الكافي في فقه الإمام أحمدصفحات 418-432
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الزكاة

صفحات 418-432
عن هذه الطبعة
عَلَم
المقدسي، موفق الدين
الكتاب
الكافي في فقه الإمام أحمد
المؤلف
أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، 1414 هـ - 1994 م
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

بعد الأداء من الدفع لم يجزه؛ لأن الدفع حصل من غير نية قريبة ولا مقارنة، وإن دفعها إلى الإمام برئ منها بكل حال؛ لأن يد الإمام كيد الفقراء.
وإن أخذها الإمام قهراً أجزأت من غير نية رب المال؛ لأنها تؤخذ من الممتنع فلو لم تجزئ ما أخذت.
هذا ظاهر كلام الخرقي ويحتمل أن لا تجزئه فيما بينه وبين الله تعالى إلا بنيتها؛ لأنها عبادة محضة فلم تجز بغير نية، كالمصلي كرهاً، وهذا اختيار أبي الخطاب وابن عقيل، وقال القاضي: تجزئ نية الإمام في الكره والطوع؛ لأن أخذ الإمام كالقسم بين الشركاء، والأول أولى.

فصل: ولا يجوز تعجيل الزكاة قبل كمال النصاب؛ لأنه سببها فلم يجز تقديمها عليه كالتكفير قبل الحلف، ويجوز تعجيلها بعده، لما روي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن العباس سأل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يرخص له في أن يعجل الصدقة قبل أن تحل فرخص له» . رواه أبو داود.
ولأنه حق مال أجل للرفق فجاز تعجيله قبل أجله، كالدين ودية الخطأ.
وفي تعجيلها لأكثر من عام روايتان: إحداهما: يجوز لأنه عجلها بعد سببها.
والثانية: لا يجوز؛ لأنه عجلها قبل انعقاد حولها، فأشبه ما لو عجلها قبل انعقاد وقت نصابها، فإن ملك نصاباً فعجل زكاة نصابين عنه وعما يستفيده في الحول الآخر أجزأه عن النصاب دون الزيادة؛ لأنه عجل زكاة الزيادة قبل وجودها، ولو ملك خمساً من الإبل فعجل شاتين عنها وعن نتاجها، فحال الحول وقد نتجت خمساً فكذلك، لما ذكرنا، وإن ملك أربعين شاة فعجل عنها شاة، ثم ماتت الأمهات وبقيت سخالها، أجزأت عنها؛ لأنها لا تجزئ عنها وعن أمهاتها لو كانت باقية فعنها وحدها أولى، بخلاف التي قبلها، ولو ملك عرضاً قيمته ألف، فعجل زكاة ألفين، فحال الحول وقيمته ألفان أجزأه عن ألف واحد لما ذكرنا.

فصل: وإذا عجل الزكاة فلم تتغير الحال وقعت موقعها، وإن ملك نصاباً فعجل زكاته وحال الحول وهو ناقص مقدار ما عجلها أجزأت عنه.
وإن ملك مائة وعشرين، فعجل شاة ثم نتجت أخرى قبل كمال الحول؛ لزمه شاة ثانية؛ لأن المعجل كالباقي على ما ملكه في إجزائه عن الزكاة عند الحول، وكذلك في إيجاب الزكاة، وإن تغيرت الحال قبل الحول بموت الآخذ أو غناه أو ردته فإن الزكاة تجزئ عن ربها وليس له ارتجاعها،

لأنه أداها إلى مستحقها فبرئ منها، كما لو تلفت عند أخذها أو استغنى بها، أما إن تغيرت حال رب المال بموته أو ردته، أو تلف النصاب أو بعضه، أو بيعه أو حالهما معاً.
فقال أبو بكر والقاضي: الحكم كذلك لأنه دفعها إلى مستحقها فلم يملك الرجوع بها، كما لو لم يعلمه.
وقال ابن حامد: إن لم يعلمه رب المال أنها زكاة معجلة لم يكن له الرجوع عليه؛ لأن الظاهر أنها عطية تلزم بالقبض، فلم يكن له الرجوع بها، وإن كان الدافع الساعي أو رب المال، لكنه أعلم الآخذ أنها زكاة معجلة، رجع عليه؛ لأنه دفعها عن ما يستحقه القابض في الثاني، فإذا طرأ ما يمنع الاستحقاق وجب رده، كالأجرة إذا انهدمت الدار قبل السكنى، ثم إن وجدها بعينها أو زائدة زيادة متصلة رجع بها؛ لأن هذه الزيادة تتبع في الفسوخ فتبعت ههنا، وإن زادت زيادة منفصلة فهي للفقير؛ لأنها انفصلت في ملكه، وإن نقصت لزم الفقير نقصها لأنه ملكها بقبضها فكان نقصها عليه كالمعيب، وإن تلفت فعليه قيمتها يوم قبضها؛ لأن ما زاد بعد ذلك أو نقص إنما هو في ملك الفقير، فإن قال المالك: أعلمته الحال فأنكر الفقير فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه منكر.

