الكافي في فقه الإمام أحمدكتاب التفليس
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب التفليس

عن هذه الطبعة
عَلَم
المقدسي، موفق الدين
الكتاب
الكافي في فقه الإمام أحمد
المؤلف
أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، 1414 هـ - 1994 م
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

ومن لزمه دين مؤجل، لم يجز مطالبته به؛ لأنه لا يلزمه أداؤه قبل أجله، ولا يجوز الحجر عليه به؛ لأنه لا يستحق المطالبة به، فلم يملك منعه من ماله بسببه، فإن أراد سفراً يحل دينه قبل قدومه منه، فلغريمه منعه، إلا برهن أو ضمين مليء؛ لأنه ليس له تأخير الحق عن محله، وفي السفر تأخيره.
وإن لم يكن كذلك، ففيه روايتان: إحداهما: له منعه؛ لأن قدومه عند المحل غير متيقن ولا ظاهر، فملك منعه منه كالأول.
والثانية: ليس له منعه؛ لأنه لا يملك المطالبة به في الحال، ولا يعلم أن السفر مانع منها عند الحلول، فأشبه السفر القصير.
وإن كان الدين حالاً، والغريم معسراً، لم تجز مطالبته، لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280] ولا يملك حبسه ولا ملازمته؛ لأنه دين لا يملك المطالبة به، فلم يملك به ذلك، كالمؤجل.
فإن كان ذا صنعة، ففيه روايتان: إحداهما: يجبر على إجارة نفسه؛ لما «روي أن رجلاً دخل المدينة، وذكر أن وراءه مالاً، فداينه الناس، ولم يكن وراءه مال، فسماه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سرقا، وباعه بخمسة أبعر» ، وروى الدارقطني نحوه وفيه أربعة أبعرة.
والحر لا يباع، فعلم أنه باع منافعه، ولأن الإجارة عقد معاوضة، فجاز أن يجبر عليه، كبيع ماله، وإجارة أم ولده.
والثانية: لا يجبر؛ لما روى أبو سعيد: «أن رجلاً أصيب في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: تصدقوا عليه فتصدقوا عليه، فلم يبلغ وفاء دينه، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك» رواه مسلم.
ولأنه نوع تكسب، فلم يجبر عليه كالتجارة.

فصل وإن كان موسراً، فلغريمه مطالبته، وعليه قضاؤه؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مطل الغني ظلم» متفق عليه.
فإن أبى، فله حبسه، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لي الواجد يحل عقوبته وعرضه» من المسند.
فإن لم يقضه، باع الحاكم ماله وقضى دينه، لما روي أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: إن أسيفع جهينة رضي من دينه وأمانته أن يقال: سابق الحاج، فادان معرضاً، فمن كان له عليه مال فليحضر، فإنا بائعو ماله وقاسموه بين غرمائه رواه مالك في الموطأ بنحوه، فإن غيب ماله، حبسه وعزره حتى يظهره.
ولا يجوز الحجر عليه مع إمكان الوفاء، لعدم الحاجة إليه.
وإن تعذر الوفاء، وخيف من تصرفه في ماله، حجر عليه إذا طلبه الغرماء، لئلا يدخل الضرر عليهم.

فصل فإن ادعى الإعسار من لم يعرف له مال، فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل عدمه.
وإن عرف له مال، أو كان الحق لزمه في مقابلة مال، كثمن مبيع، أو قرض، لم يقبل قوله إلا ببينة؛ لأن الأصل بقاء المال، ويحبس حتى يقيم البينة.
فإن قال: غريمي يعلم إعساري، فعلى غريمه اليمين أنه لا يعلم ذلك.
وإن أقام البينة على تلف المال، فعليه اليمين معها أنه معسر؛ لأنه صار بهذه البينة كمن لم يعرف له مال.
وإن شهدت بإعساره، فادعى غريمه أن له مالاً باطناً، لم يلزمه يمين؛ لأنه أقام البينة على ما ادعى، وتسمع البينة على التلف.
وإن لم يكن ذا خبرة باطنة؛ لأنه أمر يعرف بالمشاهدة ولا تسمع على الإعسار إلا من أهل الخبرة بحاله؛ لأنه من الأمور الباطنة.
فإن كان في يده مال فأقر به لغيره، سئل المقر له، فإن كذبه، بيع في الدين، وإن صدقه، سلم إليه.
فإن قال الغريم: أحلفوه أنه صادق لم يستحلف؛ لأنه لو رجع عن الإقرار، لم يقبل منه.
وإن طلب يمين المقر له؛ لأنه لو رجع قبل رجوعه.

فصل فإن كان ماله لا يفي بدينه، فسأل غرماؤه الحاكم الحجر عليه، لزمته إجابتهم؛ لما روى «كعب بن مالك: أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حجر على معاذ، وباع ماله» رواه سعيد بن منصور بنحوه عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، ولأن فيه دفعاً للضرر عن الغرماء، فلزم ذلك كقضائهم.
ويستحب الإشهاد على الحجر، ليعلم الناس حاله، فلا يعاملوه إلا على بصيرة، ويتعلق بالحجر عليه أربعة أحكام:

أحدها: منع تصرفه في ماله، فلا يصح بيعه ولا هبته، ولا وقفه، ولا غير ذلك؛ لأنه حجر ثبت بالحاكم، فمنع تصرفه، كالحجر للسفه.
وفي العتق روايتان: إحداهما: لا يصح لذلك، ولأن حق الغرماء تعلق بماله، فمنع صحة عتقه، كما لو كان مريضاً.
والثانية: يصح؛ لأنه عتق من مالك رشيد صحيح، أشبه عتق الراهن.
وإن أقر بدين، أو عين في يده، كالقصار والحائك يقر بثوب، لم يقبل إقراره لذلك، ويلزم في حقه، يتبع به بعد فك الحجر عنه، وإن توجهت عليه يمين فنكل عنها، فهو كإقراره.
وإن تصرف في ذمته بشراء، أو اقتراض أو ضمان، أو كفالة، صح؛ لأنه أهل للتصرف، والحجر إنما تعلق بماله دون ذمته.
ولا يشارك أصحاب هذه الديون الغرماء؛ لأن من علم منهم بفلسه فقد رضي بذلك، ومن لم يعلم، فهو مفرط.
ويبيعونه بعد فك الحجر عنه كالمقر له، وهل للبائع والمقرض الرجوع في أعيان أموالهما إن وجداها؟ على وجهين: أحدهما: لهما ذلك، للخبر، ولأنه باعه في وقت الفسخ، فلم يسقط حقه منه، كما لو تزوجت المرأة معسراً بنفقتها.
والثاني: لا فسخ لهما؛ لأنهما دخلا على بصيرة بخراب الذمة، أشبها من اشترى معيباً يعلم عيبه.
وإن جنى المفلس جناية توجب مالاً، لزمه وشارك صاحبه الغرماء؛ لأنه حق ثبت بغير رضى مستحقه، فوجب قضاؤه من المال كجناية عبده وإن ثبت عليه حق بسبب قبل الفلس ببينة، شارك صاحبه الغرماء؛ لأنه غريم قديم، فهو كغيره.
فصل الحكم الثاني: أنه يتعلق حقوق الغرماء بعين ماله، فليس لبعضهم الاختصاص بشيء منه سوى ما سنذكره.
ولو قضى المفلس أو الحاكم بعضهم وحده، لم يصح.
لأنهم شركاؤه فلم يجز اختصاصه دونهم.
ولو جنى عليه جناية أوجبت مالاً، أو ورث مالا تعلقت حقوقهم به.
وإن أوجبت قصاصاً لم يملكوا إجباره على العفو إلى مال؛ لأن فيه ضرراً بتفويت القصاص الواجب لحكمة الإحياء، ولا يجبر على قبول هبة، ولا صدقة، ولا قرض عرض عليه، ولا المرأة على التزوج؛ لأنه فيه ضرراً بلحوق المنة، أو التزوج من غير رغبة.
ولو باع بشرط الخيار، لم يجبر على ما فيه الحظ من رد، أو إمضاء؛ لأن الفلس يمنعه إحداث العقود، لا إمضاؤها وليس للغرماء الخيار؛ لأن الخيار لم يشرط لهم.
وإن وهب هبة بشرط الثواب، لزم قبوله؛ لأنه عوض عن مال، فلزم

