عليه حفظها بما يحفظ به الوديعة، وإن ردها إلى موضعها، ضمنها؛ لأنه ضيعها، وإن تلفت بغير تفريط، لم يضمنا؛ لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ولتكن الوديعة وديعة عندك» ولأنه يحفظها لصاحبها بإذن الشرع، أشبه الوديعة، وإن جاء صاحبها، أخذها بزيادتها المتصلة والمنفصلة؛ لأنها ملكه، وإن جاء بعد تملكها أخذها؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فإن جاء طالبها يومًا من الدهر فأدها إليه» ويأخذها بزيادتها المتصلة؛ لأنها تتبع في الفسوخ، وزيادتها المنفصلة بعد تملكها لملتقطها؛ لأنها حدثت على ملكه، فأشبه نماء المبيع في يد المشتري، فإن تلفت بعد تملكها، ضمنها؛ لأنها تلفت من ماله، وإن نقصت بعد التملك، فعليه أرش نقصها، وإن باعها أو وهبها بعد تملكها، صح؛ لأنه تصرف صادف ملكه، فإن جاء صاحبها في مدة الخيار، وجب فسخ البيع وردها إليه؛ لأنه يستحق العين، وقد أمكن ردها إليه، وإن جاء بعد لزوم البيع، فهو كتلفها؛ لأنه تعذر ردها.
فصل:
الضرب الثاني: الضوال، وهي الحيوانات الضائعة، وهى نوعان:
أحدهما: ما يمتنع من صغار السباع إما بقوته: كالإبل والخيل، أو بجناحه: كالطير، أو بسرعته: كالظباء، أو بنابه: كالفهد، فلا يجوز التقاطه؛ لما روى زيد بن خالد: «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل عن ضالة الإبل، فقال: ما لك ولها، دعها فإن معها حذاءها وسقاءها، ترد الماء، وتأكل الشجر حتى يجدها ربها» متفق عليه.
وللإمام أخذها، ليحفظها لأربابها؛ لأن للإمام ولاية في حفظ أموال المسلمين، ولهذا كان لعمر حظيرة يحفظ فيها الضوال، فإذا أخذها، وكان له حمى ترعى فيه، تركها، وأشهد عليها، ورسمها بسمة الضوال، وإن لم يكن له حمى، خلاها وحفظ صفاتها، ثم باعها، وحفظ ثمنها لصاحبها؛ لأنها تحتاج إلى علف، فربما استغرق ثمنها، وإن أخذها غير الإمام أو نائبه ضمنها ولم يملكها، وإن عرفها، فإن دفعها إلى الإمام برئ من ضمانها؛ لأنه دفعها إلى من له الولاية عليها، أشبه دفعها إلى صاحبها، وإن ردها إلى موضعها، لم يبرأ؛ لأن ما لزمه ضمانه، لا يبرأ منه إلا برده إلى صاحبه أو نائبه كالمسروق.
فصل:
النوع الثاني: ما لا ينحفظ عن صغار السباع، كالشاة وصغار الإبل والبقر ونحوها، فعن أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لا يجوز التقاطها؛ لأنه روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يئوي الضالة إلا ضال» رواه أبو داود.
ولأنه حيوان أشبه الإبل.
والمذهب جواز التقاطها؛ لما روى زيد بن خالد: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل عن الشاة، فقال: خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب» متفق عليه.
وهذا يخص عموم الحديث الآخر، ولأنه يخشى عليها التلف، أشبه غير الضالة، وسواء وجدها في المصر أو في مهلكة؛ لأن الحديث عام فيهما، ولأنه مال يجوز التقاطه، فاستويا فيه، كالأثمان، والعبد الصغير، كالشاة في جواز التقاطه؛ لأنه لا ينحفظ بنفسه، فأما الحمر فألحقها أصحابنا في النوع الأول؛ لأن لها قوة، فأشبهت البقر، وظاهر حديث زيد إلحاقها بالغنم؛ لأنه علل أخذ الشاة بخشية الذئب عليها، والحمر مثلها في ذلك، وعلل المنع من الإبل بقوتها على ورود الماء، وصبرها بقوله: «معها سقاءها» والحمر بخلافها.