فصل: ولو عجلها إلى غني فافتقر عند وجوبها لم يجزه؛ لأنه لم يعطها لمستحقها وإن عجلها فدفعها إلى مستحقها ثم مات المالك فحبسها الوارث عن زكاته، لم يجزه؛ لأنها عجلت قبل ملكه، فأشبه ما عجلها هو، وإن تسلف الإمام الزكاة فهلكت في يده، لم يضمنها، وكانت من ضمان الفقراء، سواء سأله رب المال أو الفقراء أو لم يسأله الجميع؛ لأن يده كأيديهم وله ولاية عليهم، بدليل أن له أخذ الزكاة بغير إذنهم، فإذا تلفت من غير تفريط لم يضمن كولي اليتيم.

فصل: وظاهر كلام القاضي أنه لا يجوز تعجيل العشر؛ لأنه يجب بسبب واحد وهو بدو الصلاح في الثمرة والحب، فتعجيله تقديماً له على سببه، وقال أبو الخطاب: يجوز تعجيله إذا ظهرت الثمرة وطلع الزرع، ولا يجوز قبله؛ لأن وجود ذلك كملك النصاب، وبدو الصلاح كتمام الحول.
وأما المعدن والركاز فلا يجوز تقديم صدقتهما قولاً واحداً؛ لأن سبب وجوبها يلازم وجوبها ولا يجوز تقديمها قبل سببها.

باب قسم الصدقات

يجوز لرب المال تفريق زكاته بنفسه؛ لأن عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليقضه ثم يزكي بقية ماله.
وأمر علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - واجد الركاز أن يتصدق بخمسه.
وله دفعها إلى الإمام عدلاً كان أو غيره، لما روى سهيل بن أبي صالح قال: أتيت سعد بن أبي وقاص فقلت: عندي مال وأريد إخراج زكاته، وهؤلاء القوم على ما ترى.
فقال: ادفعها إليهم.
فأتيت ابن عمر وأبا هريرة وأبا سعيد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فقالوا مثل ذلك، ولأنه نائب عن مستحقها فجاز الدفع إليه كولي اليتيم.
قال أحمد: أعجب إلي أن يخرجها، وذلك لأنه على ثقة من نفسه، ولا يأمن من السلطان أن يصرفها في غير مصارفها.
وعنه: ما يدل على أنه يستحب دفع زكاة الأموال الظاهرة إلى السلطان دون الباطنة؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وخلفاءه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كانوا يبعثون سعاتهم لقبض زكاة الأموال الظاهرة دون الباطنة.
وقال ابن أبي موسى وأبو الخطاب: دفعها إلى الإمام العادل أفضل؛ لأنه أعلم بالمصارف، والدفع إليه أبعد من التهمة، ويبرأ بها ظاهراً وباطناً، ودفعها إلى أهلها، يحتمل أن يصادف غير مستحقها فلا يبرأ بها باطناً.

فصل: ويجب على الإمام أن يبعث السعاة لقبض الصدقات؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والخلفاء - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كانوا يفعلونه، ولأن في الناس من لا يؤدي صدقته أو لا يعلم ما عليه، ففي إهمال ذلك ترك للزكاة.
ومن شرط الساعي أن يكون بالغاً عاقلاً أميناً؛ لأن الصبي والمجنون لا قبض لهما، والخائن يذهب بمال الزكاة، ولا يشترط كونه فقيراً؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد بعث عمر وعمله وكان غنياً، ولأن ما يعطيه أجرة، فأشبه أجرة حملها، ولا كونه حراً؛ لأن المقصود يحصل منه من غير ضرر، فأشبه الحر، ولا فقيهاً إذا كتب له ما يأخذ وحد له، أو بعث معه من يعلمه ذلك.
لأنه استئجار على استيفاء حق فلم يشترط له الفقه كاستيفاء الدين قال أبو الخطاب: في إسلامه روايتان: إحداهما: لا يشترط ذلك، ولأنه قد يعرف منه الأمانة بالتجربة، بدليل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: 75] .

والأخرى: هو شرط؛ لأن الكفر ينافي الأمانة.
وقد قال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لا تأتمنوهم وقد خونهم الله تعالى.
قال أصحابنا: وجوز أن يكون من ذوي القربى؛ لأن ما يأخذه أجرة فلم يمنع منها كأجرة الحمل، وظاهر الخبر يمنع ذلك، فإن «الفضل بن عباس وعبد المطلب بن ربيعة سألا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالا: يا رسول الله، لو بعثتنا على هذه الصدقة فنصيب منها ما يصيب الناس، ونؤدي إليك ما يؤدي الناس.
فأبى أن يبعثهما، وقال: إن هذه الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس» رواه مسلم.

