كتاب الضمان
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- الكافي في فقه الإمام أحمد
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، 1414 هـ - 1994 م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وهو ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام دينه، فإذا قال لرجل: أنا ضامن ما لك على فلان، أو أنا به زعيم أو كفيل أو قبيل أو حميل، أو هو علي، صار ضامناً له، وثبت في ذمته مع بقائه في ذمة المدين، ولصاحب الدين مطالبة من شاء منهما؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72] ، وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الزعيم غارم» حديث حسن رواه أبو داود والترمذي، وروى سلمة بن الأكوع «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ برجل ليصلي عليه فقال: هل عليه دين؟ قالوا: نعم، ديناران، قال: هل ترك لهما وفاء فقالوا: لا فتأخر فقيل: لم لا تصلي عليه؟ فقال: "ما تنفعه صلاتي وذمته مرهونة إلا إن قام أحدكم فضمنه" فقام أبو قتادة فقال: هما علي يا رسول الله، فصلى عليه النبي» .
رواه البخاري، ولا يبرأ المضمون عنه بمجرد الضمان في الحياة، رواية واحدة، وفي الميت روايتان: إحداهما: يبرأ؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى على الميت حين ضمنه أبو قتادة.
والثانية: لا يبرأ، وهي أصح لما روى جابر، «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سأل أبا قتادة عن الدينارين اللذين ضمنهما، فقال: قد قضيتهما، فقال: الآن بردت جلدته» .
رواه أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ولأنه وثيقة بدين، فلم يسقطه كالرهن، وكحال الحياة، ومتى برئ الغريم بأداء أو إبراء، برئ الضامن؛ لأنه تبع، فزال بزوال أصله كالرهن، وإن أبرأ الضامن، لم يبرأ المضمون عنه؛ لأن الوثيقة انحلت من غير استيفاء، فلم يسقط الدين كالرهن.
فصل فيمن يصح منه الضمان
فصل: ولا يصح إلا من جائز التصرف، فأما المحجور عليه لصغر أو جنون أو سفه
فلا يصح ضمانه؛ لأنه تبرع بالتزام مال، فلم يصح منهم، كنذر الصدقة، وخرج بعض أصحابنا ضمان الصبي بإذن وليه، على الروايتين في صحة بيعه، وقال القاضي: يصح ضمان السفيه، ويتبع به بعد فك حجره، وهذا بعيد؛ لأن الضمان مجرد ضرر وتضييع مال، فلم يصح منهما كالعتق، ولا يصح ضمان العبد والمكاتب بغير إذن سيدهما؛ لأنه التزام مال، فلم يصح منهما بغير إذن كالنكاح.
ويصح بإذنه؛ لأن المنع لحقه، فزال بإذنه، ويؤديه المكاتب مما في يده، وهل يتعلق برقبة العبد أو بذمة سيده؟ على وجهين.
فصل فيما يصح ضمانه
فصل: ويصح ضمان دين الميت المفلس وغيره، لحديث أبي قتادة، ولا يعتبر رضى المضمون له ولا المضمون عنه، للخبر، ولا معرفة الضامن لهما؛ لأنه لا يعتبر رضاهما، فأشبها الأجانب، ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يسأل أبا قتادة عن معرفتهما، ويحتمل أن تعتبر معرفتهما، ليؤدي إلى أحدهما، ويرجع على الآخر بما غرم عنه، ويحتمل أن تعتبر معرفة المضمون له؛ ليؤدي إليه، ولا تعتبر معرفة المضمون عنه، لعدم المعاملة بينه وبينه، ولا يصح إلا برضى الضامن؛ لأنه التزام مال، فلم يصح من غير رضى الملتزم كالنذر.
فصل: ويصح ضمان الدين اللازم، لخبر أبي قتادة، وضمان الجعل في الجعالة، لقول الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72] وضمان كل حق مالي لازم، أو مآله إلى اللزوم، كالثمن في مدة الخيار وبعدها، والأجرة والصداق قبل الدخول وبعده، وأرش الجناية نقداً أو حيواناً؛ لأنها حقوق مالية لازمة، أو مآلها إلى اللزوم، فصح ضمانها كالدين والجعل، ويصح ضمان الأعيان المضمونة، كالغصوب والعواري؛ لأنها مضمونة على من هي في يده، فأشبهت الدين، ويصح ضمان عهدة المبيع عن كل واحد منهما لصاحبه، وهو أن يضمن الثمن الواجب بالبيع قبل تسليمه، وإن ظهر فيه عيب أو استحق أو وجد ذلك في البيع، غرمه الضامن؛ لأن ذلك لازم، فإنه إنما يتعلق بالضامن حكم لعيب أو غصب ونحوهما، وهذا كان موجوداً حال الضمان، فصح ضمانه كالدين، وإن استحق الرجوع لأمر حادث، كتلف المبيع قبل قبضه، أو أخذه بشفعة، فلا شيء على الضامن، وإن ضمن البائع أو غيره للمشتري قيمة ما يحدثه من بناء أو غراس، أو ما يلزمه من أجرة إن خرج المبيع مستحقاً، صح، ويرجع على الضامن بما لزمه من
ذلك؛ لأنه يستند إلى أمر وجودي، ويصح أن يضمن الضامن ضامن ثالث؛ لأن دينه ثابت، فصح كالأول، ويصير الثاني فرعاً للضامن، حكمه معه حكم الضامن مع الأصيل.
