كتاب الطهارة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- الكافي في فقه الإمام أحمد
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، 1414 هـ - 1994 م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
صيانة له، فإذا كان ذلك دراهم، فقال أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أرجو أن لا يكون به بأس.
قال: والخاتم فيه اسم الله يجعله في بطن كفه، ويدخل الخلاء.
فصل:
وإن كان في الفضاء أبعد لما روى جابر قال: «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد» .
ويستتر عن العيون، لما روى أبو هريرة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أنه قال: «من أتى الغائط فليستتر فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبا من رمل فليستدبره» .
ويرتاد لبوله مكانا رخوا لئلا يترشش عليه.
ولا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض لما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أنه كان إذا أراد حاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض» أخرج هذه الأحاديث الثلاثة أبو داود.
ويبول قاعدا لأنه أستر له، وأبعد من أن يترشش عليه.
فصل: ولا يجوز استقبال القبلة في الفضاء بغائط ولا بول، لما روى أبو أيوب قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا ". قال أبو أيوب: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة، فننحرف عنها، ونستغفر الله» ، متفق عليه.
وفي استدبارها روايتان:
إحداهما: لا يجوز، لهذا الحديث.
والأخرى: يجوز، لما روى ابن عمر قال: «رقيت يوما على بيت حفصة فرأيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جالسا على حاجته، مستقبل الشام، مستدبر الكعبة.» متفق عليه.
وفي استدبارها في البنيان روايتان:
إحداهما: لا يجوز لعموم النهي.
والثانية: يجوز، لما روى عراك بن مالك عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: «ذكر عند النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن قوما يكرهون استقبال القبلة بفروجهم، فقال: " أو قد فعلوها؟ ! استقبلوا بمقعدتي القبلة» رواه الإمام أحمد وابن ماجه.
قال أحمد: أحسن حديث يروى في الرخصة حديث عراك، وإن كان مرسلا فإن مخرجه حسن.
سماه مرسلا، لأن عراكا لم يسمع من عائشة.
وعن مروان الأصفر أنه قال: «أناخ ابن عمر بعيره مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليه فقلت: يا أبا عبد الرحمن أليس قد نهي عن هذا؟ قال: بلى إنما نهي عن هذا في الفضاء أما إذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس» . رواه أبو داود.
ويكره أن يستقبل الشمس والقمر تكريما لهما، وأن يستقبل الريح لئلا ترد
البول عليه.
فصل:
ويكره أن يبول في شق أو ثقب، لما روى عبد الله بن سرجس أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «نهى أن يبال في الجحر» رواه أبو داود.
ولأنه لا يأمن أن يكون مسكنا للجن، أو يكون فيه دابة تلسعه، ويكره البول في طريق أو ظل ينتفع به، أو مورد ماء، لما روى معاذ قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل» رواه أبو داود، ويكره البول في موضع تسقط فيه الثمرة لئلا تتنجس به، والبول في المغتسل، لما روى عبد الله بن مغفل قال: «نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يبول الرجل في مغتسله» رواه ابن ماجه.
قال أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إن صب عليه الماء فجرى في البالوعة فذهب فلا بأس.
فصل:
يكره أن يتكلم على البول أو يسلم، أو يذكر الله تعالى بلسانه «لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سلم عليه رجل، وهو يبول، فلم يرد عليه حتى توضأ ثم قال: " كرهت أن أذكر الله إلا على طهر» رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه.
ويكره الإطالة أكثر من
الحاجة، لأنه يقال: إن ذلك يدمي الكبد، ويأخذ منه الباسور.
ويتوكأ في جلوسه على الرجل اليسرى، لما روى سراقة بن مالك قال: «علمنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا أتينا الخلاء أن نتوكأ على اليسرى، وننصب اليمنى.» رواه الطبراني في معجمه، ولأنه أسهل لخروج الخارج، ويتنحنح ليخرج ما تم، ثم يسلت من أصل ذكره فيما بين المخرجين، ثم ينتره برفق ثلاثا فإذا أراد الاستنجاء تحول من موضعه لئلا يرش على نفسه.
فصل:
والاستنجاء واجب من كل خارج من السبيل معتادا كان أو نادرا، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في المذي: «يغسل ذكره ويتوضأ» وقال: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار فإنها تجزئ عنه» رواه أبو داود عن ابن أبي أوفى عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والنسائي وأحمد والدارقطني وقال: إسناده حسن صحيح.
ولأن المعتاد نجاسة لا مشقة في إزالتها فلم تصح الصلاة معها كالكثير، والنادر لا يخلو من رطوبة تصحبه غالبا، ولا يجب من الريح، لأنها ليست نجسة، ولا يصحبها نجاسة، وقد روي: «من استنجى من الريح فليس منا» رواه الطبراني في المعجم الصغير.
فصل: وإن تعدت النجاسة المخرج بما لم تجر العادة به، كالصفحتين ومعظم الحشفة لم يجزئه إلا الماء، لأن ذلك نادر، فلم يجز فيه المسح، كيده وإن لم يتجاوز قدر العادة جاز بالماء والحجر، نادرا كان أو معتادا، لحديث ابن أبي أوفى، ولأن النادر
خارج يوجب الاستنجاء أشبه المعتاد.
والأفضل الجمع بين الماء والحجر يبدأ بالحجر، لأن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: «مرن أزواجكن أن يتبعوا الحجارة الماء من أثر الغائط والبول، فإني أستحييهم، فإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كان يفعله» . حديث صحيح.
ولأنه أبلغ في الإنقاء وأنظف.
ولأن الحجر يزيل عين النجاسة، فلا تباشرها يده، فإن اقتصر على أحدهما جاز، والماء أفضل، لأن أنسا قال: «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا خرج لحاجة أجيء أنا وغلام معنا إداوة من ماء، يعني: يستنجي به» متفق عليه.