فصل: وإذا كان الساعي يبعث لأخذ العشر بعث في وقت إخراجه، وإن بعث لقبض غيره، بعث في أول محرم؛ لأنه أول السنة.
ويستحب أن يعد الماشية على أهلها على الماء أو في أفنيتهم، لما روى عبد الله بن عمرو أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «تؤخذ صدقات الناس على مياههم وأفنيتهم» ، وإن أخبره صاحب المال بعدده قبل منه، وإن قال: لم يكمل الحول أو فرقت زكاته ونحو هذا مما يمنع الأخذ منه، قبل منه ولم يحلفه؛ لأن الزكاة عبادة وحق لله تعالى، فلا يحلف عليهما كالصلاة والحد.
وإن أعطاه صدقته، استحب أن يدعو له، لقول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: 103] . وروى عبد الله بن أبي أوفى قال: «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صل على آل فلان فأتاه أبي بصدقة فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى» متفق عليه.
ولا يجب الدعاء لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يأمر سعاته بذلك.
ويستحب أن يقول: آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طهوراً.
ويستحب للمعطي أن يقول: اللهم اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً.
وإن وجد الساعي مالاً لم يكمل حوله، فسلفه ربه زكاته أخذها، وإن أبى لم يجبره؛ لأنه ليس بواجب عليه، فإما أن يوكل من يقبضها منه عند حولها، وإما أن يؤخرها إلى الحول الثاني.

فصل: ويؤمر الساعي بتفريق الصدقة في بلدها، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لمعاذ: «أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» . ولا يجوز نقلها عنهم إلى بلد تقصر فيه الصلاة لذلك، ولأن نقلها عنهم يفضي إلى ضياع فقرائهم، فإن نقلها رب المال ففيه روايتان: إحداهما: لا يجزئه؛ لأنه حق واجب لأصناف بلد، فلم يجزئ إعطاؤه لغيرهم كالوصية لأصناف بلد.
والأخرى: يجزئه؛ لأنهم من أهل الصدقات، فإن استغنى عنها أهل بلدها جاز نقلها، لما روي أن معاذاً بعث إلى عمر صدقة من اليمن، فأنكر عمر ذلك وقال: لم أبعثك جابياً ولا آخذ جزية، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس وترد في فقرائهم.
فقال معاذ: ما بعثت إليك بشيء وأنا أجد أحداً يأخذه مني.
رواه أبو عبيد في كتاب الأموال.
فإن كان مال الرجل غائباً عنه زكاه في بلد المال، فإن كان متفرقاً زكى كل مال حيث هو، فإن كان نصاباً من السائمة ففيه وجهان: أحدهما: يلزمه في كل بلد من الرفض بقدر ما فيه من المال، لئلا تنقل زكاته إلى غير بلده.
والثاني: يجزئه الإخراج في بعضها، لئلا يفضي إلى تشقيص زكاة الحيوان.
وإن كان ماله تجارة يسافر به.
قال أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يزكيه في الموضع الذي أكثر مقامه فيه.
وعنه: يعطي بعضه في هذا البلد وبعضه في هذا.
وقال القاضي: يخرج زكاته حيث حال حوله؛ لأن المنع من هذا يفضي إلى تأخير الزكاة.
وإن كان ماله في بادية، فرق زكاته في أقرب البلاد إليها.

فصل: إذا احتاج الساعي إلى نقل الصدقة استحب أن يسم الماشية؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يسمها، ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك لتمييزها عن غنم الجزية والضوال، ولترد إلى مواضعها إذا شردت، ويسم الإبل والبقر في أصول أفخاذها؛ لأنه موضع صلب يقل ألم الوسم فيه، وهو قليل الشعر فتظهر السمة ويسم الغنم في آذانها، فيكتب عليها: لله أو زكاة.
وإن وقف من الماشية في الطريق شيء، أو خاف هلاكه جاز بيعه؛ لأنه موضع ضرورة، وإن باع لغير ذلك فقال القاضي: البيع باطل وعليه الضمان؛ لأنه متصرف

بالإذن ولم يؤذن له في ذلك، ويحتمل الجواز؛ لأن قيس بن أبي حازم روى «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رأى في إبل الصدقة ناقة كوماء فسأل عنها، فقال المصدق: إني ارتجعتها بإبل فسكت» . رواه سعيد بن منصور.
ومعنى الارتجاع أن يبيعها ويشتري بثمنها غيرها.