قبوله، كثمن المبيع.
ولا يملك إسقاط ثمن مبيع ولا أجرة، ولا أخذه رديئاً، ولا قبض المسلم فيه صفته، إلا بإذن الغرماء، لما ذكرناه.
وإن ادعى مالاً له به شاهد، حلف وثبت المال، وتعلقت حقوقهم به، وإن نكل لم يكن للغرماء أن يحلفوا؛ لأن دعواهم لهذا المال غير مسموعة، فلا يثبت بأيمانهم، كالأجانب، ولأنهم لو حلفوا لحلفوا على إثبات مال لغيرهم، وكذلك الحكم في غرماء الميت، إذا لم يحلف الوارث، لم يحلفوا لما ذكرنا.

فصل والحكم الثالث: أن للحاكم بيع ماله، وقضاء دينه.
ويستحب أن يحضره عند البيع؛ لأنه أعرف بثمن ماله، وجيده ورديئه، فيتكلم عليه، وهو أطيب لقلبه، ويحضر الغرماء؛ لأنه أبعد من التهمة، ربما رغب بعضهم بشراء شيء، فزاد في ثمنه، أو وجد عين ماله فأخذها، فإن لم يفعل جاز؛ لأن ذلك موكول إليه، ويقيم منادياً ينادي على المتاع.
فإن عين المفلس والغرماء منادياً ثقة، أمضاه الحاكم.
وإن لم يكن ثقة رده؛ لأن للحاكم نظراً، فإنه ربما ظهر غريم آخر.
وإن اختلفوا في المنادي، قدم الحاكم أوثقهما وأعرفهما، فإن تطوع بالنداء ثقة، لم يستأجر؛ لأن فيه بذل الأجرة من غير حاجة، وإن عدم، بذلك الأجرة من مال المفلس؛ لأن البيع حق عليه، ويقدم على الغرماء بها؛ لأنه لو لم يعط، لم يناد.
وكذلك أجرة من يحفظ المتاع والثمن، ويحمله ويباع كل شيء في سوقه؛ لأن أهل السوق أعرف بقيمة المتاع وأرغب، وطلابه فيه أكثر.
فإن باعه في غيره بثمن مثله، جاز؛ لأنه ربما أداه اجتهاده إلى ذلك لمصلحة فيه، ويبدأ ببيع ما يسرع إليه الفساد؛ لأن في تأخيره هلاكه، ثم بالحيوان؛ لأنه يحتاج إلى العلف، ويخشى عليه التلف، ثم بالأثاث؛ لأنه يخشى تلفه، وتناله اليد، ثم بالعقار؛ لأنه أبعد تلفاً، وتأخيره أكثر لطالبيه، فيزداد ثمنه.
ومن وجد من الغرماء عين ماله، فهو أحق بها.
ومن اكترى من المفلس داراً، أو ظهراً بعينه قبل الحجر عليه، فهو أحق به؛ لأنه استحق عينه قبل إفلاسه، فأشبه ما لو اشترى منه عبداً.
وإن اكترى منه ظهراً في الذمة، فهو أسوة الغرماء؛ لأن دينه في الذمة أشبه سائر الغرماء، وإن كان في المتاع رهن أو جان، قدم الراهن والمجني عليه بثمنه؛ لأن المرتهن لم يرض بمجرد الذمة، بخلاف سائر الغرماء، وحق المجني عليه يقدم على حق المرتهن، فعلى غيره أولى.
وإن فضل منه فضل، رده على التركة، وإن لم يف بحقهما، فلا شيء للمجني عليه؛ لأنه لا حق له في غير الجاني، ويضرب المرتهن مع الغرماء بباقي دينه؛ لأن حقه متعلق بالذمة مع تعلقه بالعين، وإن بيع له متاع، فهلك ثمنه، أو استحق المبيع، رجع المشتري بثمنه.
وهل يقدم على الغرماء؟ فيه وجهان:

أحدهما: يقدم؛ لأن في تقديمه مصلحة، فإنه لو لم يقدم، تجنب الناس شراء ماله خوفاً من الاستحقاق، فيقل ثمنه، فقدم به، كأجرة المنادي.
والثاني: لا يقدم؛ لأنه حق لزمه بغير رضى صاحبه، أشبه أرش جنايته، ثم يقسم ما اجتمع من ماله بين الغرماء على قدر ديونهم.
فإن ظهر غريم بعد القسمة، نقضت وشاركهم؛ لأنه غريم، لو كان حاضراً لشاركهم، فإذا ظهر بعد ذلك، قاسمهم كما لو ظهر للميت غريم بعد قسم ماله.
وإن أكرى داره عاماً، وقبض أجرتها فقسمت، ثم انهدمت الدار، رجع المكتري على المفلس بأجرة ما بقي وشاركهم فيما اقتسموه؛ لأنه دين وجب بسبب قبل الحجر، فشارك به الغرماء كما لو انهدمت قبل القسمة.

فصل الحكم الرابع: أن من وجد عين ماله عنده، فهو أحق به؛ لما روى أبو هريرة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من وجد متاعه بعينه عند إنسان قد أفلس، فهو أحق به» متفق عليه.
وله الخيار بين أخذه أو تركه، وله أسوة الغرماء، سواء كانت السلعة مساوية لثمنها، أو أقل أو أكثر؛ لأن الإعسار ثبت للفسخ فلا يوجبه كالعيب، ولا يفتقر إلى حاكم؛ للخبر، ولأنه فسخ ثبت بنص السنة، فلم يفتقر إلى حاكم، كفسخ النكاح بالعتق تحت العبد.
وفيه وجهان: أحدهما: أن الخيار على التراخي؛ لأنه رجوع لا يسقط إلى عوض، كان على التراخي كالرجوع في الهبة.
والثاني: هو على الفور.
اختاره القاضي؛ لأن في تأخيره إضراراً بالغرماء، لتأخير حقوقهم، ولأنه خيار يثبت في المبيع، لنقص في العوض، أشبه الرد بالعيب، فإن حكم حاكم بسقوط الخيار، فقال أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ينقض حكمه؛ لأنه يخالف صريح السنة، ويحتمل أن لا ينقض؛ لأنه مختلف فيه.
ولو بذل الغرماء لصاحب السلعة ثمنها ليتركها، لم يلزمه قبول؛ للخبر، ولأنه تبرع بدفع الحق من غير من هو عليه، فلم يجبر المستحق على قبوله، كما لو أعسر بنفقة زوجته فبذلها غيره.
وسواء ملكها المفلس ببيع أو قرض، لعموم الخبر.
ولو أصدق امرأة مالاً، وأفلست قبل دخوله بها، ثم ارتدت أو طلقها، ووجد عين ماله فهو أحق بها.
ولو استأجر شيئاً فأفلس قبل مضي شيء من المدة، فللمؤجر الرجوع فيه؛ لأنه وجد عين ماله، وإن كان بعد مضي المدة، فهو غريم بالأجرة، وإن كان بعد مضي شيء منها، فهو غريم؛ لأن المدة كالمبيع، ومضي بعضها، كتلف بعضه.
وقال القاضي: له الفسخ.
فإن كان للمفلس زرع فعليه تبقيته بأجرة مثله.