ولأنه يزيل عين النجاسة وأثرها، ويطهر المحل.
وإن اقتصر على الحجر أجزأ بشرطين:
أحدهما: الإنقاء وهو أن لا يبقى إلا أثر لا يزيله إلا الماء بحيث يخرج الآخر نقيا.
والثاني: استيفاء ثلاثة أحجار، لقول سلمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «لقد نهانا - يعني النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن نستنجي باليمين، وأن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، وأن نستنجي برجيع أو عظم» . رواه مسلم.
وإن كان الحجر كبيرا فمسح بجوانبه ثلاث مسحات أجزأه.
ذكره الخرقي، لأن المقصود عدد المسحات دون عدد الأحجار بدليل أنا لم نقتصر على الأحجار بل عديناه إلى ما في معناه من الخشب والخرق.
وقال أبو بكر لا يجزئه اتباعا للفظ الحديث، وقال: لا يجزئه الاستجمار
بغير الأحجار، لأن الأمر ورد بها على الخصوص، ولا يصح، لأن في سياقه «وأن نستنجي برجيع أو عظم» فيدل على أنه أراد الحجر، وما في معناه، ولولا ذلك لم يخص هذين بالنهي، وروى طاوس أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: «فليستطب بثلاثة أحجار، أو ثلاثة أعواد، أو ثلاثة حثيات من تراب» رواه الدارقطني.
ولأنه نص على الأحجار لمعنى معقول، فيتعداه الحكم كنصه على الغضب في منع القضاء.
فصل:
ويجوز الاستجمار بكل جامد طاهر منق، غير مطعوم، لا حرمة له، ولا متصل بحيوان، فيدخل فيه الحجر، وما قام مقامه من الخشب والخرق والتراب، ويخرج منه المائع، لأنه يتنجس بإصابة النجاسة، فيزيد المحل تنجسا، ويخرج منه النجس، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ألقى الروثة، وقال: «إنها ركس» رواه البخاري.
ولأنه يكسب المحل نجاسة.
فإن استجمر به، والمحل رطب، لم يجزه الاستجمار بعده، لأن المحل صار نجسا بنجاسة واردة عليه، فلزم غسله، كما لو تنجس بذلك في حال طهارته، ويخرج ما لا ينقي كالزجاج والفحم الرخو لأن الإنقاء شرط، ولا يحصل به، ويخرج المطعومات والروث والرمة، وإن كانا ظاهرين لما روى ابن مسعود أن النبي (- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) قال: «لا تستنجوا بالروث، ولا بالعظام فإنه زاد إخوانكم من الجن» رواه مسلم.
علل
النهي بكونه زادا للجن فزادنا أولى.
ويخرج ما له حرمة كالورق المكتوب، لأن له حرمة، أشبه المطعوم، ويخرج منه ما يتصل بحيوان، كيده، وذنب بهيمة وصوفها المتصل بها، لأنه ذو حرمة، فأشبه سائر أعضاءها.
وإن استجمر بما نهي عنه لم يصح، لأن الاستجمار رخصة فلا تستباح بالمحرم كسائر الرخص.
فصل:
ولا يستجمر بيمينه، ولا يستعين بها فيه، لحديث سلمان وروى أبو قتادة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه» متفق عليه.
فيأخذ ذكره بيساره، ويمسح به الحجر أو الأرض، فإن
كان الحجر صغيرا أمسكه بعقبيه، أو بإبهامي قدميه، فمسح عليه، فإن لم يمكنه، أخذ الحجر بيمينه، والذكر بيساره، فمسحه على الحجر.
ولا يكره الاستعانة باليمنى في الماء، لأن الحاجة داعية إليه، فإذا استجمر بيمينه أجزأه، لأن الاستجمار بالحجر لا باليد، فلم يقع النهي على ما يستنجى به.
فصل:
وكيف حصل الإنقاء في الاستجمار أجزأه إلا أن المستحب أن يمر حجرا من مقدم صفحته اليمنى إلى مؤخرها، ثم يمره على صفحته اليسرى حتى يرجع به إلى الموضع الذي بدأ منه، ثم يمر الثاني من مقدم صفحته اليسرى كذلك، ثم يمر الثالث على المسربة والصفحتين، لما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أنه قال: «أو لا يجد أحدكم حجرين للصفحتين، وحجرا للمسربة» رواه الدارقطني، وقال إسناد حسن.
ويبدأ بالقبل لينظفه لئلا تتنجس يده به عند الاستجمار في الدبر، والمرأة مخيرة في البداءة بأيهما شاءت لعدم ذلك فيها.
فصل:
فإن توضأ قبل الاستنجاء ففيه روايتان:
إحداهما: لا يجزئه، لأنها طهارة يبطلها الحدث، فاشترط تقديم الاستنجاء عليها كالتيمم.
والثانية: يصح لأنها نجاسة فلم يشترط تقديم إزالتها كالتي على ساقه، فعلى هذه الرواية إن قدم التيمم على الاستجمار ففيه وجهان:
أحدهما: يصح قياسا على الوضوء.
والثاني: لا يصح لأنه لا يرفع الحدث، وإنما تستباح به الصلاة، فلا تباح مع قيام المانع.
وإن تيمم وعلى بدنه نجاسة في غير الفرج، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يصح قياسا على نجاسة الفرج.
والثاني: يصح لأنها نجاسة لم توجب التيمم فلم تمنع صحته كالتي على ثوبه.
باب ما يوجب الغسل
والموجب له في حق الرجل ثلاثة أشياء:
الأول: إنزال المني، وهو الماء الدافق تشتد الشهوة عند خروجه، ويفتر البدن بعده.
