الكافي في فقه الإمام أحمدكتاب الوكالة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الوكالة

عن هذه الطبعة
عَلَم
المقدسي، موفق الدين
الكتاب
الكافي في فقه الإمام أحمد
المؤلف
أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، 1414 هـ - 1994 م
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

يصح التوكيل في الشراء؛ لقول الله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: 19] ولما روى عروة بن الجعد قال: «أعطاني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ديناراً أشتري له به شاة» رواه البخاري أو أضحية، ولأن الحاجة داعية إليها، فإنه لا يمكن كل أحد شراء ما يحتاج إليه، فدعت الضرورة إليها، وتجوز في سائر عقود المعاملات، قياساً على الشراء، وفي تملك المباحات، كإحياء الموات والاصطياد؛ لأنه تملك مال بسبب لا يتعين عليه، فجاز التوكيل فيه كالشراء، وتجوز في عقد النكاح؛ «لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وكل عمر بن أمية الضمري، فتزوج له أم حبيبة،» وتجوز في الطلاق والعتاق والخلع والرجعة؛ لأنها في معنى النكاح، ويجوز في إثبات الأموال والحكومة فيها، حاضراً كان الموكل أو غائباً؛ لما روي أن علياً وكل عقيلاً عند أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وقال: وما قضي عليه فعلي، وما قضي له فلي، ووكل عبد الله بن جعفر عند عثمان وقال: إن للخصومة قحماً، يعني: مهالك وهذه قضايا في مظنة الشهرة، ولم تنكر فكانت إجماعاً، ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك، بأن يكون له حق، أو

عليه، ولا يحسن الخصومة، أو لا يحب حضورها، ويجوز التوكيل في الإقرار؛ لأنه إثبات حق، فأشبه البيع، ويجوز في إثبات القصاص، وحد القذف، واستيفائهما في حضرة الموكل وغيبته؛ لأنه حق آدمي أشبه المال.
وقال بعض أصحابنا: لا يجوز استيفاؤهما في غيبته، وقد أومأ إليه أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: بأنه يجوز أن يعفو الموكل، فيكون ذلك شبهة، ويجوز التوكيل في حقوق الله تعالى المالية؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث عماله لقبض الصدقات وتفريقها، وفي إثبات الحدود واستيفائها؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «واغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» متفق عليه، ولا تجوز في العبادات البدنية؛ لأن المقصود، فعلها ببدنه، فلا تحصل من فعل غيره إلا في الحج، لما سبق في بابه.

فصل: ولا تجوز في الأيمان والنذور، ولأنها تتعلق بعين الحالف، فلا تدخلها النيابة، ولا في الإيلاء واللعان والقسامة؛ لأنها أيمان، ولا في الشهادة؛ لأن غيره لا يقوم مقامه في مشاهدته، ولا في الاغتنام؛ لأنه يتعلق بالحضور، فإذا حضر النائب كان السهم له، ولا في الالتقاط؛ لأنه بأخذه يصير لملتقطه.

فصل: ولا يصح التوكيل في شيء مما لا يصح تصرفه فيه؛ لأن من لا يملك التصرف بنفسه، فبنائبه أولى.
فلا يصح توكيل طفل ولا مجنون ولا سفيه لذلك، ولا توكيل المرأة في النكاح، ولا الفاسق في تزويج ابنته، ولا المسلم لذمي في شراء خمر لذلك.
فأما من يتصرف بالإذن، كالعبد والصبي والوكيل، فإن أذن لهم في التوكيل جاز، وإن نهوا عنه، لم يجز، وإن أطلق لهم الإذن، فلهم التوكيل فيما لا يتولون مثله بأنفسهم، أو يعجزون عنه لكثرته؛ لأن تفويضه إليهم مع العلم بهذا، إذن في التوكيل، وفيما سوى ذلك روايتان: إحداهما: لا يجوز لهم التوكيل؛ لأنهم يتصرفون بالإذن، فاختص بما أذن فيه، ولم يؤذن في التوكيل.
والثانية: يجوز؛ لأنهم يملكون التصرف بأنفسهم، فملكوه بنائبهم كالمالك الرشيد.
فإن قال لوكيله: اصنع ما شئت، ملك التوكيل؛ لأنه مما يشاء، وولي اليتيم كالوكيل فيما ذكرناه، ويملك الولي في النكاح التوكيل فيه من غير إذن المرأة؛ لأن ولايته من غير جهتها، فلم يعتبر إذنها في توكيله كالأب، وخرج القاضي ولايته الإجبار على الروايتين في الوكيل، والفرق بينهما ظاهر.

فصل: ومن ملك التصرف لنفسه، جاز له أن يتوكل فيه، ومن لا فلا فيجوز توكيل الفاسق في قبول النكاح، ولا يجوز في الإيجاب؛ لأنه يجوز أن يقبل النكاح لنفسه، وقال القاضي: لا يجوز فيهما؛ لأن من لا يجوز أن يكون وكيلاً في إيجابه لا يكون لا يكون وكيلاً في قبوله كالمرأة، ويجوز توكيل المرأة في الطلاق؛ لأنه يجوز توكيلها في طلاق نفسها، فجاز في غيرها ولا يجوز للعبد والمكاتب التوكيل إلا بإذن سيدهما، ولا الصبي إلا بإذن وليه، وإن كان مأذوناً له في التجارة؛ لأن التوكيل ليس من التجارة، فلا يحصل الإذن فيه إلا بالإذن فيهما.

فصل: وتصح الوكالة بكل لفظ دل على الإذن، وبكل قول أو فعل دل على القبول، مثل أن يأذن له في بيع شيء فيبيعه، ويجوز القبول على الفور والتراخي، نحو أن يبلغه أن فلاناً وكله منذ عام، فيقول: قبلت؛ لأنه إذن في التصرف، فجاز ذلك فيه، كالإذن في الطعام، ويجوز تعليقها على شرط، نحو أن يقول: إذا قدم الحاج، فأنت وكيلي في كذا، أو فبع ثوبي.

فصل: ولا تصح إلا في تصرف معلوم، فإن وكله في كل قليل وكثير، لم يصح؛ لأنه يدخل فيه كل شيء، فيعظم الغرر، وإن كان وكله في بيع ماله كله، أو ما شاء منه، أو قبض ديونه كلها، أو الإبراء منها أو ما شاء منها صح؛ لأنه يعرف ماله ودينه، فيعرف أقصى ما يبيع ويقبض، فيقل الغرر، وإن قال: اشتر لي ما شئت، أو عبداً بما شئت، فقال أبو الخطاب: لا يصح حتى يذكر النوع وقدر الثمن؛ لأن ما يمكن شراؤه يكثر فيكثر الغرر: وإن قدر له أكثر الثمن وأقله، صح؛ لأنه يقل الغرر، وقال القاضي: إذا ذكر النوع، لم يحتج إلى تقدير الثمن؛ لأنه إذن في أعلاه، وقد روي عن أحمد فيمن قال: ما اشتريت من شيء فهو بيننا، إن هذا جائز، وأعجبه، وهذا توكيل في شراء كل شيء، ولأنه إذن في التصرف، فجاز من غير تعيين، كالإذن في التجارة.

فصل: ولا يملك من التصرف إلا ما يقتضيه إذن الموكل نطقاً أو عرفاً؛ لأن تصرفه بالإذن، فاختص ما تناوله الإذن، فإن وكله في الخصومة، لم يملك الإقرار ولا الإبراء ولا الصلح؛ لأن إذنه لا يقتضي شيئاً من ذلك، وإن وكله في تثبيت حق، لم يملك قبضه؛ لأنه لم يتناوله النطق ولا العرف، فإنه قد يرضى للتثبت من لا يأمنه على القبض.

وإن وكل في القبض، فهل يملك تثبيته؟ فيه وجهان: أحدهما: يملكه؛ لأنه طريق القبض، فكان التوكيل في القبض توكيلاً فيه.
والثاني: لا يملكه، لما ذكرنا في التي قبلها، وإن وكله في البيع، لم يملك الإبراء من ثمنه، ويملك تسليم المبيع؛ لأن العرف يتناوله، ولأنه من تمام العقد وحقوقه، ولا يتهم فيه، ولا يملك قبض الثمن؛ لأن اللفظ لا يتناوله، وقد يرضى للبيع من لا يرضاه للقبض، إلا أن تقتضيه الحال، بأن يكون بحيث لو ترك ضاع.

فصل: فإن وكله في البيع في وقت، لم يملكه قبله، ولا بعده؛ لأنه قد يختص غرضه به في زمن لحاجته فيه، وإن وكله في بيعه لرجل، ولم يملك بيعه لغيره؛ لأنه قد يقصد نفعه، أو نفع المبيع بإيصاله إليه، وإن وكله في بيعه في مكان، الثمن فيه أكثر وأجود، لم يملكه في غيره؛ لأنه قد يفوت غرضه، وإن تساوت الأمكنة، أو قدر له ثمن، ملك ذلك؛ لأن الغرض فيهما واحد، فالإذن في أحدهما إذن في الآخر، وإن وكله في بيع فاسد، لم يملكه؛ لأنه منهي عنه، ولا يملك الصحيح؛ لأنه لم يأذن له فيه، وإن قدر له الثمن في البيع لم يملك البيع بأقل منه؛ لأنه لا يأذن له فيه نطقاً ولا عرفاً، ويملك البيع بأكثر منه، وسواء كانت الزيادة من جنس الثمن أو غيره؛ لأنه مأذون فيه عرفاً؛ لأنها تنفعه ولا تضره، وإن باع بعضه بدون ثمن جميعه، لم يجز، وإن باعه بجميعه، صح، لما ذكرناه، وله بيع باقيه؛ لأنه إذن فيه، ويحتمل أن لا يملكه؛ لأنه حصل غرضه ببيع بعضه، فلا يبقى الإذن في باقيه، وإن وكله في شراء شيء، لم يملك شراء بعضه؛ لأن اللفظ لا يقتضيه، وإن قال له: بعه بمائة درهم، فباعه بعرض يساوي أكثر منها، لم يجز؛ لأنه لم يأذن فيه نطقاً ولا عرفاً، وإن باعه بمائة دينار، أو بتسعين درهماً وعشرة دنانير، ففيه وجهان: أحدهما: لا ينفذ؛ لأنه خالفه في الجنس، كالتي قبلها.
والثاني: ينفذ؛ لأنه مأذون فيه عرفاً؛ لأنه يرضى الدينار مكان الدرهم عرفاً، وإن وكله في بيع عبيد أو شرائهم، ملك ذلك صفقة واحدة وصفقات؛ لأن العرف جار بكلا الأمرين، وإن أمره بصفقة واحدة، لم يملك التفريق.
فإن اشتراهم صفقة واحدة من رجلين جاز؛ لأن الصفقة من جهته واحدة.

فصل: وإن وكله في البيع وأطلق، لم يملك البيع بأقل من ثمن المثل؛ لأن إذنه تقيد

بذلك عرفاً، لكون غير ذلك تضييعاً لماله، وهو لا يرضاه، ولو حضر من يطلبه بأكثر من ثمن المثل، لم يجز بيعه بثمن المثل؛ لأنه تضييع لمال أمكن تحصليه، وإن باع بثمن المثل، فحضر من يزيد في مدة الخيار، لم يلزمه الفسخ؛ لأنها زيادة منهي عنها، ولا يأمن رجوع صاحبها عنها، فإن باع بأقل من ثمن المثل أو بأقل مما قدر له، فعنه: البيع باطل؛ لأنه غير مأذون فيه، وعنه: يصح، ويضمن الوكيل النقص؛ لأنه فوته، ويصح البيع؛ لأن الضرر يزول بالتضمين، ولا عبرة بما يتغابن الناس به، كدرهم في عشرة؛ لأنه لا يمكن التحرز منه، وهل يلزم الوكيل جميع النقص أم بين ما يتغابن الناس به، وما لا يتغابنون به؟ على وجهين، وكل موضع قلنا: لا يملك البيع والشراء، فحكمه فيه حكم الأجنبي، وقد ذكرناه؛ لأن هذا غير مأذون فيه.

