الكافي في فقه الإمام أحمدصفحات 3-42
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب البيع

صفحات 3-42
عن هذه الطبعة
عَلَم
المقدسي، موفق الدين
الكتاب
الكافي في فقه الإمام أحمد
المؤلف
أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، 1414 هـ - 1994 م
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كتاب البيع البيع حلال، لقول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275] . وهو نوعان.
أحدهما: الإيجاب والقبول، فيقول البائع: بعتك أو ملكتك أو لفظاً بمعناهما، ثم يقول المشتري: ابتعت أو قبلت أو نحوهما، فإن تقدم القبول الإيجاب بلفظ الماضي، فقال: ابتعت هذا منك بكذا، فقال: بعتك صح، لأن المعنى حاصل، فأشبه التعبير بلفظ آخر، وإن تقدم بلفظ الطلب، فقال: بعني، فقال: بعتك صح، لأنه تقدم القبول، أشبه لفظ الماضي.
وعنه: لا يصح، لأنه لو تأخر عن الإيجاب لم يصح، فلم يصح متقدماً، كلفظ الاستفهام.
وإن أتى بلفظ الاستفهام، فقال: أبعتني ثوبك؟ فقال: بعتك، لم يصح متقدماً، ولا متأخراً، لأنه ليس بقبول ولا استدعاء.
الثاني: المعاطاة مثل أن يقول: أعطني بهذا خبزاً، فيعطيه ما يرضيه، أو يقول: خذ هذا الثوب بدينار، فيأخذه فيصح، لأن الشرع ورد بالبيع، وعلق عليه أحكاماً، ولم يعين له لفظاً، فعلم أنه ردهم إلى ما تعارفوه بينهم بيعاً، والناس في أسواقهم وبياعاتهم على ذلك.
وحكي عن القاضي: أنه يصح في الأشياء اليسيرة دون الكثيرة، لأن العرف إنما جرى به في اليسير، والحكم في الهبة والهدية والصدقة، كالحكم في البيع، وذلك لاستواء الجميع في المعنى.

فصل ويشترط له الرضى، لقول الله تعالى: ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29]

إلا فيما يجب، فإن أكره على بيع غير واجب، لم يصح لعدم الرضى المشترط، وإن أكره على بيع واجب صح، لأنه قول حمل عليه بحق، فصح كإسلام المرتد.
ولا يصح من غير عاقل، كالطفل والمجنون والسكران، والنائم والمبرسم، لأنه قول يعتبر له الرضى، فلم يصح من غير عاقل كالإقرار.

باب ما يجوز بيعه وما لا يجوز

كل عين مملوكة يباح نفعها واقتناؤها من غير ضرورة يجوز بيعها، كالمأكول والمشروب، والملبوس والمركوب، والعقار والعبيد والإماء، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275] . وقد «اشترى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من جابر بعيراً» ، «ومن أعرابي فرساً» . «ووكل عروة بن الجعد في شراء شاة» ، وباع مدبراً وحلساً وقدحاً، وأقر أصحابه على بيع هذه الأعيان وشرائها.
ويجوز بيع دود القز وبزره، لأنه منتفع به، وبيع النحل في كوارته ومنفرداً عنها إذا رئي وعلم قدره، وبيع الطير الذي يقصد صوته كالهزار والبلبل والببغة، لأنه يشتمل على منفعة مباحة، أشبه الأنعام.
ويجوز بيع الهر وسباع البهائم، والطير التي تصلح للصيد، كالفهد والبازي ونحوهما غير الكلب في إحدى الروايتين، وهي اختيار الخرقي والأخرى: لا يجوز وقال أبو بكر وابن أبي موسى: لا يجوز بيعها لنجاستها، فأشبهت الكلب والأول أصح، لأنه حيوان أبيح نفعه واقتناؤه من غير وعيد في جنسه، فجاز بيعه، كالحمار وبهذا يبطل ما ذكراه ويجوز بيع الجحش الصغير، والفهد الصغير، وفرخ البازي، لأنه يصير إلى حال ينفع، فأشبه طفل العبيد.
وما ينفع من بيض الطير لمصيره فرخاً فهو كفرخه، لأن مآله إلى النفع.
وقال القاضي: لا يجوز بيعه، لعدم نفعه في الحال.
قال أحمد: أكره بيع القرد، قال ابن عقيل: هذا محمول على بيعه للإطافة به واللعب وأما بيعه لحفظ المتاع فيجوز، لأنه منتفع به.
وقال أحمد: أكره بيع لبن الآدميات، فيحتمل التحريم، لأنه مائع خارج من آدمية، أشبه العرق ويحتمل كراهية التنزيه، لأنه طاهر منتفع به، أشبه لبن الشاة.

فصل: ويجوز بيع العبد المرتد، لأنه مملوك منتفع به، وخشية هلاكه لا يمنع بيعه كالمريض، فإن علم المشتري حاله، فلا شيء له، لأنه رضي بعيبه، وإن لم يعلم فله

الرد أو الأرش، قتل أو أسلم كالمعيب.
ويصح بيع العبد الجاني عمداً أو خطأ على النفس أو ما دونها، لأنه حق تعلق برقبته غير متحتم، فأشبه القتل بالردة، فإن كانت الجناية موجبة للقصاص فهي كالردة، وإن كانت موجه للمال فهو على السيد، لأنه رضي بالتزام ما عليه، فإن كان معسراً فللمجني عليه رقبة العبد، إن شاء فسخ العقد ورجع به، وإن شاء رجع على البائع بالأرش.
وإن كان قاتلاً في المحاربة، فكذلك في قول بعض أصحابنا، لأنه ينتفع به إلى قتله ويعتقه، فيجر ولاء ولده، فصح بيعه كالزمن وحكمه حكم المرتد.
وقال القاضي: لا يصح بيعه، لأنه متحتم القتل، فلا منفعة فيه، فأشبه الميت.

فصل: وفي بيع رباع مكة وإجارتها روايتان: إحداهما: يجوز لأن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اشترى من صفوان بن أمية داراً بأربعة آلاف، واشترى معاوية من حكيم بن حزام دارين بمكة، ولأنها أرض حية لم ترد عليها صدقة محرمة، فجاز بيعها كغيرها.
والثانية: لا يجوز، لأنها فتحت عنوة، ولم تقسم بين الغانمين، فصارت وقفاً على المسلمين، فحرم بيعها كسواد العراق.
والدليل على فتحها عنوة قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنما أحلت لي ساعة من نهار» . متفق عليه.
وقالت أم هانئ: «يا رسول الله إني أجرت حموين لي، فزعم ابن أم هانئ علي أنه قاتلهما، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قد أجرنا من أجرت» حديث صحيح وقتل ابن خطل ومقيس بن صبابة، ولو فتحت صلحاً لم يجز قتل أهلها.

فصل: ولا يجوز بيع الشام، وسواد العراق ونحوهما مما فتح عنوة، لأن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وقفه على المسلمين، وأقره في يد أربابه بالخراج الذي ضربه يكون أجرة له في كل عام، ولم يقدر مدتها لعموم المصلحة فيها، وقد اشتهر ذلك في قصص نقلت عنه.

وعن أحمد: أنه كره بيعها، لأنه يأخذ ثمن الوقف، وأجاز شراءها، لأنه كالاستنقاذ لها، فجاز كشراء الأسير، وتجوز إجارتها لأنها مستأجرة في يد أربابها، وإجارة المستأجر جائزة، فأما المساكن في المدائن فيجوز بيعها، لأن الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - اقتطعوا الخطط في الكوفة والبصرة في زمن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وبنوها مساكن، وتبايعوها من غير نكير فكان إجماعاً.

فصل: قال أحمد: لا أعلم في بيع المصحف رخصة، ورخص في شرائه وقال: هو أهون، وذلك لأن ابن عمر وابن عباس وأبا موسى كرهوا بيعه، ولأنه يشتمل على كلام الله تعالى، فيجب صيانته عن الابتذال، والشراء أسهل، لأنه استنقاذ له فلم يكره كشراء الأسير.
وقال أبو الخطاب: يجوز بيعها مع الكراهة، وفي شرائها وإبدالها روايتان، فإن بيعت لكافر لم يصح رواية واحدة، لأن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى على المسافرة بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم» حديث صحيح متفق عليه فلم يجز تمليكهم إياه، وتمكينهم منه، ولأنه يمنع من استدامة ملكه، فمنع ابتداء، كنكاح المسلمة.

فصل: ولا يجوز بيع الخمر والميتة، والخنزير والأصنام.
لما روى جابر قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول «إن الله ورسوله حرم بيع الخمرة والميتة، والخنزير والأصنام» متفق عليه.
ولا يجوز بيع ما لا نفع فيه، كالحشرات، وسباع البهائم، والطير التي لا يصاد بها، وما لا يؤكل من الطير، ولا بيضه، لأنه لا نفع فيها، فأشبهت الخنزير.
ولا يجوز بيع الحر لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ذكر منهم رجلاً باع حراً، فأكل ثمنه» . رواه البخاري.
ولا يجوز بيع ما ليس بمملوك، كالمباحات قبل حيازتها، لأنها غير مملوكة أشبهت الحر.
ولا يجوز بيع الدم، ولا السرجين النجس، لأنه مجمع على تحريمه، ونجاسته، أشبه الميتة.
ولا يجوز بيع شحم الميتة، لأنه منها.
وفي حديث جابر قيل: «يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة؟ فإنه تدهن بها الجلود، وتطلى بها السفن، ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا هو حرام» . متفق عليه وما نجس من الأدهان كالزيت، فظاهر المذهب تحريم بيعها قياساً على شحم الميتة، ولقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه» رواه أبو داود وعنه: يباع لكافر، ويعلم بحاله، لأنه يعتقد حله.
وفي جواز الاستصباح بها روايتان: إحداهما: لا يجوز لأنه دهن نجس، أشبه شحم الميتة.
والثانية: يجوز، لأنه أمكن الانتفاع بها من غير ضرر، أشبه الانتفاع بالجلد اليابس.
قال أبو الخطاب: ويتخرج على جواز الاستصباح بها جواز بيعها.
قال القاضي: ولا تطهر بالغسل، لأنه لا يتأتى فيها العصر، ويتخرج أنها تطهر بصبها في ماء كثير، ثم تُترك حتى تطفو فتؤخذ، والعصر: إنما يعتبر فيما يتأتى العصر فيه، بدليل الخشب والأحجار، اختاره أبو الخطاب، فأما غير الأدهان، كالخل، واللبن، فلا تطهر وجهاً واحداً.

فصل: ولا يجوز بيع الكلب، وإن كان معلماً، لما روى أبو مسعود الأنصاري، «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن ثمن الكلب» ، وقال «ثمن الكلب خبيث» متفق عليهما.
ولا غرم على قاتله، لأنه لا قيمة له، وقد أساء من قتل كلباً يباح اقتناؤه، ولا يباح اقتناء كلب، إلا لصيد، أو حفظ ماشية، أو حرث، لما روى أبو هريرة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال «من اتخذ كلباً إلا كلب ماشية، أو صيد، أو زرع نقص من أجره كل يوم قيراط» متفق عليه.
ويجوز تربية الجرو الصغير لذلك، لأنه قصد به ما يباح، فيأخذ حكمه، كالجحش الصغير، ولأنه لو لم يقتن غير المعلم، لم يمكن تعليمه، وتعذر اقتناء المعلم وفيه وجه آخر، أنه لا يجوز اقتناؤه، لأنه ليس من الثلاثة، فإن اقتنى كلب الصيد، من لا يصيد به جاز للحديث.
وفيه وجه آخر أنه لا يجوز، لأن اقتناءه لغير حاجة أشبه من اقتناه للماشية، ولا ماشية له.

فصل: ولا يجوز بيع معدوم، لما روى أبو هريرة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع الغرر»

رواه مسلم.
وبيع المعدوم بيع غرر، ولأن تحريم بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، تنبيه على تحريم بيعها قبل وجودها، فلا يجوز بيع الثمرة قبل خلقها، ولا بيع الماء العد الذي له مادة، كماء العيون والآبار، لأنه بيع لما يتجدد، وهو في الحال معدوم.

فصل: ولا يجوز بيع ما لا يُقدر على تسليمه، كالطير في الهواء، والسمك في الماء، والعبد الآبق، والجمل الشارد، والفرس العائر، والمغصوب في يد الغاصب، لحديث أبي هريرة.
وقال ابن مسعود: لا تشتروا السمك في الماء، فإنه غرر.
ولأن القصد بالبيع تمليك التصرف، ولا يمكن ذلك فيما لا يقدر على تسليمه، فإن باع طيراً له في برج مغلق الباب، أو سمكاً له في بركة معدة للصيد وكان معروفاً بالرؤية مقدوراً على تناوله بلا تعب جاز بيعه، لعدم الغرر فيه.
وإن اختل بعض ذلك لم يجز.
وإن باع الآبق لقادر عليه، أو المغصوب لغاصبه، أو لقادر على أخذه منه جاز لذلك وإلا فلا.