باب ذكر الأصناف الذين تدفع الزكاة لهم

وهم ثمانية ذكرهم الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 60] . فلا يجوز صرفها إلى غيرهم من بناء مساجد أو إصلاح طريق أو كفن ميت؛ لأن الله تعالى خصهم بها بقوله: إنما وهي للحصر تثبت المذكور وتنفي ما عداه.
ولا يجب تعميمهم بها.
وعنه: يجب تعميمهم والتسوية بينهم.
وأن يدفع من كل صنف إلى ثلاثة فصاعداً؛ لأنه أقل الجمع، إلا العامل، فإن ما يأخذه أجرة فجاز أن يكون واحداً، وإن تولى الرجل إخراجها بنفسه سقط العامل.
وهذا اختيار أبي بكر؛ لأن الله تعالى جعلها لهم بلام التمليك، وشرك بينهم بواو التشريك، فكانت بينهم على السواء كأهل الخمس، والأول: المذهب؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قال لمعاذ: أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» أمر بردها في صنف واحد.
«وقال لقبيصة لما سأله في حمالة: أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها» وهو صنف واحد.
وأمر بني بياضة بإعطاء صدقاتهم سلمة بن صخر وهو واحد، فتبين بهذا أن مراد الآية بيان مواضع الصرف دون التعميم؛ ولذلك لا يجب تعميم كل صنف، ولا التعميم بصدقة واحد إذا أخذها الساعي، بخلاف الخمس.

فصل: إذا تولى الإمام القسمة بدأ بالساعي فأعطاه عمالته؛ لأنه يأخذ عوضاً فكان حقه آكد ممن يأخذ مواساة.
وللإمام أن يعين أجرة الساعي قبل بعثه، وله أن يبعثه من غير شرط؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ساعياً ولم يجعل له أجرة فلما جاء أعطاه، فإن عين له أجرة دفعها إليه، وإلا دفع إليه أجرة مثله.
ويدفع منها أجرة الحاسب والكاتب

والعداد والسائق والراعي والحافظ والحمال والكيال ونحو ذلك؛ لأنه من مؤنتها فقدم على غيره.

فصل: والفقراء والمساكين صنفان، وكلاهما يأخذ لحاجته إلى مؤنة نفسه، والفقراء أشد حاجة؛ لأن الله تعالى بدأ بهم والعرب إنما تبدأ بالأهم فالأهم، ولأن الله تعالى قال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: 79] . فأخبر أن لهم سفينة يعملون بها، ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استعاذ من الفقر وقال: «اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين» رواه الترمذي.
فدل على أن الفقراء أشد، فالفقير من ليس له ما يقع موقعاً من كفايته من مكسب ولا غيره، والمسكين الذي له ذلك، فيعطى كل واحد منهما ما تتم به كفايته.
وإذا ادعى الفقر من لم يعرف بغنى قبل قوله بغير يمين؛ لأن الأصل عدم المال، وإن ادعاه من عرف غناه لم يقبل إلا ببينة، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة رجل أصابته فاقة حتى يشهد له ثلاث من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش أو سداداً من عيش» رواه مسلم.
وإن رآه جلداً وذكر أنه لا كسب له أعطاه من غير يمين، لما روى عبيد الله بن عدي بن الخيار: «أن رجلين أتيا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو يقسم الصدقة فسألاه شيئاً، فصعد بصره فيهما وصوبه، وقال لهما: إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب» رواه أبو داود.
وإن ادعى أن له عيالاً: فقال القاضي وأبو الخطاب: يقلد في ذلك كما قلد في حاجة نفسه.
وقال ابن عقيل: لا يقبل إلا ببينة؛ لأن الأصل عدم العيال، فلا تتعذر إقامة البينة عليهم، وإن كان لرجل دار يسكنها، أو دابة يحتاج إلى ركوبها، أو خادم يحتاج إلى خدمته، أو بضاعة يتجر بها، أو ضيعة يستغلها، أو سائمة يقتنيها، ولا يقوم بكفايته فله أخذ ما تتم به الكفاية ولا يلزمه بيع شيء من ذلك قل أو كثر.

فصل: الصنف الرابع: المؤلفة وهم السادة المطاعون في عشائرهم، وهم ضربان: كفار ومسلمون، فالكفار من يرجى إسلامهم أو يخاف شرهم؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعطى صفوان بن أمية يوم حنين قبل إسلامه ترغيباً له في الإسلام.