فصل: وإن وكله في الشراء فأطلق، لم يجز أن يشتري بأكثر من ثمن المثل، لما ذكرنا، وإن اشترى بأقل من ثمن المثل، أو أقل مما قدر له، صح؛ لأنه مأذون فيه عرفاً.
فإن قال: لا تشتره بأقل من مائة، لم يملك مخالفته؛ لأن نصه مقدم على دلالة العرف، وإن قال: اشتره بمائة، ولا تشتره بخمسين، فله شراؤه بما فوق الخمسين؛ لأنه باق على دلالة العرف، وإن قال: اشتر لي عبداً وصفه بمائة، فاشتراه بدونها جاز، وإن خالف الصفة، لم يلزم الموكل، وإن لم يصفه، فاشترى عبداً يساوي مائة بأقل منها، جاز، وإن لم يساو المائة، لم يلزم الموكل، وإن ساوى ما اشتراه به؛ لأنه خالف غرضه، وإن قال: اشتر لي شاة بدينار، فاشترى شاتين تساوي إحداهما ديناراً، صح؛ لحديث عروة، ولأنه ممتثل للأمر بإحداهما، والثانية زيادة نفع، وإن لم تساو ديناراً، لم يصح.
فإن باع الوكيل شاة، وبقيت التي تساوي ديناراً، فظاهر كلام أحمد صحته، لحديث عروة، ولأنه وفى بغرضه فأشبه إذا زاد على ثمن المثل.

فصل: وإن وكله في الشراء نسيئة، فاشترى نقداً، لم يلزم الموكل؛ لأنه لم يؤذن له فيه، وإن وكله في الشراء بنقد، فاشترى بنسيئة أكثر من ثمن النقد، لم يجز لذلك، وإن كان بمثل ثمن النقد، وكان فيه ضرر، مثل أن يستضر بحفظ ثمنه، فكذلك، وإن لم يستضر به، لزمه؛ لأنه زاده خيراً، وإن أذن له في البيع بنقد لم يملك بيعه نسيئة، وإن أذن له في البيع نسيئة، فباع بنقد، فهي كمسألة الشراء سواء، وإن عين له نقداً، لم يبع إلا به، وإن أطلق، لم يبع إلا بنقد البلد؛ لأن الإطلاق ينصرف إليه.
فإن كان فيه نقدان، باع بأغلبهما، وإن قدر له أجلاً، لم تجز الزيادة عليه؛ لأنه لم يرض بها، وإن أطلق الأجل، جاز، وحمل على العرف في مثله؛ لأن مطلق الوكالة يحمل على المتعارف، ولا يملك

الوكيل في البيع والشراء شرط الخيار للعاقد معه؛ لأنه لا حظ للموكل فيه، وله شرط الخيار لنفسه ولموكله، ولأنه احتياط له.

فصل: إذا قال: اشتر لي بعين هذا الثمن، فاشترى له في ذمته، لم يقع للموكل؛ لأنه لم يرض بالتزام شيء في ذمته، فلم يجز إلزامه، وإن قال: اشتر لي في ذمتك، ثم انقد هذا فيه، فاشتراه بعينه، صح للموكل؛ لأنه أمره بعقد يلزمه به دينار مع بقاء الدينار وتلفه، فعقد له عقداً لا يلزمه مع تلفه، فزاده خيراً، ويحتمل أن لا يصح؛ لأنه أراد عقداً لا يبطل باستحقاقه، ولا تلفه ففوت ذلك، وإن أطلق، فله الأمران؛ لأن العرف جار بهما.

فصل: وإن وكله في شراء موصوف، لم يجز أن يشتري معيباً؛ لأن إطلاق البيع يقضي السلامة، ولذلك يرد بالعيب، فإن اشترى معيباً يعلم عيبه، لم يقع للموكل؛ لأنه مخالف له، وإن لم يعلم بالعيب، فالبيع صحيح، كما لو اشترى لنفسه، فإن علم الموكل فرضي به، فليس للوكيل رده؛ لأن الرد لحقه، فسقط برضاه، وللوكيل الرد قبل علمه؛ لأنها ظلامة حصلت بعقده، فملك دفعها، كالمشتري لنفسه، ولا يلزمه التأخير؛ لأنه حق تعجل له، وله أن يرضى به، ويسقط خياره، فإذا حضر الموكل، فرضي به، استقر العقد، وإن اختار الرد، فله ذلك؛ لأن الشراء له، ولم يرض بالعيب، فإن أنكر البائع كون الشراء للموكل، فالقول قوله، ويرد المبيع على الوكيل في أحد الوجهين؛ لأنه اتباع المعيب، ومنعه الرد لرضاه بعينه، والثاني: ليس له الرد عليه؛ لأنه غير البائع، وللمشتري أرش العيب؛ لأنه فات الرد به من غير رضاه.
فإن تعذر ذلك من البائع، لزم الوكيل؛ لأنه ألزمه المبيع، وإن قال البائع: موكلك قد علم بالعيب فرضي به، فالقول قول الوكيل مع يمينه؛ أنه لا يعلم ذلك؛ لأن الأصل عدمه، فإن قال: أخر الرد حتى يعلم موكلك، لم يلزمه التأخير.
فإن أخر، وقلنا: الرد على الفور لم يسقط خياره، ذكره القاضي؛ لأنه لم يرض به، ويحتمل أن يسقط لتركه الرد مع إمكانه، فإن رده، فقال الموكل: قد كنت رضيته معيباً: فصدقه البائع، انبنى على عزل الوكيل قبل علمه؛ لأن هذا كذلك، وإن أنكره البائع، فالقول قوله، أنه لا يعلم ذلك، وإن وكله في شراء شيء عينه، فاشتراه فوجده معيباً ففيه وجهان: أحدهما: يملك الرد؛ لأنه معيب لم يرض به العاقد.
والثاني: لا يملكه بغير رضى الموكل؛ لأنه قطع نظره واجتهاده بالتعيين.
فإن قلنا: يملكه فحكمه حكم غير المعين.

فصل: إذا وكله في قبض حقه من زيد، فمات زيد، لم يملك القبض من وارثه؛ لأنه لم يتناوله إذنه نطقاً؛ لأنهم غيره، ولا عرفاً؛ لأنه قد يرضى بقاء حقه عندهم دونه، وإن قال: اقبض حقي الذي قبل زيد، فله القبض من وارثه؛ لأن لفظه يتناول قبض الحق من غير تعرض للمقبوض منه، وإن وكل وكيلين في تصرف، لم يكن لأحدهما الانفراد به؛ لأنه لم يرض بأحدهما، وإن وكله في قضاء دين تقيد بالإشهاد؛ لأنه لا يحصل الاحتياط إلا به، فإن قضاه بغير بينة، فأنكر الغريم، ضمن لتفريطه، وإن شهد ببينة عادلة، فماتت أو غابت، لم يضمن؛ لأنه لا تفريط منه، وإن قضاه بحضرة الموكل من غير إشهاد، ففيه وجهان: أحدهما: يضمن؛ لأنه ترك التحفظ.
والثاني: لا يضمن؛ لأنه إذا كان المؤدى عنه حاضراً، فهو التارك للتحفظ، وإن قضاه ببينة مختلف فيها، ففيه وجهان: أحدهما: يضمن؛ لأنه ترك التحفظ.
والثاني: لا يضمن؛ لأنها بينة شرعية، أشبهت المجمع عليها.

فصل: إذا اشترى لموكله، ثبت الملك للموكل؛ لأنه قبل العقد لغيره، فوجب أن ينقل الملك إلى ذلك الغير، كما لو تزوج لغيره، ويثبت الثمن في ذمته أصلاً، وفي ذمة الوكيل تبعاً، وللبائع مطالبة من شاء منهما، كالضمان في أحد الوجهين، وفي الآخر لا يثبت إلا في ذمة الموكل، وليس له مطالبة غيره.
فإن دفع الثمن فوجد به البائع عيباً، فرده على الوكيل، فتلف في يده، فلا شيء عليه؛ لأنه أمين، وللبائع المطالبة بالثمن؛ لأنه دين له، فأشبه سائر ديونه، وللوكيل المطالبة به؛ لأنه نائب للمالك فيه.

فصل: والوكالة عقد جائز من الطرفين، لكل واحد منهما فسخها؛ لأنه إذن في التصرف، فملك كل واحد منهما إبطاله، كالإذن في أكل طعامه، وإن أذن لوكيله في توكيل آخر، فهما وكيلان للموكل، لا ينعزل أحدهم بعزل الآخر، ولا يملك الأول عزل الثاني؛ لأنه ليس بوكيله، وإن أذنه في توكيله عن نفسه، فالثاني وكيل الوكيل ينعزل ببطلان وكالة الأول وعزله له؛ لأنه فرعه.
فثبت فيه ذلك، كالوكيل مع موكله، وللموكل عزله وحده؛ لأنه متصرف له فملك عزله كالأول.

فصل: وإذا خرج الموكل عن أهلية التصرف، لموت أو جنون أو حجر أو فسق في ولاية النكاح، بطلت الوكالة؛ لأنه فرعه، فيزول بزوال أصله.
فإن وجد ذلك أو عزل الوكيل، فهل ينعزل قبل علمه؟ فيه روايتان: إحداهما: ينعزل؛ لأنه رفع عقد لا يفتقر إلى رضاه، فلم يفتقر إلى علمه كالطلاق.
والثانية: لا ينعزل؛ لأنه أمر فلا يسقط قبل علمه بالنهي، كأمر الشارع، وإن أزال الموكل ملكه عن ما وكله فيه، بإعتاق أو بيع أو طلاق التي وكله في طلاقها، بطلت الوكالة؛ لأنه أبطل محليته، وإن وطئ الزوجة، أو دبر العبد أو كاتبه، بطلت الوكالة؛ لأن ذلك يدل على رجوعه، إذ لا يجتمع مقصود هذه التصرفات مع البيع، والوطء يدل على رغبته في زوجته، وإن وكله في الشراء بدينار فتلف، بطلت الوكالة، فإن تلف بتفريطه فغرمه هو أو غيره، لم يملك الشراء ببدله؛ لأن الوكالة بطلت بتلفه.

فصل: ولا تبطل بالنوم والسكر والإغماء؛ لأنه تثبت الولاية عليه، ولا بالردة لأنها لا تمنع ابتداء وكالته، فلا تمنع استدامتها، ولا بالتعدي فيما وكل فيه، كلبس الثوب، وركوب الدابة؛ لأن العقد يتضمن أمانة وتصرفاً.
فإذا بطلت الأمانة، بقي التصرف كالرهن المتضمن وثيقة وأمانة، وإن وكله في بيع عبد، ثم باعه المالك بيعاً فاسداً، لم تبطل الوكالة؛ لأن ملكه فيه لم يزل، ولا يؤول إلى الزوال وإن وكل زوجته ثم طلقها، لم تنعزل؛ لأن الطلاق لا ينافي الوكالة، ولا يمنع ابتداءها، وإن وكل عبده ثم أعتقه، أو باعه، فكذلك، ويحتمل أن ينعزل؛ لأن أمره لعبده استخدام، وليس بتوكيل في الحقيقة.

فصل: ويجوز التوكيل بجعل؛ لأنه تصرف لغيره لا يلزمه، فجاز أخذ العوض عنه، كرد الآبق، وإذا وكله في البيع بجعل فباع، استحق الجعل قبل قبض الثمن؛ لأن البيع يتحقق قبل قبضه.
فإن قال في التوكيل: فإذا سلمت إلي الثمن، فلك كذا، وقف استحقاقه على التسليم إليه، لاشتراطه إياه، وإن قال: بع هذا بعشرة، فما زاد فهو لك، صح وله الزيادة؛ لأن ابن عباس كان لا يرى بذلك بأساً.