فصل ولا يملك الرجوع إلا بشروط خمسة: أحدها: أن يجدها سالمة.
فإن تلف بعضها، أو باعه المفلس، أو وهبه، أو وقفه، فله أسوة الغرماء؛ لقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «من أدرك متاعه بعينه فهو أحق به» والذي تلف بعضه لم توجد عينه.
فإن كان المبيع عبدين، أو ثوبين، فتلف أحدهما أو بعضه، ففي السالم منهما روايتان: إحداهما: له الرجوع فيه بقسطه؛ لأنه وجده بعينه.
والثانية: لا يرجع؛ لأنه لم يجد المبيع بعينه، أشبه العين الواحدة.
وإن كان المبيع شجرة مثمرة، فتلفت ثمرتها، فله أسوة الغرماء؛ لأنهما كالعين الواحدة، إلا أن تكون الثمرة مؤبرة حين البيع، فاشترطها المبتاع، فهما كالعينين؛ لأن الثمرة لا تتبع الأصل، فهي كالولد المنفصل.
وإن نقص المبيع صفة، مثل أن هزل، أو نسي صناعة، أو كبر، أو كان ثوباً فخلق، لم يمنع الرجوع؛ لأن فقد الصفة لا يخرجه عن كونه عين المال، فيتخير بين أخذه ناقصاً، أو يكون أسوة الغرماء بكل الثمن.
وإن فقئت عينه، فهو كتلف بعضه، وإن شج، أو جرح، أو افتضت البكر، فكذلك في قول أبي بكر؛ لأنه نقص جزء ينقص قيمته، فأشبه ما لو فقئت عينه.
وقال القاضي: قياس المذهب أن له الرجوع؛ لأنه فقد صفة، فهو كالهزال، ثم إن كان لا أرش له لكونه حصل بفعل الله تعالى، أو فعل المفلس، فلا شيء للبائع مع الرجوع، وإن كان له أرش، فللبائع إذا رجع أن يضرب مع الغرماء بحصة ما نقص من ثمنه، فينظر ما نقص من قيمته فيرجع بقسطه من الثمن؛ لأنه مضمون على المشتري للبائع بالثمن والأرش للمفلس على الجاني.

فصل فإن كان المبيع زيتاً، فخلطه بزيت آخر، أو لت به سويقاً، أو صبغاً فصبغ به ثوباً، أو مسامير فسمر بها باباً، أو حجراً فبنى به، أو لوحاً فجعله في سفينة، أو سقف أو نحو ذلك، لم يكن له الرجوع؛ لأنه لا يقدر على أخذ عين ماله في بعض الصور، ولا يقدر في بعضها إلا بإتلاف مال المفلس، ولا يزال الضرر بالضرر.
وإن كانت حنطة، فطحنها أو زرعها، أو دقيقاً فخبزه، أو زيتاً فعمله صابوناً، أو غزلاً فنسجه، أو ثوباً فجعله قميصاً، أو حباً فصار زرعاً، أو بيضاً فصار فرخاً، أو نوى فنبت شجراً، أو نحوه مما يزيل اسمه، فلا رجوع له؛ لأنه لم يجد متاعه بعينه، لتعذر اسمه وصفته.

فصل وإن اشترى ثوباً فصبغه أو قصره، أو سويقاً فلته بزيت، فلصاحبهما الرجوع فيهما؛ لأن عين مالهما قائمة مشاهدة، لم يتغير اسمها، ولا صفتها، ويصير المفلس شريكهما بما زاد عن قيمتهما؛ لأن ما حصل من زيادة القيمة بالصبغ وغيره، فهي للمفلس؛ لأنها حصلت بفعله في ملكه.
وإن نقص الثوب، لم يمنع الرجوع؛ لأنه نقص صفة، فهو كالهزال.
وإن لم يزد بالقصارة، سقط حكمها، لعدم أثرها في الزيادة.
وإن اشترى أرضاً فزرعها، ثم أفلس، فللبائع الرجوع فيها، لما ذكرنا، ويكون الزرع مبقى إلى الحصاد بغير أجرة؛ لأن العوض في مقابلة الأرض، لا في مقابلة المنفعة فإذا فسخ، عادت إليه الرقبة دون المنفعة المستثناة شرعاً، كما لو باعه أمة فزوجها ثم رجع فيها دون منفعة بضعها.

فصل الشرط الثاني: أن لا يكون البائع قبض من ثمنها شيئاً، فإن قبض بعضه، فلا رجوع له، لما روى أبو هريرة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «أيما رجل باع سلعة، فأدرك سلعته بعينها عند رجل قد أفلس، ولم يكن قبض من ثمنها شيئاً، فهي له، وإن كان قد قبض من ثمنها شيئاً، فهو أسوة الغرماء» رواه أبو داود، ولأن في الرجوع بالباقي تبعيض الصفقة على المفلس، فلم يجز، كما لو لم يقبض شيئاً.

فصل الشرط الثالث: أن لا يتعلق بها حق غير المفلس، فإن خرجت عن ملكه ببيع أو غيره، لم يرجع؛ لأنه تعلق بها حق غيره، أشبه ما لو أعتقها.
وإن رهنها، سقط الرجوع لذلك، وإن تعلق بها أرش جناية، سقط الرجوع؛ لأنه يقدم على حق المرتهن، فهو أولى بالمنع، ويتوجه أن لا يمنع؛ لأنه لا يمنع تصرف المشتري بخلاف الرهن، فعلى هذا إن شاء رجع فيه ناقصه بعيب الجناية، وإن شاء فله أسوة الغرماء، فإن كان دين الرهن، أو أرش الجناية بقدر بعضه، منع الرجوع في الجميع؛ لأنه معنى منع الرجوع في بعضها، فمنعه في جميعها، كبيع بعضها.
وقال القاضي: يرجع في باقيها بقسطه؛ لأنه لا مانع فيه، وإن كان المبيع شقصاً مشفوعاً، ففيه وجهان: أحدهما: للبائع الرجوع، اختاره ابن حامد؛ للخبر، ولأنه إذا رجع فيه، عاد

الشقص إليه، فزال الضرر عن المبيع، لعدم شركه غير البائع.
والثاني: الشفيع أحق؛ لأن حقه آكد بدليل أنه ينزع الشقص من المشتري، وممن نقله إليه المشتري، بخلاف البائع.
وإن باعه المفلس أو وهبه، ثم عاد إليه، ففيه وجهان: أحدهما: له الرجوع للخبر، ولأنه وجد عين ماله خالياً عن حق غيره، أشبه إذا لم يبعه.
والثاني: لا يرجع؛ لأن هذا الملك لم ينتقل إليه منه، فلم يملك فسخه.
وإن كان المبيع صيداً، فوجده البائع بعد أن أحرم، سقط الرجوع؛ لأنه تملك للصيد، فلم يجز مع الإحرام كشرائه.