ومتى التقط هذا النوع خير بين أكله في الحال، وحفظه لصاحبه وبيعه، وحفظ ثمنه؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «هي لك» ولم يأمر
هـ بحفظها، ولأن إبقاءها يحتاج إلى غرامة، ونفقة دائمة فيستغرق قيمتها، فإن اختار إبقاءها وحفظها لصاحبها، فهو الأولى متفق عليه.
وينفق عليها؛ لأن به بقاءها، فإن لم يفعل ضمنها؛ لأنه فرط فيها، وإن أنفق عليها متبرعًا، لم يرجع على صاحبها، وإن نوى الرجوع على صاحبها، وأشهد على ذلك، ففي الرجوع به روايتان، بناء على الوديعة، وإن اختار أكلها
أو بيعها، لزمه حفظ صفتها، ثم يعرفها عامًا، فإذا جاء صاحبها، دفع إليه ثمنها، أو غرمه له إن أكلها، ولا يلزمه عزل ثمنها إذا أكلها؛ لأنه لا يخرج من ذمته بعزله، فلم يلزمه كسائر ما يلزمه ضمانه، وإن أراد بيعها، فله أن يتولى ذلك بنفسه؛ لأن ما ملك أكله، فبيعه أولى.
فإذا عرفها حولًا، ولم تعرف، ملكها إن كانت باقية، أو ثمنها إن باعها؛ لأن حديث زيد يدل على ملكه لها؛ لأنه أضاف إليها بلام التمليك، ولأنه مال يجوز التقاطه، فيملك بالتعريف، كالأثمان.
وعنه: لا يملكها، والمذهب الأول.
فصل:
فإن التقط ما لا يبقى عامًا، كالبطيخ والطبيخ، لم يجز تركه ليتلف، فإن فعل ضمنه؛ لأنه فرط في حفظه، فإن كان مما لا يبقى بالتجفيف، كالبطيخ خير بين بيعه وأكله، وإن كان يبقى بالتجفيف، كالعنب والرطب، فعل ما فيه الحظ لصاحبه من بيعه وأكله وتجفيفه، فإن احتاج في التجفيف إلى غرامة، باع بعضه فيها، وإن أنفقها من عنده، رجع بها؛ لأن النفقة هاهنا لا تتكرر بخلاف نفقة الحيوان، فإنها تتكرر، فربما استغرقت قيمته، فلا يكون لصاحبها حظ في إمساكها إلا بإسقاط النفقة عنه، وإن أراد بيعها، فله البيع بنفسه لما ذكرنا في الضوال.
وعنه: له بيع اليسير، وأما الكثير، فإنه يرفعه إلى السلطان، والقول في تعريفه، وسائر أحكامه كالقول في الشاة.
فصل: قال أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: من اشترى سمكة، فوجد في بطنها درة، فهي للصياد، وإن وجد دراهم، فهي لقطة؛ لأنها لا تبتلع الدراهم إلا بعد ثبوت اليد عليها، وقد تبتلع درة من البحر مباحة، فيملكها الصياد بما فيها، فإن باعها ولم يعلم بالدرة، لم يزل ملكه عن الدرة، كما لو باع دارًا له فيها مال لم يعلم به.
فصل: فإن وجد اللقطة اثنان، فهي بينهما؛ لأنهما اشتركا في السبب، فاشتركا في الحكم، وإن ضاعت من واجدها، فوجدها آخر ردها على الأول؛ لأنه قد ثبت له الحق فيها، فوجب ردها إليه كالملك، وإن رآها اثنان، فرفعها أحدهما فهي له؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم، فهو له» وإن رآها أحدهما فقال للآخر: ارفعها ففعل، فهي لرافعها؛ لأنه مما لا يصح التوكيل فيه.
فصل: فإن التقطها صبي أو مجنون أو سفيه، صح التقاطه؛ لأنه كسب بفعل، فصح منه كالصيد، فإن تلفت في يده بغير تفريط لم يضمنها؛ لأنه أخذ ماله، وإن تلفت بتفريط
ضمنها، ومتى علم وليه بها، لزمه نزعها منه وتعريفها؛ لأنها أمانة، والمحجور عليه ليس من أهلها، فإن تم تعريفها، دخلت في ملك واجدها حكمًا، كالميراث.