فصل: ولا يجوز بيع ما تُجهل صفته، كالحمل في البطن، واللبن في الضرع والبيض في الدجاج، والنوى في التمر، لحديث أبي هريرة: وروى ابن عمر «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع المجر» والمجر: شراء ما في الأرحام.
وعن أبي هريرة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع المضامين والملاقيح» قال أبو عبيدة: الملاقيح: ما في البطون، وهي الأجنة، والمضامين: ما في أصلاب الفحول.
وما سواه يقاس عليه.
وروي «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى أن يباع صوف على ظهر، أو لبن في ضرع» رواه ابن ماجة.
وعنه: في بيع الصوف على الظهر روايتان: إحداهما: لا يجوز للخبر، ولأنه متصل بالحيوان فلم يجز إفراده بالبيع، كأعضائه.
والثانية: يجوز بشرط جزه في الحال، لأنه معلوم ممكن تسليمه، فجاز بيعه كالزرع في الأرض.

فصل: ولا يجوز بيع الأعيان من غير رؤية أو صفة يحصل بها معرفة المبيع في ظاهر المذهب، لحديث أبي هريرة، ولأنه مجهول عند العاقد، فلم يصح بيعه، كالنوى في التمر، فعلى هذا يشترط رؤية ما هو مقصود بالبيع، كداخل الثوب، وشعر الجارية.
وعنه: يجوز لأنه عقد معاوضة، فأشبه النكاح، فعلى هذا هل يثبت له خيار الرؤية؟ فيه روايتان: إحداهما: لا خيار له لأنه عقد معاوضة صح من الغيبة، فأشبه النكاح.
والثانية: يثبت له الخيار عند الرؤية في الفسخ والإمضاء، لأنه يروى عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال «من اشترى ما لم يره فهو بالخيار إذا رآه» ويكون خياره على الفور، للحديث، وقيل: يتقيد بالمجلس، لأنه خيار ثابت بمقتضى العقد، فتقيد بالمجلس، كخيار المجلس، فإن اختار إمضاء العقد قبل الرؤية لم يلزم، لأنه تعلق بالرؤية، ولأنه يؤدي إلى إلزام العقد في مجهول الصفة.
وإن اختار الفسخ انفسخ، لأن الفسخ يصح في مجهول الصفة، ويعتبر لصحة العقد الرؤية من المتعاقدين جميعاً، لأن الرضا معتبر منهما، فتعتبر الرؤية التي هي مظنة له منهما جميعاً.

فصل: فإن رأيا المبيع، ثم عقدا بعد ذلك بزمن لا تتغير العين فيه صح في صحيح المذهب.
وعنه: لا يصح، لأن ما كان شرطاً يعتبر وجوده حال العقد كالشاهدة في النكاح.
ولنا أنه معلوم عندهما، أشبه ما لو شاهداه حال العقد، أو اشترى منه داراً كبيرة، وهو في طرفها، والشرط العلم، وهو مقارن للعقد، ثم إن وجد المبيع لم يتغير لزم، وإن وجده ناقصاً فله الخيار لأن ذلك كالعيب، وإن اختلفا في التغيير فالقول قول المشتري، لأن الثمن يلزمه، فلا يلزمه إلا ما اعترف به.
وإن عقدا بعد الرؤية بزمن يفسد فيه ظاهراً، لم يصح لأنه غير معلوم.
وإن احتمل الأمرين، ولم يظهر التغير فالعقد صحيح، لأنه الأصل سلامته.

فصل: ويصح البيع بالصفة في صحيح المذهب إذا ذكر أوصاف السلم، لأنه لما عدمت المشاهدة للمبيع وجب استقصاء صفاته كالسلم، وإذا وجد على الصفة لزم العقد، وإن وجده على خلافها فله الفسخ، فإن اختلفا في التغير فالقول قول المشتري لما ذكرناه.

وعنه: لا يصح البيع بالصفة، لأنه لا يمكن استقصاؤها.
والمذهب الأول، لأنه مبيع معلوم بالصفة، فصح بيعه كالمسلم فيه.
وبيع الأعمى، وشراؤه بالصفة كبيع البصير بها، فإن عدمت الصفة، وأمكنه معرفة المبيع بذوق أو شم صح بيعه وإلا لم يصح، لأنه مجهول في حقه.

فصل: ولا يجوز بيع عبد من عبيد ولا شاة من قطيع، ولا ثوب من أثواب ولا أحد هذين العبدين، لأنه غرر، فيدخل في الخبر، ولأنه يختلف فيفضي إلى التنازع ويجوز بيع قفيز من صبرة، ورطل زيت من دن أو ركوة، لأن أجزاءه لا تختلف، فلا يفضي إلى التنازع، فإن باع جريباً من ضيعة يعلمان جربانها صح، وكان المبيع مشاعاً منها، وإن كانت عشرة أجربة فالمبيع عشرها، وإن لم يعلما جربانها لم يصح، لأنه لا يعلم قدره منها، فيكون مجهولاً.

فصل: وما لا تختلف أجزاؤه، كصبر الطعام، وزق الزيت، يكتفى برؤية بعضه، لأنها تزيل الجهالة، لتساوي أجزائه، ولأنه تتعذر رؤية جميعه فاكتفي ببعضه كأساسات الحيطان، وما تشق رؤيته، كالذي مأكوله في جوفه يكتفى برؤية ظاهره لذلك وكذلك أساسات الحيطان وطي الآبار وشبهها ويجوز بيع الباقلا والجوز واللوز في قشريه والحب في سنبله، لأن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع الحب حتى يشتد» رواه أبو داود.
فمفهومه جواز بيع المشتد، ولأنه مستور بما خلق فيه فجاز بيعه، كالذي مأكوله في جوفه، ولأن قشره الأعلى من مصلحته، لأنه يحفظ رطوبته، وادخار الحب في سنبله أبقى له، فجاز بيعه فيه، كالسلت والأرز، وما لا تشق رؤية جميعه ويشترط رؤية جميعه على ما أسلفناه.

فصل: إذا قال: بعتك هذه الصبرة صح، وإن لم يعلم قدرها، لأن ابن عمر قال: «كنا نبتاع الطعام من الركبان جزافاً على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . متفق عليه.
ولأن غرر ذلك مُنْتَفٍ بالمشاهدة فاكتفي بها.
وإن باعه نصفها أو ثلثها أو جزءاً منها مشاعاً صح لأن من عرف شيئاً عرف جزأه.
وإن قال: بعتكها كل قفيز بدرهم صح، لأن المبيع معلوم بالمشاهدة، والثمن معلوم لإشارته إلى من يعلم مبلغه بجهة، لا تتعلق بالمتعاقدين، وهو

كيل الصبرة فجاز كما لو باعه مرابحة لكل عشرة درهم.
ولو قال: بعتك بعض هذه الصبرة لم يصح، لأنه البعض مجهول.
ولو قال: بعتك منها كل قفيز بدرهم لم يصح، لأنه باعه بعضها، ولو قال: بعتكها على أن أزيدك قفيزاً لم يصح، لأن الزائد مجهول، فإن قال: على أن أزيدك قفيزاً من هذه الأخرى صح لأن معناه بعتكها وقفيزاً من هذه، وإن قال على أن أزيدك من هذه أو أنقصك قفيزاً لم يصح، لأنه لا يدري أيزيده أم ينقصه، وإن قال: بعتكها كل قفيز بدرهم على أن أزيدك قفيزاً من هذه الأخرى، وهما يعلمان قدر قفزانها صح لأنهما إذا علماها عشرة، فمعناه: بعتك كل قفيز، وعشراً بدرهم، وإن لم يعلما قدرها لم يصح لجهالة الثمن، لأنه يصير قفيزاً وشيئاً لا يعلمان قدره بدرهم، لجهلهما بكمية قفزانها، وكذلك إن قال: على أن أنقصك قفيزاً.
وإن جعلا للقفيز الزائد ثمناً مفرداً صح في الحالين.

فصل: ويكتفى بالرؤية فيما لا تتساوى أجزاؤه، كالأرض والثوب، والقطيع من الغنم، لما ذكرنا في الصبرة، وفيه نحو من مسائلها.
ولو قال: بعتك من الدار من هاهنا إلى هاهنا جاز، لأنه معلوم.
وإن قال: عشرة أذرع ابتداؤها من هاهنا لم يصح، لأنه لا يدري إلى أين ينتهي.
ولو قال: بعتك نصف داري مما يلي دارك لم تصح، نص عليه لذلك.
وإن قال: بعتك من هذا الثوب من أوله إلى هاهنا صح، لأنه معلوم.
وقال القاضي: إن كان ينقصه القطع لم يصح لعجزه عن التسليم إلا بضرر، والأول أصح، لأن التسليم ممكن، والضرر لا يمنع الصحة إذا التزمه، كما لو باعه نصفاً مشاعاً، أو نصف حيوان.

فصل: ويشترط لصحة المبيع معرفة الثمن، لأنه أحد العوضين، فيشترط العلم به، كالمبيع ورأس مال السلم.
وإن باعه بثمن مطلق في موضع فيه نقد معين انصرف إليه، وإن لم يكن فيه نقد معين لم يصح لجهالته.
وإن باعه سلعة برقمها أو بما باع به فلان، وهما لا يعلمان ذلك، أو أحدهما، أو بما ينقطع به السعر لم يصح، لأنه مجهول.
وإن قال: بعتك بألف درهم ذهباً وفضة لم يصح، لأنه لم يبين القدر من كل واحد منهما.
وإن باعه بعشرة نقداً أو بخمس عشرة نسيئة، أو بعشرة صحاحاً، أو بعشرين مكسرة لم يصح، لأن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيعتين في بيعة» حديث صحيح.

وهو هذا.
ولأنه لم يعقد على ثمن بعينه، أشبه إذا قال: بعتك أحد هذين العبدين.
ويتخرج أنه يصح بناء على قوله في الإجارة، وقيل: معنى " بيعتين في بيعة " أن يقول: بعتك هذا بمائة على أن تبيعني دارك بألف، أو على أن تصرفها لي بذهب.
وأياً ما كان فهو غير صحيح.
وإن باع بثمن معين تعين، لأنه عوض، فتعين بالتعيين، كالمبيع فعلى هذا إن وجده مغصوباً بطل العقد، وإن وجده معيباً فرده انفسخ العقد لرد المعقود عليه، فأشبه رد المبيع.
وعن أحمد: أن الثمن لا يتعين إلا بالقبض، فتنعكس هذه الأحكام.
وإن باعه بثمن في الذمة لم يتعين، فإذا قبضه فوجده مغصوباً لم يبطل العقد، وإن رده لم ينفسخ، لأن الثمن في الذمة.

فصل: ولا يجوز بيع الملامسة والمنابذة، لما روى أبو سعيد الخدري «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيعتين: الملامسة والمنابذة» . والمنابذة: أن يقول: إذا نبذت إلي هذا الثوب فقد وجب البيع.
والملامسة: أن يمسه بيده ولا ينشره.
متفق عليه.
ولأنه إذا علق البيع على نبذ الثوب ولمسه، فقد علقه على شرط، وهو غير جائز.
وإذا باعه قبل نشره فقد باعه مجهولاً، فيكون غرراً ولا يجوز بيع الحصاة، لما روى أبو هريرة «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع الحصاة» . رواه مسلم.
وهو أن يقول: ارم هذه الحصاة فعلى أي ثوب وقعت، فهو لك بكذا.
وقيل: هو أن يقول: بعتك من هذه الضيعة بقدر ما تبلغ هذه الحصاة إذا رميتها بكذا.
وكلاهما غير صحيح، لأنه غرر، ولا يجوز بيع حبل الحبلة، لما روى ابن عمر قال: «نهى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن بيع حبل الحبلة» متفق عليه.
قال أبو عبيدة: هو بيع ما يلد حمل الناقة.
وقيل: هو بيع السلعة بثمن إلى أن يلد حمل الناقة، وكلاهما لا يجوز، لأنه على التفسير الأول: بيع معدوم مجهول، وعلى الثاني: بيع بثمن إلى أجل مجهول.
ولا يجوز تعليق البيع على شرط مستقبل كمجيء المطر، وقدوم زيد، وطلوع الشمس، لأنه غرر، ولأنه عقد معاوضة فلم يجز تعليقه على شرط مستقبل، كالنكاح.

فصل: ولا يجوز بيع العنب والعصير لمن يتخذه خمراً، ولا السلاح لأهل الحرب، أو

لمن يقاتل به في الفتنة، ولا الأقداح لمن يشرب فيها الخمر، لأنه معونة على المعصية فلم يجز، كإجارة داره لبيع الخمر.
ولا يجوز بيع العبد المسلم لكافر، لأنه يمنع من استدامة ملكه عليه فلم يصح عقده عليه، كالنكاح فإن أسلم في يده، أو يد موروثه، ثم انتقل إليه بالإرث أجبر على إزالة ملكه عنه، لأن في تركه في ملكه صغاراً، فإن باعه، أو وهبه لمسلم أو أعتقه جاز.
وإن كاتبه ففيه وجهان: أحدهما: يجوز، لأنه يصير كالخارج عن ملكه في التصرفات.
والثاني: لا يجوز، لأنه لا يزيل الملك فلم يقبل، كالتزويج.
وإن ابتاع الكافر مسلماً، يعتق عليه بالشراء، ففيه روايتان: إحداهما: لا يصح، لأنه عقد يملك به المسلم.
والثانية: يجوز لأن ملكه يزول حال ثبوته، فلا يحصل به صغار، وإن حصل فقد حصل له من الكمال بالحرية، فوق ما لحقه برق لحظة.
وإن قال الكافر لمسلم: أعتق عبدك عني وعلي ثمنه ففيه وجهان، بناء على ما ذكرناه، لأنه بقدر بيعه للكافر، وتوكيل البائع في عتقه.