فصل الشرط الرابع: كون المفلس حياً، فإن مات فالبائع أسوة الغرماء، لما روى أبو هريرة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: فإن مات فصاحب المتاع أسوى الغرماء رواه أبو داود.
وفي لفظ: «أيما امرئ مات وعنده مال امرئ بعينه، اقتضى من ثمنه شيئاً، أو لم يقتض فهو أسوة الغرماء» رواه ابن ماجه.
ولأن الملك انتقل عن المفلس، فسقط الرجوع فيه كما لو باعه.

فصل الشرط الخامس: أن لا يزيد زيادة متصلة، كالسمن والكبر، وتعلم صنعة، فإن وجد ذلك، منع الرجوع، ذكره الخرقي؛ لأنه فسخ بسبب حادث، فمنعته الزيادة المتصلة، كالرجوع في الصداق للطلاق قبل الدخول.
وعن أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: له الرجوع للخبر، ولأنه فسخ فلم تمنعه الزيادة، كالرد بالعيب.
فأما الزيادة المنفصلة، كالولد والثمرة الظاهرة والكسب، فلا يمنع الرجوع؛ لأنه يمكن الرجوع في العين دونها، والزيادة للمفلس في ظاهر المذهب؛ لأنها نماء ملكه المنفصل، فكانت له، كما لو ردها بعيب، ورجعت إلى الزوج بالطلاق، ولأن قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الخراج بالضمان» رواه أبو داود.
يدل على أن النماء للمشتري، لكون الضمان عليه.
وقال أبو بكر: هي للبائع قياساً على المتصلة، والفرق ظاهر؛ لأن المتصلة تتبع في الفسوخ دون المنفصلة.

فصل فإن باعها حائلاً فحملت، فالحمل زيادة متصلة؛ لأنه يتبع أمه في العقود والفسوخ، ولا يمكن الرجوع فيها دونه، فهو كالسمن، ويحتمل أن يرجع فيها دون

ولدها، يتربص به حتى تضع؛ لأنه جزء لانفصاله غاية، فأشبه الثمرة.
وإن أفلس بعد وضعها، فهو زيادة منفصلة، له الرجوع في الأم دون الولد، إلا أن تكون أمة، فلا يجوز التفريق بينهما، ويخير بين دفع قيمة الولد ليملكهما، وبين بيعهما معاً، فيكون له من الثمن ما يخص الأم.
وإن باعها حاملاً، فلم تزد قيمتها، فله الرجوع، وإن زادت القيمة لكبر الحمل أو وضعه، فهي زيادة متصلة.
وإن زاد أحدهما خرج على الروايتين فيما إذا كان المبيع عينين، فتلفت إحداهما.
وقال القاضي: له الرجوع فيهما على كل حال.
ومن جعل الحمل لا حكم له، جعل حكمها حكم المبيعة حائلاً سواء.

فصل فإن باع نخلاً حائلاً فأطلعت، ثم أفلس المشتري قبل تأبيرها، فالطلع زيادة متصلة؛ لأنها تتبع في البيع.
وقال ابن حامد: حكمها حكم المنفصل؛ لأنه يمكن فصله، وإفراده بالبيع بخلاف السمن، وإن أفلس بعد تأبيرها، فهي زيادة منفصلة، تكون للمفلس متروكة إلى الجذاذ، كما لو اشترى النخل، وكذلك الحكم في سائر الشجر، وفي الأرض ينبت فيها الزرع، فإن اتفق المفلس والغرماء على تبقيته أو قطعه، فلهم ذلك، وإن اختلفوا، وله قيمته مقطوعاً، قدم قول من طلب القطع؛ لأنه أقل عذراً، ولأن الطالب للقطع، إما غريم يطلب حقه، أو مفلس يطلب تبرئة ذمته، فإن أقر المفلس للبائع بالطلع، لم يقبل إقراره؛ لأنه يسقط به حق الغرماء، فلم يقبل كإقراره بغريم آخر، وعلى الغرماء اليمين؛ لأنهم لا يعلمون برجوع البائع قبل التأبير؛ لأن اليمين تثبت في جنبهم ابتداء.
وإن أقر الغرماء، لم يقبل؛ لأن الملك للمفلس، ويحلف المفلس، ويثبت الطلع له، ينفرد به دونهم، لإقرارهم أنه لا حق لهم فيه، وله تخصيص بعضهم به، وقسمته بينهم، فمن أباه قيل له: إما أن تأخذه أو تبرئه؛ لأنه للمفلس حكماً، فقد قضاهم ما ثبت له، فلزمهم، قبوله، كما لو أدى المكاتب نجومه، فادعى سيده تحريمه.
فإن قبضوا الثمرة بعينها، لزمهم ردها إلى البائع لإقرارهم له بها، وإن قبضوا ثمنها، لم يلزمهم رده؛ لأنهم إنما اعترفوا له بالعين له بالثمن.
وإن شهد الغرماء للبائع بالطلع، وهم عدول، قبلت شهادتهم لأنهم غير متهمين.

فصل وإن اشترى أرضاً فغرسها، أو بنى فيها، ثم أفلس، فللبائع الرجوع في الأرض، ثم إن طلب المفلس والغرماء، قلع الغراس والبناء، فلهم ذلك، وعليهم ضمان ما نقصها القلع وتسوية الحفر؛ لأنه نقص حصل بفعلهم، لتخليص ملكهم، فأشبه المشتري مع الشفيع.
وإن أبوا القلع، فللبائع دفع قيمته ويملكه؛ لأنه حصل لغيره في ملكه بحق، فملك ذلك، كالشفيع، فإن أبى ذلك سقط الرجوع؛ لأن فيه ضرراً على المشتري، ولأن

عين ماله مشغولة بملك غيره، أشبه الحجر المبني عليه، هذا قول ابن حامد.
وقال القاضي: يحتمل أن له الرجوع؛ لأن شغل ملكه بملك غيره لا يمنع الرجوع إذا كان أصلاً، كالثوب إذا صبغ، فإذا رجع، فاتفق الجميع على البيع، بيع، وأعطي كل واحد حقه، وإن أبى بعضهم احتمل أن يجبر عليه؛ لأنه معنى ينفصل به أحدهما عن صاحبه، أشبه بيع الثوب المصبوغ، واحتمل أن لا يجبر صاحب الأرض، ويباع الشجر وحده؛ لأنه ممكن بخلاف الصبغ.