فصل: ويصح التقاط العبد بغير إذن سيده؛ لعموم الخبر، ولما ذكرنا في الصبي، ويصح تعريفه لها؛ لأن له قولًا صحيحًا، فصح تعريفه كالحر، فإذا تم تعريفها ملكها سيده؛ لأنها كسب عبده، ولسيده انتزاعها منه قبل تعريفها؛ لأن كسب عبده له، ويتولى تعريفها أو إتمامه، وله إقرارها في يد عبده الأمين، ويكون مستعينًا به في حفظها وتعريفها، ولا يجوز إقراراها في يد من ليس بأمين؛ لأنها أمانة وإن فعل، فعليه الضمان، وإن علم العبد أن سيده غير مأمون عليها، لزمه سترها عنه، وتسليمها إلى الحاكم ليعرفها، ثم يدفعها إلى سيده بشرط الضمان، وإن أتلفها العبد، فحكم ذلك حكم جنايته، وإن عتق العبد بعد الالتقاط، فلسيده أخذها؛ لأنها كسبه.
فصل: والمكاتب كالحر؛ لأن كسبه لنفسه، والمدبر وأم الولد كالقن، ومن نصفه حر فلقطته بينه وبين سيده ككسبه، فإن كانت بينهما مهايأة، لم تدخل في المهايأة في أحد الوجهين؛ لأنهما من الأكساب النادرة، فأشبهت الميراث، والآخر تدخل؛ لأنها من كسبه فهي كصيده، وفي الهدية والوصية وسائر الأكساب النادرة وجهان كاللقطة.
فصل: والذمي كالمسلم للخبر، ولأنه كسب يصح من الصبي، فصح من الذمي كالصيد، والفاسق كالعدل لذلك، لكن إن أعلم الحاكم بهما، ضم إليه أمينًا يحفظها، ويتولى تعريفها؛ لأنها أمانة، فلا يؤمن خيانته فيها، فإذا عرفها، ملكها ملتقطها.
فصل: ومن التقط لقطة لغير التعريف، ضمنها ولم يملكها، وإن عرفها؛ لأنه أخذها على وجه يحرم عليه، فلم يملكها كالغاصب، ومن ترك التعريف في الحول الأول، لم يملكها وإن عرفها بعد؛ لأن السبب الذي يملكها به قد فات، ولم يبرأ منها إلا بتسليمها إلى الحاكم.
فصل: ومن ترك دابة بمهلكة، فأخذها إنسان، فخلصها ملكها؛ لما روى الشعبي قال: حدثني غير واحد من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ومن وجد دابة عجز عنها أهلها فسيبوها، فأخذها فأحياها فهي له» ولأن فيه إنقاذا للحيوان من الهلاك،
مع نبذ صاحبه له، فأشبه السنبل الساقط، فإن كان مكانها عبدًا، لم يملكه؛ لأنه في العادة يمكنه التخلص، وإن كان متاعًا، لم يملكه؛ لأنه لا حرمة له في نفسه.
باب اللقيط
وهو الطفل المنبوذ، والتقاطه فرض على الكفاية؛ لأنه إنجاء آدمي من الهلاك فوجب، كتخليص الغريق، وهو محكوم بحريته؛ لما روى سنين أبو جميلة قال: وجدت ملقوطًا، فأتيت به عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فقال: اذهب فهو حر، ولك ولاؤه، وعلينا نفقته، رواه سعيد في سننه.
ولأن الأصل في الآدميين الحرية، ويحكم بإسلامه في دار الإسلام إذا كان فيها مسلم؛ لأنه اجتمع الدار وإسلام من فيها، وإن وجد في بلد فيه كفار، ولا مسلم فيه فهو كافر؛ لأن الظاهر أنه ولد كافرين، وإن وجد في بلد الكفار، وفيه مسلمون، ففيه وجهان:
أحدهما: هو كافر، لأنه في دارهم.
والثاني: هو مسلم تغليبًا لإسلام المسلم الذي فيه.
