الكافي في فقه الإمام أحمدصفحات 107-115
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحدود

صفحات 107-115
عن هذه الطبعة
عَلَم
المقدسي، موفق الدين
الكتاب
الكافي في فقه الإمام أحمد
المؤلف
أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، 1414 هـ - 1994 م
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الشرط الرابع: أن يثبت عنده سببه بإقرار، أو بينة.
فإن ثبت بإقرار، فللسيد أن يسمعه، ويقيم الحد به إذا كان عالماً بشروط الإقرار وكيفيته.
وإن ثبت ببينة، اعتبر ثبوتها عند الحاكم؛ لأن للحاكم ولاية البحث عن العدالة، والاجتهاد فيها، ومعرفة شروطها، بخلاف غيره.
وذكر القاضي: أن السيد إن عرف شروطها، وأحسن استماعها، ملك سماعها، وإقامة الحد بها، كالإقرار.
ولا يقيم الحد بعلمه ورؤيته؛ لأن الإمام لا يقيمه بعلمه، فالسيد أولى.
وعن أحمد: أنه يقيمه بعلمه؛ لأنه ثبت عنده أشبه ما لو أقر به عنده.

فصل ولا يقام الحد على حامل حتى تضع، سواء كان الحد رجماً أو غيره؛ لأنه لا يؤمن تلف الولد.
وقد روى بريدة: «أن امرأة أتت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقالت: إني فجرت، فوالله إني لحبلى، فقال لها: ارجعي حتى تلدي فرجعت، فلما ولدت أتته بالصبي، فقال: ارجعي فأرضعيه حتى تفطميه.
فجاءت به وقد فطمته وفي يده شيء يأكله، فأمر بالصبي، فدفع إلى رجل من المسلمين، وأمر بها فحفر لها، وأمر بها فرجمت.» رواه أبو داود.
فإن كان الحد قتلاً، فالحكم فيه على ما ذكرنا في القصاص في الحامل.
وإن كان جلداً، وكانت عقيب الولادة قوية يؤمن تلفها، أقيم عليها الحد، وإن كانت ضعيفة أو في نفاسها، فقال أبو بكر: يقام حدها بشيء يؤمن معه تلفها، ولا تؤخر، كالمريض.
وقال القاضي: ظاهر كلام الخرقي، تأخيرها حتى تطهر من نفاسها، ويؤمن معه تلفها؛ لما روي عن علي قال: «فجرت جارية لآل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: يا علي انطلق فأقم عليها الحد فانطلقت، فإذا بها دم يسيل لم ينقطع، فأتيته فأخبرته، فقال: دعها حتى ينقطع عنها الدم، ثم أقم عليها.» رواه مسلم بنحو هذا المعنى.
ولا يجلد السكران حتى يصحو؛ لأن المقصود زجره وتنكيله، ولا يحصل في حال سكره.

فصل ولا يقام الحد في المسجد، جلداً كان أو غيره؛ لما روى حكيم بن حزام، «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى أن يستقاد في المسجد، وأن تنشد فيه الأشعار، وأن تقام فيه الحدود» ؛ ولأنه لا يؤمن أن يحدث من المحدود شيء، فيتلوث به المسجد، فإن أقيم به سقط الفرض؛ لأن المقصود حاصل.
والمرتكب للنهي غير المحدود، فلم يمنع

ذلك سقوط الفرض عنه، كما لو اقتص في غير المسجد.

فصل ومن أقيم عليه الحد، فمات منه، فالحق قتله، ولا شيء على من حده جلداً كان أو غيره؛ لأنه حد وجب لله، فلم يود من مات به، كالقطع في السرقة.
وإن زاد على الحد، فمات، وجب ضمانه؛ لأنه تعدى تعدياً أعان على تلفه، فوجب عليه ضمانه، كما لو ضربه أجنبي.
وفي قدره روايتان: إحداهما: الدية كلها؛ لأنه قتل حصل بأمر من جهة الله، وعدوان، فكان الضمان على العادي الدية، كما لو ضرب مريضاً سوطاً فقتله.
والثانية: نصف الدية؛ لأنه مات بفعل مضمون وغيره، فكان على العادي، نصف الدية، كما لو جرح نفسه، وجرحه آخر، فمات.
وسواء زاد سوطاً، أو أكثر، وسواء زاد خطأ، أو عمداً؛ لأن الخطأ يضمن، كالعمد.
ومتى كانت الزيادة من قبل الجلاد، فالضمان على عاقلته في الخطأ، وشبه العمد.
وإن كان له من يعد عليه، إما الإمام، أو غيره، فلم يخبره بانتهاء العدد، فالضمان على من يعد؛ لأن الخطأ منه.
وإن أمره الإمام بالزيادة، فزاد جاهلاً بتحريم الزيادة، فالضمان على الإمام، كما لو أمره بقتل معصوم يجهل المأمور حاله.
وإن علم تحريم ذلك، فالضمان عليه.
وقال القاضي: هو على الإمام، كما لو جهل الحال، ومتى كانت الزيادة من الإمام عمداً، فالضمان على عاقلته؛ لأنه عمد الخطأ، إلا أن يكون مما يقتل غالباً، فعليه في ماله؛ لأنه عمد.
وإن كان خطأ، ففيه روايتان: إحداهما: الضمان على عاقلته؛ لأنها جناية خطأ تحمل مثلها العاقلة، فكانت على عاقلته، كما لو أخطأ في غير الحكم.
والثانية: هي في بيت المال؛ لأنه نائب الله تعالى، فيتعلق الحكم بمال الله، ولأن خطأه يكثر، فإيجاب عقله على عاقلته إجحاف بهم.