والمسلمون أربعة أضرب: منهم من له شرف، يرجى بإعطائه إسلام نظيره، فإن أبا بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أعطى عدي بن حاتم ثلاثين فريضة من الصدقة، وأعطى الزبرقان بن بدر، مع ثباتهما وحسن نياتهما.
الثاني: ضرب نيتهم ضعيفة في الإسلام، فيعطون لتقوى نيتهم فيه، فإن أنساً قال «حين أفاء الله على رسوله أموال هوزان طفق رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعطي رجالاً من قريش المائة من الإبل وقال: إني أعطي رجالاً حدثاء عهد بكفر أتالفهم» متفق عليه.
الثالث: قوم إذا أعطوا قاتلوا ودفعوا عن المسلمين.
الرابع: قوم إذا أعطوا جبوا الزكاة، ممن لا يعطيها إلا أن يخاف فكل هؤلاء يجوز الدفع إليهم من الزكاة لأنهم داخلون في اسم المؤلفة.
وقد سمى الله تعالى لهم سهماً.
وروى حنبل عن أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن حكمهم انقطع؛ لأن عمر وعثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - لم يعطياهم شيئاً.
والمذهب الأول.
فإن سهمهم ثبت بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ولا يثبت النسخ بالاحتمال وترك عمر وعثمان عطيتهم، وإنما كان لغناهم عنهم.
والمؤلفة إنما يعطون للحاجة إليهم، فإن استغني عنهم فلا شيء لهم.

فصل: الخامس: الرقاب.
وهم المكاتبون، يعطون ما يؤدونه في كتابتهم، ولا يقبل قوله: إنه مكاتب إلا ببينة لأن الأصل عدمها، فإن صدقه المولى ففيه وجهان: أحدهما: يقبل؛ لأن السيد يقر على نفسه.
والثاني: لا يقبل؛ لأنه متهم في أن يواطئه ليأخذ الزكاة بسببه.
وللسيد دفع زكاته إلى مكاتبه؛ لأنه معه في باب المعاملة كالأجنبي، ويجوز أن يردها المكاتب إليه؛ لأنه يأخذها وفاء عن دينه، فأشبه الغريم.
ولا يزاد المكاتب على ما يوفي كتابته، ويجوز أن يدفع إليه قبل حلول النجم لئلا يحل وهو معسر فتنفسخ كتابته.
وهل يجوز الإعتاق من الزكاة فيه روايتان: إحداهما: يجوز؛ لأنه من الرقاب فيدخل في الآية فعلى هذا يجوز أن يعين في ثمنها، وأن يشتريها كلها من زكاته ويعتقها، ولا يجوز أن يشتري ذا رحمه المحرم عليه، فإن فعل عتق عليه ولم تسقط الزكاة؛ لأن عتقه حصل بسبب غير الإعتاق من الزكاة، ويجوز أن يفتك منها أسيراً مسلماً؛ لأنه فك رقبته من الأسر.

والرواية الثانية: لا يجوز الإعتاق منها لأن الآية تقضي الدفع إلى الرقاب، لقوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 60] ، يريد الدفع إلى المجاهدين والعبد لا يدفع إليه.

فصل: السادس: الغارمون، وهم ضربان: ضرب غرم لإصلاح ذات البين، وهو من يحمل دية أو مالاً لتسكين فتنة، وإصلاح بين طائفتين، فيدفع إليه من الصدقة ما يؤدي حمالته، وإن كان غنياً، لما روى قبيصة بن مخارق قال: «تحملت حمالة فأتيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أسأله فيها فقال: أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها.
ثم قال: يا قبيصة إن الصدقة لا تحل إلا لثلاث، رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك» رواه مسلم، ولأنه يأخذ لمصلحة المسلمين، فجاز له الأخذ مع الغنى كالغازي.
الضرب الثاني: من غرم لمصلحة نفسه في مباح، فيعطى من الصدقة ما يقضي غرمه، ولا يعطي مع الغنى لأنه يأخذ لحاجة نفسه فلم يدفع إليه مع الغنى كالفقير.
وإن غرم في معصية، لم يدفع إليه قبل التوبة؛ لأنه لا يؤمن أن يستعين بها في المعصية، وفي إعطائه بعد التوبة وجهان: أحدهما: يعطى؛ لأنه يأخذ لتفريغ ذمته، لا لمعصية فجاز، كإعطائه لفقره.
والثاني: لا يعطى؛ لأنه لا يؤمن عوده إلى المعصية، ولا يقبل قوله: إنه غارم إلا ببينة فإن صدقه الغريم فعلى وجهين.
ويجوز للرجل دفع زكاته إلى غريمه وأخذها منه لما ذكرنا في المكاتب.