فصل:
وما يوجد عليه من ثياب أو حلي، أو تحته من فراش أو سرير أو غيره، أو في يده من نفقة أو عنان دابة، أو مشدودا في ثيابه، أو ببعض جسده، أو مجعولًا فيه، كدار وخيمة، فهو له؛ لأنه آدمي حر فما في يده له كالبالغ، وإن كان مطروحًا بعيدًا منه، أو قريبًا مربوطًا بغيره، لم يكن له؛ لأنه لا يد له عليه، وكذلك المدفون تحته؛ لأن البالغ لو جلس على دفين، لم يكن له.
وقال ابن عقيل: وإن كان الحفر طريًا فهو له؛ لأن الظاهر أنه حفر النابذ له، وإن وُجِدَ بقربه مال موضوع، ففيه وجهان:
أحدهما: هو له إن لم يكن له غيره؛ لأن الإنسان يترك ماله بقربه.
والثاني: ليس هو له؛ لأنه لا يد له عليه.
فصل:
وينفق عليه من ماله؛ لأنه حر فينفق عليه من ماله كالبالغ، ويجوز للولي الإنفاق عليه من غير إذن الحاكم؛ لأنه ولي فملك ذلك، كولي اليتيم، ويستحب استئذانه؛ لأنه أنفى للتهمة، فإن بلغ واختلفا في النفقة، فالقول قول المنفق.
وإن لم يكن له مال فنفقته في بيت المال؛ لقول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وعلينا نفقته، ولأنه آدمي حر له حرمة، فوجب على السلطان القيام به عند حاجته كالفقير، وليس على الملتقط نفقته؛ لحديث
عمر، ولأنه لا نسب بينهما، ولا ملك فأشبه الأجنبي.
وإن تعذر الإنفاق عليه من بيت المال، فعلى من علم حاله الإنفاق عليه فرض كفاية؛ لأن به بقاءه فوجب، كإنقاذ الغريق، فإن اقترض الحاكم ما أنفق عليه، ثم بان رقيقًا، أو له أب موسر، رجع عليه؛ لأنه أدى الواجب عنه، فإن لم يظهر له أحد، وفي من بيت المال.
فصل:
فإن كان الملتقط أمينًا حرًا مسلمًا، أقر في يده؛ لحديث عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ولأنه لا بد له من كافل، والملتقط أحق للسبق، وفي الإشهاد عليه وجهان:
أحدهما: لا يجب، كما لا يجب في اللقطة.
والثاني: يجب؛ لأن القصد به حفظ النسب والحرية فوجب، كالإشهاد في النكاح، وإن التقطه فاسق، نزع منه؛ لأنه ليس في حفظه إلا الولاية، ولا ولاية لفاسق.
قال القاضي: هذا المذهب، وظاهر قول الخرقي، أنه يُقَرّ في يده؛ لقوله: إن لم يكن من وجد اللقيط أمينًا منع من السفر به.
فعلى هذا يضم إليه أمين يشارفه، ويشهد عليه، ويشيع أمره، لينحفظ بذلك، وليس لكافر التقاط محكوم بإسلامه؛ لأنه لا ولاية لكافر على مسلم، فإن التقطه، نزع منه، وله التقاط المحكوم بكفره، ويقر في يده؛ لثبوت ولايته عليه، وليس للعبد الالتقاط إلا بإذن سيده، فتكون الولاية للسيد، والعبد نائب عنه.
فصٍٍل: فإن أراد الملتقط السفر به، وهو ممن لم تختبر أمانته في الباطن، نزع منه؛ لأنه ما لا يؤمن أن يدعي رقه.
وإن علمت أمانته باطنًا فأراد نقله من الحضر إلى البدو، منع منه؛ لأنه ينقله إلى العيش في الشقاء ومواضع الجفاء.
وإن أراد النقلة إلى بلد آخر يقيم فيه، ففيه وجهان:
أحدهما: يقر في يده لأنهما سواء فيما ذكرنا.
والثاني: يمنع منه؛ لأن بقاءه في بلده أرجى لظهور نسبه، وإن كان اللقيط في بدو، فله نقله إلى الحضر؛ لأنه أرفق به، وله الإقامة به في البدو.
وفي حلة لا تنتقل عن مكانها؛ لأن الحلة كالقرية، وإن كان متنقلًا، ففيه وجهان:
أحدهما: يقر في يده؛ لأنه أرجى لكشف نسبه.