فصل:
ولا يصح ضمان الأمانات كالوديعة ونحوها؛ لأنها غير مضمونة على من هي في يده، فكذلك على ضامنه، وإن ضمن لصاحبها ما يلزم بالتعدي، فيها صح، نص عليه أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ولأنها تصير مضمونة على المضمون عنه، ولا يصح ضمان مال الكتابة، وعنه: يصح؛ لأنه يجوز أن يضمن عنه دين آخر، والمذهب الأول؛ لأن مال الكتابة غير لازم، ولا يفضي إلى اللزوم، ولأنه يملك تعجيز نفسه، ولأن الضمان لتوثيق الحق، وما لا يلزم لا يمكن توثيقه، وفي ضمان مال السلم روايتان: إحداهما: يصح؛ لأنه دين لازم فأشبه القرض.
والثانية: لا يصح؛ لأنه يُفضي إلى استيفائه من غير المسلم إليه، فأشبه الحوالة.
فصل: ويصح ضمان المعلوم والمجهول قبل وجوبه وبعده؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72] ، وحمل البعير يختلف، فهو غير معلوم، وقد ضمنه قبل وجوبه، ولأنه التزام حق من غير معاوضة، فأشبه النذر، وإن قال: ألق متاعك في البحر، وعلي ضمانه صح؛ لأنه استدعاء إتلاف بعوض لغرض صحيح، فصح كقوله: اعتق عبدك وعلي ثمنه.
فصل: ويصح ضمان الحالّ مؤجلاً؛ لأن الغريم يلزمه أداؤه في جميع الأزمنة، فجاز للضامن التزام ذلك في بعضه، كبعض الدين، وإن ضمن المؤجل حالاً لم يلزمه؛ لأنه لا يلزم الأصيل، فلا يلزم الضامن، ويقع الضمان مؤجلاً على صفته في ذمة الضامن، وإن ضمن الدين المؤجل، وقلنا: إن الدين يحل بالموت فمات أحداهما، حل عليه الدين، وبقي في ذمة الآخر إلى أجله، ولا يملك ورثة الضامن الرجوع على المضمون عنه قبل الأجل؛ لأنه لم يحل.
فصل: وإذا قضى الضامن الدين بإذن المضمون عنه، رجع عليه؛ لأنه قضى دينه بإذنه
فهو كوكيله، وإن ضمن بإذنه، رجع عليه؛ لأنه تضمن الإذن في الأداء، فأشبه ما لو أذن فيه صريحاً، وإن ضمن بغير إذنه وقضى بغير إذنه معتقداً للرجوع، ففيه روايتان: إحداهما: يرجع أيضاً؛ لأنه قضاء مبرئ من دين واجب لم يتبرع به، فكان على من هو عليه، كما لو قضاه الحاكم عند امتناعه.
والثانية: لا يرجع؛ لأنه تبرع فلم يرجع به، كما لو بنى داره أو علف دابته بغير إذنه، فإن اختلفا في الإذن، فالقول قول من ينكره؛ لأن الأصل عدمه.
فصل: ويرجع الضامن بأقل الأمرين مما قضى، أو قدر الدين؛ لأنه إن قضاه بأقل منه، فإنما يرجع بما غرم، وإن أدى أكثر منه، فالزائد لا يجب أداؤه، فقد تبرع به، وإن دفع عن الدين عرضاً، رجع بأقل الأمرين عن قيمته، أو قدر الدين، وإن قضى المؤجل قبل أجله، لم يرجع قبل الأجل؛ لأنه تبرع بالتعجيل، وإن أحال به الغريم، رجع بأقل الأمرين مما أحال به أو دينه، سواء قبض الغريم من المحال عليه أم لم يقبض؛ لأن الحوالة كالتقبيض، وإن ضمن الضامن ضامن آخر، فقضى الدين، رجع على الضامن، ثم رجع الضامن على المضمون عنه، وإن قضاه الضامن، رجع على الأصيل وحده، فإن كان الأول، ضمن بلا إذن، والثاني ضمن بإذن، رجع الثاني على الأول، ولم يرجع الأول على أحد في إحدى الروايتين.