فصل: السابع: في سبيل الله وهم الغزاة الذين لا حق لهم في الديوان إذا نشطوا غزوا، ويعطون قدر ما يحتاجون إليه لغزوهم، من نفقة طريقهم وإقامتهم، وثمن السلاح والخيل إن كانوا فرساناً، وما يعطون السايس وحمولتهم إن كانوا رجالاً مع الغنى؛ لأنهم يأخذون لمصلحة المسلمين.
ولا يعطى الراتب في الديوان؛ لأنه يأخذ قدر كفايته من الفيء.
وفي الحج روايتان: إحداهما: هو من سبيل الله فيعطى من الصدقة ما يحج به حجة الإسلام، أو يعينه فيها مع الفقر، لما روي «أن رجلاً جعل ناقة له في سبيل الله فأرادت امرأته الحج فقال لها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اركبيها فإن الحج في سبيل الله» رواه أبو داود.

والثانية: لا يجوز ذلك؛ لأن سبيل الله إذا أطلق إنما يتناول الغزو، ولأنه لا مصلحة للمسلمين في حج الفقير، ولا حاجة به إلى إيجاب الحج عليه، فلم يدفع إليه كحج النفل.

فصل: الثامن: ابن السبيل.
وهو المسافر المنقطع به وله اليسار في بلده، فيعطى من الصدقة ما يبلغه، فأما المنشئ للسفر من بلده فليس بابن سبيل؛ لأن السبيل الطريق، وابنها الملازم لها الكائن فيها، والقاطن في بلده ليس بمسافر، ولا له حكم المسافر.
فإن كان هذا فقيراً أعطي لفقره، وإلا فلا.
ومن كان سفره لمعصية فهل يدفع إليه بعد التوبة ما يرجع به؟ على وجهين، كما ذكرنا فيمن غرم لمعصية.

فصل: ولا يدفع إلى واحد منهم أكثر مما يدفع به حاجته، فلا يزاد الفقير والمسكين على ما يغنيهما، ولا العامل على أجرته، ولا المؤلفة على ما يحصل به التأليف، ولا الغارم والمكاتب على ما يقضي دينهما، ولا الغازي على ما يحتاج إليه لغزوه، ولا ابن السبيل على ما يوصله بلده؛ لأن الدفع لحاجة، فوجب أن يتقيد بها، وإن اجتمع في واحد سببان كالغارم الفقير دفع إليه بهما؛ لأن كل واحد منهما سبب للأخذ، فوجب أن يثبت حكمه حيث وجد.

فصل: وأربعة يأخذون أخذاً مستقراً لا يرجع عليهم بشيء الفقراء والمساكين والعاملون والمؤلفة، وأربعة يأخذون أخذاً مراعى، الرقاب والغارمون والغزاة وابن السبيل، إن صرفوه فيما أخذوا له، وإلا استرجع منهم.
وإن فضل مع المكاتب شيء بعد أداء كتابته أو مع الغارم بعد قضاء غرمه، أو مع الغازي بعد غزوه، أو مع ابن السبيل بعد وصوله إلى بلده استرجع منهم وإن استغنوا عن الجميع ردوه، وإن عجز المكاتب رجع على سيده بما أخذ لأن الدفع إليهم لمعنى لم يوجد.
وقال الخرقي: إذا عجز المكاتب ورد في الرق، وقد كان تصدق عليه بشيء فهو لسيده.
وأربعة يأخذون مع الغنى؛ الغازي والعامل والغرم للإصلاح والمؤلفة؛ لأنهم يأخذون لحاجتنا إليهم.
والحاجة توجد مع الغنى، وسائرهم لا يعطون إلا مع الفقر؛ لأنهم يأخذون لحاجتهم، فاعتبر ذلك فيهم، إلا أن ابن السبيل تعتبر حاجته في مكانه، وإن كان له مال في بلده؛ لأنه غير مقدور عليه، فهو كالمعدوم.
ولا يستحب إعلام

الآخذ أنها زكاة إذا كان ظاهره الاستحقاق؛ لأن فيه كسر قلبه.
قال أحمد: ولم يبلغه بها، يعني: لا يعلمه.
فإن شك في استحقاقه أعلمه كما أعلم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرجلين الجلدين.