فصل وإن اشترى غراساً فغرسه، ثم أفلس فلم يزد، فللبائع الرجوع فيه، ويقلعه، ويضمن النقص، فإن أتى قلعه فبذل المفلس والغرماء قيمته ليملكوه، فلهم ذلك كالتي قبلها، وإن أرادوا قلعه، فلهم ذلك، ولا ضمان عليهم؛ لأن المفلس اشتراه مقلوعاً، فلم يلزمهم مع رده لذلك شيء آخر، ولا إبقاءه في أرضهم بغير استحقاق.
وإن زاد سقط الرجوع في قول الخرقي، وعلى رواية الميموني يحتمل ذلك أيضاً؛ لأن النماء فيه قد حصل من أرض المفلس، فلم يملك البائع أخذه، ويحتمل أن له الرجوع، كما لو سمن العبد من طعامه.
وإن اشترى من رجل أرضاً، ومن آخر غرساً، فغرسه فيها، فلصاحب الأرض الرجوع، وفي صاحب الغرس التفصيل الذي ذكرناه، فإن رجعا معاً، فالحكم فيهما، كما لو كان الغرس في أرض المفلس.

فصل وإن أفلس، وعليه دين مؤجل لم يحل؛ لأنه التأجيل حق له، فلم يبطل بفلسه، كسائر حقوقه، قال القاضي: لا يحل رواية واحدة.
وقال أبو الخطاب: فيه رواية أخرى أنه يحل؛ لأن الفلس معنى يوجب تعلق الدين بماله، فأسقط الأجل كالموت، فإن قلنا: لا يحل اختص أصحاب الديون الحالة بماله دونه؛ لأنه لا يستحق استيفاء حقه قبل أجله، وإن حل دينه قبل القسمة، شاركهم لمساواته إياهم في استيفائه، فأشبه من تجدد له دين بجناية المفلس عليه، وإن أدرك بعض المال، شاركهم فيه لذلك، فإن كان المؤجل برهن خص به؛ لأن حقه تعلق بعينه، فإن وجد عين ماله، فقال أحمد: يكون موقوفاً إلى أن يحل فيختار الفسخ أو الترك؛ لأن حقه تعلق بالعين، فقدم على غيره كالمرتهن، فإن كان ماله سلماً، فأدرك عين ماله، رجع فيها، وإن لم يدركها، وحل دينه قبل القسمة، ضرب بالمسلم فيه، وأخذ بقسطه من جنس حقه إن كان في المال وإلا اشترى به من جنس حقه، ودفع إليه، ولا يجوز أن يأخذ غير ما أسلم فيه؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره» رواه ابن ماجه وأبو داود.

فصل فإن مات إنسان، وعليه دين مؤجل، ففيه روايتان: إحداهما: لا يحل، اختارها الخرقي، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من ترك حقاً فلورثته» والتأجيل حق له.
فينتقل إلى ورثته؛ لأنه لا يحل به ماله، فلا يحل ما عليه كالجنون.
والثاني: يحل؛ لأن بقاءه ضرر على الميت لبقاء ذمته مرتهنة به، وعلى الوارث لمنعه التصرف في التركة، وعلى الغريم تأخير حقه، وربما تلفت التركة، وعلى كلتا الروايتين يتعلق الحق بالتركة، كتعلق الأرش بالجاني، ويمنع الوارث التصرف فيها إلا برضى الغريم، أو توثيق الحق بضمين مليء، أو رهن يفيء بالحق إن كان مؤجلاً، فإنهم قد يكونون أملياء، فيؤدي تصرفهم إلى فوات الحق، فإن تصرفوا قبل ذلك، صح تصرفهم كتصرف السيد في الجاني، ويلزمهم أقل الأمرين من قضاء الدين، أو قيمة التركة؛ لأنه لا يلزمهم أكثر من وفاء الدين، ولا أكثر من التركة، ولهذا لو كانت باقية، لم يلزمهم أكثر من تسليمها.
وإن تلفت التركة قبل التصرف فيها والتوثيق منها، سقط الحق كما لو تلف الجاني.
وإن قضى الورثة الدين من غير التركة أو منها، جاز.
وإن أبى الجميع، باع الحاكم من التركة ما يقضي به الدين.
وإن مات المفلس وعليه دين مؤجل، فوثق الورثة للمؤجل، اختص أصحاب الحالة بالتركة، وإن أبوا ذلك، حل دينه فشاركهم، لئلا يفضي إلى إسقاط دينه بالكية.

فصل وإذا حجر على المفلس، وهو ذو كسب يفيء بمؤنته ومؤنة من تلزمه مؤنته، فلذلك في كسبه؛ لأن ماله لا يخرج فيما لا حاجة إلى إخراجه فيه.
وإن لم يف كسبه بمؤنته، كملناها من ماله.
وإن لم يكن ذا كسب، أنفق عليه وعلى من تلزمه مؤنته من ماله بالمعروف في مدة الحجر؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» وفيمن يعوله من تكون نفقته ديناً، كالزوجة.
وإذا قدم نفقة نفسه على نفقة الزوجة، وجب تقديمها على سائر الديون، ولأن تجهيز الميت يقدم على دينه اتفاقاً، فنفقة الحي أولى؛ لأن حرمته آكد من حرمة الميت.
ويقدم نفقة من تلزمه مؤنته من أقاربه؛ لأنهم جروا مجراه، وكذلك عتقوا عليه إذا ملكهم.
وكذلك نفقة زوجته؛ لأنها آكد من نفقة أقاربه، وتجب كسوتهم أيضاً؛ لأن ذلك مما لا بد منه، ويكون ذلك من أدنى ما ينفق على مثلهم، أو

يكتسي مثلهم، فإن كانت له ثياب هي أرفع من كسوة مثله، بيعت واشتري لهم كسوة مثلهم، ورد الفضل على الغرماء.
وإن مات منهم ميت، كفن من ماله؛ لأنه يجري مجرى كسوة الحي، ويكفن في ثلاثة أثواب كغيره، ويحتمل أن يكفن في ثوب واحد؛ لأن الزائد فضل يستغنى عنه.
ولا تباع داره التي لا غناء له عن سكناها؛ لأنه لا بد منه أشبه الكسوة، فإن كانت واسعة، يكفيه بعضها بيع الفاضل منها إن أمكن وإلا بيعت كلها، واشتري له مسكن مثله، وإن لم يكن له مسكن، استؤجر له مسكن؛ لأن ذلك مما لا بد منه.
ورد الفضل على الغرماء ولا يباع خادمه الذي لا يستغني عن خدمته.
وإن كان مسكنه وخادمه وثيابه أعيان أموال الناس، أفلس بها ووجدوها، فلهم أخذها؛ للخبر، ولأن حقوقهم تعلقت بالعين، فكانت أقوى من غيرها.
ويحتمل أن من لم يكن له مسكن، ولا خادم، فاستدان ما اشتراهما به، وأفلس بذلك الدين أن يباع مسكنه وخادمه؛ لأنهما بأموال الغرماء، فتبقيتهما له إضرار بهم، وفتح باب الحيلة للمفاليس في استدانة ما يشترون به ذلك فيبقى لهم.