فصل: ولا يجوز أن يفرق في البيع بين ذوي رحم محرم قبل البلوغ، لما روى أبو أيوب عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة» حديث حسن.
وعن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «وهب لي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غلامين أخوين، فبعت أحدهما، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ما فعل غلامك؟ فأخبرته، فقال: رده رده» رواه الترمذي.
وقال حديث حسن.
فإن فرق بينهما فالبيع باطل، رضيت الأم ذلك أم كرهته، نص عليه، لأنه فيه إسقاطاً لحق الولد.
وهل يجوز التفريق بينهما بعد البلوغ؟ فيه روايتان: إحداهما: لا يجوز لعموم الخبر.
والثانية: يجوز لأن «سلمة بن الأكوع أتى أبا بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بامرأة وابنتها في غزوة فنفله أبو بكر ابنتها، ثم استوهبها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من سلمة فوهبها له» . رواه مسلم.
وهذا تفريق.
ولأن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أهديت له أختان مارية وسيرين، فأمسك مارية ووهب أختها لحسان بن ثابت» .

فصل: ولا يجوز أن يبيع عيناً لا يملكها ليمضي ويشتريها ويسلمها، لما روى حكيم بن حزام أنه قال للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الرجل يأتيني يلتمس من البيع ما ليس عندي، فأمضي إلى السوق فأشتريه ثم أبيعه منه، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لا تبع ما ليس عندك» حديث صحيح.
ولأنه بيع ما لا يقدر على تسليمه أشبه بيع الطير في الهواء فإن باع مال غيره بغير إذنه، ففيه روايتان: إحداهما: لا يصح لذلك.
والثانية: يصح، ويقف على إجازة المالك، فإن أجازه جاز، وإن أبطله بطل، لما «روى عروة بن الجعد البارقي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعطاه ديناراً ليشتري به شاة، فاشترى به شاتين، ثم باع إحداهما بدينار في الطريق، قال: فأتيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالدينار وبالشاة فأخبرته، فقال: بارك الله لك في صفقة يمينك» رواه الإمام أحمد والأثرم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. ولأنه عقد له مجيز حال وقوعه فوقف على إجازته كالوصية.
وإن اشترى بعين مال غيره شيئاً بغير إذنه فهو كبيعه، فإن اشترى له شيئاً بغير إذنه بثمن في ذمته، ثم نقد ثمنه من مال الغير صح الشراء لأنه تصرف في ذمته لا في مال غيره، ويقف على إجازة المشتري له، لأنه قصد الشراء له، فإن أجازه لزمه وإن لم يجزه لزم من اشتراه، لأنه لا يلزمه ما لم يأذن فيه، والبيع صحيح فيلزم المشتري، فإن باع مال غيره، وهو حاضر، فلم ينكر ذلك فهو كبيعه في غيبته، فإن السكوت ليس بإذن، فإنه محتمل كغير الإذن، فلا يتعين كونه إذناً والله أعلم.

باب بيع النجش والتلقي وبيع الحاضر لباد وبيعه على بيع غيره والعينة

وهي بيوع محرمه، لما روى أبو هريرة أن رسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تلقوا الركبان، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضر لباد» متفق عليه.
ومعنى النجش: أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها ليغتر به المشتري، ويقتدي به فهو حرام، لأنه خداع، والشراء صحيح.
وعنه: أنه باطل، لأن النهي يقتضي الفساد، والأولى أصح لأن النهي عاد إلى غير العقد، فلم يؤثر فيه، وللمشتري الخيار إن غبن غبناً يخرج عن العادة، سواء كان بمواطأة من البائع، أو لم يكن، لأنه غبن للتغرير

بالعاقد، فأثبت الخيار، كتلقي الركبان، ولو قال البائع: أعطيت بهذه السلعة كذا كاذباً، فاشتراها المشتري لذلك فالبيع صحيح، وله الخيار لما ذكرناه.

فصل: وتلقي الركبان: أن يخرج الرجل من المصر يتلقى الجلب قبل دخوله، فيشتريه، فيحرم للخبر، ولأنه يخدعهم ويغبنهم، فأشبه النجش، والشراء صحيح.
وعنه: أنه باطل للنهي، والمذهب الأول، لما روى أبو هريرة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه فاشترى منه، فإذا أتى السوق فهو بالخيار» رواه مسلم.
والخيار لا يكون إلا في عقد صحيح، ولأن النهي لضرب من الخديعة، أمكن استدراكها بالخيار، فأشبه بيع المصراة وللبائع الخيار إن غبن غبناً يخرج عن العادة، فإن لم يغبن فلا خيار له.
ويحتمل أن له الخيار للخبر، والأول المذهب، لأنه إنما يثبت لدفع الضرر عن البائع، ولا ضرر مع عدم الغبن، والحديث يحمل على هذا، وجعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - له الخيار إذا هبط السوق يفهم منه الإشارة إلى معرفته بالغبن، فإن خرج لحاجة غير قصد التلقي، فقال القاضي: لا يجوز له الشراء لوجود معنى النهي، ويحتمل الجواز، لعدم دخوله في الخبر.
والبيع للركبان كالشراء منهم، لأن النهي عن تلقيهم لدفع الغبن، والشراء والبيع فيه واحد.

فصل: وبيع الحاضر للبادي: هو أن يخرج الحاضر إلى جلاب السلع، فيقول أنا أبيع لك، فهو حرام للخبر، ولأن فيه تضييقاً على المسلمين، إذ لو ترك الجالب يبيع متاعه باعه برخص، فإذا تولاه الحاضر لم يبعه برخص، وقد أشار النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى ذلك بقوله: «لا يبع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض» . وعنه: لا بأس به، وحمل الخبر على أنه اختص بأول الإسلام، لما كان عليهم من الضيق، والمذهب الأول للخبر والمعنى.
قال أصحابنا: إنما يحرم بشروط خمسة: أحدها أن يكون الحاضر قد قصد البادي، ليتولى ذلك، والثاني: أن يكون البادي جاهلاً بالسعر، لأنه إذا كان عالماً به، فهو كالحاضر.
والثالث: أن يكون جلب السلعة لبيعها، فإن جلبها ليدخرها، فلا ضرر على الناس

في بيع الحاضر له، ذكر الخرقي هذه الثلاثة.
وذكر القاضي شرطين آخرين: أن يقصد بيعها بسعر يومها، ويتضرر الناس بتأخير بيعه، فإذا اجتمعت هذه الشروط، فالبيع باطل للنهي عنه.
وعنه: أنه صحيح، لأن النهي عنه لمعنى في غيره، فأما شراء الحاضر للبادي فصحيح، لأنه لا ضيق على الناس فيه، وإذا شرع ما يدفع به الضرر عن أهل المصر لا يلزم شرع ما يتضرر به أهل البدو، فإن الخلق في نظر الشارع على السواء.

فصل: وأما البيع على بيع أخيه، فهو أن يقول لمن اشترى شيئاً في مدة الخيار: أنا أبيعك مثله بدون هذا الثمن، أو أجود منه بهذا الثمن، فيفسخ العقد، ويشتري سلعته، فيحرم للخبر، ولأن فيه إفساداً أو إنجاشاً.
وإن فسخ البيع، واشترى سلعته فالشراء باطل للنهي عنه، وشراؤه على شراء أخيه، كبيعه على بيعه ويحتمل أن البيع صحيح، لأن النهي لمعنى في غير العقد.

فصل: فأما سومه على سوم أخيه فننظر فيه، فإن كان البائع أنعم للمشتري البيع بثمن معلوم، حرم على غيره سومه، لما روى أبو هريرة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يسم الرجل على سوم أخيه» رواه مسلم.
وإن لم ينعم له جاز سومها، لما روى أنس «أن رجلاً شكا إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الشدة والجهد، فقال له: ما بقي لك شيء، قال: بلى قدح وحلس، فأتاه بهما فقال: من يبتاعهما؟ فقال رجل: أنا أبتاعهما بدرهم، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: من يزيد على درهم؟ فأعطاه رجل درهمين، فباعهما منه» . قال الترمذي: هذا حديث حسن.
ولأن «فاطمة بنت قيس ذكرت للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن معاوية وأبا جهم خطباها، فأمرها أن تنكح أسامة» . متفق عليه.
فإن ظهرت منه أمارة الرضى منى غير تصريح به، فقال القاضي: لا تحرم المساومة لخبر فاطمة، ويحتمل أن تحرم لعموم النهي، وليس في خبر فاطمة أمارة على الرضى.

فصل: فأما بيع العينة فهو أن يبيع سلعة بثمن مؤجل، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن حالاً، فلا يجوز لما روى سعيد، عن غندر، عن شعبة، عن أبي إسحاق عن امرأته العالية بنت أيفع بن شرحبيل قالت: دخلت على عائشة أنا وأم ولد زيد بن أرقم، فقالت

أم ولد زيد: إني بعت غلاماً من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم إلى العطاء، ثم اشتريته منه بستمائة درهم، فقالت لها: بئس ما شريت وبئسما اشتريت أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلا أن يتوب.
ولا تقول مثل هذا إلا توقيفاً سمعته من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولأن ذلك ذريعة إلى الربا، لأنه أدخل السلعة، ليستبيح بيع ألف بخمسمائة والذرائع معتبرة.
فإن اشتراها بسلعة، جاز لأنه لا ربا بين الأثمان والعروض إن اشتراها بنقد غير الذي باعها به، فقال أصحابنا: يجوز لأن التفاضل بينهما جائز، ويحتمل التحريم، لأن النساء بينهما محرم، وإن اشتراها من غير المشتري أو اشتراها أبو البائع أو ابنه جاز.
وإن نقصت السلعة لتغير صفتها جاز لبائعها شراؤها بأقل من الثمن، لأن نقص الثمن لنقصان السلعة.
وإن نقصت لتغير السوق، أو زادت لم يجز شراؤها بأقل لما ذكرناه.

فصل: فإن باعها بثمن حال نقده، ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة لم يجز نص عليه، لأنها في معنى التي قبلها سواء.

فصل: وإن باع طعاماً إلى أجل بثمن، فلما حل الأجل أخذ منه بالثمن طعاماً لم يجز، لأنه ذريعة إلى بيع طعام بطعام نسيئة، فهو في معنى ما تقدم.
وكل شيئين حرم النساء فيهما لم يجز أخذ أحدهما عن الآخر قبل قبض ثمنه، وقياس قول أصحابنا في مسألة العينة، أنه يجوز هاهنا أخذ ما يجوز التفاضل بينه وبين الطعام المبيع.

فصل: ومن اشترى مكيلاً أو موزوناً لم يجز له بيعه حتى يقبضه في ظاهر كلام أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - والخرقي، وما عداهما يجوز بيعه قبل القبض، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه» . وقال ابن عمر: «رأيت الذين يشترون الطعام مجازفة يضربون على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يبيعوه حتى يؤوه إلى رحالهم» . متفق عليهما.
وهذا لا يخلو من كونه مكيلاً أو موزوناً، والحديث يدل بصريحه على منع بيعه قبل قبضه، وبمفهومه على حل بيع ما عداه.
وعن أحمد: أن المنع من البيع قبل القبض يخص المطعوم، لاختصاص الحديث به، وما ليس بمطعوم من المكيلات والموزونات يجوز بيعه قبل

القبض.
وعنه: أن المنع يختص ما ليس بمتعين، كقفيز من صبرة، ورطل زيت من دن.
وما بيع صبرة، أو جزافاً جاز بيعه قبل قبضه، وهو قول القاضي وأصحابه، لأنه يتعلق به حق توفية بخلاف غيره.
وعنه: أن كل مبيع لا يجوز بيعه قبل قبضه.
لما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه «نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار» رواه أبو داود.
وقال ابن عباس: أحسب كل شيء بمنزلة الطعام.
ولأنه لم يتم ملكه عليه أشبه المكيل، والمذهب الأول.
وما بيع بصفة أو برؤية متقدمة فهو كالمكيل، لأنه لا يتعلق به حق توفية، فأشبه المكيل والموزون، وما حرم بيعه قبل قبضه لم يجز بيعه لبائعه، لعموم النهي، ولا الشركة فيه، لأنه بيع لبعضه، ولا التولية، لأنه بيع بمثل الثمن الأول.
فأما الثمن في الذمة، فيجوز بيعه لمن هو في ذمته لما روى ابن عمر قال: «كنا نبيع الإبل بالبقيع بالدراهم فنأخذ بدل الدراهم الدنانير، ونبيع بالدنانير فنأخذ بدلها الدراهم، فسألنا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك، فقال: لا بأس إذا افترقتما وليس بينكما شيء» رواه أبو داود، ولا يجوز بيعه لغير من هو في ذمته، لأنه معجوز عن تسليمه، فأشبه بيع المغصوب لغير غاصبه، وما كان من الدين مستقرا كالقرض فهو كالثمن، وما كان غير مستقراً كالمسلم فيه لم يجز بيعه بحال، لا لصاحبه ولا لغيره، لقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره» رواه أبو داود.