باب من لا يجوز دفع الزكاة إليه

وهم ستة أصناف: الكافر، لا يجوز الدفع إليه لغير التأليف، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» ، ولأنها مواساة تجب على المسلم فلا تجب للكافر كالنفقة.
الثاني: المملوك؛ لأن ما يعطاه يكون لسيده، ولأن نفقته على سيده فهو غني بغناه.
الثالث: بنو هاشم لا يعطون منها إلا لغزو أو حمالة؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إنما الصدقة أوساخ الناس وإنها لا تحل لمحمد وآل محمد» وسواء أعطوا حقهم من الخمس أو منعوه لعموم الخبر، ولأن منعهم لشرفهم، وشرفهم باق، فينبغي المنع.
الرابع: مواليهم: وهم معتقوهم، فحكمهم حكمهم، لما روى أبو رافع، «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث رجلاً من بني مخزوم على الصدقة فقال لأبي رافع: اصحبني كيما تصب منها، فانطلق إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فسأله فقال: إنا لا تحل لنا الصدقة وإن مولى القوم منهم» وهذا حديث صحيح، ولأنهم ممن يرثهم بني هاشم بالتعصيب، فحرمت عليهم الصدقة كبني هاشم.
وفي بني المطلب روايتان: إحداهما: تحل لهم؛ لأن المنع اختص بآل محمد وهم بنو هاشم فلا يلحق بهم غيرهم.
والثاني: يحرم عليه، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد وشبك أصابعه» أخرجه البخاري [والحديث بتمامه أخرجه الشافعي في مسنده] . ولأنهم يستحقون من خمس الخمس فأشبهوا بني هاشم.
الخامس: الغني، لا تحل له الزكاة سوى من ذكرنا لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا حظ فيها

لغني ولا لقوي مكتسب» ، وقوله: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي» وهذا حديث حسن.
وفي ضابطه روايتان: إحداهما: أنه الكفاية على الدوام، إما بصناعة أو مكسب أو أجرة أو نحوه.
اختارها أبو الخطاب وابن شهاب، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديث قبيصة: «فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش أو سدادا من عيش» مد إباحة المسألة إلى حصول الكفاية، ولأن الغنى ضد الحاجة وهي تذهب بالكفاية، وتوجد مع عدمها.
والثانية: أنه الكفاية أو ملك خمسين درهماً أو قيمتها من الذهب، لما روى ابن مسعود قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من سأل وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خموشاً أو خدوشاً أو كدوحاً في وجهه، فقيل: يا رسول الله ما الغنى؟ قال: خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب» . قال الترمذي: هذا حديث حسن.
فعلى هذه الرواية: إن كان له عيال فله أن يأخذ لكل واحد من عياله خمسين، نص عليه.
ولو ملك عروضاً تكثر قيمتها لا تقوم بكفايته؛ جاز الأخذ رواية واحدة، وإذا كان للمرأة زوج غني فهي غنية؛ لأن كفايتها واجبة عليه وجوباً متأكداً، فأما من تجب نفقته على نفسه فله الأخذ من الزكاة؛ لأن استحقاقه للنفقة مشروط بفقره، فيلزم من وجوبها له وجود الفقر، بخلاف نفقة الزوجة، ولأن وجوبها بطريق الصلة والمواساة بخلاف غيرها.
السادس: من تلزمه مؤنته: كزوجته ووالديه وإن علوا، وأولاده وإن سفلوا، الوارث منهم وغيره، ولا يجوز الدفع إليهم؛ لأن في دفعها إليهم إغناء لهم عن نفسه، فكأنه صرفها إلى نفسه، وفيمن يرثه غير عمودي نسبه روايتان: إحداهما: لا يدفع إليه؛ لأن الله تعالى أوجب نفقته عليه بقوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 233] . والثانية: يجوز لأنه ممن تقبل شهادته له، فجاز الدفع إليه، كالأجانب فإن كان محجوباً عن ميراثه، أو من ذوي الأرحام جاز الدفع إليه، وإن كان شخصان يرث أحدهما صاحبه دون الآخر كالعمة مع ابن أخيها فللموروث دفع زكاته إلى الوارث؛ لأنه لا يرثه، وفي دفع الوارث زكاته إلى موروثه الروايتان.
وهل للمرأة، دفع زكاتها إلى زوجها؟ على روايتين: إحدهما: يجوز؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لزينب امرأة ابن مسعود: «زوجك وولدك أحق

من تصدقت به عليهم» رواه البخاري، ولأنه لا تلزمها نفقته فلم تحرم عليه زكاتها كالأجنبي.
والثانية: لا يجوز؛ لأنها تنتفع بدفعها إليه، لوجوب نفقتها عليه، وتبسطها في ماله عادة فلم يجز دفعها إليه كالولد.

فصل: ويجوز لكل واحد من هؤلاء الأخذ من صدقة التطوع؛ لأن محمد بن علي كان يشرب من سقايات بين مكة والمدينة، وقال: إنما حرمت علينا الصدقة المفروضة.
ويجوز لفقراء ذوي القربى الأخذ من وصايا الفقراء والنذور؛ لأنها صدقة تطوع بها، وفي أخذهم من الكفارة وجهان.
وعنه: منعهم من صدقة التطوع، لعموم الخبر.
والأول أظهر، فإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «كل معروف صدقة» حديث صحيح.
ويجوز اصطناع المعروف إليهم.
وروى أبو سعيد عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل ابتاعها بماله، أو لرجل كان له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدى المسكين إلى الغني» رواه أبو داود.
ولو أهدى المسكين مما تصدق به عليه إلى الهاشمي حل له؛ «لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أكل مما تصدق به على أم عطية نسيبة وقال: إنها قد بلغت محلها» . متفق عليه.