فصل وإذا اجتمع عليه حدود من جنس، مثل أن زنى مرات، أو شرب الخمر مرات، ولم يحد، فحد واحد؛ لأنها طهرة سببها واحد، فتداخلت، كالطهارة.
وإن اجتمعت حدود من أجناس لا قتل فيها، أقيمت كلها؛ لأن أسبابها مختلفة، فلم تتداخل، كالطهارات المختلفة، ويبدأ بالأخف فالأخف؛ لأننا إذا بدأنا بالأغلظ، لم نأمن أن يموت فيفوت به سائرها، وأخفها حد الشرب إن قلنا: هو أربعون، فيبدأ به، ثم بحد

القذف.
وإن قلنا: هو ثمانون، بدئ بحد القذف؛ لأنه كحد الشرب في عدده، ويرجح لكونه حق آدمي، ثم بحد الشرب، ثم بحد للزنا، ثم بقطع للسرقة، ولا يقام الثاني حتى يبرأ من الأول؛ لأننا لا نأمن من تلفه بموالاتها، والمقصود زجره لا قتله.
وإن اجتمع قطع السرقة، وقطع المحاربة، قطعت يده لهما؛ لأن محلهما واحد، ثم تقطع رجله في الحال؛ لأن قطعهما حد واحد، فتجب الموالاة فيه، كالجلدات في الزنا، فأما إن كان في الحدود لله تعالى قتل، كالرجم في الزنا، أو القتل للمحاربة، قتل، وسقط سائرها؛ لأن ذلك يروى عن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ولأنها حدود لله تعالى فيها قتل، فاجتزئ به عنها، كما لو قطع في المحاربة، وأخذ المال، ولأن زجره يحصل بالقتل، فلا حاجة إلى غيره.

فصل وإن اجتمعت حدود للآدميين، استوفيت كلها، سواء كان فيها قتل، أو لم يكن.
ويبدأ بأخفها، لما ذكرنا.
وإن اجتمعت حدود لله تعالى، وللآدمي، ولا قتل فيها استوفيت كلها، إلا أن يتفق الحقان في محل واحد، كالقطع للقصاص والسرقة، فإنه يقدم القصاص؛ لأنه حق آدمي، ويسقط الحد لفوات محله.
وإن كان فيها قطع، سقط ما سواه من حدود الله، وتستوفى حقوق الآدميين، ثم يقتل، لما ذكرناه.

فصل والضرب في الزنا أشد منه في سائر الحدود؛ لأن الله تعالى، خصه بمزيد تأكيد بقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: 2] ولأن الفاحشة به أعظم، فكانت عقوبته أشد، ثم بعده الضرب في حد القذف؛ لأنه يليه في العدد، وهو حق آدمي، ثم الضرب في الشرب؛ لأنه أخف الحدود، وهو محض حق الله تعالى، ثم التعزير؛ لأنه لا يبلغ به الحد.
وذكر الخرقي: أن العبد يضرب بدون سوط الحر؛ لأن حده أقل عدداً، فيكون أخف سوطاً، كالشرب مع الزنا.
ويحتمل التسوية بينهما في السوط؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25] . ولا يتحقق النصف إذا نصفنا العدد، إلا مع تساوي السوطين.