وماء الرجل أبيض ثخين، وماء المرأة أصفر رقيق، قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن ماء الرجل غليظ أبيض وماء المرأة رقيق أصفر» رواه مسلم.
فيجب الغسل بخروجه في
النوم واليقظة، «لأن أم سليم قالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال رسول الله (- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) : " نعم إذا رأت الماء» متفق عليه.
فإن خرج لمرض من غير شهوة لم يوجب، لأن النبي (- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وصف المني الموجب بأنه غليظ أبيض، ولا يخرج في المرض إلا رقيقا.
فإن احتلم فلم ير بللا فلا غسل عليه، لحديث أم سليم.
وإن رأى منيا ولم يذكر احتلاما فعليه الغسل، لما روت عائشة قالت: «سئل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الرجل يجد البلل، ولا يذكر احتلاما، فقال: " يغتسل» ". «وسئل عن الرجل يرى أنه قد احتلم، ولا يجد البلل، فقال: " لا غسل عليه» رواه أبو داود.
فإن وجد منيا في ثوب ينام فيه هو وغيره، فلا غسل عليه، لأن الأصل عدم وجوبه، فلا يجب بالشك.
وإن لم يكن ينام فيه غيره، وهو ممن يمكن أن يحتلم كابن اثني عشر سنة فعليه الغسل،
وإعادة الصلاة من أحدث نومة نامها، لأن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رأى في ثوبه منيا بعد أن صلى، فاغتسل وأعاد الصلاة.
فصل:
والمذي: ماء رقيق يخرج بعد الشهوة متسببا لا يحس بخروجه، فلا غسل فيه، ويجب منه الوضوء، لما روى سهل بن حنيف - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «كنت ألقى من المذي شدة وعناء، فكنت أكثر منه الاغتسال، فذكرت ذلك لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وسألته عنه، فقال: " يجزيك من ذلك الوضوء» ، حديث صحيح.
وهل يوجب غسل الذكر والأنثيين؟ على روايتين:
إحداهما: لا يوجب، لحديث سهل.
والثانية: يوجب لما روى علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «كنت رجلا مذاء، فاستحييت أن أسأل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لمكان ابنته، فأمرت المقداد فسأله، فقال: " يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ» رواه أبو داود.
والودي: ماء أبيض يخرج عقيب البول، فليس فيه إلا الوضوء، لأن الشرع لم يرد فيه بزيادة عليه.
فإن خرج منه شيء ولم يدر، أمنى هو أو غيره؟ في يقظة فلا غسل فيه، لأن المني الموجب للغسل يخرج دفقا بشهوة، فلا يشتبه بغيره، وإن كان في نوم، وكان نومه عقيب شهوة بملاعبة أهله، أو تذكر فهو مذي، لأن ذلك سبب المذي، والظاهر أنه
مذي، وإن لم يكن كذلك اغتسل، لحديث عائشة في الذي يجد البلل، ولأن خروج المني في النوم معتاد، وغيره نادر، فحمل الأمر على المعتاد.
فصل:
وإن أحس بانتقال المني من ظهره، فأمسك ذكره فلم يخرج، ففيه روايتان:
إحداهما: لا غسل عليه، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا رأت الماء» .
والثانية: يجب، لأنه خرج من مقره، أشبه ما لو ظهر.
فإن اغتسل فخرج بعد ذلك، وجب الغسل على الرواية الأولى، لأن الواجب متعلق بخروجه، ولم يجب على الثانية، لأنه تعلق بانتقاله، وقد اغتسل له.
وعنه: إن خرج قبل البول، وجب الغسل، لأنا نعلم أنه المني المنتقل، فإن خرج بعده لم يجب لأنه يحتمل أنه غيره، وهو خارج لغير شهوة، وفي فضلة المني الخارجة بعد الغسل الروايات الثلاث.
فصل:
والثاني: التقاء الختانين، وهو تغيب الحشفة في الفرج يوجب الغسل وإن عري عن الإنزال، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل» رواه مسلم.
وختان الرجل: الجلدة التي تبقى بعد الختان، وختان المرأة، جلدة كعرف الديك في أعلى الفرج يقطع منها في الختان، فإذا غابت الحشفة في الفرج تحاذى ختاناهما فيقال: التقيا وإن لم يتماسا.
ويجب الغسل في الإيلاج في كل فرج، قبل أو دبر، من آدمي، أو بهيمة، حي أو ميت، لأنه فرج أشبه قبل المرأة.
فإن أولج من قبل الخنثى المشكل، فلا غسل عليهما لأنه لا يتيقن كونه فرجا فلا يجب الغسل بالشك.
فصل:
والثالث: إسلام الكافر وفيه روايتان:
إحداهما: يوجب الغسل، اختارها الخرقي لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر ثمامة بن أثال، وقيس بن عاصم أن يغتسلا حين أسلما، ولأن الكافر لا يسلم من حدث لا يرتفع حكمه باغتساله، فقامت مظنة ذلك مقامه، ولا يلزمه أن يغتسل للجنابة، لأن الحكم تعلق بالمظنة، فسقط حكم المظنة كالمشقة في السفر.
والثانية: لا غسل عليه اختارها أبو بكر، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لمعاذ: «إنك تأتي قوما أهل كتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فإن هم أطاعوك لذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات» متفق عليه.
ولم يأمرهم بالغسل، ولو كان أول الفروض لأمر به، ولأنه أسلم العدد الكثير، والجم الغفير، فلو أمروا بالغسل لنقل نقلا متواترا.
فإن أجنب في حال كفره احتمل أن لا يجب الغسل عليه لما ذكرناه، واحتمل أن يجب، وهو قول أبي بكر، لأن حكم الحدث باق.
فصل:
فأما المرأة فيجب من حقها الأغسال المذكورة، وتزيد بالغسل من الحيض، والنفاس، ونذكره في بابه.