فصل: وكل عقد ينفسخ بتلف عوضه قبل قبضه كالإجارة، والصلح حكمه حكم البيع فيما ذكرناه، وما لا ينفسخ كالخلع، والعتق على مال والصلح عن دم العمد جاز التصرف في عوضه قبل قبضه، طعاماً كان أو غيره، وكذلك أرش الجناية، وقيمة المتلف، والمملوك بإرث أو وصية أو غنيمة إذا تعين ملكه فيه، لأنه لا يتوهم غرر الفسخ بهلاك المعقود عليه جاز بيعه كالوديعة، والصداق كذلك.
قاله القاضي لأنه لا ينفسخ العقد بتلفه، فهو كعوض الخلع.
وقال الشريف وأبو الخطاب: هو كالمبيع، لأنه يخشى رجوعه بانفساخ النكاح بالردة فأشبه المبيع.

فصل: وقبض كل شيء بحسبه، المكيل المبيع مكايلة قبضه كيله، لما روى أبو هريرة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من اشترى طعاماً فلا يبعه حتى يكتاله» رواه مسلم.
وإن بيع جزافاً فقبضه نقله لما روى ابن عمر قال: «كنا نشتري الطعام من الركبان جزافاً فنهانا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن نبيعه حتى ننقله من مكانه» . رواه مسلم.
وقبض الذهب والفضة والجوهر باليد، وسائر ما ينقل قبضه نقله.
وقبض الحيوان أخذه بزمامه، أو تمشيته من مكانه، وما لا ينقل قبضه التخلية بين مشتريه وبينه، لا حائل دونه، لأن القبض مطلق في الشرع، فيجب الرجوع فيه إلى العرف، كالإحياء والإحراز، والعادة ما ذكرناه، وعنه: أن القبض في جميع الأشياء بالتخلية.
مع التميز، لأنه قبض فيما لا ينقل فكان قبضاً في غيره.

فصل: وما يعتبر له القبض إذا تلف قبل قبضه إذا انفسخ العقد، وهو من مال البائع، لأنه تلف قبل تمام ملك المشتري عليه، فأشبه ما تلف قبل تمام البيع.
وإن أتلفه المشتري استقر عليه الثمن، لأنه تلف بتصرفه، فاستقر الثمن عليه كما لو قبضه.
وإن أتلفه أجنبي لم ينفسخ العقد، لأن له بدلاً يرجع إليه، فلم ينفسخ العقد، كما لو تعيب.
ويخير المشتري بين الفسخ والرجوع على البائع بالثمن، لأنه تلف بغير فعل المشتري، أشبه ما لو تلف بفعل الله تعالى، وبين إتمام العقد والرجوع ببدله، لأن الملك له، وإن أتلفه البائع احتمل أن يبطل العقد، لأنه يضمنه إذا تلف في يده بالثمن، فكذلك إذا أتلفه.
وقال أصحابنا: الحكم فيه حكم ما لو أتلفه أجنبي، وإن تعيب قبل قبضه، فهو كما لو تعيب قبل بيعه، لأنه من ضمان البائع.

فصل: وإذا باع شاة بشعير، فأكلته قبل قبضه ولم تكن يد بائعها عليها انفسخ البيع، لأن الثمن هلك قبل القبض بغير فعل آدمي، فإن كانت يده عليها، فهو كإتلافه له، وإن باعها مشتريها ثم هلك الشعير قبل قبضه انفسخ العقد الأول، ولم يبطل الثاني، لأن ذلك كان قبل فسخ العقد، وعلى بائعها الثاني قيمتها، لأنه تعذر عليه ردها، وهكذا إن كان بدله شقصاً فأخذه الشفيع انفسخ البيع الأول، وعلى المشتري رد قيمة الشقص، ويأخذ من الشفيع قيمة الطعام، لأنه الذي اشترى به الشقص.

فصل: وما لا يحتاج إلى قبض إذا تلف، فهو من مال المشتري.
لما روى حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه.
قال: «مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حياً مجموعاً، فهو من مال المشتري» . ذكره البخاري.
وهذا ينصرف إلى سنة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلا أن يمنعه البائع قبضه فيضمنه، لأنه تلف تحت يد عادية، أشبه ما لو تلف تحت يد الغاصب، وسواء حبسه على قبض الثمن أو غيره إلا أن يكون قد اشترط عليه الرهن في البيع.

باب تفريق الصفقة

إذا باع ما يجوز بيعه، وما لا يجوز بيعه صفقة واحدة، كعبد وحر، وخل وخمر، وعبده وعبد غيره، أو دار له ولغيره ففيه روايتان: إحداهما: تفرق الصفقة، فتجوز فيما يجوز بيعه بقسطه من الثمن، ويبطل فيما لا يجوز، لأن كل واحد منهما، له حكم منفرد، فإذا اجتمعا بقيا على حكمهما، كما لو باع شقصاً وسيفاً.
والثانية: يبطل فيهما، لأنه عقد واحد جمع حلالاً وحراماً فبطل، كالجمع بين الأختين، ويحتمل أن يصح فيما يجوز فيما ينقسم الثمن فيه على الأجزاء، كدار له ولغيره ونحوها، والقفيزين المتساويين، لأن الثمن فيما يجوز بيعه معلوم، ويبطل العقد فيما عدا هذا كالعبدين، لأن ثمن ما يجوز بيعه مجهول، لكون الثمن ينقسم عليهما بالقيمة، وقسط الحلال منهما مجهول لو صرح به، فقال: بعتك هذا العبد بقسطه من الثمن لم يصح، فكذا هاهنا.
فإن قلنا يصح، وعلم المشتري الحال فلا خيار له، لأنه دخل على بصيرة ولا خيار للبائع بحال، وإن لم يعلم المشتري الحال فله الخيار، لأن عليه ضرراً في تفريق الصفقة، وإن اشترى معلوماً ومجهولاً بطل العقد فيهما، لأن ما يخص المعلوم من الثمن مجهول.
ولو باع قفيزين من الحلال بثمن واحد، فتلف أحدهما قبل قبضه لم ينفسخ العقد في الباقي منهما، سواء كانا من جنس واحد أو جنسين، لأن حدوث الجهل بثمن الباقي منهما لا يوجب جهالة المبيع حال العقد.
قال القاضي: ويثبت للمشتري خيار الفسخ، لتفريق الصفقة عليه فأشبه ما قبلها.

فصل فإن جمع بين عقدين مختلفي الحكم، كبيع وإجارة، أو صرف بعوض واحد صح فيهما، لأن اختلاف حكم العقدين لا يمنع الصحة، كما لو جمع بين ما فيه شفعة، وما لا شفعة فيه، وفيه وجه آخر لا يصح، لأن حكمهما مختلف، وليس أحدهما أولى من الآخر فبطل فيهما، فإن البيع فيه خيار.
ولا يشترط التقابض فيه في المجلس، ولا ينفسخ العقد بتلف المبيع والصرف، ويشترط له التقابض، وينفسخ العقد بتلف العين في الإجارة، وإن جمع بين نكاح وبيع بعوض واحد، فقال: زوجتك ابنتي، وبعتك داري بمائة صح في النكاح، لأنه لا يفسد بفساد العوض، وفي البيع وجهان.
وإن جمع بين بيع وكتابة، فقال لعبده: بعتك عبدي هذا، وكاتبتك بمائة بطل البيع وجهاً واحداً، لأنه باع عبده لعبده فلم يصح، كبيعه إياه من غير كتابة، وهل تبطل الكتابة؟ يخرج على الروايتين في تفريق الصفقة.

فصل ولو باع رجلان عبداً لهما بثمن واحد صح لأن حصة كل واحد منهما من الثمن معلومة.
ولو كان لكل واحد منهما قفيز، وكانا من جنس واحد فباعاهما صفقة واحدة صح لذلك.
وإن كان المبيع مما لا ينقسم الثمن عليه، مثل إن كان لكل واحد منهما عبد فباعاهما صفقة واحدة، أو وكلا رجلاً فباعهما أو وكل أحدهما الآخر فباعهما بثمن واحد لم يصح، لأن كل واحد منهما مبيع بحصته من الثمن فلم يصح، كما لو صرح به، ويحتمل أن يصح بناء على تفريق الصفقة، أو كما لو كاتب عبدين كتابة واحدة بعوض واحد.

باب الثنيا في البيع

باب الثنيا إذا باع حائطاً واستثنى شجرة بعينها، أو قطيعاً واستثنى شاةً بعينها صح لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نهى عن الثنيا، إلا أن تعلم» . قال الترمذي: هذا حديث صحيح.
وهذه معلومة، وإن استثنى شجرة أو شاة يختارها لم يصح للخبر.
وإن استثنى آصعاً معلومة أو باع نخلة، واستثنى أرطالاً معلومة، فعنه: أنه يصح للخبر.
والمذهب أنه لا يصح، لأن المبيع إنما علم بالمشاهدة، والاستثناء يغير حكم المشاهدة، فإنه لا يدري كم يبقى في حكم المشاهدة، ولو باعه الصبرة إلا قفيزاً لم يصح لذلك.
وإن باعه قفيزاً من هذه الصبرة إلا مكوكاً صح، لأن القفيز معلوم، والمكوك منه معلوم.
وإن باعه داراً إلا ذراعاً، وهما يعلمان ذرعانها جاز، وكان مشاعاً منها، وإلا لم يجز، كما لو باعه ذراعاً منها، وإن باعه سمسماً إلا كسبه، أو قطناً إلا حبه، أو شاة إلا شحمها، أو فخذها لم يصح، لأنه مجهول فيدخل في الخبر.
وإن استثنى حملها، فعنه أن يصح، لأن ابن عمر أعتق جارية، واستثنى ما في بطنها.
وعنه: لا يصح، وهو أصح للخبر.
فإن باع جارية حاملاً بحر، وقلنا: يصح استثناء الحمل صح هاهنا، وإن قلنا: لا يصح ثم، ففيه وجهان: أحدهما: لا يصح، لأنه استثناه في الحقيقة.
والثاني: يصح، لأنه قد يقع مستثنى بالشرع ما لا يصح استثناؤه بالشرط، بدليل بيع الأمة المزوجة.
وإن باع حيواناً مأكولاً واستثنى رأسه وجلده وسواقطه صح.
نص عليه، لأنها ثنيا معلومة وقد روي «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين هاجر إلى المدينة مر براع فذهب أبو بكر وعامر بن فهيرة، فاشتريا منه شاة، وشرطا له سلبها» . فإن امتنع المشتري من ذبحها لم يجبر

وعليه قيمة ذلك لما روي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قضى في رجل اشترى ناقة، وشرط ثنياها فقال: اذهبوا معه إلى السوق، فإن بلغت أقصى ثمنها، فأعطوه حساب ثنياها من ثمنها.
وعن الشعبي قال: قضى زيد بن ثابت، وأصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في بقرة باعها رجل، واشترط رأسها بالشروى.
يعني أن يعطيه رأساً مثل رأس.

فصل: ومن باع شيئاً، واستثنى منفعته مدة معلومة، كجمل اشترط ركوبه إلى موضع معين، وداراً استثنى سكناها شهراً، وعبداً استثنى خدمته سنة صح لما روى جابر: أنه «باع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جملاً واشترط ظهره إلى المدينة» . متفق عليه.
ولأنها ثنيا معلومة، فتدخل في خبر أبي هريرة، فإن عرض المشتري على البائع عوضها لم يلزمه قبوله، لأن حقه تعلق بعينها، فأشبه ما لو استأجرها، وإن أراد البائع إجارتها تلك المدة، فقال ابن عقيل: يصح في قياس المذهب، لأنه استحق نفعها فملك إجارتها كالمستأجر.
وإن أتلف المشتري العين، فعليه قيمة المنفعة، لتفويته حق غيره.
وإن تلف بغير تفريط، فكلام أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يقتضي ذلك بعمومه، ويحتمل أن لا يضمن، لأن البائع لم يملك المنفعة من جهة المشتري، فلم يلزمه عوضها له، كما لو تلفت النخلة المبيعة مؤبرة بثمرتها والحائط الذي استثني منه شجرة، ويحمل كلام أحمد على من فرط.
وإن باع المشتري العين صح وتكون المنفعة مستثناة في يد المشتري، فإن لم يعلم به فله الخيار، لأنه عيب، فهو كالتزويج في الأمة، ومن باع أمة واستثنى وطأها لم يصح، لأنه لا يحل إلا في تزويج، أو في ملك يمين، ومن استثنى مدة غير معلومة لم يصح للخبر.