فصل ويضرب في جميع الحدود بسوط وسط، لا جديد، ولا خلق، لما روي «أن رجلاً اعترف عند رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالزنا، فدعا له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بسوط، فأتي بسوط مكسور، فقال: فوق هذا وأتي بسوط جديد لم تكسر ثمرته، فقال: بين هذين.» رواه مالك عن زيد بن أسلم مرسلاً.
وقال علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ضرب بين ضربين، وسوط بين سوطين، وهكذا الضرب يكون وسطاً، لا شديد فيقتل، ولا ضعيف فلا يردع، ولا يرفع باعه كل الرفع، ولا يحطه كل الحط، قال أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لا يبدي إبطه في شيء من الحدود.
يعني: لا يبالغ في رفع يده؛ لأن المقصود أدبه، لا قتله.

باب التعزير

وهو مشروع في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، كوطء جاريته المشتركة، أو المزوجة، ومباشرة الأجنبية فيما دون الفرج، وسرقة ما لا يوجب الحد، والجناية بما لا يوجب القصاص ونحوه؛ لما روي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أنه سئل عن قول الرجل للرجل: يا فاسق، يا خبيث.
قال: هن فواحش، فيهن تعزير، ليس فيهن حد.
ويجوز بالضرب، وبالحبس، والتوبيخ.
ولا يجوز قطع شيء من أعضائه، ولا جرحه؛ لأنه لم يرد الشرع بذلك، ولا يتعين الجلد، إلا في وضعين: أحدهما: إذا وطئ جارية زوجته بإذنها، فإنه يجلد مائة؛ لما ذكرنا من حديث النعمان بن بشير.
والثاني: إذا وطئ الأمة المشتركة، فإنه يجلد مائة إلا سوطاً؛ لما روى سعيد بن المسيب عن عمر في أمة بين رجلين وطئها أحدهما يجلد الحد إلا سوطاً، ولا تقدير فيما عداهما، إلا أنه لا يزاد على عشر جلدات؛ لما روى أبو بردة قال: «سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: ولا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله» متفق عليه.
وعنه: أن وطء الجارية المشتركة، لا يزاد فيه على عشر جلدات، للخبر.
وعنه: ما يدل على أن ما كان سببه الوطء يجلد مائة إلا سوطاً؛ لخبر عمر.
وما كان سببه غير الوطء، لم يبلغ به أدنى الحدود، فلا يعزر الحر بما يجلد به في الخمر، ولا يبلغ بالعبد حده؛ لما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «من بلغ حداً في غير حد، فهو من المعتدين»

فصل ويجب التعزير في الموضعين اللذين ورد الخبر فيهما، وما عداهما يفوض إلى اجتهاد الإمام؛ لما «روي أن رجلاً أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: إني لقيت امرأة، فأصبت منها ما دون أن أطأها، فقال: أصليت معنا؟ قال: نعم.
فتلا عليه: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114] .» فإن جاء تائباً معترفاً يظهر منه الندم والإقلاع، جاز ترك تعزيره للخبر.
وإن لم يكن كذلك، وجب تعزيره؛ لأنه أدب مشروع لحق الله تعالى، فوجب كالحد.

فصل وإن مات من التعزير، لم يجب ضمانه؛ لأنه مات من عقوبة مشروعة للردع والزجر، فلم يضمن ما تلف بها، كالحد.
وإن تجاوز التعزير المشروع، ضمن، كما لو تجاوز الحد في الحد.

باب دفع الصائل

كل من قصد إنساناً في نفسه، أو أهله، أو ماله، أو دخل منزله بغير إذنه، فله دفعه؛ لما روى عبد الله بن عمرو - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل، فهو شهيد» . رواه الخلال بإسناده.
وقال الحسن: من عرض لك في مالك، فقاتله، فإن قتلته فإلى النار، وإن قتلك فشهيد؛ ولأنه لو لم يدفعه لاستولى قطاع الطرق على أموال الناس، واستولى الظلمة والفساق على أنفس أهل الدين وأموالهم.
ولا يجب الدفع؛ لما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال في الفتنة: «اجلس في بيتك، فإن خفت أن يبهرك شعاع السيف، فغط وجهك» . وفي لفظ: «فكن كخير ابني آدم» وفي لفظ: «فكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل» ؛ ولأن عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لم يدفع عن نفسه، إلا أن يراد أهله، فيجب الدفع؛ لأنه لا يجوز إقرار المنكر مع إمكان دفعه، وللمسلمين عون المظلوم، ودفع الظالم؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 9] وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً قال: كيف أنصره إذا كان ظالماً؟ قال: ترده عن ظلمه» وقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «المؤمنون يتعاونون على الفتان» ولأنهم لو لم يتعاونوا على دفع الظلم، لقهرهم الظلمة وقطاع الطريق.