فصل: وليس للوكيل في بيع شيء بيعه لنفسه، ولا للوكيل في الشراء أن يشتري من نفسه؛ لأن العرف في العقد أن يعقد مع غيره، فحمل التوكيل عليه، ولأنه تلحقه تهمة

ويتنافى الغرضان، فلم يجز كما لو نهاه، وعنه: يجوز؛ لأنه امتثل أمره، وحصل غرضه، فصح كما لو باع أجنبياً، وإنما يصح بشرط أن يزيد على مبلغ ثمنه في النداء، ويتولى النداء غيره لتنتفي التهمة.
قال القاضي: ويحتمل أن لا يشترط ذلك، وكذلك الحكم في بيعه لوكيله، أو طفل يلي عليه أو ولده أو والده، أو مكاتبه أو تزويجه لابنته إذا وكله أن يتزوج له؛ لأنه يتهم في حقه، ويترك الاستقصاء عليهم، وإن أذن له الموكل في هذا، جاز لانتفاء التهمة مع صريح الإذن، وإن وكله رجل في بيع عبده، ووكله آخر في شرائه، فله أن يتولى طرفي العقد، كما يجوز للأب ذلك في حق ولده الصغير.

فصل: فإذا وكل عبداً في شراء عبد من سيده، جاز لأنه يجوز أن يشتري من غير سيده، فجاز منه كالأجنبي، وإن وكله في شراء نفسه، جاز لأنه يجوز أن يشتري غيره، فجاز أن يشتري نفسه، كالأجنبي، فإن قال السيد: ما اشتريت نفسك إلا لنفسك، عتق لإقرار سيده بحريته، والقول قول السيد في الثمن؛ لأن الظاهر ممن باشر العقد أنه له، ولو وكله سيده في إعتاق نفسه، أو وكل غريمه في إبراء نفسه، صح؛ لأنه وكيله في إسقاط حق نفسه، فجاز كتوكيل الزوجة في طلاقها، وإن وكل غريمه في إبراء غرمائه، لم يملك إبراء نفسه، كما لو وكله في حبسهم لم يملك حبس نفسه، وإن وكله في تفرقة صدقة، لم يملك صرفها إلى نفسه؛ لأنه مأمور بإعطاء غيره، قال أصحابنا: لا يملك إعطاء ولده ووالده؛ لأنهم كنفسه، ويحتمل جواز ذلك؛ لأن لفظه يعمهم، ولا قرينة تخرجهم.

فصل: والوكيل أمين لا ضمان عليه فيما تلف تحت يده بغير تفريط، بجعل وبغير جعل؛ لأنه نائب المالك، أشبه المودع، والقول قوله فيما يدعيه من تلف، وعدم تفريط وخيانة لذلك، والقول قوله في الرد، إن كان متطوعاً؛ لأنه قبض المال لنفع مالكه، فهو كالمودع، وإن كان بجعل، ففيه وجهان: أحدهما: يقبل قوله؛ لأنه أمين أشبه المودع.
والثاني: لا يقبل؛ لأنه قبضه لنفع نفسه، أشبه المستعير.
وإن قال: بعت وقبضت الثمن، فتلف في يدي، ففيه وجهان، ذكرناهما في الرهن، وإن اختلفا في أصل الوكالة، فالقول قول من ينكرها؛ لأن الأصل عدمها، وإن اختلفا في دفع المال إلى الوكيل، فالقول قوله لذلك، فإن أنكره، ثم اعترف به، ثم ادعى تلفه أو رده، لم يقبل؛ لأن خيانته ثبتت بجحده، وكذلك الحكم في المودع، وإن أقام بدعواه ببينة، ففيه وجهان:

أحدهما: تقبل؛ لأنها شهدت بما لو أقر به لثبت، فقبلت: كما لو لم ينكر.
والثاني: لا تقبل؛ لأنه مكذب بها بجحده، فإن كان جحوده: إنك لا تستحق علي شيئاً، لتلفه أو رده، وإن اختلفا في صفة الوكالة، فقال: وكلتني في بيع هذا، فقال: بل في بيع هذا، أو قال: وكلتني في بيعه بعشرين، قال: بل بثلاثين، أو قال: وكلتني في بيعه نسيئة، قال: بل نقداً، فالقول قول الموكل؛ لأنه منكر للعقد الذي يدعيه الوكيل، فأشبه ما لو أنكر أصل الوكالة، ولأنهما اختلفا في صفة قول الموكل، فكان القول قوله، كما لو اختلف الزوجان في صفة الطلاق، ونص أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في المضارب على أن القول قوله، والوكيل في معناه؛ لأنه أمين في التصرف، فكان القول قوله في صفته، كما لو اختلفا في بيع الثوب المأذون في بيعه، وإن قال: اشتريت هذا لك بعشرة قال: بل بخمسة، فالحكم فيه كذلك، وإن قال: اشتريت هذه الجارية لك بإذنك بعشرة فأنكر الإذن في شرائها، فالقول قول الموكل، فيحلف ويبطل البيع إن كان بعين المال، ويرد الجارية على البائع إن صدق الوكيل في أنه وكيل، وإن أنكر الشراء لغيره، فالقول قوله، وعلى الوكيل غرامة الثمن لموكله، وتبقى الجارية في يده، ولا تحل له؛ لأنها ليست ملكاً له، فإذا أراد استحلالها، اشتراها ممن هي له في الباطن، فإن أبى بيعها استحب للحاكم أن يرفق به، ليبيعه إياها، ولا يجبر؛ لأنه عقد مراضاة، فإن أبى فقد حصلت في يده لغيره، وله في ذمة صاحبها ثمنها، فأقرب الوجوه فيها أن يأذن الحاكم له في بيعها، ويوفيه حقه من ثمنها؛ لأن الحاكم باعها في وفاء دينه، فإن قال صاحبها: إن كانت لي، فقد بعتكها بعشرين، فقال القاضي: لا يصح؛ لأنه بيع معلق على شرط، ويحتمل أن يصح؛ لأن هذا شرط واقع يعلمانه، فلا يضر جعله شرطاً، كما لو قال: إن كانت جارية فقد بعتكها.

فصل: فإن قال: تزوجت لك فلانة بإذنك فصدقته المرأة، وأنكره، فالقول قول المنكر؛ لأن الأصل معه ولا يستحلف؛ لأن الوكيل يدعي حقاً لغيره، وإن ادعته المرأة، استحلف؛ لأنها تدعي صداقها عليه فإن حلف، برئ من الصداق، ولم يلزم الوكيل في أحد الوجهين؛ لأن حقوق العقد تتعلق بالموكل، فإن كان الوكيل ضمنه لها، فلها مطالبته به، وليس لها نكاح غيره، لاعترافها أنها زوجته، فتؤخذ بإقرارها، ولا يكلف الطلاق؛ لأنه لم يثبت في حقه نكاح، ويحتمل أن يكلفه، لإزالة احتمال؛ لأنه يحتمل صحة، دعواها، فينزل منزلة النكاح الفاسد، ولو مات أحدهما، لم يرثه الآخر؛ لأنه لم يثبت صداقها فترث، وهو ينكر أنها زوجته فلا يرثها.

باب الشركة

يجوز عقد الشركة في الجملة، لما روى أبو هريرة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «يقول الله تعالى: أنا ثالث الشركين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خان أحدهما صاحبه، خرجت من بينهما» رواه أبو داود.
وتكره شركة الذمي إلا أن يكون المسلم يتولى البيع والشراء، لما روى الخلال بإسناده عن عطاء قال: «نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن مشاركة اليهودي والنصراني إلا أن يكون البيع والشراء بيد المسلم» ولأنه لا يأمن معاملتهم بالربا، والعقود الفاسدة.

فصل: والشركة على أربعة أضرب: أحدها: شركة العنان، وهو أن يشترك اثنان بماليهما على أن يعملا فيه بأبدانهما، والربح بينهما، فإذا صحت، فما تلف من المالين، فهو من ضمانهما، وإن خسرا، كانت الخسارة بينهما على قدر المالين؛ لأنهما صارا كمال واحد في ربحه، فكذلك في خسرانه، والربح بينهما على ما شرطاه؛ لأن العمل يستحق به الربح، وقد يتفاضلان فيه؛ لقوة أحدهما وحذقه، فجاز أن يجعل له حظ من الربح كالمضارب.

فصل: وتصح الشركة على الدراهم والدنانير؛ لأنهما أثمان البياعات، وقيم الأموال، ولا تصح بالعروض في إحدى الروايتين؛ لأن قيمة أحدهما ربما تزيد قبل بيعه، فيشاركه الآخر في نماء العين التي هي ملكه، والثانية: تصح الشركة بها ويجعل رأس المال قيمتها وقت العقد؛ لأن مقصودها نفوذ تصرفهما في المال المشترك، وكون ربحه بينهما، وهذا ممكن في العروض، والحكم في النقرة والمغشوش والفلوس، كالحكم في العروض؛ لأن قيمتها تزيد وتنقص، فأشبهت العروض، ولا تجوز الشركة بمجهول ولا جزاف؛ لأنه لا يمكن الرجوع به عند المفاضلة، ولا بدين ولا غائب؛ لأنه مما لا يجوز والتصرف فيه، وهو مقصود الشركة.

فصل: ويجوز في المختلفين، فيكون لأحدهما دنانير وللآخر دراهم، ولأحدهما صحاح، وللآخر مكسرة، أو لأحدهما مائة، والآخر مائتان؛ لأنهما أثمان، فصحت الشركة بهما كالمتفقين، ويرجع كل واحد منهما عند المفاضلة بمثل ماله، نص عليه؛ لأنها أثمان، فيجب الرجوع بمثلها كالمتفقين، وتجوز الشركة، وإن لم يخلطا المالين؛ لأنه يقصد بها كون الربح بالمالين، فلم يشترط خلط المال كالمضاربة.

فصل: ومبناها على الوكالة والأمانة؛ لأن كل واحد منهما بتفويض المال إلى صاحبه أمنه، وبإذنه له في التصرف وكله، ولكل واحد منهما العمل في المالين بحكم الملك في حصته، والوكالة في حصة شريكه، وحكمها في جوازها وانفساخها حكم الوكالة، لتضمنها للوكالة، فإن عزل أحدهما صاحبه قبل أن ينض المال، فذكر القاضي: أن ظاهر كلام أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه لا ينعزل حتى ينض، كالمضارب إذا عزله رب المال، وقال أبو الخطاب: ينعزل؛ لأنها وكالة.
فإذا عزله فطلب أحدهما البيع، والآخر القسمة، أجيب طالب القسمة؛ لأنه يستدرك ما يحصل من الربح بالقسمة، فلم يجبر على البيع بخلاف المضارب، وهذا إنما يصح إذا كان الربح على قدر المالين، فإن زاد ربح أحدهما عن ماله، لم يستدرك ربحه بالقسمة، فيتعين البيع كالمضاربة.

فصل: فإن مات أحدهما، فلوارثه إتمام الشركة، فيأذن للشريك، ويأذن له الشريك في التصرف؛ لأن هذا إتمام للشركة، وليس بابتداء لها، فلا تعتبر شروطها، وكذلك إن مات رب المال في المضاربة، فلوارثه إتمامها في ظاهر كلامه، ويحتمل أن لا يجوز إتمامها إلا أن يكون المال ناضاً؛ لأن العقد قد بطل بالموت، وهذا ابتداء عقد، فلا يجوز بالعروض، وإن مات عامل الضاربة، لم يجز إتمامها إلا على الوجه الذي يجوز ابتداءها؛ لأنه لم يخلف أصلاً يبنى عليه، ولو كان مال الشركة والمضاربة موصى به، والموصى له كالوارث في هذا، فإن كانت الوصية لغير معين، كالفقراء، فليس للموصي الإذن في التصرف؛ لأنه قد وجب دفعه إليهم.