باب الشروط في البيع

وهي على أربعة أضرب: أحدها: ما هو من مقتضى البيع، كالتسليم والرد بالعيب فهذا لا أثر له، لأنه بيان وتأكيد لمقتضى العقد.
الثاني: ما هو من مصلحته، كالخيار والأجل والرهن والضمين، فهذا شرط صحيح لازم، ورد الشرع به نذكره في مواضعه.
الثالث: شرط ينافي مقتضى العقد وهو نوعان: أحدهما: ما لم يبن على التغليب والسراية، كشرط أن لا يملك، ولا يتصرف، ولا يسلم أو لا يعتق، أو إن أعتق فالولاء له أو متى نفق المبيع وإلا رده، أو إن

خسر فيه، فعلى البائع فهذا شرط باطل، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعائشة لما أرادت شراء بريرة، فاشترط أهلها ولاءها: «اشتريها فأعتقيها، فإنما الولاء لمن أعتق ثم قال: من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط» متفق عليه.
وهل يفسد البيع به؟ فيه روايتان: إحداهما: لا يفسد، لحديث بريرة.
والثانية: يفسد، لأنه إذا فسد الشرط وجب رد ما في مقابلته من الثمن، وذلك مجهول فيصير الثمن مجهولاً.
النوع الثاني: أن يشتريه بشرط أن يعتقه ففيه روايتان: إحداهما: الشرط فاسد، لأنه ينافي مقتضى البيع، فأشبه ما قبله.
والثانية: يصح لأن عائشة اشترت بريرة لتعتقها، فأجازه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فعلى هذا إن امتنع المشتري من العتق أجبر عليه في أحد الوجهين، لأنه عتق مستحق عليه، فأجبر عليه كما لو نذر عتقه.
والثاني: لا يجبر عليه لأن الشرط لا يوجب فعل المشروط، كما لو شرط رهناً أو ضميناً لم يجبر، ولكن يثبت للبائع خيار الفسخ كمشترط الرهن، فإن مات العبد رجع البائع على المشتري بما نقصه شرط العتق، وإن كان المبيع أمة فأحبلها أعتقها وأجزأه لأن الرق باق فيها.
الرابع: ما لا ينافي مقتضى العقد، ولا هو من مصلحته، وهو نوعان: أحدهما: أن يشرط عقداً آخر، مثل أن يبيعه بشرط أن يبيعه عيناً أخرى أو يؤجره أو يسلفه، أو يشتري منه، أو يستسلف، فهذا شرط فاسد يفسد العقد به، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع» . قال الترمذي: هذا حديث صحيح.
ونهى عن بيعتين في بيعة وهذا منه.
الثاني: أن يشترط المشتري منفعة البائع في المبيع، فيصح إذا كانت معلومة، مثل أن يشتري ثوباً، ويشترط على بائعه خياطه قميصاً، أو فلعة ويشترط حذوها نعلاً، أو حطباً ويشترط حمله، لأن محمد بن مسلمة اشترى من نبطي جرزة حطب وشرط عليه حملها، واشتهر ذلك فلم ينكر، ولأنه بيع، وإجارة فصح، كما لو باعه عبده وأجره داره في عقد واحد.
وقال الخرقي: إن شرط مشتري الرطبة جزها على بائعها بطل

العقد، فيحتمل أن يخص قوله بهذه الصورة وشبهها لإفضائه إلى التنازع، فإن البائع يريد قطعها من أعلاها، لتبقى له منها بقية، والمشتري يريد، الاستقصاء عليها، ويحتمل أن يعدى حكمها إلى كل عقد شرط فيه منفعة البائع، لأنه شرط عقداً في عقد، فأشبه ما قبله.
وقال القاضي: لم أجد بما قال الخرقي رواية في المذهب، والمذهب جوازه.
فإن شرط شرطين، مثل أن اشترط خياطة الثوب وقصارته، وفي الحطب حمله وتكسيره، أو اشترط منفعة البائع، واشترط البائع منفعة المبيع مدة معلومة فسد العقد، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا شرطان في بيع» وإن شرط منفعة معلومة لم يصح لإفضائه إلى التنازع.

فصل: فإن شرط في البيع أنه إن باعه فهو أحق به بالثمن، ففيه روايتان: إحداهما: لا يصح، لأنه شرطان في بيع، لأنه شرط أن يبعه إياه، وأن يعطيه إياه بالثمن ولأنه شرط ينافي مقتضى العقد، لأنه شرط أن لا يبيعه لغيره.
والثانية: يصح، لأنه يروى عن ابن مسعود أنه اشترى أمة بهذا الشرط.
وإن قلنا بفساده فهل يفسد [به] البيع؟ فيه روايتان.

فصل: وكل موضع فسد العقد لم يحصل به ملك وإن قبض، لأنه مقبوض بعقد فاسد، فأشبه ما لو كان الثمن ميتة، ولا ينفذ تصرف المشتري فيه، وعليه رده بنمائه المنفصل والمتصل، وأجرة مثله مدة مقامه في يديه، ويضمنه إن تلف أو نقص بما يضمن به المغصوب، لأنه ملك غيره حصل في يده بغير إذن الشرع، أشبه المغصوب، ولا حد عليه إن وطئ للشبهة، وعليه مهر مثلها، وأرش بكارتها إن كانت بكراً، والولد حر، لأنه من وطء شبهة، ويلحق نسبة به لذلك، ولا تصير به الجارية أم ولد، لأنها ولدت في غير ملك.
وإن حكمنا بفساد الشرط وحده، فقال القاضي: يرجع المشتري بما نقص، لأنه إنما سمح به، لأجل الشرط، فإذا لم يحصل رجع بما سمح به.

فصل: ولا يحل البيع بعد النداء للجمعة قبل الصلاة لمن تجب عليه الجمعة، لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9] . فإن باع لم يصح للنهي ويجوز ذلك لمن لا تجب عليه الجمعة، لأن الخطاب بالسعي لم يتناوله، فكذلك النهي والنداء الذي تعلق به السعي والنهي هو

الثاني الذي يكون عند صعود الإمام المنبر، لأنه الذي كان على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فتعلق الحكم به، وإنما زاد الأول عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وفي النكاح والإجارة وجهان: أحدهما: حكمهما حكم البيع، لأنهما عقدا معاوضة.
والثاني: يصحان، لأنهما غير منصوص عليهما وليسا في معنى المنصوص عليه، لأنهما لا يكثران، فلا تؤدي إباحتهما إلى ترك الجمعة بخلاف البيع.

فصل: ولا يحل التسعير، لما روى أنس قال: «غلا السعر على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالوا: يا رسول الله قد غلا السعر فسعر لنا، فقال: إن الله هو المسعر القابض الباسط الرزاق إني لأرجو أن ألقى الله، وليس أحد يطلبني بمظلمة» قال الترمذي: هذا حديث صحيح.
ولأنه ظلم للبائع بإجباره على البيع سلعته سلعته بغير حق، أو منعه من بيعها بما يتفق عليه المتعاقدان، وهو من أسباب الغلاء، لأنه يقطع الجلب، ويمنع الناس من البيع فيرتفع السعر.

فصل: والاحتكار محرم، لما روى سعيد بن المسيب، عن معمر بن عبد الله أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من احتكر فهو خاطئ» رواه مسلم وأبو داود.
والاحتكار المحرم: ما جمع أربعة أوصاف، أن يشتري قوتاً يضيق به على الناس في بلد فيه ضيق، فأما الجالب فليس بمحتكر، لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الجالب مرزوق والمحتكر ملعون» ولأنه لا ضرر على الناس على جلبه.
ومن استغل من أرضه شيئاً فهو كالجالب.
ولا يمنع من احتكار الزيت، وما ليس بقوت، لأن سعيد بن المسيب راوي الحديث كان يحتكر الزيت ومن اشترى في حال الرخص على وجه لا يضيق على أحد، فليس بمحتكر، لأنه لا ضرر فيه، بل ربما كان نفعاً.

فصل: وبيع التلجئة: وهو أن يخاف الرجل ظالماً يأخذ ماله، فيواطئ رجلاً يظهر بيعه

إياه ليحتمي بذلك، ولا يردان بيعاً حقيقياً فلا يصح لأنهما ما قصداه فهو كبيع المكره.

باب الخيار في البيع

وهو على ضربين: أحدهما: خيار المجلس، فلكل واحد من المتبايعين الخيار في فسخ البيع ما لم يتفرقا بأبدانهما، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «البيعان في الخيار ما لم يتفرقا» متفق عليه.
والتفرق: أن يمشي أحدهما عن صاحبه بحيث إذا كلمه الكلام المعتاد في المجلس لا يسمعه، لأن ابن عمر كان إذا بايع رجلاً، فأراد أن لا يقيله مشى هنيهة، ثم رجع وهو راوي الحديث، وأعلم بمعناه، ولأن الشرع ورد بالتفرق مطلقاً فوجب أن يحتمل على التفرق المعهود، وهو يحصل بما ذكرناه.
فإن لم يتفرقا بل بني بينهما حاجز، أو أرخي بينهما ستر أو نحوه أو ناما أو قاما عن مجلسهما فمشيا معاً، فهما على خيارهما، لأنهما لم يتفرقا.
وإن فر أحدهما من صاحبه بطل خيارهما، لأن ابن عمر كان يفارق صاحبه بغير أمره، ولأن الرضى في الفرقة غير معتبر، كما لا يعتبر الرضى في الفسخ، وإن أكرها على التفريق ففيه وجهان: أحدهما: يبطل الخيار، لأنه لا يعتبر الرضى من أحد الجانبين، فكذلك منهما.
والثاني: لا يبطل لأنه معنى يلزم به البيع فلا يلزم به مع الإكراه كالتخاير، فعلى هذا يكون الخيار لهما في المجلس الذي زال عنهما الإكراه فيه حتى يفارقاه، فإن أكره أحدهما بطل خيار الآخر، كما لو هرب منه، وللمكره الخيار في أحد الوجهين.

فصل: فإن تبايعا على أن لا خيار بينهما، أو قالا: بعد البيع اخترنا إمضاء العقد، أو أجزنا العقد، ففيه روايتان: إحداهما: هما على خيارهما، لعموم الخبر.
والثانية: لا خيار لهما، لما روي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو يخير أحدهما صاحبه، فإن خير أحدهما صاحبه، فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع» .

وفي لفظ: «المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا أن يكون البيع كان على خيار، فإن كان البيع عن خيار فقد وجب البيع» متفق عليهما وفي لفظ «أو يقول أحدهما لصاحبه اختر» . رواه البخاري.
وهذه زيادة يجب قبولها، فإن قال أحدهما لصاحبه: اختر فسكت، فخيار الساكت بحاله، لأنه لم يوجد منه ما يبطله، وفي خيار القائل وجهان: أحدهما: يبطل للخبر، ولأنه جعل الخيار لغيره، فلم يبقى له شيء.
والثاني: لا يبطل كما لو قال لزوجته: اختاري فسكتت لم يبطل خياره في الطلاق.

فصل: ويثبت خيار المجلس في كل بيع للخبر، ولأنه شرع للنظر في الحظ، وهذا يوجد في كل بيع.
وعنه: لا يثبت في الصرف والسلم، وما يشرط فيه القبض في المجلس، لأنه لا يثبت فيه خيار الشرط.

فصل: الضرب الثاني: خيار الشرط، نحو أن يشترط الخيار في البيع مدة معلومة، فيجوز بالإجماع، ويثبت فيما يتفقان عليه من المدة المعلومة، وإن زادت على ثلاث، لأنه حق يعتمد الشرط، فجاز ذلك فيه كالأجل، ويجوز شرطه لأحدهما دون صاحبه، ولأحدهما أكثر من صاحبه، لأنه ثبت بشرطهما فكان على حسبه.
ولو اشترى شيئين صفقة واحدة، وشرط الخيار في أحدهما بعينه صح وإن شرطه في غير معين منهما، أو لأحد المتبايعين غير معين لم يصح لأنه مجهول، فأشبه بيع أحد العبدين.
وإن شرط الخيار الأجنبي صح، وكان مشترطاً لنفسه موكلاً لغيره فيه، لأنه أمكن تصحيحه على هذا الوجه فتعين.
ولمشترط الخيار الفسخ بغير رضى الأجنبي، وللأجنبي الفسخ إلا أن يعزله المشترط، ولو شرط الخيار للعبد المبيع صح لأنه كالأجنبي.
وقال القاضي: إن جعل الأجنبي وكيلاً فيه صح.
وإن أطلق الخيار لفلان، أو قال: هو لفلان دوني لم يصح، لأن الخيار جعل لتحصيل الحظ للمتعاقدين بنظرهما، فلا يكون لمن لا حظ له.
وإن كان العاقد وكيلاً، فشرط الخيار للمالك صح، لأن الحظ له.
وإن جعله للأجنبي لم يصح، لأنه ليس له توكيل غيره، وإن شرط لنفسه صح، لأن له النظر في تحصيل الحظ.
وإن قال: بعتك على أن أستأمر فلاناً في مدة معلومة صح، وله الفسخ قبل استئماره، لأن ذلك كناية عن الخيار، وإن لم يجعل له مدة معلومة، فهو كالخيار المجهول.

فصل: وإذا شرط الخيار إلى طلوع الشمس أو غروبها، أو إلى الغد، أو إلى الليل صح، لأنه وقت معلوم، ولا يدخل الغد، ولا الليل في مدة الخيار، لأن إلى للغاية وموضوعها لفراغ الشيء وانتهائه.
وإن شرطاه ثلاثاً، أو ساعات معلومة فابتدأ مدته من حين العقد، لأنها مدة ملحقة بالعقد، فكان بدؤها منه كالأجل، ولأن جعله من حين التفريق يفضي إلى جهالته، لأنه لا يدرى متى يفترقان، ويحتمل أن يكون بدء مدته من حين التفريق، لأن الخيار ثابت في المجلس حكماً فلا حاجة إلى إثباته بالشرط، فعلى هذا إن جعلا بدأه من العقد صح، لأن بدايته ونهايته معلومان.
ويحتمل أن لا يصح، لأن ثبوت الخيار بالمجلس يمنع ثبوته بغيره، وعلى الوجه الأول لو جعلا بدأه من التفريق لم يصح لجهالته.