والثاني: ينزع منه؛ لأنه يشقى بالتنقل.
فصل: فإن التقطه موسر ومعسر، قدم الموسر؛ لأنه أحظ للطفل، فإن تساويا وتشاحا، أقرع بينهما؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: 44] ، ولأنهما تساويا في الحق، فأقرع بينهما، كالعبدين في العتق، وإن ترك أحدهما نصيبه، كلفه الآخر، والرجل والمرأة في هذا سواء؛ لأن المرأة أجنبية، والرجل يحضنه بأجنبية، فهما سواء.
فصل:
فإن اختلفا في الملتقط، وهو في يد أحدهما، فالقول قوله، وهل يستحلف؟ فيه وجهان.
وإن كان في يديهما، قدم أحدهما بالقرعة.
وهل يستحلف؟ على وجهين.
وإن لم يكن في يد واحد منهما، سلمه السلطان إلى من يرى منهما، أو من غيرهما؛ لأنه لا يد لأحدهما.
وإن كان لأحدهما بينة، قضى بها؛ لأنها أقوى، فإن كانت لكل واحد منهما بينة، قدم أسبقهما تاريخًا؛ لأنه يثبت بها السبق إلى الالتقاط، وإن تساويا وهو في يد أحدهما انبنى على بينة الداخل والخارج، وإن تساويا في اليد أو عدمها، سقطتا وأقرع بينهما، فقدم بها أحدهما.
فصل:
وإن ادعى نسبه رجل لحق به؛ لأنه أقر له بحق لا ضرر فيه على أحد فقبل، كما لو أقر له بمال، ويأخذ من الملتقط إن كان من أهل الكفالة؛ لأن الوالد أحق بكفالة ولده، وإن كان كافرًا، لم يتبعه في الدين؛ لأنه محكوم بإسلامه بالدار، فلا يزول ذلك بدعوى كافر، ولا يدفع إليه؛ لأنه لا ولاية لكافر على مسلم، ويثبت نسبه منه؛ لأن الكافر كالمسلم في ثبوت النسب منه، ولا ضرر على أحد في انتسابه إليه، وإن كانت له بينة بولادته على فراشه، ألحق به نسبًا ودينًا؛ لأنه ثبت أنه ابنه ببينة، ذكره بعض أصحابنا، وقياس المذهب أنه لا يلحقه في الدين إلا أن تقوم البينة أنه ولد كافرين حيين؛ لأن الطفل يحكم بإسلامه بإسلام أحد أبويه أو موته، وإن ادعت امرأة نسبه، ففيها ثلاث روايات:
إحداهن: يقبل قولها؛ لأنها أحد الأبوين، فثبت النسب بدعواها كالأب، ويلحق بها دون زوجها.
والثانية: إن كان لها زوج، لم تقبل دعواها؛ لأنه يؤدي إلى أن تلحق بزوجها نسبًا
لم يقر به، أو ينسب إليها ما تتعد به وإن لم يكن، قبل لعدم ذلك.
والثالثة: إن كان لها إخوة ونسب معروف، لم تقبل دعوتها؛ لأن ولادتها لا تخفى عليهم وإن لم يكن قبلت.
والأمة كالحرة، إلا أننا إذا ألحقنا النسب بها، لم يثبت رق ولدها؛ لأنه محكوم بحريته، فلا يثبت رقه بمجرد الدعوى، كما لم يثبت كفره.
فصل:
فإن ادعى نسبه رجلان، ولأحدهما بينة، فهو ولده؛ لأن له حجة، فإن كان لهما بينتان، أو لا بينة لهما، عرض على القافة معهما، أو من عصبتهما عند فقدهما، فإن ألحقته بأحدهما، ألحق به؛ لما روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دخل مسرورًا تبرق أسارير وجهه، فقال: ألم تري أن مجززًا المدلجي نظر آنفًا إلى زيد وأسامة، وقد غطيا رءوسهما وبدت أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض» متفق عليه.
فلولا أن ذلك حق، لما سر به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وإن ألحقته بهما لحقهما، لما روى سليمان بن يسار: عن عمر في امرأة وطئها رجلان في طهر، فقال القائف: قد اشتركا فيه، فجعله عمر بينهما رواه سعيد.