فصل: ولكل واحد من الشريكين أن يبيع ويشتري مساومة ومرابحة وتولية ومواضعة، ويقبض المبيع والثمن، ويقبضهما ويطالب بالدين، ويخاصم فيه، ويرد بالعيب في العقد الذي وليه هو أو صاحبه، ويحيل ويحتال ويستأجر، ويفعل كل ما هو من مصلحة

التجارة بمطلق الشركة؛ لأن هذا عادة التجار، وقد أذن له في التجارة، وهل لأحدهما أن يبيع نساء أو يبضع أو يودع أو يسافر بالمال؟ يخرج على روايتين: إحداهما: له ذلك؛ لأنه عادة التجار، ولأن المقصود الربح، وهو في هذه أكثر.
والأخرى: لا يجوز؛ لأن فيه تغريراً بالمال، وهل له التوكيل؟ يخرج على الروايتين في الوكيل؛ لأنه وكيل، وإذا وكل أحدهما، فللآخر عزله؛ لأنه وكيله، وهل له أن يرهن ويرتهن؟ فيه وجهان: أحدهما: له ذلك؛ لأن الرهن يراد للإيفاء والارتهان يراد للاستيفاء، وهو يملكهما، فيملك ما يراد لهما.
والثاني: لا يجوز؛ لأن فيه خطراً، وفي الإقالة وجهان.
أصحهما: أنه يملكها؛ لأنه إن كانت بيعاً فقد أذن فيه، وإن كانت فسخاً، ففسخ البيع المضر من مصلحة التجارة فملكه، كالرد بالعيب، والآخر لا يملكها؛ لأنها فسخ فلا تدخل في الإذن في التجارة.

فصل: وليس له أن يكاتب رقيقه، ولا يزوجه، ولا يعتقه بمال، ولا يقرض ولا يحابي؛ لأن ذلك ليس بتجارة، وليس له المشاركة بمال الشركة، ولا المضاربة به، ولا خلطه بماله، ولا مال غيره؛ لأنه يثبت في المال حقوقاً، وليس هو من التجارة المأذون فيها، ولا يأخذ به سفتجة ولا يعطيها؛ لأن فيه خطراً، ولا يستدين على مال الشركة، ولا يشتري ما ليس عنده ثمنه؛ لأنه يؤدي إلى الزيادة في مال الشركة، ولم يؤذن فيه، فإن فعل، فعليه ثمن ما اشتراه ويختص بملكه وربحه وضمانه، وكذلك ما استدانه أو اقترضه، ويجوز أن يشتري نساء ما عنده ثمنه؛ لأنه لا يفضي إلى الزيادة فيها، وإن أقر على مال الشركة، قبل في حقه دون صاحبه، سواء أقر بعين أو دين؛ لأن الإقرار ليس من التجارة، وقال القاضي: يقبل إقراره على مال الشركة، ويقبل إقراره بعيب في عين باعها، كما يقبل إقرار الوكيل على موكله به، نص عليه؛ لأنه تولى بيعها، فقبل إقراره بالعيب، كمالكها.
فإن رد عليه المعيب فقبله، أو دفع أرشه، أو أخر ثمنه، أو حط بعضه لأجل العيب، جاز؛ لأن العيب يجوز الرد، وقد يكون ما يفعله من هذا أحظ من الرد، فأما إن حط بعض الثمن ابتداء، أو أسقط ديناً عن غريمهما، أو أخره عليه، لزم في حقه دون صاحبه؛ لأنه تبرع فجاز في حقه دون شريكه كالصدقة.
فإن قال له: اعمل برأيك فله عمل ما يقع في التجارة من الرهن والارتهان والبيع نساء، والإبضاع بالمال، والمضاربة به والشركة، وخلطه بماله، والسفر به وإيداعه، وأخذ السفتجة ودفعها

ونحوه؛ لأنه فوض إليه الرأي في التصرف في التجارة، وقد يرى المصلحة في هذا، وليس له التبرع والحطيطة والقرض وكتابة الرقيق، وعتقه وتزويجه؛ لأنه ليس بتجارة، وإنما فوض إليه العمل برأيه في التجارة.

فصل: الضرب الثاني: شركة الأبدان، وهو أن يشترك اثنان فيما يكتسبانه بأبدانهما، كالصانعين يشتركان على أن يعملا في صناعتهما أو فيما يكتسبان من مباح كالحشيش والحطب والمعادن، والتلصص على دار الحرب، فما رزق الله فهو بينهما، فهو جائز، لما روى عبد الله بن مسعود قال: «اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم بدر، قال: فلم أجئ أنا وعمار بشيء، وجاء سعد بأسيرين» . رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة، واحتج به أحمد، ومبناها على الوكالة؛ لأن كل واحد منها وكيل صاحبه، وما يتقبله كل واحد من الأعمال، فهو من ضمانهما، يطالب به كل واحد منهما، ويلزمه عمله.
قال القاضي: ويحتمل أن لا يلزم كل واحد منهما ما لزم صاحبه، كالوكيلين، ويصح مع اتفاق الصنائع واختلافها؛ لأنهما اتفقا في مكسب واحد، كما لو اتفقت الصنائع، وقال أبو الخطاب: لا تصح مع اختلافها؛ لأن الشركة تقتضي أن ما يتقبله أحدهما يلزم صاحبه، ولا يمكن أن يلزمه عمل صناعة لا يحسنها.

فصل: والربح بينهما، على ما شرطاه من مساواة أو تفاضل؛ لأنهما يستحقان بالعمل، والعمل يتفاضل، فجاز أن يكون الربح متفاضلاً، وما لزم أحدهما من ضمان لتعديه وتفريطه، فهو عليه خاصة؛ لأن ذلك لا يدخل في الشركة، ولكل واحد منهما طلب الأجرة، وللمستأجر دفعها إلى أيهما شاء، وإن تلفت في يد أحدهما بغير تفريط، فلا ضمان عليه؛ لأنه وكيل.

فصل: وإن عمل أحدهما دون صاحبه، فالكسب بينهما، لحديث ابن مسعود حين جاء سعد بأسيرين وأخفق الآخران، وإن ترك أحدهما العمل لعجز أو غيره، فللآخر مطالبته بالعمل، أو بإقامة من يعمل عنه أو يفسخ.

فصل: إذا كان لرجلين دابتان، فاشتركا على أن يحملا عليهما، فما رزق الله تعالى من الأجرة، فهو بينهما صح.
ثم إن تقبلا حمل شيء في ذمتهما فحملاه عليهما، صح، والأجرة على ما شرطاه؛ لأن تقبلهما الحمل أثبته في ذمتهما وضمانهما، والشركة تنعقد

على الضمان كشركة الوجوه، وإن أجراهما على حمل شيء، اختص كل واحد منها بأجرة دابته، ولا شركة؛ لأنه لم يجب الحمل في ذمته، وإنما استحق المكتري منفعة هذه البهيمة التي استأجرها، ولهذا تنفسخ الإجارة بموتها، ولا يصح أن يكون كل واحد منهما وكيل صاحبه في إجارة دابة نفسه، ولهذا لو قال: أجر دابتك وأجرها بيني وبينك، لم يصح.
فإن أعان أحدهما صاحبه في التحميل، فله أجرة مثله؛ لأنها منافع وفاها بشبهة عقد.

فصل: فإن دفع دابته إلى رجل يعمل عليها، أو عبده ليكتسب، ويكون ما يحصل بينهما نصفين، أو أثلاثاً، صح، نص عليه؛ لأنها عين تنمى بالعمل عليها، فجاز العقد عليها ببعض نمائها، كالشجر في المساقاة، ونقل عنه أبو داود فيمن يعطي الفرس على نصف الغنيمة: أرجو أن لا يكون به بأس، ووجهه ما ذكرناه، وإن دفع ثياباً إلى خياط ليخيطها ويبيعها، وله جزء من ربحها، أو غزلاً لينسجه ثوباً بثلث ثمنه، أو ربعه، جاز، وإن جعل معه دراهم، لم يجز، وعنه: الجواز، والأول المذهب؛ لأنه لا يجوز أن يشترط في المساقاة دراهم معلومة، وإنما أجاز أحمد ذلك تشبيهاً بالمساقاة، قال: نراه جائزاً؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعطى خيبر على الشطر.

فصل: وإن دفع رجل بغلة، وآخر راوية إلى رجل، ليستقي وما رزقهم الله بينهم، فقياس المذهب صحته؛ لأن كل واحدة منها عين تنمى بالعمل عليها، فصح دفعها بجزء من النماء كالتي قبلها، وقال القاضي: لا يصح، لأن المشاركة بالعروض لا تصح، والأجرة للعامل؛ لأنه ملك الماء باغترافه في الإناء، ولصاحبيه أجرة المثل؛ لأنه استوفى منافع ملكهما بشبه عقد، ولو اشترك صانعان على أن يعملا بأداة أحدهما في بيت الآخر، والكسب بينهما، صح؛ لأن الأجرة على عملهما، وبه يستحق الربح، ولا يستحق بالآلة والبيت شيء، إنما يستعملانها في العمل، فصارا كالدابتين في الشركة، ولو اشترك صاحب بغل وراوية على أن يؤجراهما، والأجرة بينهما، لم يصح؛ لأن حاصله أن كل واحد منهما يؤجر ملكه، ويعطي الآخر من أجرته، وليس بصحيح، والأجرة كلها لمالك البهيمة؛ لأنه صاحب الأصل، والآخر أجرة مثله.

فصل: الضرب الثالث: شركة الوجوه وهو: أن يشترك رجلان فيما يشتريان بجاههما، وثقة التجار بهما من غير أن يكون لهما رأس مال، على أن ما اشترياه فهو بينهما على ما

اتفقا عليه من مساواة، أو تفاضل، ويبيعان فما رزق الله تعالى من الربح، فهو بينهما على ما اتفقا عليه، فهو جائز، سواء عين أحدهما لصاحبه ما يشتريه، أو قال: ما اشتريت من شيء فهو بيننا، نص عليه، والربح بينهما على ما اشترطاه، وقال القاضي: الربح بينهما على قدر ملكيهما في المشترى، ولنا أنهما شريكان في المال فجاز تفاضلهما في الربح، مع تساويهما في الملك.
كشركي العنان، والوضيعة على قدر ملكيهما في المشترى؛ لأنه رأس المال، ومبناها على الوكالة؛ لأن كل واحد منهما وكيل صاحبه فيما يشتريه ويبيعه، وحكمهما في جواز ما يجوز لكل واحد منهما، أو يمنع منه حكم شركة العنان.

فصل: الضرب الرابع: شركة المفاوضة، وهو أن يشتركا في كل شيء يملكانه، وما يلزم كل واحد منهما من ضمان غصب، أو جناية أو تفريط، وفي ما يجدان من ركاز أو لقطة، فلا يصح؛ لأنه يكثر فيها الغرر، ولأنها لا تصح بين المسلم والكافر، فلا تصح بين المسلمين، كسائر العقود المنهي عنها، ولأنه يدخل فيها أكساب غير معتادة، وحصول ذلك وهم لا يتعلق به حكم.

باب المضاربة

وهو أن يدفع إنسان ماله إلى آخر يتجر فيه، والربح بينهما، وهي جائزة بالإجماع، يروى إباحتها عن عمر وعلي وابن مسعود وحكيم بن حزام - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - في قصص مشتهرة، ولا مخالف لهم فيكون إجماعاً، وتسمى مضاربة وقراضاً، وتنعقد بلفظهما، وبكل ما يؤدي معناهما؛ لأن القصد المعنى، فجاز بما دل عليه كالوكالة، وحكمها حكم شركة العنان في جوازها وانفساخها، وفي ما يكون رأس المال فيها، وما لا يكون، وما يملكه العالم، وما يمنع منه، وكون الربح بينهما على ما شرطاه؛ لأنها شركة، فيثبت فيها ذلك، كشركة العنان.

فصل: ويشترط تقدير نصيب العامل، ونصيب كل واحد من الشريكين في الشركة بجزء مشاع؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها، والمضاربة في معناها.
فإن قال: خذه مضاربة والربح بيننا، صح وهو بينهما نصفين؛ لأنه أضافه إليهما إضافة واحدة من غير ترجيح لأحدهما، فاقتضى التسوية، كقوله: هذه الدار بيني وبينك، وإن قال: على أن لك ثلث الربح، صح، والباقي لرب المال؛ لأنه يستحقه، لكونه نماء

ماله، فلم يحتج إلى شرطه، وإن قال: على أن لي ثلث الربح، ولم يذكر نصيب العامل، ففيه وجهان: أحدهما: لا يصح؛ لأن العامل إنما يستحق بالشرط ولا شرط له.
والثاني: يصح، والباقي للعامل؛ لأنه يدل بخطابه على ذلك كقوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: 11] دل على أن باقيه للأب، وإن قال: لي النصف ولك الثلث، وترك السدس، فهو لرب المال؛ لأنه يستحقه بماله، وإن قال: خذه مضاربة بالثلث، صح، وهو للعامل؛ لأن الشرط يراد من أجله، ورب المال يأخذه بماله لا بالشرط، ومتى اختلفا لمن الجزء المشروط، فهو للعامل لذلك، واليمين على مدعيه.