فصل: فإن شرطا خياراً مجهولاً لم يصح، لأنها مدة ملحقة بالعقد، فلم تصح مجهولة كالتأجيل، وهل يفسد العقد به؟ على روايتين.
وعنه: أنه يصح مجهولاً لقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «المسلمون على شروطهم» رواه الترمذي: وقال حديث حسن صحيح.
فعلى هذا إن كان الخيار مطلقاً مثل أن يقول: لك الخيار متى شئت، أو إلى الأبد، فهما على خيارهما أبداً أو يقطعاه، وإن قال: إلى أن يقدم زيد، أو ينزل المطر ثبت الخيار إلى زمن اشتراطه، أو يقطعاه قبله.
وإن شرطاه إلى الحصاد أو الجذاذ، ففيه روايتان: إحداهما: هو مجهول، لأن زمن ذلك يختلف، فيكون كقدوم زيد.
والثانية: يصح لأن مدة الحصاد تتقارب في العادة في البلد الواحد، فعفي عن الاختلاف فيه.
وإن شرطه إلى العطاء يريد وقت العطاء صح لأنه معلوم، وإن أراد نفس العطاء فهو مجهول، لأنه يتقدم ويتأخر، وإن شرط الخيار شهراً يوماً يثبت ويوماً لا ففيه وجهان: أحدهما: يثبت في اليوم لأول، لأنه معلوم يلي العقد، ويبطل فيما بعده، لأنه إذا لزم لم يعد إلى الجواز، ويحتمل أن يبطل الشرط كله، لأنه شرط واحد، فإذا فسد في البعض فسد في الكل.

فصل: ولمن له الخيار الفسخ من غير حضور صاحبه ولا رضاه، لأنه عقد جعل إلى اختياره، فجاز مع غيبة صاحبه وسخطه، كالطلاق.
ومتى انقضت مدته قبل الفسخ لزم العقد على كل حال، لأنها مدة ملحقة بالعقد، فبطلت بانتهائها كالأجل، ويبطل الخيار بالتخاير، كما يبطل خيار المجلس به، ولو ألحقا بالعقد خياراً بعد لزومه لم يلحقه، لأنه عقد لازم، فلم يصر جائزاً بقولهما كالنكاح، وإن فعلا ذلك في مدة الخيار جاز، لأنه جائز فجاز إبقاؤه على جوازه.

فصل: وينتقل الملك إلى المشتري في بيع الخيار بنفس العقد.
وعنه: لا ينتقل إلا بعد انقضائه، لأنه عقد قاصر لا يفيد التصرف، فلم ينقل الملك، كالهبة قبل القبض، والأول ظاهر المذهب، لأن البيع سبب لنقل الملك، فنقل عقيبه كالمطلق، ولأنه تمليك، فأشبه المطلق.
وليس منع التصرف لقصور السبب، بل لتعلق حق البائع بالمبيع، وما يحصل من غلة المبيع في مدة الخيار، ونمائه المنفصل، فهو للمشتري سواء فسخا العقد أو أمضياه لأنه نماء ملكه الداخل في ضمانه، ولأنه من ضمانه فيدخل في قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الخراج بالضمان» وعلى الرواية الأخرى هو للبائع، والحكم في ضمانه كالحكم في ضمان المبيع المطلق.

فصل: وليس لواحد من المتبايعين التصرف في المبيع في مدة الخيار، لأنه ليس بملك للبائع، فيتصرف فيه، ولا انقطعت عنه علاقته، فيتصرف فيه المشتري، فإن تصرفا بغير العتق، لم ينفذ تصرفهما لذلك.
وعنه في تصرف المشتري: أنه موقوف، إن فسخ البائع بطل، وإن لم يفسخ صح لعدم المبطل له، ذكرها ابن أبي موسى.
وإن كان الخيار للمشتري وحده صح لذلك، وإن أعتق المشتري العبد عتق، لأنه عتق من مالك تام الملك، جائز التصرف، فنفذ كما بعد المدة، فإن قلنا: الملك للبائع نفذ عتقه، ولا ينفذ عتق من لا ملك له، لأنه عتق من غير مالك، فأشبه الأجنبي.
وفي الوقف وجهان: أحدهما: هو كالعتق، لأنه تصرف يبطل الشفعة، والصحيح: أنه لا ينفذ، لأنه لا يبنى على التغليب، ولا يسري إلى ملك الغير، أشبه البيع.

فصل: فإن وطئ المشتري الجارية، فلا حد عليه ولا مهر، وإن ولدت منه فالولد حر،

ولا تلزمه قيمته، وتصير أم ولد، لأنه وطئ مملوكته.
وإن وطئ البائع فعليه المهر لأنه وطئ في غير ملك.
وإن علم التحريم فولده رقيق، لا يلحقه نسبه كما لو وطئ بعد المدة.
وإن جهل التحريم فلا حد عليه، وولده أحرار، وعليه قيمتهم يوم الولادة، لأنه يعتقد أنه يحبلها في ملكه، فأشبه المغرور من أمة، ولا تصير أم ولد بحال.
قال بعض أصحابنا: وعليه الحد إن علم التحريم، وأن البيع لا ينفسخ به، وذكر أن أحمد نص عليه، لأن وطأه لم يصادف ملكاً، ولا شبهة ملك.
والصحيح أنه لا حد عليه، لأن أهل العلم اختلفوا في ملكه لها، وحل وطئها، وهذه شبهة يدرأ الحد بها.
ولأن ملكه يحصل بوطئه، فيحصل تمام وطئه في ملكه، فلا يجب الحد به.
وإن قلنا بالرواية الأخرى انعكست هذه الأحكام.

فصل: وطء البائع فسخ للبيع، لأنه دليل على الاسترجاع، فأشبه من أسلم على أكثر من أربع، فوطئ إحداهن كان اختياراً لها.
ووطء المشتري رضى بالمبيع، وإبطال لخياره لذلك، وسائر التصرفات المختصة بالملك، كالعتق والكتابة والبيع والوقف، والهبة، والمباشرة، واللمس لشهوة، وركوب الدابة لسفر أو حاجة، والحمل عليها، وشرب لبنها، وسكنى الدار وحصاد الزرع ونحوه إن وجد من المشتري بطل خياره، لأنه يبطل بالتصريح بالرضى فبطل بدلالته كخيار المعتقة، يبطل بتمكينها زوجها من وطئها.
وإن تصرف البائع بذلك، ففيه وجهان: أحدهما: هو فسخ للبيع لذلك.
والآخر لا يكون فسخاً، لأن الملك انتقل عنه، فلم يكن تصرفه استرجاعاً، كمن وجد ماله عند مفلس فتصرف فيه.
وقال أبو الخطاب: هل يكون تصرف البائع فسخاً للبيع، وتصرف المشتري رضى بالبيع، وفسخاً لخياره؟ على وجهين.
وأما ركوب المشتري الدابة لينظر سيرها، وطحنه على الرحى ليختبرها، فلا يبطل الخيار، لأن الاختيار هو المقصود بالخيار.
وإن استخدم العبد ليختبره لم يبطل خياره لذلك، وإن استخدمه لغير ذلك ففيه روايتان: إحداهما: يبطل خياره، لأنه تصرف منه، أشبه الركوب للدابة.
والثانية: لا يبطل، لأنه لا يختص الملك، أشبه النظر.
وإن قبلت الجارية المشتري لشهوة لم يبطل خياره، لأنها قبلة لأحد المتابعين، فلم يبطل خياره، كقبلتها للبائع، ولأنا لو أبطلنا خياره بهذا أبطلناه من غير رضاه بالمبيع، ولا دلالة عليه.
ويحتمل أن يبطل خياره إذا لم يمنعها، لأن إقراره عليه رضى به.

فصل: وإن أعتق المشتري الجارية، أو استولدها، أو أتلفت المبيع، أو تلف في يده لم يبطل خيار البائع، لأنه لم يوجد منه رضى بإبطاله.
وله أن يفسخ ويرجع ببدل المبيع، وهو مثله إن كان مثلياً وإلا قيمته يوم أتلفه.
وعنه: أن خياره يبطل بذلك، اختارها الخرقي، لأنه خيار فسخ، فبطل بتلف المبيع، كخيار الرد بالعيب.

فصل: وإن مات أحد المتبايعين بطل خياره، ولم يثبت لورثته، لأنه حق فسخ لا يجوز الاعتياض عنه، فلم يورث، كخيار الرجوع في الهبة.
ويتخرج أن يورث قياساً على الأجل في الثمن.
وإن جن أو أغمي عليه، قام وليه مقامه، لأنه قد تعذر منه الاختيار مع بقاء ملكه.
وإن خرس ولم يفهم إشارته، فهو كالمجنون وإن فهمت إشارته قام مقام لفظه.
وإن مات في خيار المجلس بطل خياره، وفي خيار صاحبه وجهان: أحدهما: يبطل لأن الموت أعظم الفرق.
والثاني: لا يبطل، لأن الفرقة بالأبدان لم تحصل.

باب الربا

الربا محرم، لقول الله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] . وما بعدها من الآيات، وروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «لعن الله آكل الربا، وموكله وشاهديه وكاتبه» متفق عليه.
وهو على ضربين: ربا الفضل، وربا النسيئة، والأعيان على الربا فيها ستة مذكورة في حديث عبادة بن الصامت عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «الذهب بالذهب مثلاً بمثل، والفضة بالفضة مثلا بمثل، والتمر بالتمر مثلاً بمثل، والبر بالبر مثلاً بمثل، والشعير بالشعير مثلاً بمثل، والملح بالملح مثلاً بمثل، من زاد أو ازداد فقد أربى، بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يداً بيد، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم يداً بيد، وبيعوا الشعير بالتمر كيف شئتم يداً بيد» رواه مسلم.

واختلفت الرواية في علة الربا ثلاث روايات.
فأشهرهن: أن علته في الذهب والفضة الوزن والجنس، وفي غيرهما الكيل والجنس، لما روي عن عمار أنه قال: العبد خير من العبدين، والثوب خير من الثوبين، فما كان يداً بيد فلا بأس به، إنما الربا في النساء إلا ما كيل أو وزن.
ولأنه لو كانت العلة الطعم لجرى الربا في الماء، لأنه مطعوم، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: 249] فعلى هذا يحرم التفاضل في كل مكيل، أو موزون من جنس، سواء كان مطعوماً كالقطنيات، أو غير مطعوم كالأشنان والحديد.
ويجري الربا فيما كان جنسه مكيلاً أو موزوناً، وإن تعذر الكيل فيه أو الوزن، إما لقلته، كالتمرة والقبضة وإما دون الأرزة من الذهب والفضة، وإما لعظمه كالزبرة العظيمة، وإما للعادة كلحم الطير، لأنه من جنس فيه الربا، فجرى فيه الربا كالزبرة العظيمة.
وما نسج من القطن والكتان لا ربا فيه نص عليه، لحديث عمار وما عمل من الحديد ونحوه ما كان يقصد وزنه جرى فيه الربا، لأنه تقصد زنته، فجرى فيه الربا، كلحم الطير، وما لا تقصد زنته لا يجري فيه الربا كالثياب.
والرواية الثانية: العلة في الذهب والفضة: الثمينة غالباً، وفيها عداهما كونه مطعوم جنس، لما روى معمر بن عبد الله أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «نهى عن بيع الطعام إلا مثلاً بمثل» . رواه مسلم.
ولأنه لو كان الوزن علة فلم يجز إسلام النقد في الموزنات، لأن اجتماع المالين في أحد وصفي علة ربا الفضل يمنع النساء، بدليل إسلام المكيل في المكيل، فعلى هذه الرواية يحرم التفاضل في كل مطعوم بيع بجنسه من الأقوات، والأدام والفواكه والأدوية والأدهان المطيبة وغيرها.
وإن لم يكن مكيلاً ولا موزوناً، كالبطيخ والرمان والبيض ونحوها.
والرواية الثالثة: العلة كونه مطعوم جنس مكيلاً أو موزوناً، لأن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع الطعام إلا مثلاً بمثل» . والمماثلة المعتبرة هي المماثلة في الكيل والوزن، فدل على أنه لا يحرم إلا في مطعوم يكال أو يوزن، ولا يحرم فيما لا يطعم كالأشنان والحديد، ولا فيما لا يكال كالبطيخ والرمان.

فصل: وما يجري فيه الربا اعتبرت المماثلة فيه في المكيل كيلاً، وفي الموزون وزناً، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الذهب بالذهب وزناً بوزن، والفضة بالفضة وزناً بوزن، والبر بالبر كيلاً بكيل، والشعير بالشعير كيلاً بكيل» رواه الأثرم.
ولا يجوز بيع مكيل بجنسه وزناً، ولا موزون كيلاً للخبر، ولأنه لا يلزم من تساويهما في أحد المعيارين التساوي في الآخر، لتفاوتهما في الثقل والخفة، ولا يجوز بيع بعضه ببعض جزافاً من الطرفين، ولا من

أحدهما، لما روى جابر قال: «نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن بيع الصبرة لا يعلم مكيلها بالكيل المسمى من التمر» رواه مسلم.
ولأن المماثلة لا تعلم بدون الكيل من الطرفين، فوجب ذلك.
وما لا يكال ولا يوزن يعتبر التماثل فيه بالوزن، لأنه أحصر، ومنه ما لا يتأتى كيله.

فصل: والمرجع في الكيل والوزن إلى عادة أهل الحجاز، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «المكيال مكيال أهل المدينة، والميزان ميزان أهل مكة» وما لا عرف له بالحجاز يعتبر بأشبه الأشياء به بالحجاز في أحد الوجهين، لأن الحوادث ترد إلى أقرب الأشياء شبهاً بها وهو القياس.
والثاني ترد إلى عرفه في موضعه، لأن ما لا حد له في الشرع يرد إلى العرف، كالقبض والحرز.