وعن علي مثله.
قال أحمد: ويرثهما ويرثانه، ونسبه من الأول قائم لا يزيله شيء، قال: ويلحق بثلاثة، وينبغي أن يلحق بمن ألحقه منهم وإن كثروا؛ لأن المعنى في الاثنين موجود فيما زاد فيقاس عليه، وقال القاضي: لا يلحق بأكثر من ثلاثة.
وقال ابن حامد: لا يلحق بأكثر من اثنين؛ لأننا صرنا إلى ذلك للأثر، فيجب أن نقتصر عليه.
فإن لم توجد قافة، أو أشكل عليهم، أو نفته عنهما، أو تعارضت أقوالهما، فقال أبو بكر: يضيع نسبه؛ لأنه لا دليل لأحدهما، فأشبه من لم يدع نسبه أحد.
وقال ابن حامد: يترك حتى يبلغ، ويؤاخذان بنفقته؛ لأن كل واحد منهما مقر به، فإذا بلغ أمرناه أن ينتسب إلى من يميل طبعه إليه؛ لأن ذلك يروى عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ولأن الطبع يميل إلى الوالد ما لا يميل إلى غيره.
فإذا تعذرت القافة، رجعنا إلى اختياره.
ولا يصح انتسابه قبل بلوغه؛ لأنه قول يتعين به النسب، وتلزم به الأحكام، فلا يقبل من الصبي، كقول القائف.
وسواء كان المدعيان مسلمين حرين، أو كافرين رقيقين، أو مسلمًا وكافرًا، وحرًا وعبدًا؛ لأن كل واحد منهم لو انفرد صحت دعواه؛ فإن ادعاه امرأتان، وقلنا بصحة دعوتيهما، فهما كالرجلين، إلا أنه لا يلحق بأكثر من واحدة؛ لأنه يستحيل ولد من أنثيين، وإن كانت إحداهما تسمع دعواها دون الأخرى، فهي كالمنفردة به، وإن ألحقته القافة بكافر وأمة، لم يحكم برقه ولا كفره؛ لأنه ثبت إسلامه وحريته بظاهر الدار، فلا يزول ذلك بظن ولا شبهة، كما لم تزل بمجرد الدعوة.
فصل:
فإن كان لامرأتين وابن وبنت، فادعت كل واحدة أنها أم الابن، احتمل أن يعرض معهما على القافة، واحتمل أن يعرض لبنهما على أهل الخبرة، فمن كان لبنها لبن ابن، فهو ابنها.
وقد قيل: إن لبن الابن ثقيل، ولبن البنت خفيف، فيعتبر ذلك.
ٍفصل:
والقافة: قوم من العرب عرفت منهم الإصابة في معرفة الأنساب، واشتهر ذلك في بني مدلج رهط مجزز، وسراقة بن مالك بن جعشم، ولا يقبل قول القائف إلا أن يكون ذكرًا عدلًا مجربًا في الإصابة؛ لأن ذلك يجري مجرى الحكم، فاعتبر ذلك فيه.
قال القاضي: يترك الغلام مع عشرة غير مدعيه، ويرى القائف، فإن ألحقه بأحدهم سقط قوله، وإن نفاه عنهم، جعلناه مع عشرين فيهم مدعيه.
فإن ألحقه بمدعيه، علمت إصابته.
وهل يكتفى بواحد؟ فيه وجهان:
أحدهما: يكتفى به؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُرَّ بقول مجزز وحده؛ لأنه بمنزلة الحاكم يجتهد ويحكم، كما يجتهد الحاكم ويحكم.
والثاني: لا يقبل إلا اثنان؛ لأنه حكم بالشبه والخلقة، فلا يقبل من واحد، كالحكم بالمثل في جزاء الصيد.
فصل:
فإن ادعى رجل رقه لم يقبل؛ لأن الأصل الحرية، فإن شهدت له بينة بالملك قبلت، وإن لم يذكر السبب، كما لو شهدت له بملك مال.
وإن شهدت باليد للملتقط، لم يحكم له بالملك؛ لأن سبب يده قد علم.
وإن شهدت بها لغيره ثبت.
والقول قوله في الملك مع يمينه كما لو كان في يده مال فحلف عليه.