ولا يجب الغسل بالولادة العارية عن دم، لأن الإيجاب من الشرع، ولم يوجب لها، ولا هي في معنى المنصوص عليه.
وعنه يجب بها، لأنها لا تكاد تعرى من نفاس موجب، فكانت مظنة له، فأقيمت مقامه كاتقاء الختانين مع الإنزال.
فصل: ولا يجب الغسل بغير ذلك، من غسل ميت، أو إفاقة مجنون، أو مغمى عليه، لما ذكرناه.
فصل فيما يحرم على الجنب
فصل: ومن لزمه الغسل حرم عليه ما حرم على المحدث، ويحرم عليه قراءة آية
فصاعدا، لقول علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن، ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجبه.
أو قال: يحجزه عن قراءة القرآن شيء ليس الجنابة» . رواه أبو داود.
وفي بعض آية روايتان:
إحداهما: يحرم قراءته، لما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «لا تقرأ الحائض والجنب شيئا من القرآن» رواه أبو داود.
والأخرى: يجوز، لأن الجنب لا يمنع من قول: بسم الله، والحمد لله، وذلك بعض آية.
فصل:
ويحرم عليه اللبث في المسجد لقول الله تعالى: ﴿وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: 43] ، يعني مواضع الصلاة.
وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا أحل المسجد لحائض، ولا جنب» رواه أبو داود.
ولا يحرم العبور في المسجد، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: 43]
، ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لعائشة: «ناوليني الخمرة من المسجد " قالت: إني حائض، قال: " إن حيضتك ليست في يدك» . قال بعض أصحابنا: إذا توضأ الجنب حل له اللبث في المسجد، لأن الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كان أحدهم إذا أراد أن يتحدث في المسجد وهو جنب، توضأ ثم دخل فجلس فيه، ولأن الوضوء يخفف بعض حدثه فيزول بعض ما منعه.
فصل:
ويستحب للجنب إذا أراد أن ينام أن يتوضأ وضوءه للصلاة، لما روى ابن عمر «أن عمر قال: يا رسول الله أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: " نعم، إذا توضأ أحدكم فليرقد» متفق عليه.
ويستحب له الوضوء إذا أراد أن يأكل أو يعود للجماع، ويغسل فرجه، فأما الحائض فلا يستحب لها شيء من ذلك، لأن الوضوء لا يؤثر في حدثها، ولا يصح منها.
باب صفة الغسل من الجنابة
باب الغسل من الجنابة وهي على ضربين: كامل، ومجزئ.
الضرب الأول: الكامل، يأتي فيه بتسعة أشياء: النية، وهو أن ينوي الغسل للجنابة، أو استباحة ما لا يستباح إلا بالغسل، كقراءة القرآن، واللبث في المسجد ثم يسمي، ثم يغسل يديه ثلاثا قبل إدخالهما الإناء.
ثم يغسل ما به من أذى، ويغسل فرجه وما يليه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات يروي بها أصول شعره، ويخلله بيده، ثم يفيض الماء على سائر جسده، ثم يدلك بدنه بيده، وإن توضأ إلا غسل رجليه، ثم غسل قدميه آخرا، فحسن.
قال أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الغسل من الجنابة على حديث عائشة، يعني قولها: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يخلل شعره بيديه، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته، أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده» .
وقالت ميمونة: «وضع لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وضوء الجنابة، فأفرغ على يديه فغسلهما مرتين أو ثلاثا، ثم تمضمض، واستنشق، وغسل وجهه، وذراعيه، ثم أفاض على رأسه، ثم غسل جسده، فأتيته بالمنديل فلم يردها، وجعل ينفض الماء بيده» . متفق عليهما.
الضرب الثاني: المجزئ، وهو أن ينوي، ويعم بدنه وشعره بالغسل، والتسمية ههنا كالتسمية في الوضوء فيما ذكرنا، ويجب إيصال الماء إلى البشرة التي تحت الشعر وإن كان كثيفا، لحديث عائشة، ولا يجب نقضه إن كان مضفورا؛ لما روت أم سلمة قالت: «قلت: يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: " لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين» رواه مسلم، ولا ترتيب الغسل، لأن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6] ولم يقدم بعض البدن على بعض لكن يستحب البداءة بما ذكرناه، والبداءة بغسل الشق الأيمن، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يحب التيامن في طهوره، ولا موالاة فيه، لأنه طهارة لا ترتيب فيها فلم يكن فيها موالاة كغسل النجاسة.
فصل: فأما غسل الحيض، فهو كغسل الجنابة سواء إلا أنه يستحب لها أن تأخذ شيئا
من المسك أو طيب أو غيره، فتتبع به أثر الدم، ليزيل [زفورته] لما روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أن امرأة جاءت إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تسأله عن الغسل من الحيض، فقال: " خذي فرصة من مسك، فتطهري بها " فقالت: كيف أتطهر بها؟ فقالت عائشة: قلت: تتبعي بها أثر الدم» . رواه مسلم.
فإن لم تجد مسكا فغيره من الطيب، فإن لم تجد فالماء كاف.
وهل عليها نقض شعرها للغسل منه؟ فيه روايتان:
إحداهما: لا يجب، لأنه غسل واجب أشبه الجنابة.
والثانية: يجب، ليتيقن وصول الماء إلى ما تحته، وإنما عفي عنه في الجنابة، لأنه يتكرر فيشق النقض فيه، بخلاف الحيض.
فصل: والأفضل تقديم الوضوء على الغسل، للخبر الوارد، فإن اقتصر على الغسل ونواهما أجزأه عنهما لقول الله تعالى: [ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6] ولم يأمر بالوضوء معه] ، ولأنهما عبادتان من جنس: صغرى وكبرى، فدخلت الصغرى في الكبرى في
الأفعال دون النية، كالحج، والعمرة.