فصل: والجيد والرديء، والتبر والمضروب، والصحيح والمكسور سواء في جواز البيع متماثلاً وتحريمه متفاضلاً، للخبر وفي بعض ألفاظه «الذهب بالذهب تبرها وعينها، والفضة بالفضة تبرها وعينها» رواه أبو داود.
وفي لفظ «جيدها ورديئها سواء» .

فصل: ولا يحرم التفاضل إلا في الجنس الواحد، للخبر والإجماع، وكل شيئين اتفقا في الاسم الخاص من أصل الخلقة فهما جنس، كأنواع التمر وأنواع البر.
وإن اختلفا في الاسم من أصل الخلقة فهما جنسان، كالستة المذكورة في الخبر، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حرم الزيادة فيها إذا بيع منها شيء بما يوافقه في الاسم، وأباحها إذا بيع بما يخالفه في الاسم، فدل على أن ما اتفقا في الاسم جنس، وما اختلفا فيه جنسان.
وعنه: أن البر والشعير جنس، لأن معمر بن عبد الله قال لغلامه فيهما لا تأخذن إلا مثلاً بمثل، «فإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع الطعام إلا مثلاً بمثل» رواه مسلم.
والمذهب الأول، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في الأعيان الستة «فإذا اختلفت هذه الأصناف الستة فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد» رواه مسلم.
وقال «لا بأس ببيع البر بالشعير، والشعير أكثرهما يداً بيد» . رواه أبو داود وحديث معمر لا بد فيه من إضمار الجنس الواحد.

فصل: والمتخذ من أموال الربا معتبر بأصله فما أصله جنس واحد فهو جنس واحد، وإن اختلفت أسماؤه.
وما أصله أجناس فهو أجناس، وإن اتفقت أسماؤه، فدقيق الحنطة والشعير جنسان، ودهن اللوز والجوز جنسان، وزيت الزيتون والبطم جنسان، وكذلك خل العنب وخل التمر.
وعنه: أنهما جنسان، والأول أصح، لأنهما فرعا أصلين مختلفين، فكانا جنسين كالأدقة، وفي اللحم ثلاث روايات: إحداهن: أنه كله جنس واحد، لأنه اشترك في الاسم الواحد حال حدوث الربا فيه، وكان جنساً واحداً كالتمر.
والثانية: أنه أربعة أجناس لحم الأنعام، ولحم الوحش، ولحم الطير، ولحم دواب الماء، لأنها تختلف منفعتها والقصد إلى أكلها، فكانت أجناساً.
والثالثة: أنها أجناس، فكانت أجناساً، كالتمر الهندي والبرني، وبهذا ينتقض دليل الرواية الأولى، والثانية لا أصل لها، فعلى هذه الرواية لحم بهيمة الأنعام كلها ثلاثة أجناس، ولحم بقر الوحش والأهلية جنسان، وكل ما انفرد باسم وصفة فهو جنس.
وقال ابن أبي موسى: لا خلاف عن أحمد أن لحم الطير والسمك جنسان، وفي الألبان من القول نحو مما في اللحم، لأنها من الحيوانات يتفق اسمها فأشبهت اللحم.

فصل: واللحم والشحم والكبد والطحال والرئة والكلية والقلب والكرش أجناس، لأنها مختلفة في الاسم والخلقة.
قال بعض أصحابنا: الشحم والألية جنسان لذلك، وقالوا: اللحم الأحمر والأبيض الذي على الظهر والجنبين جنس، لاتفاقهما في الدسم المقصد ويحتمل أن يكون الشحم الذي يذوب بالنار كله جنساً واحداً لاتفاقهما في اللون والصفة والذوب بالنار.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ [الأنعام: 146] . فاستثناه من الشحم.

فصل: ولا يجوز بيع ما فيه ربا بعضه ببعض، ومعهما أو مع أحدهما، من غير جنسه،

كمد بر ودرهم بمد ودرهم، أو بمدين أو درهمين.
وعنه، ما يدل على الجواز إذا كان مع كل واحد منهما من غير جنسه، أو كان المفرد أكثر ليكون الزائد في مقابلة غير الجنس، والأول المذهب، لما روى فضالة بن عبيد قال: «أتي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقلادة فيها ذهب وخرز ابتاعها بتسعة دنانير، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لا حتى تميز بينهما» . رواه أبو داود.
ولأن الصفقة إذا جمعت شيئين مختلفي القيمة انقسم الثمن عليهما على قدر قيمتهما بدليل ما لو اشترى شقصاً وسيفاً، فإن الشفيع يأخذ الشقص بقسطه من الثمن.
وإذا قسم الثمن على القيمة أدى إلى الربا، لأنه إذا باع مداً، قيمته درهمان ودرهماً بمدين، فقيمتهما ثلاثة، حصل في مقابلة الجيد مد وثلث.
فأما إذا باع نوعين مختلفي القيمة من جنس بنوع واحد من ذلك الجنس، كدرهم صحيح، ودرهم قراضة بصحيحين، فقال القاضي: الحكم فيها كالتي قبلها لذلك، وقال أبو بكر: يجوز، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الفضة بالفضة مثلاً بمثل» ولأن الجودة ساقطة فيما قوبل بجنسه لما تقدم.
وعن أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: منع ذلك في النقد وتجويزه في غيره، لأنه لا يمكن التحرز من اختلاط النوعين.

فصل: ولا يجوز بيع خالصه بمشروبه، كحنطة فيها شعير، أو زوان بخالصة، أو غير خالصة، أو لبن مشوب بخالص أو مشوب أو عسل في شمعه بمثله إلا أن يكون الخلط يسيراً لا وقع له، كيسير التراب والزوان، ودقيق التراب الذي لا يظهر في الكيل، لأنه لا يخل بالتماثل، ولا يمكن التحرز منه.

فصل: وما اشتمل على جنسين بأصل الخلقة، كالتمر فيه النوى، فلا بأس ببيع بعضه ببعض، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أباح بيع التمر بالتمر، وقد علم أن في كل واحد نوى.
ولو نزع النوى، ثم ترك مع التمر صار كمسألة مد عجوة لزوال التبعية، لو نزع من أحدهما نواه، ثم باعه بتمر فيه نواه فكذلك.
وإن باع النوى بمثله، والمنزوع بمثله جاز لأنه جنس متماثل.
وإن باع المنزوع وحده بالنوى جاز فيه التفاضل، لأنهما جنسان.
وإن باع النوى بتمر فيه نواه ففيه روايتان: إحداهما: لا يجوز، لأنه في مسألة مد عجوة.
والثانية: يجوز، لأن ما فيه الربا غير مقصود في أحد الجانبين، فلم يمنع كبيع دار مموه سقفها بذهب، بذهب.
وكذلك يخرج في بيع شاة لبون بلبن، أو ذات صوف بصوف، أو لبون بمثلها، فإن كانت محلوبة اللبن جاز وجهاً واحداً، لأن الباقي لا أثر له، فهو كالتمويه في السقف، ويجوز بيع شاة ذات صوف بمثلها وجهاً واحداً، لأن ذلك لو حرم لحرم بيع الغنم بالغنم.
قال أبو بكر: يجوز بيع نخلة مثمرة بمثلها وبتمر،

لأن التمر عليها غير مقصود، ومنعه القاضي لكون الثمرة معلومة، يجوز إفرادها بالبيع بخلاف اللبن، ومنع القاضي بيع اللحم بجنسه إلا منزوع العظام لأن العظم من غير جنس اللحم، فأشبه الشمع في العسل ويحتمل الجواز، لأن العظم من أصل الخلقة، فأشبه النوى في التمر بخلاف الشمع.

فصل: وما فيه خلط غير مقصود لمصلحته، كالماء في خل التمر والزبيب ودبس التمر، والملح في الخبز.
والشيرج في الخبيص ونحوه لا يمنع بيعه بمثله، لأنه لمصلحته، فأشبه رطوبة تمر الرطب.
ولا يجوز بيعه بخالص كخل الزبيب بخل العنب والخبز الرطب باليابس كما لا يجوز بيع الرطب بالتمر.

فصل: ولا يجوز بيع نيئه بمطبوخه، لأن النار تذهب برطوبته، وتعقد أجزاءه، فتمنع تساويهما.
ويجوز بيع مطبوخه بمثله إذا لم يظهر عمل النار في أحدهما أكثر من الآخر، لتساويهما في الحال على وجه لا ينفرد أحدهما بالنقصان في ثاني الحال، كالخبز بالخبز، والشواء والسكر والعسل المصفى بالنار بمثله.

فصل: ولا يجوز بيع حبه بدقيقه، وعنه: الجواز إذا تساويا وزناً، لأن الدقيق أجزاء الحب، فجاز بيعه به، كما قبل الطحن، والمذهب الأول، لأن البر ودقيقه مكيلان ولا بيع ما أصله الكيل بشيء من جنسه وزناً، ولا يمكن التساوي في الكيل، لأن الطحن فرق أجزاء الدقيق ونشرها، ويجوز بيع كل واحد من الدقيق والسويق بمثله إذا تساويا في الكيل والنعومة، ولما ذكرنا في المطبوخ بمثله، ولا يجوز إذا تفاوتا في النعومة، لأنه يمنع تساويهما في الكيل إلا على قولنا: يجوز بيع الحب بدقيقه وزناً.

فصل: ولا يجوز بيع أصله بعصيره كالزيتون بزيته، والسمسم بالشيرج، والعنب بعصيره، لأنه لا يتحقق التماثل بين العصير، وما في أصله منه.
ويجوز بيع العصير بالعصير لما ذكرنا في المطبوخ.
ولا يجوز بيع اللحم بحيوان من جنسه لما روى سعيد بن المسيب أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نهى عن بيع اللحم بالحيوان» . رواه مالك في " الموطأ " ولأنه جنس فيه الربا بيع بأصله الذي فيه منه، فلم يجز كالزيتون بالزيت.
وإن باع اللحم بحيوان لا يؤكل جاز لعدم ما ذكر، وإن باعه بحيوان مأكول غير أصله، وقلنا: هما جنس واحد لم يجز وإلا جاز.

فصل: ويجوز بيع اللبن باللبن، حليبين كانا أو رائباً وحليباً، لأن الرائب لبن خالص، إنما فيه حموضة.
ولا يجوز بيع لبن بما استخرج منه من زبد وسمن ومخيض، ولا زبد بسمن، لأنه مستخرج منه، أشبه الزيتون بالزيت.
وعنه: يجوز بيع الزبد باللبن إذا كان أكثر من الزبد الذي في اللبن، والسمن مثله، وهكذا كمسألة مد عجوة، والظاهر تحريمه.
ولا بيع لبن مائع بجامد، لأنهما يتفاضلان ويجوز بيع السمن والزبد والمخيض واللباء والجبن، والمصل بمثله إذا تساويا في الرطوبة والنشافة، ولم ينفرد أحدهما بمس النار له.
ويجوز بيع السمن بالمخيض متفاضلاً، لأنه ليس في أحدهما شيء من الآخر.
وبيع الزبد بالمخيض نص عليه.
لأن اللبن في الزبد يسير غير مقصود، أشبه الملح في الشيرج.
ولا يجوز بيع شيء من هذه الأنواع بنوع لم ينزع زبده، كالجبن والمصل، لما ذكرنا في بيعه باللبن.

فصل: ولا يجوز بيع رطبه بيابسه، «لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع الرطب بالتمر» . متفق عليه.
وعن سعد بن أبي وقاص أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال: «أينقص الرطب إذا يبس؟ فقالوا نعم، فنهاه عن ذلك» أخرجه أبو داود.
فنهى وعلل بأنه ينقص عن يابسه، فدل على أن كل رطب يحرم بيعه بيابسه.
ويجوز بيع رطبه برطبه، لأن مفهوم نهيه عن بيع الرطب بالتمر إباحة بيعه بمثله، ولأنهما تساويا في الحال على وجه لا يتفرد أحدهما بالنقصان، فجاز بيعه به، كاللبن باللبن، وذكر الخرقي أن اللحم لا يباع باللحم إلا إذا تناهى جفافه فدل على أن كل رطب لا يجوز بيعه بمثله، اختارها أبو حفص لأنهما لم يتساويا حال الكمال.
والمذهب والجواز: وقال القاضي: لم أجد بما قال الخرقي رواية عن أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.