فصل وإذا قسم ماله بين غرمائه، ففيه وجهان: أحدهما: يزول الحجر عنه؛ لأن المعنى الذي حجر عليه من أجله حفظ المال، وقد زال ذلك، فيزول الحجر، لزوال سببه.
والثاني: لا يزول إلا بفك الحاكم له؛ لأنه حجر ثبت بالحاكم فلا يزول إلا به، كالحجر على السفيه.
وإذا فك الحجر عنه فلزمته ديون ثم حجر عليه ثانياً، شارك غرماء الحجر الأول غرماء الحجر الثاني، إلا أن الأولين يضربون ببقية ديونهم، والآخرون يضربون بجميع ديونهم.

باب الحجر

يحجر على الإنسان لحق نفسه لثلاثة أمور: صغر، وجنون، وسفه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6] .

فدل على أن لا تسلم إليهم قبل الرشد، وقوله: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: 5] . ولأن إطلاقهم في التصرف يفضي إلى ضياع أموالهم، وفيه ضرر عليهم.
ويتولى الأب مال الصبي والمجنون؛ لأنها ولاية على الصغير، فقدم فيها الأب، كولاية النكاح.
ثم وصيه بعده؛ لأنه نائبه.
فأشبه وكيله في الحياة، ثم الحاكم؛ لأن الولاية من جهة القرابة قد سقطت، فثبت للسلطان، كولاية النكاح.
ولا تثبت لغيرهم؛ لأن المال محل الخيانة، ومن سواهم قاصر الشفقة، غير مأمون على المال، فلم يله كالأجنبي.
ومن شرط ثبوت الولاية العدالة بلا خلاف؛ لأن في تفويضها إلى الفاسق تضييعاً لماله، فلم يجز، كتفويضها إلى سفيه.

تصرفات الولي في مال المحجور عليه

فصل وليس لوليه التصرف في ماله بما لا حظ له فيه، كالعتق والهبة والتبرعات والمحاباة، لقول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152] وقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لا ضرر ولا ضرار» من المسند.
وفي هذه إضرار، فلا يملكه ولا يأكل من ماله إن كان غنياً؛ لقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء: 6] . ومن كان فقيراً جاز لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 6] وليس له إلا أقل الأمرين من أجرته، أو قدر كفايته؛ لأنه لا يستحقه بالعمل والحاجة معاً، فلم يملك إلا ما وجدا فيه.
ثم إن كان أباً، فلا شيء عليه؛ لأن له أن يأخذ من مال ولده، وإن كان غيره ففيه روايتان: إحداهما: يضمن عوض ما أكله إذا أيسر؛ لأنه استباحة للحاجة، فلزمه عوضه كالمضطر.
والثانية: لا شيء عليه؛ لأن الله تعالى أمر بالأكل ولم يذكر عوضاً، ولأنه أجيز له الأكل بحق الولاية، فلم يضمنه، كرزق الإمام من بيت المال.
وإذا كان خلط مال اليتيم بماله أرفق له، مثل أن يكون ألين في الخبز، وأمكن في الأدم، خلطه.
وإن كان إفراده خيراً له أفرده؛ لقول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: 220] .

فصل وله أن يتجر بماله؛ لما روي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من ولي يتيماً فليتجر بماله، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة» رواه الترمذي.
ولأنه أحظ لليتيم؛ لتكون نفقته من ربحه، كما يفعل البالغ في ماله، ولا يتجر إلا في المواضع الآمنة.
لئلا يغرر بماله، والربح كله لليتيم؛ لأن المضارب إنما يستحق بعقد، وليس له أن يعقد مع نفسه لنفسه.
فإن أعطاه لمن يضارب له به، جاز؛ لأن العلاء بن عبد الرحمن روى عن أبيه عن جده: أن عمر بن الخطاب أعطاه مال يتيم مضاربة.
ولأن ذلك يفعله الإنسان في مال نفسه طلباً للحظ، وللمضارب من الربح ما وافقه الولي عليه؛ لأن الولي نائبه فيما فيه مصلحته، وهذا من مصلحته، فجاز كفعله له في ماله.

فصل ويجوز أن يشتري له العقار؛ لأن الحظ فيه يحصل منه الفضل ويبقى الأصل، فهو أحظ من التجارة، وأقل غرراً، وله أن يبنيه؛ لأنه في معنى الشراء، قال أصحابنا: ويبنيه بالآجر والطين، ليسلم الآجر عند انهدامه.
والصحيح أنه يبنيه بما جرت عادة أهل بلده؛ لأنه أحظ وأقل ضرراً.
ولا يجوز تحمل ضرر عاجل، لتوهم نفع عند الهدم فالظاهر أنه لا ينهدم إلا بعد زوال ملكه عنه.
ولا يجوز بيع عقاره لغير حاجة، لما فيه من تفويت الحظ الحاصل به، ويجوز للحاجة.
قال أصحابنا: لا يجوز إلا لحاجة إلى نفقة، أو قضاء دين، أو غبطة لزيادة كثيرة في ثمنه، كالثلث فما فوقه، والمنصوص: أن للوصي بيعه إذا كان نظراً لهم من غير تقييد بهذين.
وقد يكون الحظ في بيعه لغير هذا، لكونه في مكان لا غلة له، أو له غلة يسيرة، فيبيعه ويشتري بثمنه ما يكثر عليه، أو يكون له عقاران، يعمر أحدهما بثمن الآخر، فلا وجه لتقييده بهذين.

فصل ولا يجوز أن يودع ماله إلا لحاجة، ولا يقرضه إلا لحظه، مثل أن يخاف هلاكه، أو نقصانه ببقائه، فيقرضه ليستوفيه كاملاً، لا يقرضه إلا لمليء يأمن جحده، أو مطله.
ويأخذ بالعوض رهنا استيثاقاً له، وإن لم يأخذ، جاز في ظاهر كلامه، وإن أراد الولي السفر لم يكن له المسافرة بماله؛ لأنه يخاطر به، لكنه يقرضه، أو يودعه أميناً، والقرض أولى؛ لأنه مضمون بخلاف الوديعة.

فصل وله كتابة رقيقه وعتقه على مال، للحظ فيه، مثل أن يكاتبه، أو يعتقه بمثلي قيمته؛ لأنها معاوضة فتجوز للحظ فيها كالبيع، ولا يجوز ذلك بمثل قيمته؛ لأنه لا حظ

فيه.
قال أبو بكر: يتوجه جواز العتق بغير عوض للحظ، مثل أن يكون له جارية وابنتها تساويان مائة؛ لأجل اجتماعهما، وتساوي إحداهما مفردة مائتين، فتساوي قيمة الباقية مثلي قيمتها مجتمعتين.

فصل وينفق عليه نفقة مثله بالمعروف من غير إسراف ولا إقتار؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: 67] . ويقعده في المكتب بغير إذن الحاكم، ويؤدي أجرته؛ لأن من مصالحه العامة فجرى مجرى نفقته.
ويشتري له الأضحية إن كان موسراً؛ لأن فيه توسعة للنفقة عليه في يوم جرت فيه العادة بها، وتطييباً لقلبه، فجرى مجرى رفيع الثياب لمن عادته ذلك.

فصل وللأب بيع ماله بماله؛ لأنه غير متهم عليه، لكمال شفقته، وليس ذلك للوصي ولا للحاكم؛ لأنهما متهمان في طلب الحظ لأنفسهما، فلم يجز ذلك لهما.