وعنه: لا يجزئه عن الحدث الأصغر حتى يتوضأ، لأنهما نوعان يجبان بسببين، فلم يدخل إحداهما في الآخر، كالحدود.
وإن نوى إحداهما دون الأخرى، فليس له غيرها، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «وإنما لكل امرئ ما نوى» .
فصل:
ويجوز للرجل والمرأة أن يغتسلا، ويتوضآ من إناء واحد، لأن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يغتسل هو وزوجته من إناء واحد، يغرفان منه جميعا» ، متفق عليه.
وقال ابن عمر: «كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من إناء واحد» ، رواه أبو داود، ويجوز للمرأة التطهر بفضل طهور الرجل وفضل طهور المرأة، وللرجل التطهر بفضل طهور الرجل وفضل طهور المرأة ما لم تخل به.
فإن خلت به، ففيه وجهان:
إحداهما: يجوز أيضا، لما روت ميمونة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: «أجنبت فاغتسلت من جفنة، ففضلت فيها فضلة، فجاء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليغتسل منه، فقلت: إني اغتسلت منه فقال: " إن الماء ليس عليه جنابة» رواه أبو داود، ولأنه ماء لم ينجس، ولم يزل عن إطلاقه، فأشبه فضله الرجل.
والثانية: لا يجوز للرجل التطهر به، لما روى الحكم بن عمرو قال: «نهى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة» ، حديث حسن.
قال أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ -: جماعة من الصحابة كرهوه ذكر منهم ابن عمر وعبد الله بن سرجس، وخص ما خلت به، لقول عبد الله بن سرجس: توضأ أنت ههنا، وهي ههنا، فأما إذا خلت به فلا تقربنه.
ومعنى الخلوة: أن لا يشاهدها إنسان تخرج بحضوره عن الخلوة في النكاح.
وذكر القاضي أنها لا تخرج عن الخلوة ما لم يشاهدها رجل.
وإنما تؤثر خلوتها في الماء اليسير، لأن النجاسة لا تؤثر في الكثير، فهذا أولى.
ولا يخرج الماء الذي خلت به المرأة عن إطلاقه.
بل يجوز للنساء التطهر به من الحدث والنجاسة،
وللرجل إزالة النجاسة به، لأن منع الرجل من الوضوء به تعبد، فوجب قصره على مورده.
وذكر القاضي أنه لا يزيل النجاسة، لأن ما لا يرفع الحدث لا يزيل النجس، كالخل.
وهذا لا يمكن القول بموجبه، فإن هذا يرفع حدث المرأة بخلاف الخل.
باب التيمم
التيمم طهارة بالتراب يقوم مقام الطهارة بالماء عند العجز عن استعماله، لعدم، أو مرض، لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [المائدة: 6] إلى قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: 6] وروى عمار قال: «أجنبت فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة ثم أتيت النبي (- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، فذكرت ذلك له فقال: " إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا " ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه , ووجهه» . متفق عليه.
والسنة في التيمم أن يضرب بيديه على الأرض ضربة
واحدة، ثم يمسح بهما وجهه، ويديه إلى الكوعين، للخبر، ولأن الله تعالى أمر بمسح اليدين.
واليد عند الإطلاق في الشرع تتناول اليد إلى الكوع، بدليل قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] . وإن مسح يديه إلى المرفقين، فلا بأس، لأنه قد روي عن النبي (- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وسواء فعل ذلك بضربتين أو أكثر.
ويستحب تفريق أصابعه عند الضرب ليدخل الغبار فيما بينهما، وإن كان التراب ناعما فوضع اليدين عليه وضعا أجزأه، ويمسح جميع ما يجب غسله من الوجه، مما لا يشق، مثل باطن الفم، والأنف، وما تحت الشعور الخفيفة، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [المائدة: 6] وكيفما مسح بعد أن يستوعب الوجه والكفين إلى الكوعين، جاز لأن المستحب في الضربة الواحدة أن يمسح وجهه بباطن أصابع يديه، وظاهر كفيه بباطن راحتيه، وإن مسح بضربتين، مسح بأولاهما وجهه، وبالثانية يديه، فإن مسح إلى المرفقين، وضع بطون أصابع اليسرى على ظهور أصابع اليمنى، ثم يمرهما إلى مرفقيه، ثم يدير بطن كفه إلى بطن الذراع، ويمر عليه، ويرفع إبهامه، فإن بلغ الكوع أمر إبهام يده اليسرى على إبهام يده اليمنى ثم مسح بيده اليمنى يده اليسرى كذلك، ثم مسح إحدى الراحتين بالأخرى، ويخلل بين أصابعه، وإن يممه غير جاز، كما يجوز أن يوضئه.
وإن أثارت الريح عليه ترابا، فمسح وجهه بما على يديه جاز، وإن مسح وجهه بما عليه لم يجز، لأن الله تعالى أمر بقصد الصعيد والمسح به، ويحتمل أن يجزئه إذا صمد للريح، لأنه بمنزلة مسح غيره له.
فصل في فرائض التيمم
فصل:
وفرائض التيمم: النية، لما ذكرنا في الوضوء، ومسح الوجه والكفين، للأمر به، وترتيب اليدين على الوجه قياسا على الوضوء، وفي التسمية والموالاة روايتان، كالوضوء.
فأما النية، فهو أن ينوي استباحة ما لا يباح إلا به، فإن نوى صلاة مكتوبة أبيح له سائر الأشياء لأنه تابع لها، فيدخل في نية المتبوع، وإن نوى نفلا أو صلاة مطلقة، لم يبح له الفرض، لأن التيمم لا يرفع الحدث، وإنما تستباح به الصلاة، فلا يستبيح به الفرض حتى ينويه، وله قراءة القرآن لأن النافلة تتضمن القرآن، وليس له الجنازة المتعينة، لأنها فرض ولو كانت نفلا فله فعلها.