فصل: ويجوز بيع العرايا، وهو: بيع الرطب على رؤوس النخل خرصاً بالتمر على وجه الأرض.
لما روى أبو هريرة «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رخص العرية في خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق» متفق عليه.
وإنما يجوز بشروط خمسة.
أحدها: أن يكون دون خمسة أوسق.
وعنه يجوز في الخمسة، لأن الرخصة ثبتت

في العرية، ثم نهى عما زاد على الخمسة، وشك الراوي في الخمسة، فردت إلى أصل الرخصة.
والمذهب الأول، لأن الأصل تحريم بيع الرطب بالتمر فيما دون الخمسة بالخبر، والخمسة مشكوك فيها، فترد إلى الأصل.
الثاني: أن يكون مشتريها محتاجا ً إلى أكلها رطباً.
لما روى محمود بن لبيد قال: «قلت لزيد بن ثابت: ما عراياكم هذه؟ فسمى رجالاً محتاجين من الأنصار شكوا إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن الرطب يأتي، ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رطباً يأكلونه، وعندهم فضول من التمر، فرخص لهم أن يبتاعوا [العرية] برخصها من التمر [يأكلونه] رطباً» . متفق عليه.
والرخصة الثابتة لحاجة لا تثبت مع عدمها فإن تركها حتى تتمر بطل البيع لعدم الحاجة.
الثالث: أن لا يكون له نقد يشتري به للخبر.
الرابع: أن يشتريها بخرصها للخبر، ولأن «رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رخص في العرايا أن تباع بخرصها كيلاً» متفق عليه.
ولا بد أن يكون التمر معلوماً بالكيل للخبر، وفي معنى الخرص روايتان: إحداهما: أن ينتظر كم يجيء منها تمراً، فيبيعها بمثله، لأنه يخرص في الزكاة كذلك.
والثانية: يبيعها بمثل ما فيها من الرطب، لأن الأصل اعتبار المماثلة في الحال بالكيل، فإذا خولف الدليل في أحدهما، وأمكن أن لا يخالف في الآخر وجب.
ولا يجوز بيعها برطب ولا تمر على نخل خرصاً.
الخامس: أن يتقابضا قبل تفرقهما، لأن البيع تمر بتمر، فاعتبرت فيه أحكامه إلا ما استثناه الشرع، والقبض فيما على النخل بالتخلية، وفي التمر باكتياله، فإن كان حاضراً في مجلس البيع اكتاله، وإن كان غائباً مشيا إلى التمر فتسلما.
وإن قبضه أو لا، ثم مشيا إلى النخلة، فتسلمها جاز.
واشترط الخرقي كون النخلة موهوبة لبائعها، لأن العرية اسم لذلك.

واشترط أبو بكر والقاضي حاجة البائع إلى بيعها، وحديث زيد بن ثابت يرد ذلك مع أن اشتراطه يبطل الرخصة، إذ لا تتفق الحاجتان مع سائر الشروط، فتذهب الرخصة، فعلى قولنا يجوز لرجلين شراء عريتين من واحد وعلى قولهما لا يجوز إلا أن ينقصا بمجموعهما عن خمسة أوسق، ولا يجوز لوحد شراء عريتين فيهما جميعاً خمسة أوسق، لأنه في معنى شرائهما في عقد واحد.

فصل: قال ابن حامد: لا يجوز بيع العرايا في غير ثمرة النخل، لما روي «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن المزابنة بيع الثمر بالتمر إلا أصحاب العرايا، فإنه قد أذن لهم، وعن بيع العنب بالزبيب، وعن كل ثمر بخرصه» . وهذا حديث حسن، ولأن غير التمر لا يساويه في كثرة اقتياته، وسهولة خرصه، فلا يقاس عليه غيره.
وقال القاضي: يجوز في جميع الثمار، لأن حاجة الناس إلى رطبها كحاجتهم إلى الرطب.
ويحتمل الجواز في التمر والعنب خاصة، لتساويهما في وجوب الزكاة فيهما، وورود الشرع بخرصهما وكونهما مقتاتين دون غيرهما.

فصل: في ربا النسيئة كل مالين اتفقا في علة ربا الفضل، كالمكلين والموزونين أو المطعومين على الرواية الأخرى لا يجوز بيع أحدهما بالآخر نساء، ولا التفرق قبل القبض، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم يداً بيد» وعن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الذهب بالورق رباً، إلا هاء وهاء، والبر بالبر رباً إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير رباً إلا هاء وهاء» متفق عليه.
وما اختلفت علتهما، كالمكيل والموزون إذا لم يتفقا في الطعم جاز التفرق فيهما قبل القبض رواية واحدة، وفي النساء فيهما روايتان.
وما لم يوجد فيه علة ربا الفضل، كالثياب والحيوان، ففيه روايات أربع.
إحداهن: يجوز النساء فيهما، لما روي عن عبد الله بن عمرو قال: «أمرني النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن أستسلف إبلاً، فكنت آخذ البعير بالبعيرين إلى مجيء المصدق» . من " المسند ". والثانية: لا يجوز، لما روى سمرة قال: «نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة» . قال الترمذي: هذا حديث صحيح.
والثالثة: يحرم النساء في الجنس الواحد، لهذا الخبر، ويباح في الجنسين عملاً بمفهومه.

والرابعة: يباح مع التساوي، ويحرم مع التفاضل في الجنس الواحد، لما روى جابر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الحيوان اثنان بواحد لا يصلح نساء، ولا بأس به يداً بيد» قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وعن ابن عمر أن رجلاً قال: «يا رسول الله.
أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس، والنجيبة بالإبل؟ فقال: لا بأس به إذاً كان يداً بيد» رواه أحمد في " المسند " ولا خلاف في جواز الشراء بالأثمان نساء من سائر الأموال موزوناً أو غيره، لأنها رؤوس الأموال، فالحاجة داعية إلى الشراء بها نساء وناجزاً.

فصل: فإن تفرقا قبل القبض، فيما يشترط القبض فيه بطل العقد، فإن تفرقا قبل قبض بعضه بطل في غير المقبوض، وفي المقبوض وجهان بناء على تفريق الصفقة.
وما وجب التماثل فيه إذا بيع عيناً بعين، فوجد في أحدهما عيباً من غير جنسه بطل البيع، لأنه يفوت التماثل المشترط، وإن كان البيع في الذمة جاز إبداله قبل التفرق.
وهل يجوز بعد التفرق؟ فيه روايتان: إحداهما: يجوز إذا أخذ البدل في مجلس الرد، لأن قبض بدله يقوم مقامه.
والثانية: يبطل العقد برده، لأنهما تفرقا قبل العوض، وإن كان عيبه لمعنى لا ينقص ذاته، كالسواد في الفضة، والخشونة فيها فالعقد صحيح، وليس له أخذ الأرش، لأنه يخل بالتماثل، وله الخيار بين فسخ العقد، أو الإمساك، وليس له البدل إن كان البيع عيناً بعين.
وإن كان البيع في الذمة فحكمه حكم القسم الذي قبله، فأما ما لا يجب التماثل فيه فله أخذ أرشه، لأن التفاضل فيه جائزة، وحكمه فيما سوى ذلك حكم ما قبله.

باب بيع الأصول

من باع نخلاً مؤبراً فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع، فتكون له، وإن لم تؤبر، فهي للمشتري إلا أن يشترطها البائع فتكون له، لما روى ابن عمر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من باع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع» متفق عليه.
فجعل المؤبرة للبائع، فدل على أن غير المؤبرة للمبتاع، ولأنها قبل التأبير نماء كامن لظهوره غاية، فتبع الأصل قبل ظهوره ولم يتبعه بعده كالحمل، وطلع الفحال كغيره، ويحتمل أنه للبائع قبل تشققه لأنه يوجد كذلك والطلع ظاهر، فهو كالتين.
والصحيح: الأول للخبر، لأن المقصود فيما داخل الطلع للتلقيح ولم يظهر فيتبع الأصل، كطلع

الإناث.
فإن أبر بعض الحائط دون بعض، فما أبر للبائع، وما لم يؤبر للمشتري في ظاهر كلام أحمد وقول أبي بكر للخبر، وقال ابن حامد: الكل للبائع: لأن اشتراكهما في الثمرة يؤدي إلى الضرر، واختلاف الأيدي، فجعلنا ما لم يظهر تبعاً للظاهر، كأساسيات الحيطان تتبع الظاهر منها، ولم يجعل الظاهر تبعاً للباطن، كما لا تتبع الحيطان الأساس في منع البيع للجهالة.
وإن كان المبيع حائطين لم يتبع أحدهما صاحبه، لأنه لا يفضي إلى سوء المشاركة، لانفراد أحدهما عن الآخر، وإن أبر نوع من الحائط لم يتبع النوع الآخر في قول القاضي، لأن النوعين يختلفان في التأبير.
وقال أبو الخطاب: يتبعه لئلا يفضي إلى سوء المشاركة في الجنس الواحد، وإن أبر بعض ما في الحائط، فأفرد بالبيع ما لم يؤبر فهو للمشتري، لأنه لم يؤبر منه شيء، وإن أبر بعض الحائط فباعه ثم أطلع الباقي في يد المشتري، فالطلع له، لأنه حادث في مكة فكان له، كما لو لم يؤبر منه شيء.

فصل: وكل عقد ناقل للأصل، كجعله صداقاً، وعوض خلع، أو أجرة أو هبة، كالبيع فيما ذكرنا، لأنه عقد يزيل الملك عن الأصل، فأزاله عن الثمرة قبل الظهور كالبيع.

فصل: وسائر الشجر على ستة أضرب: أحدهما: ما يقصد زهره كالورد، والقطن الذي يبقى أعواماً، فهو كالنخل إن تفتحت أكمامه، وتشقق جوزه فهو للبائع، وإلا فهو للمشتري، كالطلع سواء.
الضرب الثاني: ما له ثمرة بارزة كالعنب والتين، فما كان منه ظاهراً فهو للبائع، لأنها ثمرة ظاهرة، فهي كالطلع المؤبر، وما ظهر بعد العقد فهو للمشتري، لأنه حدث في ملكه.
الثالث: ما له قشر لا يزال إلا عند الأكل، كالرمان والموز، فهو للبائع إن كان ظهر، لأن قشره من مصلحته، فهو كأجزاء الثمرة.
الرابع: ما له قشران، كالجوز واللوز، فهو للبائع بنفس الظهور لأن قشره لا يزايله في الغالب إلا بعد جذاذه، فهو كالرمان، وقال بعض أصحابنا: إن تشقق قشره الأعلى فهو للبائع، وإلا فهو للمشتري، لأنه لا يدخر في قشره الأعلى بخلاف الرمان.
الخامس: ما يظهر ثمره في نوره، ثم يتناثر نوره فيظهر كالتفاح والمشمش، فما تناثر نوره فهو للبائع، وما لم يتناثر فهو للمشتري، لأنه لا يظهر إلا بعد تناثر نوره،

فكان كتأبير النخل، ويحتمل أنه للبائع بظهور نوره، لأن استتار الثمرة بالنور، كاستتار ثمرة النخل بعد التأبير بالقشر الأبيض.
السادس: ما يقصد ورقه كالتوت، فيحتمل أنه للمشتري بكل حالة قياساً على سائر الورق، ويحتمل أنه إن تفتح فهو للبائع، وإلا فهو للمشتري، لأنه هاهنا كالثمر.

فصل: وإذا اشترى شجراً عليه ثمرة للبائع، لم يكلف نقلها إلا أوان جذاذها، لأن نقل المبيع على حسب العادة، ولهذا لو اشترى متاعاً ليلاً لم يكلف نقله حتى يصبح، ولو باع متاعاً كثيراً في دار، لم يكلف تفريغها إلا على العادة، ولم يلزمه جمع دواب البلد لنقله دفعة واحدة، فإذا بلغ الجذاذ كلف نقله، وإن كان بقاؤه أنفع له، لأنه أمكن نقله عادة، وإن أصاب الشجر عطش خيف هلاكه ببقائه عليه، ففيه وجهان: أحدهما: لا يلزم قطعه، لأنهما دخلا في العقد على ترك الثمرة إلى أوان الجذاذ.
والثاني: يلزم قطعه، لأن المشتري رضي بذلك إذا لم يضر به، وهذا فيه ضرر كثير.
وإن أراد أحدهما سقي ما له لمصلحته، فله ذلك، وإن أضر بصاحبه، لأنه رضي بالضرر لعلمه أنه لا بد من السقي، وإن سقى لغير مصلحة لم يمكن منه، لأنه سفه.

فصل وإن باع أرضاً بحقوقها دخل ما فيها من غراس وبناء في البيع، وإن لم يقل بحقوقها ففيه وجهان: أحدهما: يدخل أيضاً لأنه متصل بها للبقاء فهو كأجزائها.
والثاني: لا يدخل، لأن الأرض اسم للعرصة دون ما فيها.
وإن قال: بعتك هذا البستان دخل الجميع في البيع، لأن البستان اسم للأرض ذات الشجر.
وإن باع الأرض وفيها زرع لا يحصد إلا مرة، كالحنطة والشعير والجزر والفجل لم يدخل في البيع، لأنه نماء ظاهر لفصله غاية فلم يدخل في بيع الأرض كالطلع المؤبر وسواء كان نابتاً أو بذراً لأن البذر مودع في الأرض فلم يدخل في بيعها، كالركاز، ويكون الزرع مبقى إلى حين الحصاد، كما أن الثمرة تبقى إلى حين الجذاذ، فإن أراد البائع قطعه قبل وقته لينتفع بالأرض لم يكن له ذلك، لأن منفعة الأرض إنما حصلت مستثناة عن مقتضى العقد، ضرورة إبقاء الزرع، فتقدرت ببقائه، كما لو باع داراً فيها متاع لا ينقل في العادة إلا في شهر، فيكلف نقله في يوم، لينتفع بها في بقيته.
والحصاد على البائع، وعليه إزالة ما يبقى من عروقه المضرة بالأرض، وتسوية حفره،

فصول الكتاب · 38 فصل · 561 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الكافي في فقه الإمام أحمد · 561 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيامكتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلمكتاب التفليسكتاب الصلحكتاب الضمانكتاب الوكالة
كتاب الإجارة
كتاب الشفعةكتاب الوصاياكتاب الفرائضكتاب العتق
كتاب النكاح
كتاب الصداقكتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب العددكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجنايات
كتاب الديات
كتاب قتل أهل البغي
كتاب الحدود
كتاب الجهاد
كتاب الأيمان
كتاب الأقضية
كتاب الشهاداتكتاب الإقرار
جارٍ التحميل