فصل في اختلاف الولي والحجور عليه

فصل وإذا زال الحجر عنه فادعى وليه الإنفاق عليه، أو تلف ماله، فالقول قوله؛ لأنه أمين عليه، فقبل قوله، كالمودع.
وإن ادعى أنه لا حظ له في بيع عقار لم يقبل إلا ببينة.
وإن قال الولي: أنفقت عليك عامين، فقال: ما مات أبي إلا منذ عام، فالقول قول الغلام؛ لأن الأصل حياة أبيه، وقد اختلفا فيما ليس الوصي أميناً فيه، فكان القول قول مدعي الأصل.

فصل فيما ينفك به الحجر

فصل وإن بلغ الصبي، وعقل المجنون، ورشد، انفك الحجر عنهما من غير حاكم، ولا يفك قبل ذلك، لقول الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6] . وقسنا عليهم المجنون؛ لأنه في معناهم.
والبلوغ للغلام بأحد ثلاثة أشياء: أحدها: إنزال المني، لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: 59] . وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم» . رواه أبو داود.
والثاني: كمال خمسة عشر سنة؛ لما روى «ابن عمر قال: عرضت على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزني في القتال، وعرضت عليه وأنا ابن خمسة عشر فأجازني» متفق عليه.
والثالث: إنبات الشعر الخشن حول القبل؛ لما روى «عطية القرظي.
قال: عرضت على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم قريظة، فشكوا في فأمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن ينظر إلي هل أنبت؟ فنظروا فلم يجدوني أنبت، فخلوا عني وألحقوني بالذرية.» رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي وقال: حسن صحيح.
ولأنه خارج يلازمه البلوغ غالبا يستوي فيه الذكر والأنثى، فكان بلوغاً كالاحتلام، وبلوغ الجارية بهذه الثلاث.
وتزيد بشيئين: الحيض؛ لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار.» رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن، ولأنه خارج يلازم البلوغ غالباً، أشبه المني.
والثاني: الحمل؛ لأنه لا يكون إلا من المني.
فإذا ولدت المرأة، حكمنا ببلوغها حين حكمنا بحملها.
فإن كان خنثى مشكل، فحيضه علم على بلوغه، وكونه امرأة، وخروج المني من ذكره، علم على بلوغه، وكونه رجلاً؛ لأن الحيض من الرجل ومني الرجل من المرأة مستحيل، أو نادر.
وقال القاضي: ليس ذلك بدليل، لجواز أن يكون من خلقة زائدة، لكن إن اجتمعا، فقد بلغ؛ لأنه إن كان رجلاً فقد أمنى، وإن كانت امرأة فقد حاضت.

فصل ويستوي الذكر والأنثى في أنه ينفك عنه الحجر برشده وبلوغه، للآية؛ ولأن المرأة أحد نوعي الآدميين، فأشبهت الرجل.
وعنه: لا يدفع إليها مالها حتى تلد، أو تتزوج ويمضي عليها حول في بيت الزوج؛ لأن ذلك يروى عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فإن لم تتزوج، فقال القاضي: عندي أن يدفع إليها مالها إذا عنست، وبرزت للرجال.

فصل في تعريف الرشد وما يعرف به

فصل والرشد: الصلاح في المال؛ لأن ابن عباس قال في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: 6]

قال: إصلاحاً في أموالهم، ولأن الحجر عليه، لحفظ ماله، فيزول بصلاحه، كالعدل.
ولأن الفسق معنى، لو طرأ بعد الرشد، لم يوجب الحجر، فلم يمنع من الرشد، كالمرض.
فإن كان فسقه يؤثر في تلف ماله، كشراء الخمر ودفعها في الغناء والقمار، فليس برشيد؛ لأنه مفسد لماله.

فصل وإنما يعرف رشده باختباره؛ لقول الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: 6] . يعني: اختبروهم.
واختبارهم: تفويض التصرفات التي يتصرف فيها أمثالهم إليهم، من تجارة أو نيابة.
ويفوض إلى المرأة ما يفوض إلى ربة البيت، من استئجار الغزالات، وتوكيلها في شراء الكتان، والاستيفاء عليهن.
ووقت الاختيار قبل البلوغ في ظاهر المذهب؛ لقوله سبحانه: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: 6] . ولأن تأخيره يؤدي إلى الحجر على البالغ الرشيد حتى يختبره، ولا يختبر إلا المراهق المميز الذي يعرف البيع والشراء، فإذا تصرف بإذن وليه، صح تصرفه؛ لأنه متصرف بأمر الله تعالى، فصح تصرفه كالرشيد.
وفيه رواية أخرى لا يختبر إلا بعد البلوغ؛ لأنه قبله ليس بأهل للتصرف؛ لأنه لم يوجد البلوغ الذي هو مظنة العقل، فكان عقله بمنزلة المعدوم.
وفي تصرف الصبي المميزة بإذن وليه روايتان.
بناء على هذا.
فأما غير المأذون، فلا يصح تصرفه إلا في الشيء اليسير؛ لأن أبا الدرداء اشترى من صبي عصفوراً فأرسله.

فصل ومن لم يؤنس منه رشد، لم يدفع إليه ماله، ولم ينفك الحجر عنه، وإن صار شيخاً، للآية.
ولأنه غير مصلح لماله، فلم يدفع إليه، كالمجنون.
وإن فك الحجر عنه فعاود السفه، أعيد عله الحجر؛ لما روى عروة بن الزبير: أن عبد الله بن جعفر ابتاع بيعاً، فأتى الزبير فقال: إني قد ابتعت بيعاً، وإن علياً يريد أن يأتي أمير المؤمنين عثمان فيسأله الحجر علي، فقال الزبير: أنا شريكك في البيع، فأتى علي عثمان فقال: إن ابن جعفر قد ابتاع بيع كذا فاحجر عليه، فقال الزبير: أنا شريكه، فقال عثمان: كيف أحجر على رجل شريكه الزبير؟ وهذه قصة يشتهر مثلها، ولم تنكر فتكون إجماعاً.
ولأن السفه يقتضي الحجر لو قارن، فيقتضيه إذا طرأ، كالجنون.
ولا يحجر عليه إلا الإمام، أو

نائبه؛ لأن علياً سأل عثمان الحجر على ابن جعفر، ولم يفعله بنفسه.
ولأن معرفة التبذير تحتاج إلى نظر؛ لأن الغبن قد يكون تبذيراً، وقد يكون غير تبذير، فيحتاج إلى نائب الإمام، كالحجر للفلس، ولأنه مختلف فيه، أشبه الحجر للفلس، ولا يلي عليه إلا الإمام، أو نائبه؛ لأنه حجر ثبت به، فكان هو الولي، كحجر المفلس.