فصل ويدفع الصائل بأسهل ما يمكن الدفع به، فإن أمكن دفعه بيده، لم يجز ضربه

بالعصا، وإن اندفع بالعصا، لم يجز ضربه بحديدة، وإن أمكنه دفعه بقطع عضو، لم يجز قتله، وإن لم يمكن إلا بالقتل، قتله ولم يضمنه؛ لأنه قتل بحق فلم يضمنه، كالباغي.
وإن قتل الدافع، فهو شهيد، وعلى الصائل ضمانه، للخبر ولأنه قتل مظلوماً، فأشبه ما لو قتله في غير الدفع.
فإن أمكنه دفعه بغير قطع شيء منه، فقطع منه عضواً، ضمنه، وإن أمكنه دفعه بقطع عضو، فقتله، أو قطع زيادة على ما يندفع به، ضمنه؛ لأنه جنى عليه بغير حق، أشبه الجاني ابتداء، ولأنه معصوم أبيح منه ما يندفع به شره، ففيما عداه يبقى على العصمة.
فإذا ضربه فعطله، لم يجز أن يضربه أخرى؛ لأنه قد انكف أذاه وهو المقصود.
وإن قطع يده، فولى عنه، فضربه، فقطع رجله، ضمن رجله؛ لأنها قطعت بغير حق، ولم يضمن اليد؛ لأنها قطعت بحق.
وإن مات منهما، فلا قصاص في النفس؛ لأنه من مباح ومحظور، ويضمن نصف ديته.

فصل وإن عض يد إنسان، فانتزعها من فيه، فانقلعت ثناياه، لم يضمنها؛ لما روى عمران بن حصين «أن يعلى بن أمية قاتل رجلاً، فعض أحدهما يد صاحبه، فانتزع يده من فيه، فانتزع ثنيته، فاختصما إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: أيعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل لا دية له» متفق عليه؛ ولأن فعله ألجأه إلى الإتلاف، فلم يضمنه، كما لو رماه بحجر، فعاد عليه فقتله.
وإن أراد رجل امرأة فقتلته دفعاً عن نفسها، لم تضمنه، نص عليه أحمد، وذكر حديثاً عن عبيد بن عمير أن رجلاً ضاف ناساً من هذيل، فأراد رجل منهم امرأة عن نفسها، فرمته بحجر فقتلته، فقال عمر: والله لا يودى أبداً.
ولو وجد رجل رجلاً يزني بامرأته فقتلهما لم يضمنهما؛ لما روى سعيد بإسناده عن إبراهيم أن قوماً قالوا لعمر: يا أمير المؤمنين، إن هذا قتل صاحبنا مع امرأته، فقال عمر: ما يقول هؤلاء؟ قال: ضرب الآخر فخذي امرأته بالسيف، فإن كان بينهما أحد فقد قتله، فقال له عمر: ما تقول؟ قالوا: ضرب بسيفه، فقطع فخذي المرأة، فأصاب وسط الرجل، فقطعه باثنين، فقال عمر: إن عادوا فعد.
إلا أن تكون المرأة مكرهة، فلا يحل قتلها.
وإن قتلها، ضمنها؛ لأنه قتلها بغير حق.

فصل ومن اطلع في بيت غيره من ثقب، أو شق باب، أو باب غير مفتوح.
فرماه

صاحب البيت بحصاة، أو طعنه بعود، فقلع عينه، لم يضمنها؛ لما روى أبو هريرة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة، ففقأت عينه، لم يكن عليك جناح» . وعن سهل بن سعد: «أن رجلاً اطلع في جحر من باب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ورسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يحك رأسه بمدرى في يده، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لو علمت أنك تنظرني، لطعنت بها في عينك» متفق عليهما.
ظاهر كلام أحمد أنه لا يعتبر أن لا يمكن دفعه إلا بذلك، لظاهر الخبر.
قال ابن حامد: يدفعه أولاً بأسهل ما يمكن دفعه به، كالصائل سواء.
وليس له رميه بحجر كبير يقتله، ولا بحديدة، فإن فعل، ضمنه؛ لأنه إنما يملك ما يقلع بع العين المبصرة التي حصل الأذى منها.
فإن لم يمكن دفعه بالشيء اليسير، جاز بالكبير حتى يأتي ذلك على نفسه، ولا ضمان عليه؛ لأنه تلف بفعل جائز.
وسواء كان في البيت حرمة ينظر إليها، أو لم يكن، لعموم الخبر.
وإن كان المطلع أعمى، لم يجز رميه؛ لأنه لا ينظر، فصار وجهه، كقفا غيره.
وإن اطلع ذو محرم لأهله، لم يجز رميه؛ لأنه غير ممنوع من النظر إلا أن تكون المرأة متجردة، فيجوز رميه؛ لأنه يحرم عليه النظر إليها متجردة كالأجنبي.
ولو تجرد إنسان في طريق، لم يجز له رمي من نظر إليه؛ لأنه هتك نفسه بتجرده في غير موضع التجرد.