فصل: وإن ضمن بإذنه، فطولب بالدين، فله مطالبة المضمون عنه بتخليصه؛ لأنه لزمه الأداء بأمره، ولا يملك المطالبة قبل ذلك؛ لأنه لا يملك الرجوع قبل الغرامة، فلا يملك المطالبة قبل أن يطالب، وإن ضمن بغير إذنه، لم يملك المطالبة به؛ لأنه لا دين له، ولا هو وكيل صاحب الدين، ولا لزمه الأداء بإذن الغريم، فأشبه الأجانب.
فصل:
وإذا دفع المضمون عنه قدر الدين إلى الضامن عوضاً عما يقضيه في الثاني، لم يصح؛ لأنه جعله عوضاً عما يجب عليه في الثاني فلم يصح، كما لو دفع إليه شيئاً عن بيع لم يعقده، ويكون ما قبضه مضموناً عليه؛ لأنه قبضه على وجه البدل، فأشبه المقبوض ببيع فاسد، وفيه وجه أنه يصح؛ لأن الرجوع بسببين، ضمان وغرم، فإذا وجد أحدهما، جاز تعجيل المال، كتعجيل الزكاة.
فإن قضى الدين، استقر ملكه على ما قبض، وإن برئ قبل القضاء، وجب رد ما أخذ، كما يجب رد الثمن إذا لم يتم البيع.
فصل في اختلاف الضامن والمضمون عنه
فصل:
وإذا ادعى الضامن القضاء، فأنكره المضمون له، فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل معه، وله مطالبة من شاء منهما.
فإن استوفى من الضامن، لم يرجع على المضمون عنه إلا بأحد القضاءين؛ لأنه يدعي أن المضمون عنه ظلمه بالأخذ الثاني، فلا يرجع به على غيره، وفيما يرجع به وجهان: أحدهما: بالقضاء الأول؛ لأنه قضاء صحيح، والثاني ظلم.
والوجه الثاني: يرجع بالقضاء الثاني؛ لأنه الذي أبرأ الذمة ظاهراً، فأما إن استوفى من المضمون عنه، فهل للضامن الرجوع عليه؟ ينظر، فإن كذبه المضمون عنه في القضاء، لم يرجع؛ لأنه لم يثبت صدقه، وإن صدقه وكان قد فرط في القضاء، لم يرجع بشيء؛ لأنه أذن له في قضاء مبرئ لم يوجد، وإن لم يفرط رجع، وسنذكر التفريط في الوكالة إن شاء الله.
فإن اعترف المضمون له بالقضاء، فأنكر المضمون عنه لم يلتفت إلى إنكاره؛ لأن الدين حق للمضمون له، فإذا أقر أنه صار للضامن، ولأنه يثبت القضاء بالإقرار، فملك الرجوع به، كما لو ثبت ببينة، وفيه وجه آخر: أن القول قول المضمون عنه لأنه منكر.
باب الكفالة
تصح الكفالة ببدن كل من يلزمه الحضور في مجلس الحاكم بحق يصح ضمانه؛ لأنه حق لازم، فصحت الكفالة به كالدين، ولا تصح بمن عليه حد أو قصاص؛ لأنها تراد للاستيثاق بالحق، وهذا مما يدرأ بالشبهات، ولا تصح بالمكاتب؛ لأنه لا يلزمه الحضور، فلا يلزم غيره إحضاره كالأجانب وتصح الكفالة بالأعيان المضمونة، كالغصوب والعواري؛ لأنه يصح ضمانها، ولا تصح في الأمانات إلا بشرط التعدي فيها كضمانها سواء.
فصل:
وإذا صحت الكفالة، فتعذر إحضار المكفول به، لزمه ما عليه؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الزعيم غارم» ولأنها أحد نوعي الكفالة، فوجب الغرم بها كالضمان.
فإن غاب المكفول به، أمهل كفيله قدر ما يمضي إليه فيعيده؛ لأن ما لزم تسليمه لم يلزم إلا بمكان التسليم، فإن مضى زمن الإمكان، ولم يفعل، لزمه ما عليه، أو بذل العين التي كفل بها، فإن مات، أو تلفت العين بفعل الله تعالى، سقطت الكفالة؛ لأن الحضور سقط عن المكفول به، فبرئ كفيله، كما يبرأ الضامن ببراءة المضمون عنه، ويحتمل أن لا
يسقط، ويطالب بما عليه، وإن سلم المكفول نفسه، أو برئ من الحق بأداء، أو إبراء، برئ كفيله؛ لأن الحق سقط عن الأصيل، فبرئ الكفيل كالضمان، وإن أبرأ الكفيل، صح كما يصح إبراء الضامن، ولا يبرأ المكفول به كالضمان، وإن قال رجل: أبرئ الكفيل، وأنا كفيل بمن تكفل به، ففيه وجهان: أحدهما: يصح؛ لأنه نقل الضمان إلى نفسه، فصح، كما لو أحال الضامن المضمون له على آخر.