وإن نوى قراءة القرآن لم يكن له التنفل لأنه أعلى.
فإن نوى رفع الحدث لم يجزئه.
لأن التيمم لا يرفع الحدث.
وعنه: ما يدل على أنه يرفع الحدث، فيكون حكمه حكم الوضوء في نيته.
ولا بد له من تعيين ما يتيمم له من الحدث الموجب للغسل، أو الوضوء أو النجاسة، فإن تيمم للحدث ونسي الجنابة، أو الجنابة ونسي الحدث، لم يجزئه، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وإنما لكل امرئ ما نوى» ولأن ذلك لا يجزئ في الماء وهو الأصل، ففي البدل أولى.
فصل فيما يباح بالتيمم
فصل:
ويجوز التيمم عن جميع الأحداث لظاهر الآية، وحديث عمار وروى عمران بن حصين «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رأى رجلا معتزلا لم يصل مع القوم، فقال: " يا فلان، ما منعك أن تصلي مع القوم؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء عندي، قال: عليك بالصعيد فإنك يكفيك» متفق عليه.
ويجوز التيمم للنجاسة على البدن، لأنها طهارة مشترطة للصلاة، فناب فيها التيمم، كطهارة الحدث.
واختار أبو الخطاب أنه يلزمه الإعادة إذا تيمم لها عند عدم الماء.
وقيل في وجوب الإعادة روايتان:
إحداهما: لا يجب، لقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «التراب كافيك ما لم تجد الماء» وقياسا على التيمم الحدث.
والأخرى: تجب الإعادة، لأنه صلى بالنجاسة، فلزمته الإعادة، كما لو تيمم.
ولا يجوز التيمم عن النجاسة في غير البدن، لأنها طهارة في البدن فلا تؤثر في غيره كالوضوء.
فصل في شرائط التيمم
فصل: ولجواز التيمم ثلاث شروط:
أحدها: العجز عن استعمال الماء، وهو نوعان:
أحدهما: عدم الماء، لقول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: 43] . ولقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإن وجدت الماء فأمسه جلدك» رواه أبو داود.
النوع الثاني: الخوف على نفسه باستعمال الماء، لمرض أو قرح يخاف باستعمال الماء تلفا أو زيادة مرض أو تباطؤ البرء أو شيئا فاحشا في جسمه، لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [النساء: 43] ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: 6] وإن وجد ماء يحتاج إلى شربه للعطش، أو شرب رفيقه أو بهائمه، أو بينه وبينه سبع أو عدو يخافه على نفسه أو ماله، أو خاف على ماله إن تركه وذهب إلى الماء، فله التيمم لأنه خائف الضرر باستعماله، فهو كالمريض.
وإن خاف لشدة البرد تيمم وصلى، لما روى عمرو بن العاص قال: «احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت وصليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: " يا عمرو أصليت بأصحابك وأنت جنب؟ " فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، ثم قلت سمعت الله يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29] فضحك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولم يقل شيئا» . رواه أبو داود.
ولأنه خائف على نفس، أشبه المريض، ولا إعادة عليه إن كان مسافرا، لما ذكرنا.
وإن كان حاضرا ففيه روايتان:
إحداهما: لا يلزمه الإعادة لذلك.
والثانية: يلزمه، لأنه ليس بمريض، ولا مسافر، فلا يدخل في عموم الآية، ولأن الحضر مظنة إمكان إسخان الماء، فالعجز عنه عذر غير متصل.
وإن قدر على إسخان الماء، لزمه كما يلزمه شراء الماء، ومن كان واجدا للماء فخاف فوت الوقت لتشاغله بتحصيله، أو استسقائه لم يبح له التيمم، لأن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: 43] وهذا واجد.
وإن خاف فوات الجنازة فليس له التيمم لذلك.
وعنه: يجوز، لأنه لا يمكن استدراكها.
فصل:
والثاني: طلب الماء شرط في الرواية المشهورة، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: 43] ، ولا يقال: لم يجد إلا لمن طلب، ولأنه بدل، فلم يجز العدول إليه قبل طلب المبدل، كالصيام في الظهار.
وعنه: ليس بشرط، لأنه ليس بواجب قبل الطلب، فيدخل في الآية.
وصفة الطلب أن ينظر يمينه، وشماله، وأمامه، ووراءه، وإن كان قريبا من حائل، من ربوة، أو حائط، علاه فنظر حوله.
وإن رأى خضرة أو نحوها استبرأها.
وإن كان معه رفيق، سأله الماء فإن بذله له لزمه قبوله.
لأن المنة لا تكثر في قبوله.
وإن وجد ماء يباع بثمن المثل أو بزيادة غير مجحفة بماله، وهو واجد للثمن، غير محتاج إليه، لزمه شراؤه، كما يلزمه شراء الرقبة في الكفارة.
فإن لم يبذله له صاحبه، لم يكن له أخذه قهرا، وإن استغنى عنه صاحبه، لأن له بدلا، وإن علم بماء قريب، لزمه قصده ما لم يخف على نفسه أو ماله أو فوت الوقت أو الرفقة وإن تيمم ثم رأى ركبا، أو خضرة، أو شيئا يدل على الماء، أو سرابا ظنه ماء قبل الصلاة، لزمه الطلب؛ لأنه وجد دليل الماء، وبطل تيممه، لأنه وجب عليه الطلب، فبطل تيممه، كما لو رأى ماء.
وإن رأى الركب ونحوه في الصلاة، لم تبطل؛ لأنه شرع فيها بطهارة متيقنة، فلا يبطلها بالشك.