فصل: وإن لم يذكر الربح، أو قال: لك جزء من الربح، أو شركة، لم تصح المضاربة؛ لأن الجهالة تمنع تسليم الواجب، وإن قال: لك مثل ما شرط لفلان وهما يعلمانه، صح، وإن جهلاه أو أحدهما، لم يصح، ولا يجوز أن يشرط لأحدهما دراهم معلومة؛ لأنه يحتمل أن لا يربحها، أو لا يربح غيرها.
فيختص أحدهما بجميع الربح، ولو شرط لأحدهما ربح أحد الألفين، أو أحد الكيسين، أو أحد العبدين، وللآخر ربح الآخر، أو جعل حقه في عبد يشتريه، أو أنه إذا اشترى عبداً، أخذه برأس المال، لم يصح، لإفضائه إلى اختصاص أحدهما بالربح.

فصل: وإن قال: خذه مضاربة والربح كله لك، أو قال: لي، لم يصح؛ لأن موضوعها على الاشتراك في الربح، فشرطه كله له.
ينافي مقتضى العقد، فبطل، وإن قال: خذه فاتجر به، والربح كله لك، فهو قرض؛ لأن اللفظ يصلح للقرض، وقد قرن به حكمه، فتعين له، وإن قال: والربح كله لي، فهو إبضاع؛ لأنه قرن به حكمه.

فصل: فإن قال لغريمه: ضارب بالدين الذي عليك، لم يصح؛ لأن ما في يد الغريم، لنفسه لا يصير لغريمه إلا بقبضه.
فإن عزل شيئاً واشترى به، فالشراء له؛ لأنه اشترى بماله، ويحتمل أن تصح المضاربة؛ لأنه اشترى له بإذنه، ودفع المال إلى من أذن له، في دفعه إليه، فبرئت به ذمته، وإن كانت له وديعة، فقال للمودع: ضارب بها، صح؛ لأنه عين ماله، وإن كان عرضاً فقال: بعه وضارب بثمنه، صح؛ لأن الثمن عين مال رب

المال، وإن قال: اقبض ما لي على فلان، فضارب به ففعل، صح لأنه وكيل في قبضه فيصير كالوديعة.

فصل: ويصح أن يشرط على العامل أن لا يسافر بالمال، ولا يتجر به إلا في بلد بعينه، أو نوع بعينه أو لا يعامل إلا رجلاً بعينه؛ لأنه إذن في التصرف فجاز ذلك فيه كالوكالة، ويصح توقيتها، فيقول: ضاربتك بهذه الدراهم سنة لذلك، نص عليه، وعنه: لا يصح، اختارها أبو حفص؛ لأنه عقد يجوز مطلقاً، فلم يجز توقيته كالنكاح، ويصح أن يشرط نفقة نفسه حضراً وسفراً قياساً على الوكيل.

فصل: ولا يصح أن يشترط ما ينافي مقتضى العقد، نحو أن يشرط لزوم المضاربة، أو لا يعزله مدة بعينها، أو لا يبيع إلا برأس المال، أو أقل، أو يوليه ما يختار من السلع؛ لأنه يفوت المقصود من العقد، وإن شرط أن يتجر له في مال آخر مضاربة، أو بضاعة أو خدمة في شيء، أو يرتفق بالسلع، أو شرط على العامل الضمان، أو الوضيعة أو سهماً منها، أو متى باع سلعة، فهو أحق بها بالثمن، فالشرط فاسد؛ لأنه ليس في مصلحة العقد ولا مقتضاه.

فصل: وكل شرط يؤثر في جهالة الربح يبطل المضاربة؛ لأنه يمنع التسليم الواجب، وما لا يؤثر فيه، لا يبطلها في قياس قوله، لنصه فيما إذا شرط سهماً من الوضيعة أن المضاربة صحيحة؛ لأنه إذا حذف الشرط، بقي الإذن بحاله ويحتمل البطلان؛ لأنه إنما رضي بالعقد بهذا الشرط، فإذا فسد، فات الرضى به ففسد، كالمزارعة إذا شرط البذر من العامل، وكالشروط الفاسدة في البيع، ومتى فسدت، فالتصرف صحيح؛ لأنه بإذن رب المال والوضيعة عليه؛ لأن كل عقد لا ضمان في صحيحه لا ضمان في فاسده، والربح لرب المال؛ لأنه نماء ماله، وإنما يستحق بالشرط وهو فاسد ها هنا لا يستحق به شيء، وللعامل أجر مثله؛ لأنه بذل منافعه بعوض لم يسلم له، وإن فسدت الشركة، قسم الربح على رؤوس أموالهما، ورجع كل واحد منهما على الآخر بأجر عمله، لما ذكرنا، وقال الشريف أبو جعفر: الربح بينهما على ما شرطاه؛ لأنه عقد يجوز أن يكون عوضه مجهولاً، فوجب المسمى في فاسده كالنكاح.

فصل: وعلى العامل عمل ما جرت العادة بعمله له، من نشر وطي، وإيجاب وقبول

وقبض ثمن، ووزن ما خف، كالنقود والمسك والعود؛ لأن إطلاق الإذن يحتمل على العرف، والعرف أن هذه الأمور يتولاها بنفسه، وإن استأجر من يفعلها، فعليه الأجرة في ماله؛ لأنه بذلها عوضاً عما يلزمه، وما جرت العادة أن يستنيب فيه، كحمل المتاع، ووزن ما يثقل والنداء، فله أن يستأجر من مال القراض من يفعله؛ لأنه العرف.
فإن فعله بنفسه ليأخذ أجرة لم يستحقها، نص عليه؛ لأنه تبرع بفعل ما لم يلزمه، فلم يكن له أجر كالمرأة التي تستحق على زوجها خادماً إذا خدمت نفسها، ويتخرج أن له الأجر؛ لأنه فعل ما يستحق الأجر فيه، فاستحقه كالأجنبي.

فصل: وليس له أن يشتري بأكثر من رأس المال؛ لأن الإذن لم يتناول غيره.
فإن كان ألفاً فاشترى عبداً بألف، فهو للمضاربة؛ لأنه مأذون فيه.
فإن اشترى آخر، لم يدخل في المضاربة؛ لأنه غير مأذون فيه، وحكمه حكم ما لو اشترى لغيره شيئاً بغير إذنه.
فإن تلف الألف قبل نقده في الأول، فعلى رب المال الثمن؛ لأن الشراء بإذنه، ويصير رأس المال الثمن الثاني؛ لأن الأول تلف قبل تصرفه فيه، وإن تلف قبل الشراء، لم يدخل المشتري في المضاربة؛ لأنها انفسخت قبل الشراء، لتلف رأس المال وزوال الإذن.

فصل: وليس له التصرف إلا على الاحتياط، كالوكيل؛ لأنه وكيل رب المال إلا أن له شراء المعيب؛ لأن مقصودها الربح، وقد يربح في المعيب بخلاف الوكالة فإن الشراء فيها يراد للقنية.
فإن اشترى شيئاً فبان معيباً، فله رده، فإن اختلف هو ورب المال في رده، فعل ما فيه النظر؛ لأن مقصود الحظ لهما، فإذا اختلفا، قدم الأحظ.

فصل: فإن اشترى من يعتق على رب المال، صح؛ لأنه مال متقوم قابل للعقود فصح شراؤه، كالذي نذر رب المال عتقه، ويعتق، وعلى العامل الضمان، علم أو لم يعلم؛ لأن مال المضاربة تلف بتفريطه، وفي قدر ما يضمن وجهان: أحدهما: ثمنه؛ لأنه فات فيه.
والثاني: قيمته؛ لأنها التالفة، وقال أبو بكر: إن لم يعلم، لم يضمن؛ لأنه معذور، فلم يضمن، كما لو اشترى معيباً لم يعلم عيبه، ويتخرج أن لا يصح شراؤه؛ لأن الإذن تقيد بالعرف لما يمكن بيعه والربح فيه، فلا يتناول غيره، ولأنه تقيد بما يظن الحظ فيه، وهذا لا حظ للتجارة فيه، ولهذا جعلناه مفرطاً، وألزمناه الضمان، وإن اشترى زوجة رب المال، أو زوج ربة المال، صح وانفسخ النكاح لملكه إياه فإن كان

قبل الدخول، فعلى العامل نصف الصداق؛ لأنه أفسد نكاحه فأشبه من أفسده بالرضاع.

فصل: فإن اشترى من يعتق على نفسه، ولا ربح في المال، لم يعتق، وإن ظهر فيه ربح، وقلنا: لا يملك العامل إلى بالقسمة، لم يعتق أيضاً، وإن قلنا: يملكه بالظهور، عتق عليه قدر حصته منه، وسرى إلى باقيه إن كان موسراً، وغرم قيمته، وإن كان معسراً، لم يعتق عليه إلى ما ملك، وقال أبو بكر: لا يعتق بحال؛ لأنه لم يتم ملكه في الربح، لكونه وقاية لرأس المال.

فصل: وليس له وطء جارية من المال، فإن فعل، فعليه المهر؛ لأنها مملوكة غيره ويعزر، نص عليه، ولا حد عليه لشبهة حقه فيها، وقال القاضي: عليه الحد إن لم يظهر ربح؛ لأنه لا ملك له فيها، والأول أولى؛ لأن ظهور الربح ينبني على التقويم، وهو غير متحقق فيكون شبهة.
فإن ولدت منه، ولم يظهر ربح، فالولد مملوك، ولا تصير به الجارية أم ولد؛ لأنها علقت به في غير ملك، وإن ظهر ربح، فالولد حر، وأمه أم ولد، وعليه قيمتها، ويسقط من القيمة والمهر قدر حصة العامل منها، وإن أذن له رب المال في التسري فاشترى جارية، خرجت من المضاربة، وصار ثمنها قرضاً؛ لأن استباحة البضع لا تكون إلا بملك أو نكاح؛ لقول الله تعالى: ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: 6] .

فصل: وليس لرب المال وطء جارية من المضاربة؛ لأن لغيره فيها حقاً، فإن فعل، فلا حد عليه؛ لأنها ملكه.
وإن لم تعلق منه، فالمضاربة بحالها، وإن علقت منه، فالولد حر، وتصير أم ولد له، وتخرج من المضاربة، وتحسب عليه قيمتها، ويأخذ المضارب حصته من الربح مما بقي.

فصل: وليس له دفع المال مضاربة؛ لأنه إنما دفع إليه المال ليضارب به، وبهذا يخرج عن كونه مضارباً، فإن فعل فهو مضمون على كل واحد منهما، على الأول لتعديه، وعلى الثاني لأخذه مال غيره بغير إذنه، فإن غرم الأول، ولم يعلم الثاني بالحال، لم يرجع عليه؛ لأنه دفعه إليه أمانة، وإن علم، رجع عليه، وإن غرم الثاني مع علمه، لم

يرجع على أحد، وإن لم يعلم فهل يرجع على الأول؟ على وجهين، بناء على المشتري من الغاصب، وإن ربح، فالربح لرب المال؛ لأنه نماء ماله ولا أجرة لواحد منهما؛ لأن الأول لم يعمل، والثاني عمل في مال غيره بغير إذنه، فأشبه الغاصب، وعنه: له أجرة مثله؛ لأنه عمل في المال بشبهة المضارب، فأشبه المضاربة الفاسدة، ويحتمل أنه إن اشترى في الذمة، كان الربح له، فأما إن دفعه إلى غيره بإذن رب المال، صح، ويصير الثاني هو المضارب.
فإن شرط الدافع لنفسه شيئاً من الربح، لم يستحق شيئاً؛ لأن الربح يستحق بمال، أو عمل، وليس له واحد منهما، فإن قال له رب المال: اعمل برأيك، فعن أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: جواز دفعه مضاربة كما ذكرنا في الشركة.