فصل: ومن حكمنا بإسلامه لإسلام أحد أبويه، أو موته، أو إسلام سابيه، فحكمه حكم سائر المسلمين في حياته وموته، ووجوب القود على قاتله قبل البلوغ أو بعده، وإن كفر بعد بلوغه، فهو مرتد يستتاب ثلاثًا، فإن تاب وإلا قتل؛ لأنه محكوم بإسلامه يقينًا، فأشبه غيره من المسلمين، ومن حكمنا بإسلامه للدار وهو اللقيط فكذلك؛ لأنه محكوم بإسلامه ظاهرًا، فهو كالثابت يقينًا، وذكر القاضي وجهًا آخر: أنه يقر على كفره؛ لأنه لم يثبت إسلامه يقينًا.
فصل: فإن بلغ اللقيط فقذفه إنسان، أو جنى عليه، أو ادعى رقه، فكذّبه اللقيط، فالقول قول اللقيط؛ لأنه حر في الحكم، ويحتمل أن يقبل قول المدعي في درء حد القذف خاصة؛ لأنه مما يدرأ بالشبهات، بخلاف القصاص.
فصل:
وإن بلغ فتصرف، ثم ثبت رقه، فحكم تصرفه حكم تصرف العبيد؛ لأنه ثبت أنه مملوك، وإن أقر بالرق على نفسه بعد أن كان أقر بالحرية، لم يقبل إقراره بالرق؛ لأنه قد لزمه بالحرية أحكام من العبادات والمعاملات، فلم يملك إسقاطها، وإن لم يتقدم منه إقرار بالحرية، وكذبه المقر له، بطل إقراره؛ لأنه لا يثبت رقه لمن لا يدعيه، فإن أقر بعده لغيره قبل، كما لو أقر له بمال، ويحتمل أن لا يقبل؛ لأن في إقراره الأول اعترافًا بأنه ليس لغيره، فلم يقبل رجوعه عنه، كما لا يقبل رجوعه عن الحرية، وإن صدقه الأول، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يقبل؛ لأنه محكوم بحريته، فلا يقبل إقراره بما يبطلها، كما لو أقر بها.
والثاني: يقبل؛ لأنه مجهول الحال أقر بالرق فقبل، كما لو قدم رجلان من دار الحرب، فأقر أحدهما لصاحبه بالرق، فعلى هذا يحتمل أن يقبل إقراره في جميع أحكامه؛ لأنه معنى يثبت الرق، فأثبته في جميع أحكامه كالبينة، ويحتمل أن يقبل فيما عليه دون ما له؛ لأنه أقر بما يوجب حقًا له وعليه، فيثبت ما عليه دون ما له، كما لو قال: لفلان علي ألف على رهن لي عنده، فإن قلنا بالأول وكان قد نكح، فهو فاسد، حكمه حكم ما لو تزوج العبد أو الأمة بغير إذن سيده.
وإن تصرف بغير النكاح، فسدت عقوده كلها، وترد الأعيان إلى أربابها إن كانت باقية، وإن كانت تالفة، ثبتت قيمتها في ذمته؛ لأنها ثبتت برضا أصحابها، وإن قلنا: لا يقبل في ما له وهي أمة، فنكاحها صحيح، ولا مهر لها إن كان قبل الدخول، وإن كان بعده، فلها الأقل من المسمى، أو مهر المثل، ولزوجها الخيار بين المقام معها على أنها أمة، أو فراقها إن كانت ممن يجوز له نكاح الأمة؛ لأنه قد ثبت كونها أمة في المستقبل، وإن كان المقر ذكرًا، فسد نكاحه، لإقراره أنه عبد، نكح بغير إذن سيده، وحكمه حكم الحر في وجوب المسمى، أو نصفه إن كان قبل الدخول، ولا تبطل عقوده، وما عليه من الحقوق والأثمان، يؤدى مما في يده، وما فضل ففي ذمته، وما فضل معه فلسيده.
وإن جنى جناية توجب القصاص، اقتص منه، حرًا كان المجني عليه أو عبدًا.
وإن كانت خطأ تعلق أرشها برقبته؛ لأنه عبد، وإن جنى عليه حر، فلا قود؛ لأنه عبد.