فصل: الثالث: دخول الوقت شرط، لأنه قبل الوقت مستغن عن التيمم، فلم يصح تيممه، كما لو تيمم وهو واجد للماء، وإن كان التيمم لنافلة، لم يجز في وقت النهي عن فعلها، لأنه قبل وقتها، وإن تيمم لفائتة أو نافلة قبل وقت الصلاة، ثم دخل الوقت بطل تيممه، وإن تيمم لمكتوبة في وقتها، فله أن يصليها وما شاء من النوافل قبلها وبعدها، ويقضي فوائت، ويجمع بين الصلاتين، لأنها طهارة أباحت فرضا، فأباحت سائر ما ذكرناه، كالوضوء.
ومتى خرج الوقت بطل التيمم في ظاهر المذهب، لأنها طهارة عذر وضرورة، فتقدرت بالوقت كطهارة المستحاضة.
وعنه: يصلي بالتيمم حتى يحدث، قياسا على طهارة الماء.
فصل:
والأفضل تأخير التيمم إلى آخر الوقت إن رجا وجود الماء، لقول علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في الجنب: يتلوم ما بينه وبين آخر الوقت، ولأن الطهارة بالماء فريضة.
وأول الوقت فضيلة، وانتظار الفريضة أولى.
وإن يئس من الماء، استحب تقديمه لئلا يترك فضيلة متيقنة لأمر غير مرجو.
ومتى تيمم وصلى صحت صلاته، ولا إعادة عليه، وإن وجد الماء في الوقت، لما روى عطاء بن يسار، قال: «خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة، وليس معهما ماء، فتيمما صعيدا طيبا، فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة، ولم يعد الآخر، ثم أتيا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: " أجزأتك صلاتك " وقال للذي أعاد: " لك الأجر مرتين» رواه أبو داود.
وقال: قد روي عن أبي سعيد عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، والصحيح أنه مرسل، ولأنه أدى فريضة بطهارة، فأشبه ما لو أداها بطهارة الماء.
فإن علم أن في رحله ماء نسيه، فعليه الإعادة، لأنها طهارة واجبة، فلم تسقط بالنسيان، كما لو نسي عضوا لم يغسله، وإن ضل عن رحله، أو ضل عنه غلامه الذي معه الماء، فلا إعادة عليه، لأنه غير مفرط، وإن وجد بقربه بئرا أو غديرا علامته ظاهرة، أعاد لأنه مفرط في الطلب، وإن كانت أعلامه خفية لم يعد لعدم تفريطه.
فصل:
وإن وجد ماء لا يكفيه لزمه استعماله، وتيمم للباقي إن كان جنبا، لقول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: 43] وهذا واجد، وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» رواه البخاري.
وقال: «إذا وجدت الماء فأمسه جلدك» ولأنه مسح أبيح للضرورة، فلم يبح في غير موضعها كمسح الجبيرة.
وإن كان محدثا ففيه وجهان:
أحدهما: يلزمه استعماله لذلك.
والآخر: لا يلزمه، لأن الموالاة شرط يفوت بترك غسل الباقي، فبطلت طهارته، بخلاف غسل الجنابة.
وإن كان بعض بدنه صحيحا، وبعضه جريحا، غسل الصحيح، وتيمم للجريح جنبا كان أو محدثا، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للذي أصابته الشجة: «إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده» رواه أبو داود، لأن العجز ههنا ببعض البدن، وفي الإعواز العجز ببعض الأصل، فاختلفا، كما أن الحر إذا عجز عن بعض الرقبة في الكفارة، فله العدول إلى الصوم، ولو كان بعضه حرا فملك بنصفه الحر مالا، لزمه التكفير بالمال، ولم تكن كالتي قبلها.
فصل في مبطلات التيمم
فصل:
ويبطل التيمم بجميع مبطلات الطهارة التي تيمم عنها، لأنه بدل عنها.
فإن تيمم لجنابة، ثم أحدث منع ما يمنعه المحدث من الصلاة والطواف، ومس المصحف، لأن التيمم ناب عن الغسل، فأشبه المغتسل إذا أحدث، ويزيد التيمم بمبطلين:
أحدهما: القدرة على استعمال الماء سواء وجدت في الصلاة أو قبلها أو بعدها، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك» دل بمفهومه على أنه ليس بطهور عند وجود الماء، وبمنطوقه على وجوب استعماله عند وجوده، ولأنه قدر على استعمال الماء، فأشبه الخارج من الصلاة.
فعلى هذا إن وجده في الصلاة خرج، وتوضأ، واغتسل إن كان جنبا، واستقبل الصلاة، كما لو أحدث في أثنائها.
وعنه: إذا وجده في الصلاة لم تبطل، لأنه شرع في المقصود، فأشبه المكفر يقدر على الإعتاق بعد شروعه في الصيام، إلا أن المروذي روي عنه أنه قال: كنت أقول: إنه يمضي ثم تدبرت فإذا أكثر الأحاديث أنه يخرج.
وهذا يدل على رجوعه عن هذه الرواية.
والثاني: خروج الوقت يبطلها لما ذكرناه، فإن خرج وهو في الصلاة بطل، كما لو أحدث.
ومن تيمم وهو لابس خفا أو عمامة، يجوز المسح عليهما، ثم خلع أحدهما، فقد ذكر أصحابنا أنه يبطل تيممه، لأنه من مبطلات الوضوء، ولا يقوى ذلك عندي، لأنها طهارة لم يمسح عليهما، فلم تبطل بخلعهما، كالملبوس على غير طهارة بخلاف الوضوء.
فصل
ويجوز التيمم في السفر الطويل والقصير، وهو ما بين قريتين قريبتين؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [النساء: 43] ولأن الماء يعدم في القصير غالباً، أشبه الطويل، ويجوز في الحضر للمرض للآية، ولأنه عذر غالب يتصل، أشبه السفر.