فصل ويستحب الإشهاد عليه والجهار بالحجر، لتجتنب معاملته.
فمن عامله ببيع، أو قرض، لم يصح، ولم يثبت به الملك.
فإن وجد المعامل له مالاً، أخذه.
وإن أتلفه السفيه، فهو من ضمان مالكه، علم أو لم يعلم؛ لأنه سلطه عليه برضاه.
وإن غصب مالاً أو أتلفه، ضمنه؛ لأن صاحبه لم يرض ذلك، ولأن الحجر على الصبي والمجنون لا يسقط عنهما ضمان المتلف، فهذا أولى.
وإن أودع مالاً فتلف، لم يضمنه، سواء فرط في الحفظ أو لم يفرط؛ لأنه تلف بتفريط صاحبه بتسليمه إليه.
وإن أتلفه، ففيه وجهان: أحدهما: يضمنه؛ لأن صاحبه لم يرض إتلافه، أشبه المغصوب.
والثاني: لا يضمنه؛ لأن صاحبه فرط في التسليم إليه.
وإن أقر بمال، لم يلزمه حال حجره؛ لأنه حجر عليه لحظه، فلم يقبل إقراره بالمال، كالصبي والمجنون.
ولأن قبول إقراره يبطل معنى الحجر؛ لأنه يداين الناس، ويقر لهم.
قال أصحابنا: ويلزمه ما أقر به بعد فك الحجر عنه، كالمفلس.
وفيه نظر؛ لأن الحجر عليه لعدم رشده، فهو كالصبي.
ولأن ثبوت إقراره في ذمته لا يفيد الحجر معه إلا تأخير الضرر إلى أكمل حالتيه إلا أن يريدوا أن يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى: فإن ما كان ثابتاً في ذمته لا يسقط بالحجر عليه.
وإن أقر بحد أو قصاص، لزمه؛ لأنه محجور عليه في ماله لا في نفسه.
فإن عفا ولي القصاص إلى ماله، ففيه وجهان: أحدهما: له ذلك؛ لأن من ثبت له القصاص ثبتت له الخبرة.
كما لو ثبت ببينة.
والثاني: لا يصح، لئلا يواطئ من يقر له بالقصاص، ليعفو على مال يأخذه.
وإن أقر بنسب قبل؛ لأنه ليس بمال، وينفق على الغلام من بيت المال؛ لأن إقرار السفيه بما يوجب المال غير مقبول.
وإن طلق امرأته، صح؛ لأن الحجر يحفظ المال، والطلاق يوفره ولا يضيعه.
فإن خالع، جاز؛ لأنه إذا جاز الطلاق بغير مال فبالمال أولى ولا تدفع المرأة إليه المال، فإن فعلت، لم يصح القبض، ولم تبرأ منه إلا بالدفع إلى وليه.
وإن تلف، كان من ضمانها.

فصل في تصرفات المحجور عليه

فصل وإن أذن له في النكاح، صح منه؛ لأن حاجته تدعوه إلى ذلك.
وليس بآلة للتبذير.
وقال القاضي: يصح من غير إذن الولي؛ لما ذكرنا.
وإن أذن له في البيع، ففيه وجهان: أحدهما: يصح منه؛ لأنه عقد معاوضة فصح منه بالإذن.
كالنكاح.
والثاني: لا يصح؛ لأن المقصود منه المال وهو محجور عليه فيه.
ولأن الحجر عليه لتبذيره، فالإذن له إذن فيما لا مصلحة فيه.
وإن حلف، انعقدت يمينه؛ لأنه مكلف.
ويكفر بالصوم؛ لأنه ممنوع من التصرف في المال فأشبه العبد.
وإن أحرم بالحج، صح.
لأنه من أهل العبادات، فإن كان فرضاً، لزمه إتمامه ويجب الإنفاق عليه إلى أن يفرغ منه؛ لأنه مال يحتاج إليه لأداء الفرض فوجب.
وإن كان تطوعاً لا تزيد نفقته على نفقة الإقامة، أو تزيد وله كسب، إذا أضافه إليه، أمكنه الحج، لزمه إتمامه.
وإن لم يكن كذلك، ففيه وجهان: أحدهما: على الولي تحليله؛ لأن في إتمامه تضييعاً للمال فيما لا يلزمه.
والثاني: ليس له تحليله، بناء على إحرام العبد بغير إذن سيده، ويتحلل بالصوم كالعبد.

فصل وإن وجب له القصاص، فله استيفاؤه؛ لأن القصد التشفي ودرك الثأر، وله العفو على مال؛ لأنه تحصيل.
فإن عفا إلى غير مال، وقلنا: الواجب القصاص عيناً، سقط إلى غير شيء.
وإن قلنا: الواجب أحد شيئين، وجبت الدية؛ لأنه ليس له إسقاط المال.

فصل ولا ينفذ عتقه؛ لأنه إتلاف لماله.
وحكي عنه: أنه يصح؛ لأنه مكلف مالك، أشبه الراهن.
ويصح تدبيره ووصيته؛ لأنه محض مصلحة، لتقربه به إلى الله تعالى عند غناه عن المال.
وإن نذر عبادة بدنية انعقد نذره؛ لأنه لا حجر عليه في بدنه.
وإن نذر صدقة مال، لم يصح، ويكفر عن نذره بالصيام.
وقياس قول أصحابنا: أنه يلزمه الوفاء به عند فك حجره كالإقرار.

فصل وهل للمرأة الرشيدة التبرع من مالها بغير إذن زوجها؟ فيه روايتان: إحداهما: لها ذلك لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6] .

وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن» وقبوله لصدقتهن حين تصدقن، ولأن من وجب دفع ماله إليه لرشده، نفذ تصرف فيه بغير إذن غيره كالرجل.
وعنه: لا تهب شيئاً إلا بإذن زوجها، ولا ينفذ عتقها؛ لما روى عبد الله بن عمرو أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها» . رواه أبو داود، وكلام أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عام في القليل والكثير.
وقال أصحابنا: لها التبرع بالثلث فما دون، وما زاد فعلى روايتين.

فصل وهل لها الصدقة من ماله بالشيء اليسير بغير إذنه؟ فيه روايتان: إحداهما: لها ذلك؛ لأن عائشة قالت: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما أنفقت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة كان لها أجرها، وله مثله بما كسب، ولها بما أنفقت، وللخازن مثل ذلك من غير أن ينتقص من أجورهم شيء» وعن «أسماء أنها قالت: يا رسول الله، ليس لي شيء إلا ما أدخل علي الزبير، فهل علي جناح أن أرضخ مما أدخل علي؟ قال: ارضخي ما استطعت، ولا توعي، فيوعي الله عليك» متفق عليهما.
ولأن العادة السماح بذلك، فجرى مجرى صريح الإذن.
والثانية: لا يجوز؛ لما روى أبو أمامة قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «لا تنفق المرأة شيئاً من بيتها إلا بإذن زوجها، قيل: يا رسول الله، ولا الطعام، قال: ذلك أفضل أموالنا» رواه سعيد والترمذي.
ولأنه تبرع بمال غيرها، فلم يجز، كالصدقة بثيابه والله تعالى أعلم.

فصول الكتاب · 38 فصل · 561 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الكافي في فقه الإمام أحمد · 561 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيامكتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلمكتاب التفليسكتاب الصلحكتاب الضمانكتاب الوكالة
كتاب الإجارة
كتاب الشفعةكتاب الوصاياكتاب الفرائضكتاب العتق
كتاب النكاح
كتاب الصداقكتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب العددكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجنايات
كتاب الديات
كتاب قتل أهل البغي
كتاب الحدود
كتاب الجهاد
كتاب الأيمان
كتاب الأقضية
كتاب الشهاداتكتاب الإقرار
جارٍ التحميل