فصل وإن صالت عليه بهيمة، فله دفعها بأسهل ما تندفع به، فإن لم يمكن إلا بالقتل فقتلها، لم يضمنها؛ لأنه إتلاف بدفع جائز، فلم يضمنه، كدفع الآدمي الصائل ولأنه حيوان قتله لدفع شره.
أشبه الآدمي.

فصل ومن قتل إنساناً، أو بهيمة، أو جنى عليهما، وادعى أنه فعل ذلك للدفع عن نفسه، أو حرمته، أو قتل رجلاً وامرأته، وادعى أنه وجده معها، فأنكر الولي، فالقول قول الولي، وله القصاص؛ لما روي أن علياً - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سئل عن رجل قتل امرأته ورجلاً معها، وادعى أنه وجده معها، فقال علي: إن جاء بأربعة شهداء، وإلا دفع برمته، ولأن القتل متحقق، وما يدعيه خلاف الظاهر.
وإن أقام بينة أنه قصده بسلاح مشهور، فضربه هذا، لم يضمنه؛ لأن الظاهر أنه قصد قتله.
وإن شهدت أنه دخل بسلاح غير مشهور، لم يسقط الضمان؛ لأنه ليس هاهنا ما يدفعه.

فصل ومن اقتنى كلباً عقوراً، فأطلقه حتى عقر إنساناً أو دابة، أو اقتنى هرة تأكل الطيور، فأكلت طير إنسان، ضمنه؛ لأنه مفرط باقتنائه وترك حفظه.
وإن دخل إنسان داره بغير إذنه، فعقره الكلب، لم يضمنه؛ لأنه متعد بالدخول، متسبب إلى إتلاف نفسه، فلم يضمنه، كما لو سقط في بئر فيها.

فصل وما أتلفت البهائم من الزرع ليلاً، فضمانه على صاحبها.
وما أتلفت منه نهاراً، لم يضمنه إلا أن تكون يده عليها؛ لما روى الزهري عن حرام بن سعد بن محيصة: «أن ناقة للبراء دخلت حائط قوم، فأفسدت فيه، فقضى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أن على أهل الأموال حفظها بالنهار، وما أفسدت بالليل، فهو مضمون عليهم.» رواه أبو داود؛ ولأن عادة أهل المواشي إرسالها بالنهار للرعي، وحفظها ليلاً، وعادة أهل الحوائط حفظها نهاراً دون الليل، فكان التفريط من تارك الحفظ في وقت عادته.
وذكر القاضي: أنه متى لم يكن في القرية مرعى إلا بين زرعين، لا يمكن حفظ الزرع فيه من البهيمة، كساقية ونحوها، فليس لصاحبها إرسالها ليلاً، ولا نهاراً، فإن فعل، فهو مفرط، وعليه الضمان.
ومتى كان التفريط في إرسال البهيمة من غير المالك، مثل أن أرسلها غيره، أو فتح بابها لص، أو غيره، فالضمان عليه دون المالك؛ لأنه سبب الإتلاف.

فصل وإن أتلفت البهيمة غير الزرع، ولا يد لصاحبها عليها، لم يضمنه ليلاً كان أو نهاراً؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «العجماء جبار» . يعني هدراً؛ لأن البهيمة لا تتلف ذلك عادة، فلم يجب حفظها عنه.
فإن ابتلعت جوهرة إنسان، فطلب ذبحها ليأخذ جوهرته، فعليه ضمان ما نقص بالذبح؛ لأنه فعل ذلك لتخليص ماله، وليس على صاحب البهيمة ضمان نقص الجوهرة؛ لأنها نقصت بفعل غير مضمون.
وإن كانت يد صاحبها عليها، ضمن الجوهرة؛ لأن فعلها منسوب إليه، ويخير بين ذبحها، ورد الجوهرة، وأرش نقصها، وبين غرمها بقيمتها، كمن غصب خيطاً فخاط به جرح حيوان.
فإن عاد فذبحها رد الجوهرة إلى صاحبها، واسترجع القيمة، كما لو غصب عبداً فأبق، فرد قيمته، ثم قدر عليه.

فصول الكتاب · 38 فصل · 561 صفحة
الانتقال إلى صفحة
جارٍ التحميل