والثاني: لا يصح؛ لأنه شرط في الكفالة أن يبرئ الكفيل، وهو شرط فاسد، فمنع صحة العقد.
فصل:
وإذا قال: أنا كفيل بفلان، أو بنفسه، أو بدنه، أو وجهه، صحت الكفالة، وإن كفل ببعض جسده، فقال القاضي: لا يصح؛ لأن ما لا يسري إذا خص به بعض الجسد، لم يصح كالبيع، وقال غيره: إن كفل بعضو لا تبقى الحياة بدونه، كالرأس والقلب والظهر، صحت؛ لأنه لا يمكن تسليمه بدون تسليم البدن، فأشبه الوجه، وإن كفل بغيرها، كاليد والرجل، ففيه وجهان: أحدهما: لا يصح؛ لأن تسليمه بدون البدن ممكن.
والثاني: يصح لأنه لا يمكن تسليمه على صفته، دون البدن، فأشبه الوجه.
تعليق الكفالة على شرط أو إضافتها لوقت
فصل:
إذا علق الكفالة والضمان على شرط، أو وقتهما، فقال: أنا كفيل بفلان شهراً، أو إن قدم الحاج، أو زيد، فأنا كفيل بفلان، أو ضامن ما عليه، فقال القاضي: لا يصح؛ لأنه إثبات حق لآدمي، فلم يجز ذلك فيه، كالبيع.
وقال أبو الخطاب والشريف أبو جعفر: يصح؛ لأنه ضمان أو كفالة، فصح تعليقه على شرط، كضمان العهدة، فعلى هذا لو قال: كفلت بفلان، على أني إن جئت به، وإلا فأنا كفيل بفلان، أو ضامن ما عليه، صح فيهما عندهما، ولم يصح عند القاضي؛ لأن الأول مؤقت، والثاني معلق على شرط.
فصل في الكفالة بالبدن
فصل: وتصح الكفالة ببدن الكفيل، كما يصح ضمان دين الضامن، وتجوز حالة ومؤجلة كالضمان، ولا تجوز إلى أجل مجهول؛ لأنه حق لآدمي، فلم يجز إلى أجل مجهول كالبيع، وتجوز الكفالة مطلقة ومقيدة بالتسليم في مكان بعينه، فإن أطلق، ففي أي
موضع أحضره سلمه إليه على وجه لا ضرر فيه برئ.
إن كان عليه ضرر لم يبرأ بتسليمه، وكذلك إذا سلمه قبل المحل، قياساً على من سلم المسلم فيه قبل محله، أو غير مكانه، وإن كفل واحد لاثنين، فسلمه إلى أحدهما، أو أبرأه أحدهما لم يبرأ من الآخر؛ لأنه حق لاثنين فلم يبرأ بأداء حق أحدهما، كالضمان، وإن كفل اثنان لرجل فأبرأ أحدهما، لم يبرأ الآخر كما في الضمان، وإن سلمه أحدهما لم يبرأ الآخر؛ لأنه برئ من غير استيفاء الحق، فلم يبرأ صاحبه، كما لو برئ بالإبراء، ويحتمل أن يبرأ، كما لو أدى أحد الضامنين الدين، وإن قال الكفيل أو الضامن: برئت مما كفلت به، لم يكن إقراراً بقبض الحق؛ لأنه قد يبرأ بغير ذلك.
فصل: إذا طولب الكفيل بإحضار المكفول به، لزمه أن يحضر معه؛ لأنه وكيل في إحضاره، فإن أراد إحضاره من غير طلب، والكفالة بإذنه، لزمه الحضور معه؛ لأنه شغل ذمته من أجله بإذنه، فكان عليه تخليصه، كما لو استعار عبده فرهنه، وإن كفل بغير إذنه، لم يلزمه الحضور معه؛ لأنه لم يشغل ذمته، ولا له قبله حق.
فصل: إذا كفل إنساناً أو ضمنه، ثم قال: لم يكن عليه حق، فالقول قول خصمه؛ لأن ذلك لا يكون إلا بمن عليه حق، فإقراره به إقرار بالحق، وهل يلزم الخصم اليمين؟ فيه وجهان، مضى توجيههما فيمن أقر بتقبيض الرهن، ثم أنكره، وطلب يمين المرتهن، والله أعلم.