فصل: وإذا دفع رب المال الصدقة إلى غني يظنه فقيراً ففيه روايتان: إحداهما: لا يجزئه؛ لأنه دفعها إلى غير مستحقها، فأشبه دفع الدين إلى غير صاحبه.
والثانية: يجزئه؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اكتفى بالظاهر لقوله للرجلين: «إن شئتما أعطيتكما منها ولا حظ فيها لغني» ، وهذا يدل على أنه يجزئ، ولأن الغنى يخفى فاعتبار حقيقته يشق، ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: 273] . وإن بان كافراً أو عبداً أو هاشمياً، لم تجزئه رواية واحدة؛ لأن حال هؤلاء لا تخفى فلم يعذر الدافع إليهم، بخلاف الغني.

فصل: وإذا تولى الرجل إخراج زكاته استحب أن يبدأ بأقاربه الذين يجوز الدفع إليهم، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صدقتك على ذي القربى صدقة وصلة» رواه الترمذي والنسائي.
ويخص ذوي الحاجة؛ لأنهم أحق، ومن مات وعليه زكاة ودين لا تتسع تركته لهما، قسمت بينهما بحصصهما؛ لأنهما تساويا في الوجوب فتساويا في القضاء.

باب صدقة التطوع

وهي مستحبة، لقول الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: 245] وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يصعد إلى الله إلا الطيب، فإن الله تعالى يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل» متفق عليه.
وصدقة السر أفضل لقول الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: 271] ، وجاء عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أن صلة الرحم تزيد في العمر وصدقة السر تطفئ غضب الرب» رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب.
والأفضل الصدقة على ذي الرحم للخبر، ولقول الله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: 14] ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: 15] ، والصدقة في أوقات الحاجة أكثر ثواباً للآية، وكذلك على من اشتدت حاجته، لقول الله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: 16] والصدقة في الأوقات الشريفة كرمضان، وفي الأماكن الشريفة تضاعف كما يضاعف غيرها من الحسنات، والنفقة في سبيل الله تضاعف سبعمائة ضعف، لقول الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: 261] .

فصل: ومن عليه دين، لا يجوز أن يتصدق صدقة تمنع قضاءها؛ لأنه واجب فلم يجز تركه، ولا يجوز تقديمها على نفقة العيال؛ لأنها واجبة، وقد قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت» رواه أبو داود.
وروى أبو هريرة قال: «أمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالصدقة، فقام رجل فقال: يا رسول الله عندي دينار فقال: تصدق على نفسك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على ولدك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على زوجك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على خادمك، قال: عندي آخر، قال: أنت أبصر» رواه أبو داود.
فإن وافقه عياله على الإيثار فهو أفضل، لقول الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9] وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أفضل الصدقة جهد من مقل إلى فقير في السر» رواه أبو داود [ولم يذكر (إلى فقير في السر) ] ، ومن أراد الصدقة بكل ماله، وكان يعلم من نفسه حسن التوكل وقوة اليقين والصبر عن المسألة، أو كان له مكسب يقوم به فذلك أفضل له وأولى به؛ لأن أبا بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تصدق بكل ماله، فروي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: «أمرنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن نتصدق، فوافق مالا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ما أبقيت لأهلك؟ قلت: أبقيت لهم مثله.
فأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ما أبقيت لأهلك؟ فقال: الله ورسوله، فقلت لا أسابقك إلى شي أبداً» ، وإن لم يثق من نفسه بهذا كره له، لما روي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «يأتي أحدكم بما يملك فيقول: هذه صدقة ثم يقعد يستكف الناس، خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى» رواهما أبو داود.
وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لسعد: «إنك أن تدع أهلك أغنياء خير من أن تدعهم عالةً يتكففون الناس» متفق عليه.
ويكره لمن لا صبر له على الإضاقة أن ينقص نفسه عن الكفاية التامة.

فصول الكتاب · 38 فصل · 561 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الكافي في فقه الإمام أحمد · 561 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيامكتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلمكتاب التفليسكتاب الصلحكتاب الضمانكتاب الوكالة
كتاب الإجارة
كتاب الشفعةكتاب الوصاياكتاب الفرائضكتاب العتق
كتاب النكاح
كتاب الصداقكتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب العددكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجنايات
كتاب الديات
كتاب قتل أهل البغي
كتاب الحدود
كتاب الجهاد
كتاب الأيمان
كتاب الأقضية
كتاب الشهاداتكتاب الإقرار
جارٍ التحميل