فصل: إذا تعدى المضارب بفعل ما ليس له، فهو ضامن؛ لأنه تصرف بغير إذن المالك فضمن كالغاصب، والربح لرب المال ولا أجرة له؛ لأنه عمل بغير إذن، أشبه الغاضب، وعنه له أجرة مثله ما لم تحط بالربح، كالإجارة الفاسدة، وعنه: له أقل الأمرين من أجرته أو ما شرط له؛ لأنه رضي بما جعل له فلا يستحق أكثر منه، ولا يستحق أكثر من أجرة المثل؛ لأنه لم يفعل ما جعل له الربح فيه، وقال القاضي: إن اشترى في الذمة، ثم نقد المال، فكذلك، وإن اشترى بعين المال، فالشراء باطل في رواية، والنماء للبائع، وفي رواية يقف على إجازة المالك، فإن لم يجزه، فالبيع باطل أيضاً، وإن أجازه، صح والنماء له، وإن أخذ الربح، كان إجازة منه للعقد؛ لأنه دل على رضاه، وفي أجرة المضارب ما ذكرناه.

فصل: ونفقة العامل على نفسه حضراً وسفراً؛ لأنها تختص به فكانت عليه كنفقة زوجته، ولأنه دخل على أن له جزءاً مسمى فلم يستحق غيره، كالمساقي، وإن اشترط نفقته، فله ذلك؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «المؤمنون على شروطهم» ويستحب تقديرها؛ لأنه أبعد من الغرر، فإن أطلق، جاز؛ لأن لها عرفاً تنصرف إليه، فأشبه إطلاق الدينار في بلد له فيه عرف.
قال أحمد: ينفق على ما كان ينفق غير متعد بالنفقة، ولا مضر بالمال، وله نفقة من المأكول خاصة، إلا أن يكون سفره طويلاً يحتاج إلى تجديد كسوة، فله أن يكتسي، فإن كان معه مال آخر، فالنفقة على المالين بالحصص؛ لأن النفقة للسفر، والسفر لهما، وإن مات لم يجب تكفينه؛ لأنه لم يبق عاملاً، وإن لقيه رب المال في السفر، ففسخ المضاربة، فلا نفقة له لرجوعه لذلك.

فصل: وللمضارب أن يأخذ مضاربة أخرى، إذا لم يكن فيه ضرر على الأولى؛ لأنه عقد لا يملك به منافعه كلها، فلم يملك عقدا آخر كالوكالة.
فإن كانت الثانية، تشغله عن الأولى، لم يجز؛ لأنه تصرف يضر به، فلم يجز كالبيع بغبن، فإن فعل ضم نصيبه من الربح في الثاني إلى ربح الأول، فاقتسماه؛ لأن ربحه الثاني حصل بالمنفعة التي اقتضاها العقد الأول، وإن فعل ذلك بإذن الأول، جاز؛ لأن الحق له فجاز بإذنه.
فإن أخذ مالين من رجلين، واشترى بكل مال عبداً فاشتبها عليه، ففيه وجهان: أحدهما: يكونان شريكين فيهما، كما لو اشتركا في عقد البيع.
والثاني: يأخذهما العامل، وعليه رأس المال؛ لأنه تعذر ردهما بتفريطه، فلزمه ضمانهما كما لو أتلفهما.

فصل: وإذا دفع إليه ألفاً، ثم دفع إليه ألفاً آخر، لم يجز له ضم أحدهما إلى الآخر؛ لأنه أفرد كل واحد بعقد له حكم، فلم يملك تغييره، فإن أمره بضمهما قبل التصرف فيهما، أو بعد أن نضا، جاز وصارا مضاربة واحدة، وإن كان بعد التصرف قبل أن ينضا، لم يجز؛ لأن حكم ما تصرف فيه قد استقر، فصار ربحه وخسرانه مختصاً به، فضم الآخر إليه يوجب جبر وضيعة أحدهما بربح الآخر، فلم يجز.

فصل: وليس للمضارب ربح حتى يوفي رأس المال؛ لأن الربح هو الفاضل عن رأس المال.
فلو ربح في سلعة، وخسر في أخرى، أو في سفرة، وخسر في أخرى جبرت الوضيعة من الربح، وإن تلف بعض المال قبل التصرف، فتلفه من رأس المال؛ لأنه تلف قبل التصرف، أشبه التالف قبل القبض، وإن تلف بعد التصرف، حسب من الربح؛ لأنه دار في التجارة، فإن اشترى عبدين بمائة، فتلف أحدهما، وباع الآخر بخمسين، فأخذ منها رب المال خمسة وعشرين بقي رأس المال خمسين؛ لأن رب المال أخذ نصف المال الموجود، فسقط نصف الخسران، ولو لم يتلف العبد، وباعهما بمائة وعشرين، فأخذ رب المال ستين، ثم خسر العامل فيما معه عشرين، فله من الربح خمسة؛ لأن سدس ما أخذه رب المال ربح، للعامل نصفه، وقد انفسخت المضاربة فيه، فلا يجبر به خسران الباقي، وإن اقتسما العشرين الربح خاصة، ثم خسر عشرين، فعلى العامل رد ما أخذه، وبقي رأس المال تسعين؛ لأن العشرة الباقية مع رب المال تحسب من رأس المال، ومهما بقي العقد على رأس المال، وجب جبر خسرانه من ربحه وإن

قسما الربح قال أحمد: إلا أن يقبض رأس المال صاحبه، ثم يرده إليه، أو يحتسبا حساباً كالقبض، وهو أن يظهر المال، ويجئ به فيحتسبان عليه، فإن شاء صاحبه قبضه، ولا يكون ذلك إلا في الناض، دون المتاع؛ لأن المتاع قد يتغير سعره، وأما قبل ذلك، فالوضيعة تجبر من الربح، ولذلك لو طلب أحدهما قسمة الربح دون رأس المال، لم يلزم الآخر إجابته؛ لأنه لا يأمن الخسران في الثاني، وإن اتفقا على قسمه أو قسم بعضه، أو على أن يأخذ كل واحد منهما كل يوم قدراً معلوماً، جاز؛ لأن الحق لهما، ولو تبين للمضارب ربح، لم يجز له أخذ شيء منه إلا بإذن رب المال.

فصل: ويملك العامل الربح بالظهور، وعنه: لا يملكه؛ لأنه لو ملكه اختص بربحه، والأول المذهب؛ لأنه يملك المطالبة بقسمه فملكه كالمشتري، وإنما لم يختص بربحه؛ لأنه وقاية لرأس المال.

فصل: ولكل واحد منهما فسخ المضاربة؛ لأنها عقد جائز.
فإذا فسخ والمال عرض فاتفق على قسمه، أو بيعه، جاز، وإن طلب العامل البيع وأبى رب المال وفيه ربح، أجبر عليه؛ لأن حقه في الربح لا يظهر عليه إلا بالبيع، وإن لم يكن فيه ربح، لم يجبر؛ لأنه لا حق له فيه، وإن طلب رب المال البيع، وأبى العامل، أجبر في أحد الوجهين؛ لأنه يستحق عليه رد المال كما أخذه، والآخر لا يجبر؛ لأنه متصرف لغيره بحكم عقد جائز، فلم يلزمه التصرف كالوكيل، وإن كان ديناً، لزم العامل تقاضيه؛ لأن المضاربة تقتضي رد المال على صفته.

فصل: ويجوز أن يدفع المال إلى اثنين مضاربة، فإن شرط لهما جزءاً من الربح، ولم يبين كيف هو بينهما، فهو بينهما نصفين؛ لأن إطلاق لفظ: لهما، يقتضي التسوية، وإن شرط لأحدهما ثلث الربح، وللآخر سدسه، صح لأن عقد الواحد مع الاثنين عقدان، وإن قارض اثنان واحداً بألف لهما، جاز، وكان بمنزلة عقدين، فإذا شرطا له جزءاً من الربح، والباقي لهما على قدر ملكيهما، فإن كان بينهما نصفين، فشرط أحدهما للمضارب نصف ربح نصيبه وشرط له الآخر الثلث، والباقي بينهما نصفين، لم يجز لأن كل وحد منهما يستحق ما بقي من الربح بعد شرطه، فإذا شرطا التسوية، فقد شرط أحدهما جزءاً من ربح مال صاحبه بغير عمل، وإن دفع إليه ألفاً، وقال: أضف إليها ألفاً من مالك، والربح بيننا، لك ثلثاه ولي ثلثه، جاز، وكان شركة وقراضاً، وللعامل النصف

بماله، والسدس بعمله، وإن قال: والربح بيننا نصفين نظرنا في لفظه، فإن قال: خذه مضاربة، فسد؛ لأنه جعل ربح ماله كله له، وذلك ينافي مقتضى المضاربة، وإن لم يقل مضاربة، صح، وكان إبضاعاً، وإن قال: ولي الثلثان، فسد؛ لأنه يشرط لنفسه جزءاً من ربح مال صاحبه بغير عمل.

فصل: وإن أخرج ألفاً وقال: أتجر أنا وأنت فيها والربح بيننا، صح، نص عليه، وذكره الخرقي بقوله: أو بدنان بمال أحدهما، وقال ابن حامد والقاضي: لا يصح؛ لأن المضاربة تقتضي تسليم المال إلى العامل، وهذا الشرط ينفي ذلك، والأول أظهر؛ لأن العمل أحد ما تتم به المضاربة، فجاز انفراد أحدهما به، كالمال، ومقتضى المضاربة إطلاق التصرف في المال والمشاركة في الربح، وهذا لا ينفيه.
فإن شرط المضارب أن يعمل معه غلام رب المال، فهو أولى بالجواز؛ لأن عمل الغلام يصح أن يكون تابعاً لعمل العامل، كالحمل على بهيمته، وقال القاضي: لا يجوز؛ لأن يد العبد كيد سيده.

فصل: والعامل أمين لا ضمان عليه فيما تلف بغير تعد؛ لأنه متصرف في المال بإذن المالك لا يختص بنفعه، فأشبه الوكيل، والقول قوله فيما يدعيه من تلف، أو يدعي عليه من جناية لذلك.
إن قال: هذا اشتريته لنفسي، أو للمضاربة، أو اختلفا في نهي رب المال له عن شرائه، فالقول قوله؛ لأن الأصل عدم النهي، وهو أعلم بنيته في الشراء، وإن اختلفا في رد المال، فالقول قول المالك؛ لأنه قبض المال لنفع نفسه، فلم يقبل قوله في الرد، كالمستعير، وإن اختلفا فيما شرط له من الربح، ففيه روايتان: إحداهما: القول قول المالك؛ لأن الأصل عدم ما اختلفا فيه.
والثانية: إن ادعى العامل أجرة المثل، أو قدراً يتغابن الناس به، فالقول قوله؛ لأن الظاهر صدقه، وإن ادعى أكثر، فالقول قول المالك؛ لأن الظاهر صدقه، فأشبها الزوجين إذا اختلفا في المهر.

فصل: وإن أقر بربح ثم قال: خسرته، أو تلف، قبل قوله، وإن قال: غلطت أو نسيت، لم يقبل؛ لأنه مقر بحق لآدمي، فلم يقبل رجوعه، كالمقر بدين، ولو اقترض العامل شيئاً، تمم به رأس المال، ثم عرضه على رب المال فأخذه، لم يقبل رجوع العامل، ولم يملك المقرض مطالبة رب المال؛ لأن العامل ملكه بالقرض، وأقر به لرب المال، ويرجع المقرض على العامل.

فصل: فإن قال المالك: دفعت إليك المال قرضاً، قال: بل قراضاً، أو بالعكس، أو قال: غصبتنيه قال: بل أودعتنيه، أو بالعكس.
أو قال: أعرتكه قال: أجرتنيه، أو بالعكس، فالقول قول المالك؛ لأنه ملكه، فالقول قوله في صفة خروجه عن يده، وإن قال المضارب: شرطت لي النفقة فأنكره، فالقول قول رب المال؛ لأن الأصل عدمه، وإن اتفقا على الشرط، فقال المضارب: إنما أنفقت من مالي، فالقول قوله؛ لأنه أمين فقبل قوله في الإنفاق، كالوصي، وله الرجوع سواء كان المال في يده أو لم يكن.