وإن عدم الماء في الحضر لحبس، تيمم ولا إعادة عليه؛ لأنه في عدم الماء، وعجزه عن طلبه كالمسافر، وأبلغ منه فألحق به، وإن عدمه لغير ذلك، وكان يرجوه قريباً، تشاغل بطلبه ولم يتيمم، وإن كان ذلك يتمادى، تيمم وصلى وأعاد؛ لأنه عذر نادر غير متصل، ويحتمل أن لا يعيد؛ لأنه في معنى عادم الماء في السفر، فألحق به.
وإن كان مع المسافر ماء، فأراقه قبل الوقت، أو مر بماء قبل الوقت، فتركه، ثم عدم الماء في الوقت تيمم وصلى ولا إعادة عليه؛ لأنه لم يخاطب باستعماله.
وإن كان ذلك في الوقت، ففيه وجهان: أحدهما: تلزمه الإعادة؛ لأنه مفرط.
والثاني: لا تلزمه؛ لأنه عادم للماء أشبه ما قبل الوقت.
فصل فيما يجوز التيمم به
فصل
ولا يجوز التيمم إلا بتراب طاهر له غبار يعلق باليد؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: 6] وما لا غبار له لا يمسح شيء منه.
وقال ابن عباس: الصعيد تراب الحرث، والطيب: هو الطاهر، وروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «أعطيت ما لم يعط نبي من أنبياء الله تعالى قبلي جعل لي التراب طهوراً» رواه الشافعي في " مسنده " ولو كان غيره طهوراً ذكره فيما من الله به عليه.
وعنه: يجوز التيمم بالرمل والسبخة، لما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال:
«جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً» رواه البخاري ومسلم، وقال ابن أبي موسى: إن لم يجد غيرهما، تيمم بهما، وإن دق الخزف أو الحجارة، وتيمم به لم يجزئه؛ لأنه ليس بتراب.
وإن خالط التراب جص، أو دقيق، أو زرنيخ، فحكمه حكم الماء إذا خالطته الطاهرات، وإن خالط ما لم يعلق باليد، كالرمل والحصى، لم يمنع التيمم به؛ لأنه لا يمنع وصول الغبار إلى اليد، وإن ضرب بيده على صخرة عليها غبار، أو حائط، أو لبد، فعلا يديه غبار، أبيح التيمم به؛ لأن المقصود التراب الذي يمسح به وجهه ويديه، وقد روى ابن عمر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ضرب بيديه على الحائط، ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه» رواه أبو داود.
ولا بأس أن يتيمم الجماعة من موضع واحد، كما يتوضئون من حوض واحد، وإن تناثر من التراب عن العضو بعد استعماله شيء: احتمل أن يمنع من استعماله مرة ثانية؛ لأنه كالماء المستعمل، واحتمل أن يجوز؛ لأنه لم يرفع حدثاً ولم يزل نجساً، بخلاف الماء.
فصل في حكم فاقد الطهورين
فصل فإن عدم الماء والتراب ووجد طيناً، لم يستعمله، وصلى على حسب حاله
ولم يترك الصلاة؛ لأن الطهارة شرط، فتعذرها لا يبيح ترك الصلاة، كالسترة، والقبلة، وفي الإعادة روايتان: إحداهما: لا تلزمه؛ لأن الطهارة شرط، فأشبهت السترة والقبلة.
والثانية: تلزمه؛ لأنه عذر نادر غير متصل، أشبه نسيان الطهارة.
فصل إذا اجتمع جنب، وميت، وحائض، معهم ماء لأحدهم لا يفضل عنه، فهو أحق به، ولا يجوز أن يؤثر به؛ لأنه واجد للماء، فلم يجزئه التيمم، فإن آثر به وتيمم، لم يصح تيممه مع وجوده لذلك، وإن استعمله الآخر، فحكم المؤثر به حكم من أراق الماء، وإن كان الماء لهم، فهم فيه سواء، وإن وجدوه، فهو للأحياء دون الميت؛ لأنه لا وجدان له، وإن كان لغيرهم فأراد أن يجود به، فالميت أولى به؛ لأن غسله خاتمة طهارته، وصاحباه يرجعان إلى الماء ويغتسلان.
وإن فضل عنه ما يكفي أحدهما، فالحائض أحق به؛ لأن حدثها آكد، وتستبيح بغسلها ما يستبيحه الجنب وزيادة الوطء، وإن اجتمع على رجل حدث ونجاسة، فغسل النجاسة أولى؛ لأن طهارة الحدث لها بدل مجمع عليه، بخلاف النجاسة.
وإن اجتمع محدث وجنب، فلم يجدا إلا ما يكفي المحدث، فهو أحق به؛ لأنه يرفع جميع حدثه، وإن كان يكفي الجنب وحده، فهو أحق به، لما ذكرنا في الحائض، وإن كان يفضل عن كل واحد منهما فضلة لا تكفي صاحبه، ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: يقدم الجنب لما ذكرنا.
والثاني: المحدث؛ لأن فضلته يلزم الجنب [استعمالها] فلا تضيع، بخلاف فضلة الجنب.
والثالث: التسوية: لأنه تقابل الترجيحان فتساويا، فتدفع إلى من شاء منهما، أو يقرع بينهما والله أعلم.
باب الحيض
وهو دم ترخيه الرحم يخرج من المرأة في أوقات معتادة يتعلق به ثلاثة عشر حكماً:
أحدها: تحريم فعل الصلاة؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة» متفق عليه.
والثاني: سقوط فرضها؛ لقول عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «كنا نحيض على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة» ، متفق عليه.
والثالث: تحريم الصيام، ولا يسقط وجوبه، لحديث عائشة، وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أليس إحداكن إذا حاضت لم تصم ولم تصل؟ "