فصل: وإن اشترى رب المال شيئاً من مال المضاربة، لم يصح في إحدى الروايتين؛ لأنه ملكه، فلم يجز له شراؤه، كماله الذي مع وكيله، والثانية: يصح؛ لأنه قد تعلق به حق غيره، فأشبه مال مكاتبه، ويصح أن يشتري المضارب من مال المضاربة لنفسه؛ لأنه ملك غيره، فصح شراؤه له، كشراء الوكيل من موكله، ولا يصح شراء السيد من عبده، المأذون؛ لأنه ماله، ويحتمل أن يصح إذا ركبته الديون، وإن اشترى أحد الشريكين من مال الشركة، بطل في نصيبه، وفي الباقي وجهان بناء على تفريق الصفقة، ويحتمل أن يصح في الجميع، بناء على شراء رب المال من مال المضاربة، وإن استأجر أحد الشريكين من شريكه داراً ليحرز فيها مال الشركة، أو غرائر، صح، نص عليه، وإن استأجره أو غلامه أو دابته لنقل المتاع، ففيه روايتان: إحداهما: يجوز قياساً على الدار.
والثانية: لا يجوز؛ لأن الحيوان لا تجب له الأجرة إلا بالعمل ولا يمكن إبقاؤه في المشترك لعدم تميز نصيب أحدهما من الآخر، بخلاف الدار، فإن الواجب موضع العين من الدار، فيمكن تسليم العقود عليه.

فصل: ولا يجوز قسمة الدين في الذمم؛ لأنها لا تتكافأ، والقسمة بغير تعديل بيع، ولا يجوز بيع دين بدين وعنه: يجوز؛ لأن الاختلاف لا يمنع القسمة قياساً على اختلاف الأعيان، ولا يمكن قسمة الدين في ذمة واحدة؛ لأن معناها إفراز الحق، ولا يتصور في ذمة واحدة.

فصل: إذا كان لاثنين دين في ذمة رجل بسبب واحد، فقبض أحدهما منه شيئاً فهو بينهما، إذ لا يجوز أن يكون المقبوض نصيب من قبضه، لما فيه من قسمة الدين في

ذمة واحدة، وللشريك القابض مطالبته بنصيبه منه لذلك، وله مطالبة الغريم؛ لأنه لم يبرأ من حقه بتسليمه إلى غيره بغير إذنه، ومن أيهما أخذ، لم يرجع على الآخر؛ لأن حقه ثبت في أحد المحلين.
فإذا اختار أحدهما، سقط حقه من الآخر، وإن هلك المقبوض في يد القابض تعين حقه فيه، ولم يضمنه للغريم؛ لأنه قدر حقه فما تعدى بالقبض، وإنما كان لشريكه مشاركته لثبوته مشتركاً، وإن أبرأ أحدهما الغريم، برئ من نصيبه، ولم يرجع عليه الآخر بشيء؛ لأنه كتلفه، وإن أبرأه من نصف حقه ثم قبضا شيئاً، اقتسماه أثلاثاً، وإن أخر أحدهما حقه، جاز؛ لأنه يملك إسقاطه فتأخيره أولى، وإن اشترى بنصيبه شيئاً، فهو كما لو اشترى بعين مال مشترك بينهما، وإن كان الحق ثابتاً بسببين، كعقدين، أو إتلافين، فلا شركة بينهما، ولكل واحد استيفاء حقه مفرداً، فلا يشاركه الآخر فيه.

فصل: إذا ملكا عبداً، فباعه أحدهما بأمر الآخر، فادعى المشتري أنه قبض ثمنه، فأنكر البائع وصدقه الآخر، برئ من نصف ثمنه لاعتراف صاحبه بقبض وكيله له، والقول قول البائع مع يمينه في أنه لم يقبض؛ لأن الأصل عدمه، ولا تقبل شهادة شريكه عليه؛ لأن له فيها نفعاً، فإذا حلف، قبض نصيبه من المشتري، ولم يشاركه شريكه فيه؛ لأنه يدعي أنه يأخذه ظلماً، وإن كان البائع ادعى أن شريكه قبض الثمن كله فأنكر، لم تبرأ ذمة المشتري؛ لأنه لم يوكله في القبض، وليس للبائع مطالبة المشتري بأكثر من نصيبه، لاعترافه بأن ذمته برئت من نصيب صاحبه.
فإذا قبض نصيبه، فلصاحبه مشاركته فيه؛ لأن دينهما واحد.
فإذا رجع عليه، لم يكن للمقبوض منه مطالبة المشتري بشيء آخر، لاعترافه بقبضه لجميع حقه، وأن ما يأخذه صاحبه منه ظلم، ويحتمل أنه ليس لصاحبه مشاركته؛ لأنه ملك لاثنين، وعقد الواحد مع الاثنين كعقدين.

باب العبد المأذون

لا يجوز للعبد التجارة بغير إذن مولاه؛ لأن منافعه مملوكة له، فلا يملك التصرف فيها بغير إذنه، فإن رآه يتجر فسكت، لم يصر مأذوناً له؛ لأنه بيع يفتقر إلى الإذن، فلم يكن السكوت إذناً فيه كبيع مال الأجنبي، وإن اشترى في ذمته، لم يصح؛ لأنه عقد معاوضة، فأشبه النكاح.
فإن قبض المبيع فتلف في يده، تعلقت برقبته، كجنايته؛ لأنه تلف، في يده على وجه يلزمه ضمانه فأشبه ما لو أتلفه.

فصل: وإذا أذن له المولى، جاز؛ لأن الحجر لحقه فملك إزالته، ولا يملك التجارة إلا

فيما أذن فيه؛ لأن تصرفه بالإذن فلم يملك إلا ما دخل فيه، كالوكيل.
فإن عين له نوعاً أو قدراً، لم يملك التجارة في غيره، وإن أذن له في التجارة مطلقاً، جاز ولم يكن له أن يؤجر نفسه ولا يتوكل؛ لأنه عقد على نفسه فلم يملكه، كبيع نفسه وتزوجه، ولا ينصرف إلا على النظر والاحتياط كالمضارب؛ لأن إطلاق الإذن يحمل على العرف، وهو ما قلناه، ولا يبطل الإذن الإباق؛ لأنه لا يمنع ابتداء الإذن فلا يقطع استدامته كما لو غصبه غاصب.

فصل: ولا يجوز تبرع المأذون له بالدراهم والكسوة؛ لأنه ليس بتجارة ولا من توابعها، فلم يدخل في الإذن فيها، وتجوز هديته المأكول، واتخاذ الدعوة وإعارة دابته ما لم يسرف لما «روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه كان يجيب دعوة المملوك» ولأن العادة جارية به بين التجار، فجاز، كصدقة المرأة بالكسرة من بيت زوجها.

فصل: وما كسب العبد من المباح، أو وهب له فقبله، ملكه مولاه؛ لأنه كسب ماله فملكه، كصيد فهده، وإن ملكه سيده مالاً، ملكه؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من باع وله مال، فماله للبائع» ولأنه يملك البضع فملك المال، كالحر، وعنه: لا يملك؛ لأنه مال فلم يملك المال كالبهيمة.
فإن ملكه سيده جارية لم يملك وطأها قبل الإذن فيه؛ لأن ملكه غير تام، فإن أذن له فيه، ملكه.
قال أبو بكر: على كلتا الروايتين؛ لأنه يملك الاستمتاع بالنكاح، فملكه بالشراء كالحر، وقال القاضي: بل هذا بناء على الرواية التي يملك المال، ولا يملك ذلك على الأخرى؛ لقول الله تعالى: ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: 6] وإن لزمته كفارة، فكفارته الصيام لا غير إن لم يأذن له سيده في التكفير بالمال، وإن أذن له فيه، انبنى على الروايتين في ملكه.
فإن قلنا: لا يملك، لم يكفر بغير الصيام، وإن قلنا: يملك، فله التكفير بالإطعام والكسوة، وفي العتق وجهان: أحدهما: يملكه، قياساً على الإطعام والكسوة.
والثاني، لا يملكه؛ لأنه يتضمن الولاء، والعبد ليس من أهله.
فعلى الأول إن أذن له في التكفير بإعتاق نفسه فهل يجزئه؟ على وجهين، والله تعالى أعلم.

باب المساقاة

تجوز المساقاة على النخل، وسائر الشجر بجزء معلوم، يجعل للعامل من الثمر، لما روى ابن عمر: «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عامل أهل خيبر على شطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع» متفق عليه، ولأنه مال ينمى بالعمل عليه، فجازت المعاملة عليه ببعض نمائه، كالأثمان، ولا تجوز على ما لا يثمر.
كالصفصاف؛ لأن موضوعها على أن للعامل جزءاً من الثمرة، وفي المساقاة بعد ظهور الثمرة روايتان، حكاهما أبو الخطاب.
إحداهما: الجواز إذا بقي من العمل ما تزيد به الثمرة؛ لأنها جازت في المعدومة، مع كثرة الغرر، فمع قلته أولى.
والثانية: المنع، لإفضائها إلى أن يستحق جزءاً من النماء الموجود قبل العمل، فلم يصح، كالمضاربة بعد الربح، وإن ساقاه على شجر يغرسه، ويعمل عليه حتى يحمل، فيكون له جزء من الثمرة، جاز.
نص عليه؛ لأن الثمرة تحصل بالعمل عليها كما تحصل على النخل المغروس، ولا تصح إلا على شجر معين معلوم برؤية، أو صفة؛ لأنها معاوضة يختلف الغرض فيها باختلاف الأعيان، فأشبهت المضاربة، ولو قال: ساقيتك على أحد هذين الحائطين، لم يصح.

فصل: وظاهر كلام أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنها عقد جائز، لما روي عن ابن عمر «أن اليهود سألوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أن يقرهم بخيبر على أن يعملوها ويكون لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: نقركم على ذلك ما شئنا» رواه مسلم.
فلو كانت لازمة، لقدر مدتها، ولم يجعل إخراجهم إليه إذا شاء، ولأنه عقد على مال بجزء من نمائه، فكان جائزاً كالمضاربة فلذلك لا يفتقر إلى ضرب مدة، وإن وقتاها، جاز، كالمضاربة، وتنفسخ بموت كل واحد منها وجنونه، وفسخه لها.
فإن انفسخت بعد ظهور الثمرة، فهي بينهما؛ لأنها حدثت على ملكهما، وعلى العامل تمام العمل، كعامل المضاربة إذا انفسخت قبل أن ينض المال، وإن انفسخت قبل ظهورها، بفسخ العامل، فلا شيء له؛ لأنه رضي بإسقاط حقه، وإن انفسخت بغير ذلك، فللعامل أجرة مثله؛ لأنه منع إتمام عمله الذي يستحق به العوض، فصار كعامل الجعالة.

وقال بعض أصحابنا: هو لازم؛ لأنه عقد معاوضة فكان لازماً، كالإجارة، فعلى هذا يفتقر إلى تقدير مدتها كالإجارة، ويجب أن تكون المدة تكمل الثمرة في مثلها؛ لأن المقصود اشتراكهما في الثمرة.
فلا يحصل بدون ذلك.
فإن شرطا مدة لا تكمل الثمرة فيها، فعمل العامل، ففيه وجهان: أحدهما: لا شيء له؛ لأنه رضي بالعمل بغير عوض، فأشبه المتطوع.
والثاني: له أجرة مثله؛ لأنه يقتضي العوض، فلم يسقط بالرضى بتركه، كالوطء في النكاح، وإن جعلا مدة تحمل في مثلها، فلم يتحمل، فلا شيء له؛ لأنه عقد صحيح، فيه مسمى صحيح، فلم يستحق غيره.
كعامل المضاربة إذا لم يربح، وإن جعلا مدة قد تكمل فيها، وقد لا تكمل، ففيه وجهان: أحدهما: يصح؛ لأنها مدة يُرجى وجود الثمرة فيها، فصح العقد عليها، كالتي قبلها.
والثاني: لا يصح؛ لأنه عقد على معدوم ليس الغالب وجوده، فلم يصح، كالسلم في مثله.
فعلى هذا، إن عمل استحق الأجر؛ لأنه لم يرض بالعمل بغير عوض، ولم يسلم له، فرجع إلى بدله، كالإجارة الفاسدة.

فصل: ويجوز عقد المساقاة والإجارة على مدة يغلب على الظن بقاء العين فيها، وإن طالت؛ لأنه عقد يجوز عاماً، فجاز أكثر منه، كالكتابة.
فإذا عقدها على أكثر من عام، لم يجب ذكر قسط كل سنة، كما لو اشترى أعياناً بثمن واحد، وإن قدر قسط كل سنة، جاز، وإن اختلفت، نحو أن يقول: ساقيتك ثلاثة أعوام على أن لك نصف ثمرة العام الأول، وثلث الثانية، وربع الثالثة.
فإن انقضت المدة قبل طلوع ثمرة العام الآخر، فلا شيء للعامل منها؛ لأنها حدثت بعد موته، وإن ظهرت في مدته تعلق حقه بها لحدوثها في مدته.

فصل: وحكم المساقاة والمزارعة حكم المضاربة في الجزء المشروط للعامل في كونه معلوماً مشاعاً من جميع الثمرة، وفي الاختلاف في قدره وفساد العقد بجهله، وشرط دراهم لأحدهما، أو ثمرة شجر معين، أو عمل رب المال، أو غلمانه، في ملكه للنماء بالظهور؛ لأنه عقد على العمل في مال ببعض نمائه، فأشبه المضاربة، ولو شرط له ثمرة عام غير الذي عامله فيه، لم يصح، كما لو شرط للمضارب ربح غير مال المضاربة، وإن قال: إن سقيته سيحاً، فلك الثلث، وإن سقيته بنضح، فلك النصف، وإن زرعت

في الأرض حنطة فلك النصف، وإن زرعت شعيراً، فلك الثلث، لم يصح؛ لأنه عقد على مجهول، فلم يصح، كبيعتين في بيعة، ويتخرج أن يصح بناء على قوله في الإجارة: إن خطته رومياً، فلك درهم، وإن خطته فارسياً، فلك نصف درهم.

فصل: وإن ساقاه على بستانين بالنصف من هذا، والثلث من الآخر صح، أو على أنواع جعله له من كل نوع قدراً، أو جعل له في المزارعة نصف الحنطة وثلث الشعير، وهما يعلمان قدر كل نوع، أو كان البستان لاثنين، فساقياه على نصف ثمرة نصيب أحدهما، وثلث ثمرة الآخر، وهم يعلمونه، صح؛ لأنه معلوم فصح، كما لو كانا في عقدين، وإن لم يعلموا، لم يصح؛ لأنه مجهول، ولو قال: ما زرعت فيها من حنطة فلك نصفه، وما زرعت من شعير فلك ثلثه، لم يصح؛ لأنه مجهول.

فصل: وينعقد بلفظ المساقاة؛ لأنه موضوعها، وبما يؤدي معناه؛ لأنه المقصود المعنى، ولا يثبت فيها خيار الشرط، وإن قلنا بلزومها؛ لأنه لا يمكن رد المعقود عليه إذا فسخ، وفي خيار المجلس وجهان: أحدهما: لا يثبت؛ لأنه لا يثبت فيها خيار الشرط، فأشبه النكاح.
والثاني: يثبت؛ لأنه عقد لازم يقصد به المال، فأشبه البيع.

فصل: ويلزم العامل ما فيه صلاح الثمرة وزيادتها، كالحرث وآلته وبقره واستقاء الماء، وإصلاح طرقه وقطع الشوك، والحشيش المضر، واليابس من الشجرة، وزبار الكرم، وتسوية الثمرة، والحفظ والتشميس، وإصلاح موضعه، ونحو ذلك، وعلى رب المال ما فيه حفظ الأصل، كسد الحيطان وإنشاء الأنهار، وحفر بئر الماء، وعمل الدولاب ونصبه، قال أصحابنا: والثور الذي يديره؛ لأن هذا يراد لحفظ الأصل، ولهذا من أراد إنشاء بستان، عمل هذا كله، وقيل: ما يتكرر من كل عام، فعلى العامل، وما لا يتكرر فعلى رب المال، والجذاذ والحصاد واللقاط على العامل، نص عليه؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دفع خيبر إلى يهود، على أن يعملوها من أموالهم، وهذا من العمل مما لا تستغني عنه الثمرة، أشبه التشميس، وعنه: إن الجذاذ عليهما؛ لأنه يوجد بعد تكامل الثمر، وهذا ينتقض بالتشميس، فإن شرط على أحدهما ما يلزم الآخر، فقد نص أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: على الجذاذ عليهما، ويصح شرطه على العامل، فيخرج في سائر العمل مثل

ذلك، قياساً عليه، وقال القاضي: تفسد المساقاة؛ لأنه ينافي مقتضاها، أشبه ما لو شرط عمل المضاربة على رب المال.

فصل: والعامل أمين، والقول قوله فيما يدعيه من تلف، أو يدعى عليه من خيانة، أو تفريط، وإن ثبتت خيانته، ضم إليه من يشرف عليه، ولا تزال يده عن العمل؛ لأنه يمكن استيفاؤه منه، فإن لم ينحفظ، استؤجر من ماله من يعمل عنه؛ لأنه تعذر استيفاؤه منه، فاستوفى بغيره، وإن هرب، فهو كفسخه إن قلنا بجواز العقد، وإن قلنا بلزومه، رفع الأمر إلى الحاكم، ليستأجر من ماله من يعمل عنه.
فإن لم يكن له مال، اقترض عليه، فإن لم يجد، فللمالك الفسخ؛ لأنه تعذر استيفاء المعقود عليه، فأشبه ما لو استأجر داراً فتعذر تسليمها، ثم إن فسخ قبل ظهور الثمرة فلا شيء للعامل؛ لأن الفسخ لأمر من جهته، وإن كانت ظاهرة، فهي بينهما، وإن لم يفسخ رب المال، استأذن الحاكم في الإنفاق، ثم رجع بما أنفق، فإن لم يجد حاكماً، أشهد على الإنفاق بشرط الرجوع، ورجع به؛ لأنه حال ضرورة، وإن أنفق من غير استئذان الحاكم مع إمكانه، ففي الرجوع وجهان، بناء على قضاء دينه بغير إذنه، وإن عجز العامل عن العمل، لضعفه أو عن بعضه، أقام مقامه من يعمله، فإن لم يفعل، فهو كهربه، وإن استأذن رب المال، فأنفق بإذنه، رجع عليه.

فصل: فإن مات العامل، أو رب المال، وقلنا: يلزم العقد، قام الوارث مقامه؛ لأنه عقد لازم، أشبه الإجارة.
فإن كان الميت العامل، فأبى الوارث الإتمام، أو لم يكن وارث، استؤجر من التركة من يعمل، فإن لم يجد، تركة، فلرب المال الفسخ، ولا يقترض عليه؛ لأنه لا ذمة له، وإذا فسخ، فالحكم على ما ذكرنا.

فصل: فإن بان الشجر مستحقاً، رجع العامل على من ساقاه بالأجرة؛ لأنه لم يسلم له العوض، فرجع على من استعمله.
فإن كانت الثمرة باقية، أخذها ربها، وإن كانت تالفة، ضمنها لمن شاء منهما، فإن ضمنها للغاصب، ضمنه جميعها؛ لأنه حال بينه وبينه، وإن ضمنها العامل، ضمنه النصف؛ لأنه لم يحصل في يده غيره، ويحتمل أن يضمنه الجميع؛ لأن يده ثبتت عليه، وعمل فيه، فضمنه، كالعامل في القراض.

باب المزارعة

وهي: دفع الأرض إلى من يزرعها بجزء من الزرع، وتجوز في الأرض البيضاء والتي بين الشجر، لخبر ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وما ذكرنا في المساقاة، وأيهما أخرج البذر، جاز؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دفع خيبر معاملة، ولم يذكر البذر، وفي ترك ذكره دليل على جوازه من أيهما كان، وفي بعض لفظ الحديث ما يدل على أنه جعل البذر عليهم؛ لقول ابن عمر: «دفع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نخل خيبر وأرضها إليهم على أن يعملوها من أموالهم» . رواه مسلم، وفي لفظ: «على أن يعملوها ويزرعوها ولهم شطر ما يخرج منها» وعن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه كان يدفع الأرض على أن من أخرج البذر، فله كذا، ومن لم يخرجه، فله كذا، وظاهر كلام أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه يشترط كون البذر من رب الأرض؛ لأنه عقد يشترك رب المال والعامل في نمائه، فوجب أن يكون رأس المال من رب المال، كالمساقاة والمضاربة، فإن شرطه على العامل أو شرط أن يأخذ رب الأرض مثل بذره ويقتسما ما بقي، فسدت المزارعة، ومتى فسدت، فالزرع لصاحب البذر؛ لأنه من عين ماله، ولصاحبه عليه أجرة مثله.

فصل: فإن دفع بذراً إلى ذي أرض؛ ليزرعه فيها بجزء، لم يصح؛ لأن البذر لا من العامل ولا من رب الأرض.
فإن قال: أنا أزرع أرضي ببذري وعواملي على أن سقيها من مائك بجزء، لم يصح؛ لأن المزارعة معاملة على الأرض، فيجب أن يكون العمل فيها من غير صاحبها، وعنه: أنه يصح، اختارها أبو بكر؛ لأنه لما جاز أن يكون عوض العمل جزءاً مشاعاً، جاز أن يكون عوض الماء كذلك، وإن كانوا ثلاثة، من أحدهم الأرض، ومن آخر العمل، ومن آخر البذر، والزرع بينهم، فهي فاسدة، لما ذكرنا في أول الفصل.

فصل: فإن قال: أجرتك هذه الأرض بثلث الخارج منها.
فقال أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يصح، واختلف أصحابه، فقال أكثرهم: هي إجارة صحيحة، يشترط فيها شروط الإجارة، وقال أبو الخطاب: هذه مزارعة بلفظ الإجارة، فيشترط فيها شروط المزارعة، وحكمها حكمها؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من كانت له أرض، فليزرعها أو فليزرعها أخاه ولا يكريها بثلث، ولا بربع، ولا بطعام» مسمى رواه أبو داود، ولأن هذا مجهول فلم يجز أن يكون عوضاً في الإجارة.
كثلث نماء أرض أخرى.

فصل: وحكم المزارعة حكم المساقاة فيما ذكرناه، ومن الجواز واللزوم، وما يلزم العامل ورب الأرض وغير ذلك من أحكامها؛ لأنها معاملة على الأرض ببعض نمائها، وإن كانت الأرض شجر فقال: ساقيتك على الأرض والشجر بالنصف، أو قال: ساقيتك على الشجر بالنصف، وزارعتك الأرض بالثلث، جاز؛ لأنهما عقدان يجوز إفرادهما، فجاز جمعهما، كعينين.

فصل: ومتى سقط من الحب شيء، ثم نبت في عام آخر، أو سقط من حب المستأجر، ثم نبت في عام آخر، فهو لصاحب الأرض؛ لأن صاحب الحب أسقط حقه منه بحكم العرف، بدليل أن لكل أحد التقاطه، فسقط، كما لو سقط النوى، فنبت شجراً.

فصول الكتاب · 38 فصل · 561 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الكافي في فقه الإمام أحمد · 561 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيامكتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلمكتاب التفليسكتاب الصلحكتاب الضمانكتاب الوكالة
كتاب الإجارة
كتاب الشفعةكتاب الوصاياكتاب الفرائضكتاب العتق
كتاب النكاح
كتاب الصداقكتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب العددكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجنايات
كتاب الديات
كتاب قتل أهل البغي
كتاب الحدود
كتاب الجهاد
كتاب الأيمان
كتاب الأقضية
كتاب الشهاداتكتاب الإقرار
جارٍ التحميل